معاهدة لندن (1840)

معاهدة لندن
Convention between Great Britain, Austria,
Prussia, Russia and Turkey
for the pacification of the Levant
التوقيع15 يوليو 1840
المكانلندن
الموقعونالمملكة المتحدة اللورد بالمرستون
الإمبراطورية النمساوية البارون نومان السفير النمساوي في انجلترا
بروسيا البارون بيلوف
الإمبراطورية الروسية البارون برينوف
الدولة العثمانية شكيب افندي وزير تركيا المفوض في لندره
الأطراف المملكة المتحدة
 الإمبراطورية النمساوية
 بروسيا
 الإمبراطورية الروسية
 الدولة العثمانية

معاهدة لندرة أو معاهدة لندن، هي معاهدة وقعت بين محمد علي باشا والي مصر والدولة العثمانية في 15 يوليو 1840.

وقد تسبب رفض محمد علي باشا لبنود المعاهدة، في نشوب الأزمة الشرقية 1840. والتي أسفرت عن رضوخ محمد علي للمعاهدة في 27 نوفمبر 1840.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

تدخل الدول بعد معركة نصيبين

ان انتصار الجيش المصري في معركة نصيبين قد وضع المسالة المصرية والمسالة الشرقية ومسالة التوازن الاوروبية عامة موضع البحث والنظر، وهذه هي المرة الثانية التي استرعت فيها انتصارات مصر انظار الدول الاوروبية واوقعتهن في الحيرة والارتباك، فالمرة الاولى كما تذكر كانت عقب انتصارات حمص وبيلان وقونية، وهذه المرة الثانية بعد نصيبين، وهذا يدلك على مدى تاثير تلك الانتصارات الباهرة، وحسبك دليلا على عظمها انها هزت كيان التوازن الاوروبي هزا، وتداعت اركان السلطنة العثمانية، وفتحت باب المسالة الشرقية، فتجددت اطماع الدول المختلفة بشانها، مما جعل السلام مهددا في اوروبا، واذا تاملت صحائف تاريخنا الحديث لم تجد لمصر من التاثير البالغ في السياسة الدولية الاوروبية مثلما كان لها عقب معركة نصيبين، ولا يغيبن عنك ان هذا يرجع اول وهلة الى انتصاراتها الحربية في ميادين القتال.

تلك الانتصارات التي هي صفحة فخار لمصر وجيشها وقائدها العظيم ابراهيم باشا، وانك لتلمح عظمة ابراهيم من كون قاد الجيش المصري في ميادين النصر الى حيث جعل تركيا والدول الاوروبية تقف مبهوتة مضطربة أمام وثبات ذلك الفتح الكبير، كانما هي امام القدر.

ذلك ما يقضي به الانصاف، وقد ارادت تركيا ان تنقض هذا الاتفاق بحد السيف، فتحرشت بالجيش المصري وتحدته الى القتال، وهاجمت حدود مصر الشمالية التي رسمها اتفاق كوتاهية، واجبرت مصر على خوض غمار القتال، فوقعت معركة نصيبين التي انتهت بهزيمة الجيش التركي، فالنتيجة العادلة لهذه العزيمة ان يبقى اتفاق كوتاهية مرعبا من تركيا ومن الدول وخاصة، لان سورية اقرب الى الدولة المصرية منها الى تركيا، اذ هي جزء من البلاد العربية التي جعل محمد علي غرضه الى يؤسس منها الدولة المصرية، فالعدالة والمصلحة السياسية والاجتماعية، والنتيجة المنطقية للمعركة، كل اولئك يقضي بالاعتراف باستقلال مصر التام وانفصالها عن تركيا وانضمام سورية اليها.

ولو ان الدول الاوروبية عاملت مصر بمثل العطف الذي عاملت به اليونان، في ثورتها على تركيا، لما كان هناك شك في اقرار تلك النتيجة، لا بل ان مصر اولى باقرارها على مطالبها ينجها من اثار الهزيمة سوى مظاهرة الدول الاوروبية وتحالفهن على تركيا، ومع ذلك فان السياسة الدولية الاوروبية قضت لليونان باستقلالها التام، أما مصر فقد حكمت عليها ان تبقى تحت السيادة التركية، وان تتخلى عن سورية وجزيرة العرب وأضنة وكريت، وائتمرت بها الدول وحاربتها وقصت اجنحتها، وقضت عليها باضعاف قوتها البرية والبحرية كما سيجئ بيانه، وهذه المقارنة تصور لك الفرق بين معاملة اوروبا لامة غربية ومعاملتها للامم الشرقية، وتريك المكيال الواحد يكبر ويصغر، كانه فيه روح الشيطان.[1]


مواقف الدول

حرّك انتصار الجيش المصري في نصيبين مسألة التوازن الاوروبي والمسالة الشرقية، فوقفت الدول الاوروبية مواقف مختلفة تبعا لاختلاف اطماعها ونزعاتها.

موقف الروسيا

انتهزت روسيا الفرصة لبسط حمايتها الفعلية على تركيا بحجة الدفاع عنها.

موقف فرنسا

كانت فرنسا تميل الى اقرار محمد علي باشا على سورية وجزيرة العرب طبقا لاتفاق كوتاهية ولما ادت اليه معركة نصيبين.

موقف انجلترا

جاهرت انجلترا بعدائها لمصر، واعلنت وجهة نظرها في وجوب المحافظة على كيان السلطنة العثمانية، وان هذا الكيان لا يقوم لا برد سورية الى تركيا، واخضاع محمد علي بالقوة، واخذت تؤلب الدول الاخرى على مصر ليشتركن معها في اخضاعها، ولم تكن المحافظة على كيان السلطنة العثمانية هي وجهة نظرها الحقيقية، بل غايتها الجوهرية هي اضعاف الدولة المصرية لانها ترى فيها اذا قويت مزاحما لها في سيادتها بالبحر الابيض المتوسط ورقيبا عليها في طريقها الى الهند، ومن هنا كانت انجلترا تتمسك بكل عزم وقوة بوجوب رد سورية الى تركيا، لان امتداد نفوذ مصر في البلاد السورية يجعلها دولة بحرية قوية من دول البحر الابيض المتوسط، ويجعل لها الاشراف على طريق الهند من ناحية الفرات والعراق، فضلا عن طريق البحر الاحمر وبرزخ السويس.

وكانت تتمسك ايضا برد الاسطول التركي الى الدولة العثمانية لان اندماجه في الاسطول المصري يجعل لمصر قوة بحرية كبيرة تخيف انجلترا.

ان عداء انجلترا لمصر من القواعد الاساسية لسياستها الاستعمارية، فمنذ اخفقت في احتلالها البلاد سنة 1807، رات محمد علي يعترضها في طريق مطامعها الاستعمارية، فينشئ على ضفاف النيل دولة مصرية قوية، ويمد نفوذها الى شبه جزيرة العرب، ويصل الى نهر الفرات وشاطئ الخليج الفارسين وسواحل اليمن، وهذه البلاد كلها واقعة في طريق الهند، فلا جرم ان تحنق انجلترا على مصر الفتية القوية، وتبغيها الغوائل وتدس لها الدسائس، فالسياسة الانجليزية هي التي سعت جهدها لتقليم اظفار مصر وقص اجنحتها، وابقائها تحت السيادة التركية ، وانقاص قوتها البرية والبحرية، ترمي من ذلك الى اضعاف طبقا لمبدئها القديم وهو الا تقوم في مصر دولة قوية تعترض طريقها الى الهند، كان استعمارها للهند يقتضي استعباد جميع البلاد التي في طريقها اليها، وهذا من اغرب ما يقضي به الجشع الاستعماري.

وكان لها من اضعاف مصر غاية اخرى هي التمهيد لامتلاكها ووضع يدها عليها عندما تحين الفرصة، ولو بقيت قوة مصر الحربية على ما كانت عليه في عهد محمد علي لتعذر على انجلترا تحقيق هذه الغاية، فاضعاف قوة مصر هو من اغراض انجلترا الاستعمارية، وقد ظلت هذه الغاية من قواعد السياسة الانجليزية طوال القرن التاسع عشر وإلى اليوم، وابدت الحوادث سوء نيتها نحو البلاد، فانها اخذت تتحين الفرص وتخلق المشاكل حتى احتلتها سنة 1882.

كانت انجلترا اذن قوام المؤامرة الدولية على مصر في عهد محمد علي، وقد تولى وزارة خارجيتها في ذلك العصر سياسي داهية من اكبر ساسة الانجليز، وهو اللورد پالمرستون، وكان مشبعا بروح العداء لمصر عاملا على اضعاف مكانتها وتقليم اظافرها تنفيذا للسياسة التي اوضحناها ، فاخذ يبث مبادئه وافكاره بين الدول الاوروبية ويعمل على انحيازها الى صف انجلترا في الوقيعة بمصر، وكان يتولى السفارة الانجليزية بالاستانة في ذلك الحين سياسي اشد كراهية لمصر من اللورد پالمرستون، وهو اللورد پونسونبي John, Lord Ponsonby، كان يجاهر بعدائه لمحمد علي باشا، وما فتئ يدس الدسائس للادارة المصرية في سورية ويبذل المساعي المختلفة لاحداث الثورات والفتن فيها وتحريض سكانها على الانتقاض على الحكم المصري، ويحرض دولته على محاربة محمد علي باشا ، فكان لهذين الرجلين، پالمرستون وپونسونبي، اثر بالغ في تدبير المؤامرة الدولية وتأليب الدول على مصر.

موقف النمسا وبروسيا

اما النمسا فكان وزيرها المشهور مترنيخ يميل الى تعزيز مركز تركيا لغرضين، أولهما الا يجعل بروسيا ذريعة للتدخل في شئون تركيا وبسط حمايتها عليها، فان في ذلك خطرا على النمسا، والثاني انه كان ينظر الى قيام محمد علي ضد تركيا كثورة على الحاكم الرسمي، ومبدا مترنيخ مقاومة الثورات القومية التي يراد منها الخروج على سلطة الحكومات الرسمية.

ولم يكن لبروسيا اطماع خاصة في هذه الازمة، بل كانت ترمي الى المحافظة على السلم اتقاء للاخطار التي تنجم عن حرب اوروبية، وكان ملكها يكره فرنسا من ناحية اخرى لاسباب قومية ويميل الى السياسة المناقضة لسياسة فرنسا.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

موقف تركيا

تولى السلطان عبد المجيد عرش السلطنة بعد وفاة السلطان محمود الثاني، وسنه كما قدمنا لا تتجاوز السابعة عشرة، خلف السلطان محمود والسلطنة تتداعى اركانها تحت ضربات الجيش المصري، وتولى زمام الحكم والدولة لا جيش لها ولا اسطول فراى من الحكمة ان يجنح الى السلم والمفاوضة راسا مع محمد علي لحسم الخلاف بين الدولتين بالحسنى، ومع انه استوزر خسرو باشا المشهور بعدائه القديم لمحمد علي وجعله صدرا اعظم الا انه هو ووزيره أبديا رغبتهما في احلال الصفاء والسلام بين الدولتين محل الجفاء والخصام، ولم يكد السلطان عبد الحميد يعتلي عرش السلطنة حتى ارسل الى محمد علي مندوبا خاصا وهو (عاكف افندي) يحمل كتابا من خسرو باشا يعرب فيه عن عواطف السلطان الودية نحو محمد علي ونسيانه ما وقع منه في الماضي، ويخوله ملك مصر الوراثي، ومع ان محمد علي كان لا يثق بحسن نية خسرو باشا ولا يفتأ يطلب عزله الا ان من المحقق انه لو ترك الامر للحكومة التركية وحدها لرضيت بابرام الصلح مع محمد علي باشا على قاعدة الاعتراف باستقلال مصر واقرار سلطتها في سورية وجزيرة العرب.

مذكرة الدول الى الباب العالي

(27 يوليه سنة 1839)

لكن مطامع الدول ابت على مصر ان تجني ثمار تضحياتها وانتصاراتها، فقدم سفراؤها في الاستانة مذكرة الى الباب العالي في 27 يوليه سنة 1839 يطلبون اليه باسم الدول الخمس، النمسا، والروسيا، وانجلترا، وفرنسا ، وبروسيا، ان لا يبرم امرا في شان المسالة المصرية الا باطلاعهم واتفاقهم، وكان الكونت مترنيخ وزير النمسا الاكبر هو المقترح لهذه المذكرة، ووجهة نظره ان يحول دون انفراد روسيا بالتدخل في المسالة الشرقية.

وقد يبدو غريبا ان تشترك فرنسا في هذه المذكرة، وهي التي كانت تنادي بتأييد مصر في تلك الازمة، ولكن السياسة الفرنسية كانت في مسلكها غير مستقرة ولا اخذة بالحزم واصالة الراي بعد النظر، فقد كانت تامل عبثا من تدخل الدول ان تصل الى التوفيق بين وجهتي نظر مصر وتركيا بطريق الوساطة، وكانت تقصد من جهة اخرى الى ان تدخل الدول في حل الازمة يمنع انفراد الروسيا بحماية تركيا، ولكنها بتخبطها واضطرابها تركت الميدان للسياسة الانجليزية تملي فيه ارادتها على الدول الاخرى.

كانت مذكرة الدول الى الباب العالي بمثابة الغاء لنتائج معركة نصيبين، وكانت من هذه الناحية انتصارا لوجهة نظر انجلترا، اما تركيا فقد وضعتها المذكرة تحت وصاية الدول الاوروبية، ففقدت بذلك استقلالها الفعلي.

وقد انقضت اشهر في تبادل الاراء بين الدول الاوروبية بقصد التوفيق بين وجهات نظرها، ولو سلكت فرنسا في خلال تلك الاشهر خطة الحكمة والحزم لوفرت على مصر كثيرا من الاعباء والخسائر التي احتملتها فيما بعد، فقد عرض اللورد بالمرستون حلا وسطا للتوفيق بين وجهة نظر انجلترا وفرنسا، وهو ان يعطي محمد علي الحكم الوراثي بمصر وولاية عكا ما عدا مدينة عكا ذاتها اي جنوبي سورية، فرفضت فرنسا هذا العرض وتمسكت بوجهة نظرها، وكان هذا منها خطا كبيرا تحملت مصر عواقبه، فلو انها قبلته لانتهت الازمة بخير مما انتهت به بعد ذلك، اذ ادى رفض فرنسا الى انفراد انجلترا بالعمل وتاليبها الدول الاوروبية لاذلال مصر كما سيجئ بيانه.

وانتهزت الروسيا فرصة الخلاف بين فرنسا وانجلترا في المسالة المصرية فتوددت الى الحكومة الانجليزية ووافقتها على وجهة نظرها في المسالة، واوفدت البارون برينوف الى لندرة لتوكيد العلاقات بين الدولتين، واصبح سهلا على انجلترا وقد انضمت الروسيا اليها ان تكسب الى صفها النمسا وبروسيا.

تولى المسيو تييرس رياسة الوزارة الفرنسية ووزارة خارجيتها في مارس سنة 1840 ، وكان متمسكا بوجهة نظر فرنسا في المسالة المصرية، وهي ضم سورية الى مصر، وسعى في ان تنتهي هذه المسالة بالاتفاق راسا بين الباب العالي ومحمد علي، وعلم اللورد بالمرستون بهذه المساعي، فاخذ في احباطها، وعارضها بالمفاوضة مع الدول الاخرى، الروسيا، والنمسا، وبروسيا، وتركيا، لتقرير الحل النهائي بمعاهدة تضع بها مصر وفرنسا أمام الامر الواقع.

ابرام معاهدة لندره وشروطها

معاهدة لندن


كانت نتيجة هذه المفاوضات ابرام المعاهدة الشهيرة بمعاهدة لندره في 15 يوليه سنة 1840 بين انجلترا وروسيا والنمسا وبروسيا وتركيا، وللمعاهدة ملحق يتضمن الامتيازات التي تعهد السلطان بتخويلها محمد علي، ويعتبر هذا الملحق جزءا من المعاهدة، وهاك خلاصة شروط المعاهدة والملحق:

أولا: أن يخول محمد علي وخلفاؤه حكم مصر الوراثي، ويكون له مدة حياته حكم المنطقة الجنوبية من سورية المعروفة بولاية عكا (فلسطين) بما فيها مدينة عكا ذاتها وقلعتها، بشرط ان يقبل ذلك في مدة لا تتجاوز عشرة ايام من تاريخ تبليغه هذا القرار ، وان يشفع قبوله باخلاء جنوده جزيرة كريت وبلاد العرب وإقليم أضنة وسائر البلاد العثمانية عدا ولاية عكا، وان يعيد الى تركيا اسطولها.

ثانيا: اذا لم يقبل هذا القرار في مدة عشرة ايام يحرم الحكم على ولاية عكا، ويمهل عشرة ايام اخرى لقبول الحكم الوراثي لمصر وسحب جنوده من جميع البلاد العثمانية وارجاع الاسطول العثماني، فاذا انقضت هذه المهلة دون قبول تلك الشروط كان السلطان في حل من حرمانه من ولاية مصر.

ثالثا: يدفع محمد علي باشا جزية سنوية للباب العالي تتبع في نسبتها البلاد التي تعهد اليه ادارتها.

رابعا: تسري في مصر ولاية عكا المعاهدة التي ابرمتها السلطنة العثمانية وقوانينها الاساسية، ويتولى محمد علي وخلفاؤه جباية الضرائب باسم السلطان على ان يؤدوا الجزية، ويتولون الانفاق على الادارة العسكرية والمدنية في البلاد التي يحكمونها.

خامسا: تعد قوات مصر البرية والبحرية جزءا من قوات السلطنة العثمانية، ومعدة لخدمتها .

سادسا: يتكفل الخلفاء في حالة رفض محمد علي باشا لتلك الشروط ان يلجأوا الى وسائل القوة لتنفيذها، وتتعهد انجلترا والنمسا في خلال ذلك ان تتخذ باسم الحلفاء بناء على طلب السلطان كل الوسائل لقطع المواصلات بين مصر وسورية ومنه وصول المدد من احداهما للاخرى، وتعضيد الرعايا العثمانيين الذين يريدون خلع طاعة الحكومة المصرية والرجوع الى الحكم العثماني وامدادهم بكل ما لديهم من المساعدات.

سابعاً: اذا لم يذعن محمد علي للشروط المتقدمة وجرد قواته البرية والبحرية على الاستانة فيتعهد الحلفاء بان يتخذوا بناء على طلب السلطان كل الوسائل لحماية عرشه وجعل الاستانة والبواغيز بمامن من كل اعتداء.

تم ابرام هذه المعاهدة بان وقع عليها كل من اللورد بالمرستون عن انجلترا، والبارون نومان السفير النمساوي في انجلترا عن النمسا، والبارون بيلوف عن بروسيا، والبارون برينوف عن الروسيا، وشكيب افندي وزير تركيا المفوض في لندره عن الباب العالي، وقد ابرمت المعاهدة بغير علم مصر وفرنسا، فقد فوجئت الحكومة الفرنسية بخبرها مفاجاة، فلما اذيع نبا ابراهما ادرك المسيو تييرس ما في هذا العمل من التحدي لفرنسا والغض منها، وكان من نتائجها ان هجات الخواطر فيها وتوتر العلاقات بينها وبين انجلترا، وكادت تقع الحرب، فارغت فرنسا وازبدت، واخذت تستعد وتحرض محمد علي باشا على نبذ قرارات الدول ، لكنها ادركت اخر الامر ان استعداداتها لا تغير من موقف الدول المؤتمرة، وانها لا قبل لها بان تخوض غمار حرب اوروبية، فتراجعت وتركت مصر وحدها امام الدول المؤتمرة، فاحتملت مصر نتائج سياسة فرنسا الخرقاء.

ان معاهدة لندرة تقضي بجعل حكم مصر وراثيا في اسرة محمد علي، اي باستقلال مصر الداخلي التام، وارجاع مصر الى حدودها الاصلية قبل حروبها الاخيرة، وحرمانها حكم جزيرة العرب وسورية وكريت واقليم ادنه، وتخويل محمد علي مدة حياته حكم سورية الجنوبية.

ولعلك تلاحظ في هذه المعاهدة تعهد الدول باتخاذ وسائل العنف والقوة بتنفيذ شروطها في حالة رفض محمد علي قبولها، وتلاحظ ايضا تعهدها بحماية عرش آل عثمان والدفاع عن السلطنة العثمانية والبواغيز في حالة مهاجمة قوات محمد علي البرية والبحرية لها، وهذا يصور لك ما بلغته مصر في ذلك العصر من القوة واليأس، مما دعا الحلفاء الى التكاتف والتعاون لاجبارها على احترام معاهدة لندره وحماية تركيا من باسها.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

دسائس انجلترا في سورية

أرادت انجلترا كما قلنا أن تضع مصر بهذه المعاهدة أمام الامر الواقع، وارادت ايضا ان تؤيد المعاهدة بالفعل، فاخذت قبل امضائها تحرض سكان لبنان على خلع طاعة مصر، مما بذلته من الوسائل لهذا الغرض ان اللورد پونسونبي John, Lord Ponsonby سفيرها في الاستانة أرسل المستر ريتشارد وود ترجمان السفارة الانجليزية الى لبنان، وكان قد تعلم اللغة العربية وجاب انحاء البلاد من قبل، فاثار اللبنانيين واستمال الي امراءهم ومشايخهم وكانوا ينقمون على الحكومة المصرية ايثارها الامير بشير الشهابي حاكم الجبل واختصاصه بالسلطة، فايدوا الثورة، واتسع بهم مداها، فعمت انحاء لبنان.

فالثورة على الحكم المصري في سورية كانت كما نرى من عمل الدسائس الانجليزية، قال الدكتور مشاقة وهو من معاصري تلك الحواث في هذا الصدد ما خلاصته: "دخلت سنة 1839 والامور في سورية على رويناه بك، وبما ان دوام الحال من المحال شاء ربك تغييرا في البلاد، فجاءها جاسوس من قبل الدولة السكسونية (الانجليزية) ونزل في كسروان وانتحل من المعاذير انه قدم ليتعلم لغة البلاد، دخل الرجل الذي سميناه جاسوسا واسمه الحقيقي وود، وكان ترجمانا لقنصل دولته بالاستانة، واظهر في بادئ الامر ميلا غريبا الى تغلم اللغة العربية وتغلب على امياله لدرس احوال البلاد ونقد الحكومة الحاضرة، ولكن تظاهره لم يسدل على عيون النقاد وشاحا اعماها عن معرفة غرضه الرئيسي، ولا مشاحة ان دولة الانجليز اكثر الدول الاستعمارية، وكانها اوجست خيفة من الدولة المصرية التي مع حداثة نشأتها اصبحت في مصاف الدول المرتقية، وكانها لحظت ان محمد علي باشا يطمع بعد ضم البلاد في احياء الدولة العربية القديمة وارجاع دولة اسلامية عربية هذا شانها في تنظيم احوال الرعية قامت على اساس العدل وجارت به الدول المتمدنة ولم تغفل بطلها ابراهيم باشا – نابليون مصر – بل ذكرته وذكرت كل حسنات دولة مصر الفتاة، فخافت منها ان تكون مزاحمتها في الاستعمار، فرامت مقاومتها ولذلك ارسلت رجلها الذي ذكرناه فاخذ يلقي بذور الشقاق في قلوب الاهالي ويوغر صدورهم على الحكومة الحالية وجعل مركزه جبل كسروان.

اخذ الثوار يناوشون الحاميات المصرية وقتلوا بعض الحكام المصريين، واعلنوا الامتناع عن اداء الضرائب والمؤن العسكرية، ولكن ابراهيم باشا بادر بقمع هذا العصيان بما لديه من القوات، وجاءه المدد من مصر بقيادة عباس باشا فامكنه اخماد العصيان واحرق بعض القرى وقبض على رؤساء الفتنة وعددهم 57 رجلا، وابعدهم الى الاسكندرية ومنها الى سنار باقصى السودان حيث بقوا بها الى ان انتهت الحرب واعيدوا الى بلادهم.

ولم تنقطع الفتن في لبنان وسورية، بل ظلت مستمرة خلال الحرب، وكان لها اثر كبير في احراج مركز الجيش، واخذ سليمان باشا في تحصين بيروت وغيرها من الثغور السورية توقعا لمجئ السفن الانجليزية.

ورات انجلترا في محمد علي عزيمة على المقاومة، فقررت تجريد مصر من عمارتها البحرية لكيلا يستطيع محمد علي امداد قواته في الشام بطريق البحر فيعجزه ذلك عن امدادها برا بطريق الصحراء المقفرة التي تفصل مصر وفلسطين، فاصدرت اوامرها الى الكومودور نابييه قبل امضاء المعاهدة بالاقلاع باسطوله الى مياه مصر والشام، وعهدت اليه اجبار محمد علي تسليم العمارة التركية وكلفته اسر العمارة المصرية او تدميرها، وكان بعض السفن الحربية المصرية وقتئذ في مياه بيروت، فلما علمت فرنسا بهذا النبا بادرت بارسال احدى سفنها الى بيروت لابلاغ ابراهيم باشا الخبر، فعادت السفن المصري من فورها الى الاسكندرية وجاء الكومودور نابييه الى بيروت فلم يجدها وظل في عرض البحر يرقب الفرصة السانحة لاخذها.

واخذ محمد علي من ناحييته يرصد الاهبة للمقاومة والدفاع، واصدر اوامره الى الاسطول بالمرابطة في ميناء الاسكندرية وعدم الخروج الى عرض البحر كيلا يستهدف للاساطيل الإنجليزية، لان حكومة انجلترا كانت ممضية عزمها على تجريد مصر من قوتها البحرية.

وفي اوائل شهر اغسطس سنة 1849 استفاضت انباء معاهدة لندره في الشام ومصر، واصدرت الحكومة الانجليزية اوامرها للاسطول الانجليزي بمحاصرة سواحل الشام ومصر واسر السفن المصرية حربية كانت او تجارية، فرجع الكومودور نابييه الى بيروت واستولى في طريقه على كل ما صادفه من المراكب واعلن الجيش المصري باخلاء بيروت وعكا في اقرب وقت، ونشر بين سكان سورية ولبنان منشورات انباهم فيها بما تم عليه اتفاق الدول في معاهدة لندره، وخاصة ارجاع سورية الى الدولة العثمانية، ودعاهم الى العصيان ونزع ايديهم من طاعة الحكومة المصرية، فثار اللبنانيون على الحكم المصري عودا على بدء.

رفض محمد علي باشا شروط المعاهدة

(أغسطس سنة 1840)

كان محمد علي مصمما على التمسك بالبلاد التي فتحتها الجيوش المصرية واقرته عليها معاهدة كوتاهية، وصمم الا ينزل عن اي جزء من هذه البلاد، وهو يعلم قبل ابرام معاهدة لندره ان الدول تاتمر به وانها لا تحجم عن مهاجمة مصر ذاتها لاكراهها على التسليم، وتنوي نزع سورية من املاك مصر، فاخذ في الاستعداد للدفاع، وحشد الجنود في ثغور مصر، ووزع السلاح على عمال المصانع (الفابريقات) وطلبة المدارس الحربية، وعهد الى ابراهيم باشا ان يكون على اهبة القتال وان يتفقد ثغور الشام وحصونها وخاصة عكا وبيروت، وامد الجيش المصري في سورية بالرجال والعتاد.

لم تغير المعاهدة اذن من موقفه، واعتزم الا يعمل بها ولا يقر شروطها، وكانت فرنسا تحرضه على رفضها وتعده الا تتخلى عنه، وتمنيه بانها تدافع عنه بقوة جيوشها واساطيلها.

فازدادت تمسكا بموقفه، ولو لم تعده الحكومة الفرنسية بمعاونته اذا حزب الامر، لكان له موقف غير موقفه هذا، لان محمد علي كان مشهورا عنه الحكمة وبعد النظر. وهو لا يفوته ان من وراء الطاقة ومن المتعذر على مصر محاربة دول خمس مجتمعات متالبات عليها، ولكنه كان مطمئنا الى معاونة فرنسا الحربية، فركب الشطط وارتدف العناد. وخسرت مصر من جراء ذلك حقوقا ومزايا وتضحيات جسيمة، ويتبين لك مبلغ هذه الخسائر من المقابلة بين ما اقرته معاهدة لندره، وما اضطرت مصر لقبوله بعد حرب شاقة تكبدت فيها متاعب واهوال.

ارسلت تركيا مندوبها رفعت بك الى الاسكندرية لابلاغ محمد علي شروط المعاهدة. فوصل يوم 11 اغسطس ، والتقى بوكلاء الدولة المتحالفة، واتفقوا على الخطة التي يتخذونها لتنفيذ ما تامر به الدول.

فبدا رفعت بك بمقابلة محمد علي في سراي راس التين يوم 16 أغسطس. وابلغه نبا المعاهدة ، وطلب اليه العمل بها، فغضب محمد علي واغلظ له في الجواب، واقسم الا ينزل عن شبر ارض من املاكه.

فلما راى رفعت بك ان بلاغه لم يصنع شيئا طلب الى وكلاء الدول ان يقوموا من ناحيتهم بتبليغ محمد علي شروط المعاهدة ، فجاءه قناصل انجلترا والروسيا والنمسا يوم 17 أغسطس، وابلغوه الشروط، وعرضوا عليه ان تكون مصر له ولورثته من بعده، وان تكون له ولاية عكا اي فلسطين مدة حياته، وامهلوه عشرة ايام يتهيا فيها للقبول، ودونوا له مذكرة عليها توقيعاتهم، كتبوا فيها ما قالوه، وحذروه عواقب الامتناع عن تنفيذ المعاهدة.

ولما انقضى الموعد ذهب اليه رفعت بك مصحوبا بوكلاء الدول ليتعرفوا ما استقر عليه.

فألفوه على رفضه ، وكان اشد تمسكا بموقفه السابق، فاعتزم رفعت بك مغادرة الاسكندرية والسفر الى الاستانة، ولكن وكلاء الدول طلبوا اليه البقاء حتى يتموا الاجراءات التي تقضي بها المعاهدة.

وفي اليوم التالي ذهبوا الى محمد علي، وابلغوه الانذار الثاني، فاستشاط غضبا واجابهم بانه سيزحف على الاستانة اذا تجددت الحرب.

واذ قد علم بعزم رفعت بك على السفر التفت الى وكلاء الدول الاربع وقال لهم: "اتعشم ان ترحلوا معه".

فاجابوه بان ليس لديهم تعليمات بمغادرة مراكزهم، فقال لهم: "ولكني لم يعد لي ثقة فيكم، والعوائد المرعية تقضي في حالة الحرب ان يرحل وكلاء اعدائنا عن البلاد، فبقاؤكم لا يتفق مع هذه الحالة".

فانصرف الوكلاء من حضرته بعد ان امهلوه العشرة الأيام الثانية المذكورة في المعاهدة ليراجع رأيه، وابلغوه انه لم يعد له حق في ولاية عكا، ولا تسمح له الدول الا بولاية مصر له ولذريته.

وفي خلال هذه المهلة استدعى محمد علي باشا رفعت بك وعرض عليه انهاء الخلاف بينه وبين تركيا دون تدخل الدول الاجنبية، على ان ينزل عن ولاية ادنه وجزيرة كريت وشبه جزيرة العرب. وان يتكفي بملك مصر الوراثي وحكم سوريا مدة حياته. وسلمه كتابا بهذا المعنى برسم السلطان، ولعله اراد ان يتفادى بهذه الرسالة التقيد بميعاد العشرة الايام التي تقضي بها المعاهدة، فان كتابه الى السلطان قد يفتح باب المفاوضة. ثم هو لا يعد رفضا صريحا.

ولكن رفعت بك ووكلاء الدول جاءوا في نهاية المعاهدة، وطلبوا مقابلة محمد علي، فلم يقابلهم، واستقبلهم بوغوص بك وزير الخارجية، وسامي بك سكرتير الباشا، وابلغاهم بنبا الخطاب الذي كتبه الباشا الى السلطان، وان هذا الجواب يعد قبولا للمعاهدة. فاجاب القناصل: واذا لم يقبل السلطان ان يخول الباشا حكم سورية فماذا يكون موقفه بعد؟ فقال بوغوص بك وسامي بك. انه ليست لديهما تعليمات للرد على هذا السؤال. فاعتبر القناصل ان هذا الجواب معناه رفض المعاهدة، وحرروا محضرا بذلك.

وغادر رفعت بك الاسكندرية ذاهبا الى الاستانة ليبلغ الباب العالي ما حدث، وحمل معه خطاب محمد علي الى السلطان، فتشاور الصدر الاعظم مع سفراء الدول في الاستانة، واستقر رايهم على خلع محمد علي من ولاية مصر، واصدر السلطان فرمانا بذلك، ارسل من فوره الى الاسكندرية، فوصل يوم 22 سبتمبر سنة 1849، وبلغ الى محمد علي.

وفي اليوم التالي غادر وكلاء الدول الاراضي المصرية، فاصبحت مصر في حالة حرب مع تركيا وحلفائها.

واخذ محمد علي يتاهب للحرب، وبادر الى تقوية استحكامات الاسكندرية، وعهد بذلك الى لجنة مؤلفة من نجله سعيد بك (باشا)، وسليم باشا، والمسيو موجيل، والمسيو هو سار، ومظهر أفندي (باشا).

الحرب بين مصر والدول المتحالفة وثورة السوريين على الحكم المصري

انتهزت إنجلترا فرصة ابرام معاهدة لندره واخذت في تنفيذها بالقوة، فامرت عمارتها البحرية بضرب الثغور السورية والاشتراك مع الجنود التركية في احتلالها، وكان ابراهيم باشا قد استعد للدفاع عنها فجاء إلى بيروت وعسكر في ضواحيها.

وفي خلال سبتمبر سنة 1849 جاءت العمارة الانجليزية إلى بيروت بقيادة الاميرال استوبفورد للاشتراك مع الكومودور نابييه في ضرب بيروت بالمدافع، واشترك معها بعض السفن الحربية النمسوية والتركية، وفي 10 منه جاءت الحملة البرية، وكانت مؤلفة من 1500 من الجنود الانجليز و5500 من العثمانيين، ونزلت هذه القوة في ميناء جونيه تحت حماية العمارة الانجليزية.

وأرسل الاميرال الانجليزي انذارا إلى سليمان باشا باخلاء بيروت فورا، فطلب سليمان باشا ميعاد اربع وعشرين ساعة كي يراجع ابراهيم باشا في الامر، فلم يقبل طلبه، وبدأ ضرب المدينة بالمدافع، واستمر في اليوم التالي حتى تهدم أكثر مبانيها، ولكن الحلفاء لم ينزلوا في ذلك اليوم جنودهم إلى المدينة خوفاً من ان يظهر عليهم الجيش المصري.

قلنا ان ابراهيم باشا كان على أهبة الدفاع عن سورية، وكان لديه من المقاتلين نحو تسعين ألف جندي، ولم يكن لدى الحلفاء في بدء القتال سوى عشرة آلاف مقاتل على الاكثر، ولذلك تردد قوادهم في احتلال بيروت رغم ضربها بالمدافع، وبقيت وقتا ما في يد الجيش المصري، ولكن جد في الموقف العامل جديد كان له تاثير سيء في مركز الجيش المصري، ذلك أن الإنجليز قد بذروا بذور الثورة في نفوس السوريين واللبنانيين وألقوا إليهم وخاصة بعد أن وزع عليهم عملاء الإنجليز الأسلحة والذخائر، وبلغ عدد ما وزعوه عليهم من البنادق نحو ثلاثين الف بندقية، فتحرج مركز الجيش المصري وأدرك أنه صار هدفاً لنارين، نار الحلفاء ونار الثورة، وهذه كانت اشد وطأة من قوات الحلفاء، فاثرت تلك الحالة في نفوس الجنود تاثيراً سيئاً نال من قوتهم، وتقطعت مواصلات الجيش بين مختلف المدن.

استيلاء الحلفاء على الثغور السورية

اشتبكت القوات المصرية المبعثرة مع قوات الحلفاء في بعض المواقع، واستوى الحلفاء على جبيل شمالي لبنان، ثم على البترون، وكذلك احتلوا حيفا وصور وصيدا، ثم سقطعت بيروت في يد الحلفاء (أكتوبر سنة 1840) بعد ان التقى المصريون والحلفاء في واقعة بحر صاف وكانت الغلبة فيها للحلفاء.

وكذلك جلا المصريون عن طرابلس واللاذقية وادنه من غير قتال، فصار معظم الثغور في يد الحلفاء.

سقوط عكا

(نوفمبر سنة 1840)

اعتزم الانجليز احتلال عكا لانها مفتاح فلسطين والشام، وكان لاحتلالها من الاهمية اكثر مما لبيروت ، فجاءت العمارة الانجليزية واخذت تضربها بالمدافع يومي اول و2 نوفمبر سنة 1840، ولكن ذهب الضرب عبثا وقاومتها الحصون والحامية المصرية مقاومة شديدة، ثم جاءها مدد من السفن البريطانية، فاعتزم الاميرال استوبفورد استئناف الضرب يوم 3 نوفمبر، فاصطفت السفن الانجليزية في ذلك اليوم، وكان عددها نحو عشرين سفينة حربية، وصبت قنابلها على الحصون وعلى المدينة، فاجابت الحصون ضربا بضرب مثله، ولكن حدث ان اصابت القنابل الانجليزية مستودع الذخائر فنسفته وانفجر انفجارا مروعا، وهدم الانفجار نحو ثلث مباني المدينة، وقضى على طابور باكمله من المشاة، فراى طابور الحامية المصرية ان استمرار المقاومة لا يجدي، فاخلى المدينة واحتلها الانجليز والترك في صبيحة اليوم التالي.

وعلى اثر تسليم عكا سلمت يافا ونابلس، فتزلزل مركز الجيش المصري في الداخل ، لما اجتمع عليه من تقدم الحلفاء واحتلالهم الثغور، وقطعهم المواصلات البحرية، وثورة الاهلين ، وانفصل عنه الامير بشير حاكم لبنان لما راى نجمه اخذا في الافول، وعرض على احلفاء انضمامه اليهم واستاسر لهم، فلم يطمئنوا له، ونفوه الى مالطة (أول نوفمبر سنة 1850).

انسحاب فرنسا من الميدان

وفي غضون هذه الحرب تغير مسلك فرنسا حيال مصر تغيرا عظيما، فبعد ان كان المسيو تيرس رئيس الوزارة الفرنسية يشجع محمد علي ويطوع له رفض مطالب الحلفاء ويعده بمعاضدة فرنسا له، تراجع ونكص على عقبيه، وتبين لمحمد علي عدم استعداد فرنسا للحرب وانها لا تتم تاهبها الا بعد انقضاء سنة اشهر، وظهر كذلك ان المسيو تييرس لم يكن جادا في وعده، ولو كان جادا لبادر بنجدة اليه في سورية يتماسك بها الجيش المصري، لكن شيئا من ذلك لم يحصل، وعمد المسيو تييرس الى سياسة التسويف، فلم يعمل ولكنه سيعمل ، ثم اخذ يتراجع خطته، فاوفد رسولا وهو المسيو والسكي الى محمد علي باشا ليشير عليه بفتح باب المساومة مع الباب العالي في مطالبه، فاتبع محمد علي مشورته وعرض الصلح على قاعدة تخويله حكم مصر الوراثي في اسرته وحكم سورية مدة حياته، ونزوله عن كريت وادنه وجزيرة العرب، ولكن الباب العالي رفض هذا الصلح.

فحبط سعي المسيو تييرس وامعن في تراجعه، فاستدعى الاسطول الفرنسي الذي كان يراقب الاحوال في مياه الشرق، وامره بالعودة الى فرنسا، وهكذا اخفقت سياسة تييرس وتخبط من فشل الى فشل وعرض كرامة بلاده للامتهان، وجنى على مصر بان ورطها في رفض شروط معاهدة لندره وسول لها ثم تخلى عنها وتركها وحدها ازاء الدول المتالبة عليها، فاذعنت واضطرت الى قبول شروط اسوا مما عرض عليها في المعاهدة، فلم يجد المسيو تييرس تلقاء هذا الفشل الا ان يقدم استقالته، فاستقاله وزارته في اكتوبر سنة 1849، وليته كان من الممكن ان يستقيل عمله.

والف المارشال soult الوزارة الجديدة، فنفضت يدها من المسالة المصرية البتة.

وهكذا انسحبت فرنسا من الميدان، وتركت مصر وجها لوجه امام الدول الاوروبية بعد ان ورطتها في مقاومة قرار الدولة المؤتمرة، وكانت هذه السياسة الخرقاء من فرنسا سببا في ازدياد ضغط الدول على محمد علي وانقاص المزايا التي سوغتها معاهدة لندره لمصر، ولو لم تحرضه فرنسا وتعده وتغره لقبل شروط المعاهدة فكان لا يضطر بعد ذلك الى قبول شروط اكثر ضررا على مصر واشد نكاية.

ولقد حاول بعض المؤرخين الفرنسيين ان يبرروا مسلك فرنسا في ازمة سنة 1840، فزعموا ان الحكومة الفرنسية افهمت محمد علي من مبدا الازمة انها لا تحارب اوروبا تاييدا لمطالبه وان رسلها طلبوا اليه ان ينزل عن طرطوس وادنه، وان الملك لويس فيليب وعده تلقاء ذلك ان يسعى لتخويله ولاية مصر والشام له ولورثته من بعده، ولكن محمد علي رفض ما عرضه لويس فيليب، وسلك خطة الانتظار والتردد ، فتارة كان يعد قناصل الدول بالخضوع للسلطان، وطورا كان يبدي الرفض ان ينزل عن شئ.

ويلوح لنا ان هذا الدفاع لا يستند الى وقائع صحيحة، فان الثابت ان الحكومة الفرنسية هي التي اغرت محمد علي بسلوك مسلك التشدد ثم تخلت عنه في اخر لحظة، وهكذا كان انسحاب فرنسا من الميدان سنة 1849 شبيها بانسحابها من المسالة المصرية سنة 1882، اي بعد نيف واربعين سنة ، فانها تركت انجلترا في اخر لحظة تعمل وحدها على تحقيق مطامعها في مصر.

مهمة الكومودور نابييه

ولما تم للحفاء احتلال الثغور السورية وقطعت مواصلات الجيش المصري بحرا انفذ القائد العام لقوات الحلفاء الأميرال مونتاگو ستوپفورد Montagu Stopford بعض السفن الحربية الانجليزية بقيادة الكومودور السير تشارلز ناپييه Charles Napier الى مياه الاسكندرية للقيام بمظاهرة حربية امام الثغر لتهديد محمد علي باشا واجباره على الاذعان لمطالب الحلفاء.

جاء السير شارل نابييه يقود العمارة الانجليزية، وكان الشتاء قد اقبل، فراى ان التظاهر لا يصنع شيئا ، وانه لابد لاكراه محمد علي على التسليم من قوة برية تحتل السواحل المصرية، ولم يكن على ظهر العمارة الانجليزية جنود بريون، فضلا عن ان فصل الشتاء يحول دون مرابطة السفن الحربية على مقربة من الشاطء، ولم يكن لدى الانجليز وحلفائهم من القوات البرية ما يكفي للنزول الى البر والاستظهار على الجيش المصري، لان الجيش كان على تمام الاهبة لرد عادية المعتدين، ولولا ذلك لما ترددت انجلترا في اغتنام تلك الفرصة لتحقيق اطماعها القديمة واحتلال البلاد، كما فعلت سنة 1807، ثم سنة 1882، فالقوه التي اعدتها مصر للدفاع عن كيانها هي التي حالت دون مخاطرة الانجليز بانزال جنودهم الى الاراضي المصرية، وهذا ما جعل محمد علي مطمئنا على مركزه ، ومما يذكر عنه في هذا الصدد ان قنصل انجلترا في مصر جاءه بعد التوقيع على معاهدة لندره وقابله بالاسكندرية وتهدده بان الدول مستعدة لاجباره بالقوة على الاذعان لشروطها، وان انجلترا وحدها كفيلة بذلك، ففهم محمد علي أن القنصل يرمي الى التهديد باحتلال مصر، فأجابه في لهجمة حازمة:

Cquote2.png "إذا كانت الدول المتحالفة تريد ان تكرهني بالقوة على الاذعان لتتفضل بالمجئ، فاني على استعداد لمقابلتها، واذا كانت انجلترا تريد ذلك وحدها فاني اكثر استعدادا لمقابلتها، اني لا اهاجم احدا، ولكني مستعد للدفاع عن البلاد حتى آخر نسمة من حياتي". Cquote1.png

وقد تاثر محمد علي من هذه المناقشة، وقال لمن حوله: "ان الانجليز يتهددونني بالنزول الى بر مصر، فليجربوا ولينفذوا وعيدهم، فسيرون اننا على استعدادا لملاقاتهم، وان الاجنة في بطون امهاتهم ستشترك في قتالهم".

يتبين مما تقدم ان محمد علي كان على تمام الاهبة للدفاع عن البلاد، ولقد ادرك الكومودور نابييه ان لا سبيل الى اخضاعه بالقوة، فرأى ان يجرب معه خطة المفاوضة والمسالمة، فاوفد له رسولا يحمل اليه خطابا يعرض عليه فيه رغبة الدول في ان تكفل له ملك مصر الوراثي على ان يرد الاسطول التركي الى الباب العالي، وان يسحب جنوده من سورية، واعرب له في الخطاب عن مقاصده الودية نحوه، وانه انما يبغي ابداء النصح اليه حقنا للدماء، ولم يفته في كتابه ان ينبهه الى الخطر الذي يستخدف له اذا هو اصر على الحرب.

وان مصر ليست في المناعة التي يعتقدها محمد علي، وان الاسكندرية يمكن ان تسقط كما سقطت عكا من قبل.

كانت هذه الرسالة كلمة من سلم وكلمة من حرب، ثم اعقبتها خطوة اخرى من الكومودور، ذلك انه جاء بنفسه وطلب مقابلة محمد علي، فاذن له فيها، فعرض عليه الاذعان لمطالب الحلفاء، وكانت عباراته في المقابلة اشد من اسلوبه في الرسالة فاصر محمد علي باشا على الرفض، فتهدده نابييه باحراق المدينة، فلم يعبا بوعيده، واجابه في هدوء وسكينة، "هيا فاحرقها" ، فانسحب نابييه وامهل محمد علي اربعا وعشرين ساعة ليقرر رايه الذي سيستقر عليه.

فكر محمد علي في الموقف مليا، فراى من الحكمة السياسية ان يجنح الى السلم ويقبل العرض الذي عرضه الكومودور نابييه، اذ لا طاقة لمصر بمحاربة الحلفاء مجتمعين، وخاصة بعد تخلي فرنسا وانسحابها من الميدان، كما أن أنباء الحرب في سورية تدل على حرج مركز الجيش المصري هناك، فان سقوط الثغور وخاصة عكا في يد الحلفاء وانسحاب الحاميات المصرية منها، وقيام الثورات والفتن في مختلف النواحي، مما رجح عنده فكرة الانسحاب من سورية، فتبادل والكومودور نابييه المفاوضة في سبيل الصلح، وانتهت بعقد اتفاق وقعه بوغوص بك وزير خارجية مصر والكومودور نابييه.

وهذا الاتفاق يقضي بان يخلو الجيش المصري عن سورية، ويرد محمد علي على الاسطول التركي الى الباب العالي، مقابل تخويله ملك مصر الوراثي بضمانة الدول.

وقد رفض الاميرال استوبفورد قائد القوات البريطانية الاعتراف بهذا الاتفاق بحجة ان الكومودور نابييه لا يملك عقده. ولم يكن منوطا به اجراء المفاوضة فيه، وكذلك رفضه السلطان وتشبث بعزل محمد علي، واعترض عليه اللورد بونسبني سفير انجلترا في الاستانة واعلن بطلانه، لكن اللورد بالمرستون راى فيه فضا لازمة خطيرة لم يكن معلوما مدى عواقبها، فاعلن باسم حكومته اجازته للاتفاق، وحمل الدول على قبوله، فارسلت انجلترا والنمسا وبروسيا والروسيا الى الباب العاليم مذكرة في 30 يناير سنة 1841 تطلب فيها اليه الرجوع عن قرار العزل، وتخويل محمد علي حكم مصر الوراثي، فاستجاب السلطان الى طلبات الدول كما سيجئ بيانه، وفي غضون ذلك ارسل محمد علي باشا الى ابنه ابراهيم يأمره بالجلاء عن سورية والعودة الى مصر تنفيذا لاتفاقه مع نابييه.

اخلاء الجيش المصري سورية

اذعن ابراهيم باشا للامر، واخذ يتاهب لاخلاء البلاد، فبدا رجوع الجيش المصري في اواسط ديسمبر سنة 1840، واحتشد بالقرب من دمشق تمهيدا للانسحاب جنوبا، فاخلاها في ديسمبرة سنة 1840، وكان عدد الجيش المصري وقتئذ نحو سبعين ألف مقاتل يتبعهم عدة الاف من افراد الاسر والبيوت المصاحبة للجيش من الموظفين وغيرهم، ولاقى الجنود والملكيون متاعب هائلة في انسحابهم لما اصابهم من الاعياء والجوع والعطش والتعب في قطع المسافات الشاسعة، وما تحملوه من نقل المهمات والمدافع، وما استهدفوا له من مناوشات العرب، فمات كثير منهم في الطريق، وسار الجيش في انسحابه الى المزيريب شرقي بحيرة طبرية، ومن هناك توزع الى ثلاثة فيالق اخذ كل فيلق طريقا الى مصر، فالفيلق الاول وهو مؤلف من المشاة والخيالة النظاميين اخذ سبيله بطريق غزة فالعريش وكان يتولى قيادته احمد المنكلي باشا، والفيلق الثاني بقيادة سليمان باشا الفرنساوي وكان مؤلفا من المدفعية، سار بطريق الحج الى معان ومنها الى العقبة فالنخل فالسويس، والفيلق الثالث وكان مؤلفا من جنود الحرس وفرسان الهنادي والباشوزق بقيادة ابراهيم باشا. اتخذ سبيله الى غزة ومنها بحرا الى مصر.

وقد لقى فيلق المنكلي باشا الاهوال في طريقه، وفقد عددا كبيرا من رجاله بسبب الجوع والعطش والاعياء ووعورة المسالك ومناوشات العربان، وخسر هذا الفيلق نحو نصف رجاله، وسار فيلق سليمان باشا من طريق معان والعقبة، وكابد كذلك المتاعب المهلكة، غير انه لم يلق ما لقيه الفيلق الاول وفقد من رجاله نحو الف وخمسمائة.

ووصل الفيلق الثالث بقيادة ابراهيم باشا الى غزة بعد ما لقى من الاهوال في طريقه، ومات عدد كبير من جنوده ومن الموظفين والنساء والاطفال الذين صحبوه في الانسحاب.

ولما وصل غزة ارسل ابراهيم باشا الى ابيه يطلب اليه امداده بالمؤن والملابس والسفن لنقل الجيش بحرا الى الاسكندرية، واخلى غزة يوم 19 فبراير سنة 1841 وبذلك تم اخلاء الجنود المصرية لنسورية.

وقد بلغ عدد الجنود الذين عادوا الى مصر نحو اربعين الف مقاتل، أي ان ما فقده الجيش خلال الانسحاب بلغ نحو ثلاثين الفا، اما الخسائر من الملكيين فلم يتناولها احصاء دقيق، وقد اورد المسيو مورييه احصاء مروعا قد يكون فيه ثمة مبالغة لكنه يدل على هول الخسائر التي حاقت بالمصريين في انسحابهم من سورية. فقد ذكر ان عدد افراد الجيش والملحقين بهم من الملكيين والموظفين وعائلاتهم وحاشيتهم كان قبل الانسحاب 200 الف نسمة، فلم يرجع منهم سوى ستين الفا، وقال تعليقا على هذا الاحصاء ان هذا الانسحاب وما اقترن به من الاهوال والضحايا يعد من افظع ما روى عن فجائع تقهقر الجيوش في التاريخ.

رأى مؤرخي سورية في الحكم المصري

طويت صحيفة الحكم المصري في سورية بجلاء الجيش المصري عنها، وصار ماله وما عليه ملكا للتاريخ، ولعلك لاحظت مما فصلناه فيما تقدم ان انتفاض السوريين على الجيش المصري كان من اهم البواعث التي حملت محمد علي على تقرير الجلاء عن سوريه، ويحمل بنا في هذا المقام ان نثبت ما ذكره مؤرخو سوريه عن الحكم المصري لمناسبة انقضاء عهده والمقارنة بينه وبين الحكم التركي، وما اخذوه على السوريين واللبنانيين من الاستجابة لدسائس الانجليز والترك. وقيامهم في وجه الادارة المصرية والجيش المصري، واعتبار هذا المسلك من غلطات سياستهم القومية، وفي هذا القول شهادة انصاف للحكم المصري.

قال الاستاذ محمد كرد علي بك رئيس المجمع العلمي العربي في كتابه خطط الشام مايلي:

"كانت حسنات حكومة محمد علي في الشام أكثر من سيئاتها، لانها وضعت اصول الادارة والجباية ورفعت ايدي ارباب الاقطاعات واعطتهم من الخزانة رواتب تكفيهم على حد الكفاية، ولم يخلص من ذلك الا الامير بشير الشهابي والي لبنان، فانه نال ولايته مباشرة من محمد علي في مصر وظل يتصرف بلبنان، وبذلك رفعت سلطة المشايخ والامراء المستبدين قال مشاقة: وكانت الدولة التركية خبيرة باحوال الشعب اكثر من الدولة المصرية فبعثت تدس الدسائس الى المشايخ وتغريهم بالمواعيد الفاحشة ليحضوا الشعب على شق عصا الطاعة طمعا بارجاع نفوذهم، وكان النصيرية اول من شق عصا الطاعة وتبعهم الدروز في حوران ووادي التيم، فقضى المصريون معظم ايام دولتهم في الشام في الحروب والقلاقل.

"ومن مآثر الحكومة المصرية التي عددها مشاقة تجفيفها المستنقعات وتصريف الاقذار في مجار خاصة، وتحديد اسعار اللحوم، والعدل بين الرعايا على اختلاف اديانهم وطبقاتهم، لا تكلف صاحب الحق نفقة لتحصيل حقوقه، وانفاق كل مال في وجهه المخصص له، ومع ذلك ظل الشعب يسومها العداوة ويناقشها الحساب لانه اعتاد ان يكون محكوما لا حاكم نفسه ، عبدا لا حرا".

وقال في موضع آخر:

"أثبتت حكومة محمد علي في فتوحها ان المصري بل العربي اذا تهيأ لي زعيم عاقل لا يقل عن الغربيين في سيرته وجلادته، وانه لم يضره في القرون الماضية الا فناؤه في الحكومة التركية، وكانت حكومة محمد علي من افضل ما رات الشام من الحكومات منذ ثلاثة أو أربعة قرون، بل ان الشام في القرون الوسطى والحديثة لم تسعد بما يقرب منها، فضلا عما يماثلها، كتب المستر برانت قنصل بريطانيا في دمشق الى سفير دولته في الاستانة سنة 1858م، ماتعريبه: لما كانت الايالة تحت حكم محمد علي باشا عاد كثير الى سكنى المدن والقرى المهجورة، والى حراثة الاراضي المهملة، وهذا ما حدث خاصة في حوران وفي الاجواء الواقعة حوالي حمص الحكومة، وجعل السكان بمامن من اعتدائهم، وكان الشام باسرة تحت ادارةشريف باشا وقيادة الجيش الذي يبلغ عدده زهاء 40 ألف جندي من منظم وغير منظم بامرة ابراهيم باشا، فبحسن ادارة الاول تضاعف نجاح الاهلين وحسنت المالية في هذه النواحي، كما ان نشاط ابراهيم وحزمه وطد الامن، ومد رواق الثقة، وقد عدت الحكومة ظالمة لكنها في الحقيقة لم تكن تستطيع غير ذلك، اذ كان عليها ان تصلح عدة امور مختلة وان تبدل الفوضى والتعصب والقلاقل التي كانت سائدة بالعدل.

"فأصحاب المقامات العالية والافندية والاغوات (رؤساء الجند) امتعضوا كثيرا من ذلك لانهم كانوا يثرون من ابتزاز اصحاب التجارة والحرف وسائر الطبقات العاملة. وقد سر هؤلاء كثيرا لخلاصهم من الظلم الذي انوا تحت عبثه طويلا، واعتبط المسيحيون خاصة وفرحوا لناجتهم من التعصب الذي اوصلوا الى درجة من الذل لا تطاق، ولم يكن الفلاحون اقل سرورا منهم لانه وان كانت الضرائب المقررة تستوفي بكل شدة فلم يكن يستوفي منهم بارة زيادة ولا تضبط حاصلاتهم وغلالهم ولا يؤخذ منهم شئ دون دفع ثمنه، ولم يجبروا على تقديم خدمة دون بدل، وقد فرضت الخدمة العسكرية على المسلمين، وهذا الامر الجديد كان ينبوع استياء عظيم، اما المسيحيون الذين كانوا يدفعون الخراج فاعفوا من الخدمة العسكرية، والفلاحون الذين قطنوا القرى المهجورة اسلفوا مالا لاصلاح بيوتهم وتموينها، واعفوا من الضرائب مدة ثلاث سنين.

"وقصارى القول ان جميع هذه المساعدات بذلت لزيادة الحاصلات، وكم من مرة ذهبت الجنود بامر ابراهيم باشا لاتلاف بيوض الجراد وما نفق منها، وبفضل هذا الحكم الحازم العادل المحترم من الجميع اخذت البلاد تترقى في مدارج النجاح والنماء، فلو طال عليها الحكم المصري لاستعادت الشام قسما عظيما من وفرة سكانها القدماء واصابت شطرا كبيرا من الثروة التي كانت في الماضي وآثارها لم تزل ظاهرة للعيان في القرى والمدن العديدة في جهات حوران، وفيما وجد في البادية حيث ترى فيها الطرق التي اختطها الرومانيون.

قال: "ولم يكد المصريون يطردون من البلاد ويتقلص ظل سطوتهم – وقد كانوا اخضعوا الجميع لحكمهم الشديد – حتى عاد القوم الى نبذ الطاعة، وخلفت الرشوة والتبذير في ادارة المالية النزاهة والاقتصاد، ومنيت المداخيل بالنقص، واستناف عرب البادية غارتهم على السكان، فخلت القرى والمزارع الماهولة جديدا بالتدريج، حتى امكن القول انه لا يوجد ثم ظل للامن على الحياة والاملاك وكل شئ يدل على عودة حالة الفوضى الى هذه البلاد التي تركها المصريون.

ونقل الاستاذ محمد كرد علي بك نبذة عن كتاب برييه وما كتبه اطراء للحكم المصري، ثم قال تعليقا عليه:

"هذا هو الانصاف في الحكم على حكومة ابراهيم باشا، وما هي في الحقيقة الا روح محمد علي الكبير الذي كان يستمد منه ابنه، ولا يصدر الا عنه في الخطوب، ولا يقطع امرا دون الرجوع الى راية حتى جاءت احكام المصريين نموذجا في الادارة، ولو ارادت الدولة العثمانية ان تستفيد من هذا الدرس لارادت عمالها على تطبيق خطط ابراهيم باشا في الاصلاحات التي قام بها خلال التسع سنين التي قضاها في هذا القطر، ولكن العثمانيين ابتلوا بالاهمال والغرور، لا يعمدون الى حسن الادارة ولا يتظاهرون بالاحسان الا يوم الشدائد، فاذا زالت عادوا الى طبائعهم في اعنات الرعية والقاء الحيل على الغارب، ونسوا ما اعطوا من عهود وما وضعوا من القوانين، وهذا ما دعا الى ظهور الفروق الكثيرة بين الادارتين المصرية والعثمانية بعد رحيل جيش ابراهيم باشا عن هذه الديار، وهو الجلاء الذي اقتضته الدول الكبرى بل الدولة البريطانية التي حملت الدول على موافقتها على رايها لامال لها تريد تحقيقها في مصر والشام، لتكون هي الحاكمة المتحكمة في مصالحها لا الدولة المصرية الفتية التي تحب فرنسا وتساهمها سياستها احيانا، وما مصر والشام الا طريق الهند الاقرب بل مفتاحها من البحر المتوسط، واذا اردنا ان ننظر بعين المؤرخ المنصف نرى بريطانيا العظمى هي التي اقتضت سياستها القضاء على اماني محمد علي بل اماني العرب من انشاء دولة عربية".

وقال في موضع آخر:

"ولم يلتو القصد على ابراهيم باشا الا لما دخلت اصابع الاجانب واخذوا يثيرون عربان نابلس وسكان كسروان وجبال النصيرية ودروز لبنان ووادي التيم وجبل حوران وكل من عرفوا بالمضاء من سكان الجبال، واما المدن والسواد الاعظم من الناس فقد استقبلوه واخلصوا له وشعروا بحسن ادارته" الى ان قال: "ولقد تجلى في وقائع محمد علي في الشام تجليا لا مجال للريب فيه، ان اختلاف المذاهب وتباين التربية كان من العوامل القوية في ابقاء الفتنة بين ابناء هذا الوطن وان دول اوروبا عند اغراضها تستحل بث بذور الشقاق بين المتالفين، وتستخدم وسائط غريبة في تكدير صفاء الامنين، وتعبث بعقول السذج المساكين، وانها قلما اهتمت بمصلحة امة من امم الشرق، بل تهمها مصلحتها فقط، ولو كانت تريد الخير للشام لتركته يسعد ويرقى بحكم محمد علي الذي كان باقرار رجالها من ارقى ما عهدته البلاد منذ قرون، ولعل ابناء الشام ايقنوا بخطأهم في الانتقاض على الحكومة المصرية التي هي مثلهم عنصرا ولغة وعادات وانهم كانوا على ضلال في الحنين الى حكم العثمانيين، وما كان من حقهم ان ينسوا في سنين قليلة كيف كان حكامهم يسارعون في الاثم والعدوان"، وقال في موضع آخر:

"تبين الفرق بين الادارتين المصرية والعثمانية، ولو طال عهد المصريين اكثر – وكانوا في صدر الفتح يتخوفون بادارة العثمانيين كل حين - لسعدت البلاد حقيقة وايقن حتى من كانوا ينعمون من دماء الامة على العهد العثماني ان طريقة المصريين في المساواة بين الطبقات والمذاهب المختلفة الشدة في انفاذ القوانين، وتقليد الغرب في كل امر جوهري، افضل طريقة لراحة البلاد، وكان يرجى ان يالفوا في مدة قصيرة ما تاصل في فطرهم على توالي القرون وتعودوه من حكم ارباب الاقطاعات الذين صدهم المصريون عن تجارتهم الشائنة التي الفوها زمن العثمانيين، وهي الاتجار بالجباية يجبونها اضعافا ويسلبون الباقي من دم الامة بمرأى من الحكومة ومسمع، ولم تكد تخلي الجنود المصرية بلاد الشام حتى رجعت الى حالتها قبل المصريين وثارت العداوات القديمة في الصدور وزادت الدسائس الاجنبية".

هذه الشهادة ناطقة بحسنات الحكم المصري في سورية، وبما كان له من الفضل في نشر لواء الحضارة والعدل والعمران فيها، وانه لقول حق ما ذكره الاستاذ محمد كرد على بك من ان الدسائس الاجنبية وخاصة الانجليزية هي التي خلقت العراقيل امام الادارة المصرية في سورية، فلولا تلك الدسائس لسعدت سورية بانضمامها الى مصر وتالفت منهما الدولة المصرية العربية التي كانت على عهد الفاطميين والايوبيين والدولتين البحرية والبرجية، ولكن المطامع الاستعمارية احاطت مصر الفتية بالدسائس والفتن. وهذه الدسائس هي التي اعترضت مصر في طريق تقدمها، وناهضتها في سورية. وفي كل ناحية، داخل مصر وخارجها، وحالت دون تاليف الدولة المصرية الكبرى التي كان محمد علي يعمل لها. وما فتئت انجلترا تدبر المكايد وتخلق المشاكل طوال القرن التاسع عشر حتى اوقعت مصر في ازمة سنة 1882.

فالسياسة التي رسمتها انجلترا ازاء مصر منذ اواخر القرن الثامن عشر هي التي املت عليها خططها في مناهضتها والكيد لها في الداخل والخارج، ولم تنل منها في عهد محمد علي بمقدار ما نالته في عهد خلفائه، ذلك لما كانت عليه مصر على عهده من القوة والمنعة، فلما تراخت القوة، وتفرقت الكلمة، وانفتحت الثغرات، تربصت انجلترا البلاد حتى احتلتها سنة 1882، ذلك الاحتلال الذي لا نزال نعانيه الى اليوم (1949 تاريخ الطبعة السابقة). لم أكن من جناتها علم الله واني بحرها اليوم صالي.

اخلاء جزيرة العرب

كان محمد علي يحرص قبل معاهدة لندره على استبقاء نفوذ وسلطته في الحجاز لما في ذلك من اعلاء هيبته في انحاء العالم الاسلامي باعتباره حاميا للحرمين، ولذلك ما فتئ يعمل منذ الحرب الوهابية على توطيد مركزه في ربوع الحجاز وفي شبه جزيرة العرب، وباسناد تركيا ولايةجدة الى ابراهيم باشا قد خولته حقوق السيادة التي كانت لها في شبه جزيرة العرب، واتصل امام مسقط بمحمد علي بروابط الود والصداقة والولاء.

على ان القوات الحربية المصرية التي استقرت هناك كانت دائما عرضة لتوثب القبائل، وقد نازعه في بسط نفوذه عامل آخر وهو السياسة البريطانية الاستعمارية، فان انجلترا بعد ان وضعت يدها على عدن كانت تنظر متوجسة الى القوات المصرية المجاورة لها في اليمن، واحتجت بان هذا الجوار مما يثير في نفوس الاهالي روح التعصب الديني، على ان محمد علي ظل محافظا على سلطة مصر في جزيرة العرب رغم ما يقتضيه ذلك من النفقات الطائلة، الى ان تحرجت الحالة في ختام سنة 1849 وراى ملك مصر مهددا في سورية، فاسترجع قواته من الجزيرة.

فالقوات المصري بقيت محتلة الحجاز ومعظم جزيرة العرب مدى عشرين عاما تخللتها ثورات عدة احتملت مصر في سبيل اخمادها متاعب هائلة ونفقات طائلة، وانا ذاكرون هنا لمحة من تاريخ الحكم المصري بها وما اعترضه من العقبات.

ففي سنة 1824 ثار الوهابيون في بعض البلدان فاشتبكوا في مناوشات مع القوات المصرية حتى ظهرت عليهم.

وفي سنة 1827 نشبت ثورة في مكة حيث قتل الشريف يحيى ابن اخيه لاتهامه بالائتمار به والتواطؤ عليه مع احمد باشا يكن والي الحجاز من قبل محمد علي، ولما كان يتوقعه الشريف من عواقب انتفاضة غادر مكة ولاذ بقبيلة حرب واستصرخها ، فثارت في وجه السلطة المصرية.

فقام احمد باشا يكن لمحاربتها وقصاصها. لكنه انهزم بالقرب من جبل عرفات واشتد بذلك ساعد الثوار وانضمت اليهم القبائل، فلما علم محمد علي بنبا هذه الثورة انفد الى الحجاز مددا من خمس اورط من الجنود النظامية والف من الفرسان، وعين الشريف محمد بن عون الذي كان نزيل القاهرة شريفا لمكة بدلا من الشريف يحيى الثائر فذهب ابن عون صحبة المدد المصري الى الحجاز، فتشجع احمد بك يكن بهذا المدد واستظهر به، وضرب الحصار على الطائف حيث امتنع الشريف الثائر واتباعه، ثم توقع الشريف سقوط المدينة في يد الجيش المصري، ففر منها فتعقبه الفرسان وما زاولا على اثره حتى اخذوه هو وثلاثة من اشراف مكة الذين ناصروه في ثورته، فجئ بهم الى القاهرة واستبقاهم محمد علي رهائن في يده ليضمن استقرار الامن في الحجاز.

وفي سنة 1829 ثارت هناك بعض القبائل وامتنعت عن اداء ما كان مضروبا عليها سنويا من البن، ومقداره 1200 قنطار، فانفذ محمد علي الى جدة قوة جديدة لاعادة النظام واقراره.

وفي سنة 1832 شبت في جدة فتنة عسكرية قوامها بعض الضباط من العناصر غير النظامية من بقايا الجيش القديم. وكان والي الحجاز وقتئذ خورشد بك، فطالبه الضباط والجنود ومعظمهم من الارناءود والترك بما تاخر من عطائهم، وساروا بمجموعهم الى مكة يتبعون زعيميهم زنار اغا وتركي بيلمز ، فتوسط شريف مكة بين خورشيد بك والمتمردين واتفقوا على ان يعود هؤلاء الى جدة ويوافيهم بها خورشيد بك، فذهب اليهم ولكنهم اسروه، ونادوا بتركي بيلمز واليا على الحجاز، وكان هذا العمل هو المجاهرة الصارخة بالتمرد والفوضى، وانضم اهالي مكة الى المتمردين نكاية بالمصريين، فشبت نار القتال بين الجنود المتمردة والحامية المصرية، ولكن الحامية ردتهم على اعقابهم.

وفي خلال هذه الفتنة ورد الى مكة نبا استيلاء الجيش المصري على عكا، وكانت الحرب السورية الاولى مستعرة، فاخمد هذا النبا جذوة المتمردين، ولما علم الباب العالي بالفتنة ابتهج بها وارسل فرمانا الى تركي بيلمز يقره واليا على الحجاز نكاية بمحمد علي وتشغيبا عليه.

وصل نبا هذه الفتنة الى مصر، فبادر محمد علي الى انفاذ الالاي السابع من الجنود النظامية و1500 من الفرسان، فبلغت عدتها نحو 4000 مقاتل، وعقد لواؤها لاحمد باشا يكن وجعله رئيسا لعسكر الحجاز، وناط به اخما الفتنة، وكان محمد علي عظيم الاهتمام بتوطيد نفوذ الحكومة المصرية في الحجاز واليمن لما للحرمين الشريفين من الاهمية السياسية والدينية، ولان ثغور الحجاز واليمن هي العقد الوثيقة في خيط الاتصال بين مصر ومتاجر الهند وجزيرة العرب.

وصلت الحملة المصرية بقيادة احمد باشا يكن الى ينبع، وسارت منها الى جدة فاحتلتها بعد ان انسحب منها تركي بيلمز الى قنفذة وكانت بها حامية مصرية، فلما امتنعت عليه استمر في انسحابه الى الحديدة من ثغور اليمن، ثم استقر في مخا ولم يقو امام صنعاء على رده، فعهد محمد علي الى احمد باشا يكن والي الحجاز بمطاردته، ففي سنة 1833 سار اليه في خمسة عشر ألف مقاتل، وكان شيخ العسير مواليا للجيش المصري، فحاصر مخا حتى فتحها عنوة، وهرب تركي بيلمز والتجا الى احدى السفن البريطانية، وبذلك انتهت الفتنة ، ولكن شيخ العسير نهب مخا نهبا مدمرا وكانت مستودعا لمتاجر الهند، فبارت التجارة الهندية بسبب هذا النهب سنين عددا.

وقد اجمع محمد علي ان يجتث جذور الثورة في جزيرة العرب ويستولي على اليمن، وكانت الحملات والامراض قد ثغرت في صفوف الجيش المصري فنقصتها وكذلك وزعت الحاميات العسكرية في قنفذة والحديدة وبعض بلاد اليمن، فنقصت قوة الوحدات المتحركة من الجيش، وقد علم محمد علي بهذه الحالة، فانفذ قوة جديدة من ثلاثة آلايات من المشاة والفين من الفرسان بقيادة ابراهيم باشا يكن الذي جعله سر عسكر اليمن سنة 1836 ، فبلغ عدد الجيش المصري في جزيرة العرب ثمانية عشر الف مقاتل، فمضى ابراهيم باشا يكن يزحف على اليمن يعاونه الشريف عون.

سارت الحملة الى بلاد العسير، وهناك احتمل الجنود مشقات هائلة من وعورة الطرق وسوء المناخ وقلة الماء وفداحة المتاعب، ووقعت المصادفات والمناوشات بينها وبين القبائل، فاندحر الجيش المصري امام البدو وحلت به الخسائر الجسيمة، ورجع ابراهيم باشا ادراجه الى الحجاز بعد ان فدحته الخسائر ثم استأنف زحفه على اليمن فاحتل الثغور وبعض المواقع في الداخل.

ولما علم محمد علي بالانباء الاولى عن حملة اليمن عهد بقيادة جنود الحجاز الى خورشد بك وسوء المناخ وقلة الماء وفداحة المتاعب، ووقعت المصادفات والمناوشات بينها وبين القبائل، فاندحر الجيش المصري امام البدو وحلت به الخسائر الجسيمة، ورجع ابراهيم باشا ادراجه الى الحجاز بعد ان فدحته الخسائر ثم استناف زحفه على اليمن فاحتل الثغور وبعض المواقع في الداخل.

ولما علم محمد علي بالانباء الاولى عن حملة اليمن عهد بقيادة جنود الجحاز الى خورشد بك الوالي السابق الذي وقعت في عهده فتنة زكي بلمز، وكانت الهزائم التي حاقت بالجيش المصري قد شجعت الوهابيين على الانتقاض في نجد، فاتجه خورشيد بزحفه شمالا ووصل الى الدرعية، وتخطى فتوحات ابراهيم باشا، وزحف على الاحساء ووصل الى شاطئ الخليج الفارسي. وجمع عدة من السفن واحتل جزائر البحرين في الخليج، ولما رات القبائل سرعة زحف الجيش المصري اقبلت تقدم الطاعة له وامتدت سلطة مصر الى الخليج الفارسي، ولكن السياسة الانجليزي هالها تقدم نفوذ مصر الى مصب دجلة والفرات والى مياه الخليج الفارسي القريب من الهند، وخشيت على سلطانها هناك ان يزعزيه امتداد نفوذ مصر الى حيث بلغ، كما انها خشيت من نفوذها في بلاد اليمن لانها على طريقها للهند، فاحتلت عدن وارسخت قدمها فيها، وبذلك مساعيها الاساسية ومنها تهديد محمد علي بان تثير عليه تركيا والدول الاوروبية، فاضطر الى مجاملة انجلترا اتقاء لشرها، فاصدر امره الى خورشد بك باخلاء البحرين، أما في اليمن فقد اعلن امام صنعاء ولاءه لابراهيم باشا لكي يتقي بولائه بطش الانجليز بعد ان احتلوا عدن.

ولما اوشكت على نهايتها سنة 1849 راى محمد علي ان بقاء الجيوش المصرية في جزيرة العرب يحمل الخزانة نفقات لا قبل لها بها ، وانه في حاجة الى حشد جنوده حشدا واحدا حينما تالبت عليه الدول المتحالفة مع تركيا بعد معركة نصيبين، فاستقر عزمه على استدعاء الجند من جزيرة العرب، ثم اخلالها الى غير رجعة سنة 1841 تنفيذا لمعاهدة لندره، وبذلك طويت صحيفة الحكم المصري في الجزيرة.

مركز مصر الدولي بعد معاهدة لندره

ان معاهدة لندره هي الوثيقة الاساسية لمركز مصر الدولي من سنة 1849 الى نشوب الحرب العالمية الاولى سنة 1914، فهي التي حددت هذا المركز وجعلت لمصر شخصية دولية مستقلة، ورفعت مركزها من ولاية كغيرها لا تختلف عن سائر ولايات السلطنة العثمانية الى دولة مستقلة استقلال مقيدا بقيود السيادة التركية.

ان مصر قد حققت استقلالها بالفعل في الحرب السورية الاولى التي انتهت باتفاق كوتاهية سنة 1833، لكنها في نظر القانون الدولي لم تكن سوى ولاية ليس لها رسميا من امتياز عن الولايات العثمانية الاخرى، لكن معاهدة لندره وان تكن حرمت مثر ثمرة انتصاراتها وقيدت استقلالها بقيود شتى، الا انها قد اعترفت بان لمصر مركزا دوليا مستقلا عن تركيا، اذ جعلت حكومتها وراثية في اسرة محمد علي، ومعلوم ان ولاية الحكم، وخاصة في ذلك العهد، هي مظهر السيادة والاستقلال، ومعنى ذلك ان معاهدة لندره اعترفت لمصر بالاستقلال مقيدا بالسيادة العثمانية، ولم يعد لتركيا، ولا لغيرها من الدول أن تعبث بهذا الاستقلال الذي اصبح مكفولا بمعاهدة دولية.

ولم يرد في معاهدة لندره من القيوم العملية التي تحد ذلك الاستقلال سوى دفع جزية سنوية للباب العالي، وسريان معاهدات تركيا في مصر، واعتبار قواتها الحربية جزءا من قوات السلطنة العثمانية.

فهذه القيوم هي مظاهر السيادة العثمانية التي فرضتها الدول على مصر في معاهدة لندره.

ومن الواجب ان نوضع ابهاما ورد في احد بنود المعاهدة وهو البند 5 من الملحق الذي ينص على ان "معاهدات السلطنة العثمانية وقوانينها تسري على مصر" فقد يتبادر الى الذهب ان تركيا كان لها بمقتضى المعاهدة حق التدخل في التشريخ بالنسبة لمصر، وان قوانينها تسري فيها، وهذا ليس من الواقع في شي، فان هذا الابهام قد اوضحه فرمان 13 فبراير سنة 1841 وفرمان اول يونيه سنة 1841 الصادر كلاهما لمحمد علي، وفرمان 8 يونيه سنة 1867 الصادر للخديوي اسماعيل، فالفرمان الاول عبر عن هذ القوانين بالخط الشريف المعروف بالكلخانة والقوانين الادارية للدولة العثمانية، اي القوانين الاساسية المماثلة له، وخط الكلخانة هو القانون الاساسي المعروف بالتنظيمات الذي اصدره السلطان عبد المجيد بتقرير حقوق الافراد في السلطنة العثمانية وتامينهم على ارواحهم واموالهم وشرفهم ومساواتهم امام القانون والغاء المصادرة والسخرة، فالمراد من هذا النص في المعاهدة ان تكفل حقوق الافراد في مصر كما تكفل في تركيا طبقا للقانون الاساسي المعروف بالكلخانة.

ويؤيد هذا المعنى ما ورد في فرمان اول يونيه سنة 1841 المكرر والمفسر لاحكام فرمان 13 فبراير، فقد جاء فيه صراحة"ان القواعد المتضمنة لامنية الاشخاص والاموال، وصون الشرف والعرض، هي من مبادئ التي قدمتها احكام ونصوص خطنا الشريف الهايوني الصادر عن كلخانة، وكافة المعاهدات المبرمة والتي ستبرم بين الباب العالي والدول المتحابة يقتضي ان تكون جميعها نافذة بكامل احكامها في مصر، وكل النظامات التي سنها وسيسنها الباب العالي تكون ايضا مرعية في ولاية مصر مع ملاحظة الظروف المحلية المختصة بالعدل والحقانية".

وفرمان 8 يونية سنة 1867 الصادر للخديوي اسماعيل صريح ايضا في ان المراد بالقوانين الاساسية الواردة في فرمانات سنة 1841 هو خط الكلخانة دون سواه، فقد جاء فيه: "ان فرماني الهمايوني الذي منح نيابة مملكة مصر امتياز التوارث اشترط خلاف ما ذكر وهو ان تكون القوانين الاساسية الجاري العمل بموجبها في كافة انحاء الممالك العثمانية مرعية الاجراء ونافذة ايضا في مصر بما يوافق الحق والعدل مع مراعاة عاداة الاهلين واخلاقهم اما القوانين الاساسية المذكورة فليكن معلوما انها ان هي الا المبادئ العمومية المنشورة في تنظيمات كلخانة اعنى تامين الارواح والاموال والشرف".

هذا هو المعنى الرسمي لكلمة القوانين الواردة في معاهدة لندره، فهي تشبه ان تكون كالتزام دولة ازاء دولة اخرى بان تنفذ تشريع منع الرقيق مثلا. وليس في ذكره هذه الكلمة ما يؤخذ منه لا صراحة ولا ضمنا ان لتركيا حق التدخل في التشريع بمصر ايا كان نوعه، وهذا ما جرى عليه العمل منذ صدور معاهدة لندره فان حكومة مصر في عهد محمد علي وخلفائه لم تنازعها تركيا يوما ما في حقها المطلق في التشريع والتقنين بكافة أنواعه، ولم تتدخل البتة في هذا الصدد اطلاقا.

قيود الفرمانات

ذكرنا القيوم التي كانت تحد استقلال مصر في معاهدة لندره، ولكن الفرمانات التي اصدرتها تركيا تنفيذا للمعاهدة قد جاوزت في بعض المواطن القيود الواردة بها، وظاهر ان السلطان العثماني اغتنم فرصة تألب الدول الاوروبية في مصر، فاشتط في الفرمانات التي اصدرها لمحمد علي وغللها بالقيود الثقيلة الوطأة، وخاصة في الفرمان الاول المؤرخ في 13 فبراير سنة 1841، مما دعا محمد علي الى الاعتراض لدى الدول على تلك الشروط وادى اعتراضه الى تعديل فيها كما سيجئ بيانه.


فرمان 13 فبراير سنة 1841

وهاك خلاصة الاحكام التي تضمنها فرمان 13 فبراير سنة 1841: 1- اذا خلا مركز السدة المصرية يختار له السلطان من يشاء من اولاد محمد علي الذكور او اولاد اولادهم الذكور،2- فاذا انقرض نسل الذكور كان للباب العالي ان يختار من يشاء للولاية دون ان يكون لاولاد الاناث حق فيها. 3- يلزم من يختار للولاية خلفا لمحمد علي بالذهاب الى الاستانة ليتلقى فرمان التقليد. 4- ان ولاة مصر بالرغم من حقهم الوراثي تكون مرتبتهم مماثلة لمرتبة وزراء الدولة في المخاطبات والمقابلات السلطانية. 5- المعاهدات التي ابرمها او سيبرمها الباب العالي وكذلك الخط الشريف المعروف بخط الكلخانة والقوانين الاساسية للدول العثمانية تنفيذ في مصر. 6- تكون جباية الضرائب ودخل الحكومة باسم السلطان ويتبع فيها النظام المعمول به في تركيا لكيلا يقع الضيم باهالي مصر. 7- يرسل ربع ايرادات الحكومة المصرية الحاصل من دخل الجمارك والخراج والضرائب الى خزانة الباب العالي،8- ويخصص الثلاثة الارباع الاخرى لشئون مصر من نفقات الجباية والادارة العسكرية والمدنية ،9- وحاجات الحكومة والغلال التي ترسل سنويا الى مكة والمدينة،10- وطريقة اداء نصيب الباب العالي من ايراد الحكومة المصرية يعمل بها لمدة خمس سنوات ابتداء من اول عام سنة 1257 (23 فبراير سنة 1841)،11- ويجوز استئناف نظرها بالتعديل تبعا للظروف والاحوال في مصر. 12- لما كان من المقتضى تحقق الباب العالي من مقدار دخل الحكومة المصرية فيلزم تعيين لجنة لمراقبة هذا التدخل تؤلف طبقا للاوضاع التي يقررها السلطان فيما بعد بارادة شاهانية. 13- تكون السكة (النقود) في مصر باسم السلطان،14- ولا تختلف النقود الذهبية والفضية التي تضرب في مصر عن نقدي الاستانة في القيمة والنوع والعيار. 15- لا يزيد عدد الجيش المصري في زمن السلم عن 18000 الف جندي،16- وللباب العالي ان يرفعه الى ما شاء في زمن الحرب،17- ويتبع في مصر نظام التجنيد المعمول به في تركيا،18- وهو يقضي بجعل مدة الخدمة خمس سنوات،19- وعلى ذلك يكتفي من مقترعي الخدمة الموجودين الان بعشرين يبقى منهم 18000 في مصر ويرسل 2000 الاستانة،20- ثم يسرح خمس عدد الجيش (أربعة آلاف جندي) كل سنة بطريقة القرعة،21- ويقترح بدلهم اربعة الاف مستجدون يبقى من هؤلاء بالقطر المصري 3600 ويرسل 400 الى الاستانة. والذين يتمون خدمتهم العسكرية يعودون الا بلادهم ولا يجوز اقتراعهم من بعد. 22- لا يختلف شوار الجنود والضباط المصريين وملابسهم واعلامهم واوسمتهم عن مثلها في الجيش التركي،23- وكذلك ملابس البحارة والجنود والضباط في الاسطول المصري واعلام السفن الحربية المصرية. 24- لوالي مصر حق منح الرتب العسكرية لضباط البر والبحر لغاية رتبة صاغ قوة أغاسي،25- ما الرتب العليا فيرسم بها من السلطان. 26- ليس لمصر ان تبني سفنا حربيا الا باذن صريح من الباب العالي. 27- لما كان امتياز حكم مصر الوراثي المخول لمحمد علي واسرته مقرونا بالشروط السابقة فالاخلال باي منها يؤدي الى سقوط حقهم في هذا الامتياز.

هذه خلاصة شروط فرمان 13 فبراير 1841، ومن المتامل فيها يتبين مبلغ تجاوزها لاحكام معاهدة لندره، فليس في المعاهدة كما قدمنا قيود عملية تحد استقلال مصر التام فيما عدا الجزية السنوية وسريان معاهدات تركيا واعتبار قوات مصر جزءا من قوات السلطنة العثمانية، ولكن الفرمان مغلل بالقيود الثقيلة التي لم ترد في المعاهدة، فليس فيها مثلا نصوص تقيد عدد الجيش المصري وتحدده ب18000 او تحظر بناء مصر سفن حربية الا باذن الباب العالي، او تقيد حق الحكومة المصرية في منح الرتب العسكرية، او تقضي بمراقبة مالية مصر، فهذه القيود قد فرضها السلطان في فرمانه دون ان يكون له سند في المعاهدة، وكذلك مما لا يتفق مع روح المعاهدة تقويم الجزية بربع ايرادات الحكومة المصرية، لان ذلك فضلا عما فيه من الارهاق والاعتساف فانه يستتبع تدخل تركيا في شئون مصر الداخلية ومراقبة احوالها المالية بحجة تعرف مقدار دخلها والتحقق من نصيبها فيه، وكذلك لا يتفق مع روح المعاهدة انتحال السلطان حق اختيار من يشاء من اولاد محمد علي او احفاده لتولي اريكة مصر ، فان جعل حكم مصر الوراثي في سلالة محمد علي ليس معناه تحكم الباب العالي في اختيار من يشاء منهم، لان هذا التحكم يضيع قيمة هذا الحق ويطلق يد السلطان العثماني في اختيار من يانس فيه الضعف والخضوع لارادته من تلك السلالة، وقد اعترض محمد علي لدى الدول على ما ورد في ذلك الفرمان من الشروط الثقيلة الوطاة، وطلب تعديله في نظام وراثة الحكم ومقدار الجزية السنوية وحق منح الرتب العسكرية.

فقبلت الدول طلبه وارسلت الى الباب العالي مذكرة طلبت اليه فيها ان يعامل محمد علي طبقا للشروط المدونة في ملحق معاهدة لندره.

لائحة 19 أبريل سنة 1841

فاجاب الباب العالي الدول بمذكرة في 19 أبريل سنة 1841 بتعديل شروط الفرمان السابق، وهاك اهم ما قرره من التعديلات الجوهرية: أولا: انه نظم وراثة عشر مصر بان جعل حق الوراثة للاكبر سنا من سلالة محمد علي الذكور. ثانيا: عدل عن تقويم الجزية بربع ايراد الحكومة وجعلها تبعا لتقديره فيما بعد مع النظر لحالة الحكومة. ثالثا: ان يكون لوالي مصر حق منح الرتب الى رتبة اميرالاي، اما ما يعلوها من الرتب كدرجة امير لواء وفريق فجعل حق منحها بعد استئذان الباب العالي.

فرمان اول يونيه سنة 1841

ثم اصدر الباب العالي في اول يونيه سنة 1841 فرمانا جامعا يحتوي احكام فرمان 13 فبراير، مع التعديلات المتقدمة، واصدر فرمانا اخر بتحدي الجزية السنوية بثمانين الف كيس اي 400000 جنيه.

ومما يجدر ملاحظته ان القيود التي وردت في فرمانات الباب العالي مما لا تنص عليه معاهدة لندره لم تكن قيودا دولية ولا شرعية، بل كانت ذات صبغة داخلية بين تركيا ومصر، بمعنى انها لا ترتكز على سند دولي من معاهدة او اتفاق، والتحلل منها يكون فيما بين مصر وتركيا، ويتم صحيحا بعمل يصدر من جانب احداهما، لان هذه القيود اساسها فرمان صدر من جانب واحد وهو تركيا.

ولذلك لم تتقيد مصر بمعظم تلك القيود، وخاصة فيما يتعلق بعدد الجيش، فقد ترك هذا العدد لمقدرة الحكومة المصرية وارادتها، ولم يكن ثمةمراقبة على عدد الجيش المصري.

وتتبين هذه الحقيقة من التامل في احصاء الجيش المصري ومقدار قوته من اواخر عهد محمد علي الى عهد خلفائه لغاية الاحتلال الانجليزي، وهاك البيان:

"احصاء الجيش المصري في أواخر عهد محمد علي"
السنة الفترة قوة الجيش
1847 (في أواخر عهد محمد علي) 94000
1850 (في عهد عباس باشا الأول) 101000
1859 (في عهد سعيد باشا) 85000
1873 (في عهد الخديوي اسماعيل باشا) 92000
1879 (في أوائل عهد توفيق باشا) 89000

فيتبين من هذا الاحصاء ان مصر لم تتقيد في عدد جيشها بالفرمانات السلطانية بل كان لها مطلق الحرية في تحديد عدده.

وكذلك استطاع الخديوي اسماعيل ان يحرر مصر من معظم القيود الاخرى بفرمانات استصدرها راسا من السلطان من غير مخابرات دولية.

وغني عن البيان ايضا ان الباب العالي كان له بمقتضى فرمانات ان يتنازل عن الحقوق التي خولتها له معاهدة لندره، والعكس لا يجوز، اي ليس له ان ينتقص حقوق مصر بالفرمانات، لان هذه الحقوق مكفولة بمعاهدة دولية، فليس للباب العالي ولا لاي دولة اخرى ان تعبث بها، وهذا ما قال به المسيو دي مارتانس الاستاذ بجامعة سان بطرسبرج اذ يقول: "ان فرمانات خاصة قد وسعت الحقوق والمزايا التي نالها نائب الملك (الخديوي) بازاء الباب العالي، ولكن من البديهي ان هذه الفمرانات ليس لها قوة الغاء او انتقاص المركز الدولي المستقل الذي اوجده مؤتمر سنة 1849.

النتيجة

فمركز مصر الدولي قد حددته في سنة 1849 معاهدة لندره التي قضت بارجاع الجيوش المصرية الى حدود مصر القديمة، وضمان استقلالها مقيدا ومشوبا بالسيادة العثمانية، ومصر طبقا لهذه المعاهدة اصبحت دولة مستقلة غير مستكملة السيادة، والاستقلال الذي نالته منذ سنة 1840 هو استقلال داخلي تام بكل مظاهره مضافا اليه بعض مظاهر الاستقلال الخارجي، مثل حق مصر في قبول ممثلي الدول الاجنبية كالقناصل والوكلاء، وهو من مظاهر السيادة الخارجية.

ولا نزاع في ان قيود السيادة العثمانية التي قيدتها بها معاهدة لندره هي نتيجة تامر الدول الاوروبية على مصر وانحيازها الى تركيا، فاذا كانت مصر لم تحقق في ذلك العصر كل امانيها وحقوقها الشرعية في الاستقلال المطلق من كل قيد فانما يرجع ذلك الى الاضطهاد الذي وقع عليها من الدول المتحالفة، فالاضطهاد الاوروبي هو الذي حرم مصر ثمرة انتصاراتها ووقف كحجر العثرة في سبيل تحقيق استقلالها التام، ولو عاملتها الدول الاوروبية سنة 1849 كما عاملت اليونان سنة 1826 – 1839 لما وقع ذلك الاضطهاد، فمصر واليونان كلتاهما كانت ولاية من ولايات السلطنة العثمانية ثارت ضد السلطان في اوقات متقاربة، والفرق بينهما ان اليونان هزمت في ميدان الحرب، اما مصر فقد فازت وقهرت الجيوش العثمانية، ومع ذلك كانت النتيجة ان ساعدت الدول الاوروبية اليونان على تحررها، اما مصر فقد حالت اوروبا دون استقلالها التام، وهذا من اغرب ما سمع في معرض الظلم الدولي، ولا يخفى ان قوات الاضطهاد الذي وقع على مصر انما هو اطماع انجلترا واهواؤها، فان الحكومة الانجليزية كما فصلنا ذلك هي التي املت سياستها على الدول الاوروبية تحقيقا لاطماعها الاستعمارية في الشرق.

ومن الواجب ان نقول انه لولا حروب مصر المتواصلة وانتصاراتها في عصر محمد علي لما رضيت اوروبا ولا تركيا باستقلال مصر المقيد بالسيادة العثمانية، بل لرجعت بها ولاية كسائر ولايات السلطنة العثمانية يتعاقب عليها الولاة الترك كل سنة او سنتين. فلولا تلك الحروب وما اظهرته مصر من القوة والمنعة لما احتفظت باستقلالها الذي نالته في ميادين القتال. فالجهود التي بذلته، والدماء التي جادت بها، والتضحيات التي احتملتها ، هي التي حفظت ذلك الاستقلال وصانته من الضياع، فلم يعد في استطاعة تركيا ولا الدول الاوروبية ان تعيدها الى حالتها القديمة. ولئن حرمت مصر كل ما تصبو اليه من نتائج انتصاراتها وتضحياتها، فقد ادركت غايتين من اعظم المقاصد القومية، فلقد وطدت دعائم استقلالها وحققت وحدتها بضم السودان الى رقعتها، ثم نالت مركزا دولية وطيدا لم يكن لها من قبل، ومركزا معنويا رفع من شأنها بين الامم، واذا كانت الامة الفرنسية تفخر بمعارك نابليون وحروبه العظيمة مع انها لم تنل من ورائها سوى الخسران والتراجع الى ما وراء حدودها الاصلية، وتعدها مع ذلك صفحات مجد زاهية في تاريخها القومي، فاجدر مصر ان تفخر بحروبها في عصر محمد علي، تلك الحروب التي رفعت ذكرها في الخافقين، وسارت باسمها مسير الشمس، فضلا عما انتجته من تحقيق استقلالها وتوطيد دعائمه.

فهذه الحروب هي اذن من اقوى دعائم الدولة المصرية المستقلة، ومن اعظم اركان القومية المصرية، وخاصة فتح السودان وحروب سورية والاناضول، فان فتح السودان قد اتم الوحدة القومية، وحروب سورية والاناضول كانت من اقوى المقومات المصرية، اذ لا يخفى انها فتحت اذهان المصريين الى ان لمصر شخصية منفصلة تمام الانفصال عن القومية التركية، وجاء قيام محمد علي في وجه تركيا وهي وقتئذ دولة الخلافة الاسلامة تحطيما لفكرة اندماج مصر في السلطنة العثمانية، وعملا بعيد المدى كان له اثر كبير في تشييد صرح القومية المصرية.

انظر أيضا

هوامش

  1. ^ الرافعي, عبد الرحمن (2009). عصر محمد علي. القاهرة، مصر: دار المعارف. Cite has empty unknown parameter: |coauthors= (help)

المصادر

  • Goldschmidt, A.; Johnston, R. (2004), Historical Dictionary of Egypt (3rd ed.), American University in Cairo Press, p. 243
  • Berger, M. (1960), Military Elite and Social Change: Egypt Since Napoleon, Princeton: Center for International Studies, p. 11
  • Rich, N. (1992), Great Power Diplomacy, 1814-1914. Boston: McGraw-Hill.

وصلات خارجية