تاريخ الصين

الأراضي التي شغلتها مختلف الأسر والدول المعاصرة عبر تاريخ الصين.
تاريخ الصين
تاريخ الصين
القديم
السادة الثلاثة والأباطرة الخمسة
أسرة شيا 2070–1600 ق.م.
أسرة شانگ 1600–1046 ق.م.
أسرة ژو 1122–256 ق.م.
  ژو الغربية
  ژو الشرقية
    فترة الربيع والخريف
    فترة الممالك المتحاربة
الامبراطوري
أسرة تشين 221 ق.م.–206 ق.م.
أسرة هان 206 ق.م.–220 م
  هان الغربية
  أسرة شين
  هان الشرقية
الممالك الثلاث 220–280
  وِيْ, شو ووو
أسرة جين 265–420
  جين الغربية
  جين الشرقية 16 مملكة
304–439
الأسر الجنوبية والشمالية 420–589
أسرة سوي 581–619
أسرة تانگ 618–907
5 أسر و
10 ممالك

907–960
أسرة لياو
907–1125
أسرة سونگ
960–1279
  سونگ الشمالية شيا غ.
  سونگ الجنوبية أسرة جين
أسرة يوان 1271–1368
أسرة مينگ 1368–1644
أسرة تشينگ 1644–1911
المعاصر
تاريخ جمهورية الصين 1912–1949
جمهورية
الصين الشعبية
1949–للحاضر

جمهورية الصين
(على تايوان) 1949-للحاضر

يرجع أول تاريخ مكتوب للصين إلى عام 1766 ق.م.، فقد وجدت بعض المخطوطات المدونة داخل أوعية برونزية ومقتطفات منقوشة على أصداف سلاحف وعظام بعض الحيوانات. في عام 100ق.م. قام المؤرخ الصيني سيما كيان بكتابة تاريخ الصين. [1]

فهرست

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ما قبل التاريخ

العصر الحجري القديم

على هذه الأراضي الشاسعة نشأت حضارة الصين التي تعد من أقدم الحضارات في العالم، وهي وحدها، من بين أربع حضارات عريقة، تواصلت فيها الحضارة ولم تنقطع، مثلها مثل حضارة وادي النيل وحضارة بلاد ما بين النهرين وحضارة الهند القديمة. لقد اكتُشف في الصين متحجرات الإنسان البدائي في «يواگو» بمقاطعة «يونّان» (إنسان يواگو) الذي عاش قبل (1.7) مليون عام تقريباً. وظهر «إنسان بكين» الذي عاش في «زوكوديان» بالقرب من بكين قبل 600 ألف عام تقريباً، ويتصف بالمميزات الأساسية للإنسان، إذ استطاع المشي معتدل القامة، وصنع أدوات حجرية بسيطة واستعملها، كما عرف كيف يستخدم النار ويسيطر عليها، وانتشرت آثار العصر الحجري الحديث قبل عشرة آلاف سنة تقريباً في أنحاء الصين، واكتشف الأرز وحبوب الدخن التي زرعها الإنسان وبقايا أدوات زراعية في مواقع «خيمودو» في «يويتاو» بمقاطعة «ژجيانگ» Zhejiang وبانيوه في «شيآن» Xi’an التي يعود تاريخها إلى ما قبل الألف السابع قبل الميلاد.

العصر الحجري الحديث

واحتضنت الصين حضارتي يانگشاو وحضارة لونگشان.

بلغت حضارة يانگشاو أوجها حوالي عام 3000 ق.م. وامتدت هذه الحضارة من الوادي الأوسط هوانج هي إلى الإقليم المعروف حاليًا باسم گانسو، ثم حلت محلها حضارة لونگشان التي انتشرت في أرجاء البلاد كافة. عاش شعب هذه الحضارة داخل الأسوار، وزرعوا الأرز والدخن وربوا الأبقار والأغنام.


الصين القديمة

ولى السلالات (الأسر) الصينية الحاكمة، أسرة شانگ في وادي هوانگ هي خلال القرن الثامن عشر ق.م. وحكمت الصين حتى عام 1122 ق.م.

أولى الأسر الصينية الحاكمة، أسرة شانگ في وادي هوانگ هي خلال القرن الثامن عشر ق.م. وحكمت الصين حتى عام 1122 ق.م. انبثق عن حضارة لونگشان حضارة الأسرة الحاكمة شانج في القرن الثامن عشر قبل الميلاد. نشأ خلال هذه الحضارة مجتمع متطور تحكمه بالوراثة طبقة أرستقراطية. إن أهم ما قدمته هذه الحضارة، وما زال شاهدًا على عراقتها، يتمثل في الأواني البرونزية الضخمة وتماثيل الخيول والعربات، ووضعها لنظام كتابة خاص بها.

في عام 1122 ق.م.، قام سكان غربي الصين بإنهاء حضارة شانگ، وأقاموا بدلاً منها حضارتهم وهي حضارة أسرة تشو التي حكمت الصين حتى عام 256 ق.م. وفي عام 500 ق.م.، ظهر الفيلسوف كونفوشيوس الذي حول الناس من الدين إلى الفلسفة، كما كان عليه الحال في اليونان. إبان تلك الحقبة الزمنية خلال فترة حكم تشو تحارب الحكام من أجل بسط نفوذهم على الأراضي الصينية كافة.

أسرة شيا

المقالة الرئيسية: أسرة شيا

أسرة شانگ

المقالة الرئيسية: أسرة شانگ
بقايا مجتمعات طبقية متقدمة تعود إلى أسرة شانگ عُثر عليها في وادي النهر الأصفر.

وقبل نحو أربعة آلاف عام قبل الميلاد.استوعب الصينيون فن صهر البرونز، وقبل أكثر من ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد، أي في عهد أسرة شانگ نحو (1700-1046 ق.م.)، بدؤوا يستخدمون الأدوات الحديدية، وفي مجال صناعة الفخار، تم إنتاج أدوات الفخار الأبيض و الفخار الملوّن، كما تطور نسيج الحرير، فظهرت أول فنون نسيج الحرير «الجيكاري» في تاريخ العالم.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

أسرة ژو

المقالة الرئيسية: أسرة ژو

في أسرة تشو (1046ـ256ق.م) ظهر في الصين فن صناعة الفولاذ، وفي هذا العصر وعصر الممالك المتحاربة كانت النشاطات العلمية والفكرية في تطور لم يسبق له مثيل، إذ ظهر الفيلسوف «لاو تسي» Lao Tzu و«كونفوشيوس» Confucius، و«منشيوس» Mencius، والاستراتيجي «سون وو» الذين أثروا تأثيراً عميقاً واسعاً في الأجيال اللاحقة.

فترة الربيع والخريف

المقالة الرئيسية: فترة الربيع والخريف
إناء پو صيني بتصميم تنين معشق، فترة الربيع والخريف.

فترة الدول المتحاربة

المقالة الرئيسية: فترة الدول المتحاربة


عصر الإمبراطورية

الصين
أسرة تشين، عام 221 ق.م. أسست أول إمبراطورية صينية تحت سيطرة حكومة مركزية قوية.
أسرة هان استولت على الحكم في الصين عام 202ق.م. وسَّعت هذه الأسرة حدود الإمبراطورية إلى أواسط آسيا.
سور الصين العظيم بناه الصينيون القدماء لصد المغيرين القادمين من أواسط آسيا. يمتد هذا السور حوالي 6,400 كم عبر شمالي الصين.

أسرة چين

المقالة الرئيسية: أسرة چين

الإمبراطورية الأولى. دامت إمبراطورية أسرة تشين حتى عام 206 ق.م.، إلا أنها أحدثت تغيرًا أثر على العهد الإمبراطوري بكامله. قام أول إمبراطور بإلغاء الدويلات كافة، وأنشأ نظامًا مركزيًا قويًا. عمل هذا النظام على توحيد الأوزان والمقاييس ونظام الكتابة في كل أنحاء الصين. ولكي يحمي الصين من خطر الغزاة أمر ببناء سورها العظيم الذي بلغ طوله 6,400 كم من الساحل إلى مقاطعة گانسو في شمال وسط الصين. جمع أباطرة الصين الضرائب الباهظة من المواطنين لتنفيذ مشروعاتهم؛ مما جعل الناس في ظروف معيشية صعبة، ودعاهم إلى تفجير حرب أهلية.

في عام 221 ق.م. أنهى الإمبراطور الداهية «تشين شي هوانگ» النزاعات بين الأمراء وحكام الممالك المتحاربة التي دامت أكثر من 250 سنة، وأسس أول دولة إقطاعية مركزية موحدة متعددة القوميات في تاريخ الصين، كما وحدّ اللغة المكتوبة والمقاييس والمكاييل والنقد، وأقام نظام المحافظات والولايات واستخدم أكثر من 300ألف شخص لمدة بضعة عشر عاماً لبناء سور الصين العظيم، كما بدأ في بناء مقبرة ضخمة،وهو ما يزال على قيد الحياة، فيها تماثيل الجنود والخيول الصلصالية لحراسة مقبرة الامبراطور المكتشفة عام 1974، وكانت بمنزلة اكتشاف العصر،و عُدّت «الأعجوبة الثامنة في العالم» حيث اكتشف فيها 8000 تمثال لجنود وخيول وعربات حربية صلصالية بالحجم الواقعي.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

أسرة هان

المقالة الرئيسية: أسرة هان
للمزيد من المعلومات: تاريخ أسرة هان
مصباح زيت من أسرة هان with a sliding shutter, على شكل جارية ساجدة، القرن الثاني ق.م.

أسرة هان استولت على الحكم في الصين عام 202 ق.م. وسَّعت هذه الأسرة حدود الإمبراطورية إلى أواسط آسيا. في عام 8م استولى أحد المسؤولين الهان واسمه وانگ مانگ على الحكم وأنشأ أسرة شين. تمكنت أسرة هان من استعادة حكم الصين وانتعشت في عهدها العلوم والثقافة ووُضعت في عهد هذه الأسرة المعاجم وكتب التاريخ. في عام 105م، اخترع الصينيون ورق الكتابة، ودخلت البوذية إلى الصين من الهند في نهاية حكم أسرة هان.

انتشر بعد ذلك الصراع بين الأقاليم الإدارية القوية، وتجاهل حكام الأقاليم السلطة المركزية، مما تسبب في انهيار الإمبراطورية، وأدى إلى تقسيم الصين إلى ثلاث ممالك متناحرة.

في عهد أسرة «هان» (220ـ206ق.م) تطورت الزراعة والحرف اليدوية والتجارة تطوراً كبيراً، حتى وصلت علاقات المقاطعات الصينية إلى الساحل الشرقي للبحر المتوسط، وكان هذا التطور بداية لما عرف بـ«طريق الحرير» الذي انتقلت خلاله المنسوجات الحريرية الزاهية من الصين إلى الغرب دون انقطاع، ومع تكثيف الاتصالات بين الشرق و الغرب، دخلت الديانة البوذية الصين في القرن الأول الميلادي، وفي عام 105 اخترع الموظف «تساي لون» فن الطباعة بعد تلخيص تجربة صنع الورق الشعبية، فطرأت تغيرات جذرية على مواد الكتابة.

فترة جين

المقالة الرئيسية: أسرة جين (265–420)
تمثال من الحجر الجيري لبوذيساتڤا، من أسرة چي الشمالية، 570 م، صُنع فيما هو الآن مقاطعة هنان.

الأسرة الجنوبية والشمالية

المقالة الرئيسية: الأسر الجنوبية والشمالية

أسرة سوي

المقالة الرئيسية: أسرة سوي


أسرة تانگ (AD 618 - 907)

حصان من الپورسلين مزجج ثلاثي الألوان من عصر أسرة تانگ بالصين (ح. 700 م).
المقالة الرئيسية: أسرة تانگ

بعد أسرة هان، جاء عصر أسرة تانگ (618ـ907م) فشهدت الصين سلسلة من السياسات المنفتحة، مما حقق الازدهار و الرخاء في مجال الزراعة والحرف اليدوية والتجارة، وتطورت فنون الغزل و النسيج والفخار والخزف وصهر المعادن وصناعة السفن، وفي الوقت نفسه تطورت المواصلات البرية والمائية وقامت اتصالات اقتصادية وثقافية واسعة مع كثير من البلدان مثل: اليابان وكوريا والهند وبلاد فارس والبلدان العربية.

وفي عهد أسرة تانگ انتقلت صناعة الورق و الغزل والنسيج والخزف الصيني إلى البلدان العربية ثم إلى أوربا، وقلّد اليابانيون الثقافة الصينية ونظام أسرة تانگ في تحديد النظام السياسي والأسلوب المعماري، حتى أزياء النساء،لذلك تكونت الثقافة اليابانية متأثرة بثقافة أسرة تانگ، حيث كانت هذه الأسرة تتمتع بسمعة عظيمة في العالم، وبدأت البلدان الأخرى تسمي الصينيين «إنسان تانگ» وتستخدم هذه التسمية في بعض الدول حتى هذه الأيام.

ظهر انفتاح «أسرة تانگ» في الشؤون الدينية أيضاً، حيث جعلت الأديان المحلية والأديان الدخيلة متساوية، ووصلت البوذية إلى قمة ازدهارها. ووجد الإسلام الذي جاء من المنطقة العربية، والمذهب النسطوري الذي جاء من البحر المتوسط، مكاناً لهما في الصين. وفي عهد هذه الأسرة التقت تقنية الطباعة بصناعة الورق، مما ساعد كثيراً على انتشار الثقافة، وبدأ استخدام البارود في الشؤون العسكرية، ثم انتشر البارود مع صناعة إكسير الخلود والطب الصيني في البلدان العربية، ثم انتقل إلى أوربا بوساطة العرب في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

خمس أسر وعشر ممالك


أسرة سونگ، لياو، حين، و شيا الغربية

Homeward Oxherds in Wind and Rain, by Li Di, 12th century
للمزيد من المعلومات: تاريخ أسرة سونگ

بعد انتهاء أسرة تانگ شهدت الصين انقساماً، حيث ظهرت أسرات ملكية في أواسط الصين على التوالي من عام 907 إلى 960م، ثم تأسست أسرة سونگ Sung التي قامت ببعض تجارب الإصلاح في المناطق الشمالية، لكنها تعرضت إلى تهديد القوميات البدوية، فانتقلت مضطرة إلى الجنوب. ومع أن هذه الأسرة كانت ضعيفة نسبياً في الشؤون العسكرية والدبلوماسية، فقد شهد اقتصادها في القرن العاشر أعظم تقدم منذ فجر تاريخ الصين، ومع تطور الصناعة والتجارة ظهرت بجوانب المدن والطرق الرئيسة الريفية بلدات جديدة كمراكز للبضائع و الطباعة وإنتاج الخزف، فتشكل أسلوب حياة مدنية جديدة مزدهرة.

وبين عامي 1008 و1016م نشر 17 تاجراً غنياً بشكل مشترك عملة «جياوتشي»، وهي أول عملة ورقية في العالم، وكانت التجارة المحلية والخارجية نشيطة جداً، حيث وصلت السفن التجارية الصينية إلى جنوب شرقي آسيا وسواحل المحيط الهندي والجزيرة العربية، وساحل إفريقيا الشرقي. وكانت الصين في مقدمة العالم في صناعة السفن والملاحة، وكانت فترة «أسرة سونگ» قمة تطور العلوم والتقنية الصينية القديمة حيث ظهرت الطباعة بالحروف المطبعية، والإبرة المغنطيسية، وآلة النسيج بالقوة المائية، وجدار السفينة المقاوم للماء. وقد انتقلت هذه الاختراعات إلى المناطق والبلدان الآسيوية والأوربية، ومن المعروف أن هذه الاختراعات غيّرت ملامح العالم وأوضاعه.

أسوة يوان

المقالة الرئيسية: أسرة يوان
يانگ گويْ‌فـِيْ على صهوة جواد، بريشة چيان شوان (1235-1305 م).
أسرة يوان المنغولية حكمت من عام 1279م إلى 1368م. كانت الصين خلال هذه الفترة جزءًا من الإمبراطورية المنغولية. قام تاجر إيطالي من مدينة البندقية، يُدعى ماركو پولو، بزيارة الصين خلال عهد أسرة يوان، وحمل معه تقارير تفيد بأن الصين بلد متحضر.

كانت «أسرة يوان» (1271ـ1368م) Yuan ، بعد أسرة سونگ، أول سلطة موحدة أقامتها إحدى الأقليات القومية في تاريخ الصين، فبعد أن وحد «جنكيز خان» القبائل المنغولية في أوائل القرن الثالث عشر، شن الحروب الواسعة في شتى أنحاء العالم، وأسس أبناؤه وأحفاده امبراطورية امتدت على القارتيين الأوربية والآسيوية التي سرعان ما انقسمت إلى عدة دول. وفي عام 1271م، حول القائد المنغولي قبلاي خان الذي دخل أواسط الصين اسم دولته إلى «أسرة يوان» وهي المرة الأولى التي خضعت فيها الصين بكاملها لحاكم أجنبي. واتخذ مدينة دادو (بكين الحالية) عاصمة له، ومع تعاقب الأسر الإقطاعية الصينية كانت بكين عاصمة لها أيضاً.

كانت هذه فترة امتزاج القوميات الصينية، وانتقال عدد كبير من العرب والفرس إلى الصين، وشهدت فيها صناعة الغزل والنسيج و الخزف تطوراً جديداً، وأصبح القماش القطني مادة رئيسة لملابس الجنوب، وأصبحت المنسوجات الحريرية والخزفيات أهم الصادرات، كما كانت هناك علاقات تجارية متطورة بين كثير من الدول والمناطق الآسيوية والأفريقية والأوربية، كما تطور الأدب والفن الصيني.

ومنذ ذلك، أصبحت الصين محط أنظار الدول الأوروبية، بسبب ما قدَّمه الرحالة والتجار والمسافرون عنها من تقارير.

أساء المغول معاملة السكان مما أثار حفيظة الشعب، فقاموا بثورة تمكنوا خلالها من طرد المغول وتأسيس أسرة حاكمة تُدعى مينگ.


أسرة مينگ (1368-1644)

المقالة الرئيسية: أسرة مينگ
سيدات بلاط شو السابق، بريشة رسام أسرة مينگ، تانگ يين (1470-1523).

حكمت هذه الأسرة الصين خلال الفترة من 1368م إلى عام 1644م. وتميزت فترة حكمها بالاتزان والرفاهية، فازدهر الأدب والفن ثانية، وأعاد حكام هذه الأسرة النظر في كل ما هو أجنبي كرد فعل على تصرفات المغول. بدأ الأوروبيون بالتوافد على الصين خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين، وكانت معاملة الصينيين لهم فوقية واعتبروهم مهربين وقراصنة. لقد تأثرت الإرساليات الرومانية الكاثوليكية التي أخذت تتوافد على الصين حوالي عام 1600م سلبيًا بهذه النظرة الصينية للأوروبيين.

Hongwu Emperor, founder of Ming Dynasty.
العلاقات الخارجية لأسرة منگ في عقد 1580

الفترة الواقعة بين (1368ـ1644م) كانت فترة «أسرة مينگ» Ming التي قامت بطرد آخر أباطرة «أسرة يوان» إلى الصحراء، وكانت هذه الأسرة قوية في مرحلتها الأولى، وبلغت نشاطات الملاحة فيها أوجها، حيث جابت السفن الصينية شتى أرجاء العالم، تذهب بالحرير والطاسات الخزفية الزرقاء، وتعود بالمجوهرات والتوابل والعقاقير الطبية.

وفي القرن السادس عشر استوردت «أسرة مينگ» البطاطا والذرة والفول السوداني والتبغ ونشرتها في أرجاء البلاد. كما تطورت صناعة الخزف إلى مستوى جديد. وفي عهد هذه الأسرة ظهرت معامل للغزل والنسيج اليدوي، كما تحققت إنجازات جديدة في مشروعات الري والطب والعقاقير الصينية، ومن آثارها الباقية الكثير من الأبنية وبعض أجزاء من سور الصين العظيم، والقصر الامبراطوري في «بكين» و«حدائق شوتشو» الشهيرة وغيرها.



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

أسرة چينگ (1644 - 1911)

Territory of Qing China in 1892
المقالة الرئيسية: أسرة چينگ
أسرة تشينگ أسست الإمبراطورية من شعب مانشو المنشوري وحكمت الصين من عام 1644-1912م.
كارتون سياسي، رسمه هنري ماير الفرنسي في 1898، يصوّر الصين كفطيرة توشك أن يتقاسمها الملكة ڤكتوريا (بريطانياالقيصر ڤلهلم الثاني (ألمانياالقيصر نيقولاي الثاني (روسياماريان (فرنسا) وساموراي (اليابان)، بينما المندرين الصيني ينظر ولا حول له ولا قوة.
The Dowager Empress Cixi

كانت أسرة چينگ (1636ـ1911م) Ching التي أقامتها قومية «مان» أخر أسرة إقطاعية في تاريخ الصين. وفي المرحلة الأولى من عهدها شهدت الصين أكثر من مئة عام من السلم والازدهار، ومما أفاد التجارة الصينية الدولية، حيث انتشر الشاي والخزف والحرير والمنسوجات الحريرية والمشغولات الحرفية في أوربا وروسيا واليابان. وكانت الصناعة في هذه الفترة أكثر تطوراً منها في فترة أسرة «مينغ» لكن الاقتصاد الاجتماعي في هذه الفترة ظل يجمع ما بين الزراعة الصغيرة والأعمال اليدوية العائلية، ويحقق الاكتفاء الذاتي، ولم يعتمد على السوق.

في أواخر عهد هذه الأسرة طبقت سياسة الباب المغلق، ومنعت التجارة الخارجية، مما أوقف التبادل الاقتصادي والثقافي بين الصين والبلدان الأخرى، وعرقل تقدم العلوم والثقافة الصينية، فتخلفت الصين وتعرضت للعدوان. ففي عام1840م اعتدت بريطانيا على الصين وشنت «حرب الأفيون» واحتلت جزيرة هونگ كونگ، وتلتها الدول الاستعمارية الأخرى التي بدأت التدخل في شؤون الصين وأجبرتها على فتح أسواقها وأراضيها للبضائع والنفوذ الأجنبي، وعقد المعاهدات غير المتكافئة. وقد أدى هذا إلى تفجر الأوضاع الداخلية وبدأت عمليات المقاومة (ثورة الملاكمين) وتأسست التنظيمات الوطنية الثورية التي أطاحت بالنظام الامبراطوري، وانتهى عهد أسرة چينگ عام 1911، وتم اختيار الزعيم صن يات سن أول رئيس الجمهورية عام 1912 والذي شكل حزب الشعب الوطني (كومنتانگ Kumintang).

بداية حكم المنشوريين

غزا المنشوريون الصين عام 1644م، وأنشأوا فيها أسرة كنگ التي استمر حكمها للبلاد حتى عام 1912م. اعتبر الصينيون المنشوريين غرباء عنهم كالمغول، رغم أن المنشوريين تبنوا الثقافة الصينية قبل توليهم السلطة، وطبقوا مبادئ الكونفوشية. حققت الصين نوعًا من الاتزان والرخاء، وأثَّرت في ثقافة البلدان المجاورة. امتد النفوذ الصيني إلى منغوليا والتيبت وآسيا الوسطى. زاد النشاط التجاري والزراعي والصناعي اليدوي ازديادًا كبيرًا. وزاد عدد السكان فيها حتى وصل إلى 400 مليون نسمة عام 1850م.

وفي أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، بدأت الحياة في الصين تشهد تراجعًا مع تزايد عدد السكان الذي لم ترافقه أي زيادة في الإنتاج الزراعي. وقامت على إثر هذا التراجع ثورة سرية أنهكت حكام هذه الأسرة.


الصراع مع القوى الغربية

كان تأثير أوروبا لا يُذكر على الصين حتى القرن التاسع عشر الميلادي. وكانت السلطات الصينية تحظر التعامل مع الأوروبيين. ورغم أن صادراتها من الشاي والحرير كانت للغرب، إلا أنها لم تستورد من الغرب إلا الأشياء القليلة والضرورية.

قام التجار الأوروبيون بترويج الأفيون في الصين لعمل توازن تجاري؛ فأصدرت الصين قوانين تحظر على المواطنين الاتجار بهذه السلعة مما دفع الأوروبيين لتهريبها للصين. على إثر ذلك، نشبت بين الصين وبريطانيا حرب عُرفت باسم حرب الأفيون تمكنت فيها بريطانيا من هزيمة الصين وأجبرتها على توقيع اتفاقية معاهدة نانجينج المجحفة بحق الصين عام 1842م. استولت بموجبها بريطانيا على هونج كونج من الصين (عادت للسيادة الصينية في نهاية عام 1996م)، وفتحت خمسة موانئ صينية أمام التجارة البريطانية. تلا توقيع المعاهدة مع بريطانيا توقيع اتفاقيات مع فرنسا والولايات المتحدة عام 1844م. وضمت روسيا إليها جميع المناطق الواقعة شمالي نهر آمور شرقي نهر يوسوري.

ثورة التايبنگ

عصفت بالبلاد عدة ثورات في منتصف القرن التاسع عشر، هددت وجود أسرة كنگ، ومن أشهر هذه الثورات ثورة التايبنگ التي كانت تتبنى الفكر النصراني وتناوئ الفكر الكونفوشي. استمرت هذه الثورة من عام 1851م حتى عام 1864م وسببت خسائر بشرية تقدر بملايين الأرواح. نادت حركة التايبنگ بضرورة تقسيم الأرض بالتساوي بين السكان، وبعد 14 سنة من الحرب الأهلية نظم المسؤولون الصينيون جيشًا منظمًا تمكن من إلحاق الهزيمة بهذه الحركة. ولقد دعمت القوى الأجنبية حكام الصين ضد هذه الثورة وذلك للمحافظة على امتيازاتهم في الصين.

سقوط المنشوريين

انتهت الحرب المدمرة التي نشبت عامي 1894م و1895م. بين الصين واليابان بهزيمة الصين التي اعترفت نتيجة ذلك بالسيطرة اليابانية على كوريا. وتنازلت عن جزيرة تايوان لليابان، بعد أن كانت قد حكمتها الصين منذ 1683م. أجبرت كل من فرنسا وألمانيا وبريطانيا وروسيا الصين على منحها حق التجارة معها والتنازل عن بعض أراضيها لصالح هذه الدول. لقد حال الشعور الوطني لدى الشعب الصيني دون تقسيم الصين. ولم تكن القوى الأجنبية تسمح لأي منها بأن تسيطر على الصين. وفي عام 1899م نجحت الولايات المتحدة الأمريكية في إقناع الدول الأوروبية بسياسة الانفتاح الاقتصادي مع الصين. قاوم الصينيون الوجود الغربي والنصراني، وأنشأوا فرقًا سرية للمقاومة تولت قتل النصارى في البلاد.

قوات من ثمان دول اتحدت وسحقت ثورة الملاكمين عام 1900م. كون الصينيون بعدها تنظيمًا سريًا لمقاومة الوجود الغربي. الصورة تظهر استعراض القوات الأجنبية المنتصرة في بكين.

كان من أبرز فرق المقاومة السرية فرقة عُرف أعضاؤها بالملاكمين، وذلك لممارستهم رياضة الملاكمة. قام المنشوريون بعدد من الإصلاحات، لكن الوقت كان متأخرًا. وتزايدت الرغبة لدى أعداد كبيرة من الشعب الصيني بإنشاء الجمهورية وتم اختيار الدكتور صن ـ يات ـ صن، وهو طبيب درس في أوروبا، لقيادة أصحاب الفكر الجمهوري. بدأت بعض الوحدات العسكرية في الانضمام لهذا التجمع، وأخذت بمهاجمة القوات المنشورية. وفي نهاية عام 1911م، أعلنت الولايات الصينية استقلالها عن الحكم المنشوري.



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

العصر الحديث

جمهورية الصين

المقالة الرئيسية: تاريخ جمهورية الصين
صن يات-سن، مؤسس وأول رؤساء جمهورية الصين.

الجمهورية الأولى

اجتمع قادة الثورة في شهر ديسمبر عام 1911م لتأسيس جمهورية الصين. اختار المجتمعون صن يات-صن رئيسًا مؤقتًا للجمهورية. حاول المنشوريون إحباط الثورة، وكلفوا ضابطًا متقاعدًا بينهم يُدعى يوان شيكاي بهزيمة الجمهوريين إلا أنه وقع معهم اتفاقًا سريًا وتسلم السلطة وحاول توسيع نفوذه بطريقة استبدادية. أسس الثوريون السابقون الكومنتانگ أي الحزب الوطني الذي ثار على يوان، وعندما فشلت ثورتهم هرب قادتهم إلى اليابان. قام العسكريون في المناطق بإجبار يوان على التخلي عن خططه.

شهدت بكين ثورة الطلاب ضد مؤتمر ڤرساي الذي منح اليابان حق السيطرة على الممتلكات الألمانية التي كسبتها ألمانيا من الصين إبان الحرب العالمية الأولى. أسهمت ثورة الطلاب في نشر الثورة السياسية.

في عام 1919م، بدأ صن بتنظيم الحزب الوطني، واستقطب إليه عددًا من الطلاب. وسعى الاتحاد السوفييتي (آنذاك) لدعم الثورة من خلال شخصيات أُرسلت لمساعدة الشعب للتخطيط للثورة. توفي صن يات-سن عام 1925م فقام قادة الحزب الوطني بمهاجمة العسكريين وانتزعوا منهم بعض المكاسب. وفي عام 1928م، تشكلت حكومة وطنية عملت على توحيد الصين لأول مرة منذ عام 1916م.


حكم الوطنيين

مثَّل حكم الوطنيين حكم الحزب الاستبدادي الواحد الذي لم يكن بمقدوره السيطرة الكاملة على الصين. أدت المعارضة الشيوعية والعدوان الياباني إلى تحجيم هذه السلطة.

عام 1934م أجبر الوطنيون خصومهم الشيوعيين على الفرار من قواعدهم جنوبي الصين، حين بدأوا مسيرتهم الطويلة.

وفي عام 1931م، أسس الشيوعيون 15 قاعدة في الأرياف. وقاموا بتشكيل حكومة منافسة في جنوب ووسط الصين. تمكنت الحكومة من مهاجمة القواعد الشيوعية وأجبرتها على الفرار. تسلم ماو قيادة الحزب الشيوعي، وبدأ يناوش السلطات وتزامن ذلك مع اعتداء ياباني على الصين. تمكنت اليابان من احتلال أراضٍ صينية. فأملت شروطها على الحزب الحاكم لعدم قدرته على المقاومة، بسبب انشغاله بمحاربة الشيوعيين. اعتقل رئيس الحزب الحاكم، ولم يـُطلق سراحه إلا بعد وقف الحرب الأهلية والعمل على توحيد البلاد ضد اليابان.


الحرب مع اليابان

التوسع الياباني بلغ أوجه في الصين عام 1944م عندما استولى اليابانيون على معظم الأراضي الشرقية للصين.

شن الجيش الياباني هجومًا كبيرًا على الصين عام 1937م، ورغم المقاومة الصينية الباسلة تمكنت اليابان من السيطرة على الأجزاء الشرقية من الصين مع نهاية عام 1938م.

انضمت الصين إلى الحلفاء في الحرب العالمية الثانية بعد أن هاجمت اليابان الولايات المتحدة الأمريكية. كافأ الحلفاء الصين بتقديم الدعم لمحاربة اليابان، ولكن حربها مع اليابان أنهكتها، وسببت لها كثيرًا من المتاعب، فاغتنم الشيوعيون فرصة الحرب ضد اليابان وأسسوا لهم قوة في شمالي الصين. مكنتهم من ذلك مساعدة الفلاحين الذين قاموا بتقديم الغذاء اللازم والخدمات المساندة. عمل الشيوعيون على كسب ود المزارعين بإعادة توزيع الأرض بينهم وإقامة الثورة الاجتماعية التي خدمتهم.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الحرب الأهلية

بعثت الولايات المتحدة الأمريكية الجنرال جورج مارشال عام 1946م إلى الصين في محاولة لوضع حل دبلوماسي بين القوات الوطنية والشيوعية. لم يقتنع أي من الطرفين بإمكانية تحقيق مكاسب من خلال المفاوضات، لذا بدأت الحرب في منتصف عام 1946م. وتمكن الشيوعيون من هزيمة الوطنيين، وإجبارهم على الفرار إلى تايوان عام 1949م بفضل التدريب المنظم، واستخدام الخطط العسكرية المتطورة.

بداية الحكم الشيوعي

الشيوعيون بقيادة ماو هزموا الحكومة الوطنية في حرب عام 1946 - 1949. ماو على صهوة الجواد، في طرقات شان‌شي عام 1947م.

استولى الشيوعيون بقيادة ماو على السلطة وباشر رئيس الوزراء الإشراف على الدوائر والوزارات. ساهم الاتحاد السوفييتي سابقًا في إقامة حكومة الصين الشيوعية من خلال تقديم المعونات العسكرية والاقتصادية لها.

استولت الحكومة الشيوعية على الأراضي من الإقطاعيين، وأعادت توزيعها على الفلاحين. تراوح عدد الإقطاعيين الذين لقوا حتفهم ما بين 50,000 إلى عدة ملايين.

بدأت الصين بخطتها الخمسية الأولى عام 1953م وتمكن القطاع الصناعي من تحقيق تقدم ملموس، خلال الفترة من عام 1953م إلى عام 1957م، إذ بلغ معدل النمو الصناعي 15% في السنة الواحدة. سيطر الشيوعيون على القطاع الصناعي، وأجبروا الفلاحين على تحويل مزارعهم إلى تعاونيات. تسبب هذا القرار في إحداث تراجع في الإنتاج الزراعي.

القفزة الأمامية العظمى

أطلق الصينيون هذا الاسم على الخطة الخمسية الثانية التي بدأت عام 1958م، وكانت تهدف إلى الإسراع بالتنمية الاقتصادية. بنيت هذه الخطة على فكر ماو القائل بأن إرادة الإنسان تتغلب على كل المصاعب. تم تشغيل المصانع على مدار الساعة دون توقف ولو كان من أجل الصيانة، مما سبب تراجعًا في الإنتاج وتدهورًا في الاقتصاد.

شهدت الصين خلال الأعوام من 1959م إلى 1961م نقصًا في الغذاء وتراجعًا في الإنتاج. وفي عام 1962م، بدأ الإنتاج الصناعي يسترد عافيته وظهر صراع حاد بين الراديكاليين والمعتدلين. دافع كل طرف عن رأيه محاولاً فرضه ظنًا منه أنه الأفضل لخدمة الإنتاج والمواطن.

القطيعة مع الاتحاد السوفييتي

في بداية عقد الستينيات من القرن العشرين انقطعت الصلة الودية مع الاتحاد السوفييتي سابقًا، فاتهمت الصين الاتحاد السوفييتي بأنه يتراجع عن الفكر الاشتراكي، وبدأ التعايش مع المعسكر الغربي معارضًا بذلك الفكر الصيني القائل بأن الحرب مع الغرب مصير حتمي لا يمكن التراجع عنه. وبعد توقيع الاتحاد السوفييتي لمعاهدة حظر الأسلحة النووية مع كل من الولايات المتحدة وبريطانيا عام 1963م، قطع الصينيون علاقاتهم مع الاتحاد السوفييتي، واتهموهم بالانضمام إلى المعسكر المعادي للصين. وفي عام 1989م، عادت العلاقات بين الدولتين طبيعية كما كانت قبل القطيعة.


الثورة الثقافية

منح ماو كامل تأييده للراديكاليين في الحزب الشيوعي عام 1966م، وبدأ بذلك ما يُعرف باسم الثورة الثقافية. وجهت الثورة الثقافية الكثير من التهم لقادة الحزب لفشلهم في تطبيق المبادئ الشيوعية، وأُجُبِروا على التخلي عن مراكزهم.

كما أسس الشباب مجموعات عسكرية أطلقوا عليها اسم الجيش الأحمر، وقادوا تظاهرات ضد الجماعات التي اتُّهمت بمعارضة فكر ماو.

ردًا على ذلك قامت السلطة بإغلاق الجامعات من عام 1966م حتى عام 1970م، إلا أن الصراع داخل السلطة بين الراديكاليين والمعتدلين لم يتوقف.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

تحسين العلاقات مع الغرب

أقامت كندا وعدد من الدول الغربية علاقات دبلوماسية مع الصين في بداية عقد السبعينيات من القرن العشرين. وفي عام 1971م تراجعت الولايات المتحدة عن موقفها المعارض لقبول الصين عضوًا في هيئة الأمم المتحدة. أبدت الولايات المتحدة موافقتها على الاعتراف بكل من الصين الشعبية وتايوان. زار الرئيس الأمريكي نيكسون الصين عام 1972م والتقى مع رئيس الوزراء الصيني تشوين لاي وسكرتير الحزب الشيوعي ماو. وقعت الولايات المتحدة والصين خلال هذه الزيارة معاهدة شنغهاي التي أدت إلى إقامة علاقات بين الطرفين.


الصين بعد ماو

توفي كل من تشوين لاي وماو عام 1976م، وتفجر الصراع بين المعتدلين بقيادة هوا گوفنگ والراديكاليين بقيادة جيانج چينج أرملة الزعيم ماو، وحسم المعتدلون الموقف لصالحهم. تسلم الزعيم هوا جوفنج منصبي كل من تشوين لاي وماو.

عصفت عدة أحداث بالصين بعد وفاة ماو مع استمرار الإعجاب بفكره، والمطالبة بتطبيقه كاملاً. وعلى الرغم من إقرار المعتدلين برجاحة فكر ماو إلا أنهم لا يعترفون بصحة مبادئه كافة، مما دفعهم لزيادة علاقاتهم التجارية مع الدول الأجنبية، واستعانوا بخبرات من خارج البلاد لبناء الصناعة الصينية. بدأ الحزب الشيوعي إجراءات اقتصادية عام 1984م، نتج عنها تقليص سيطرة الحكومة على الأعمال الاقتصادية والأسعار.

وفي عام 1986م، طالب الطلاب بمزيد من الحريات الاجتماعية وحرية التعبير وحق التصويت لاختيار المسؤولين عن تسيير سياسة الدولة. وقادوا مظاهرات في عدد من المدن لنقل أفكارهم للشعب، ولإرغام الحكومة على الاستجابة لمطالبهم. عُزِل على إثرها السكرتير العام للحزب الشيوعي الصيني هو ياوبانغ لسياسته التحررية.

توفي الزعيم الصيني هو ياوبانگ عام 1989م، وفجر موته حزن الطلاب الذين بكوه في مظاهرات عامة في ميدان تيانانمن في بكين مطالبين بمزيد من الحرية. تصدى الجيش للمظاهرات وأخمدها بقوة السلاح، وقتل عددًا من المتظاهرين.

اتهمت السلطة زهاو بتعاطفه مع الطلاب، وأُقصي من منصبه. بعد ذلك تسلم جيانگ زمين زعامة الحزب الشيوعي. وبحلول عام 1992م، تمت محاكمة أغلب الطلاب الذين اعتقلوا في ميدان تيانانمن، وخضعت الصين لضغوط المجتمع الدولي للإفراج عن الذين ظلوا في السجون دون محاكمة. وفي عام 1993م، أعيد انتخاب لي ينج رئيسًا للوزراء وجيانگ زمين رئيسًا للبلاد لفترة خمس سنوات. ظل زعماء الصين السياسيين في خلاف دائم حول السياسات الاقتصادية رغم ما حققته إصلاحات دنج كسياوينج من ازدهار للاقتصاد الصيني في أوائل تسعينيات القرن العشرين. توفي دنج عام 1997م.

في يوليو عام 1997م، عادت هونج كونج لتصبح جزءاً من الصين بعد أن كانت مستعمرة بريطانية منذ عام 1842م. وقد تعهدت الصين بأن تبقي على نظام اقتصاد السوق في هونج كونج لمدة خمسين عاماً. وفي عام 1998م، تولى ژو رونگجي رئاسة مجلس الوزراء بدلاً من لي بنج الذي شغل منصب رئيس اللجنة الدائمة للمجلس الوطني (مجلس الشيوخ). بدأت الصين عام 1994م في بناء سد الممرات الثلاثة على نهر يانجستي، وينتظر أن يكون عند اكتماله عام 2014م أكبر سدود العالم قاطبة. والمؤيدون للمشروع يرون أن السد سيقلل من مخاطر الفيضانات، وسيوفر قدرة كهرومائية كبيرة. أما معارضوه فيشيرون إلى الآثار المترتبة على إعادة توطين نحو مليون مواطن، ويبدون مخاوفهم من الآثار البيئية التي سيخلفها المشروع.

الحكومة

إن أكثر ما يروعنا في هذه الحضارة هو نظام حكومتها. وإذا كانت الدولة المثالية هي التي تجمع بين الديمقراطية والأرستقراطية فإن الصينيين قد أنشأوا هذه الدولة منذ ألف عام أو تزيد؛ وإذا كانت خير الحكومات هي أقلها حكما، فقد كانت حكومة الصين خير حكومات العالم على الإطلاق. ولم يشهد التاريخ قط حكومة كان لها رعايا أكثر من رعايا الحكومة الصينية أو كانت في حكمها أطول عهدا وأقل سيطرة من تلك الحكومة.[2]

ولسنا نقصد بهذا أن الفردية أو الحرية الفردية كان لها شأن عظيم في بلاد الصين؛ ذلك أن فكرة الفردية كانت ضعيفة في تلك البلاد وأن الفرد كان مغمورا في الجماعات التي ينتمي إليها. فقد كان أولا عضوا من أعضاء أسرة، ووحدة عابرة في موكب الحياة بين أسلافه وأخلافه؛ وكانت القوانين والعادات تحمله تبعة أعمال غيره من أفراد أسرته كما يحملون هم تبعة أعماله؛ وكان فضلا عن هذا ينتمي عادة على جمعية سرية، وإذا كان من سكان الحواضر فانه ينتمي إلى نقابة من نقابات الحرف.

وهذه كلها أمور تحد من حقه في أن يفعل ما يشاء. وكان يحيط به فضلا عن هذا طائفة من العادات القديمة ويهدده رأي عام قوي بالطرد من البلاد إذا خرج على أخلاق الجماعة أو تقاليدها خروجا خطيرا. وكانت قوة هذه النظم الشعبية التي نشأت بطبيعتها من حاجات الناس وتعاونهم الاختياري هي التي مكنت الصين من أن تحتفظ بنظامها واستقرارها رغم ما يشوب القانون والدولة من لين وضعف.

ولكن الصينيين ظلوا أحرارا من الناحيتين السياسية والاقتصادية في داخل هذا الإطار من نظم الحكم الذاتي التي أقاموها بأنفسهم لأنفسهم.

لقد كانت المسافات الشاسعة التي تفصل كل مدينة عن الأخرى وتفصل المدن كلها عن عاصمة الإمبراطورية، والجبال الشامخة والصحاري الواسعة والمجاري التي تتعذر فيها الملاحة أو لا تقوم عليها القناطر، وانعدام وسائل النقل والاتصال السريع وصعوبة تموين جيش كبير يكفي لفرض سلطان الحكومات المركزية على شعب تبلغ عدته أربعمائة مليون من الأنفس - كانت هذه كلها عوامل تضطر الدولة لأن تترك لكل إقليم من أقاليمها استقلالا ذاتيا يكاد أن يكون كاملا من كل الوجوه.

وكانت وحدة الإدارة المحلية هي القرية يحكمها حكما متراخيا رؤساء العشائر بإشراق "زعيم" منهم ترشحه الحكومة. وكانت كل طائفة من القرى مجتمعة حول بلدة كبيرة تؤلف "بينا" أي مقاطعة بلغت عدتها في الصين نحو ألف وثلاثمائة. ويتألف من كل بينين أو أكثر تحكمهما معا مدينة "فو"، ومن كل فوين أو ثلاثة "داو" أي دائرة، ومن كل داوين أو أكثر "شنج" أي إقليم. وكانت الإمبراطورية في عهد المنشو تتألف من ثمانية عشر من هذه الأقاليم. وكانت الدولة تعين من قبلها موظفا في كل بين يدير شئونه، ويجبى ضرائبه، ويفصل في قضاياه، وتعين موظفا آخر في كل فو وآخر في كل داو؛ كما تعين قاضيا، وخازنا لبيت المال، وحاكما، ونائبا للإمبراطور أحيانا في كل إقليم(127). ولكن هؤلاء الموظفين كانوا يقنعون أحيانا بجباية الضرائب والفروض الأخرى والفصل في المنازعات التي يعجز المحكمون عن تسويتها بالحسنى، ويتركون حفظ النظام لسلطان العادة وللأسرة والعشيرة والنقابة الطائفية. وكان كل إقليم ولاية شبه مستقلة لا تتدخل الحكومة الإمبراطورية في أعمالها، ولا تفرض عليها شرائعها طالما كانت تدفع حصتها من الضرائب وتحافظ على الأمن والنظام في داخل حدودها. وكان انعدام وسائل الاتصال السهلة مما جعل الحكومة المركزية فكرة معنوية أكثر منها حقيقة واقعية. ومما جعل عواطف الأهلين الوطنية تنصرف في دوائرهم وأقاليمهم، ولا تتسع إلا في القليل النادر حتى تشمل الإمبراطورية بوجه عام.

وفي هذا البناء غير المحكم كان القانون ضعيفا، بغيضا، متباينا. وكان الناس يفضلون أن تحكمهم عاداتهم وتقاليدهم، وأن يسووا نزاعهم بالتراضي خارج دور القضاء. وكانوا يعبرون عن آرائهم في التقاضي بمثل هذه الحكم والأمثال القصيرة القوية: "قاض برغوثا يعضك" و "اكسب قضيتك تخسر مالك". وكانت تمر سنين على كثير من المدن التي تبلغ عدة أهلها آلافاً مؤلفة لا ترفع فيها قضية واحدة إلى المحاكم(128) وكانت قوانين البلاد قد جمعت في عهد أباطرة تانج ولكنها كلها اقتصرت تقريبا على الجرائم ولم تبذل محاولات جدية لوضع قانون مدني. وكانت المحاكمات بسيطة سهلة لأن المحامي لم يكن يسمح له بمناقشة الخصم داخل المحكمة، وإن كان في استطاعة كتاب مرخصين من الدولة أن يعدوا في بعض الأحيان تقارير بالنيابة عن المتقاضين ويتلوها على القاضي(129). ولم يكن هناك نظام للمحلفين، ولم يكن في نصوص القوانين ما يحمي الفرد من أن يقبض عليه موظفو الدولة على حين غفلة ويعتقلوه. وكانت تؤخذ بصمات أصابع المتهمين(130)، ويلجأ أحيانا إلى تعذيبهم لكي يقروا بجرائمهم، ولم يكن هذا التعذيب الجسمي ليزيد إلا قليلا على ما يتبع الآن لهذا الغرض عينه في أكثر المدن رقيا. وكان العقاب صارما، وإن لم يكن أشّد وحشية مما كان في معظم بلاد القارة الآسيوية؛ وكان أوله قص الشعر ويليه الضرب ثم النفي من البلاد ثم الإعدام. وإذا كان المتهم ذا فضائل غير معهودة أو كان من طبقة راقية سمح له أن ينتحر(131). وكانت العقوبات تخفف أحيانا تخفيفا كريما، وكان حكم الإعدام لا يصدر في الأوقات العادية إلا من الإمبراطور نفسه. وكان الناس جميعا من الناحية النظرية سواسية أمام القانون، شأنهم في هذا كشأننا نحن في هذه الأيام. ولكن هذه القوانين لم تمنع السطو في الطرق العامة أو الارتشاء في وظائف الدولة ودور القضاء، غير أنها كان لها قسط متواضع في معاونة الأسرة والعادات الموروثة في أن تهب الصين درجة من النظام الاجتماعي والأمن والاطمئنان الشخصي لم تضارعها فيها أمة أخرى قبل القرن العشرين(132).

وكان الإمبراطور يشرف على هذه الملايين الكثيرة من فوق عرشه المزعزع. وكان يحكم من الوجهة النظرية بحقه المقدس؛ فقد كان هو "ابن السماء" وممثل الكائن الأعلى في هذه الأرض. وبفضل سلطانه الإلهي هذا كانت له السيطرة على الفصول وكان يأمر الناس أن يوفقوا بين أعمالهم وبين النظام السماوي المسيطر على العالم، وكانت كلمته هي القانون وأحكامه هي القضاء الذي لا مرد له. وكان المدبر لشؤون الدولة ورئيس ديانتها، يعين جميع موظفيها ويمتحن المتسابقين لأعلى مناصبها ويختار من يخلفه على العرش. لكن سلطانه كان يحده من الوجهة العملية القانون والعادات المرعية، فكان ينتظر منه أن يحكم من غير أن يخرج على النظم التي انحدرت من الماضي المقدس. وكان معرضا في أي وقت لأن يعزَّر على يد رجل ذي مقام كبير يسمى بالرقيب؛ وكان في واقع الأمر محوطاً بحلقة قوية من المستشارين والمبعوثين من مصلحته أن يعمل بمشورتهم، وإذا ظلم أو فسد حكمه خسر بحكم العادات المرعية وباتفاق أهل الدولة "تفويض السماء"، وأمكن خلعه بالقوة من غير أن يعد ذلك خروجا على الدين أو الأخلاق.

وكان الرقيب رئيس مجلس مهمته التفتيش على جميع الموظفين في أثناء قيامهم بواجباتهم، ولم يكن الإمبراطور نفسه بمنجاة من إشرافه. وقد حدث مرارا في تاريخ الصين أن عزر الرقيب الإمبراطور نفسه. من ذلك أن الرقيب سونج أشار على الإمبراطور جياه تشنج (1196-1821)، بالاحترام اللائق بمقامه العظيم طبعا، أن يراعى جانب الاعتدال في صلاته بالممثلين وبتعاطي المسكرات. فما كان من جياه تشنج إلا أن استدعى سونج للمثول أمامه، وسأله وهو غاضب أي عقاب يليق أن يوقع على من كان موظفا وقحا مثله، فأجابه سونج: "الموت بتقطيع جسمه إرباً". ولما أمره الإمبراطور باختيار عقاب أخف من هذا أجابه بقوله "إذن فليقطع رأسي" فطلب إليه مرة أخرى أن يختار عقابا أخف فاختار أن يقتل خنقا. وأعجب الإمبراطور بشجاعته وخشي وجوده بالقرب منه فعينه حاكما على إقليم إيلي(134).

وأضحت الحكومة المركزية على مر الزمن أداة إدارية شديدة التعقيد. وكان أقرب الهيئات إلى العرش المجلس الأعلى، ويتكون من أربعة "وزراء كبار" يرأسهم في العادة أمير من أمراء الأسرة المالكة. وكان يجتمع بحكم العادة في كل يوم في ساعات الصباح المبكرة لينظر في شؤون الدولة السياسية. وكان يعلو عنه في المنزلة، ولكن يقل عنه في السلطان، هيئة أخرى من المستشارين يسمون "بالديوان الداخلي". وكان يشرف على الأعمال الإدارية "ستة مجالس" للشؤون المدنية، والدخل، والاحتفالات، والحرب، والعقوبات، والأشغال العامة؛ وكان ثمة إدارة للمستعمرات تصرف شؤون الأقاليم النائية مثل منغوليا، وسنكيانج والتبت. ولكنها لم تكن لها إدارة للشؤون الخارجية لأن الصين لم تكن تعترف بأن في العالم دولة مساوية لها، ومن أجل ذلك لم تنشئ في بلادها للاتصال بها غير ما وضعته من النظم لاستقبال البعوث التي تحمل لها الخراج.

وكان أكبر أسباب ضعف الحكومة قلة مواردها وضعف وسائل الدفاع عن أراضيها ورفضها كل اتصال بالعالم الخارجي يعود عليها بالنفع. لقد فرضت الضرائب على أراضيها، واحتكرت بيع الملح، وعطلت نماء التجارة بما فرضته بعد عام 1821 من عوائد على انتقال البضائع على طرق البلاد الرئيسية، ولكن فقر السكان، وما كانت تعانيه من الصعاب في جباية الضرائب والمكوس، وما يتصف به الجباة من الخيانة، كل هذا قد ترك خزانة الدولة عاجزة عن الوفاء بحاجات القوى البحرية والبرية التي كان في وسعها لولا هذا العجز أن تنقذ البلاد من مذلة الغزو والهزيمة . ولعل أهم أسباب هزائمها هو فساد موظفي حكومتها؛ وذلك أن ما كان يتصف به موظفوها من جدارة وأمانة قد ضعف في خلال القرن التاسع عشر فأضحت البلاد تعوزها الزعامة الرشيدة في الوقت الذي كانت فيه نصف ثروة العالم ونصف قواه يتجمعان لسل استقلالها وانتهاب مواردها والقضاء على أنظمتها.

بيد أن أولئك الموظفين كانوا يختارون بوسيلة لا مثيل لها في دقتها وتعد في جملتها أجدر وسائل الاختيار بالإعجاب والتقدير، وخير ما وصل إليه العالم من الوسائل لاختيار الخدام العموميين. لقد كانت وسيلة جديرة بإعجاب أفلاطون، ولا تزال رغم عجزها وتخلي الصين عنها تقرب الصين إلى قلوب الفلاسفة. وكانت هذه الطريقة من الناحية النظرية توفق أحسن التوفيق بين المبادئ الأرستقراطية والديمقراطية: فهي تمنح الناس جميعا فرصة متكافئة لإعداد أنفسهم للمناصب العامة، ولكنها لا تفتح أبواب المناصب إلا لمن أعدوا أنفسهم لها. ولقد أنتجت خير النتائج من الوجهة العملية مدى ألف عام.

وكانت بداية هذه الطريقة في مدارس القرى - وهي معاهد خاصة ساذجة لا تزيد قليلا على حجرة واحدة في كوخ صغير - كان يقوم فيها معلم واحد بتعليم أبناء أسر القرية تعليما أوليا ينفق عليه بما يؤديه هؤلاء الأبناء من أجر ضئيل. أما النصف الفقير من السكان فقد ظل أبناؤه أميين(137). ولم تكن الدولة هي التي تنفق على تلك المدارس، ولم يكن الكهنة هم الذين يديرونها، ذلك أن التعليم قد بقى في الصين كما بقى الزواج فيه مستقلا عن الدين لا صلة بينهما سوى أن الكنفوشية كانت عقيدة المعلمين. وكانت أوقات الدراسة طويلة كما كان النظام صارما في هذه المدارس المتواضعة. فكان الأطفال يأتون إلى المعلم في مطلع الشمس ويدرسون معه حتى الساعة العاشرة، ثم يفطرون ويواصلون الدرس حتى الساعة الخامسة، ثم ينصرفون بقية النهار. وكانت العطلات قليلة العدد قصيرة الأجل، وكانت الدراسة تعطل بعد الظهر في فصل الصيف، ولكن هذا الفراغ الذي كان يصرف في العمل في الحقول كان يعوض بفصول مسائية في ليالي الشتاء. وكان أهم ما يتعلمه الأطفال كتابات كنفوشيوس وشعر تانج؛ وكانت أداة المعلم عصا من الخيزران. وكانت طريقة التعليم الحفظ عن ظهر قلب؛ فكان الأطفال الصغار يواصلون حفظ فلسفة المعلم كونج ويناقشون فيها مدرسهم حتى ترسخ كل كلمة من كلماته في ذاكرتهم وحتى يستقر بعضها في قلوبهم. وكانت الصين تأمل أن يتمكن جميع أبنائها، ومنهم الزراع أنفسهم، بهذه الطريقة القاسية الخالية من اللذة أن يصبحوا فلاسفة وسادة مهذبين، وكان الصبي يخرج من المدرسة ذا علم قليل وإدراك كبير، جاهلا بالحقائق ناضج العقل .

وكان هذا التعليم هو الأساس الذي أقامت عليه الصين - في عهد أسرة هان على سبيل التجربة وفي عهد أسرة تانج بصفة نهائية - نظام تولي المناصب العامة بالامتحان. ومن أقوال الصينيين في هذا: إن من أضر الأمور بالشعب أن يتعلم حكامه طرق الحكم بالحكم نفسه، وإن من واجبهم كلما استطاعوا أن يتعلموا طرق الحكم قبل أن يحكموا، ومن أضر الأمور بالشعب أن يحال بينه وبين تولي المناصب العامة وأن يصبح الحكم امتيازا تتوارثه فئة قليلة من أبناء الأمة؛ ولكن من الخير للشعب أن تقصر المناصب على من أعدوا لها بفضل مواهبهم وتدريبهم. وكان الحل الذي عرضته الصين لمشكلة الحكمة القديمة المستعصية هي أن تتيح لكل الرجال ديمقراطيا فرصة متكافئة لأن يدربوا هذا التدريب، وأن تقصر الوظائف أرستقراطيا على من يثبتون أنهم أليق الناس لأن يتولوها. ومن أجل هذا كانت تعقد في أوقات معينة امتحانات عامة في كل مركز من المراكز يتقدم إليها كل من شاء من الذكور متى كانوا في سن معينة.

وكان المتقدم إلى الامتحان يمتحن في قوة تذكره وفهمه لكتابات كنفوشيوس وفي مقدار ما يعرف من الشعر الصيني ومن تاريخ الصين، وفي قدرته على أن يكتب أبحاثا في السياسة والأخلاق كتابة تدل على الفهم والذكاء. وكان في وسع من يخفق في الامتحان أن يعيد الدرس ويتقدم إليه مرة أخرى، ومن نجح منح درجة شيو دزاي التي تؤهله لأن يكون عضوا في طبقة الأدباء ولأن يعين في المناصب الصغرى في الحكومة الإقليمية؛ وأهم من هذا أن يكون من حقه أن يتقدم إما مباشرة أو بعد استعداد جديد لامتحان آخر يعقد في الأقاليم كل ثلاث سنوات شبيه بالأول ولكنه أصعب منه. ومن خفق فيه أجاز أن يتقدم إليه مرة أخرى؛ وكان يفعل ذلك كثيرون من المتقدمين فكان يجتازه في بعض الأحيان رجال جاوزا الثمانين وظلوا طوال حياتهم يدرسون، وكثيرا ما مات الناس وهم يتأهبون لدخول هذه الامتحانات. وكان الذين ينجحون يختارون للوظائف الحكومية الصغرى، كما كان من حقهم أن يتقدموا للامتحان النهائي الشديد الذي يعقد في بكين. وكان في تلك المدينة ردهة للامتحان العام تحتوي على عشرة آلاف حجرة انفرادية يقضى فيها المتسابقون ثلاثة أيام متفرقة في عزلة تامة، ومعهم طعامهم وفراشهم، يكتبون مقالات أو رسائل في موضوعات تعلم لهم بعد دخولهم. وكانت هذه الغرف خالية من وسائل التدفئة والراحة رديئة - الإضاءة غير صحية لأن الروح لا الجسم - في رأيهم - هي التي يجب أن تكون موضع الاهتمام! وكان من الموضوعات المألوفة في هذه الامتحانات أن ينشئ المتقدم قصيدة في: "صوت المجاديف والتلال الخضراء والماء"، وأن يكتب مقالا عن الفقرة الآتية من كتابات كنفوشيوس. قال دزانج دزي: "من يك ذا كفاية ويسأل من لا كفاية له؛ ومن يك ذا علم كثير ويسأل من لا يعلم إلا القليل؛ ومن يملك ثم يتظاهر بأنه لا يملك؛ ومن يمتلئ ثم يبدي أنه فارغ" ولم يكن في أي امتحان من هذه الامتحانات كلمة واحدة عن العلوم أو الأعمال التجارية أو الصناعية؛ لأنها لم تكن تهدف إلى تبين علم الرجل بل ترمي إلى معرفة ما له من حكم صادق وخلق قويم. وكان كبار موظفي الدولة يختارون من الناجحين في هذا الامتحان النهائي.

وتبين على مر الزمن ما تنطوي عليه هذه الطريقة من عيوب. فقد وجد الغش سبيله إلى الحكم في الامتحان، وإن كان الغش في الامتحان أو في تقديره يعاقب عليه أحيانا بالإعدام. وأصبح شراء الوظائف بالمال كثيرا متفشيا في القرن التاسع عشر(138)، من ذلك أن موظفا صغيرا باع عشرين ألف شهادة مزورة قبل أن يكشف أمره(139). ومنها أن صورة المقالة التي تكتب في الامتحان أصبحت صورة عادية معروفة يعد المتسابقون أنفسهم لها إعدادا آلياً. كذلك كان منهج الدراسة ينزع إلى الهبوط بالثقافة إلى الصور الشكلية دون اللباب، ويحول دون الرقي الفكري لأن الأفكار التي كانت تتداول في هذه المقالات قد تحددت وتعينت خلال مئات السنين. وكان من آثارها أن أصبح الخريجون طبقة بيروقراطية ذات عقلية رسمية متعجرفة بطبيعتها، أنانية، مستبدة في بعض الأحيان وفاسدة في كثير من الأحوال؛ لا يستطيع الشعب مع ذلك أن يعزلها أو يشرف على أعمالها إلا إذا لجأ بعد يأسه إلى الطريقة الخطرة طريقة الإضراب عن طاعتها أو مقاطعتها وعدم التعامل معها. وقصارى القول أن هذا النظام كان ينطوي على كل العيوب الني يمكن أن ينطوي عليها أي نظام حكومي يبتدعه ويسيره بنو الإنسان؛ فعيوبه هي عيوب القائمين عليه لا عيوب النظام نفسه، وليس ثمة نظام آخر لم يكن فيه من العيوب من في هذا النظام .

أما مزاياه فهي كثيرة: فهو برئ من طريقة الترشيح وما يؤثر فيها من تيارات خفية؛ وليس فيه مجال للمساعي الدنيئة وللنفاق والخداع في تصوير النتائج، ولا تدور فيه المعارك الصورية بين الأحزاب، ولا يتأثر بالانتخابات الفاسدة ذات الجلبة والضجيج، ولا يتيح الفرصة لتسلم المركز الرفيع عن طريق الشهرة الزائفة. لقد كانت الحكومة القائمة على هذا النظام حكومة ديمقراطية على الزعامة وعلى المناصب الرفيعة. وكانت أرستقراطية في أحسن صورها، لأنها حكومة يتولاها أقدر الرجال الذين اختيروا اختيارا ديمقراطيا من بين جميع طبقات الشعب ومن كل جيل. وبفضل هذه الطريقة وجهت عقول الأمة ومطامعها وجهة الدرس والتحصيل، وكان أبطالها الذين تقتدي بهم هم رجال العلم والثقافة لا سادة المال .

ولقد كان جديرا بالإعجاب أن يجرب مجتمع من المجتمعات أن يحكمه من الناحيتين الاجتماعية والسياسية رجال أعدوا للحكم بتعلم الفلسفة والعلوم الإنسانية، ولذلك كان من شر المآسي أن تنقض قوى التطور والتاريخ القاسية التي لا ترحم ولا تلين على ذلك النظام الفذ وعلى جميع معالم الحضارة التي كان هو أهم عناصرها فتدمرها تدميرا.

الاقتصاد

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

المتاجر

وازدهرت الصناعة في تلك الأيام ازدهاراً لم ير له مثيل في كافة أنحاء الأرض قبل القرن الثامن عشر. فمهما تتبعنا تاريخ الصين إلى ماضيه السحيق وجدنا الحرف اليدوية منتشرة في البيوت والتجارة رائجة في المدن.

وكانت أهم الصناعات الأساسية هي صناعة النسيج وتربية دود القز لاستخراج خيوط الحرير. وكانت كلتا الحرفتين تقوم بها النساء في أكواخهن أو بالقرب منها. وكان غزل الحرير من الحرف القديمة في البلاد وترجع بدايتها في الصين إلى الألفي السنة السابقة لميلاد المسيح . وكان الصينيون يطعمون الدود ورق التوت الحديث التقطيع ويحصلون من تربيته على نتائج عجيبة، ولعل القارئ لا يصدق إذا قيل له إن رطلاً من الديدان (أي 700,000 دودة) يتغذى على هذا الورق كان يتضاعف إلى 9,500 رطل في اثنين وأربعين يوماً(47). وكانت الديدان الكبار توضع بعدئذ في خيام صغيرة من القش تنسج حولها شرانقها بما تفرزه من الحرير، فإذا أتمت عملها أخذت الشرانق وألقيت في ماء ساخن فخرج الحرير من القالب الذي لف عليه وعالجوه ونسجوه وصنعوا منه أنواعاً عدة من الثياب والأقمشة المزركشة والمطرزة والأنسجة المشجرة التي كانت تصنع منها ملابس الطبقات العليا في العالم كله%=@لم يكن من غير المألوف عند المضيف إذا جاءه ضيوف أن يمر عليهم بنسيج رقيق من الحرير يعرضه عليهم(48) كما يعرض عليهم غيره آنية من الخزف أو يبسط أمامهم ملفاً من الصور أو من الخط الجميل.@ ، أما من ينتجون الحرير وينسجونه فكانوا يتخذون ثيابهم من القطن.

وكانت هذه الصناعة المنزلية تكمل بحوانيت في المدن حتى في القرون السابقة لميلاد المسيح، ولذلك وُجدت من بداية القرن الثالث قبل الميلاد جماعات من العمال في المدن نظمت هي والمشرفون عليها في طوائف من أرباب الحرف. وكان نمو هذه الصناعة في الحوانيت سبباً في ازدحام المدن بالسكان العاملين المجدين الذين جعلوا الصين في أيام كوبلاي خان تضارع من الوجهة الصناعية أوربا في القرن الثامن عشر بعد الميلاد. وقد كتب ماركو پولو في ذلك يقول:

"لكل حرفة من الحرف مائة متجر يهيئ كل واحد منها العمل لعشرة أو خمسة عشر أو عشرين من الصناع، وقد يصل هذا العدد في بعض الصناعات إلى أربعين ... والسادة الأغنياء أصحاب الحوانيت لا يعملون بأيديهم بل يتظاهرون بالرقة والتسامي والتأنق في حديثهم وحركاتهم"(50).

وكانت هذه النقابات تعمل ما تعمله الصناعات المنظمة في هذه الأيام فتحدد التنافس وتنظم الأجور وساعات العمل؛ وكان الكثير منها يحدد الإنتاج ليحتفظ بمستوى أسعار منتجاته، ولعل رضاها بأساليبها القديمة واطمئنانها إليها كانا من أسباب تأخر العلوم في الصين ومقاومة الانقلاب الصناعي في تلك البلاد مقاومة دامت حتى أخذت كل الحواجز والأنظمة في هذه الأيام تنهار أمام طوفان الصناعة الأوربية الجارف.

وكانت النقابات في الصين تضطلع بكثير من الواجبات التي عهد بها السكان الغربيون المتكبرون إلى الدولة ! فكانت هذه النقابات تسن قوانينها بنفسها وتعدل في تنفيذها، وقد قللت من الإضراب بما كانت تقوم به من تسوية النزاع بين العمال وأصحاب الأعمال بطرق التحكيم على يد لجان الوسطاء التي يمثل فيها كلا الطرفين بالتساوي. وكانت هذه النقابات بوجه عام هيئات صناعية تحكم نفسها وتنظم شئونها، وكانت مخرجاً يدعو أي الإعجاب من التذبذب الحادث في هذه الأيام بين مبدأي التخلي وترك الأمور تجري في مجراها وبين سيطرة الدولة على جميع الشئون.

ولم تكن النقابات مقصورة على التجار والصناع وعمالهم، بل كانت هناك نقابات لطوائف أقل من هؤلاء شأناً كالحلاقين والحمالين والطباخين. بل أن المتسولين كانت لهم هيئة تفرض على أعضائها قوانين صارمة(51). وكانت أقلية ضئيلة من عمال المدن من الأرقاء يستخدم معظمهم في الأعمال المنزلية ويبقون تحت سلطان سادتهم عدة سنين أو طول الحياة، وكان اليتامى والبنات يُعرضون للبيع في أيام القحط ويباعون بعدد قليل من "الكاشات"، وكان من حق الأب في كل وقت أن يبيع بناته أو عبيده. على أن هذا الاسترقاق لم يبلغ في يوم من الأيام ما بلغه في بلاد اليونان أو الرومان، وكانت كثرة العمال من أعضاء النقابات أو الوكلاء الأحرار- كما كانت كثرة الزراع من ملاّك الأراضي- يحكمون أنفسهم في هيئات قروية مستقلة في معظم شئونها عن إشراف الدولة(52).

وكانت منتجات العمل تنقل على ظهور الناس، بل إن الناس أنفسهم كان معظمهم ينقلون في الحدوج فوق أكتاف الحمالين المكدودة المتصلبة، ولم يكن هؤلاء يشكون من عملهم أو يتضجرون منه ، وكانت الدلاء الثقيلة أو الحزم الضخمة تعلق في طرف قوائم خشبية تحمل على الكتفين، وكانت عربات النقل تجرها الحمير أحياناً ولكنها في أكثر الأحيان كان يجرحها الرجال. ذلك أن عضلات الآدميين قد بلغت من الرخص حداً لا يشجع على رقيّ النقل الحيواني أو الآلي، كما كانت حال النقل البدائية غير حافزة على إصلاح الطرق وتعبيدها.

أنشئت في أيام كوبلاي خان طرق عامة رصفت بالحجارة ولكنها لم يبق منها الآن إلا جوانبها. أما شوارع المدن فلم تكن سوى أزقة لا يزيد عرضها على ثمان أقدام صممت لكي تحجب الشمس، وكانت القناطر كثيرة العدد جميلة في بعض الأحيان، ومن أمثلتها القنطرة الرخامية التي كانت عند القصر الصيفي، وكان التجار والمسافرون يستخدمون الطرق المائية بقدر ما كانوا يستخدمون الطرق البرية، وكان في البلاد قنوات مائية يبلغ طولها 25,000 ميل، ولم يكن في الأعمال الهندسية الصينية ما يفوق القناة الكبرى التي تربط هانجتشاو بتيانشين والتي يبلغ طولها 650 ميلاً، والتي بُدئ في حفرها سنة 300 م وتم في عهد كوبلاي خان، لم يكن يفوقها إلا السور العظيم. وكانت القوارب المختلفة الأشكال والأحجام لا ينقطع غدوها ورواحها في الأنهار، ولم تكن تتخذ وسائل للنقل الرخيص فحسب بل كانت تتخذ كذلك مساكن للملايين من الأهلين الفقراء.

والصينيون تجار بطبعهم وهم يقضون عدة ساعات في المساومات التجارية، وكان الفلاسفة الصينيون والموظفون الصينيون متفقين على احتقار التجار، وقد فرض عليهم أباطرة أسرة هان ضرائب فادحة وحرموا عليهم الانتقال بالعربات ولبس الحرير.

وكان أفراد الطبقات الراقية يطيلون أظافرهم ليدلوا بعملهم هذا على أنهم لا يقومون بأعمال جثمانية، كما تطيل النساء الغربيات أظافر أيديهن لهذا الغرض عينه(64)، وقد جرت العادة أن يعد العلماء والمدرسون والموظفون من الطبقات الراقية، وتليهم في هذا طبقة الزراع، ويأتي الصناع في المرتبة الثالثة، وكانت أوطأ الطبقات طبقة التجار لأن هذه الطبقة الأخيرة- على حد قول الصينيين- لا تجني الأرباح إلا بتبادل منتجات غيرها من الناس.

لكن التجار مع ذلك آثروا ونقلوا غلاّت حقول الصين وسلع متاجرها إلى جميع أطراف آسية، وصاروا في آخر الأمر الدعامة المالية للحكومة الصينية. وكانت التجارة الداخلية تعرقلها الضرائب الفادحة، وأما التجارة الخارجية فكانت معرضة لهجمات قُطّاع الطريق في البر والقرصان في البحر. ومع هذا فقد استطاع التجار الصينيون أن ينقلوا بضائعهم إلى الهند وفارس وبلاد النهرين ورومة نفسها في آخر الأمر بالطواف حول شبه جزيرة الملايو بحراً وبالسير في طرق القوافل التي تخترق التركستان(55). وكانت أشهر الصادرات هي الحرير والشاي والخوخ والمشمش والبارود وورق اللعب، وكان العالم يرسل إلى الصين بدل هذه الغلات والبضائع الفِصْفِصَة والزجاج والجزر والفول السوداني والدخان والأفيون.

وكان من أسباب تيسير التبادل التجاري نظام الائتمان والنقود. فقد كان التجار يقرض بعضهم بعضاً بفوائد عالية تبلغ في العادة نحو 36%، ونقول إنها عالية وإن لم تكن أعلى مما كانت في بلاد اليونان والرومان(65). وكان من أسباب ارتفاع سعر الفائدة ما يتعرض له المرابون من أخطار شديدة، فكانوا من أجل ذلك يتقاضون من الأرباح ما يتناسب مع هذه الأخطار، ولم يكن أحد يحبهم إلا في مواسم الاستدانة. ومن الحكم الصينية المأثورة قولهم: "السارقون بالجملة ينشئون المصارف"(57). وأقدم ما عرف من النقود ما كان يتخذ من الأصداف البحرية والمدي والحرير.

ويقول ماركو بولو عن خزائن كوبلاي خان: "إن دار السك الإمبراطورية تقوم في مدينة كمبلوك (پكين)، وأنت إذا شاهدت الطريقة التي تصدر بها النقود قلت إن فن الكيمياء أتقن أتقاناً لا إتقان بعده، وكنت صادقاً فيما تقول. ذلك أنه يصنع نقوده بالطريقة الآتية"، ثم أخذ يستثير سخرية مواطنيه وتشككهم فيما يقول وعدم تصديقهم إياه فوصف الطريقة التي يؤخذ بها لحاء شجر التوت فتصنع منه قطع من الورق يقبلها الشعب ويعدها في مقام الذهب(60). ذلك هو منشأ السيل الجارف من النقود الورقية الذي أخذ من ذلك الحين يدفع عجلة الحياة الاقتصادية في العالم مسرعة تارة ويهدد هذه الحياة بالخراب تارة أخرى.


المخترعات والعلوم

لقد كان الصينيون أقدر على الاختراع منهم على الانتفاع بما يخترعون. فقد اخترعوا البارود في أيام أسرة تانج، ولكنهم قصروا استعماله وقتئذ على الألعاب النارية، وكانوا في ذلك جد عقلاء؛ ولم يستخدموه في صنع القنابل اليدوية وفي الحروب إلا في عهد أسرة سونج (عام 1161م). وعرف العرب ملح البارود (نترات البوتاسيوم)- وهو أهم مركبات البارود- في أثناء اتجارهم مع الصين وسموه "الثلج الصيني" ونقلوا سر صناعة البارود إلى البلاد الغربية، واستخدمه العرب في أسبانيا في الأغراض الحربية، ولعل سير روجر بيكون أول من ذكره من الأوربيين قد عرفه من دراسته لعلوم العرب أو من اتصاله بده- برو كي الرحالة الذي طاف في أواسط آسية.

والبوصلة البحرية أقدم عهداً من البارود. وإذا جازفنا أن نصدق ما يقوله عنها المؤرخون الصينيون فإن دوق جو قد اخترعها في عهد الإمبراطور تشنج وانج (1115-1078 ق.م.) ليهتدي بها بعض السفراء الأجانب في عودتهم إلى بلادهم. ويقول الرواة إن الدوق أهدى إلى السفارة خمس عربات جهزت كل منها "بإبرة تشير إلى الجنوب"(62). وأكبر الظن أن الصينيين الأقدمين كانوا يعرفون ما لحجر المغنطيس من خواص مغنطيسية، ولكن استعماله كان مقصوراً على تحديد الاتجاهات في بناء الهياكل. وقد ورد وصف الإبرة المغنطيسية في السونج- شو وهو كتاب تاريخي مؤلف في القرن الخامس الميلادي. ويقول المؤلف إن مخترعها هو الفلكي جانج هنج (المتوفى في عام 139م)، على أن هذا العالمِ لم يفعل أكثر من أن يكشف من جديد ما كانت الصين تعرفه قبل أيامه. وأقدم ما ورد عن الإبرة من حيث فائدتها للملاحين هو ما جاء في كتاب أُلّف في أوائل القرن الثاني عشر الميلادي وهو يعزو استخدامها في هذا الغرض إلى البحارة الأجانب- وأكبر الظن أنهم من العرب- الذين كانوا يسيرون سفنهم بين سومطرة وكانتون(63). وأول إشارة معروفة لنا عن البوصلة في أقوال الأوربيين هي ما ذكر عنها في قصيدة لجنيو ده بروفن(64).

على أننا لا نستطيع أن نصف الصينيين بأنهم من الأمم النشيطة في ميدان الاختراعات الصناعية رغم اختراعهم البوصلة والبارود والطباعة والخزف. لقد كانوا مخترعين في الفنون وقد ارتقوا بها في صورها التي ابتدعوها حتى بلغت درجة من الكمال لا نظير لها في غير بلادهم أو في تاريخهم، ولكنهم ظلوا حتى عام 1912م قانعين بالجري على طرقهم الاقتصادية القديمة، يحتقرون الأساليب والحيل التي تغني عن العمل الشاق، وتضاعف ثمار الجهود البشرية، وتعطل نصف سكان العالم لتزيد من ثراء النصف الآخر، كأنهم في احتقارهم هذا كانوا يتنبئون بما تجره هذه الاختراعات على البشر من شرور. وكان الصينيون من أوائل الأمم التي اتخذت الفحم وقوداً واستخرجوه من الأرض بكميات قليلة منذ عام 122 ق.م.(65)، ولكنهم لم يخترعوا آلات تريحهم من كدح استخراجه وتركوا معظم ما تخبئه أرضهم من الثروة المعدنية دون أن يستغلوها، ومع أنهم عرفوا كيف يصنعون الزجاج فقد رضوا أن يستوردوه من الغرب، ولم يصنعوا ساعات للجيب أو للحائط، ولم يخترعوا المسامير المحواة بل إنهم لم يصنعوا من المسامير العادية إلا أغلظها(66). وقد ظلت حياة الصين الصناعية في أهم نواحيها على حالها لم تتغير كثيراً خلال الألفي العام التي بين قيام أسرة هان وسقوط المنشو- شأنها في هذا شأن الحياة الصناعية في أوربا من أيام بركليز إلى عهد الانقلاب الصناعي.

كذلك كانت الصين تفضل سلطان التقاليد والعلماء على سلطان العلم والمال المثير للأعصاب، ولذلك كانت الحضارة الصينية أفقر الحضارات العظمى فيما أفادته منها فنون الحياة المادية. فقد أخرجت هذه الحضارة كتباً من أرقى الكتب الدراسية في الزراعة وفي تربية دود القز قبل ميلاد المسيح بقرنين كاملين وألفت رسالات قيمة في علم تقويم البلدان(67).

انظر أيضاً

ملاحظات

  1. ^ الموسوعة المعرفية الشاملة
  2. ^ خطأ لوا في وحدة:Citation/CS1 على السطر 3565: bad argument #1 to 'pairs' (table expected, got nil).


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

المصادر

From hunter-gatherers to farmers

  • Magnetostratigraphic dating of early humans in China, by Rixiang zhu, Zhisheng An, Richard Potts, Kenneth A. Hoffman. [1]
  • [he Discovery of Early Pottery in China, by Zhang Chi, Department of Archaeology, Peking University, China. [2]

قبل التاريخ

  • Discovery of residue from fermented beverage consumed up to 9,000 years ago in Jiahu, Henan Province, China. By Dr. Patrick E McGovern, University of Pennsylvania archaeochemist and colleagues from China, Great Britain and Germany.

أسرة شيا

  • David S. Nivison (1993), “Chu shu chi nien”, Early Chinese Texts: a bibliographical guide (editor—Loewe M.) p.39–47 (Berkeley: Society for the Study of Early China).
  • James Legge (1865), The Chinese Classics III: The Shoo King Prolegomena (Taipei: Southern Materials Center). (This contains an English translation of the Bamboo Annals.)

أسرة تشانگ

  • Stephen W. Durrant (1995), The Cloudy Mirror: Tension and Conflict in the Writings of Sima Qian. Albany : State University of New York Press.

أسرة هان

  • de Crespigny, Rafe. 1977. The Ch’iang Barbarians and the Empire of Han: A Study in Frontier Policy. Papers on Far Eastern History 16, Australian National University. Canberra.
  • de Crespigny, Rafe. 1984. Northern Frontier. The Policies and Strategies of the Later Han Empire. Rafe de Crespigny. 1984. Faculty of Asian Studies, Australian National University. Canberra.
  • de Crespigny, Rafe. 1989. "South China under the Later Han Dynasty" (Chapter One from Generals of the South: the Foundation and early history of the Three Kingdoms state of Wu by Rafe de Crespigny, in Asian Studies Monographs, New Series No. 16 Faculty of Asian Studies, The Australian National University, Canberra 1989)[3]
  • de Crespigny, Rafe. 1996. "Later Han Military Administration: An Outline of the Military Administration of the Later Han Empire." Rafe de Crespigny. Based on the Introduction to Emperor Huan and Emperor Ling being the Chronicle of Later Han for the years 189 to 220 AD as recorded in Chapters 59 to 69 of the Zizhi tongjian of Sima Guang, translated and annotated by Rafe de Crespigny and originally published in the Asian Studies Monographs, New Series No. 21, Faculty of Asian Studies, The Australian National University, Canberra 1996. [4]
  • Dubs, Homer H. 1938. The History of the Former Han Dynasty by Pan Ku. Vol. One. Baltimore. Waverly Press, Inc.
  • Dubs, Homer H. 1944. The History of the Former Han Dynasty by Pan Ku. Vol. Two. Baltimore. Waverly Press, Inc.
  • Dubs, Homer H. 1955. The History of the Former Han Dynasty by Pan Ku. Vol. Three. Ithaca, New York. Spoken Languages Services, Inc.
  • Hill, John E. 2004. The Western Regions according to the Hou Hanshu. Draft annotated English translation.قالب:Waybackdate
  • Hill, John E. 2004. The Peoples of the West from the Weilue ?? by Yu Huan ??: A Third Century Chinese Account Composed between AD 239 and 265. Draft annotated English translation.قالب:Waybackdate
  • Hirth, Friedrich. 1875. China and the Roman Orient. Shanghai and Hong Kong. Unchanged reprint. Chicago, Ares Publishers, 1975.
  • Hulsewé, A. F. P. and Loewe, M. A. N. 1979. China in Central Asia: The Early Stage 125 BC – AD 23: an annotated translation of chapters 61 and 96 of the History of the Former Han Dynasty. Leiden: E. J. Brill.
  • Twitchett, Denis and Loewe, Michael, eds. 1986. The Cambridge History of China. Volume I. The Ch’in and Han Empires, 221 BC – AD 220. Cambridge University Press.

أسرة جين، الممالك الستة عشر والأسرات الشمالية والجنوبية

  • de Crespigny, Rafe. 1991. "The Three Kingdoms and Western Jin: A History of China in the Third Century AD." East Asian History, no. 1 June 1991, pp. 1–36, & no. 2 December 1991, pp. 143–164. Australian National University, Canberra. [5]
  • Miller, Andrew. 1959. Accounts of Western Nations in the History of the Northern Chou Dynasty. University of California Press.

Sui Dynasty

  • Wright, Arthur F. 1978. The Sui Dynasty: The Unification of China. AD 581-617. Alfred A. Knopf, New York. ISBN 0-394-49187-4 ; 0-394-32332-7 (pbk).

أسرة تانگ

  • Benn, Charles. 2002. China's Golden Age: Everyday Life in the Tang Dynasty. Oxford University Press. ISBN 0-19-517665-0.
  • Pelliot, Paul. 1904. "Deux itinéraires de Chine en Inde à la fin du VIIIe siècle." BEFEO 4 (1904), pp. 131–413.
  • Schafer, Edward H. 1963. The Golden Peaches of Samarkand: A study of T’ang Exotics. University of California Press. Berkeley and Los Angeles. 1st paperback edition. 1985. ISBN 0-520-05462-8.
  • Schafer, Edward H. 1967. The Vermilion Bird: T’ang Images of the South. University of California Press, Berkeley and Los Angeles. Reprint 1985. ISBN 0-520-05462-8.
  • Shaffer, Lynda Norene. 1996. Maritime Southeast Asia to 1500. Armonk, New York, M.E. Sharpe, Inc. ISBN 1-56324-144-7.
  • Wang, Zhenping. 1991. "T’ang Maritime Trade Administration." Wang Zhenping. Asia Major, Third Series, Vol. IV, 1991, pp. 7–38.

أسرة سونگ

  • Ebrey, Walthall, Palais (2006). East Asia: A Cultural, Social, and Political History. Boston: Houghton Mifflin Company.
  • Shiba, Yoshinobu. 1970. Commerce and Society in Sung China. Originally published in Japanese as So-dai sho-gyo--shi kenkyu-. Tokyo, Kazama shobo-, 1968. Yoshinobu Shiba. Translation by Mark Elvin, Centre for Chinese Studies, University of Michigan.

أسرة منگ

  • Duyvendak, J.J.L. China’s Discovery of Africa (London: Probsthain, 1949)
  • Sung, Ying-hsing. 1637. T’ien kung k’ai wu. Published as Chinese Technology in the seventeenth century. Translated and annotated by E-tu Zen Sun and Shiou-chuan Sun. 1996. Mineola. New York. Dover Publications.


قراءات إضافية

  • Abramson, Marc S. (2008). Ethnic Identity in Tang China. University of Pennsylvania Press, Philadelphia. ISBN 978-0-8122-4052-8.
  • Ankerl, G. C. Coexisting Contemporary Civilizations: Arabo-Muslim, Bharati, Chinese, and Western. INU PRESS Geneva, 2000. ISBN 2-88155-004-5.
  • Creel, Herrlee Glessner. The Birth of China. 1936.
  • Fairbank, John King, China : a new history, Cambridge, Mass. : Belknap Press of Harvard University Press, 1992. ISBN 0674116704
  • Feis, Herbert, The China Tangle: The American Effort in China from Pearl Harbor to the Marshall Mission, Princeton University Press, 1953.
  • Hammond, Kenneth J. From Yao to Mao: 5000 Years of Chinese History. The Teaching Company, 2004. (A lecture on DVD.)
  • Giles, Herbert Allen. The Civilization of China. Project Gutenburg e-text. A general history, originally published around 1911.
  • Giles, Herbert Allen. China and the Manchus. Project Gutenberg e-text. Covers the Qing (Manchu) dynasty, published shortly after the fall of the dynasty, around 1912.
  • Korotayev A., Malkov A., Khaltourina D. Introduction to Social Macrodynamics: Secular Cycles and Millennial Trends. Moscow: URSS, 2006. ISBN 5-484-00559-0 [6] (Chapter 2: Historical Population Dynamics in China).
  • Laufer, Berthold. 1912. JADE: A Study in Chinese Archaeology & Religion. Reprint: Dover Publications, New York. 1974.
  • Terrill, Ross, 800,000,000: the real China, Boston, Little, Brown, 1972
  • Wilkinson, Endymion Porter, Chinese history : a manual, revised and enlarged. - Cambridge, Mass. : Harvard University, Asia Center (for the Harvard-Yenching Institute), 2000, 1181 p., ISBN 0-674-00247-4; ISBN 0-674-00249-0

وصلات خارجية

Zhongwen.svg هذه المقالة تحتوي على نصوص بالصينية.
بدون دعم الإظهار المناسب, فقد ترى علامات استفهام ومربعات أو رموز أخرى بدلاً من الحروف الصينية.