المقريزي

(تم التحويل من تقي الدين المقريزي)
المقريزي
غلاف كتاب السلوك في معرفة أخبار الملوك.
وُلِدأبو العباس تقي الدين أحمد بن علي ابن عبد القادر بن محمد العبيدي المقريزي
1364
القاهرة، مصر
توفي1442
الوظيفةمؤرخ وكاتب
أبرز الأعمالالمواعظ والإعتبار بذكر الخطط والآثار (جزءان، بولاق، 1854)
خطط المقريزي، الجزء الأول.لقراءة الكتاب، اضغط على الصورة.

أبو العباس تقي الدين أحمد بن علي ابن عبد القادر بن محمد العبيدي المقريزي (و. 1364 - ت. 1442)[1]، هو مؤرخ مصري اشتهر بالمقريزي. بالرغم من أنه كان مؤرخ الفترة المملوكية وأنه كان سني، إلا أن اللافت في النظر في هذا السياق حرصه البالغ على الاهتمام بالأسرة الفاطمية الإسماعيلية ودورها في التاريخ المصري.[2]

وقد تخصص في دراسة الفقه والحديث وعلوم الدين، كما برع في الأدب وأجاد النثر والشعر، وعين أكثر من مرة في وظائف الوعظ وقراءة الحديث والخطابة بجامع عمرو بن العاص والسلطان حسن ومدرسة المؤيد شيخ كما تقلد الإمامة بجامع الحاكم، وتولى وظيفة المحتسب بمدينة القاهرة، وتقلد وظائف إدارية أخرى في القاهرة ودمشق.

وعندما بلغ الخمسين من عمره، تفرغ للكتابة وزهد في الوظائف العامة. وتكمن أهمية المقريزي التاريخية في ارتياده أنواعٍ جديدة لم نألفها من أسلافه في البحث التاريخي.

فقد وجه اهتمامه شطر التاريخ الاجتماعي للشعب المصري وعادات الناس اليومية وتقاليدهم. كما قدم القاهرة القديمة وخططها وأحيائها وتطورها الجغرافي وما حوت من مساجد وبيوت وأسواق ومدارس. قدم لكل ذلك صوراً حيه نابضة ممتعة حتى وكأن عباراته قد استحالت شريطاً سينمائياً متتابع المشاهد، كما تناول بعض الظواهر الاقتصادية والاجتماعية الخاص مستخدمها منهجاً شمولياً في معالجتها. ولذا غدت مؤلفاته قبلة للباحثين في آثار مصر الإسلامية وتاريخها وحضارتها. [3]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

حياته

النزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم.لقراءة الكتاب، اضغط على الصورة.

الأرجح أنَّهُ ولد بالقاهرة عام 1364 وفيها توفي عام 1442. أصله من بعلبك بالشام، ذلك أنَّ أباه كان من كبار المحدِّثين في بعلبك وهاجر إلى القاهرة وولي بعض الوظائف القضائية وكتب التوقيع بديوان الإنشاء. والمقريزي لقبه نسبة إلى حارة المقارزة (من حارات بعلبك في أيامه).[4]

تلقى المقريزي تعليمه في الأزهر الشريف واهتمَّ بالفقه والحديث وعلوم الدِّين خاصَّةً، ويُسَجَّلُ له براعته في الأدب وإجادة النَّثر. وعمل في الوعظ وقراءة الحديث، ووُلِّي العديد من المناصب والمسؤوليَّات منها ولاية الحسبة والخطابة والإمامة. وعندما جاء مع الناصر ابن الملك الظاهر برقوق إلى دمشق 1407 عُرض عليه قضاؤها ولكنه أبى ذلك وعاد مع الناصر إلى مصر. وقد نال حظوة ومكانة مهمة عند الملك الظاهر برقوق ثم عند ابنه الملك الناصر، وكانت له صلة وثيقة بالأمير يشبك الدودار، ونال نصيباً وافراً من الجاه والمال. ولكنَّهُ في أواخر سني عمره زهد في المناصب والمسؤوليَّات، وانقطع للكتابة ليترك العديد من المؤلفات المهمَّة، يقول السخاوي إنَّهُ قرأ بخط المقريزي أنَّ تصانيفه زادت على مئتي مجلد كبير. ولكن ما طبع منها حتى اليوم نحو أربعين كتاباً فقط، ومعظمها طبع أكثر من مرَّة، حَتَّى إنَّ بعضها طبع عشر طبعات.

احتل المقريزي مركزاً عالياً بين المؤرخين المصريين في النصف الأول من القرن التاسع الهجري، حيث أن معظم المؤرخين الكبار كانوا تلاميذ المقريزي، مثل أبي المحاسن يوسف بن تغري بردي مؤلف الكتاب التاريخي المشهور النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، والسخاوي.

واستحق كتاب المقريزي السلوك لمعرفة دول الملوك المكانة الأولى بين كتب التاريخ في عصره، ومن مؤلفاته أيضاً كتاب عقد جواهر الأسفاط من أخبار مدينة الفسطاط، الذي حاول فيه المقريزي أن يكتب عن تاريخ مصر خلال الفترة التي امتدت منذ الفتح العربي إلى مرحلة ما قبل تأسيس الدولة الفاطمية، وكتاب (اتعاظ الحنفا بأخبار الخلفا) حول تاريخ مصر في زمن الدولة الفاطمية، وكتاب (إغاثة الأمة بكشف الغمة) الذي يتحدث فيه عن تاريخ المجاعات في مصر وأسبابها.

لقد عاش المقريزي جانباً من حياته معاصراً لدولة المماليك البحرية كما عاش شطرها الآخر في عهد المماليك البرجية ، وهما دولتان تكادان تكونان أغرب دولتين تحكمتا في تاريخ مصر ردحاً من الزمن غير قصير ولم يكن المماليك سوى أرقاء يُشترون ويُباعون بين السلع ولما ضعفت سلطة الخلفاء العباسيين ، وانصرفوا عن الاهتمام بشأن الشعب ، لجأوا إلى الإكثار في ابتياع المماليك ، وسلموهم زمام السيف، ليكونوا حماتهم، وعدتهم، وكذلك فعل سادة مصر من الطولونيين الأخشيديين ، و الفاطميين . " ثم لم يلبث ضعف الخلفاء والسلاطين المتمادي، وابتعادهم المستمر عن الشعب، أن أفسح المجال رحباً أمام تطلع المماليك أنفسهم إلى السلطة " واستطاع هؤلاء التربع على كرسي الحكم، والتحكم بأسيادهم السابقين ، وأهل البلاد المستضعفين، واغتصبوا الحكم وأسسوا دولة المماليك.


وفاته

المقفى الكبير.لقراءة الكتاب، اضغط على الصورة.

توفي في مصر عصر يوم الخميس 16 رمضان سنة 845هـ بالقاهرة ودُفن يوم الجمعة قبل الصلاة بحوش الصوصية البيبرسية.

مؤلفاته

توزَّعت مؤلَّفات المقريزي على ثلاثة أقسام رئيسة، هي التأريخ، والعقيدة وعلوم الدين، والفلسفة الاجتماعية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن بعض الأعمال للمقريزي ، قد تمت ترجمتها ونقلها إلى لغات غير العربية، فقد قام المستشرق (كواتر مير Qwatere Mere) بترجمة قسم كبير من كتاب السلوك للمقريزي وبخاصة ما يتعلق بمرحلة حكم المماليك لمصر ، تحت عنوان :“Histoire des Sultan Mamlouks etc, Paris 1832 –45” ثم تابع (بلوشيت Blochet) الترجمة وأكمل ما جاء به كواتر مير في عام 1908 ، حيث كتب عن تاريخ مصر وفقاً للمقريزي وأصدر كتاباً بعنوان : “Histoire d'Egypte de Makrizi, trans. E. Blochet -Leroux, 1908” .

التأريخ

السلوك لمعرفة دول الملوك، الجزء الثالث.لقراءة الكتاب، اضغط على الصورة.

التأريخ هو أول وأكثر المجالات حظوة لدي المقريزي بمختلف أطياف معناه أي ما بين التأريخ والتراجم والتحليل التاريخي، ومن أبرز ما كتبه في ذلك إتحاف الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا، وإغاثة الأمة بكشف الغمة، وإمتاع الأسماع بما للرسول من الأنباء والأموال والحفدة والمتاع، والأمير الزاهد إبراهيم بن أدهم، والبيان والإعراب عما بأرض مصر من الأعراب، وتاريخ الأقباط المعروف بالقول الإبريزي للعلامة المقريزي، وتاريخ اليهود وآثارهم في مصر، وتجريد التوحيد، وترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية في التاريخ الكبير المقفى في تراجم أهل مصر والواردين إليها، ودرر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة، والذهب المسبوك في ذكر من حج من الخلفاء والملوك، ورسائل المقريزي، والسلوك لمعرفة دول الملوك، والمقفى الكبير؛ تراجم مشرقية ومغربية من الفترة العبيدية، والمواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، والنزاع والتخاصم بَيْنَ بني أمية وبني هاشم، والنقود الإسلامية؛ شذور العقود في ذكر النقود.

العقدية وعلوم الدين

الذهب المسبوك في ذكر من حج من الخلفاء والملوك.لقراءة الكتاب، اضغط على الصورة.

كان للعقيدة وعلوم الدين جزءٌ من اهتمامه وتأليفه؛ فكتب مثلاً: تجريد التوحيد، وفضل آل البيت، وهداية المريد لتحصيل معاني كتاب تجريد التوحيد المفيد... وغيرها.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفلسفة الاجتماعية

الضوء الساري في معرفة خبر تميم الداري.لقراءة الكتاب، اضغط على الصورة.

أمَّا الميدان الأكثر أهميَّةً الذي خاض المقريزي غماره فهو ما يندرج تحت إطار الفلسفة الاجتماعيَّة التي يسجَّل لابن خلدون فضل تأسيسها علماً. ولا عجب أن يبرع المقريزي في ذلك وتكون له فيه الجهود المهمَّة، فهو تلميذ ابن خلدون الذي ورثه بجدارة وتابع جهوده باقتدار، وقد بدا ذلك واضحاً في مجموعة من الكتب مثل إغاثة الأمة بكشف الغمة، والبيان والإعراب عما بأرض مصر من الأعراب، والنقود الإسلامية أو رسالة في النقود. ولكنَّ الأثر الصَّريح بدا خاصَّةً في كتابه المشتهر "بالخطط المقريزية"، واسمه الأصل المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار الذي طبع أكثر من عشر طبعات مختلفة. ففي هذا الكتاب يبدو تأثره بمنهج ابن خلدون في معالجة الظواهر الاجتماعية، وأسلوبه في التحليل والتعميم وكشف القوانين. ولذلك يوجد شبه إجماع بَيْنَ الدارسين على أنَّ هذا الكتاب هو أكثر كتبه أهميَّةً، ويرون أنَّ التَّالي في الأهميَّة «إغاثة الأمَّة بكشف الغمَّة». ولكن لا يمكن تجاهل أنَّ كتابه تاريخ النقود واحد من أكثر الأبحاث في النُّقود سبقاً وأهميَّة في تاريخ الفكر البشري.

خطط المقريزي

يكاد يكون كتاب المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار المعروف بالخطط المقريزية أَو خطط المقريزي كتاباً جامعاً لأحوال مصر بتاريخها وآثارها ومجتمعاتها وجغرافيتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسيَّة حَتَّى شوارعها وأسواقها وآثارها وجوامعها وقصورها ودروبها ومدارسها. بل إنَّ بعض الدارسين يعلق بإعجابٍ على الكتاب قائلاً: يمكن القول إنَّهُ لم يترك شارعاً ولا حيًّا ولا صرحاً أثريًّا في مصر إلا وتناوله بالحديث والتبيان والشَّرح...

وميزته في هذا الكتاب أنَّهُ لم يكن وصفيًّا انطباعيًّا لكلِّ ذلك، بل غلب عليه الطابع البحثي التحليلي بالأسلوب الخلدوني في التعامل مع الظواهر حَتَّى يمكن القول إنَّ هذا الكتاب الكبير هو كتاب في الفلسفة الاجتماعيَّة للحياة المصريَّة، فقد وجَّه اهتمامه إلى البحث في التاريخ الاجتماعي للمصريين وتقاليدهم وأعرافهم وعاداتهم اليومية وفلسفاتهم الحياتيَّة. ولم يكتف بذلك بل ربطه بتاريخ القاهرة وأحيائها وشوارعها وتطورها الجغرافي وما فيها من بيوت وأسواق ومدارس ومساجد. وقد سخَّر شاعريَّته وبراعته في الأدب والنثر لتقديم ذلك في قوالب فنيَّة يكاد يشعر القارئ معها أنَّهُ أمام صورة نابضة بالحياة.

قائمة مؤلفاته

حل لغز الماء.لقراءة الكتاب، اضغط على الصورة.
مخطوطة أخبار الحبشة.للقراءة، اضغط على الصورة.

وصلت عدد مؤلفات المقريزي إلى 34 مؤلف، وهي[5]:


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

نقد

يتميز الفكر الاقتصادي عند المقريزي بالروح العلمية، ويعتمد على الأسس المادية في مناقشته وطرحه للقضايا، فهو يأخذ بمبدأ السببية، ويتنكر لمبدأ القدرية.

يتهمه السخاوي بعدم الإتقان فيما يرويه من الحوادث عن المتقدمين ولكن المؤرخين لم يعولوا على ما ذكره السخاوي فيه لأن آثار المقريزي شاهدة له بالعلم والفضل – وابن حجر وهو شيخ السخاوي يقول فيه "في المقريزي" له النظم الفائق والنثر الرائق)،ثم يقول عنه أحد المؤرخين : (إن المقريزي كان متبحراً في التاريخ على اختلاف أنواعه، ومؤلفاته تشهد له بذلك وإن جحده السخاوي بذلك، فذلك رأيه في غالب أعيان معاصريه.

قبره

قبرالمقريزي

في عام 1999 كثرت الأقاويل حول نية المحافظة، إزالة مساحات واسعة من ترب باب النصر، المواجهة لسور القاهرة الشمالي، لتوسيع الطريق الرابط بين الدراسة وباب الشعرية، عبر شارع البنهاوي وامتداده بشارع جلال، وربطهما بشارع المنصورية، لتسهيل حركة المرور، وبدأت الجرافات تتحرك داخل الشارع وتقوم بتوسعته على استحياء.

وبعد عدة أشهر، خرجت بعض الأصوات التي لم يلتفت لها أحد، كتبت مقالة هنا، وتقرير هناك، للتحذير من كارثة، ستترك أثرا في جبين القاهرة لا يمحى، وهو أن توسعة الشارع بالطريقة المعلن عنها، تعني حتما إزالة “حوش الصوفية”، والذي يحوي جثامين عددا كبيرا من المتصوفة والزهاد، إلى جوار 14 عالما من أعلام الصوفية‏ والفقه والحديث والتفسير والتاريخ والاجتماع، تركوا بصماتهم على مر التاريخ المصري، أشهرهم على الإطلاق تقي الدين المقريزي وعبدالرحمن بن خلدون رائد علم الاجتماع!

دراسة تاريخية

وفي شهر أبريل من عام 2001، خرجت الكاتبة الصحفية ثناء صليحة بمقال أشبه بجرس إنذار، تحذر فيه من الإقدام على هذه الجريمة التي لن يغفرها لنا التاريخ، ففي الوقت الذي تحتفي فيه دول العالم برجالها الذين أسسوا حضارتها، وتحول مقار إقامتهم وأماكن دفنهم إلى مزارات سياحية يتفاخرون بها أمام الأجيال الشابة، نتهاون نحن ونهين أسلافنا وعلمائنا أمثال المقريزي وابن خلدون بهذه الطريقة.

الكاتبة انتقدت إهمال تسجيل العديد من الآثار الهامة، بل وإخراج عدد لا حصر له من المباني ذات القيمة الأثرية والمعمارية من سجلات الآثار ومن ثم هدمها لتقام بدلا منها مساكن أو طرق أو أي مبان أخرى أيا كانت.

صليحة أكدت أن دراسة أثرية أجريت قبل عشر سنوات حينها، على حوش الصوفية في جبانة باب النصر، كشفت أن الحوش الذي تزيد مساحته على فدانين ويقع خارج باب النصر، كان مقبرة لصوفية خانقاة سعيد السعداء والخانقاة البيبرسية، كما كان مقبرة لعلماء مصر المشاهير أمثال ابن خلدون والمقريزي وقاضي القضاة برهان الدين إبراهيم بن محمد بن بهادر الغازي المعروف بابن زقاعة وقبر شرف الدين الدمياطي‏,، بالإضافة إلي الطرابلسي وعبدالرحمن بن عوف وابن هشام وابن الملقن وغيرهم.. ولكن -ولأسباب مجهولة- ظلت الحوش خارج سجلات الآثار وبالتالي، لم يواجه مسؤولو الحي أي مسائلة قانونية عندما قرروا إزالته.

نداءات صليحة وآخرين، من بينهم ممثلين عن منظمات أجنبية، لفتت أنظار المسؤولين أخيرا، ولكن، وبدلا من أن يوقفوا عملية التوسعة لدراسة الأمر، سارع أحد مسؤولي قطاع الآثار الإسلامية حينها، لينفي وجود حوش الصوفية في هذا الموضع، زاعما أنه يقع في منطقة مقابر الخلفاء، وهو ما يعني أن المسؤول الأثري لم يقرأ الخطط التوفيقية لعلي باشا مبارك ولا تحفة الأحباب للسخاوي ولا كتاب التذكرة التيمورية لأحمد باشا تيمور –وهي مؤلفات كان لابد أن يطلع عليها بحكم عمله- والتي تؤكد جميعها أن الحوش كان موجود خارج باب النصر مباشرة!

وهو ما دفع أثريون آخرون، للأسف كانوا خارج المناصب الرسمية، بالإضافة إلى أثريين شبان وعلماء، حتى أهالي المنطقة، للخروج والتأكيد على أن حوش الصوفية المدفون فيه المقريزي وابن خلدون يقع بتربة باب النصر، بل إن “الحفارين” الذين يعملون بالمقابر أكدوا أنهم تاورثوا عن أسلافهم في هذه المهنة، أن مشاهير العلماء مدفونين بحوش الصوفية.

بل إن الدكتور صالح لمعي عضو المجلس الدولي للآثار خرج حينها، ليؤكد أن الحوش لا يضم علماء فقط، بل يضم أيضا شخصيات تاريخية مثل السلطان برقوق، الذي أصر أن يدفن مع الزهاد في حوش الصوفية لعل الله يرحمه بفضل هؤلاء العارفين.

تنفيذ قرار الهدم

هدم قبرالمقريزي

وجاء تأكيد المسؤولين بنتيجة صادمة، أنه سواء كانت المنطقة المذكورة بها حوش الصوفية أو لا، فإن الأمر قد قضي في كل الأحوال، لأن عملية الإزالة تمت بالفعل ضمن عمليات التوسعة الأولى للشارع!

ليكتشف الجميع أن نداءاتهم كانت بلا طائل، وأنها جاءت متأخرة، واكتشفوا أنه بدلا من أن تقوم المحافظة بنقل الرفات -أيا من كان أصحابها- إلى مكان آخر مراعاة لحرمة الموتى، قررت الإسراع وتدميرها بالكامل ومساواتها بالأرض!

وأن البلدوزرات خرجت قبل أيام وشقت قبر صاحب كتاب “المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار” الذي سجل فيه كل آثار القاهرة وحفظ لنا تاريخها، وعاثت الآلات فسادا في رفاته ليتناثر هو وغيره من العلماء والصالحين بين الحطام والخراب، ويختفي كأن لم يكن..

ولم يتمالك الكاتب والشاعر الكبير فاروق جويدة نفسه بعدما علم بالخبر، وخرج يبكي رفات الأجداد على صفحات مقال له بالأهرام، مذهولا من أن يتم تسجيل مقبرة “أبو حصيرة” كأثر تاريخي على مساحة ثلاثة أفدنة بدمنهور، في الوقت الذي ننهش فيه رفات هؤلاء العلماء ونلقي بهم تحت عجلات آلات الحفر والهدم!

ونشر مع المقال صورة للأنقاض أمام بوابة النصر، وكتب أسفلها “تحت هذا الردم يرقد رفات إبن خلدون والمقريزى بعد إزالة مقبرة كل منهما”!

وتساءل جويدة: “أين قدسية الموتى؟ وأين حرمة العلماء وأولياء الله الصالحين؟! والغريب أن الجهة المقابلة للحوش خالية تماما وكان من الممكن توسيع الشارع منها دون المساس برفات الموتى”، ولكن لا حياة لمن تنادي.[9]

انظر أيضاً

المصادر

  1. ^ Franz Rosenthal, al-Maḳrīzī. Encyclopaedia of Islam, Second Edition. Brill Online, 2013. Reference. 09 January 2013.
  2. ^ Paul E. Walker, Exploring an Islamic Empire: Fatimid History and its Sources (London, I.B. Tauris, 2002), p. 164. The material for updating this article is taken from Walker's account of al-Maqrizi.
  3. ^ مصر الخالدة
  4. ^ عزت السيد أحمد. "المقريزي (أحمد بن علي ـ)". الموسوعة العربية. Retrieved 2013-05-23.
  5. ^ د. كرم حلمي فرحات، إغاثة الأمه بكشف الغمة لتقي الدين أحمد بن علي المقريزي، دراسة وتحقيق، الطبعة الأولى، عين الدراسات والبحوث الإنسانية والإجتماعية 2007
  6. ^ التاريخ العربي والمؤرخون، شاكر مصطفى 150/3
  7. ^ المنهل الصافي لأبن تغري بردي 398/1
  8. ^ التبر المسبوك للسخاوي ص 23
  9. ^ "ليلة بكت فيها القاهرة التاريخية.. عندما هدم البلدوزر قبر المقريزي ودهس رفاته".

المراجع

  • الدكتور مصطفى العبد الله الكفري جامعة دمشق – كلية الاقتصاد
  • محمد قجة - رئيس جمعية العاديات في سورية
  • تحقيق د. جمال الدين الشيال - جامعة الاسكندرية لكتاب "اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الخلفا"
  • حسين عاصي، المقريزي «مؤرخ الدول الإسلامية في مصر» (دار الكتب العلمية، بيروت 1992).
  • محمد كمال الدين عز الدين علي، المقريزي وكتابه درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة (عالم الكتب، بيروت 1992).
  • محمد مصطفى زيادة وآخرون، دراسات عن المقريزي «مجموعة أبحاث» (الهيئة المصرية العامَّة للكتاب، القاهرة 1971).

وصلات خارجية