نظام الالتزام

تغير هذا النظام في عهد محمد علي باشا تغيرا عظيما، فانه بعد ان غلب المماليك وخاصة بعد ان قضى عليهم في مذبحة القلعة عمد الى املاكهم التي كانت تحت ايديهم واستخلصها لنفسه، ثم الغى نظام الالتزام ونزع الاراضي التي كانت تحت ايدي المتلزمين والتي كان الفلاحون يزرعونها ويدفعون ضربيتها هم، واعتبرها ملكا للحكومة، ووزع منفعتها على الفلاحين كاطيان مؤجرة، وخول كل قادر على العمل زراعة ثلاثة افدنة او اربعة او خمسة، وبذلك الت له حقوق المتلزمين وسلطتهم، وصارت علاقة الفلاحين بالحكومة مباشرة بعد ان كانت علاقتهم بالملتزمين.[1]

وقد توصل محمد علي الى الغاء نظام الالتزام بان طلب من الملتزمين ان يطلعوه على سندات ملكيتهم، فلما قدموها له قرر بطلانها جميعا، واعتبر الحكومة او بعبارة اوضح اعتبر ذاته مالكا لجميع اراضي مصر.

احدث الغاء نظام الالتزام استياء شديد بين الملتزمين، وكانوا يؤلفون طبقة كبيرة من الملاك والاعيان والمشايخ في مختلف البلدان يتعيشون منه، فاراد محمد علي ان يعوضهم شيئا مما فقدوه من مزايا التزامهم، فابقى تحت ايديهم (الاطيان الوسية) اي التي اقطعها اياهم ولاة الامور من قبل للقيام باعباء الالتزام، فخولهم حق الانتفاع بها مدى الحياة مع اعفائهم من دفع ضريبتها، وقرر لهم عدا ذلك معاشات سنوية تدفع لهم من ادارة الروزنامة تعادل ما كانوا يربحونه من الاطيان الداخلة في التزامهم، وكان حقهم في هذا الربح مستمدا من اساس الالتزام نفسه. فاساسه ان يعجل الملتزم للحكومة ضريبة سنة يدفعها مقدما على ان يجبيها بعد ذلك من الفلاحين، فجعل محمد علي هذه الرواتب السنوية في مقابل ما كان يصل الى ايديهم من ارباح الالتزام وسميت الفائض وقيدت في الروزنامة لاسم كل ملتزم، تدفع له ما دام حيا، على انه مما يجدر ملاحظته ان هذا الفائض اقل بكثير مما كانوا ينالونه من مزايا الالتزام، لان محمد علي لجا الى طريقة تدل على ذكائه ودهائه في حساب هذا الفائض، ذلك انه قبل ان يعلن عن نيته في الغاء الالتزام طلب من الملتزمين ان يقدموا له كشوفا بارباحهم من التزاماتهم، وهي التي تسمى بالفائض او فائض الالتزام، فظنوا ان الغرض من هذا الطلب عزم الحكومة على زيادة الضريبة التي يلتزمون بدفعها للحكومة، فانقصوا قيمة هذه الارباح جهد ما استطاعوا، فاعتمد محمد علي باشا هذا الحساب وحدد لهم رواتب مساوية لها، واسترد في مقابل ذلك الاملاك التي كانت تحت يدهم التزاما.

وضع محمد علي اذن يده على اطيان الملتزمين، اما الاراضي الموقوفة على المساجد ومعاهد البر والخيرات فقد تركها بداءة ذي بدء حتى لا يثير عليه هياج المستحقين والنظار، لكنه ما لبث ان الغاها وضمها الى املاك الحكومة، اخذا على عهدته الانفاق على المساجد، ورتب للشيوخ الذين كانوا يتولون ادارة الاطيان الموقوفة معاشات سنوية ضئية، ولم يبق من الاوقاف على الخيرات سوى النزر اليسير وبذلك توصل محمد علي الى وضع يده على اطيان الملتزمين ثم على الاطيان الموقوفة.

ومما يجب الالماع اليه انه لم يكن في مصر ملاك بالمعنى الصحيح حينما الغى محمد علي نظام الالتزام، ولم يكن سوى المتلزمين. ولذلك يسميهم كثير من المؤلفين الافرنج (ملاكا)، فالغاء الالتزام كان بمثابة الغاء الملكية المعروفة في ذلك العصر، وهي ملكية الانتفاع، ولو ان محمد علي بعد الغاء الالتزام ملك الفلاحين الاراضي لكان ذلك انشاء لنظام الملكية، ولكنه اعتبر الحكومة مالكة لجميع الاراضي، ولم يرتب الفلاحين حقوق الملكية عليها، بل كانت الحكومة تعد الفلاحين اجراء عندها او منتفين باطيانها، فتساجرهم للعمل في الارض بالمياومة وتعين للواحد منهم قرشا واحدا في اليوم، اما نقدا واما اصنافا، ويبقى لهم حق الانتفاع بالارض ماداموا يدفعون ضريبتها، فاذا تاخروا عن اداء الضريبة نزعت الارض من تحت يدهم واعطيت لفلاحين اخرين ينتفعون بها، وكان للحكومة ان تنزع الارض من تحت يد من تشاء اذا اقتضت المصلحة العامة ذلك دون ان تدفع له تعويضا، وكانت تعطي الفلاحين ما يلزم الزراعة من الات الري والحرث والمواشي، ومامور المركز هو الذي يحدد لكل فلاح مساحة الارض التي تعطي حاصلاته بالثمن الذي تحدده طبقا لنظام الاحتكار، ولا تترك الا الحبوب ثم شمل الاحتكار الحبوب ايضا.

وكان الانتفاع قاصرا على المنتفع مدى الحياة، فلا يتوارثه اعقابه، على ان العمل جرى على انه بعد وفاة المنتفع يتولى مشايخ البلاد ثم المديرون اعطاء حق الانتفاع لورثة المتوفى على سبيل المنحة، كما منح من قبل الى المورث لا على انه حق موروث، ولذلك كان الفلاحون عرضة لاهواء المشايخ وتحكمهم كلما ارادوا ان يمنح لهم هذا الحق.

ومما تقدم يتبين ان حق ملكية الفلاحين للاراضي الزراعية لم يتقرر في عصر محمد علي وانما جاء تقريره بمقتضى قانون سنة 1858 في عهد سعيد باشا.

ولا نزاع في ان الغاء الالتزام مع عدم تقرير حق الملكية لا يمكن ان يعد اصلاحا، بل هو ابعد ما يكون عن الاصلاح، قال المسيو مانجان، وهو صديق لمحمد علي: ان التعديلات التي ادخلها الباشا في نظام الملكية، لم تكن متفقة مع الصالح العام، فلا هو احترم الملكية الفردية، ولا هو اعترف بها، كما ان الذين عجزوا عن دفع الاتاوات والضرائب المختلفة التي فرضت على املاكهم اضطروا ان يتنازلوا عنها، وقال انه لما امر محمد علي بمسح الاراضي في القطر المصري زاد عدد الافدنة بسبب تغيير مقياس المساحة وانقاص طول القصبة، وزاد بالتالي ما يطلب على الارض من الضرائب، وبالغاء الالتزام حرم المتلزمون من الاملاك التي كانوا يستثمرونها، فالغاء الالتزام مع عدم انشاء الملكية معناه الغاء الملكية وامتلاك الحكومة لجميع الاراضي الزراعية، ولئن كان محمد علي قد امر بترتيب ايراد سنوي للملتزمين الذين نزعت الارض من تحت ايديهم الا ان هذه الرواتب لا تتوارث فكانت تسقط بوفاة المتلزم، ويقول المسيو مانجان ايضا ان هذا النظام القاسي قد نشر الاحزان في العائلات، وقد اسهب الجبرتي في وصف تذمر الناس من هذا النظام في حوادث ربيع الاول سنة 1329 هـ (سنة 1814م).

ولقد دافع بعض الكتاب الافرنج عن هذا النظام، ولكنه دفاع ضعيف لا يرتكز على اساس صحيح، ولم يجدوا ما يبررونه به سوى قولهم ان هذالطريقة مكنت الحكومة من ان تنظم زراعة الاراضي على الاساليب الجديدة، وتدخل الزراعات التي لم تكن معروفة عند الفلاحين من قبل، وان هذه الطريقة هي التي نهضت بحاصلات مصر الزراعية في عصر محمد علي. وغني عن البيان ان هذا الدفاع لا يثبت امام البحث والتمحيص، فان تحسين الزراعة وادخال الزراعات الجديدة لا يستلزم جعل جميع الاراضي الزراعية ملكا للحكومة، ولا يتعارض مع تخويل الفلاحين حق الملكية، ولقد خول لهم هذا الحق في عهد سعيد باشا فلم تقف معه حركة النهوض الزراعي، بل كانت الملكية الفردية – ولم تزل – من دواعي نشاط الفلاحين وجهدهم في العمل، وهذا الجهد والنشاط هما قوام العمران.


على ان الذين دافعوا عن هذا النظام مثل الدكتور كلوت بك اعترفوا بانه نظام مؤقت، وانه يمهد السبيل لتقرير حق الملكية الزراعية، ومعنى ذلك ان حق الملكية هو النظام الطبيعي الذي لا ندحة عن تقريرا في كل بلد من البلاد المتحضرة.

احدث الغاء الالتزام كما قلنا تذمرا بين الملتزمين، على ان ملتزمي الوجه البحري والجيزة قد اذعنوا لامر الحكومة ورضوا بما رتبته لهم من الفائض السنوي مهما كان ضئيلا، اما ملتزموا الوجه القبلي، ومعظمهم من سلالة المماليك ورؤساء العشائر ذوي النفوذ والعصبية فانهم لم يذعنوا، واضطر محمد علي ان يجرد عليهم قوة حربية لاخضاعهم فغلبتهم وحرمتهم ميزة الفائض واضطر بعضهم الى الهجرة، ونزع محمد علي املاكهم، واضافها الى مجموع الاراضي الزراعية التي اعتبرها ملكا له.

ولما كانت اراضي الوسية حقا للمتلزمين مدى الحياة فقط فقد شرع كثير من المتلزمين في وقفها حتى لا يحرم ورثتهم من ريعها، وزادت الوقفيات زيادة كبيرة حتى اضطرت الحكومة في عهد سعيد باشا سنة 1855 الى تخويل اصحاب الاواسي حتى توريثها لاعقابهم الى ان تنقرض ذريتهم فتعود ملكيتها الى الحكومة.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

المصادر

  1. ^ الرافعي, عبد الرحمن (2009). عصر محمد علي. القاهرة، مصر: دار المعارف.