معركة الحماد

معركة الحماد، هي احدى معارك حملة الإسكندرية 1807، وقعت في 21 أبريل 1807 بين القوات الإنگليزية بقيادة الجنرال فريزر وقوات الجيش المصري بقيادة محمد علي باشا.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

أحداث المعركة

كانت معركة رشيد ضربة شديدة أصابت الجيش الانجليزي، فأراد الجنرال فريزر أن يمحو اثر الهزيمة التي حاقت به في تلك الواقعة، واعتزم تجريد جيش آخر يستأنف الزحف على رشيد وعهد بقيادته الى الجنرال ستوارت.[1]

وفي غضون ذلك وصل محمد علي باشا الى القاهرة عائدا من الصعيد فبلغها ليلة 12 أبريل سنة 1807 (3 صفر سنة 1222) فأطلع على الأنباء الواردة عن هزيمة الانجليز في رشيد، فاطمأن نفسا وألفى الحالة اقل خطورة مما كان يتوقع، على أنه لم يركن الى ما حدث في تلك الموقعة ورأى بثاقب نظره أن الإنجليز قد يستأنفون القتال والزحف ليستردوا هيبتهم الضائعة، فبادر الى تجريد جيش أنفذه لمحاربتهم وصدهم عن التقدم، واتم عمل الاستحكامات التي بدء بها قبل حضوره، وواصل العمل في حفر الخنادق بين باب الحديد وبولاق لاقامة حط الدفاع عن القاهرة من الشمال وشق أخاديد أمام الخنادق تتصل بالنيل لتمتلئ بالمياه وتعرقل تقدم الجيش الانجليزي، واغرق عدة من المراكب بين جزيرة بولاق والشاطئ لمنع مرور السفن الانجليزي في النيل اذا جاءت من رشيد، ونصب البطاريات من المدافع في شبرا وامبابة وجزيرة بولاق، واشترك العلماء والشعب في العمل بحماسة وغيرة وحمية.

واخذ يدبر المال اللازم لنفقات الجيش، وعاونه السيد عمر مكرم والعلماء في جمع ما يستطاع تدبيره من المال فجمعوا تسعمائة كيس من سكان العاصمة خصصوها لنفقات الزحف. وتم تجهيز الحملة فكانت مؤلفة من أربعة آلاف مقاتل من المشاة وخمسمائة وألف من الفرسان، وسارت قاصدة الى رشيد بقيادة طبوز أوغلي.

أما جيش الجنرال ستوارت فكان عدده نحو أربعة آلاف مقاتل مجهزين بالمدافع والاسلحة والذخائر.

تحرك هذا الجيش من الاسكدرية يوم 3 أبريل زاحفا على رشيد، ولما صار على مقربة منها أنفذ الجنرال ستوارت كتيبة منه احتلت الحماد الت يتقع جنوبي رشيد بين النيل وبحيرة ادكو، وكان الغرض من احتلالها تطويق رشيد، ومنع وصول المدد اليها من الجنوب وحماية ساقة الجيش الانجليزي.

واحتل الانجليز ايضا آكام أبي مندور، وركبوا عليها المدافع ليضربوا رشيد بالقنابل وعسكر معظم الجيش غربي رشيد وجنوبيها واخذ يحاصرها (7 أبريل) ويضربها بالمدافع.

وكان الانجليز يظنون أن ضرب المدينة بالمدافع يلقي الرعب في نفوس الحامية والاهالي، ويضطرهم الى التسليم، وقد أنذروهم غير مرة بأن يسلموا المدينة، ولكنهم رفضوا، وكان انتصارهم السابق في واقعة رشيد قد بعث في نفوسهم الحمية والحماسة، فصمموا على الاستبسال في الدفاع عن مدينتهم، وبالرغم مما أحدثته القنابل من تخريب البيوت وقتل العدد الكثير من السكان فانهم صبروا واحتملوا هذه الشدائد بشجاعة ورباطة جأش، وكانوا يخرجون من المدينة من آن لآخر لمناوشة القوات الانجليزية، واستمر الضرب الحصار نحو اثنى عشر يوما دون ان يفوز الانجليز بطائل.

وكانت الجنرال ستوارت في رسالة له الى الجنرال فريزر يقول:

"ان ما أنبأتموني به من قرب حضور المماليك جعلني أتريث في الهجوم على رشيد، لقد ألحقنا بالمدينة أضرارا كبيرة وقد بلغ ما أطلقناه عليها من المدافع البعيدة المدى 300 قنبلة، على أنه قد تبين لنا أن الاعداء لا يكترثون بالمصائب التي تنزل بهم، ان قواتهم لا تزيد على ما بلغنا على 300 من الفرسان، و800 من الأرناءوط وألف من الأهالي المسلحين، ولكن نظرا لسعة خطوط دفاعهم وطبيعة مواقعهم لم أر من الحكمة أن أتعجل لاقتحام المدينة، وان نجاحنا معلق على نجدة المماليك، فاذا جاءوا الينا امكننا ان نرسل الى البر الشرقي من النيل قوة تشترك في القتال، أما الآن فيستحيل علينا ذلك لان العدو متفوق علينا في قوة الفرسان، وليس لدينا مثل هذه القوة التي لها عمل كبير في الجهات المنبسطة كجهات الدلتا، وفي انتظار تلك النجدة يتبين لنا مبلغ أهمية موقعنا في الحماد فإننا نتوقع ان يهاجمنا الأعداء فيها، وسنبذل كل جهودنا لاستبقائها في يدنا".

كان الانجليز ينتظرون اذن ان ينجدهم المماليك، ولكن هؤلاء اخذوا يسوفون ويماطلون في الوفاء بعهدهم، ويرقبون تطور الحوادث، ثم تخلوا عن حلفائهم لما رأوا من حرج مركزهم.

وفي غضون ذلك اخذ الاهالي يناوشون مواقع الانجليز في الحماد، فانفذ اليها الجنرال ستوارت مددا من الجنود، وركب المصريون أيضا مدفعين على الشاطئ الشرقي وأخذوا يلقون القنابل على ميمنة الجيش الانجليزي بالبر الغربي، فاجتاز الماجور ماكدونالد النهر عند مسجد أبي مندور (16 أبريل) ومعه قوة من 250 جنديا واستولى على موقع المصريين وعلى المدفعين، ثم تلقى المصريون مددا فعاد ماكدونالد أدراجه الى البر الغربي.

واستمر الضرب والحصار الى أن جاء المدد الذي أرسله محمد علي باشا بقيادة طبوزاوغلي، فتغير الموقف الحربي تغير جوهريا.

كان هذا المدد مؤلفا من فرقتين، الأولى يقودها طبوزاوغلي نفسه بالبر الشرقي للنيل، والأخرى بقيادة حسن باشا بالبر الغربي، وكانت الفرقتان تيسر كلتاهما حذاء الأخرى على الشاطئين، فلما جاءتا على مقربة ن رشيد عسكرت فرقة حسن باشا بالبر الغربي تجاه الحماد، وعسكرت الأخرى في برنبال بالشاطئ الشرقي وكان جنود الفرقين بشاهد بعضهم بعضا.

ففي صبيحة 20 أبريل تقدمت طلائع الجيش المصري من الفرسان (من فرقة حسن باشا) نحو مواقع الإنجليز في الحماد، والتقت بكتيبة منهم وسط المزارع، فاراد هؤلاء الارتداد الى القرية، ولكنهم لم يحكموا انسحابهم واحاط بهم فرسان الجيش المصري فقتلوا بعضهم وأسروا آخرين.

فلما علم الجنرال ستوارت بهذا الاصطدام الأول أنفذ الكولونيل ماكلود ومعه عدد من الجنود والمدافع الى الحماد لتثبيت مركز الانجليز فيها، وعهد اليه بقيادة القوة المرابطة بها.

كان موقع هذه القرية على جانب كبير من الاهمية، وعليها يدور محور القتال لانها واقعة في البرزخ بين النيل وبحيرة إدكو، وفي شماليها ترعة كانت في ذلك الحين جافة تصل من النيل الى قرب البحيرة، فلو أن الانجليز أحكموا الدفاع عن موقعهم بها لأمكنهم أن يسدوا الطريق أمام الجيش المصري فلا يستطيع اجتياز ذلك البرزخ ولا الوصول الى رشيد ليمدها بالنجدة.

رتب الكولنل مواقع جنوده ليدافع بهم هن هذا البرزخ، وكان عددهم ثمانمائة مقاتل ترتكز ميسرتهم الى النيل بقيادة الماجور وجسلند، وميمنتهم قرب بحيرة ادكو بقيادة الكابتن تارلتون، والقلب في قرية الحماد بقيادة الماجور مور، أما جمهورة الجيش الانجليزي فرابطت حول رشيد لحصارها.

وانقضى يوم 20 أبريل وموقع الإنجليز في الحماد لم يستهدف في الظاهر للخطر، وكان الكولونل ماكلود مطمئنا الى مركزه، لكن الجنرال ستوارت لاحظ حتما قتش خط الدفاع في الحماد (ليلة 21 أبريل) انه لا يحتمل في بعض جهاته ضغط قوات الجيش المصري اذا تكاثر عددها، فعهد الى الكولنل ماكلود أن يستبسل في الدفاع عن مواقعه قدر ما يستطيع، وفي حالة تكاثر قوات الفرسان المصريين فعليه أن يرتد الى شاطئ البحيرة، فاذا لم يستطيع ذلك فليتراجع الى مواقع الجيش الإنكليزي الذي كان يحاصر رشيد.

وأدرك الجنرال ستوارت أن القوات المصرية بعد ان جاءها المدد صارت اكثر عددا من الجيش الإنجليزي، فارتأى أن يسنتظر الى اليوم التالي (21 أبريل) واعتزم اذا لم تصله النجدة من المماليك ان ينسحب من الحماد ويرفع الحصار عن رشيد ويتراجع الى الاسكندرية.

أما طبوزاوغلي، قائد الجيش المصري، فانه كان الى ذلك الوقت مرابطا في برنبال بالبر الشرقي، مترددا في اي طريق يسلكه، هل يذهب رأسا لنجدة رشيد ليرفع الحصار عنها، أم يهاجم أولا موقع الإنجليز في الحماد، الى أن تشجع بالنصر الذي ناله فرسان حسن باشا بالبر الغربي في الاصطدام الأول، فاعتزم اتباع الخطة الأخيرة، فعبر النيل ليلا بجنوده، واقلتهم المراكب الى العدوة اليسرى، وانضموا الى فرقة حسن باشا تأهبا لمهاجمة الحماد في صبيحة العد (21 أبريل).

وفي الصباح شاهد الكولنل ماكلود قوات الجيش المصري قد تكاثر عددها، وامتلأ السهل برجالها، فأرسل من فوره الى الجنرال ستوارت ينبئه الخبر ويطلب اليه ان يقره على الانسحاب الى مواقع الجيش الانجليزي حول رشيد، فبعث اليه ستورات يقره على خطته، ويمدع بفصيلة من الجند، ولكن الرسول لم يصل الى الحماد وكذلك لم يجيء المدد، لأن فرسان الجيش المصري قد انسابوا في السهل وقطعوا المواصلات بين الحماد ورشيد، فاعتزم ماكلود الانسحاب من خط دفاعه، ولكنه لم يحكم خطته، وتفرقت قواته ، فتمكن فرسان الجيش المصري من الانقضاض عليها واحدة اثر اخرى في الوقت الذي احتل فيه المشاة الصريون قرية الحماد.

تعقب الفرسان القوات الثلاث، فأحاطوا بقوة القلب وكان معها الكولونل ماكلود، وانهال عليها الرصاص، من كل صوب فقتل معظم رجالها وقتل من بينهم الكولونل ماكلود نفسه.

وأحاطوا كذلك بالميمنة فقتل قائدها ترلتون ومعظم جنودها، ولم ينج من القتل سوى خمسين وقعوا في الاسر.

اما الميسرة فقد قاومت قليلا واحاط بها الفرسان من كل جانب، فلم ير قائدها الماجور وجلسند بدا من التسليم، فسلم هو والبقية الباقية من الانجليز، وكان ذلك ختام المعركة.

بدأت الواقعة الساعة السابعة صباحا. واستمرت ثلاث ساعات حمى فيها وطيس القتال، وانتهت بهزيمة الجيش الانجليزي المرابط في الحماد، ولم ينج منه احد، فمن لم يدركه القتل لم يسلم من الأسر، وبلغت خسارته نحو 416 من القتلى و400 أسير.

كان الجنرال ستوارت مرابطا اثناء الواقعة جنوبي رشيد ومعه بقية الجيش الانجليز، فلما ادرك عظمة النكبة التي حلت بقواته في الحماد سارع الى رفع الحصار عن رشيد وبادر الى الانسحاب قبل ان ينقض عليه الجيش المصري، فأتلف مدافعه التي لم يستطع حملها وتراجع الى طريق أبو قير يجر أذيال الخيبة والهزيمة.

وبالرغم من كتمانه تدابير الانسحاب فان اهالي رشيد والبلاد المجاورة تعقبوه في انسحابه الى ان وصل الى بحيرة ادكو وجرت مناوشات على شاطئ البحيرة بينه وبين المصريين انتهت بارتداد هؤلاء ومواصلة الانجليز الانسحاب حتى بلغو أبو قير ومن هناك استقلوا السفن الى الاسكندرية.


رواية الجبرتي عن معركة الحماد

قال الجبرتي عن معركة الحماد ما يلي:

"في يوم الخميس 14 صفر حضر شخصان من السعاة وأخبرا بالنصر على الانجليز وهزيمتهم، وذلك انه اجتمع الجم الكبير من اهالي البحيرة وغيرها واهالي رشيد ومن معهم من المتطوعة والعساكر ، وأهل دمنهور ، وصادف وصول كتخدا بك واسماعيل كاشف الطوبجي الى تلك الناحية، فكان بين الفريقين مقتلة كبيرة واسروا من الانكليز طائفة وقطعوا منهم عدة رءوس، فخلع الباشا (محمد علي) على الساعيين جوختين، وفي اثر ذلك وصل ايضا شخصان من الأتراك بمكاتبات بتحقيق ذلك الخبر، وبالغا في الاخبار وان الانكليز انجلوا عن متاريس رشيد وابي مندور والحماد، ولم يزل المقاتلون من اهل القرى خلفهم الى ان توسطوا البرية وغنموا جبخانتهم وأسلحتهم ومدافعهم ومهراسين عظيمين".

وقال في موضع آخر يصف تطوع المصريين في القتال بعد معركة رشيد الاولى ونصيبهم في معركة الحماد وما ابلو فيها من البلاء الحسن، وكيف غمط حقهم بعد ذلك ولم يعرف فضلهم في الجهاد والفوز:

"وكذلك اهل البلاد قويت همتهم وتأهبوا للبروز والمحاربة، واشتروا الاسلحة ونادوا على بعضهم الجهاد، وكثر المتطوعون ونصبوا لهم بيارق واعلام، وجمعوا من بعضهم دراهم وصرفوا على من انضم اليهم من الفقراء، وخرجوا في مواكب وطبول وزمور، فلما وصلوا الى متاريس الانكليز دهموهم من كل ناحية على غير قوانين حروبهم وترتيبهم، وصدقوا في الحملة عليهم، والقوا انفسهم في النيران ولم يبالوا برميهم، وهجموا عليهم واختلطوا بهم، وأدهشوهم بالتكبير والصباح حتى ابطلوا رميهم ونيرانهم، فألقوا سلاحهم، وطلبوا الامان فلم يلتفتوا لذلك، وقبضوا عليهم وذبحوا الكثير منهم وحضروا بالاسرى والرءوس على الصورة المذكورة وفر الباقون الى من بقى بالاسكندرية، وليت العامة شكروا على ذلك او نسب اليهم فضل، بل نسب كل ذلك للباشا وعساكره، وجوزيت العامة بضد الجزاء بعد ذلك".

تأثير معركة الحماد في الموقف الحربي

كانت معركة الحماد هزيمة ساحقة للانجليز، فملأت نفوس المصريين عزما وفخرا وثقة، وأسقطت هيبة الجيش الانجليزي وخاصة لما جمع كتخدا بك اسراهم وشحنهم في المراكب الى القاهرة ليتحقق الناس عظم النصر الذي ادركه الجيش المصري.

وصل اولئك الاسرى الى بولاق يوم 2 صفر 1222 (29 أبريل سنة 1807) فسيقوا من بولاق الى الازبكية ومنها الى القلعة، وعددهم 480 أسيرا وفي مقدمتهم من قواد الجيش الانجليزي الماجور مور، والماجور وجلسند، وكان يوم حضورهم يوما مشهود احتشدت فيه الجماهير من سكان العاصمة على جوانب الشوارع والطرقات لرؤية منظر الاسرى، وطيف برءوس القتلى الانجليز ليراها الناس على الطريقة التي كانت مألوفة في ذلك العصر فبلغ عددها 450 رأسها.

أما الجنرال فريزر فقد اسقط في يده بعد هزيمتي رشيد والحماد ورأى من العبث ان يعاود القتال، فامتنع بالاسكندرية واخذ في تحصينها، وبعث بالرسل الى زعماء المماليك يذكرهم بوعود الالفي ويناشدهم العهود ويحرضهم على امداده ومعاضدته ليواصل القتال ويعيدهم الى دست الأحكام، ولكن المماليك لما علموا بما حل بالانجليز من الهزيمة صموا آذانهم عن الاستجابة لطلب الجنرال فريزر وظلوا بعيدين عن غمرات القتال.

ولكي يأمن الجنرال فريزر على نفسه قطع سد ابو قير لتطغى مياه بحيرة ابو قير على مريوط وتحيط المياه بالاسكندرية من جميع الجهات، وهذه هي المرة الثانية التي قطع فيها الانجليز هذا السد، وكانت المرة الأولى سنة 1801 حينما حاربوا الجنرال منو فارادوا ان يحصروه في الاسكندرية فقطعوا السد.

ولا يخفى ان قطع السد يتلف ترعة الاسكندرية فيمنع وصول مياهها الى الثغر ويخرب بلادا كثيرة في جهات مريوط، فالانجليز قد تسببوا في هذا الخراب مرتين.

واخذ محمد علي يعد العدة للزحف على الاسكندرية واجلاء الانجليز عنها، ولم يكد يبدأ في انفاذ عزمه حتى جاءه بالقاهرة رسول من قبل الجنرال فريزر يحمل رسالة منه، فظن ان هذه الرسالة خاصة بالاسرى الانجليز الذين في القلعة، ففضها فاذا فيها طلب الجنرال فريزر المفاوضة في الصلح على ان يجلو الجيش عن الاسكندرية، ولم يكن محمد علي يتوقع الجلاء عن البلاد بهذه السهولة وهم الذين يتطلعون منذ سنوات عدة الى احتلالها وبسط نفوذهم عليها ويبذلون الجهود والوسائل لتحقيق أطماعهم فيها، فلم يغب عن محمد علي ما بذله الانجليز من عهد الحملة الفرنسية لاحتلال مصر ولا مساعيهم لدى الباب العالي ودسائسهم المستمرة لتولية صنائعهم المماليك حكم البلاد وخاصة محمد بك الالفي، ولا تجريدهم تلك الحملة في هذا الغرض، كل هذا لم يفت نظر محمد علي الثاقب، ولذلك لم يكد يصدق هذه الرسالة ، وحاول كتمان ذهوله منها وابتهاجه لها، وأجاب الرسول بأنه ذاهب بجيشه الى دمهور ، وهناك سيبعث بجوابه الى الجنرال فريزر.

والواقع ان انجلترا عزمت وقتئذ على العدول عن غزو مصر، ولم يكن ذلك منها تورعها ولا عدولا عن تحقيق اطماعها الاستعمارية في وادي النيل، بل لان الحالة السياسية في أوروبا كانت لا تمكنها من متابعة حملتها على مصر، وذلك ان الصراع بينها وبين نابليون استجر وبلغ مبلغه في ذلك العهد، وكان نابليون اذ ذاك في اوج قوته ومجده، وقد دان له معظم القارة الاوروبية، وعقد مع قيصر روسيا صلح (تلسيت ) الشهير، ذلك الصلح الذي وطد مركزه في أوروبا وضمن له صداقة القيصر، فاستطاع ان يتفرغ لتوجيه قواته لسحق إنجلترا، فرأت هذه ان تجمع قواها لتدافع عن جزيرتها، وآثرت ألا تغامر بجيوشها في حملات بعيدة وهي في حاجة اليها، ورأت من جهة أخرى بعدما أصاب جنودها من الهزيمة والخذلان في رشيد والحماد ان الحملة على مصر ليست مرجوة العواقب، من أجل ذلك عدلت عن متابعة حملتها وارسلت تستدعي جيشها من الاسكندرية، وأمرت الجنرال فريزر بالاقلاع بجنوده الى صقلية ، ولا يعني هذا انها تخلت عن مطامعها في مصر، بل رأت ان ترجئ تحقيقها الى ان تسنح فرصة أخرى، وكذلك ظلت تضمر الشر لمصر وترقب الفرص الى ان كشرت عن نابها اثناء اشتداد الصراع بين مصر وتركيا سنة 1839 فتدخلت في المسألة المصرية، وألبت الدول الاوروبية على مصر وحرمتها ثمرة انتصاراتها على الأتراك ، كما سيجئ بيانه، وظلت بعد ذلك تتحين الفرص لاحتلال البلاد حتى سنحت لها الفرصة سنة 1882 أثناء الثورة العرابية.

المصادر

  1. ^ الرافعي, عبد الرحمن (2009). عصر محمد علي. القاهرة، مصر: دار المعارف.