اتفاقية جلاء المملكة المتحدة عن مصر 1954

توقيع اتفاقية الجلاء 19 / 10 / 1954

اتفاقية جلاء المملكة المتحدة عن مصر 1953، هي اتفاقية وقعت في 19 أكتوبر 1954 بين جمال عبد الناصر كرئيس وزراء مصر وأنتوني نتنگ، وزير الدولة للشئون الخارجية البريطاني وتقضي بجلاء البريطانيين بالكامل عن مصر في غضون عشرين شهر من توقيع الإتفاقية، وإنقضاء معاهدة التحالف التي كانت قد وقعت في لندن في عام 1936، وأن تقر الحكومتان المتعاقدتان بأنقناة السويس البحرية المصرية، طريق مائى له أهميته الدولية من النواحى الاقتصادية والتجارية والاستراتيجية، وتعربان عن تصميمهما على احترام الاتفاقية التى تكفل حرية الملاحة في القناة الموقع عليها في القسطنطينية في 29 أكتوبر سنة 1888. وفي 18 يونيو 1956 تم إجلاء آخر جندي بريطاني عن مصر وألغيت الملكية وأعلن قيام النظام الجمهوري.[1]

حديث لرجال الثورة بعد توقيع اتفاقية الجلاء 20 / 10 / 1954

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

خلفية

خريطة جلاء الإنگليز عن مصر 1946-1956.

في 26 أغسطس 1936 وقع النحاس باشا معاهدة 1936 مع جانب الإنگليزى، لكن التوتر الدولي الذى سبق أحداث الحرب العالمية الثانية أدى لتأجيل تنفيذ بنود المعاهدة، وما أن إنتهت الحرب العالمية في 2 سبتمبر 1945 حتى دخلت المعاهدة حيز التنفيذ، وبدأت بجلاء القوات الإنگليزية عن قلعة صلاح الدين الأيوبي في 5 مايو 1946 ، ثم الجلاء عن مطار حلوان الذى أنشاءه الإنگليز عام 1940 في أكتوبر 1946 ، والجلاء عن وادي النطرون في ديسمبر 1946، ثم الجلاء عن المعسكرات الصحراوية التي كانت تستقبل القوات الهندية والسنغالية والتى استؤجرت أراضيها من الحكومة المصرية عام 1940 وتم الجلاء عنها في فبراير 1947، ثم الجلاء عن محطة سراي مصطفى باشا في 8 فبراير 1947 وهذه المحطة تم إحتلالها عقب ضرب الإسكندرية 1882، والجلاء عن كوم الدكة في 15 فبراير 1947، والجلاء عن مطار هليوبوليس في 10 مارس 1947، وحصن باب الحديد الذى بناه الإنگليز 1914 لمواجهة الثورات الداخلية تم الجلاء عنه في 17 مارس 1947، والجلاء عن الحلمية والعامرية والعباسية وقصر النيل مارس 1947. وإنحصر تواجد القوات الإنگليزية في قناة السويس.[2]

في مارس 1950 طلبت وزارة النحاس الدخول في مفاوضات جديدة مع الحكومة البريطانية، واستمرت هذه المفاوضات 9 شهور ظهر فيها تشدد الجانب البريطاني مما جعل النحاس باشا يعلن قطع المفاوضات، وإلغاء المعاهدة، و بدأ النضال يشتعل مرة أخرى ولكن هذه المرة نضال مسلح.

أنتوني نتنگ وجمال عبد الناصر يوقعان "اتفاقية السويس".


المفاوضات

المرحلة الأولى

كانت أطراف اللعبة ثلاثة: طرفان أصليان أو خصمان وهما: مصر وبريطانيا والثالث في موقف أو مراقب للموقف: وهي الولايات المتحدة الأمريكية .

وقد أوضحنا من قبل موقف الولايات المتحدة وبقي أن نقدم موقف كل من الطرفين الأصليين غداة البدء في المفاوضات فقد كان كلاهما في الحقيقة قد بدأ يفقد أعصابه فهي مرحلة حرجة في حياتهما معا فبريطانيا ستنقذ كبرى قواعدها في الشرق الأوسط، والتي ستمثل آخر مراحل انسحابها الكبرى من تلك المنطقة وذلك أمام عيون العالم ما بين عطوف وشامت، وتترك مصر التي احتلتها منذ عام 1882.

ثم يحدث هذا في عهد رئيس الوزراء ونستون تشرشل، فصفق له العالم منذ عدة سنوات، بعد أن قاد انجلترا واشترك في قيادة الحلفاء إلى النصر في الحرب العالمية الثانية ضد دول المحور.

وهذه مصر ممثلة في قادة ثورتها الذين حملوا الأمانة وتعاهدوا أمام شعبهم على أن يحصلوا له على استقلاله وحريته مهما كان الثمن ووضعوا هذا المبدأ أول مبادئ ثورتهم.

ولم يكن الوقوف أمام الأسد البريطاني مهما بلغ من الكبر عتبيا بالأمر الهين فالإنجليز رجال سياسة على مر تاريخهم وأقوى من المصريين ومالكي ناصية القوة والمنعة في المنطقة.

ونعطي الآن أدلة وأمثلة على هذه الضغوط والدوافع في نفس الوقت ففي مصر رأى رجال الحكومة استمرار عمل الفدائيين في منطقة القناة وعملوا على تشديد الحصار حول القاعدة البريطانية لمنع تسرب أي مواد تموينية إليها من داخل الأراضي المصرية ولم يسمح بالعمل للمصريين داخلها وصاحب ذلك هجوم من جماعات فدائية منظمة على معسكرات تلك القاعدة والعمل على تخريبها وتخريب منشآتها وذلك منذ بداية الثورة واستمرت العمليات بصورة فعالة ومؤثرة عدة شهور حتى بدأت المفاوضات الرسمية في أبريل من عام 1953.

ملف:الوفد المصري في مفاوضات الجلاء في قصر الأمير حبيب لطف الله، 1954.

وكان رجال الثورة قد وضعوا خطة صبورة طويلة الأمد تحمل احتمال العمود أمام قوى الإنجليز فاتفقوا على أن تستمر فترة الكفاح المسلح لخمس سنوات كفترة أولى على أن يكون أسلوب العمل الفدائي أفضل من تقابل جيشين منظمين وتألفت لجنة عليا في كل وزارة لتجنيد المتطوعين كما ألف كمال الدين حسين كتائب الفدائيين التي تحولت فيما بعد إلى كتائب الحرس الوطني.

وكان هدف هذا العمل حتى من حيث إجرائه ومظهره أن مصر لن تفاوض دون أن تشعر البريطانيين أن أبناءها على استعداد أن يموتوا من أجل قضيتهم وأن ظروفنا الآن أفضل للوصل إلى الحل الذي يرضينا فشماعة السودان التي كان يعلق عليها الإنجليز مسألة الجلاء عن مصر قد تحطمت والملك فاروق رأس النظام الفاسد قد رحل والشعب المصري الآن على أهبة الاستعداد ليأكل جنود الاحتلال بأسنانه ويقاتلهم بصدره.

وفي خطاب آخر لرئيس مصر أوضح فيه أكثر كيف سيكون التعامل مع البريطانيين إذا هم لم يعطوا المصريين حقهم ستحافظ مصر على استقلالها وحريتها حتى آخر رجال وآخر امرأة ومتى استأصل المصريون الاستعمار فليطمئن الغرب فسنكون أحرص منه على حريتنا واستقلالنا وإذا تعرضت مصر لأي عدوان فسنقف صفا واحدا ولن نتردد في محالفة الشيطان لرد العدوان.

وإذا لم تتخلص بلادنا من الاحتلال فسنسحب قادة الثورة من الحكومة لقيادة الشعب في حرب عصابات نشنها على الإنجليز وسننشر أعمال الفدائيين بطريقة تشعر هؤلاء أنهم يدفعون غاليا ثمن عدوانهم على بلادنا.

هذا من الجانب الفدائي أو أسلوب إقلاق الوجود البريطاني في المنطقة ومن جانب آخر كان الهجوم الإعلامي واستعماله في إثارة الخواطر ضد الإنجليز فقد استعملوه في شكل خطب وتصريحات كثيرا ما حملت معاني الإثارة للمصريين وتهديد العدو المحتل.

وكان محمد نجيب وجمال عبد الناصر أكثر رجال الحكم في مصر إدلاء بالتصريحات وإلقاء الخطب فكم أوضح محمد نجيب في خطبه هذه المعاني.

ففي زيارته لأسوان يوم 22 مارس 1953 قال لقد انتهينا من مسألة السودان بفضل اتحاد الأمة أما مسألتنا فاعلموا أننا لا نرضى إلا بالجلاء الغاصب دون قيد أو شرط أو نموت دون ذلك ونحن على أتم استعداد للتضحية والأمة كلها وراءنا وغير ذلك من الخطب التي حملت الكثير من هذه المعاني.

وكان الإنجليزي يتأثرون كثيرا بنتائج هذه التصريحات والخطب ويعملون لها حسابها لدرجة أن جعلوا لها ملفات لدراستها وحسابها بدقة وهذا هو السفير البريطاني في القاهرة يصرح للدكتور محمود فوزي وزير الخارجية المصري في مارس 1953 أن ملف الكولونيل جمال عبد الناصر قد أصبح مليئا بالمتفجرات وآخرها تصريح لوكالة رويتر هددنا فيه بحرب شعبية إن هذه التصريحات وغيرها تفسد الجو كله في لندن وتخلق رد فعل من العناد يستنفد كل ما أحاول أن أقوم به بوسعي وأكثر من هذا فقد بلغتنا معلومات أن هناك عملية لتدريب مقاتلين وإن هناك أعمال تحصينات هندسية على الطريق بين القناة والقاهرة.

وكان رد جمال عبد الناصر على حديث السفير أنهم لا ينتظرون منا أن نجلس هنا بلا عمل ونحن نعلم أن تهديدهم سيف سلط علينا فإما أن يفتحوا باب المفاوضات فنسمع منهم ونقول لهم ونرى كيف تسير الأمور وإما أننا سوف نجد أنفسنا سائرين إلى صدام تحكمه الحركة الذاتية للمواقف بصرف النظر عن رغبات الأطراف.

ولقد كان جمال عبد الناصر قد عدم ثقته في نوايا البريطانيين بل وفي قدرات المحافل الدولية من حوله وهذا ما أظهره في حديث له مع أحد الصحفيين عندما سأله: لماذا لا تنتظر مصر انتهاء سريان معاهدة 1936 وذلك في عام 1956 فكان رده أننا نؤمن تماما أن هذه المعاهدة لن يكون لأجلها نهاية لأن الإنجليز سيعرضونها كقضية على إحدى المحاكم الدولية ويحصلون بمقتضى هذا على حكم بمد أجلها وأننا كدول صغيرة لا نثق كثيرا بنزاهة هذه المحاكم لأننا نعرف أنها تحت إرادة الدول الكبرى تديرها من أجل مصالحها الخاصة.

هكذا كان اندفاع الشباب من رجال الثورة بعكس أسلوب طلب المفاوضات التقليدي في عهود ما قبل الثورة وتبادل الأوراق وإغلاق الأبواب بعد خروج المتفاوضين وكانت النتيجة واضحة في موقف البريطانيين من هذا الذي يجري فإن الإنجليزي منذ اللحظة الأولى لم يكونوا يريدون أن يسلموا بالجلاء ولم تكن حكومة المحافظين وعلى رأسها ونستون تشرشل بأقل إصرار على هذه السياسة. وكما تبادلت الحكومة البريطانية مع السفير البريطاني في القاهرة من البرقيات والمذكرات حول تقييم الحكم الجديد في مصر وتقييم رجاله واحتمالات الاستخلاف في قيادة الثورة ورئاسة الدولة وكانت تقودهم الظنون أحيانا أنه يمكنهم بوسيلة أو بأخرى تغيير نظام الحكم أو محاولة تغيير بعض عناصره ولكن السفير البريطاني يحسم هذه المزاعم بكتابه إلى روجر بتاريخ 10 نوفمبر عام 1953 بأنه لا بديل لحكومة مصر الحاضرة وأن مقتل محمد نجيب نفسه أو أحد القادة البارزين مثل جمال عبد الناصر سوف لا ينهي هذا الحكم أو النظام العام وأنه إذا ما حدث هذا فإن قيادة المجلس سوف تنعقد لأحد الضباط ويشيع آنئذ نظام أكثر صرامة وسنفاد منه.

كما أنه لم يلح في الأفق أي تحرك في الجيش لأعضاء هذا المجلس من الحكم ويبدو أن الإنجليز كانوا يحاولون إثارة العناصر التي كانت تتحكم في المجتمع كالأعيان وكبار الملاك ورجال الأحزاب ولكنهم فشلوا ويشير السفير إلى هذا في نفس هذا الخطاب إلى القلق الذي أصاب هذه الطبقة من جراء قيام الثورة وأنهم يحاولون أن يشتروا خليفة مناسبا من رجال الجيش يقصدهم لاستعادة قوتهم ولكن هذا أمر مشكوك فيه لأنه لا يوجد من يقوم بهذا العمل الآن وحتى إذا كان موجودا فإنه سيسقط لحاجته إلى تعقيدي كاف.

إن هؤلاء الناس يقصد رجال العهد الماضي الآن خائفون ومنقسمون على أنفسهم لدرجة أنه يبدو أنه لا يمكن لأي شخص أن يشق معهم إجراء من شأنه تجميع أي قوة مناهضة للنظام.. وحتى لو تصورنا أن نكون نحن عقدهم فإننا غير متأكدين من تحمل هؤلاء الناس مسئوليتهم وربما يؤثر على خط المفاوضات المستقبلة.

وهذا الخطاب يعكس محاولات الإنجليز في الداخل وكيف فشلت في الوصول على هدفها.

أما على الجانب الآخر في داخل بريطانيا فقد كان رئيس وزرائها في حالة نفسية سيئة وقد رأينا تصرفه مع إيزنهاور في الفصل الماضي ثم تصرفه الآخر في الإذن بتشكيل عملية عسكرية تحاول القضاء على النشاط العسكري للمصريين تحت اسم عملية روديو التي أعدها الإنجليز للتدخل العسكري وكانوا على وشك تنفيذها منذ أوائل أيام قيام الثورة ولكن عدم تنفيذها يعني على الأقل مراجعتهم لمواقفهم لو حدث هذا وحشيتهم مغبة هذا العمل الذي لم يصبح له محل في هذا العهد الجديد.

ولذلك يقول السفير البريطاني وهو أكثرهم إحساسا بالموقف إنني أصبحت على يقين من أن الوقت قد حان لكي أفوض في إبلاغ المصريين بأننا أصبحنا الآن على استعداد في وقت قريب لتحديد موعد لبدء المفاوضات. وقد بلغ من قلق البريطانيين وفقدانهم أعصابهم أن أثار هذا الخطاب أعصابهم أكثر فانقسموا بصدده إلى مجموعة ظلت متشددة على رأسها أنتوني هيد وزير الحربية البريطاني ورأت إبلاغ المصريين أن الحكومة البريطانية سوف تبلغهم بموعد المفاوضات في الوقت الذي يناسبها هي.

أما وزارة الخارجية وعلى رأسها السير ويلبام سترانج وكيلها الدائم ونائبه السفير جيمس بونكر فكانت ترى الموافقة على رأي السفير ستفنس ورأت أن التشديد في الوقت قد يدفع إلى عنف أكثر في منطقة قناة السويس لأن الأوضاع قد تغيرت وأن الأصدقاء التقليديين من العهد الماضي لم يعودوا موجودين فضلا عن استمرار المصريين في أعمال التدريب وأن الجيش هذه المرة سيكون مع الحكومة لأنهما واحد.

وبهذا كانت الخارجية أكثر واقعية وتعقلا وأن أعمال الفدائيين قد أتت ثمارها التي تمناها المصريون. وفعلا أرسل أنتوني إيدن وزير الخارجية إلى السفير البريطاني في القاهرة بأن يقبل البدء في اجتماعات تمهيدية واستكشافية غير رسمية مع المصريين وتم بالفعل عقد اجتماعين من هذا النوع.

وقدمت انجلترا في هذين الاجتماعين أسسا لمباحثاتها متضمنة خمس مسائل رأت أن تبحثها كوحدة واحدة: وهي أسلوب صيانة القاعدة في وقت السلم بهدف وضعها على أهبة الاستعداد إبان الحرب أسلوب الدفاع الجوي عن مصر طريق ونظام الانسحاب البريطاني من الأرض المصرية وبرنامج تقديم المساعدات الاقتصادية والعسكرية لمصر وعلقت السير في أية مفاوضات على الموافقة على هذه الأمور.

في حين رأى جمال عبد الناصر أن هدف الاجتماعات يجب أن يكون تحديد إطار لما ستدور بداخله من مفاوضات وعلى ذلك فإن الخطوة الأولى هي الاتفاق على المبادئ والتوقيع عليها وإعلانها في شكل المبادئ الأساسية للاتفاقية ثم تدو بعدها المفاوضات التفصيلية على أن يقوم بها لجان متخصصة بمعنى أن الجلاء يكون أساس الاتفاق على أن يكون غير مشروط ويليه الاتفاق على المدة اللازمة لذلك وكذلك الإجراءات التي تتخذ حيال تنفيذه وكيفية ذلك.

أما الدفاع المشترك فهو قضية أخرى بالكامل وليست بندا من بنود الجلاء، لأن مصر أوضحت سلفا أنه لا ربط على الإطلاق بين الجلاء والدفاع.

ولم تصل هذه الجلسات التمهيدية إلى نتيجة محددة، ولم تكشف عن أسس جديدة للمفاوضات إلا أنها توصلت إلى قبول الطرفين مبدأ الدخول في مفاوضات رسمية حدد لها يوم 27 أبريل 1953 .

وعندما عرض على تشرشل تقرير عما دار في هاتين الجلستين تصرف بفقدان أعصاب طالبا من إيدن تأجيل المفاوضات إلى أجل غير مسمى فاختلف معه هذا الأخير وأصر على موقفه لتتم المفاوضات فعلا في حينها.

وهذا يشير إلى الجو العابس الذي بدأت فيه المفاوضات بين مصر وبريطانيا.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

اتفاقية السودان وأثرها على التفاوض

كانت مفاوضات السودان وما أحاط بها منذ أن بدأت في شهر أكتوبر من عام 1952 والتي انتهت بتوقيع الاتفاقية في فبراير 1953 ميدانا كبيرا للتجربة والاختبار أكثر من أربعة أشهر بطولها حافلة بالأحداث المتلاحقة والإرادات المتعارضة والتيارات والمناورات المكشوفة أو المستوردة ولقد استطاعت كل الأطراف من خلالها أن يقيسوا حجم القوة، ودرجة التصميم لدى كل منهم وأن يتصرفوا على أساليبه وعلى مزاجه وعلى التوازنات التي يستطيع أن يعتمد عليها أو يتحسب لها.

وبالتالي فإن كل الأطراف خرجت من هذه التجربة وهي تعيد التفكير وتراجع الحساب وتحاول تقييم مواقفها استعدادا لمرحلة جديدة.

فبعد السودان كان الدور بلا جدال هو الدخول في مرحلة التفاوض من أجل حل قضية الجلاء حيث كانت هي القضية الرئيسية في تفكير قيادة الثورة فلقد وصلت التطورات أخيرا بالجميع إلى النقطة الحرجة من أجل البدء في مفاوضات الجلاء ولقد كانوا يدركون وعلى رأسهم جمال عبد الناصر أن المفاوضات سوف تكون شيئا مختلفا عن تلك التي دارت بشأن استقلال السودان ففي حين أن مفاوضات السودان كانت بالدرجة الأولى قادرة على الرؤية السليمة والحركة السياسية النشطة فإن مفاوضات الجلاء سوف تكون صراعا من نوع آخر.

ففي 12 فبراير 1953 استطاعت القوتان المتفاوضتان حول مصير السودان مصر وبريطانيا أن توقعا اتفاقية بشأن الحكم الذاتي وتقرير مصير السودان وتحديد فترة انتقالية يتوافر للسودانيين فيها الحكم الذاتي الكامل وتعتبر هذه الفترة تمهيدا لإنهاء الإدارة الثنائية وتصفية هذه الإدارة.

وبقدر ما أعطت هذه الاتفاقية خطوة كبيرة طموحة للسودانيين على طريق استقلالها الكامل فقد أوضحت لهم الرؤية في العلاقات مع شقيقتهم مصر ومدى إيثارهم على نفسها فقد بدأوا بالسودان قبل أن يحصلوا هم على استقلالهم وبذلك كسبوهم صوتا في المجال العربي إلى جانبهم عندما يئون الأوان لتجميع الأصوات العربية في مواجهة الاستعمار وهذه نقطة تحسب لهم في سجل العلاقات العربية.

كما أن توصل الطرفين المصري والبريطاني إلى تفاهم حول مشكلة السودان وتوقيعها لاتفاق مشترك بشأنه في 12 فبراير 1953 مهد السبيل في حينه للانتقال إلى معالجة موضوع الجلاء عن مصر وفي ذلك صرح الدكتور محمود فوزي وزير الخارجية المصري للصحفيين عقب توقيع هذا الاتفاق بقوله إن هذا الاتفاق بعد خطوة إلى الأمام في الاتجاه الصحيح وإنا لآملون ومصممون على أن نتبعها بإذن الله وعونه خطوة مثلها متخطين الخطوة الثانية المرتقبة وهو يقصد بالخطوة المرتقبة مرحلة المفاوضات من أجل الجلاء عن مصر.

وعندما سأل متى ينتظر أن تبدأ محادثات الجلاء عن منطقة قناة السويس أجاب بقوله في أسرع وقت ممكن وإننا لا نحسب وقتنا بالسنيين ولكن بالدقائق والثواني.

وفي نفس هذا التاريخ جرى حوار قصير بين رئيس الوزراء المصري والسفير البريطاني في القاهرة يعكس تفهم الإنجليز لموقف المصريين وإلحاحهم في بدء التفاوض بعد أن ذاقوا طعم الانتصار في مفاوضات السودان.

السفير البريطاني: يسعدنا أن هذا الاتفاق سيفتح عهدا جديدا بين مصر وبريطانيا.

ورئيس الوزراء: إني لأرجو لك على أن المسألة الأولى، وهي مسألة سحب القوات البريطانية من منطقة قناة السويس هي ذات أهمية بالغة ونحن على استعداد لبحثها الآن.

السفير البريطاني: أرجو أن يكون هذا الاتفاق فالأحسن للجولة الثانية.

رئيس الوزراء: نود أن نعرف متى تكونون على استعداد لبدء المباحثات في شأن الانسحاب من القناة.

السفير البريطاني: سأبلغ مستر إيدن وسأخبركم فور تلقي رده.

وهكذا شجعت اتفاقية السودان الجانبين المصري والبريطاني على الدخول في المفاوضات فيما يتعلق بالجلاء بعد كسر حاجز الكراهية وتصور كل جانب للآخر ربما تصورا خاطئا كما أن قيام الثورة وتغير السياسة التقليدية كانت سببا جوهريا لأن تعيد بريطانيا حساباتها خاصة أمام إصرار الثورة على تحقيق مطالب مصر بتخليصها من الاحتلال البريطاني.

وهذا ما أوضحه جمال عبد الناصر في أحد تصريحاته:

وضعت نتائج الاتفاقية الخاصة بالسودان زمام المبادرة بين المصريين وبرهنت أن في إمكاننا أن نتولى قيادة الحركات الوطنية في أفريقيا بالطريق إلى النصر ولن يلبث عملنا أن نتولى قيادة الحركات الوطنية في أفريقياي بالطريق إلى النصر ولن يلبث عملنا أن يؤتي أكله، وسيدفع البريطانيون الثمن ولقد حذرناهم من هذه النتيجة بصراحة وأوضحنا لهم أننا نستطيع أن نجعل وجودهم غير محتمل في قناة السويس إلا أن هذه التصريحات والإلحاح والضغط الذي لم يكن البريطانيون على عهد به من المصريين من ذي قبل جعل البريطانيين يراجعون موقفهم الذي تتابعت أحداثه بسرعة كبيرة لم تكن هكذا إيقاعها لديهم من قبل في تعاملهم مع الدول التي استعمروها.

ولم تكن يدهم سريعة كهذا في التوقيع على اتفاقيات صلح أن استقلال ثم إن مصر ذاتها لم تكن مفضلة طرحت نفسها بشدة على تفكيرهم ولهذا قام الإنجليز بإعادة تقييم ما جرى في السودان وتزايد إحساسهم بأنهم خدعوا بل وغرر بهم حتى وقعوا في اتفاقية لا تتناسب مع مصالحهم في مصر.

ويبدو أن هناك نقدا شديدا وجه للحكومة البريطانية من داخل كواليس السياسة والصحافة والرأي العام لديها مما دفع السياسي العجوز الذي حكمته عقدة الاستعمار إلى الكتابة إلى إيدن وزير خارجيته ما يعكس كل هذه المعاني في مجتمعه فيقول في رسالته إنني أريد أن أفهم كيف وقعنا تلك الاتفاقية مع المصريين بشأن السودان.

وكان رد إيدن أغرب مما كتبه تشرشل فقال لم يكن أمامنا خيار آخر لقد أخطرني السير روبرت هاو بأن علنيا قبول أي شروط معقولة نستطيع الحصول عليها لأن الصاغ صلاح سالم سحب الأرض من تحت أقدامنا عندما استطاع أن يوفق موقف الجنوب من الشمال في السودان فأصر تشرشل على طلب تقرير الحاكم العام في السودان روبرت هاو لأنه لم يكن يتصور عدم وجود بدائل أخرى أمام المتفاوضين ولا أستطيع أن أقبل أنه كان علينا أن نوقع أية شروط تقدم إلينا.

ومن الطرفين أنه عندما وافته وزارة الخارجية بالأوراق المطلوبة وأطلع عليها رأس الحاكم العام بطلب إنقاذ ما يمكن إنقاذه طالب بالتحقيق مع هذا الحاكم العام وسال إذا كان الرجل يستحق معاش تقاعد.

وهنا انقلب تشرشل على المصريين وأراد أن يلحق القطار التالي بعد أن فاته القطار الأول وأراد أن يعاقبهم بالتلاعب وتمييع الموقف كما كان يمارس لعبته من قبل مع المفاوضين المصريين القدماء فنجده يؤشر على ملف المفاوضات المصرية البريطانية الذي طلبه بالآتي: علينا ترك موضوع السودان كما هو في الوقت الراهن ولكنه فيما يتعلق بمرحلة جديدة من المفاوضات مع مصر فإني أنصح بعدم التسرع.

وهكذا أصبح ما كسبه المصريون في صف السودان ضربة يمينية أفقدت أعرق الإمبراطوريات صوابها وجعلها تعيد حساباتها كل يوم فيما يعملونه مع هؤلاء الشبان المصريين فقد تغيرت الأوضاع في مصر بشكل لم تكن بريطانيا تظن أنها ستصل إليه والقادة الجدد لمصر ليسوا من الباشوات الذين تعاملوا معهم من قبل كما أنهم واعون لدروس التاريخ ودارسون الأحداث دراسة واعية عملية ومقدرون موقفهم وأن عملهم العسكري ودخولهم حرب فلسطين نمى لديهم مهارات لم تكن تتمتع بها من سبقوهم كالجرأة حتى في مواجهة الموت فقد تعاموا معه من قبل مع تأكدهم من التكتل الوطني من خلفهم ممثلا في الشعب والجيش.

وبالتالي وصلوا إلى حد الاستخفاف ببريطانيا خصوصا بعد أن أضاءت أمريكا الضوء الأخضر أمامهم.

المرحلة النهائية

في هذا الجو المفعم بالقلق والتوتر أذاعت كل من القاهرة ولندن البيان المشترك التالي في يوم الخميس 16 أبريل 1953.

اتفقت الحكومتان المصرية والبريطانية على بدء المباحثات قريبا في المسائل المعلقة بين البلدين وسيستقبل حضرة الرئيس اللواء أركان حرب محمد نجيب وحضرة الدكتور محمود فوزي وزير الخارجية حضرتي السير رالف ستيفنسون السفير البريطاني والجنرال السير بريان وبرتسون يوم 27 أبريل الحالي.

وبالفعل بدأت المفاوضات يوم 27 أبريل 1953، أي في موعدها المحدد في الساعة الحادية عشرة صباحا في دار رئاسة مجلس الوزراء المصري بالقاهرة وكان الوفدان مشكلين على النحو التالي.

أولاً: الوفد المصري:

ثانياً: الوفد البريطاني:

  • صاحب السعادة سير رالف سكراين ستيفنسون سفير بريطانيا في القاهرة جنرال سير بريان روبرتسون
  • مارشال الجو الأول سيرارتر ساندرز
  • مستر م. ج. كريسويل
  • بريجادير أ ج. ه. دوق
  • بريجادير أ. ف. و . هوب.
  • قائد سرب ج. ج . دافيز

وقد جاء السفير الأمريكي في القاهرة مع الوفد البريطاني بهدف الاشتراك رسميا في المفاوضات مما لم يقع موقع الارتياح لدى الوفد المصري والذي أصر على أن تظل المفاوضات مقصورة على وفدي الحكومتين ذواتى الشأن وحدهما فما وسع هذا السفير سوى الانسحاب وتم الاتفاق على أن تميل دور الوسيط أو المصلح عند الحاجة.

وظلت الاجتماعات تلتئم بهذا الشكل على مدى ست جلسات كان آخرنا تلك التي عقدت في يوم 8 مايو عام 1953 والتي صدر في ختامها بلاغ مشترك يقول أن المفاوضات أرجئت إلى أجل غير مسمى.

ونعود إلى تفصيل ما دار خلالها.

فبالنسبة للجلسة الأولى فقد بدأت بكلمة من رئيس الوزراء المصري بصفته صاحب القضية وبين المطالب المصرية وموقف مصر الفعال منها:

إن وجود قوات بريطانية على أرض مصرية لمدة إحدى وسبعين عاما قد أوجد بين شعبينا هوة وظلمة وبذر بذور الشك والشقاق بينهما وإلى جانب ما يعبر عنه وجود هذه القوات البريطانية من الناحية المادية كرمز للكفاح المرير الذي ليس له مبرر بين شعبي مصر والمملكة المتحدة فإن هناك ناحية أخرى أخطر في طبيعتها من الناحية الأولى وإني أقصد بذلك أزمة الثقة التي قلبت أساس التفاهم بين الشعبين.

فليس أمامنا سوى طريقين علينا أن نختار بينهما أحدهما التمادي في عدم الثقة والاستمرار في الصراع حتى يتم انسحاب القوات البريطانية الذي ليس منه بد.. والآخر طريق الحقائق وبعد النظر الطريق الذي سيؤدي سلميا إلى الانسحاب.. إن مصر مصر الحرة سوف تتطور بسرعة وبقوة حتى تستطيع أن تملأ أكثر من الفجوة التي تتخلف عن الانسحاب للقوات البريطانية تملأ هذه الفجوات لا بالقوات والمعدات وحدها بل بحماس أنبائها المتدفق المنبثق عن كلمة الحرية السحرية.

كما تؤمن إيمانا صادقا بأن ميثاق الأمم المتحدة يصلح أن يكون أساسا متينا للتعاون بين الشعوب الحرة لحفظ حريتهم وصيانة كرامتهم هذا إلى أننا قد قمنا وفق أحكام الميثاق بعقد ميثاق للأمن بين الدول العربية يهدف إلى دفع العدوان عن أي دولة من الدول المواقعة عليه وإني لمؤمن بإمكان بل وبلزوم تدعيم قوى الدول العربية حتى تصبح قوة فعالة لها أثرها.

ورد السفير البريطاني على هذه الكلمة بكلمة أخرى شكر فيها الحاضرين لحفاوتهم ثم قال لقد خولتني حكومة جلالة الملكة أن أنهي إليكم أنها تسلم طواعية بالمقترحات التي أبد يتموها في اجتماعنا الأخير الخاص بمحادثات السودان.

والتي بفضلها يمكننا أن نبدأ بالمسائل الهامة بينا ولذلك قد فوضتني حكومة جلالة الملكة كما فوضت جنرال سير بريان روبرتسون كمندوبين خاصين إني أتفق معكم في أن نحاول الوصول إلى وسائل عملية وأنظمة وعلامات جديدة بين بلدينا تحل محل النظم الحاضرة التي لم تعد تقبلها مصر وأن سير روبرتسون سوف يعرض بعد قليل صورة عامة عن قاعدة القتال من الوجهتين العسكرية والاستراتيجية ولما كانت مثل تلك الصورة العملية للقاعدة تشمل أمورا على درجة كبيرة من التقصير من الناحية الفنية لذا أرى لزما أن أفضل طريقة هي انتداب لجان تمثل خبراء عسكريين من البلدين لدراسة هذه الأمور وبهذا تتمكن من مناقشتها وإليكم الحقائق التي علينا أن نستوعبها.

1- وجود قاعدة على درجة كبيرة في منطقة القتال يمكنها أن تستوعب قوات كبيرة.

2- وجود أعداد كبيرة من القوات البريطانية المحاربة في هذه المنطقة.

3- الرغبة التي أبدتها الحكومة المصرية بأننا يجب أن نترك مصر الآن، فلنحاول إذن أن نجد حلال لهذه المشكلات.

سبق أن وقعتم على وجهة نظر حكومة صاحب الجلالة في الرسالة التي قام مستر كريستويل بتسليمها لوزير الخارجية في 28 مارس ولقد علمت أن الحكومة المصرية تنظر إلى هذه الأمور على وجهة نظر مختلفة وأن من الطبيعي أن تختلف وجهات النظر ولكن اعتقد أن هذا يتطلب تضامنا من الخبراء الفنيين لإيجاد حل علمي وإني لا أشك لحظة في أن مصر توافق تماما مثل بريطانيا العظمى إلى أن تكون القوات المعادية أبعد ما تكون عن شواطئ البحر المتوسط وعن أرض مصر ونحن لا نختلف في هذا الهدف.

ولقد كان الوفد المصري واضحا وحدد موقفه دون إطار واسع من الحديث الذي يميع بقية المطالب ووصل المتحدث المصري إلى لب المطالب بشكل مباشر.

وحقيقة بالنسبة لمسألة ملئ الفراغ لم يكن الحل المقدم عمليا لأن حماس أبنائها المتدفق ليس كافيا لملء الفراغ الذي كانت تشغله قوات بلغت 80.000 جندي تقريبا بكامل معداتهم وإن كان قد استند إلى الدفاع العربي المشترك ولكن على أية حال فإن الأمر في حدود مصر واضح حيث لم يكن هناك خطر يستهدفها كي تكون على استعداد وتسليح ووضع استعداد للمجابهة.

وعموما كانت الكلمة هادئة وقوية وهادفة.

أما بالنسبة لكلمة السفير البريطاني فبدأت مطمئنة للجانب المصري وأنه وافق على الأسلوب الذي كان قد طالب به جمال عبد الناصر في الجلستين الممتدتين من طرح العمل على لجان فنية متخصصة لدارستها وعرض على المفاوضين ثم حصر العمل في إطار النقاط الثلاث التي تضمنت وجهة النظر البريطانية ولو أنه لم يعد شيء بشأنها وإن كان قد رحب باختلاف وجهات النظر على أنه أمر عادي في مثل هذه المواقف ثم ختم حديثه بعبارة براحة وهي اشتراك بريطانيا مع مصر في الرغبة في إبعاد القوات المعادية عن المنطقة وهو طرق خفي لفكرة الدفاع المشترك عن المنطقة.

ثم تحدث بعد هذا سير بريان روبرتسون فأعطى اطمئنانا مبدئيا للمفاوضين المصرين ثم تناول موضوعه من ناحية الأهمية الاستراتيجية والعسكرية لمنطقة قناة السويس كما تناول مسألة ضرورة الدفاع عنها فقال.

لقد طال بقاء بريطانيا العظمى في الشرق الأوسط وكانت مازالت متعددة في تلك المنطقة ولكن ليس لحكومتنا إلا مصلحة واحدة هي استتباب الأمن في الشرق الأوسط وأن لمنطقة قناة السويس أهمية مجموعة دول الكومنولث وكانت مصر على الدوام مطمعا للغزاة نظرا لأهمية موقعها ونهتم أيضا بتركيا إذ هي أيضا بين مناطق الشرق الأوسط التي يتطلع إليها الغزاة وعلى ذلك فاهتمامنا لا يقتصر على الدفاع عن قناة السويس فقط بل يهدف إلى الاشتراك في الدفاع عن الشرق الأوسط ووجود قواتنا في قاعدة قناة السويس يمكننا من هذا الاشتراك ولذلك كانت رغبتنا اليوم هي تقوية بلاد الشرق الأوسط نفسها بشكل يمكنها من صد أي عدوان مستقبلا ولكن هذه البلاد لا نستطيع في الوقت الحاضر أن نصد أي عدوان سواء تحدث أم بقيت بمفردها.

لقد نما على علمنا أن هناك اقتراحا بأن تكون القاعدة تحت إشراف مصر ويهمني أن أوضح ما تضمنه مثل هذا الاقتراح من معان:

1- معنى هذا كما أعتقد أن نسلمكم القاعدة وأن تأخذ الحكومة على عاتقها المحافظة على هذه المعاني التي تبلغ قيمة محتوياتها مئات الملايين من الجنيهات... إن ذلك العمل لو قمنا به لدل على تفة من جانبنا لم يسبق له نطير في العلاقات الدولية.

2- وأن الجيش المصري سيشاركنا في تهيئة القاعدة من تسهيلات وإنني أعتقد أن هذا كسب كبير للقوات المصرية المسلحة.

3- إن مصر سوف تقوم بإدارة القاعدة بشكل منظم في وقت السلم وهذا معناه أن مصر ستقوم بتقديم ما يحتاجه العمل من أيد عاملة وطرق المواصلات اللازمة لإدارة القاعدة ونحن نرى أن تنشأ هيئة فعالة للدفاع وقت السلم حتى تكون على استعداد في وقت الحرب.

وثم أنهى حديثه بتحديد موقف بلاده من المنطقة في ثلاث نقاط:

1- أنها تهتم اهتماما بالغا بالشرق الأوسط وأن قواتها في منطقة القناة ليست من أجل القناة فقط بل من أجل الدفاع عن المنطقة كلها.

2- يجب إعداد بلاد المنطقة لصد أي عدوان.

3- إن القوات البريطانية في الشرق ليست كل إسهامهم في مهام المنطقة.

أما مسألة وجودهم في منطقة القناة فهي مسألة أخرى لأن مصر عندما تتسلم القاعدة من بريطانيا فستكون أمام مسئوليات جسام وأنهم يرون أن يظل إشرافهم الفني على بعض إجراء منشأتهم وأن هذه المسائل كلها ستكون محل دارسة المفاوضين

وانتهت الجلسة الأولى على هذا النحو وطلب جمال عبد الناصر في نهايتها أن تكون الجلسة التالي في اليوم التالي.

وكانت الجلسة التالي في اليوم الموافق الثلاثاء 28 أبريل 1953 في الساعة الحادية عشر صباحا حيث اتفق الجانبان على تشكيل أربع لجان:

اللجنة الأولى: تختص بدراسة برنامج عملي لانسحاب القوات البريطانية كجزء من الاتفاق.

اللجنة الثانية: تختص بدراسة الإدارة المستقبلة لقاعدة عسكرية فعالة في منطقة القناة تكون على استعدا في الحال عند قيام أي حرب ودارسة عدد الخبراء والفنيين اللازمين لهذا الفرض.

اللجنة الثالثة: لدراسة كيفية تنظيم الوسائل الأكثر تأثيرا في الدفاع الجوي.

اللجنة الرابعة: تختص بدراسة وتقرير احتياجات القوات المصرية إلى المهمات.

ثم تناولوا بعد ذلك مسألة إدارة القاعدة والإشراف عليها وصيانتها إذ أن القاعدة تعتبر كائنا يجب الاحتفاظ به حيا في حالة جيدة كتعبير محمود فوزي.

تساءل السفير البريطاني عن المقترحات المصرية فما تختص بإدارة القاعدة والاختصاصات التي ستوزع في هذا الشأن بينما رفض روبرتسون عبارة تسلم القاعدة التي وردت في المشروع المصري وطالب بتعديلها إلى تولي مصر شئون القاعدة وفضل أن تكون العبارة دراسة إدارة مصرية لقاعدة هامة وهو بذلك قد عم التعبير ليموه الموقف أمام المصريين.

أما الدكتور محمود فوزي فاعترض على تعبير قال روبرتسون المحافظة على القاعدة لنا وقال إن القاعدة مقامة على أرض مصرية ولذلك فهي قاعدة مصرية وهنا تدارك السفير البريطاني في الموقف وقدم صيغة أخرى لدراسة اقتراح مصري لإدارة قاعدة حربية في قناة السويس إدارة مصرية بطريقة فعالة حتى تكون على استعداد للعمل عندما تدعو الحاجة.

ثم انتقلوا إلى نقطة صيانة القاعدة وطلب السفير البريطاني أن يكون النص الرسمي خطة لصيانة قاعدة حربية في منطقة القناة في المستقبل وأبدى رغبته في استبدال كلمة تسلم بالعبارة رسم خطط لصيانة القاعدة في المستقبل فطلب رئيس الوزراء المصري إضافة عبارة إلى نهايتها وهي تحت إشراف المصريين.

وأخيرا تطرقوا إلى مسألة الدفاع الجوي عن القاعدة فطالب عبد اللطيف البغدادي بأن تقوم به مصر طالما القاعدة على أرض مصرية .. وأن اقتراحنا هو لدرس ورسم برنامج لتسليم القوات المصرية الجوية للدفاع عن منطقة القناة.

وهنا حدث خلاف أرجئ البت فيه الجلسة الثالثة.

وكانت الجلسة الثالثة في يوم الأربعاء 29 أبريل 1953 في الساعة العاشرة النصف حضرها نفس المفاوضين. وكانت قطة الخلاف التي شغلتهم طيلة هذه الجلسة هي اختصاصات اللجنة الثانية حيث أن اللجنة الأولى قد وفق الطرفان إلى الاتفاق عليها كتعبير السفير البريطاني وكان السفير البريطاني قد أعد عبارة تفسير مطلب البريطاني حول هذه اللجنة الثانية وضع الخطط لانتقال القاعدة الحربية في منطقة قناة السويس إلى مصر على أن تكون هذه الخطط لانتقال القاعدة الحربية في منطقة قناة السويس إلى مصر على أن تكون هذه الخطط كفيلة بالاحتفاظ بالقاعدة في حالة صالحة للعمل في وقت السلم حتى تستطيع القيام بوظيفتها بمجرد إعلان الحرب وعلى أن توضع التوصيات اللازمة في صدد المنشأت الموجودة في هذه القاعدة وما تحتوي عليه تلك المنشأت وأوضح بعد ذلك أن عبارة منطقة القاعدة تعني كل ما تحتوي عليه هذه المنطقة من منشأت ومصانع وغيرها.

وهو بهذا أراد أن يجر المفاوضين المصريين إلى متاهة أدخل فيها المفاوضون المصريون القادمون من قبل قيام الثورة فتاهت المعالم أمامهم وفشوا ولكن المفاوض المفاوض هذه المرة قد وعي الدرس فكانت الأسئلة محددة وطلب إجابات محددة كذلك.

فهنا سأل رئيس الوزراء عن هوية القاعدة هل هي مصرية أو لا، لأنه يعلم أن العتاد والمنشئات بريطانية بلا شك وكذلك حار السفير في الرد وراد أن يلقي عماما على الإجابة بإحالتها إلى ردود روبرتسون الذي وضع في مكان حرج فسلم بمطالب تسليم القاعدة لمصر على أن تتولى إدارتها أما الفنيون الذين سيديرونها فليكونوا بريطانيين للاحتفاظ بالمنشئات على أن تتولى إدارتها أما الفنيون الذين سيديرونها فليكونوا بريطانيين للاحتفاظ بالمنشئات على أن مصالحنا ستظل متصلة بها وحاول الخروج من المأزق متعللا بأسلوب التغير سيكون من شأن اللجان فيما بعد.

وبدت يقظة المصريين واضحة في تنفيذ كل قول في حينه عندما قال محمود فوزي بالنسبة لقول روبرتسون مصالح ستظل إن وجود أي مصالح أجنبية في مصر لا تتمشى مع موقفه وقال إني أفقد اتصال المصلحة في المخازن والمهمات والمنشئات وأيده السفير البريطاني في هذا وأضاف أن يكون الإشراف الفني والصيانة من شأن الإنجليز.

ولذلك أخذت مسألة الإشراف مناقشة طويلة كانت وجهة النظر المصرية فيها: الإشراف بريطاني على أرض مصرية وأن الثقة لابد أن تتوفر في المختصين المصريين في هذا الشأن بينما أظهر الجانب البريطاني الأساس بالسيادة المصرية في وجود فنيين بريطانيين للإشراف ولكن المصريين أصروا على موقفهم.

ولطالما كان المفاوض المصري ذكيا فعندما حاول السفير روبرتسون الدخول في أمثلة وأحاديث بعيدة عن موضوع ضرورة الإشراف المصري نبهه وزير الخارجية المصري بقوله بخيل إلى أننا في طريق متزلق فيجدر بنا أن نكون حذرين وعاد إلى إصراره على موقفه من أن يكون الإشراف مصريا.

وإزاء إصرار المفاوض المصري على موقفه طلب السفير البريطاني إرجاء الموضوع حتى تعمل اللجان عملها ولكن المفاوض المصري أصر على البت في الموضوع لأنه لا تخص اللجان وحاول إيجاد حل هو أن يكون الإشراف العام مصريا أما الإشراف الفني فيكون إنجليزيا بمعنى أن تكون الإدارة الفنية الفعلية في بعض المنشئات بريطانية.

وأنهى جمال عبد الناصر النقاش بأنه لما كانت معدات الجيش المصري بريطانية وإننا نتلقى من الجيش البريطاني على الدوام التعليمات بشأن إدارتها ويخيل إلى أنه بوسعنا أن نلجأ إلى نفس الطريق في إدارة التعليمات بشأن إدارتها ويخيل إلى أنه بوسعنا أن نلجأ إلى نفس الطرقة في إدارة المنشئات والمخازن والمعدات الموجودة في القاعدة فنيون مصريون وغير مصريين ولكن لا أستطيع أن أتخيل لقاء غير المصريين إلى الأبد ونحن على استعداد لتلقي التعليمات من الحكومة البريطانية كما هو الحال في الجيش المصرية فإذا لم يكن لدينا العدد الكافي من الفنيين لهذا الغرض فإني أظن أننا نستطيع الاستعانة ببعض الفنيين غير المصريين على أن تصدر إليهم التعليمات من الحكومة المصرية.

وانتهت الجلسة وتم في الاتفاق على إصدار البيان التالي لتوزيع علي الصحف: استؤنفت المباحثات اليوم في الساعة العاشرة والنصف صباحا ودامت حتى الساعة الثانية مساء يوم رأى المجتمعون عدم إصدار بيانات جديدة قبل الوصول إلى مرحلة جديدة وسيكون الاجتماع التالي في منتصف الحادية عشرة من يوم السبت الموافق 2 مايو 1953 بدار رئاسة مجلس الوزراء.

وتم الاجتماع فعلا في هذا التاريخ حيث النقاش استمرار الموضوع الإشراف على القاعدة وحثم حول اختصاص اللجنة الثانية وجدوا محمود فوزي حديثه حول المدة أو الوقت الذي يحدد للاتفاق وهنا حاول السفير البريطاني إحالتها إلى الحكومتين كمسألة سياسية لا تدخل في إطار عمل اللجنة الثانية وكانت النقطة الثانية هي طريقة التدريب للفنيين والثالثة الطرق التي تسلكها التوجيهات أو التعليمات.

وبدأ التلون البريطاني في تحويل النقطة الهامة الأولى إلى الحكومات بهدف التسويف والتأجيل وهو أسلوب البريطانيين في التفاوض ثم طرح القضيتين الأخريين للبحث وهما لبستا ذواتي قيمة في غياب الأولى.

هذا مما سرب الشك إلى نفوس المفاوضين المصريين خاصة بعد أن استرسل الحديث وتناول مدة بقاء الخبراء غير المصريين ولكن الدكتور فوزي قطع عليهم الطريق بأن طالبهم بمناقشة النقطة الأولى فهم المسئولون عن المفاوضات ككل وأصر السفير على الرجوع إلى لندن للوقوف على رأيهما فيها.

وكم قدمت من الأسئلة والتساؤلات حول مدة وجود الفنين البريطانيين من ناحية الجانب المصري ولكن الجانب الإنجليزي التزم جانب المراوغة لدرجة أن ذكر السفير البريطاني لسنا في سبيل سن تشريع مؤيد وليست المسألة مسألة مائة عام وأن هناك المخالفة البرتغالية وقد دامت حتى الآن 600 سنة.

فكان تصريح رئيس الوزراء له يعكس مدى الشك الذي تكاثف لدى الجانب المصري إنني لا أشعر باطمئنان عندما تصرحون بأنكم لا تشرعون إلى الأبد إذ ذكرتم من برهة 600 سنة وإننا نبحث إن كان الوفدان يحاولان الوصول إلى حل للمسألة أم لا وحصر له نقتطي الخلاف بعد أن ذلل بقية الأمور في أمدة بقاء الخبراء الأجانب وعلاقة ذلك بتسليم المهمات البريطانية المختلفة.

وهنا تقدم السفير بمشروع مضاد حول اختصاص اللجنة الثانية كان لرسم خطط لتحويل منطقة القاعدة الحالية في منطقة القناة إلى الإدارة المصرية وستكفل الخطط أن تبقى القاعدة في حالة صالحة للاستخدام في وقت السلم وعلى استعداد للعمل فورا في وقت الحرب.

وعرض موضوع تكفل الحكومة المصرية بالمحافظة على الممتلكات البريطانية في القاعدة وموضوع الخبراء الأجانب دون تحديد مدة لذلك مما ظلت معه معلقة للجلسة التالية.

وعقدت الجلسة الخامسة في يوم الثلاثاء 5 مايو 1953 الساعة العاشرة والنصف صباحا وكانت المناقشات ملتزمة جانب الرفض من ناحية البريطانيين وخصوصا مسألة المدة الزمنية لوجود الفنيين البريطانيين حيث صرح روبرتسون ألا تتعرض اللجنة لمسألة المدة الزمنية للاتفاقات التي تقترحها فتقرير ذلك سيقوم به [الوفدان وكان الوفد المصري خلال مناقشات واضحا ومتساهلا ولكن البريطانيين كانوا أكثر تعنتا ويظهر ذلك فيما يلي: فقد أعاد وزير الخارجية المصري عليهم مقترحاته طالبا إجابتهم عليها بالتحديد وراوغ السفير وكانت مقترحاته.

1- أن القاعدة من حيث السيادة والملكية والحيازة هي قاعدة مصرية.

2- إن المعدات البريطانية المتروكة عهدة مصر يديرها أقل عدد من البريطانيين وأكبر عدد من غير المصريين.

3- ترك لهم أسلوب توصيل التعليمات والتنبيهات لهؤلاء الفنيين.

4- ترك لهم أسلوب تدريب الفنيين المصريين.

وأما هذا نجد السفير البريطاني ليحتج على ما قاله وزير الخارجية من أنه إذا لم يكن الوصول إلى اتفاق مرض لمصر فإنه سيطلب أن يغادر البريطانيون البلاد ولم يرد على ما قدمه وزير الخارجية ثم دخل في متهات التعبيرات الأخرى كتحديد القاعدة ونقل ملكية المهمات مشروعا جديدا من أربع نقاط:

1- تتعهد الحكومة المصرية بموجب الاتفاق بضمان سلامة الممتلكات البريطانية الموجودة في القاعدة.

2- سيقتصر على العدد المطلوب من الخبراء البريطانيين إلى أقل عدد تدعو إليه الحاجة لإدارة هذه المنشآت

3- إنه أية إجراءات تقترح بشأن إدارة المنشآت لا تتناقص مع السياسة المصرية أو ملكية البريطانيين لهذه المنشأة.

4- لا تختص اللجنة بتحديد مدة للإجراءات التي تقترحها والمتفاوضون هم الذين يقرون ذلك. وعندما ثار الخلاف حول مدة بقاء الفنيين رفض السفير أن يجب إجابة شافية وقال بأنه يتصل بمدة الاتفاقية وأنه لا يستطيع أن يقترح حلا أفضل.

وانتهت الجلسة دون تحديد لأي شيء عرض عليها.

ودارت الجلسة السادسة والأخيرة يوم الأربعاء 6 مايو 193 حول نفس الموضوع دون إحراز أية نتائج حتى وزير الخارجية المصري

أبدأ حديثي بأن أذكركم بأن هذا هو سادس اجتماع لنا فقد تقابلنا في ست جلسات طويلة مضنية وكنا نحسب أن الأمر لا يحتاج إلى كل هذه الاجتماعات الطويلة بل ولا أكون صادقا في تعبيري عن وجهة نظر الفريق المصري إذ لك أذكر لكم مقدرا ما نشعر به من الاستياء بسبب بقائنا إلى اليوم في لف ودوران نجري وراء الألفاظ والعبارات دون تعرض للحقائق المادية كما أذكر لكم كذلك مقدار استيائنا مما يعزي إلينا من أننا نعمل على الدخول في تفصيلات لا موجب لها هي من صميم عمل اللجان وأرى لزاما أن أقرر أن هذا الزعم لا أساس له من الصحة على الإطلاق لقدر درس الوفد المصري مشروعكم الجديد وفي اعتقادي أننا قد حددنا مركزنا فإذا وثم مهلة للتفكير أو الاتصال بلندن فلكم ما تريدون إنني سمعت كلمة الصبر على لسان السفير والصبر بطبيعة الحال صفة جميلة ولكن لابد أن يكون له حد فلابد من وضع حد للجري وراء الألفاظ ولتعمد في شجاعة إلى الوقائع المادية والحقائق الملموسة.

وأعلن السفير بعد ذلك أنه لم يفلح في بيان ما أعتقد أنه عقبة يواجهها وطلب مراجعة حكومته في الأمر وطلب أن يكون التصريح للصحفيين استؤنفت المحادثات صباح اليوم بين الوفد المصري والوفد البريطاني ووصلت إلى مرحلة توجب الإعلان فيما بعد عن موعد الاجتماع التالي.

وبهذا انتهت المفاوضات ولم تصل إلى أية نتائج مادية ولكن المصريين خرجوا منها مؤمنين بضرورة الضغط على الجانب البريطاني أولا بعملهم وهو العمل العدواني ليقض مضجعهم ثم مزيد من التحرك لدى الجانب الأمريكي ليكون ذايد أخرى نقطع عليه معهم.

الموقف بعد توقف المفاوضات.

لم تنته الأمور بالطرفين عند حد توقف المفاوضات وإنما سار كل منهما في اتجاه وإن كان قد انتهى بهم إلى معاودة المفاوضات مرة أخرى.

فبالنسبة للمسار الذي اتخذه المصريون فقد تشعب إلى دورين دور عملي هو الدور الفدائي في منطقة القناة ضد البريطانيين ودور سياسي من أجل الضغط على أمريكا لتواصل دورها التوفيقي.

وقد صارح محمد نجيب الشعب حيث ألقى بيانا بالإذاعة يوم 19 مايو أعلن فيه قطع المفاوضات نتيجة محاولة البريطانيين العبث بالمبدأ الذي جعلناه أساسا للدخول في هذه المباحثات وهو جلاء الاحتلال عن أضنا كاملا دون قيد أو شرط ويعلم الله أننا لم ندخل المباحثات تسليما منا بأن المفاوضات هي الطريق للوصول إلى حقنا، وإنما لتحدد مع الإنجليز مراحل الجلاء وطريقة تنفيذه ولنظهر للعالم إذا ما فشلت المحادثات نوايا أولئك المستعمرين العاديين على حريتنا.

أننا قد عزمنا على أن نستخلص حقوقنا بأيدينا ولكن استخلاصنا لحقوقنا من غاصبينا ليس سهلا ولا هينا وإنما هو أمر وليس التنظيم المغيظ من عهد سد على المستعمرين المسالك.

وكان هذا الحديث بمثابة الدخول في دور يقوم أساسا على جهد المصريين تجاه الإنجليز وهو وضع جديد لم يعهده المصريون ولا الإنجليز أن يروا حكامهم يندفعون والشعب خلفهم إلى تخليص بلادهم بأيديهم بعد أن كان السبيل الوحيد المفاوضات وحسب حتى وإن كان هناك كفاح شعبي ضد الإنجليز قبيل الثورة ولكنه لم يكن معلنا من الحكام رسميا بهذا الشكل.

واستعدت حكومة الثورة لتنظيم المقاومة المسلحة منطقة القناة وازدادت أعمال الاشتباك بالقوات البريطانية وحدثت حركة تخريب حركة واسعة النطاق داخل المعسكرات البريطانية ومما تجدد ملاحظته أن حرب العصابات في القناة قد قسمت الرأي العام البريطاني ذاته، وهذا بعكس ما كان يحدث حين كان التدخل البريطاني في شئون مصر في الماضي يؤدي إلى انقسام الرأي العام المصري وهذا ما ستعضه عند الحديث عن موقف البريطانيين.

وأعلنت مصر في نفس الوقت أنها لم تعد تشعر بالحاجة إلى مساعدة انجلترا وحمايتها وإنها ستلجأ إلى العنف، وصرح الإنجليزي بأنهم سيواجهون العنف.

وفي ظل هذا العنف والعمل الفدائي المتكاثف على المعسكرات البريطانية بدأت مصر تلتزم بسياسة جديدة من شأنها الضغط على الولايات المتحدة وجذبها إلى جانبها لتكسبها عنصر ضغط على بريطانيا وهكذا استعملت مصر المسارين في وقت واحد: الجانب العملي الدموي والجانب التكتيكي السياسي.

فأعلنت التزامها بسياسة الحياد في الحرب ما لم نحل مشكلتها في منطقة قناة السويس حلا يرضيها وأعلنت من خلال سفيرها في واشنطن بأنها تفكر جديا في إصدار بيان رسمي تعلن فيه تصميمها على سياسة حياد دقيق إذا لم تتم تسوية مشكلة قاعدة القناة.

وهي في هذا كانت تحاول الاستفادة من البرود السياسي بين الإنجليز والأمريكيين في ذلك الوقت وهذا تجديد في الديبلوماسية المصرية عنها في الماضي فإن انجلترا كانت سياستها مع الأمريكيين تقوم أساسا على عدم الجري وراء الأمريكيين طلبا لمساعدتهم تحت زعم الحفاظ على الكرامة البريطانية.

أما بالنسبة للموقف البريطاني فلقد انقسم الرأي العام البريطاني إزاء مفاوضات الجلاء كما أشرنا سلفا وما دار بعده من عمل فدائي فكير من البريطانيين ظلوا على تفكيرهم القديم على أساس وجود ملك وساسة لا يزالون في مقاعد الحكم وكان من الواضح إما الإنجليز في قاعدة قناة السويس ضد رغبة الشعب المصري وهم بذلك يظهرون بريطانيا في شكل جيش أجنبي يحتل جزءا من الأرض المصرية ضاربين بالشعب المصري وحكومته عرض الحائط.

أو بأن يحققوا غرضهم بشن هجوم على العاصمة وإسقاط حكومة الثورة، ليعطوا الحكم لحكومة موالية لهم وفي كلتا الحالتين كان الحل هو الحل العسكري.

فبعد توقف المفاوضات كانت هناك ثورة في كواليس السياسية البريطانية كما رأينا ثم هذا أسلوبين لويد بقدم لمجلس العموم البريطاني أسباب فشل المفاوضات بأن الحكومة المصرية طالبت بإدارة مباشرة وفنية للقاعدة بعد الجلاء البريطاني، وأن يكون لها حق رفض الفنيين الذين يكونون موظفين لديها، وأن تمارس حق الفيتو لحق بمهمات ومنشآت القاعدة وتبديل وكلاتنا بآخرين من لدنها من أقصر وقت ممكن وإذا رضخت انجلترا لهذه المطالب فإن القاعدة سنستحيل إلى أطلال وأي إنسان بأي تفكير يرضى بهذا.

ثم تأتي لموقف تشرشل نفسه في تلك الفترة فقد أصابه الاضطراب وفقد أعصابه فأصدر أمرا إنذارا بالاستعداد للدرجة القصوى ووافق على تطبيق الخطة روديو إذا اقتضى الأمر وفي ظل الهياج وحلت إشارة إلى قاعدة قناة السويس بالآتي:

1- نزع سلاح وطرد كل أفراد القوات المسلحة المصرية من منطقة القناة.

2- نزع سلاح وطرد كل العناصر غير المتعاونة مع الإنجليز من السويس المصري والإدارة المصرية في منطقة قناة السويس.

3- إنشاء إدارة عسكرية لمنطقة القناة في حالة الضرورة

4- وقف كل إمداد بترولي من منطقة قناة السويس إلى القاهرة

5- دفع قوة لاحتلال منطقة العباسية.

وزيادة في هذا التصرف العصبي غير المدروس يستمر تشرشل في إصدار أوامره بالآتي:

1- وضع خطة لإجلاء الرعايا البريطانيين والإنجليز من القاهرة والإسكندرية والدلتا والاستعداد لترحيلهم إلى قبرص.

2- لا يتم تنفيذ الخطة روديو قبل أمر صريح من مجلس الوزراء البريطاني.

3- أن تفرز القوات البريطانية في منطقة قناة السويس بلواء ينقل إليها من مالطة

4- إرسال سربين من الطيران الحربي من مالطة إلى الخرطوم ليكونا هناك استعدادا للسيطرة على الحامية المصرية هناك.

وهكذا ترى أن موقف المصريين الذي بداه البريطانيون ففي مطالبهم في المفاوضات قد هز كراسي الحكم في بريطانيا ثم أن أعمال الفدائيين التي مهما بلغت فهي محدودة تثير هذا الجو العسكري كما لو كانت الحرب العالمية قد بدأت فهو نصر لمصر بلاشك لم تحرزه من قبل ووصلت إلى معظم أهدافها بل وشدت انتباه حكومات العالم إليها.


وأخيرا تدخلت وزارة الخارجية البريطانية في هذا الجحيم وطرحت مسألتين:

الأولى: ضمان سلامة الرعايا الإنجليز حيث إخلائهم.

الثانية: ضرورة البحث عن حكومة بديلة لهذه التي سببت لها كل هذا القلق ولكن هذا باء بالفشل لأنها لم تجد من يتعاون معها كما أن أصدقاءها القدامى من رجال الأحزاب أو الإقطاعيين لم يصح لهم حول ولا قوة.

هكذا كانت أحوال بريطانيا لمجرد إصرار المصريين على مطالبهم وقيامهم بالأعمال الفدائية في منطقة قناة السويس وأصابت بها نجاحا كبيرا بالإضافة إلى إحساس الأمريكيين بضرورة التحرك لإنقاذ الموقف الغربي كله من هذا الحرج الكبير فكانت:

زيارة دالاس للمنطقة:

بدأت الولايات المتحدة الأمريكية فصلا جديدا في دورها التوفيق بين القوتين المتصارعتين حيث كانت الضرورة قد دفعها إلى هذا بعد توقف المفاوضات بينهما وأصبحت المنطقة مشحونة بالمخاطر ومعبأة بكثير من الاحتمالات. وكانت فاتحة هذا الفصل الجديد هي زيارة لوزير الخارجية الأمريكي جون فوستر دالاس ليقوم بعمل على الطبيعة في شكل رحلة للمنطقة على رأس وفد من الساسة الأمريكيين للدراسة والاستطلاع دون اتخاذ قرارات معينة وقد تحدد لها يوم 11 مايو 1953 .

وكان الرئيس إيزنهاور مهتما بها لدرجة أنه أرسل قبل وصولها إلى المنطقة رسالة إلى اللواء محمد نجيب بتاريخ 8 مايو 1953 بخبره بإيعاده لدالاس والمستر ستاسن لمقابلة حكام مصر الجديدة وأوضح هل هدف هذه البعثة وهو إقامة روابط الصداقة الشخصية التي تسهم بالكثير في التفاهم بين الدول وأنها ستنتج دراية أوسع نطاقا بالتطورات البالغة الأهمية التي تجري في البلاد.

وقد استعد دالاس لهذه الزيارة كما لم يستعد من قبل مرددا أن المنطقة هي نقطة الارتكاز في العالم الحديث كله وأوربا الغربية التي كانت تمسك بمفاتيحها لم تعد قادرة أن تمسك بهذه المفاتح والقوى المحلية في المنطقة لم تصل بعد إلى الدرجة التي نستطيع فيها أن تدافع عن منطقتها وهذه القوى لها مطالبها الوطنية تستطيع أن تفهمها ونحن لا نريد أن نرى الروس في عمق الشرق الأوسط وبالقرب من مصالح حيوية كبيرة لنا فيه.

ولهذا فإن الرئيس إيزنهاور جعل الشرق مجال أول مبادرة له في السياسة الخارجية.

ومن هذا التصريح يتضح لنا دقة الموقف في المنطقة وتخوف الأمريكيين من تفجره ومن هو العدو الذي يقصدونه بالتخوف ثم تبني إيزنهاور بنفسه هذا الدور لاعتقاده أنه إذا استطاع أن يحقق السلام في المنطقة فإنما سوف يحقق كسبا لنفسه بجانب الكسب الذي سيحققه للغرب كله.

وصل دالاس إلى القاهرة يوم11 مايو كما كان محددا، وعقد مع رجال الحكومة المصرية أكثر من اجتماع رمسي وغير رسمي في دار رياسة مجلس الوزراء وفي بين السفير الأمريكي في القاهرة، ودارت أحاديثه حول ثلاث نقاط.

1- المفاوضات مع البريطانيين.

2- الدفاع عن الشرق الأوسط.

3- العرب وإسرائيل.

4- المساعدات الأمريكية للمنطقة وخصوصا لمصر.

إلا أن الملاحظ أن موضوع الدفاع عن الشرق الأوسط والضغط على مصر لدخول حلف بشأنه قد سيطر على معظم المناقشات خلال الاجتماعات وإن كان قد غلفه بغلاف براق وهو أن يكون الحلف عربيا بزعامة مصر، وبالطبع تحت يد أمريكا.

وتحدث دالاس عن رغبة الاتحاد السوفيتي في السيطرة على العالم بطريقة نشر المبادئ الشيوعية وأن الشعوب الحرة يجب أن تنظم نفسها مع حلفائها لكي تتصدى لهذا الخطر الداهم وأنهم في أمريكا مهتمون بعمل حزام للدفاع عن العالم الحر وأن الشرق الأوسط يمثل جزءا من هذا النزاع وعلى ذلك وجب على الدول العربية تشكيل حلف من بينها مصر لاستكمال هذا الحزام وأن حكومة الرئيس إيزنهاور عينت بدارسة مسألة الدفاع عن الشرق الأوسط بالاشتراك مع بريطانيا.

وأحس المتحدثون المصريون بهدفه فهو يريد أن تدخل مصر في خندق تتبع في قيادتها اليد الغربية وبهذا تكون مصر قد استبدلت الاستعمار القديم بآخر جديد، وكان رد محمد نجيب آنذاك هو أن الإنجليز يحتلون بلادنا فعلا رغم إرادتنا فهم الآن أعداؤنا ومن البديهي أنه يمكننا أن نختلف مع أعدائنا.

أن جلاء الجيش البريطاني هو أهم شيء أجمع عليه الشعب أما الحديث عمل حزام حول الاتحاد السوفيتي واشتراك مصر في خلف مع العالم الغربي فهذا أمر لا يمكنني البحث فيه الآن لكني أعدك بدراسة هذا الموضوع بعد جلاء الإنجليز وتحرير أرضينا ومن ناحية أخرى أكد محمد نجيب على رغبته في إقامة العلاقات المصرية الأمريكية على أسس سليمة لأن أمريكا ليست من الدول الاستعمارية وإنما دافعت من قبل عن حق الشعوب وحريتها كما أعلنها ديلسون في نقاطه الأربعة عشرة بعد الحرب العالمية الأولى الأطلنطي الذي أعلنها ديلسون في نقاطه الأربع عشرة بعد الحرب العالمية الأولى الأطلنطي الذي أعلن إبان الحرب العالمية الثانية.

وبهذا قطع نجيب برأي مصر في موقفها من الإنجليز وكذلك في موضوع دخولها الأحلاف بينما حافظ على مد الجسور مع الولايات المتحدة مما جعل دالاس يستجيب له في هذا بقدر رغبة المصريين في عزل المفاوضات عن الدفاع عن الشرق الأوسط وأوضح وجهة نظره في قضية الربط بين الاثنين على أساس أن خروج البريطانيين من القاعدة لا يلغي دور هذه القاعدة في الدفاع عن الشرق الأوسط وبمكره المعروف جعل مسألة المعونات في النهاية ليعلقها على قبول المصريين لما ردده وأسماه الاستقرار في المنطقة إن المنطقة بحاجة ماسة إلى هذه المساعدات والقضية أن هذه المساعدات ولا تستطيع أن تعطي فائدتها الكامل إلا في منطقة يسودها الاستقرار.

ولم يكتف دالاس بهذا وإنما أعاد الكرة مع جمال عبد الناصر فأدار حوارا معه حول نفس الموضوع.

فسأل جمال عن مهمة هذا الحلف في تلك الفترة فأخبره بأنه تعاون عسكري بين دول المنطقة ينظم قواتها ونسق التعاون بينها ويدير طرق المواصلات والقواعد العسكرية ويقوم على تدريب القوات فيها.

وعندما سأله عن العدو الذي يتعين على الحلف التصدي له، فأفهمه أن الخطر المحدق هو خطر الاتحاد السوفيتي الشيوعي وبالتالي فإن العدو وهو الجيش الأحمر وهنا رد عليه عبد الناصر نحن نعتر عن الانضمام لهذا الحلف لأنني أرى أن الدفاع عن الشرق الأوسط هو في صيانة الجبهات الداخلية فيه إن الذين تتحدثون عنه لا يدافع عن الشرق الأوسط في رأيي وإنما يزيده تعرضا للخطر ففكره الحلف إذن لا تنفع للدفاع عن الشرق الأوسط بل هي في حقيقتها خطر كبير على الشرق الأوسط.

إن الروس الذين تطلب مني أن استعد لقتالهم ليسوا خطرا علينا لأنه ليس في يدي دليل ولا تصرفاتهم معنا ما يوحي بمثل هذا الخطر أما الإنجليز الذين يطلب مني أن أقف معهم في الصف لأدافع عن بلادي فهم الآن الخطر الوحيد الذي يتهددنا الإنجليز احتلال قائم حتى هذه الدقيقة يغتصب قطعة من أرض وطني، والروس بعيدا عني لا يعرفونني ولا أعرفهم وهم على بعد خمسة ألاف ميل مني.

وغادر دالاس القاهرة دون حصوله على أية نتيجة وأذاع بيانا جاء فيه، إن من السابق لأوانه محاولة تشكيل منظمة للدفاع عن الشرق الأوسط على غرار الخطوط التي رسمتها حكومة ترومان ودعا الولايات المتحدة إلى مساعدة الجامعة العربية وأعلن أن حكومته تؤيد البيان الثلاثي تأييدا تاما فكان هذا اعترافا بفشله أمام مقاومة حكومة الثورة وصلاحيتها

هكذا كانت محاولة دالاس الربط بين مشروع الحلف وبين مطالب المصريين والضغط على المصريين للوصول إلى اتفاق مع بريطانيا ومن ثم أصبحت معادلة صعبة ذات أطراف ثلاثة يحاول اثنان منها أن ينالها حظا أكثر من الثالث التي كانت تصرعهما من أجل حقها المشروع السليب.

فعلى حين كانت الحكومة البريطانية ترى بأن على الولايات المتحدة أن تؤيد وجهة نظرها على أساس أن بريطانيا في موقعها في المنطقة إنما تدافع عن مصالح العالم الحر وهو ما كانت تنادي به الولايات المتحدة آنذاك فإن الولايات المتحدة كانت ترى أن عداء العرب للإنجليز بسبب ما نالهم إبان استعمارهم لهم من شأنه أن يعرقل مصالح الغرب ومصالحها هي ويمكن أن يفتح الباب أمام المد الشيوعي.

من أجل هذا اهتمت بأن تبذل مساعيها الودية حتى يصل الطرفان المصري والبريطاني إلى حل يحقق في نظرها السلام في الشرق الأوسط.

وفي نفس الوقت لم تنس مشروعات الأحلاف في المنطقة ولذلك حاولت جهودها في إقناع بريطانيا للوصول إلى حل معقول مع مصر خاصة بعد إعلان الدول العربية مساندتها لموقف مصر وأنهم ينتظرون تسوية مسألة الجلاء عن منطقة قناة السويس بشكل يرضيها.

أما في داخل بريطانيا فإن القلق كان قد استبد بتشرشل وأراد أن يلقي بطعمه المسموم في طريق المفاوضات لعل المصريين يلتقطونه فتكون القاضية عليهم.

فألقى خطابا في مجلس العموم البريطاني في يوم 12 مايو جاء برهانا على ذلك وتأكيدا على سوء نيته جاء فيه:

لم تسمع بريطانيا إلى هذه المفاوضات التي كانت تدور بينها وبين مصر حول قاعدة قناة السويس وأن المصريين هم الذين طلبوها وراحوا الآن ينفضون يدهم منها وأنهم يريدون التأثير على دالاس الذي وصل أمس إلى القاهرة وعلى أية حالة فإذا رغب المصريون في أي وقت في تجديد المباحثات فإنهم سيجدون الحكومة البريطانية راغبة في ذلك وإذا شاءوا تحديدها مع بريطانيا والولايات المتحدة معا فإن ذلك أفضل.

وإذا كنت خطب التهديد والوعيد ستترجم إلى أعمال فتتعرض القوات البريطانية إلى تجدد الهجوم عليها من الفدائيين فإن الجنود البريطانيين لن يكون أمامهم غير الدفاع عن أنفسهم.

وهذا يحمل معنى أن باب المفاوضات مازال مفتوحا متحركا بفعل الفدائيين الذين شددوا أعمالهم في منطقة القناة مما زاد من قلق البريطانيين في مصر ولندن كما زاد من تحرك الأمريكيين الذين أحسوا بخطورة الموقف في المنطقة وبداية تحرك السفارة السوفيتية بعقد لقاءات مع قادة الثورة في القاهرة كما زاد من مخاوف إسرائيل التي بدأت تظهر في الأفق باحثة عن مصالحها وسط هذا الجو العابس والذي انتهى إلى مباحثات غير رسمية بدأت في نهاية يوليو 1953 .

ونعرض لهذه المواقف قبل أن ندلف إلى دهاليز هذه المفاوضات.

أعمال الفدائيين المصريين في منطقة القناة وأثرها:

1- ازدياد القلق في لندن وإحساسهم بدخولهم مرحلة خطرة لدرجة أن احتجت السفارة البريطانية على هذا اعتبار أن المصريين هم المعتدون عليهم فكان رد رئيس الحكومة المصرية أنه يعمل على حفظ الأمن مع تقديره للشعور الوطني ثم حدث في نفس الوقت أن حضر ريتشارد كروسمان عضو البرلمان البريطاني محذرا المصريين من مغبة أعمالهم ضد البريطانيين في القناة، وأفهمه المسئولون المصريون أنهم هم الذين يدفعون الأمور على هذا الصدام وأن صبر المصريين قد نفذ وإن فشلت هذه المحاولات توسط السفير الأمريكي في القاهرة معلنا أن حوادث الصدام بين مصر وبريطانيا تهدد باضطراب في المنطقة وهي المنطقة التي يهم الولايات المتحدة استمرار الهدوء فيها خصوصا وقد اشتدت الحرب الباردة بينهم وبين الاتحاد السوفيتي.

كل هذا ولم تلن قناة المصريين أو يتوقف عملهم الفدائي مما دعا الخارجية البريطانية إلى إرسال إنذار إلى سفارتها في القاهرة بإجلاء رعاياها في القاهرة والإسكندرية وزيادة استعداد القوات البريطانية وتخزين المواد الغذائية في منطقة القناة وتحريك قوات إضافية إلى مصر وتجنيد ضباط الشئون الإدارية وإذا حدثت مضاعفات في الموقف فتصدر الأوامر بتحريك قوات بريطانية على القاهرة والإسكندرية وتنفيذ خطة روديو وذلك من أجل إسقاط حكومة الثورة وإحلال حكومة تكون أكثر ملاءمة لهم وأشاروا في هذا إلى علي ماهر.

ولكن جمال عبد الناصر رد على هذه الإثارة البريطانية في يوم 23 مايو 1953 بأن الحكومة المصرية متحملة المسئولية كاملة لحماية جميع الرعايا الأجانب بما في ذلك الإنجليز وأنهم جميعا في أمان ما عدا الجنود الإنجليز وحدهم.

وهنا بدأ الإنجليز يكيدون للفدائيين فادعوا يوم 9 يوليو 1953 باختفاء أحد جنود الطيران البريطاني بفعل الفدائيين متخذين هذا الحادث ذريعة الإثارة الرأي العام ضدهم واتخاذه سببا لزيادة حفظهم عليهم باتخاذ أي إجراءات يرونها وبدأوا يضغطون على محافظ الإسماعيلية معلنين إنذارا بسوء العاقبة إن لم يظهر هذا الرجل وحدثت عدة مصادمات بسبب ذلك إلا أنه ظهر في النهاية في باريس دون أي تعرض له وبذلك انكشفت قريتهم مما كان سببا في تمسك المصريين بموقفهم وازدياد تعاطف الأمريكيين معهم مما أحدث شيئا من الارتباك في العلاقات الأنجلوا أمريكية.

فقد اعتبر البريطانيون أن مواقف أمريكا مثلت عائقا كبيرا أمام جهودها السياسة في مصر وذلك من خلال عطفها عليهم ووعودها لهم بإعطائهم معونات اقتصادية وعسكرية، في الوقت الذي كان المصريون يرفضون المطالب البريطانية وحملوهم مسئولية فشلهم في الحصول على قاعدة فعالة في مصر، واستثاروا في ذلك دول الغرب وحلف الأطلنطي وكل دولة تستفيد من الملاحة في قناة السويس.

وإزاء شعورهم بعدم إمكانهم الضغط على الأمريكيين لوقف هذه المعونات المزمعة تماما والتي تصور أن الجانب العسكري فيها سيستعمل ضدها في منطقة القناة فقد رأت الخارجية البريطانية وجوب الاتفاق على خط حازم مع الولايات المتحدة، واقترحت اتفاقا حقيقا مع الأمريكيين.

ولعلهم مع ذلك كانوا مدفوعين عندما وجدوا أن الولايات المتحدة بدأت عدم الالتزام بخط الموافقة التامة على كل تصرفات الأخيرة كما كانت تتوقع، وأن الأمريكيين بدأوا بعد زيارة دالاس لمصر يتحدثون عن وجوب مراعاة المشاعر الوطنية المصرية ووضع السيادة المصرية على قناة السويس في الاعتبار وأنه يجب القيام بخطوة عاجلة وحاسمة للتوفيق بين الحد الأدنى في لمتطلباتهم للدفاع عن الشرق الأوسط وبين المشاعر الوطنية المصرية، كما رأى إيزنهاور ألا يتشدد البريطانيون في مطالبهم بل وتقديم تنازلات جديدة لمصر وكان الأمريكيون في هذا المسار أيضا مدفوعين بمصالحهم في المنطقة فقد لمسوا أن استمرار الصراع بين المصريين والبريطانيين سيفقدهم الكثير فسيفقدون تعاون الدول العربية في المنطقة وهو ما كانوا يسعون دائما من أجل إنمائه باستمرار فضلا عن فتح الباب أمام المد الشيوعي.

ومن ثم دخلوا هذه المرحلة بأكثر إيجابية وفاعلية ووضوح ففي 21 يونيو 1953 تقدمت الولايات المتحدة إلى بريطانيا باقتراحات أكثر واقعية وصراحة بأن تنسحب القوات البريطانية من مصر وأن تسلم القاعدة فعلا للمصريين للإشراف عليها مع الإبقاء على أقل عدد ممكن من الفنيين البريطانيين لتدريب المصريين على المنشآت في القاعدة بعد إتماما عملية الانسحاب.

كما تضمنت المقترحات الأمريكية مبدأ مهما، هو أن يتعهد المصريون ولكن بشكل سري بترك القاعدة متاحة في حالة وقوع هجوم أجنبي على إحدى الدول العربية للقوات البريطانية وكذلك الأمريكية بناء على المعاهدتين المبرمتين بين بريطانيا وبين الأردن والعراق وبين الولايات المتحدة وكل من السعودية وليبيا.

ولقد بدت من تلك المقترحات موافقتها في معظمها لمطالب المصريين مما أثار ثائرة البريطانيين بطبيعة الحال واتهامهم الولايات المتحدة بالتعاطف أكثر من اللازم مع خصومهم المصريين وتهددت العلاقات بينهما بالتوتر.

ولكن الولايات المتحدة أصرت على استمرارها فيما بدأته خاصة بعد أن وصفت تصرفات صديقتها بريطانيا بالحمق في تصرفاتها فعقد مؤتمر لوزراء خارجية كل من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة وذلك لبحث المسألة المصرية وذكر وزير الخارجية الأمريكي أن موقف بلاده في هذا المؤتمر سيكون على أساس ما تقدم من مقترحات.

وكان رئيس جمهورية مصر قد أرسل كتابا إلى رئيس الولايات المتحدة يبدي فيه مقترحات الجانب المصري بناء على طلب إيزنهاور ودون الرجوع إلى بريطانيا في ذلك وقد كانت المقترحات المصرية تتلخص في:

1- تسليم القاعدة إلى القيادة المصرية على أن يكون هناك مستشار بريطاني يكون مسئولا عن تدريب المصريين الذين سيحلون محل الخبراء البريطانيين وأن يكون الفنيون البريطانيون الذين سيبقون في القاعدة في زي مدني، وذلك أثناء سريان السنوات الثلاث مدة الاتفاقية بناء على اتفاق كل من مصر وبريطانيا.

2- أن تكون القاعدة متاحة للعمل العسكري لحلفاء مصر في حالة تعرض إحدى الدول العربية لاعتداء أجنبي ويقصر الأمر على المشاورة في حالة التهديد بالعدوان على مصر أو على أحدى الدول العربية.

3- لا مانع لدى مصر من الاستفادة بخبرة الخبراء الأجانب بريطانيين أو أمريكيين أو غيرهم في الأمور العسكرية والاقتصادية من أجل تقديم البلاد

وهكذا استمت المقترحات المصرية بالمرونة ومسايرة المقترحات الأمريكية في معظمها ولعل ذلك بهدف سرعة الوصول إلى إنجاز المطالب المصرية وهو ما كان محل تقدير الرئيس إيزنهاور الذي أرسل الكتاب التالي في 5 يوليو 1953 ردا على هذه التقرحات.

أسعدني أن أتسلم من السفير كافري خطابك المؤرخ في 11 يوليو الجاري ومعه مقترحات حكومتكم بشأن قاعدة قناة السويس، وقد رحبت خاصة بالتأكيد التي أوضحتها عن استعداد مصر لتدعيم الاستقرار العسكري والاقتصادي والاستراتيجي في الشرق الأوسط.

إن المتقرحات التي قدمتها حكومتكم إنما هي خطوة هامة بالرغم من أنها كانت تعالج كل المسائل وإني أعتقد أنه يجب على أن أعرفك بكل صراحة أنني أجد في بعض النقط ما يعارض مصلحة الأمن في بلدي وهذه النقط هي: استخدام قاعدة قناة السويس في المستقبل ومدة الاتفاق بين مصر والمملكة المتحدة.

لا يخالجني شك في أن هذه النقط تمثل لك بعض المشاكل السياسية ولكني واثق من أنك تود المعرفة إنه في نظري أن أمن مصر يكون في خطر إذا نشبت حرب عالمية أخرى أو إذا وقع هجوم عدائي أو في مناطق أخرى خارج الدول العربية وأرجو أن تعطي هذه المسألة عنايتك كما أني أشعر أن مدة السنوات الثلاث لا تكفي لإعداد مشروع استراتيجي سليم في هذا العالم المضطرب.

وفي اعتقادي أن الخطوة التالية التي يجب اتخاذها هي استئناف الاتصالات بين الحكومة المصرية وممثلي الحكومة البريطانية في مصر وأن سيربراين روبرتسون الذي اشترك في المباحثات هنا سيكون على استعداد لبحث الحالة... وكجزء لحل عام فإنا على استعداد للنظر في التزامات جانب الحكومة الأمريكية والمصرية لمساعدتكم في مشروعاتكم لتقديم مصر اقتصاديا وتقوية قواتك المسلحة للاضطلاع بأعبائها المتزايدة وقد أخذت تعهدات من المملكة المتحدة أنها على استعداد للمساعدة أيضا وإني على استعداد للتفويض السفير كافري السلطة للدخول في مثل هذه المباحثات وأملي أن يمكننا التوصل إلى اتفاق وفي نفس الوقت الذي يوقع فيه اتفاقي بشأن القاعدة بين مصر وبريطانيا وستترك تفاصيل هذا الاتفاق يتفق عليها في مؤتمر مثل الذي أشرت إليه في مقترحاتك.

وهكذا استطاعت مصر بتقربها إلى جانب الولايات المتحدة وبشيء من المرونة في المطالب أن تضع بريطانيا في ركن حرج أظهرها بمظهر الاستعماري المتجبر من ناحية ومن المعاكس لصديقتها الولايات المتحدة الأمريكية من ناحية أخرى، وأخيرا تجبرها على معاودة التفاوض مع المصريين.

فقد غضب البريطانيون من هذا التدخل الأمريكي الذي وصل إلى ما يشبه الوصاية على سياستهم تجاه المصريين وأنهم أحسوا كذلك أن هذا سيتيح لمصر الوقوف بإصرار أمامهم ثم أن التفاهم بين مصر وأمريكا والذي وصل إلى ما يشبه التوافق لم يبق على البريطانيين سوى الرضوخ والتوقيع كما جعل فرصة تعاون الأمريكيين معم أقل من تعاونهم مع المصريين.

وبرغم احتجاج البريطانيين على أسلوب الولايات المتحدة واعتباره تدخلا أكثر من اللازم وذلك إبان مؤتمر واشنطن لتسوية الخلافات بينهما بصدد أس تسوية القضية المصرية وللوصول على أساس أتفاق لاستئناف المفاوضات مع مصر فإن الجانب الأمريكي لم يبد الاستعداد لتأييدي موقف البريطانيين تأييدا كاملا وظهر من موقف الأمريكيين تشجيع المصريين على قبول استئناف المفاوضات بشكل غير رسمي مع الجانب البريطاني على أن يعود الجنرال روبرتسون إلى القاهرة للإشراك في هذه المفاوضات.

وعلى هذا تم الاتفاق بين الوفد البريطاني وبين الدكتور محمود فوزي وزير الخارجية المصرية علي معاودة المفاوضات بشكل غير رسمي بهدف تقريب وجهات النظر بين الطرفين تمهيدا للدخول في مفاوضات رسمية. المفاوضات غير الرسمية.

هكذا بدأت مرحلة جديدة من التفاهم المصري البريطاني نتيجة الجهود الأمريكية المركزة الناجحة للوصل إلى نتيجة للفصل في هذا النزاع.

وبدأت فعلا أولى هذه الاجتماعات بشكل غير رسمي يوم 29 يوليه 1953 حيث مثل بريطانيا كل من مستر هانكي القائم بأعمال السفارة البريطانية ومعه الجنرال روبرتسون وممثل مصر الدكتور محمود فوزي وزير الخارجية وذلك من منزل روبرتسون واقتصر الاجتماع على التخطيط لاجتماعات مستقبلة واقترح روبرتسون أن يتخير الطرفان وقتا قريبا يعلنان فيه أن اتصالات غير رسمية حدثت وأن هناك تقابلات في مناسبات اجتماعية وقد أعلن عن ذلك بالفعل.

وقد حاولت سفارة باكستان أن تشترك في عملية استمرار هذه المفاوضات السرية فتم الاجتماع الثاني لهذه اللجنة في دارها بالقاهرة بدعوة من السيد الطبيب حسين القائم بأعمال سفارة باكستان وبذلك جهدا كبيرا لتقريب وجهات النظر حيث صدر في نهايتها بلاغ رسمي كان نصه كالتالي:

تمت الاتصالات غير الرسمية بشأن قاعدة قناة السويس وبهذه الطريقة ستبحث الوسائل التي ستؤدي إلى الاتفاق قبل استئناف المفاوضات رسميا.

وتم الاجتماع الثالث يوم 6 أغسطس 1953 حيث بدأت خلاله دراسة الموضوعات المتنازع عليها والتي استمر تناولها طيلة العديد من الجلسات غير الرسمية حتى توقفها يوم 21 أكتوبر 1953 .

ونظرا لأن كل مشكلة من تلك التي تناولوها بالبحث امتدت لأكثر من جلسة فسنعرض كلامها على حدة بشكل طولي على مدى تلك الجلسات مشيرين إلى الجلسة إذا كان ذلك ضروريا.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

نص الاتفاقية

«

في 19 أكتوبر سنة 1954

اول اجتماع لمجلس الوزراء بعد توقيع اتفاقية الجلاء

قرار

بإصدار الاتفاق وملحقيه والخطابات المتبادلة الملحقة به والمحضر المتفق علية، العقود بين حكومة جمهورية مصر وحكومة المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وشمال أيرلندا والموقع علية بالقاهرة في 19 أكتوبر سنة 1954

مجلس الوزراء

بعد الإطلاع على الإعلان الدستوري الصادر في 10 فبراير سنة 1953،

وعلى القانون الرقم 637 لسنة 1954 بالموافقة على الاتفاق وملحقيه والخطابات المتبادلة الملحقة به والمحضر المتفق علية، المعقود بين حكومة جمهورية مصر وحكومة المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وشمال أيرلندا والموقع علية بالقاهرة في 19 أكتوبر سنة 1954.

وبناء على ما عرضه وزير الخارجية،

قرر

مادة 1- يعمل اعتبار من 19 أكتوبر سنة 1954 بالاتفاق وملحقيه والخطابات المتبادلة الملحقة به والمحضر المتفق علية، المعقود بين حكومة جمهورية مصر وحكومة المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وشمال أيرلندا والموقع علية بالقاهرة في 19 أكتوبر سنة 1954 والمرفق نصه لهذا القرار.

مادة 2- على الوزراء كل فيما يخصه تنفيذ هذا القرار.

رئيس مجلس الوزراء

جمال عبدالناصر حسين

بكباشي ( أ . ح )

نص اتفاق 19 أكتوبر سنة 1954

إن حكومة جمهورية مصر وحكومة المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وشمال أيرلندا، إذ ترغبان في إقامة العلاقات المصرية ـ الإنجليزية على أساس جديد من التفاهم المتبادل والصداقة الوطيدة.

قد اتفقتا على ما يأتي:

(المادة 1)

تجلو قوات صاحبة الجلالة جلاء تاماً عن الأراضي المصرية وفقاً للجدول المبين في الجزء (أ) من الملحق الرقم (1) خلال فترة عشرين شهراً من تاريخ التوقيع على الاتفاق الحالي.

(المادة 2)

تعلن حكومة المملكة المتحدة انقضاء معاهدة التحالف الموقع عليها في لندن في السادس والعشرين من شهر أغسطس سنة 1936، وكذلك المحضر المتفق علية، والمذكرات المتبادلة، والاتفاق الخاص بالإعفاءات والميزات التي تتمتع بها القوات البريطانية في مصر وجميع ما تفرع عنها من اتفاقات أخرى.

(المادة 3)

تبقى أجزاء من قاعدة قناة السويس الحالية. وهي المبينة في المرفق (أ) بالملحق الرقم (2) في حالة صالحة للاستعمال ومعدة للاستخدام فوراً وفق أحكام المادة الرابعة من الاتفاق الحالي. وتحقيقاً لهذا الغرض يتم تنظيمها وفق أحكام الملحق الرقم (2).

(المادة 4)

في حالة وقوع هجوم مسلح من دولة من الخارج على أي بلد يكون عند توقيع هذا الاتفاق طرفاً في معاهدة الدفاع المشترك بين دول الجامعة العربية الموقع عليها في القاهرة في الثالث عشر من شهر إبريل سنة 1950، أو على تركيا، تقدم مصر للمملكة المتحدة من التسهيلات ما قد يكون لازماً لتهيئة القاعدة للحرب وإدارتها إدارة فعالة. وتتضمن هذه التسهيلات استخدام الموانئ المصرية في حدود ما تقتضيه الضرورة القصوى للأغراض سالفة الذكر.

(المادة 5)

في حالة عودة القوات البريطانية إلى منطقة قاعدة قناة السويس وفقاً لأحكام المادة (4)، تجلو هذه القوات فوراً بمجرد وقف القتال المشار إلية في تلك المادة.

(المادة 6)

في حالة حدوث تهديد بهجوم مسلح من دولة من الخارج على أي بلد يكون عند توقيع هذا الاتفاق طرفاً في معاهدة الدفاع المشترك بين دول الجامعة العربية، أو على تركيا يجري التشاور فوراً بين مصر والمملكة المتحدة.

(المادة 7)

تقدم حكومة جمهورية مصر تسهيلات مرور الطائرات وكذا تسهيلات النزول وخدمات الطيران المتعلقة برحلات الطائرات التابعة لسلاح الطيران الملكي التي يتم الإخطار عنها. وتعامل حكومة جمهورية مصر هذه الطائرات فيما يتعلق بالإذن بأية رحلة لها، معاملة لا تقل عن معاملتها لطائرات أية دولة أجنبية أخرى مع استثناء الدول الأطراف في معاهدة الدفاع المشترك بين دول الجامعة العربية. ويكون منح التسهيلات الخاصة بالنزول وخدمات الطيران المشار إليها آنفاً في المطارات المصرية في قاعدة قناة السويس.

(المادة 8)

تقر الحكومتان المتعاقدتان أن قناة السويس البحرية ـ التي هي جزء لا يتجزأ من مصر ـ طريق مائي له أهميته الدولية من النواحي الاقتصادية والتجارية والاستراتيجية، وتعربان عن تصميمهما على احترام الاتفاقية التي تكفل حرية الملاحة في القناة الموقع عليها في القسطنطينية في التاسع والعشرين من شهر أكتوبر سنة 1888.

(المادة 9)

(أ) لحكومة المملكة المتحدة أن تنقل أية مهمات بريطانية من القاعدة أو إليها حسب تقديرها.

(ب) لا يجوز أن تتجاوز المهمات القدر المتفق علية في الجزء (ج). من الملحق الرقم (2) إلا بموافقة حكومة جمهورية مصر.

(المادة 10)

لا يمس الاتفاق الحالي، ولا يجوز تفسيره على أنة يمس، بأية حال حقوق الطرفين والتزاماتهما بمقتضى ميثاق الأمم المتحدة.

(المادة 11)

تعتبر ملاحق هذا الاتفاق ومرفقاته جزءاً لا يتجزأ منه.

(المادة 12)

(أ) يظل هذا الاتفاق نافذاً مدة سبع سنوات من تاريخ توقيعه.

(ب) تتشاور الحكومتان خلال الإثنى عشر شهراً الأخيرة من تلك المدة. لتقرير ما قد يلزم من تدابير عند انتهاء الاتفاق.

(ج) ينتهي العمل بهذا الاتفاق بعد سبع سنوات من تاريخ التوقيع عليه، وعلى حكومة المملكة المتحدة أن تنقل، أو تتصرف، فيما قد يتبقى لها وقتئذ من ممتلكات في القاعدة ما لم تتفق الحكومتان المتعاقدتان على مد هذا الاتفاق.

(المادة 13)

يعمل بالاتفاق الحالي على اعتبار أنه نافذ من تاريخ توقيعه وتتبادل وثائق التصديق عليه في القاهرة في أقرب وقت ممكن.

وإقراراً بما تقدم وقع المفوضون المرخص لهم بذلك هذا الاتفاق ووضعوا أختامهم علية.

تحرر في القاهرة في اليوم التاسع عشر من أكتوبر 1954 من صورتين باللغتين العربية والإنجليزية ويعتبر كلا النصين متساويين في الرسمية.

جمال عبد الناصر هـ. أ . نتنگ

عبد الحكيم عامر ر. س . ستيڤنسون

عبد اللطيف البغدادي ر . بنسون

صلاح سالم

محمود فوزي[3]»

الوساطة الأمريكية ودروها في تحديد إطار التفاوض

بدأ دور التفكير في التفاوض بين البريطانيين والمصريينبعد الانتهاء من توقيع الاتفاقية بشأن الوضع في السودان وكان هذا التفكير نابعا من الطرفين في وقت واحد معتمدا فيه كل منهما على نفسه نظرا لما لاحظته كل منهما في موقف الولايات المتحدة.[4]

فمصر رأت فيها الموقف المتميع غير الواضح وربط تعاونهما معا بمسألة الأحلاف العسكرية في المنطقة فأعلنت موقفها فيها سبق أن عرضناه من تصريحات ومذكرات.

أما بريطانيا فقد شاب علاقتها بها شيء من الشك وربما الحقد عليها، فهي التي تأخذ مكانها في الشرق بعد تقلص مكانها فيه بالإضافة على أن معاهدة السودان في نظرها كانت إجحافا بحقها أرادت أن تثأر له والذي يهمنا هنا هو إظهار نية البريطانيين بالنسبة للأمريكيين الذين أرادوا ألا يبدوا عن الساحة مهما كانت الظروف ففي تقييمهم للموقف بالنسبة للأمريكيين رأوا أن أخر ما سيواجههم في مفاوضاتهم المزمعة هو دور السفير الأمريكي في القاهرة لأنه في نظرهم سبق أن أضر بهم كثيرا من جراء تدخلاته عندما أراد أن يلعب دور الوسيط بين الطرفين وأشاروا إلى أنه كان يجب أن يكون في جانبهم كحليف.

وأبدوا خشيتهم منه نظرا لعلاقاته بالمصريين وأنه قد تورط أكثر من مرة فأعلن المصريين بمطالبنا الحقيقية في كل مسألة وكان هذا يسهل على مصر أن يرفضوا ما تقدم به إليهم ولهذا فإن من الحيوي إذا أريد لمفاوضاتنا المقبولة مع مصر أن تنجح أن تقوم مستر دالاس وزير الخارجية الأمريكية بإخطار سفيره في القاهرة بأن عليه إذا لم يستطع مساعدتنا أن يقفل فمه ويصمت ومهما كان ما يفعله الأمريكيون وما يقولونه بصدد المفاوضات مع مصر فإننا لسنا على استعداد أن نعطي كثيرا للمصريين.

أما مصر فكانت في إعدادها لهذه المفاوضات قد أعلنت شروطها:

أولا: الجلاء غير المشروط.

ثانيا: عدم استعداد مصر لمناقشة أية منظمة للدفاع المشترك.

ثالثا: الاحتفاظ بالمعدات العسكرية والجوية الموجودة في قاعدة القناة.

رابعا: إصرار مصر على حقوقها والمستمدة من حق الشعوب الطبيعي في الحرية والاستقلال والمستندة إلى ميثاق الأمم المتحدة.

إلا أنه رغم تخوف الطرفين من الوجود الأمريكي في دائرة التفاوض فقد تقرر أن يبقى السفير الأمريكي جيفرسون كافري في مصر حتى يتم تسوية المسائل المعلقة بين الطرفين رغبة في استقرار الحالة في مصر والشرق الأوسط بصفة عامة وصرح بأن جلاء القوات البريطانية عن منطقة السويس نزولا عن إرادة المطالب الوطنية والتي لم يعد في مقدور أي دولة مهما كانت قوية تجاهلها لأن صرخة الشعب مهما كان مغلوبا على أمرة تبقى مدوية بقوة فلابد من الإصغاء إليها والعمل بما ندى به خصوصا في المرحلة الدولية الحاضرة التي تمر بظروف دقيقة للغاية.

وفي نفس الفترة نرى أن الرئيس الأمريكي يتخطى هذه المواقف ويرسل مباشرة إلى محمد نجيب في 24 مارس 1953 مذكرة مطولة جاء فيها:

أكتب إليكم يحدوني الأمل الأكبر بأن المباحثات بين حكومتكم وبين المملكة المتحدة حول مسائل ذات أهمية كبرى يمكن أن تبدأ في وقت مبكر إن شعب الولايات المتحدة قد أدرك بوضوح أكبر مما في أي وقت مضى أهمية الوفاق والقوة في الشرق الأدنى بالنسبة له وأن حكومة الولايات المتحدة لتقف على أهمية الاستعداد لمساعداتكم وحكومة الولايات المتحدة لم تراودها في أي وقت من الأوقات فكرة الاشتراك المباشر في هذه المباحثات إلا تلبية لرغبتكم وأؤكد لكم أن هذه الحكومة والشعب الأمريكي يفهمون ويقدرون الأماني الطبيعية لشعب مصر في التمتع بالسيادة التامة على أراضيه وكذلك أحطت علما بحالة الرأي العام في بريطانيا حيث تجابه الحكومة مشكلة عسيرة وأعتقد اعتقادا جازما أن الحكومة البريطانية تنوي نية صادقة في الاستجابة لمطالب مصر الأساسية.

وبعد هذه العبارات المشجعة يعود فيلمز إن الشعب البريطاني يريد أن يطمئن إلى أنه لم ينجم فراغ عسكري وأن تسهيلات القاعدة الباهظة التقنيات يمكن أن يستخدمها العالم الحر على الفور في أي أوقات الأزمات وأن مصر نفسها سوف تقف عسكريا مع العالم الحر ضد أي عدوان شيوعي محتمل وبوسعي أن أتفهم هذا الموقف كما أني على يقين أن بوسعي تفهمه لأن غرضه يتضح إذا كان لنا أن نقاوم الهجوم أو نواجهه.

فهو هنا يدخل مدخلا منزلقا إلى مسألة الدفاع المشترك بأسلوب تمهيدي ينتهي إلى قوله ورغبة أمريكا في هذا الموقف هي أن يختفي سوء التفاهم الطويل الأمر بين صديقين وأن يحل محله ترتيبات تقوم مصر ف ظلها كشريك متكافئ بدورها الرئيسي مع أعضاء العالم الحر ضد أي عدوان شيوعي محتمل وبوسعي أتفهم هذا الموقف كما أني على يقين أن بوسعي تفهمه لأن غرضه يتضح إذا كان لنا أن نقاوم الهجوم أو نواجهه.

فهو هنا يدخل مدخلا منزلقا إلى مسألة الدفاع المشترك بأسلوب تمهيدي ينتهي إلى قوله ورغبة أمريكا في هذا الموقف هي أن يختفي سوء التفاهم الطويل الأمر بين صديقين وأن تحل محله ترتيبات تقوم مصر في ظلها كشريك متكافئ بدورها الرئيسي مع أعضاء العالم الحر الآخرين في بناء دفاع فعال بمنطقتكم ولم يخطط أي لأي تنظيم دفاعي لكي يطلب من مصر أن تبدي موافقتها عليه مقدما وأن أملي لكبير في أنكم بعد أن يتم الاتفاق المبدئي بين مصر والمملكة حول الجلاء وصيانة قاعدة القناة في المستقبل سوف ترغبون على الفور في مناقشة الدفاع عن الشرق الأوسط إنه من مصلحتنا جميعا أن نرى تخطيطا للدفاع المشترك بين دول المنطقة.

فلم ينس الرئيس مآرب بلاده في تشكيل منظمة دفاع عن الشرق الأوسط في غمرة دوره في التوفيق وتحديد إطار التفاوض بين الطرفين بل وحدد لها موعدا هو بعد الاتفاق على المبادئ الرئيسية وهو ما أسماه الاتفاق المبدئي وليس بعد إتمام عملية الجلاء كانت مصر تطلب.

من أجل هذا بادر محمد نجيب وأرسل رده عليه في 10 أبريل 1953 مشيرا إلى ضرورة الجلاء بصفة أساسية عن الأرض المصرية ثم بعد ذلك يأتي دور التفكير في أمر الدفاع المشترك فقال إن أمن واستقرار وقوة منطقة الشرق الأوسط من أهدافه الأساسية وأشار إلى أن الحكومة الأمريكية لعبت دورا حسنا في سبيل الوصول إلى اتفاق بشأن السودان.

ثم قال إنه طالما بقيت قوات بريطانية مسلحة في الأراضي المصرية فإن الفراغ العسكري في الشرق الأوسط سيستمر وبجلاء القوات البريطانية وضمان صيانة القاعدة تكون صداقة وتعاون الشعب أكبر مقاومة ضد العدوان من وجود القوات البريطانية.

ولقد كان لهذين الخطأين آثارهما ف أروقة السياسة في الشرق الغرب ففي الغرب بدأت الولايات المتحدة تهتم أكثر بدفع عملية التفاوض بين مصر وبريطانيا وسافر أنتوني إيدن وزير خارجية بريطانيا للقاء دالاس في واشنطن للتنسيق في العمل والمواقف وتحديد إطار المفاوضات على الأسس التي تقدمت بها مصر وأن دور أمريكا سيكون في المشاركة خارج أروقة التفاوض وتشترك إذا ما طلب منها ذلك على أن يكون الطلب بداية من مصر.

كما كان دالاس يجمع كل المعلومات حولت الموضوع بل وأبدى استعداده للمشاركة وقد تحفز لذلك وظهر هذا بلا شك في زيارته للمنطقة في 11 مايو عندما توقفت الرحلة الأولى من المفاوضات على نحو ما سنرى مما يشير إلى حرض الولايات المتحدة على إنهاء المفاوضات والوصول إلى النتائج ولعل موقف الاتحاد السوفيتي من المنطقة المنخس في ظهرها للإسراع في هذا الشأن.

أما النشاط الأمريكي في القاهرة فكان على أشده فالسفير الأمريكي كان على اتصال دائم بالمسئولين في وزارة الخارجية مصر ليدرس طريقة لدفع عملية المفاوضات بمحاولته إقناع المصريين بوجهات النظر الأمريكية كما فتحت أبوابها في واشنطن لامتصاص غضب المصريين فإنه في داخل الولايات المتحدة نرى السفير المصري ولم يكن قد قدم أوراق اعتماده في بعد- يجمع في منزله أقطاب وزارة الخارجية الأمريكية ممن اختصوا بمسائل الشرق الأوسط في اجتماع ظل لمدة أربع ساعات من أجل بسط فكر مصر وموقفها قبل أن يجتمع السفير بوزير الخارجية الأمريكي واستطاع أن يثير الأمريكيين ضد سيطرة بريطانيا على أفكارهم تجاه مصر ونجح في ذلك في لندن وأخرى في واشنطن دون أن تتاح لمصر كطرف آخر أية فرصة لعرض وجهة نظرها وأن مستر إيدن كسب الجولة الأولى تماما ونجح في حمل أمريكا على تبني وجهة النظر البريطانية إلى أبعد الحدود.

وفتح الأمريكيون صدورهم للسفير المصري ليشرح ضرورة أن تكون لأمريكا في الشرق الأوسط سياسة متحررة من سيطرة الإنجليز الذين يعانون من مركب النقص بسبب ضياع الجزء الأكبر من الإمبراطورية ونزوحهم مرغمين عن المرتبة الأولى بين دول العالم الأمر الذي يجعلهم يتشبثون بما لا يجوز التشبث به.

وأوضح السفير المصري أم مصر ليست شيوعية وأنها لا تريد أن تصبح شيوعية وأضاف أن مشروع الدفاع المشترك رفض من جميع الأحزاب ولا يمكن أن يكون النظام الحاضر أقل وطنية عن النظام الماضي كما أن الشعب يرى في هذا المشروع استمرار للاحتلال البريطاني في المكروه تحت ستار جديد، وأن مصر بدأت حربا مع خرافة الفراغ العسكري متأكدين أن هنا الفراغ العسكري متأكدين أن هذا الفراغ موجود وسيظل موجودا ما دام الإنجليز موجودين في قاعدة السويس.

هكذا فتحت الولايات المتحدة صدرها للإعلام المصري وإن كان محدودا وفي شخص السفير حتى توائم بينه وبين ما أعطته لبريطانيا من خلال زيارة وزير الخارجية البريطاني إليها ومباحثاته مع دالاس ثم زيارة دالاس للندن في تلك الفترة من أجل هذا الغرض.

على أية حال كانت الولايات المتحدة وقد وضعت مصالحها في المنطقة في المرتبة الأولى وقد جعلت من نفسها قلب ميزان ولو في الظاهر بين الطرفين المتصارعين بهدف دفع عملية المفاوضات وتحديد موعد لها في أقرب وقت على أساس ما أسمته روح الصداقة والود ونجمل إطار عملها في تلك المرحلة في:

أولا: امتصاص غضب الطرفين المتنازعين والعبور بهما فوق مرحلة الشك في نواياها هي: وذلك بالاجتماع بهما سواء في لندن أو في واشنطن أو في القاهرة.

ثانيا: دفع عملية الإعداد للمفاوضات بكل الوسائل الممكنة وذلك بتذليل الصعوبات التي تفرضها وإظهار حسن النوايا بينهما.

ثالثا: عرض خدماتها وإعلان نيتها في الاشتراك في المفاوضات إذا ما رأت مصر ذلك وأنها لم تحظ بالاشتراك المباشر في مائدة التفاوض فإنها ستظل شريكا من الخارج يراقب الأحداث ويصلح ذات البين إذا ما دعا الأمر ذلك.

رابعا: وعد مصر بتقديم المعونات اللازمة بعد أن تصل المفاوضات إلى مرحلة واضحة وإيجابية أي أنها علقت المعونات على جهد مصر في هذا الشأن.

خامسا: قبلت تأجيل التفكير في مسألة الدفاع المشترك عن الشرق الأوسط إلى ما بعد الدخول في الموافقة المبدئية على الجلاء وأن كانت مصر قد أبدت عدم رغبتها في تنفيذ هذا.

وهكذا تبلور موقفها ووضح كشريك فعال في عملية التفاوض بقي أن نشير في عجالة إلى موقف العرب في بداية المفاوضات وهو بلورة لموقفها السابق على طول مرحلة الإعداد لها.

تأييد الجامعة العربية

كانت الدول العربية كلها مؤيدة للموقف العربي المشروع على طول الفترة وعندما بدأ الفكر بتجسد في شكل عمل إيجابي اجتمع مجلس جامعة الدول العربي في أوائل شهر مايو 1953 وبلور أفكاره وحدد موقفه في شكل مذكرة من وزارة الخارجية للحكومات العربية جاء فيها:

1- تأييد مطالب مصر بشأن جلاء القوات البريطانية غير المشروط عن منطقة قناة السويس لأن عدم الإسراع في حل هذه المشكلة يحول دون الاستقرار أو الطمأنينة في الشرق العربي ولا يسمح بالتعاون الدولي على أساس الثقة والمودة المتبادلة فضلا عن أنه يسيء إلى البلاد العربية إساءة بالغة.

2- إن دول الجامعة العربية على استعداد للمساهمة بنصيبها كاملا في إقامة دعائم السلم على أساس قوى وفقا لما ارتبط به ميثاق الجامعة العربية وميثاق هيئة الأمم.

ودول الجامعة العربية قدر واجبها في الدفاع عن بلادها ضد أي خطر يهددها وستعمل في نطاق المنظمات التي أنشأتها على استكمال أسباب هذا الدفاع بكل الوسائل وهي إذ تؤكد حقها في الدفاع عن أمنها وسلامها وانتهاج الخطة التي تقتضيها المصلحة الوطنية ترى أن ما يحيط بالدول العربية سببه بقاء طائفة من القضايا العربية من غير حل يقوم على أساس الحق والعدل.

ومن أجل هذا ترى اللجنة أنه يجب أن تحل أولا وقبل كل شيء القضايا العربية حلا عادلا وفي مقدمتها قضيتها مصر وفلسطين.

3- ترى اللجنة السياسية أن معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي التي عقدتها الدول العربية تهيئ أسباب الدفاع عن الدول العربية وتكفل التعاون الاقتصادي والعسكري بينها.

في هذا الجو المعبأ والعيون السياسية المترقبة بدأ الدور الأول من المفاوضات.


انظر أيضاً


المصادر

  1. ^ جلاء آخر جندى بريطانى عن مصر بعد ٧٣ سنة احتلالاً، المصري اليوم
  2. ^ مجلة المصور، عد يونيو 1956
  3. ^ نص اتفاقية الجلاء، موسوعة المقاتل
  4. ^ رؤوف عباس حامد (1995). العلاقات المصرية البريطانية 1951-1954 . القاهرة، مصر: الجمعية المصرية للدراسات التاريخية. Cite has empty unknown parameter: |coauthors= (help)