گوتفريد لايبنتز

(تم التحويل من گوتفريد لايبنتس)
گوتفريد لايبنتز
Gottfried Wilhelm von Leibniz.jpg
گوتفريد ڤيلهلم من لايبنتز
وُلـِد 1 يوليو (21 يوليو النمط القديم) 1646، لايپزگ, ساكسونيا
توفي 14 نوفمبر 1716، هانوڤر، هانوڤر
القومية ألماني
الجامعة الأم جامعة ألتدورف
العصر فلسفة القرن السابع عشر
المنطقة الفلسفة الغربية
المشرف على الدكتوراه إرهارد ڤايگل
طلاب الدكتوراه جاكوب برنولي
الاهتمامات الرئيسية
الميتافيزيقا, الرياضيات, Theodicy
الأفكار البارزة
Infinitesimal calculus, Monadology, Optimism
Leibniz formula for pi
Leibniz harmonic triangle
Leibniz formula for determinants
Leibniz integral rule
Principle of sufficient reason
Diagrammatic reasoning
Notation for differentiation
اثبات مبرهنة فرمات الصغيرة
الطاقة الحركية
Entscheidungsproblem
Leibnitz signature.svg

گوتفريد ڤيلهلم من لايبنتز (أيضاً لايبنتس) (لايپزگ 1 يوليو (21 يونيو 1646 - 14 نوفمبر 1716 في هانوڤر) ألماني فيلسوف، عالم طبيعة، عالم رياضيات، دبلوماسي، مكتبي، ومحامي.

يرتبط اسم لايبنتز بالتعبيرِ " دالة رياضية "(1694)، التي كان يصف بها كل كمية مُتَعَلّقة ب منحنى، مثل ميل المنحنى أَو نقطة معينة على المنحنى.

يعتبر لايبنتز مع نيوتن أحد مؤسسي علم التفاضل والتكامل و بخاصة تطوير مفهوم التكامل وقاعدة الجداء ، كما طور المفهوم الحديث لمبدأ الحفاظ على الطاقة.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

فيلسوف القانون

كان ثمة هوة في الشخصية والخلق والفكر تفصل بين سبينوزا وليبنتز، فهناك اليهودي المنعزل، الذي لفظته اليهودية، والذي لم يتقبل المسيحية، الذي عاش في أحضان الفقر في حجرة متواضعة، وأنجز كتابين أثنين، وأخرج في أناة فلسفة أصيلة جريئة يمكن أن تنفر منها كل الديانات، والذي قضى نحبه متأثراً بالسل في الرابعة والأربعين، إلى جانب الألماني رجل الدنيا المشغول برجال الدولة والبلاط، الذي جال في كل أنحاء أوربا الغربية تقريباً، الذي دس بأنفه في روسيا والصين، وقبل البروتستانتية والكاثوليكية، ورحب بعديد من مناهج الفكر واستخدمها. وكتب خمسين رسالة، وأحب الله كما أحب الدنيا، في تفاؤل شديد، وعمر سبعين عاماً، وليس بينه وبين سلفه من وجه شبه إلا أن جنازة كل منهما كانت موحشة. وهنا في جيل واحد ظهر النقيضان في الفلسفة الحديثة.

ولكن قبل أن نتناول الصورة المتقلبة والمتعددة الألوان لرجل، فلنتعرف ببعض فضل يسير للفكر الألماني. فقد بدأ صمويل فون بوفندورف مسيرته في 1632، وهو نفس العام الذي بدأ فيه سبينوزا ولوك. وبعد أن درس في ليبزج ويينا قصد إلى كوبنهاجن معلماً في أسرة أحد الدبلوماسيين السويديين، واعتقل معه عندما أعلنت السويد الحرب على الدنمرك، وخفف من ضجر السجن بوضع نهج للقانون الدولي، فلما أطلق سراحه رحل إلى ليدن حيث نشر نتائج بحثه تحت عنوان "عناصر القانون الدولي" (1661)، الذي سر به شارل لويس ناخب البلاتينات (وهو نفس الأمير الذي دعا سبينوزا فيما بعد) إلى حد أن الناخب استدعى المؤلف إلى هيدلبرج، وأنشأ له كرسي الأستاذية في القانون الطبيعي والقانون الدولي-وهو أول كرسي من نوعه في التاريخ. وهناك وضع دراسة عن "مملكة ألمانيا" أزعجت ليوبولد الأول، لمهاجمتها الإمبراطورية الرومانية المقدسة وأباطرتها. وهاجر بوفندورف إلى السويد وجامعة لوند (1670) حيث نشر أروع أعماله "القانون الطبيعي والناس" (1672). وفي محاولته اتخاذ موقف وسط بين هوبز وجروتيوس، لم يطابق "القانون الطبيعي" وبين صراع الأفراد بعضهم بعضاَ، بل طابق بينه وبين "العقل الصحيح" وأضفى "الحقوق الطبيعية" (وهي حقوق كل الكائنات العقلانية) على قدم المساواة. وسبق جان جاك روسو بنحو قرن من الزمان، حين أعلن أن إرادة الدولة، هي، وينبغي أن تكون، جماع إرادات الأفراد الذين تتألف منهم الدولة. ولكنه ذهب إلى أن العبودية أمر مرغوب فيه، وسيلة لإنقاص عدد المتسولين والأفاقين واللصوص(1).

وظن بعض القساوسة السويديين أن هذه النظريات لم تقم كبير وزن لله والكتاب المقدس في الفلسفة السياسية، وحرضوا على وجوب إعادة بوفندورف إلى ألمانيا. ولكن شالر الحادي عشر دعاه إلى ستوكهلم وقلده منصب المؤرخ الملكي. وقابل الأستاذ حسن الصنيع بأن كتب سيرة حياة الملك، وتاريخاً للسويد. وفي 1687، وربما تطلعاً إلى التجوال أهدى بوفندورف إلى ناخب براندنبيرج الأكبر، رسالة عن "العلاقة بين العقيدة المسيحية والحياة البدنية" يدافع فيها عن التسامح. وسرعان ما قبل دعوة إلى برلين، وأصبح مؤرخاً لفردريك وليم، وعين باروناً، وقضى نحبه (1694). وظلت كتاباته لمدة نصف قرن أبرز الأعمال وأكثرها أثراً وانتشاراً في الفلسفة السياسية والقانونية في أوربا البروتستانتية، وساعد تحليلها الواقعي للعلاقات الاجتماعية في الأحداث التي عملت على انكماش نظرية حقوق الملوك الإلهية.

وبرز تدهور التفسيرات اللاهوتية لأعمال البشر في أنشطة بلثازار بكر Bkker وكريستيان توماسيوس. وكان بكر كاهناً يتولى المهام الدينية لجماعة من الناس في فريزلند، أفسد عقيدته بقراءة ديكارت، فاقترح تطبيق العقل على الأسفار المقدسة، وفسر الشياطين التي ورد ذكرها في الكتاب المقدس بأنها أوهام شعبية أو مجازات، زتتبع فكرة الشيطان في تاريخ ما قبل المسيحية وكان من رأيه أنها فكرة مدسوسة على المسيحية، وانتهى إلى أن الشيطان خرافة، ونفى وجوده في بيان باللغة الهولندية، "العالم المسحور" (1691). ووجهت الكنيسة أعنف اللوم والتقريع إلى بكر، إحساساً منها بأن الخوف من الشيطان بداية العقل والحكمة، وعانى الشيطان بعض الخسارة في مكانته لا في أتباعه.

وواصل توماسيوس المعركة. وعلى حين ظل يتقبل الأسفار المقدسة هادياً إلى العقيدة والخلاص، تاقت نفسه إلى اتباع منهج العقل لمجرد الوصول إلى الدليل، ولتشجيع التسامح الديني. ولما كان أستاذ القانون الطبيعي في ليبزج (1684-1690) فإنه أساء إلى الكلية والكنيسة بأصالة آرائه وأساليبه ولغته. وهاجم خرافات عصره في سخرية ألمانية عنيفة. واتفق مع بكر في استبعاد "الشيطان" من الديانة، وشجب الاعتقاد في السحر باعتباره جهالة فاضحة، وتعذيب السحرة باعتباره وحشية إجرامية. وبفضل تأثيره ونفوذه، وضع حد لمحاكمات السحرة والمشعوذين في ألمانيا. وليزيد الطين بلة حاضر تلاميذه بالألمانية بدلاً من اللاتينية، منتقصاً نصف جلال أصول التدريس. وفي 1688 بدأ ينشر عرضاً أوريا للكتب والأفكار، وربما كان لزاماً علينا أن نسميه أول صحيفة جادة في ألمانيا، ولكنها عرضت ألوان المعرفة في شيء من اليسر، وغلفت البحث الجاد بالدعابة، وسميت "أفكار هازلة وجادة، عقلانية وسخيفة حول كل أنواع الكتب والقضايا السارة والنافعة". وأزعج دفاعه عن "التقويين" (التقوية حركة دينية ظهرت في ألمانيا في القرن السابع عشر أكدت على دراسة الكتاب المقدس والخبرة الدينية الشخصية) ضد رجال السلطات إلى حد أنهم حظروا عليه كتابة أو إلقاء المحاضرات، وأمروا في النهاية باعتقاله (1690). فهرب إلى برلين، وعينه الناخب فردريك الثالث أستاذ في هالي، وأسهم في تنظيم الجامعة هناك، وسرعان ما جعلها أقوى مراكز للفكر في ألمانيا. وفي 1709 دعته ليبزج للعودة ولكنه أبى، وبقي في هالي أربعة وثلاثين عاماً حتى آخر حياته، وافتتح عصر الاستنارة الذي أنجب لسنج وفردريك الأكبر.

وتابع بعض المتحمسين ثورتهم إلى أقصى درجات الإلحاد، فنبذ ماتياس كنوتزن من هولشتين أي معتقد خارق للطبيعة "أننا فوق كل شيء ننكر الله(2)". واقترح أن يستبدل بالمسيحية وكنائسها وكهنتها "ديانة وضيعة" "ديانة الإنسانية" مستبقاً بذلك أوجست كومت، وأن يؤسس الخلاق على تربية الضمير تربية قائمة على المذهب الطبيعي فقط (1674) وقيل أنه كان له 700 من الأتباع، وربما كان في هذا مبالغة، ولكنا نلاحظ أنه فيما بين عامي 1662، 1713 نشر على الأقل اثنان وعشرون كتاباً في ألمانيا، وهدفها نشر الإلحاد أو تفنيده(3).

ورثى ليبنتز "لانتصار المفكرين الأحرار الواضح"، فكتب حوالي عام 1700 "في أيامنا هذه"، يبدي كثير من الناس قليلاً من الاحترام والإجلال للوحي... أو المعجزات(4)". وأضاف في 1715: أن الديانة الطبيعية ينتابها كثير من الضعف، ويعتقدون كثيرون أن النفوس جسدية، وآخرون أن الله نفسه جسدي. ويرتاب مستر لوك وأتباعه في أن النفوس غير مادية ومآلها الهلاك بشكل طبيعي(5). ولم يكن ليبنتز راسخ العقيدة إلى حد كبير، ولكنه رجل الدنيا ورجل البلاط، فتساءل إلى أين تنتهي العقلانية المتصاعدة، وماذا عساها أن تفعل بالكنائس والأخلاق والعروش. وهل من المستطاع الرد على العقلانيين بلغتهم وإنقاذ عقيدة الآباء والأجداد من أجل سلامة الأبناء؟.


سني العمل الجاد

كان جوتفريد ولهلم ليبنتز في الثانية من العمر حين وضعت حرب الثلاثين عاماً أوزارها. ونشأ في فترة من أكثر فترات التاريخ الألماني عقماً وشقاء. ولكن تهيأت له، كل فرص التعليم المتاحة آنذاك، لأن أباه كان أستاذاً لفلسفة الأخلاق في جامعة ليبزج، وكان جوتفريد فتى ذكياً متلهفاً على المعرفة، ولوعاً بالكتب. وكانت مكتبه أبيه مفتوحة الأبواب أمامه تدعوه ليأخذ ويقرأ. وبدأ دراسة اللاتينية في سن الثامنة، واليونانية في الثانية عشرة. والتهم التاريخ فأصبح متعدد جوانب العلم والمعرفة. وفي سن الخامسة عشرة التحق بالجامعة حيث كان توماسيوس المثير من بين معلميه. وغي سن العشرين تقدم لنيل درجة الدكتوراه في القانون، ولكن جامعة ليبزج رفضت لصغر سنه. ولكنه سرعان ما حصل عليها من جامعة نورمبرج في ألتدورف. وكان لرسالة الدكتوراه التي قدمها هناك دوي كبير إلى حد أنهم عرضوا عليه في الحال منصب الأستاذية، ولكنه أبى محتجاً بأن "في مخيلته أشياء مختلفة"، أن قليلاً جداً من كبار الفلاسفة شغلوا كراسي الجامعة.

ونراه الآن، وهو آمن ميسور الحال من الناحية المادية، حر منطلق من الناحية الفكرية، يغمس يديه في كل الحركات والفلسفات التي كانت تهيج ألمانيا التي بعثت من جديد، وكان قد درس مناهج فلاسفة السكولاستية في ليبزج، واحتفظ بمصطلحاتهم الفنية وكثير من أفكارهم، مثل برهانهم الأونطولوجي (أونطولوجيا: علم الوجود) على وجود الله، وتشرب تعاليم ديكارت تماماً، ولكنه ليجعلها سائغة أضاف إليها شيئاً من الملح من اعتراضات جاسندي ومذهبه الذري. وانتقل إلى هوبز وامتدحه بأنه مدقق. وغازل المذهب المادي(6). وأقام حيناً من الزمن في نورمبرج (1666-1667) حيث اختبر التصوف أو المذهب الباطني عند أخوة الصليب الوردي "التي كان قد أسسها المشتغلون بالكيمياء القديمة والأطباء ورجال الدين حوالي عام 1654، وأصبح سكرتيراً لها، وأخذ ينقب في الكيمياء القديمة، وهو في هذا كثير الشبه بما كان يفعل منافسه اللاحق نيوتن في كمبردج. ولم يترك فكرة إلا جربها واقتبسها. وقبل بلوغه الثانية والعشرين من عمره كان قد كتب عدة رسائل ذات مجال ضيق، ولكنه تفيض بالثقة.

ولفتت إحدى هذه الرسائل "طريقة جديدة لتعليم القانون ودراسته" نظر أحد الدبلوماسيين المقيمين في نورمبرج آنذاك، هو يوهان فون بوينبورگ Johann Christian von Boineburg، الذي أشار على المؤلف الشاب بإهدائها إلى الأسقف ناخب مينز، ورتب أن تقدم إليه شخصياً. ونجحت الخطة، وفي 1667 التحق ليبنتز بخدمة الناخب، في أول الأمر، مساعداً في مراجعة القوانين، ثم عضواً في المجلس. وبقي في ميبنز خمس سنين اعتاد فيها على رجال الدين واللاهوت والطقوس الكاثوليكية، وبدأ يراوده حلم إعادة توحيد المذاهب المسيحية الممزقة، ومهما يكن من أمر فإن الناخب كان أكثر اهتماماً بلويس الرابع عشر منه بلوثر، لأن الملك المنهوم الذي لا يشبع كان يسير جيوشه إلى الأراضي الوطيئة واللورين، وهي جد ملاصقة لألمانيا، وكان واضحاً أن الملك متلهف على ابتلاع أراضي الراين. فكيف يتسنى وقفه؟

مشروع غزو مصر

المقالة الرئيسية: مشروع حملة مصر

لايبنتس، الذي عرف بأنه واحد من أكثر الفلاسفة إنسانية وتهيئة لعصر التنوير اقترح مشروع حملة لغزو مصر. أما ما دفع لايبنتس هذا الى موقفه ومشروعه، فكان «إخفاق آخر الحملات الصليبية وضرورة استئنافها»، هكذا بكل وضوح، وكما جاء في المشروع الذي كتبه ووجهه الى الملك الفرنسي لويس الرابع عشر، طالباً منه أن يقوم بذلك المسعى الذي سيجعل منه خلفاً حقيقياً للويس الآخر، الملك الفرنسي الذي خاض حملته الصليبية، ولكن كان من سوء حظه أن اعتقل في المنصورة، في مصر تحديداً. والغريب أن لايبنتس حين صاغ المشروع كان في الخامسة والعشرين من عمره، وكان يعمل مستشاراً للأمير بوينبورگ أمير ماينز. وكان نشر الكثير من الأبحاث الفلسفية. لكنه في ذلك الحين كان، كما يبدو، مستاء من الملك الفرنسي لويس الرابع عشر، إذ كلف من أميره بمهمة ديبلوماسية في باريس رافقه فيها ابن الأمير، وكانت تهدف الى دفع الملك الى صرف النظر عن خوض حربه الهولندية، لكن الملك الفرنسي لم يقبل. فما كان من الفيلسوف الشاب إلا أن نشر كتباً ونصوصاً عدة يهاجم فيها «سياسة لويس الرابع عشر الإمبريالية التوسعية». فكيف تحول، إذاً، من مهاجم لـ«الملك- الشمس» الى ناصح له بركوب البحر واحتلال مصر، في مشروعه الذي بات شهيراً الآن؟[1][2]

بكل بساطة، كان لايبنتس يريد أن يحوّل اهتمامات ملك فرنسا من مهاجمة بلدان أوروبا (المتحضّرة في رأيه) واحتلالها، الى احتلال «البلدان المتخلفة» و«الكافرة» و«غير الحضارية»... وهذا ما جاء واضحاً في المشروع. إذ، في معرض تنطحه المعلن للتأثير في سيرورة الأحداث، كان لايبنتس يتطلع الى إقناع فرنسا بصحة رأيه... وهو بدا مطلعاً جداً على الأحوال ودقائق الأمور في فرنسا عهدذاك، خصوصاً في معرض تفسيره أسباب الحملة الفرنسية على هولندا، رابطاً إياها بصراعات كانت تقوم من حول تصدير النبيذ الفرنسي. وفي هذا الإطار كان لايبنتس يريد أن يزيل عن الحملة العسكرية الفرنسية، أي طابع مجيد، مشيراً الى انها حملة دنيئة لأن لها علاقة بالتجارة وبصغائر الأمور. فإن أراد الملك الفرنسي مجداً حقيقياً، عليه أن يلتفت الى مصر وإلى ضرورة احتلالها، لأن ما هو في أساس اللعبة في مثل هذه الحملة، انما هو خير الإنسانية وسعادتها.

فإذا ما تبنى لويس الرابع عشر هذا المشروع «فإنه يكون أعطى القيمة كل القيمة لمقدرته المفترضة على إسعاد البشرية»، قائلاً له في النص «إن خلاص القسم الأكبر من النوع الإنساني يرتبط الآن بالقرار الذي يمكن أن تتخذه (إذ لو قام لويس الرابع عشر بالحملة وظفر بها لكان في إمكان) فرنسا أن توسع حدود إمبراطورية المخلص (السيد المسيح) من مصر حتى ديار الأمم الأكثر بعداً فوق سطح الكرة الأرضية، وليس فقط حتى حدود اليابان، بل وصولاً الى سواحل أستراليا المجهولة. وعند ذلك سيعود العصر الذهبي للمسيحية مولوداً جديداً، ونرى الكنيسة الأولية، كنيسة البدء تنبعث مزدهرة». كما أن «شمس العدالة ستزيل عندئذ بصفائها عيون اللايقين، حيث أن الأخلاق الكاملة، هذه الصورة للحياة السماوية، تتحول من مخيلة الفلاسفة الى واقع الحياة الإنسانية». ولا يفوت لايبنتس في هذا المجال أن يعرض على الملك استخدام مهاراته الفكرية - أي مهارات الفيلسوف - من أجل المساهمة في تحقيق الأهداف السياسية التوسعية وهو واثق من أن «هذه الملكية الكونية ستجعل من فرنسا مدرسة أوروبا، وأكاديمية النفوس الكبيرة، وسوق المحيط والشرق المشتركة، معطية للخلف مبررات تمجيد لويس هذا بصفته القديس لويس الثاني».

وكان لدى ليبنتز خطة لهذا-وفي الحق خطتان، بلغتا حد البراعة من شاب في الرابعة والعشرين. وكانت الخطة الأولى هي توحيد ولايات ألمانيا الغربية في "اتحاد الراين" للدفاع المتبادل (1670). أما الثانية فكانت تعتمد على صرف نظر لويس الرابع عشر عن ألمانيا بإغرائه بالاستيلاء على مصر التي كانت آنذاك تحت حكم الأتراك. وكانت العلاقات آنذاك متوترة بين فرنسا وتركيا. فإذا قدر الملك لويس أن يرسل حملة لفتح مصر (فيسبق بذلك نابليون بمائة وثمانية وعشرين عاماً) فإنه ستكون له السيطرة على التجارة-بما في ذلك تجارة هولندا-التي تمر عبر مصر إلى الشرق، ولأبعد الحرب عن أرض فرنسا، ووضع نهاية لتهديدات تركيا للعالم المسيحي، ولأصبح المنقذ الذي ترنو إليه الأبصار بالتبجيل والإجلال بدلاً من السوط الذي تخشاه أوربا، وكتب بوينبرگ بهذا إلى الملك لويس الرابع عشر، وطوى كتابه على مخطط للمشروع بقلم لايبنتز نفسه. فدعا سيمون أرنولد دي بومبون وزير الخارجية الفرنسية، لايبنتز (فبراير 1672) ليجيء ليعرض المشروع على الملك. وفي مارس شخص رجل الدولة ذو الستة والعشرين ربيعاً إلى باريس.

ولكن القادة أحبطوا مشروع لايبنتز كما دمروا أنفسهم. ذلك أنه لدى وصوله إلى باريس كان لويس قد سوى نزاعه مع الأتراك، وقرر مهاجمة هولندا، وفي 6 إبريل أعلن الحرب. وأبلغ بومبون لايبنتز أن الحروب الصليبية لم تعد ملائمة لهذا العصر، ورفض السماح له بالمثول بين يدي الملك. فكتب الفيلسوف الذي ظل يراوده الأمل، مذكرة إلى الحكومة الفرنسية، أرسل خلاصة لها "مشروع مصر" إلى بوبنبورج.

ولو تم تنفيذ الاقتراح بنجاح، لاستولت فرنسا-لا إنجلترا- على الهند، ولكانت لها السيادة على البحار. وقال الجنرال ماهان: "إن قرار لويس، ذلك القرار الذي أودى بحياة كولبير وقضى على رخاء فرنسا وازدهارها، أحس الناس به جيلاً بعد جيل من خلال نتائجه(8).

ومات بوينبيرج قبل أن يصله "المشروع". وحزن ليبنتز لفقدان صديق يؤثر المصلحة العامة، غير أناني. ولهذا السبب، من ناحية، لم يعد إلى ماينز. أضف إلى ذلك أن التيارات الفكرية في باريس أسرت لبه، حيث وجدها أكثر إثارة من جاذبية تلك التي أحاطت حتى بالناخب المتحرر المستنير. وهناك التقى بأنطوان أرنولد أوف بورث رويال، ومالبرانش، وكريستيان هويگنز، وبوسويه. وجذبه هوجنز إلى الرياضيات العالية، وبدأ لايبنتز "حساب اللامتناهيات في الصغر" الذي أفضى به إلى "التفاضل والتكامل".

تأثر المشروع على نابليون

تفترض الباحثة الفرنسية دينا ريبارد التي نشرت بحثاً مقتضباً حول هذا الموضوع في عدد من مجلة «ماگازين ليتيرير» الفرنسية (كرس ملفه للحديث عن ليبنتيس وفلسفته) أن بونابرت نفسه إنما استوحى مشروع حملته المصرية من نصّ الفيلسوف الألماني وسار على هدي ما رسمه هذا الأخير، حتى وإن كانت أهدافه - بالطبع - مختلفة عن أهداف الآخر تماماً.

تقول الباحثة نفسها أن هذا المشروع، الذي كان ثمة دائماً من يشكك في وجوده، موجود حقاً. وصاغه لايبنتس قبل عام 1672 وحمل من مدينة هانوفر، حيث كان الفيلسوف يقيم في ذلك العام نفسه في ركاب «الجيوش الثورية». وبعد ذلك ضمّه فوشيه دي كاراي في عام 1864 الى الأعمال الكاملة للفيلسوف.

مواصلة السفر

وفي يناير 1673 عبر المانش إلى إنجلترا في بعثة أوفدها ناخب مينز إلى شارل الثاني. وفي لندن تعرف على هنري اولدنبرگ وروبرت بويل، وأحس بفتنة العلم المستيقظ. ولما عاد إلى باريس في مارس خصص جزءاً أكبر فأكبر من وقته للرياضيات. واخترع عجلات لايبنتس أثناء محاولته تحسين حاسبة پاسكال لتقوم بعمليات الضرب والقسمة التلقائية، بالاضافة لما كانت تقوم به من جمع وطرح. وفي إبريل انتخب، غيابياً، عضواً في الجمعية الملكية. وما وافت سنة 1675 حتى كان قد اكتشف التفاضل، وسنة 1676 حساب المتناهيات في الصغر، كما كان قد بلور طريقته الناجحة في استخدام الرموز. ولم يعد أحد يتهم ليبنتز بأنه انتحل لنفسه وضع "حساب اللامتناهيات في الصغر" بدلاً من نيوتن. والظاهر أن نيوتن أجرى اكتشافه 1666، ولكن لم ينشره إلا في 1692. ونشر ليبنتز "حساب التفاضل" في 1684، و "التكامل" في 1686(10)وليس ثمة شك في أن نيوتن كان أول من اكتشف، وأن ليبنتز توصل إلى اكتشافه مستقلاً عنه، وأنه سبق نيوتن إلى نشر الاكتشاف وأن طريقة ليبنتز في "الرموز" ثبت أنها أفضل من طريقة نيوتن(11).

وقضى أسقف مينز في مارس 1673 تاركاً ليبنتز بلا وظيفة رسمية، وسرعان ما وقع اتفاقاً للالتحاق بخدمة دوق روما جون فردريك من برونزويك-لونبرج، أميناً لمكتبته في هانوفر. وظل مفتوناً بباريس، فبقى بها حتى 1676، ثم ارتحل على مهل إلى هانوفر عبر لندن، وأمستردام ولاهاي. وفي أمستردام تحدث مع تلاميذ سبينوزا، وفي لاهاي التقى بالفيلسوف نفسه. وتردد سبينوزا في أن يوليه ثقته، لأن ليبنتز عرض التوفيق بين الكاثوليكية والبروتستانتية، مما قد يساعد على خنق حرية الفكر(12). وتغلب ليبنتز على هذه الشبهات، وسمح له سبينوزا بقراءة-بل بنسخ بعض أجزاء من مخطوطة "كتاب الأخلاق"(13)-وجرت بين الرجلين أحاديث طويلة. وبعد وفاة سبينوزا لقي ليبنتز مشقة كبيرة في إخفاء تأثيره العميق بالقديس اليهودي.

ووصل إلى هانوفر في أواخر 1676، وبقي في خدمة أمراء برنزويك المتعاقبين طوال الأربعين عاماً الباقية من عمره. وكان يأمل في تعيينه مستشاراً للدولة، ولكن الأدواق خصصوه لتولي شئون مكتباتهم وكتابة تاريخ أسرتهم. ونهض بهذه المهام بشكل متقطع على خير وجه. وزين التاريخ الضخم الذي كتبه في عدة مجلدات، وملأه بوثائق أصيلة بذل جهداً كبيراً في الحصول عليها. وأثبتت أبحاثه المتعلقة بسلسلة الأنساب في إيطاليا، الأصل المشترك لأسرتي أست وبرونزويك. وعلى الرغم من موضوع هذا الكتاب كان مقيداً بشكل مزعج لهذه العبقرية الطموحة، فقد أمتد به الأجل ليرى بيت برونزويك يرث إنجلترا. وحاول جاهداً أن يكون وطنياً محباً لألمانيا. وكم ناشد الألمان أن يستخدموا لغتهم الوطنية في القانون، ولكنه كتب رسائله وأبحاثه باللاتينية أو الفرنسية وكان نموذجاً لامعاً "للأوربي الصالح" و "الذهن العالي". وحذر الأمراء الألمان من أن الأحقاد التي تمزقهم، وتعمدهم إضعاف سلطان الإمبراطورية، كل أولئك حكم على ألمانيا بأن تكون فريسة الدول الأكثر تماسكاً ومركزية. وميداناً للحروب التي يتكرر نشوبها بين فرنسا وإنجلترا وأسبانيا(14).

وكان أمله الذي يطويه بين جوانحه، أن يخدم الإمبراطور والإمبراطورية، لا أمراء الولايات المشتتة. وكان لديه مائة مشروع للإصلاح السياسي والاقتصادي والديني والتعليمي. واتفق مع فولتير في أنه من الأيسر إصلاح الدولة بهداية حاكمها، منه بتعليم الجماهير في بطئ، وهم مرهقون بالتماس أسباب العيش فلا يجدون فسحة من الوقت للتفكير(15). وعندما مات أمين المكتبة الإمبراطورية في 1680، تقدم ليبنتز لشغل المنصب، ولكنه أضاف بأنه لا يريد أن يشغله إلا إذا عين معه عضواً في المجلس الإمبراطوري الخاص. ورفض طلبه، عاد إلى هانوفر حيث وجد بعض السلوى والعزاء في صداقة الناخبة صوفيا، وبعد ذلك في صداقة ابنتها صوفيا شارلوت التي ألحقته بالبلاط البروسي، وساعدته في تأسيس أكاديمية برلين (1700)، وأوحت إليه بكتابة "التيوديسية"، وكرم في بقية أيام حياته، مركزه المتواضع بتبادل الرسائل مع زعماء الفكر في أوربا، وبإسهاماته الضخمة في الفلسفة، وتقديمه خطة جريئة لإعادة التوحيد الديني للعالم المسيحي.

ليبنتز والمسيحية

هل كان ليبنتز مسيحياً؟ الجواب الإيجاب "ظاهرياً" بطبيعة الحال، فإن رجلاً بمثل حماسته وتلهفه على العبور من الفلسفة إل فن الحكم وسياسة الدولة كان لزاماً عليه أن يلبس لاهوت الزمان والمكان اللذين عاش فيهما. وقال في مقدمة "التيوديسية": "لقد حاولت في كل الأشياء لأدرس الحاجة إلى التنوير والتهذيب(16)". وكانت كل الكتابات التي نشرها في حياته أمثلة تحتذى في إخلاصها للعقيدة فقد دافعت عن التثليث والمعجزات والنعمة الإلهية، والإرادة الحرة، والخلود، كما هاجمت مفكري العصر الأحرار لانتقاصهم من قيمة الأسس الأخلاقية للنظام الاجتماعي على أنه "ذهب إلى الكنيسة قليلاً،... ولم يتناول القربان المقدس لسنوات كثيرة(17)". ولقبه البسطاء من الناس في هانوفر "لوفينكس الذي لا يؤمن بشيء(18)". ونسب إليه بعض الطلبة فلسفتين متعارضتين، واحد ة للاستهلاك العام وتسلية الأميرات، والأخرى "توكيد واضح المعالم لكل مبادئ سبينوزا(19). "أن ليبنتز كان يلجأ إلى سبينوزا كلما سمح لنفسه أن يكون منطقياً. وفي كتبه المنشورة حرص، تبعاً لذلك، على أن يكون غير منطقي(20)".

إن مساعيه للتوفيق بين الكاثوليكية والبروتستانتية جعلته عرضة للاتهام بعدم التفريق بين الأديان أو الإيمان بأنها جميعاً متساوية في صحتها(21). إن رغبته الملحة في الوحدة والتوفيق سيطرت على لاهوته. وعلى حين تجنب الوعاظ حاول جاهداً أن يؤلف بينهم. أنه قلل من شأن الفروق السطحية لأن نظرته كانت عميقة. ولو كانت المسيحية شكلاً من أشكال الحكومة، فإن تنوعاتها المذهبية لم تبد له أدوات للتقوى والغيرة والحماسة، بل عقبات في طريق النظام والسلام. وفي 1677 أرسل الإمبراطور ليوبولد الأول كريستوفر روجا دي سبينولا أسقف تينا في كرواتيا، إلى بلاط هانوفر ليقترح على الدوق جون فردريك، وكان مرتداً إلى الكاثوليكية أن ينضم إلى حملة لإعادة توحيد البروتستانت مع روما. وربما كان لهذه الخطة ذيول سياسية: فإن الناخب رغب إذ ذاك في دعم الإمبراطور له، كما أن ليوبولد راوده الأمل في وحدة وروح ألمانيتين أقوى لمواجهة الأتراك. وتنقل سبينولا لفترة من الوقت بين فينينا وهانوفر، وأحرز المشروع تقدماً. وعندما وضع بوسويه في 1682 "الإعلان الفاليكاني" (الفاليكانية حركة نشأت في فرنسا تنادي بالاستقلال الإداري للكنائس في البلدان الكاثوليكية عن سيطرة البابا). الذي تحدى فيه رجال الدين الفرنسيون البابا، ربما راود ليبنتز بعض الملل في انضماما فرنسا إلى ألمانيا كثلكة مستقلة عن البابوية إلى حد يخفف من عداء الباروتستانتية للمذهب العتيق وفي 1683، عندما كان الأتراك يتقدمون لحصار فيينا، عقد سبينولا في هانوفر مؤتمراً يضم رجال اللاهوت البروتستانت والكاثوليك، وقدم إليهم "قواعد التوحيد الكنسي لكل المسيحيين".

وربما كان من أجل الاجتماع(22) أن ليبنتز كتب، غفلاً من اسمه أغرب الوثائق العديدة التي وجدت بين أوراقه بعد وفاته، وكان عنوانها "منهج لاهوتي"، وفهمت على أنها بيان للمذهب الكاثوليكي يمكن أن تقبله أي بروتستانتي حسن النية. وفي 1819 نشرها ناشر كاثوليكي دليلاً على أن ليبنتز كان قد ارتد سراً، والأرجح أنها كانت محاولة دبلوماسية لتضييق هوة الخلاف الديني بين الفريقين. ولكن كان للناشر عذره في اعتبار الوثيقة كاثوليكية إلى أبعد حد، واتسم مطلعها بالتجرد أو عدم التحيز لأي من المذهبين في إيجاز:

بعد التماس العون من الله، بالابتهالات والصلوات الطويلة الخاشعة، طارحاً جانباً، قدر ما يطيق الإنسان، كل روح حزبية، ناظراً إلى الخلافات الدينية نظرة رجل قدم من كوكب آخر، تلميذ مبتدئاً متواضعاً، لا يدري شيئاً هن أي من الفرق المختلفة، غير مقيد بأية التزامات، انتهيت بعد دراسة وافية إلى النتائج التي أدونها هنا. لقد قدرت أنه لزام على أن أعتنقها جميعاً لأن الكتاب المقدس والتقليد الديني العريق، وما يفرضه العقل، والشواهد الأكيدة للحقائق، يبدو لي أنها جميعاً تتضافر في إقرارها في ذهن أي إنسان غير متحيز(23).

وتلا ذلك اعتراف بالإيمان بالله، وبالخلق والخطيئة الأصلية، والمطهر، وتحول الخبز والنبيذ إلى جسد المسيح ودمه، ونذور الأديار والتشفع بالقديسين واستخدام البخور والصور الدينية والأردية الكهنوتية وإخضاع الدولة للكنيسة(24). وربما ألقى كرم الكاثوليكية ظلالاً من الشك في الوثيقة، ولكن صحة صدورها من ليبنتز أمر مقبول اليوم بصفة عامة(25)، وربما جاش صدره بالأمل في الحصول على وظيفة ملائمة في بلاط الإمبراطور الكاثوليكي في فيينا بتأييده لوجهة النظر الكاثوليكية على هذا النحو. وأعجب ليبنتز، مثل أي متشكك فاضل، بمنظر الطقوس الكاثوليكية وأنغامها وعبيقها.

وهكذا فإن ألحان الموسيقى، وتناغم الأصوات العذب، وشعر الترانيم وجمال الطقوس الدينية وتلألأ الأضواء، وعبق العطور، والملابس الفاخرة، والأواني المقدسة المزدانة بالأحجار الكريمة، والهدايا الثمينة، والتماثيل واللوحات التي توقظ الشعور الديني، والنتاج المبدع للعبقرية الفنية،.... وجلال المواكب العامة وروعتها، والستائر والأغطية الثمينة التي تزين الطرقات، وموسيقى النواقيس، وصفوة القول كل الهدايا والهبات وعلائم التكريم والإجلال التي يغدقها الناس في سخاء بحكم غرائز التقوى فيهم، كل أولئك، فيما أحسب، لا تثير في ذهن الله من الازدراء ما تريدنا البساطة الصارخة عند بعض المعاصرين أن نعتقد أنها مثيرة له. وهذا في كل الأحوال ما يؤكده العقل والتجربة على السواء(26).

وأخفقت كل هذه الحجج في أن تحرك مشاعر البروتستانت. وأفسد لويس الرابع عشر الخطة ومزق معالم الزينة بإلغاء مرسوم نانت، وشن حرب وحشية على البروتستانت في فرنسا، ووضع ليبنتز مشروعه جانباً انتظاراً لفرصة ملائمة.

وفي 1687 قام ليبنتز بثلاث جولات فيربوع ألمانيا والنمسا وإيطاليا، ليبحث في السجلات والمحفوظات المتناثرة هنا وهناك عن حوليات أسرة برنزويك. وفي روما، وعلى إفتراض أنه قد يقبل الارتداد إلى الكاثوليكية، عرضت عليه السلطات هناك أن يكون أميناً لمكتبة الفاتيكان، ولكنه رفض هذا المنصب. وقام بمسعى جريء بغية إلغاء المراسيم الكنسية التي صدرت عند كوبرنيكس وجاليليو(27). وبعد رجوعه إلى هانوفر، بدأ في 1691 ثلاث سنين من المراسلات مع بوسويه أملاً في إحياء حركة توحيد العالم المسيحي من جديد. هل يمكن أن توجه الكنيسة الكاثوليكية الدعوة لعقد مجلس عالمي بالمعنى الصحيح يشهده البروتستانت والكاثوليك ليعيدوا النظر في القرار الذي اتخذه مجلس ترنت ودمغ فيه البروتستنات بالهرطقة ويلغيه؟. أن الأسقف الذي كان لفوره قذف هؤلاء "المهرطقين" بمقاله "خلافات الكنائس البروتستانتية" (1688)، رد رداً لا يبشر بالوصول إلى تسوية: إذا رغب البروتستانت في العودة إلى حظيرة الكنيسة المقدسة، فإن عليهم أن يرتدوا إلى الكثلكة ويضعوا حداً للحوار. وتوسل إليه ليبنتز أن يعيد النظر في موقعه. وساند بوسويه هذا الأمل وقال: إني أنضم إلى المشروع... ستسمع عما قريب ما يجول بخاطري(28). وفي 1691 كتب ليبنتز إلى مدام برينون في تفاؤله المعهود:

إن الإمبراطور يقف موقفاً ودياً. كما أن البابا أنوسنت الحادي عشر ونفراً من الكاردينالات والقواد، وطوائف الرهبان وكثيراً من رجال الدين الوقورين الذين درسوا الموضوع بعناية، قد أدلوا بآرائهم بطريقة مشجعة غاية التشجيع.. وليس من المبالغة في شيء أن أقول بأنه لو أن ملك فرنسا والقساوسة الذين يستمع إليهم الملك في هذا الشأن، اتخذوا إجراء مناسباً متفقاً عليه، فإن الأمر لن يكون مجرد احتمال، بل يكون في حكم المنتهي(29).

ولما وصل رد بوسويه كان مخيباً لكل رجاء: ليس من سبيل للرجوع عن قرارات مجلس ترنت، أنها كانت على صواب في دفع البروتستانت بالهرطقة، والكنيسة معصومة من الخطأ، ولن يصل أي مؤتمر يضم زعماء الكاثوليك والبروتستانت إلى نتائج بناءة ما لم يوافق البروتستانت سلفاً على قبول قرارات الكنيسة في المسائل التي هي موضوع النزاع(30). وأجاب ليبنتز بأن الكنيسة كثيراً ما غيرت آراءها وتعاليمها، وناقضت نفسها، وأدانت أناساً وحرمتهم دون سبب عادل. وأعلن "أنه نفض يده من أية مسؤولية عن أية مصاعب أو اضطرابات قد يسببها في المستقبل الشقاق القائم في الكنيسة المسيحية(31)". وولى شطره نحو المهمة التي بدت أكثراً أملاً، وهي التوفيق بين جناحي البروتستانتية، وهما اللوثرية والكلفنية، ولكنه واجه في هذا السبيل عناء وتصلباً أشد وأقسى من عناد بوسويه وتصلبه، وأخيراً، تمنى، بينه وبين نفسه أن يحل الطاعون بكل المذاهب المتنافسة، وصرح بأنه ليس ثمة كتب ذات قيمة إلا نوعان منها: تلك التي تتناول الظواهر والتجارب العلمية، ثم التي تتناول التاريخ والسياسة والجغرافيا(32). وظل، ظاهرياً وبشكل غامض لوثرياً حتى انتهى أجله.


نظرة عامة في فلسفة لوك

كان نصف نتاج ليبنتز "أبحاث وتعليقات" قام بع عرضاً تقريباً لدراسة أفكار بعض الكتاب. وأعظم كتبه الذي بلغ 590 صفحة بدأ في 1696 بعرض في سبع صفحات لمقال لوك عن العقل الإنساني (1690) الذي لم يعرفه ليبنتز آنذاك إلا عن طريق خلاصة له أعدها لكرك في "المكتبة العالمية" وعندما ظهرت ترجمة فرنسية لهذا المقال (1700) كتب ليبنتز من جديد نقداً له لمجلة ألمانية. وبادر فأعرب عن أهمية تحليل لوك وأطنب في امتداح أسلوبه. وفي 1703 عقد العزم على التعليق عليه فصلاً فصلاً. وهذه التعليقات هي التي يتألف منها كتاب ليبنتز "أبحاث جديدة في العقل الإنساني". وإذ علم بوفاة لوك 1704 لم يتق التغليق، ولم ينشر إلا في 1765، فتأخر ظهوره، فلم يكن له دخل في تأثير لوك العميق على فولتير وغيره من النجوم اللامعة في عصر الاستنارة في فرنسا، ولكنه جاء في الوقت المناسب ليسهم في تشكيل الفتح الجديد في كتاب كانت "نقد العقل الخالص". وهو من أهم مؤلفات في تاريخ علم النفس.

إنه من حيث الشكل حوار بين "فلاليثس Philalethes (حبيب الحق) الذي يمثل لوك، "وثيوفيلوس Theophilus (حبيب الله) الذي يمثل ليبنتز. والحوار رصين مفعم بالحيوية، لا يزال تطيب قراءته لكل من أوتي ذهناً حاداً وفراغاً بغير حدود. وتظهر المقدمة ليبنتز في أعظم حالاته النفسية دماثة وكياسة، مصرحاً في تواضع بأنه يكسب قراءّ بالتزامه البحث في "مقال في العق الإنساني" الذي كتبه رجل إنجليزي لامع، وهو من اجمل المؤلفات التي حظيت بأعظم التقدير في هذه الفترة. والمسألة المطروحة للبحث، مبسوطة بوضوح جدير بالثناء: نريد أن نعرف هل النفس في حد ذاتها خالية تماماً، مثل الألواح الت يلم يكتب عليها شيء بعد، طبقاً لما قال به أرسطو وكاتب المقال، وهل كل ما يمكن تبعه بعد ذلك، يأتي فقط من الحواس والخبرة، أو هل تحتوي النفس أساساً على أصول كثير من الأفكار والمبادئ التي توقظها الأشياء الخارجية مجرد إيقاظ في المناسبات، كما اعتقد أنا ويعتقد أفلاطون (33). ومن رأي ليبنتز أن الذهن ليس وعاء سلبياً للخبرة، بل هو عضو مركب يحول بمقتضى تركيبه ووظائفه معطيات الإحساس، مثلما أن الجهاز الهضمي ليس مجرد كيس فارغ، بل جهاز أعضاء لهضم الطعام وتحويله إلى متطلبات الجسم وأعضائه. وفي عبارة شهيرة معبرة بارعة لخص ليبنتز كلام لوك ونقحه، ليس في الذهن شيء لم يكن في الحواس إلا الذهن نفسه(36)". أن لوك، كما لحظ ليبنتز، كان قد اعترف بأن الأفكار قد تأتي من "التفكير" الإستبطاني، مثلما قد تأتي من الإحساس الخارجي، ولكنه كان قد نسب إلى أصل حسي كل العناصر الداخلية في التفكير. وعلى النقيض من ذلك، جادل ليبنتز في أن الذهن من نفسه يمد بأصول أو ألوان معينة من الفكر، مثل "الوجو، الجوهر، الوحدة، الهوية، العلة، الإدراك الحسي، العقل، وانطباعات كثيرة أخرى لا يمكن أن تعطيها الحواس(37)"، وأن أدوات العقل هذه، أو أعضاء الهضم العقلي "فطرية"، لا بمعنى أننا على وعي بها عند الولادة، أو أننا دائماً على وعي بها عند استخدامها، بل بمعنى أنها جزء من التركيب أو الكيان الأصلي، أو "الاستعدادات الطبيعية" للذهن. وأحس لوك بأن هذه الأصول المفترض أنها فطرية تجري تنميتها وتطويرها تدريجياً بتفاعل الأفكار الحسية أصلاً، في الفكر، ولكن بدون مثل هذه الأصول، كما قال ليبنتز منازعاً، لن يكون هناك أفكار، بل مجرد تعاقبات مهوشة من الأحاسيس، تماماً مثلما أنه بدون عمل المعدة وعصاراتها الهضمية لا يغذينا الطعام، ولن يكون طعاماً. وعند هذا الحد أضاف في جرأة: أن كل الأفكار فطرية-أي أثر عملية التحويل في الذهن على الأحاسيس. ولكنه سلم بأن الأصول الفطرسية عند الولادة مهوشة وغير متميزة، ولا تصبح واضحة إلا عن طريق الخبرة والاستخدام.

والأصول الفطرية، في رأي ليبنتز، تشمل كل "الحقائق الضرورية، مثل تلك الموجودة في الرياضة البحتة(38)، لأن الذهن، لا الإحساس، هو الذي يزود بأصل الحاجة والضرورة، وكل شيء حسي هو فردي طارئ أو أحتمالي، ويمدنا، على أحسن الفروض، بتعاقب متكرر، لا بتعاقب ضروري أو علة ضرورية(39). (وكان لوك قد سلم بهذا(40)). واعتبر ليبنتز أن كل غرائزنا وإيثارنا اللذة على الألم وكل قوانين العقل، فطرية(41)-ولو أنها جميعاً لا تصبح واضحة إلا بالخبرة: مبدأ التناقض-فالبيانات المتناقضة لا يمكن أن تكون صحيحة في وقت واحد. "إذا كانت أ دائرة، فهي ليست مربعاً"، ومبدأ السبب الكافي-"لا يحدث شيء دون سبب لحدوثه على النحو الذي حدث عليه" لا على نحو آخر(42) "وذهب ليبنتز إلى أن الذكاء البشري يختلف عما لدى الحيوان من معرفة، في أنه يستنتج أفكاراً عامة من خبرات معينة، عن طريق استخدام أصول العقل الفطرية، أما الحيوانات فهي تعتمد كل الاعتماد على الخبرة العملية، توجه نفسها عن طريق الأمثلة فحسب"، فهي، بقدر ما نستطيع الحكم عليها، لا يمكن أن تصل أبداً إلى تشكيل القضايا أو الافتراضات الضرورية(43). أن مبدأ "السبب الكافي" بكفي "لإقامة الدليل على وجود الله وكل أجزاء الميتافيزيقا الأخرى أو اللاهوت الطبيعي(44)". وبهذا المعنى تكون فكرتنا عن الله فطرية، ولو أن الفكرة في بعض الأذهان أو عند بعض القبائل لا واعية أو مهوشة، ويمكن أن نقول مثل هذا على فكرة الخلود(45)-والإحساس الخلقي فطري، لا في مضمونه النوعي أو الخاص، أو في أحكامه التي قد تختلف من مكان إلى مكان ومن زمان إلى زمان، بل بوصفه وعياً للفرق بين الصواب والخطأ. وهذا الوعي عام شامل(46). والذهن، في علم النفس عند ليبنتز، فعال نشيط، لا لمجرد أنه يدخل بمقتضى تركيبه وعمله في تكوين كل فكرة فحسب، بل كذلك في استمرار نشاطه دون انقطاع. وحيث أن ليبنتز استخدم لفظة "يفكر" بمعناها الواسع عند ديكارت، بمعنى أنها تشمل كل العمليات العقلية، فإنه اتفق مع الديكارتيين في أن الذهن يفكر دائماً. سواء أكان مستيقظاً أم غير واع أو نائماً. "أن أية حالة بلا تفكير في النفس ولا راحة مطلقة في الجسم، تبدو لي مناقضة للطبيعة، ولا مثيل لها في الدنيا، بقدر سواء(47)". وبعض العمليات العقلية تتم فيما وراء نطاق العقل (في العقل الباطن) "من الخطأ البين الاعتقاد بأنه ليس في النفس مدركات إلى جانب تلك المدركات الحسية التي تعيها(48)". وبمثل هذه القضايا التي أوردها ليبنتز، بدأ علم النفس الحديث جهوده في التنقيب عما أسماه بعض الباحثين الذهن اللاواعي، وما اعتبرته الأرواح القوية متعلقاً بالمخ، أو عمليات أخرى جسدية لم تثر الوعي.

ولدى ليبنتز الشيء الكثير مما يمكن أن يقول عن العلاقة بين الجسم والنفس، ولكنه هناك يترك علم النفس، ويحلق في الميتافيزيقا، ويطلب إلينا أن ننظر إلى العالم بأسره على أنه مونادات نفسية بدنية، ذوات صفات عقلية وبدنية معاً.


المونادات

التقى ليبنتز عندما كان في فيينا في 1714 بالأمير يوجين من سلفوي، الذي كان هو ومالبورو قد أنقذا أوربا من ربقة الخضوع للملك لويس الرابع عشر، وطلب الأمير الفيلسوف أن يعد له بياناً موجزاً عن فلسفته بشكل يتيسر معه على القائد العسكري قراءته. واستجاب ليبنتز لهذا الطلب بإعداد رسالة محكمة موجزة من تسعين فقرة، تركها بين أوراقه عند مماته. ونشرت لها ترجمة ألمانية في 1720. ولم يطبع النص الأصلي الفرنسي إلا في 1839، والمحرر هو الذي أسماه "المونادلوجيا" (علم الجواهر الروحية) وربما أخذ ليبنتز اصطلاح موناد عن جيورانو برونو(49)، أو عن فرانس فان هلمونت (ابن الكيميائي ج، ب)(50)، الذي استخدم اللفظة لوصف "البذور" الدقيقة جداً، التي خلقها الله هي وحدها مباشرة، والتي تورطت إلى كل أشكال المادة والحياة. وكان أحد الأطباء الإنجليز، فرانسيس جليسون قد نسب، لا القوة وحدها، بل كذلك الغريزة والأفكار إلى كل الجواهر (1672). وكانت نظرية شبيهة بهذه قد نبتت في ذهن ليبنتز المتفتح الدؤوب منذ 1686. وربما تأثر بعمل الميكروسكوبيين الحديثين الذين عرضوا الحياة النابضة في أصغر الخلايا. وخلص ليبنتز إلى أن "هناك عالماً من الكائنات المخلوقة-الأشياء الحية، والحيوانات.... والأنفس....، في أصغر جزء من المادة-(151)". وكل جزء من المادة يمكن تصوره على أنه الأسماك الميكروسكوبية، إنما هي بركة أخرى مملوءة بالسمك، وهكذا إلى ما لا نهاية-لقد هزت مشاعره-كما كانت قد روعت بسكال-قابلية القسمة اللامتناهية لأي شيء ممتد.

وأوحى ليبنتز بأن قابلية القسمة التي لا نهاية لها، لغز ناشئ عن مفهومنا للحقيقة بأنها مادة، ومن ثم فهي ممتدة وقابلية للقسمة إلى حد الغثيان. أننا إذا اعتبرنا الحقيقة النهائية طاقة وتصورنا العالم مكوناً من مراكز قوة، لاختفى سر أو لغز قابلية القسمة، لأن القوة مثل الفكر لا تنطوي ضمناً على امتداد. وعلى هذا رفض ذرات ديكارت على أنها المكونات النهائية للكون، وأحل محلها المونادات، وهي وحدات غير ممتدة من القوة. وعرف الجوهر، لا بأنه مادة، بل طاقة. (إلى هذه النقطة كان مفهوم ليبنتز متفقاً تمام الاتفاق مع فيزياء القرن العشرين)، "المادة" أينما وجدت مشحونة بالحركة والنشاط والحياة. وكل موناد يحس ويدرك، أن له ذهناً أولياً أو بدائياً، بمعنى أنه حساس-ويستجيب-للتغيرات الخارجية.

وقد نفهم المونادات فهماً أفضل إذا فكرنا فيها "بطريقة تشبه الانطباعية التي لدينا عن الأنفس(52)" وكما أن كل نفس "عبارة عن شخص بسيط مستقل(53)"، ذات منعزلة تشق طريقها مناضلة بإرادتها الباطنية ضد كل ما هو خارج عنها، فإن كل موناد كذلك وحيد، مركز قوة منفصل مستقل ضد كل مراكز القوة الأخرى. والحقيقة كون من القوى الفردية، موحد ومنسجم بفضل قوانين الكل أو المجتمع أو الله فقط. وكما أن كل نفس تختلف عن سائر الأنفس، فإن كل موناد كذلك فريد. وليس في الكون بأسره كائنان متشابهان كل الشبه، لأن الفروق بينهما تشكل فرديتهما، أن شيئين لهما نفس الصفات، لا بد أن يكونا واحداً متطابقاً يتعذر تمييزه ("قانون الأشياء التي يتعذر تمييزها")(54) وكما أن كل نفس تحس أو تدرك الحقيقة المحيطة بها، ويقل هذا وذاك وضوحاً كلما كانت الحقيقة بعيدة عنها، ولكنها تشعر بالحقيقة بدرجة ما، فإن كل موناد يشعر بالكون كله، مهما كان الشعور مهوشاً أو غير واع. وهو بهذه الطريقة مرآة تعكس وتمثل العالم بدرجة أو بأخرى من الغموض. وكما أن أي ذهن فردي لا يستطيع بحق أن ينعم النظر في ذهن آخر، فكذلك لا يستطيع موناد واحد أن ينعم النظر في موناد آخر. فليس فيه أية نافذة أو فتحة لمثل هذا الاتصال المباشر، ومن ثم فإنه لا يستطيع مباشرة إحداث أي تغيير في أي موناد آخر. والمونادات تتغير لأن التغيير أساسي لحياتها-ولكن التغييرات تأتي من كفاحها الداخلي(55). فكما أن كل نفس هي رغبة واردة، فكذلك كل موناد يحتوي على-أو هو-غرض داخلي وإرادة، سعى للنمو والتطور. وتلك هي "الفعلية" التي قال عنها أرسطو بأنها لب كل حياة. وبهذا المعنى (كما كان يقول شوبنهور) فإن القوة والإرادة شكلان أو درجتان من نفس الحقيقة الأساسية(56). وفي الطبيعة غائية متأصلة: فهناك في كل شيء سعى أو "محاولة" أو "اشتهاء"، أو غرض موجه يحدد قالبه، حتى ولو كان ذاك الغرض أو تلك الإرادة تعمل في حدود القانون الآلي أو عن طريقه. وكما أن الحركة الجسمية فينا هي تعبير مرئي ميكانيكي عن رغبة أو إرادة باطنة، فكذلك في المونادات، فإن العملية الميكانيكية التي نراها من الخارج، هي مجرد الشكل أو الهيكل لقوة داخلية: "وهذا الذي يظهر بشكل آلي أو بالامتداد، في المادة يتركز بشكل دينامي أو فعال، وبشكل عضوي (أو مونادي) في "الفعلية" (أو السعي الداخلي) نفسها(57). ونحن في إدراكنا المشوش المضطرب نعادل الأشياء الخارجة "بالمادة" لأننا نرى آليتها الخارجية فقط، ولا نرى-كما هو الحال في الاستبطان، الحيوية الداخلية ذات الأثر الفعال في التكوين. وفي هذه الفلسفة تفسح الذرات العاجزة غير الفعالة عند الماديين، مكاناً للمونادات أو الوحدات التي هي مراكز حية للفردية والقوة. ولا يعود العالم آلة ميتة ويصبح مسرحاً لحياة نابضة متنوعة.

وأهم المعالم في هذا التنوع هي درجة الوعي في "ذهن" الموناد. فإن لكل المونادات أذهاناً، بمعنى الحساسية والاستجابة، ولكن ليس كل ذهن واعياً. وحتى نحس الكائنات البشرية العجيبة، نمر بعمليات عقلية كثيرة دون وعي، كما هو الحال في الأحلام، أو حين نكون مستغرقين في أشد الانتباه إلى جوانب معينة من موقف ما، فإننا لا نعي أننا ندرك عناصر أخرى كثيرة في هذا المشهد-وهي عناصر قد تكون على أية حال مختزنة في الذاكرة، وقد تدخل إلى أحلامنا، وقد تنبثق من زوايا خفية في الذهن إلى الوعي الذي يحدث فيما بعد، أو حين نكون على وعي بزئير الأمواج المنكسرة على الشاطئ أو هسيسها، فإننا لا نتحقق من أن كل موجة، أو كل جزء صغير من كل موجة، يطرق أذننا ليحدث ألفاً من الآثار الفردية، التي تشكل أو تصبح هي سماعنا للبحر. وعلى ذلك فإن أبسط المونادات تحس وتدرك كل شيء حولها، ولكن بشكل مهوش مضطرب إلى حد اللاوعي. والمشاعر في النبات تصبح أوضح وأكثر تخصصاً وتؤدي إلى استجابات أكثر تحديداً. وفي الموناد، أي نفس الحيوان تصبح المدركات المرددة للصدى ذكريات يولد تفاعلها وعياً. والإنسان عبارة عن مستعمرة من المونادات (الخلايا؟) لكل منها جوعه وحاجياته وأغراضه، ولكن هذه الجزيئات تصبح جماعة موحدة من كائنات حية بتوجيه من موناد مسيطر، وهو "فعلية" الإنسان ونفسه(58). وإذا ارتفعت النفي إلى مستوى العقل فأنها.... تعتبر ذهناً(59) وتسمو في المرتبة تبعاً لدرجة إدراكها للعلاقات الضرورية والحقائق الباطنية، وعندما تدرك نظام الكون وذهنه تصبح مرآة الله. والله، الموناد الرئيسي، ذهن خالص واع تماماً الوعي، مجرد من كل آلية وجسم(60).

وأشق جانباً في هذه الفلسفة هو نظرية ليبنتز في "التناسق الأزلي". ما هي العلاقة بين حياة الموناد الداخلية، ومظهره الخارجي أو هيكله المادي؟ وكيف نفسر التفاعل في الجسم المادي والذهن الروحي في الإنسان؟ وكان ديكارت قد نسب هذه المسألة عجزاً إلى الغدة الصنوبرية. ورد عليها سبينوزا بإنكار أي انفصال أو تفاعل بين المادة والذهن، حيث كان هذان، في رأيه، مجرد المظهرين الخارجي والداخلي لعملية وحقيقة واحدة. وجدد ليبنتز المشكلة بالقول بأن العمليات الجسمية والعقلية إلى تواطؤ مستمر رتبه الله ترتيباً أزلياً بشكل عجيب:

أن النفس تتبع قوانينها الخاصة بها، وكذلك الجسم يتبع قوانينه الخاصة به، وهي تتلاءم وتتفق بفضل "التناسق الأزلي بين الجواهر، حيث أنها كلها تمثل كوناً واحداً(61).... وتعمل الأجسام كما لو أنه ليس هناك نفوس، وتعمل النفوس كما لو أنه ليس هناك أجسام، ويعمل كلاهما كما لو أنه يؤثر في الآخر....(62) ويسألونني كيف يحدث أن الله غير راض عن إنتاج كل أفكار وتكيفاتها بغير هذه الأجسام العديمة الفائدة التي لا تستطيع النفس (كما يقولون) أن تحركها أو تعرفها. والجواب سهل: أن إرادة الله هي التي اقتضت أن يكون هناك عدد أكبر، لا عدد أقل، من الجواهر، كما وجد، سبحانه، أنه من الخير أن تقابل هذه التكيفات شيئاً خارجياً(63).

وارتياباً في أن الاستغلال اللطيف للإله بديلاً عن الفكر قد لا يلقى استحساناً عاماً، وعمد ليبنتز إلى زخرفته بفرضية جلينكس وساعاته: فالجسم والذهن يعمل كل منهما مستقلاً عن الآخر، ومع ذلك يعملان في تناسق محير، مثل ساعتين صنعتا وملئتا ثم بدأتا، في حذق وبراعة إلى درجة أنهما تسجلان الثواني وتدقان الساعات في توافق تام، دون تفاعل أو تأثير متبادل، وهكذا العمليات الجسدية والنفسانية، على الرغم من استقلالهما، دون أن تؤثر إحداهما في الأخرى، فإنهما تتوافقان عن طريق "تناسق وجد منذ الأزل بوسيلة إلهية بارعة توقعية"(64).

ولنفترض أن الذي جال بخاطر ليبنتز، ولكنه لم يهتم بذكره، هو أن العمليات التي هي في الظاهر منفصلة ولكنها متزامنة، عمليات الآلية والحياة، عمليات الفعل والفكر، هي عملية واحدة بعينها، نراها من الخارج مادة ومن الداخل ذهناً. ولو أنه ذكر هذا لكان تكراراً لسبينوزا، ومشاركة في مصيره.


هل كان الله عادلاً؟

أن هذه الحاجة إلى ستر عرى الفلسفة بأغطية لاهوتية، هي التي أدت بليبنتز إلى تأليف الكتاب الذي أثار حنق فولتير وسخريته، وكاد يضيع مفكراً عميقاً حقاً في صورة الأستاذ بانجلوس الهزلية، دفاعاً عن أحسن العوالم الممكنة. أن العمل الفلسفي الكامل الوحيد الذي نشر في حياة ليبنتز هو "مقال الثيويديسية عن طبيعة الله وحرية الإنسان وأصل الشر"، (1710)-وهو تقريباً سند مشجع مثل كتاب ديكارت "مبادئ الفلسفة الأولى، التي توضح وجود الله وخلود النفس" (1641). والثيودريسية معناها عدالة الله أو تبريره (أو الفلسفة الإلهية).

فلهذا الكتاب، مثل سائر الكتب أصل عرضي. وفي مقال عن القديس جيروم، في "القاموس التاريخي النقدي" نجد بيل، على حين يبدي إعجابه الشديد بليبنتز، يعرض رأي الفيلسوف بأنه يمكن التوفيق بين العقل والدين، أو بين حرية الإنسان وقدرة الله، أو بين الشر الدنيوي والطيبة والقوة الإلهيتين. وخير لنا-كما يقول بيل، أن نتخلى عن فكرة إثبات المذاهب الدينية، فإن هذا لا يعني إلا إبراز المتاعب والصعوبات. وأجاب ليبنتز (1698) في مقال كتب لصحيفة جاك باسناج "تاريخ أعمال العلماء". وأضاف بيل في الطبعة الثانية لقاموسه إلى المقال الذي كتبه عن القديس جيروم ملاحظة هامة يحي فيها ليبنتز "ذلك الفيلسوف العظيم" ولكنه أشار إلى غوامض أخرى، وبخاصة في نظرية التناسق الأزلي. وأرسل ليبنتز رده إلى بيل مباشرة، ولكنه لم يطبعه. وفي العام نفسه كتب ثانية إلى عالم روتردام يمتدح "تأملاته الأخاذة" و "أبحاثه التي لا حد لها(65)". ولم يتسم إلا القليل من فترات تاريخ الفلسفة بمثل ما اتسمت به من الرقة واللطف تلك المجاملة المتبادلة بين بيل وليبنتز في تبادل الأفكار. وأبدت صوفيا شارلوت رغبتها في الاطلاع على جواب ليبنتز على شكوك بيل. وكان بالفعل يعد مثل هذا البيان حين ترامت إليه الأنباء بوفاة بيل. وراجع ردوده وتوسع فيها ونشرها تحت عنوان "التيوديسية". وكان آنذاك في الرابعة بعد الستين من العمر، وأحس بدنو الأجل، وربما هفت نفسه إلى الإيمان بعدالة الله مع الإنسان. كيف يتأتى أن يتلوث عالم خلقه العلي القدير الخير بمثل هذه المذابح العسكرية والفساد السياسي والقساوة البشرية والشقاء والزلازل والمجاعات والفقر والمرض؟

أن "الرسالة التمهيدية عن مواجهة الإيمان بالعقل" وصفت العقل والكتاب المقدس بأن كليهما وحي من عند الله، ومن ثم كان التناقض بينهما أمراً بعيد الاحتمال.

ويتساءل بيل كيف أن الإله الطيب الخير المطلع سلفاً "على كل ما هنالك من ثمار" يمكن أن يجيز إغراء حواء، فرد ليبنتز على هذا بأن الله، لكي يؤهل الإنسان للمبادئ الأخلاقية، خلق له إرادة حرة، ومن ثم حرية الخطيئة، وحقاً أن الإرادة الحرة تبدو غير ملتئمة مع العلم واللاهوت كليهما، فالعلم يرى في كل مكان حكم قانون لا يتغير، والحرية الإنسانية مضيعة في سباق علم الله وحتمية كل الأحداث قضاء وقدراً. ولكننا، كما قال ليبنتز، واعون في عناد وإصرار وبشكل مباشر أننا أحرار غير مقيدين. أننا، على الرغم من عدم قدرتنا على البرهنة على هذه الحرية، يجدر بنا أن نقبلها شرطاً أساسياً لأي معنى من معاني المسئولية الأخلاقية، بديلاً وحيداً لاعتبار الإنسان آلة سيولوجية عاجزة بشكل سخيف مضحك.

أما بالنسبة لوجود الله، فإن ليبنتز مقتنع بالحجج التقليدية السكولاسية. نحن نتصور كائناً كاملاً، وحيث أن الوجود عنصر ضروري في الكمال، فالكائن الكامل لا بد أن يكون مزدوجاً. ولا بد أن يكون هناك عنصر ضروري وكائن موجود بذاته (غير مخلق) وراء كل العلل القريبة والأحداث المحتملة الوقوع. وليس من مفهوم أن يكون لعظمة الطبيعة ونظامها أي مصدر إلا "ذكاء أسمى". ولا بد أن يكون للخالق في ذاته، وبدرجة غير متناهية، كل القوة والعلم والمعرفة والإرادة التي كشفت في مخلوقاته. والتدبير الإلهي والآلية الكونية غير متعارضتين. فالعناية الإلهية تستخدم الآلية لإنجاز عجائبها، ويستطيع الله أن يربك أو يوقف آلة العالم من آن إلى آن، ليظهر معجزة أو معجزتين(66).

والنفس بطبيعة الحال، خالدة، والموت، مثل الولادة، هو مجرد تغيير في الشكل في مجموعة من المونادات، وتبقى النفس والطاقة المتأصلتان. وفيما عدا الله تكون النفس دائماً ملازمة للجسم، والجسم ملازم للنفس، ولكن سيكون هناك بعث للجسم، كما سيكون هناك بعث للنفس(67) (وليبنتز هنا كاثوليكي فاضل) وفيما دون الإنسان يكون خلود النفس غير شخصي (مجرد إعادة توزيع للطاقة)، والنفس العقلانية في الإنسان وحدها هي التي تتمتع بخلود واع.

والخير والشر اصطلاحان من صنع الإنسان نحددهما تبعاً للذتنا أو ألمنا، ولا يمكن تطبيقهما على الكون دون افتراض أن للإنسان من العلم ما لا يجوز إلا لله. وقد يكون النقص في الجزء مطلوباً لكمال أعظم في الكل(68). وعلى هذا فالخطيئة شر، ولكنها نتيجة الإرادة الحرة التي هي خير. وحتى خطيئة آدم وحواء كانت من بعض النواحي "خطيئة سعيدة" حيث كان من نتيجتها مجيء المسيح(69) "وليس في الكون.. فوضى ولا اضطراب إلا من حيث المظهر(70)". إن آلام الناس ونوائبهم "تسهم في الخير الأعظم عند من يعانون منها(71)". وحتى:

لو تمسكنا.... بالرأي السائد بأن عدد الناس المقدر عليهم الشقاء الأبدي، سيكون أكبر بشكل لا يقارن، من الذين كتب لهم الخلاص، فيجدر بنا أن نذكر أن الشر لا يمكن أن يبدو ضئيلاً إلى حد العدم بالمقارنة مع الخير، إذا تأمل المرء السعة الحقيقية "لمدينة الله" (للجنة).... وحيث أن هذا الجزء من الكون الذي نعرفه ليس إلا شيئاً لا يذكر إلى جانب الجزء الذي لا نعرف عنه شيئاً.... فقد يكون كل الشر ضئيلاً إلى حد العدم تقريباً، إذا قورن بالأشياء الطيبة الموجودة في الكون(72).... ولسنا بحاجة حتى إلى الموافقة على أن في الجنس البشري شراً أكثر مما فيه من خير، فإنه من الممكن، بل أنه لشيء معقول أن تكون سعادة غير المغضوب عليهم وكمالهم أعظم بكثير من شقاء المغضوب عليهم ونقصهم(73).

وهذه الدنيا، مهما بدا من نقصها أمام أعيننا المشبعة بالأنانية هي أحسن ما كان يمكن أن يخلقه الله، حيث ترك البشر أناسي وأحراراً. وإذا كانت ثمة دنيا أحسن في حيز الإمكان فلنكن على يقين من أن الله يمكن أن يخلقها.

أن الكمال الأسمى لله يستتبع أنه في خلق الكون، اختار (سبحانه) أفضل خطة ممكنة، بما فيها أعظم تنوع مع أعظم نظام، وأفضل وضع ومكان وزمان ترتيباً، وأعظم النتائج توفرها أبسط الوسائل وأعظم قوة وأعظم معرفة وأعظم سعادة وأعظم خير في الأشياء المخلوقة التي سلم بها الكون أو أفسح لها مجالاً, وبما أن كل الأشياء الممكن وجودها تطالب بحق الوجود في عقل الله بنسبة درجة كمالها، فإن نتيجة كل هذه المطالبات لا بد أن تكون أكمل دنيا ممكنة فعلاً(74).

ولا يمكن أن نوصي اليوم بقراءة شيء أكثر من ذلك في "ثيودوسية" ليبنتز، اللهم إلا الذين يقدرون لأعظم تقدير سخرية "كانديد" المريرة.


اهتمامات فكرية متنوعة

ومهما يكن من امر فإن "الثيوديسية" أصبحت أوسع كتب ليبنتز انتشاراً وأكثر ما أقبل الناس على قراءته منها، وعرفه الناس بأنه "رجل أفضل العوالم الممكن وجودها". وإذا كان لنا أن نأسف لهذا السخف الذي يهذب ويثقف في هذا العمل العظيم، فإن إجلالنا للمؤلف يحيا ويتجدد إذا أجلنا الطرف في التنوع الغزير لاهتماماته الفكرية. وقد افتتن بالعلم ولو أنه كان جانباً من فكره. وقال ليبنتز لبيل يوماً لو أنه عاش حياة ثانية لأصبح عالماً بيولوجياً(75). وكان من أعمق الرياضيين في عصر زخر بهم. ونبذ ديكارت في صياغة "مقياس القوة ". أما تصوره للمادة على أنها طاقة فكان في نظر عصره لحناً ميتافيزيقياً، ولكنه الآن في أيامنا هذه أمر مألوف في الفيزياء. ووصف المادة بأنها إدراكنا المهوش أو المضطرب لعمليات القوة. ونبذ، مثل معاصرينا من أصحاب النظريات "الحركة المطلقة" التي افترضها نيوتن، وقال بأن "الحركة هي مجرد تغيير في الأوضاع النسبية للأجسام، ومن ثم ليست شيئاً مطلقاً، بل متضمنة في علاقة(76)". واستبق كانت في تفسير المكان والزمان، لا على أنهما حقائق موضوعية، بل علاقات مدركة حسياً: المكان مدرك حسياً على أنه تصاحب في التواجد، والزمان مدرك حسياً على أنه تعاقب-وهي آراء تتبناها اليوم نظريات النسبية. وفي عامه الأخير (1715) دخل ليبنتز في مراسلات طويلة مع صمويل كلارك عن الجاذبية الأرضية، التي بدت له صفة خاصة تكتنفها الأسرار، تعمل على مسافات هائلة جداً عبر فراغ ظاهر، واعترض ليبنتز بأنها قد تكون معجزة متصلة لا تنقطع، فأجاب كلارك بأنها ليست اعظم من "التناسق الأزلي(77)"، وأبدى ليبنتز خوفه من أن تؤدي نظرية نيوتن في الآلية الكونية إلى كثير من الإلحاد، فأجاب كلارك، على العكس، أن النظام المهيب الذي كشف نيوتن غوامضه قد يقوي الإيمان بالله(78). وبررت الأحداث اللاحقة رأي ليبنتز.

وفي علم الحياة (البيولوجيا) تصور ليبنتز "التطور" بشكل غامض. ورأى، مثل كثير من المفكرين قبله وبعده "قانون الاستمرار" نافذاً في العالم العضوي، ولكنه امتد بالفكرة كذلك إلى العالم المظنون أنه غير عضوي: فكل شيء نقطة أو طور في سلسلة لا نهاية لها، مرتبط بكل شيء غيره عن طريق عدد غير محدود من أشكال وسيطة(79)، فهناك كما يقال، حساب اللامتناهيات في الصغر يجري في الحقيقة.

ليس ثمة شيء يتم على الفور. ومن حكمي البليغة... أن الطبيعة لا تقوم بقفزات.... ويعلن قانون الاستمرار أننا ننتقل من الأصغر إلى الأكبر والعكس بالعكس عبر الوسط، درجة درجة، وجزءاً جزءاً على حد سواء(80). (وينازع في هذا كثير من الفيزيائيين اليوم)... والناس مترابطون مع الحيوانات. والحيوانات مترابطة مع النبات، وهذه ثانية مع الأحافير والمستحدثات، وهي بدورها مرتبطة بتلك الأجسام التي يصورها لنا الإحساس والخيال ميتة وغير عضوية تماماً(81). وفي هذا "الاستمرار" المهيب تذوب كل التناقضات، عن طريق سلسلة ضخمة من فوارق توجد ونادراً ما يتيسر إدراكها إدراكاً حسياً، من أبسط المواد إلى أكثرها تعقيداً، ومن أصغر الحيوانات الدنيا التي ترى بالمجهر إلى أعظم حاكم أو عبقري أو قديس.

ويبدو أن ذهن ليبنتز قاس كل هذا الاستمرار الذي وصفه، وكان حسن الاطلاع على كل علم، وعرف تاريخ الأمم والفلسفة. وكم مس مساً رقيقاً الشئون العالمية للكثير من الدول، كما كان على علم تام بالذات وبالله. وفي 1693 نشر بحثاً عن نشأة الأرض وبدايتها متجاهلاً سفر التكوين تجاهلاً تاماً. وطور أفكاره الجيولوجية وتوسع فيها في رسالة "بروتوجيا" نشرت 1749 بعد وفاته. وذهب إلى أن كوكبنا كان يوماً كرة ملتهبة، ثم بردت شيئاً فشيئاً، كونت قشرة، وعندما بردت تكاثف البخار بها إلى مياه ومحيطات-وأصبح الماء ملحاً بذوبان ما في القشرة من معادن. وكانت التغييرات الجيولوجية، التي تلت ذلك، أما نتيجة لفعل المياه التي فاضت على السطح تاركة تكوينات رسوبية، أو نتيجة انفجار الغازات التي تحت الأرض، مخلفة صخوراً بركانية. وأوردت نفس الرسالة تفسيراً بارعاً للأحافير أو المستحاثات(82)، وخطت نحو نظرية للتطور. وبدا له "جديراً بالاعتقاد، أنه من خلال هذه التغييرات البعيدة المدى" في القشرة الأرضية"، "تحولت مرات ومرات حتى أجناس الحيوان(83)". وقال بأنه من المحتمل أن أقدم الحيوانات الأولى كانت بحرية، انحدرت منها البرمائيات والحيوانات البرية(84). ورأى ليبنتز-مثل بعض المتفائلين في القرن التاسع عشر-، في هذا التحول التطوري، أساساً للاعتقاد "بتقدم الكون تقدماً متصلاً لا يعوقه شيء.... لن يقف التقدم عند حد أبداً(85)".

وانتقل ليبنتز من علم الحياة (البيولوجيا) إلى القانون الروماني، ومنه إلى فلسفة الصين. وأفادت رسالته "آخر الأخبار من الصين" 1697 في لهف شديد، من تقارير التي كان يرسلها المبشرون والتجار من "المملكة الوسطى". ورأى أنه من الجائز أن يكون الصينيون قد وصلوا في الفلسفة والرياضة والطب إلى كشوف يكون فيها أكبر العون للحضارة الغريبة. وحث على إقامة روابط ثقافية مع روسيا، لتكون من ناحية، وسيلة لبدء الاتصال الثقافي مع الشرق. وتبادل ليبنتز الرسائل مع الباحثين ورجال العلوم ورجال السياسة والحكم في عشرين بلداً بثلاث لغات. وكتب نحو ثلاثمائة رسالة في العام. و 15 ألفاً منها محفوظة(86). وقد تنافسه رسائل فولتير من حيث الكم، لا من حيث التنوع الفكري. واقترح ليبنتز ندوة عالمية ثقافية يتبادل رجال العلم والمعرفة عن طريقها، أفكارهم وآراءهم ويعرضونها للبحث والمقارنة(87)، وعمل على إيجاد لغة عالمية-"حروف عالمية" يكون فيها لكل فكرة في الفلسفة والعلوم رمزاً وحرف خاص، حتى يتمكن المفكرون من معالجة هذه الأفكار بهذه المجموعة من الرموز، مثلما استخدم الرياضيون العلامات للكميات. وبهذا اقترب من تأسيس المنطق الرياضي والرمزي(88). وبشيء من هذا العبث اللطيف وزع ليبنتز نفسه بين مجالات كثيرة إلى حد أنه لم يكن يترك وراءه إلا قصاصات أو شذرات. ولم يجد فيلسوفنا الشغوف بالعلم المتعدد جوانب المعروفة فسحة من الوقت للزواج. وأخيراً وهو في سن الخمسين فكر في الزواج، ولكن، كما يقول فونتنيل "أمهلته السيدة التي طلب يدها، لتدبر الأمر، وحيث تهيأت له فرصة لإعادة النظر في الموضوع، فإنه لم يتزوج قط(89)". وبعد جولاته وتحليقاته في الدبلوماسية طوى نفسه على دراساته معتزاً بالعكوف عليها في عزلة. أن الرجل الذي كان قد نقب بذهنه في نصف العالم، باعد الآن بينه وبين أصدقائه. وتفرغ للقراءة والكتابة، حتى أثناء الليل. وقلما تنبه لأيام الآحاد أو العطلة. ولم يكن لديه خادم، وكان يبعث في طلب وجبات الطعام من الخارج، وتناولها وحيداً في غرفته(90). فإذا غادرها يوماً، كان ذلك من أجل القيام ببعض الأحداث، أو لمتابعة مشروعاته من أجل النهوض بالمعرفة أو العلوم أو خلق جو من التفاهم.

وراوده حلم إنشاء أكاديميات في العواصم الكبرى، ونجح في واحدة منها، فأسست أكاديمية برلين (1700) بناء على مبادرته، وانتخبته أول رئيس لها. وقابل بطرس الأكبر في تورجو (1712)، ثم في [[كارلسباد[[ وبيرمونت، واقترح أكاديمية مماثلة في سانت بطرسبرج، وحمله القيصر بالهدايا، وتبنى اقتراحه في حكم روسيا عن طريق "وحدات" إدارية، ولكن ليبنتز، لم يعمر حتى يرى أكاديمية سانت بطرسبرج صرحاً قائماً في 1724. ونلتقي به في 1712 في فيينا متلهفاً للحصول على منصب إمبراطوري، حاملاً معه مشروع أكاديمية أخرى. وقدم لشارل السادس خطة لإنشاء معهد لا يقتصر على العلوم، بل يضم التربية والزراعة والصناعة، وعرض خدماته لإدارة المعهد. ورفعه الإمبراطور إلى مرتبة النبلاء، وعينه عضواً في المجلس الإمبراطوري (1712).

وأغضب طول تغيبه عن هانوفر الناخب الجديد جورج. وقطع راتبه فترة من الزمن وأنذر بأنه قد آن الأوان بعد مضي ربع قرن من التعويق والتسويف، للانتهاء من كتابه عن تاريخ أسرة برنزويك. وعند وفاة الملكة آن غادر جورج هانوفر ليتسلم عرش إنجلترا. وبعد ثلاثة أيام من هذا الرحيل، وصل ليبنتز من فيينا 1714. وكان يأمل في أن يذهبوا به إلى لندن حيث ينعم هناك بمنصب أرفع ورواتب أكبر، وبعث إلى الملك الجديد برسائل يسترضيه فيها. ولكن جورج رد بأنه من الخير أن يبقى ليبنتز في هانوفر حتى ينجز الحوليات(91).

ناهيك بأن إنجلترا لم تكن غفرت له نزاعه مع نيوتن حول أيهما وضع حساب التفاضل والتكامل. واستبد به اليأس والوحدة، وعاش عامين آخرين كافح فيهما من أجل الإيمان بحسن نية الكون ومقاصده، أن الرجل الذي عرفوه في القرن الثامن عشر بأنه رسول التفاؤل قضى نحبه متأثراً بداء النقرس وحصاة الكلى في هانوفر، وفي 14 نوفمبر 1716. ولم تحفل بموته أكاديمية برلين، ولا رجال الحاشية الألمان في لندن، ولا أي من أصدقائه في البلد، ولم يحضر أحد من رجال الدين للقيام بالطقوس الدينية للفيلسوف الذي كان يدافع عن الدين ضد الفلسفة. ولم يشيع جنازته إلا رجل واحد، هو سكرتيره السابق، وكتب اسكتلندي كان آنذاك في هانوفر "ووري ليبنتز التراب أقرب شبهاً بلص، منه بما كان عليه حقاً: درة في جبين بلاده ومفخرة لها(92)".

وجدير بنا ألا نشغل الصفحات ببيان أوجه الخلل والنقص في هذا الركام المتعدد الأشكال من الأفكار، فقد قام الزمن منذ عهد بعيد بهذه المهمة الثقيلة. واتهم النقاد ليبنتز بسرقات كثيرة واضحة في كل ما كتبه أو قال به. وعثروا على علم النفس الذي جاء به أفلاطون، والعدل الإلهي عند الفلاسفة السكولاسيين، والمونادات عند برونو، والميتافيزيقيا والأخلاق وعلاقة الذهن بالجسم عند سبينوزا، ولكن من الذي يستطيع أن يقول عن هذه المسائل شيئاً غير ما قيل منذ مائة عام. أن لأيسر أن يكون المرء أصيلاً وأحمق من أن يكون أصيلاً وحكيماً. وهناك ألف من الأخطاء المحتملة في كل حقيقة ولم يستنفذ الجنس البشري بعد كل الإمكانات مع ما بذل من جهود ومحاولات. وهناك هراء كثير في ليبنتز، ولكنا لا نستطيع الجزم بأنه كان هراء أميناً، أو أنه كان تغييراً وقائياً في اللون، أنه يقول لنا بأنه الله حين خلق الدنيا رأى سبحانه في ومضة، كل ما كان سيحدث في أدق تفاصيله(93). وقال "أنا دائماً أبداً فيلسوفاً، ولكني دائماً انتهي رجلاً من رجال اللاهوت(94)". أي أنه أحس أن الفلسفة تخطئ هدفها إذا لم تؤد إلى الفضيلة والتقوى.

وهيأ له حواره الطويل الذكي مع جون لوك واحداً من ادعاءاته الكثيرة، إلا وهو ادعاء الفكر الثاقب ذي القيمة والأهمية. وربما بالع في الفطرية "الأفكار الفطرية"، ولكنه سلم بأنها قدرات أو مواهب أو استعدادات، وليست أفكاراً وأفلح في إظهار أن المذهب الحسي عند لوك كان قد بالغ في تبسيط عملية المعرفة، وأن "الذهن" بطبيعته-إذا كان خالياً فجاً عند الولادة-إنما هو عضو للاستقبال الفعال للأحاسيس ومعالجتها وتحويلها، وهنا، يقف ليبنتز، كما يقف في آرائه عن المكان والزمان، شامخاً، مبشراً بكانت. واكتنفت الصعوبات نظرية المونادات (إذا لم تكن ممتدة، فكيف يتسنى لأي عدد منها أن يحدث امتداداً؟ وإذا كانت "تدرك" الكون إدراكاً حسياً فكيف يكون لديها مناعة ضد أي تأثير خارجي؟)، ولكنها كانت محاولة بارعة أن يجتاز الهوة بين الذهن والمادة، حين جعل المادة عقلية، ولم يجعل الذهن مادياً، وأخفق ليبنتز بطبيعة الحال في التوفيق بين الآلية والتدبير في الطبيعة، أو بين الآلية في الجسم والحرية في الإرادة. وكان فصله بين الذهن والجسم من جديد، بعد أن كان سبينوزا قد وحد بينهما في عملية ذات جانبين، خطوة إلى الوراء في الفلسفة. وكان زعمه أن هذا أفضل العوالم الممكنة مسعى حميداً مشجعاً مفعماً بالأمل، من جانب رجل البلاط، للتسرية عن ملكة، أن أعلم الفلاسفة (أكاديمية بأسرها في شخصه-كما قال عنه فردريك الأكبر) كتب لاهوتاً، كأن شيئاً لم يحدث في تاريخ الفكر منذ سانت أوغسطين. ولكن مع كل مواطن الضعف فيه كانت إنجازاته في العلوم والفلسفة ضخمة. وكان محباً لوطنه ومع ذلك "أوربياً صالحاً"، فأعاد إلى ألمانيا مكاناً مرموقاً في تنمية الحضارة الأوربية وتطويرها. وكتب فردريك الثاني "من كل الذين رفعوا من شأن ألمانيا، قام توماسيوس وليبنتز بأجل الخدمات للروح الإنسانية(95)".

وضعف تأثير ليبنتز عندما قلت قيمة لاهوته أمام الوعي الأخلاقي عند الناس، وعلى مدى جيل بعد وفاته أعاد كريستيان فون ولف صياغة فلسفته صياغة مرتبة. وفي هذا الشكل المعدل أصبحت النمط الفكري السائد في الجامعات الألمانية. وكان أثره خارج ألمانيا يسيراً. ولو أن معظم كتاباته كانت باللغة الفرنسية، فإنها كانت عبارة عن قصاصات لا تشكل عملاً قوياً متماسكاً أو مركزاً. ولم تظهر حتى 1868 أية طبعة تجمعها، بل أنه في تلك السنة أيضاً استبعدت بعض الفقرات الهامة، ولكنها كانت مشوبة بالهرطقة، وكان لزاماً أن تنتظر حتى 1901 لتطبع. وكتب الفوز للرموز التي وضعها لحساب التفاضل والتكامل، ولكن لمدة نصف قرن حمل منافساه نيوتن ولوك كل شيء أمامهما، وأصبحا معبودي عصر الاستنارة في فرنسا. ولكن حتى وسط نشوة العقل هذه، قدر بوفون أن ليبنتز أعظم عبقرية في عصره(96). أما المفكر الألماني اللامع في القرن العشرين أوزوالد شبنجلر فقد اعتبر ليبنتز "أعظم عقل في الفلسفة الغربية بلا منازع(97)".

ولكي تنظم هذه الذرى جميعاً في عقد واحد، يمكن القول في جملة واحدة بأن القرن السابع عشر كان أخصب حقبة في تاريخ الفكر الحديث. فهنا في بيكون وديكارت وهوبز وسبينوزا ولوك وبيل وليبنتز، كانت سلسلة متعاقبة من رجال حميت صدورهم بخمرة العقل، واثقين ابتهاج بأنهم (أو معظمهم) استطاعوا أن يفهموا الكون، حتى إلى حد تكوين فكرات "واضحة متميزة" عن الله، وإلى حد أنهم جميعاً-فيما عدا الأخير-قادوا تلك الاستنارة الذكية العارمة التي كان لزاماً أن تهز الدين والحكومة كلتيهما معاً هزاً عنيفاً في الثورة الفرنسية. وتنبأ ليبنتز بهذه النهاية، وعلى حين ظل الآخر لحظة يدافع عن حرية الكلام(98). فإنه حث المفكرين الأحرار على التفكير في أثر كلماتهم الملفوظة أو المكتوبة على أخلاق الناس وروحهم وفي "الأبحاث الجديدة" حوالي سنة 1700 كتب تحذيراً رائعاً:

إذا كان الإنصاف يقتضي الإبقاء على المفكرين الأحرار، فإن التقوى تقتضي إبراز الآثار السيئة لمبادئهم وتعاليمهم، كلما أمكن ذلك، إذا كانت تتعارض مع الإيمان بتدبير إله بالغ الكمال في الحكمة والخير والعدل، وتتعارض مع خلود الأنفس، ذلك الإيمان الذي يجعلهم سريعي التأثر والحساسية لآثار عدالته، فلا يتحدثون عن آراء خطرة بالنسبة للأخلاق والشرطة. وإني لأعلم أن رجالاً ممتازين يتسمون بحسن النية يرون أن لمثل هذه الآراء النظرية على السلوك والممارسة أثراً أقل مما يظن. كما أعلم أيضاً أن هناك أشخاصاً ذوي ميول طيبة فلا تحدوهم مثل هذه الآراء إلى الإتيان بأي شيء غير جدير بهم... وقد يقال بأن أبيقور وسبينوزا عاشا حياة مثالية تماماً، ولكن هذه الدواعي غلباً ما تنقطع في تلاميذهم ومقلديهم الذين يطلقون، اعتقاداً منهم بأنهم تخلصوا من الخوف المزعج من عناية إلهية متربصة مراقبة، ومن الخوف من المستقبل ينذر بالويل والثبور-يطلقون العنان لشهواتهم البهيمية وأهوائهم الوحشية، ويصرفون أذهانهم إلى إغواء الآخرين وإفسادهم. وإذا استبد بهم الطموح والطمع، أو كانوا ذوي ميول جافية نوعاً ما، فقد يسوغون لأنفسهم، رغبة في البهجة والسرور أو التقدم والرقي، أن يشعلوا النار في أربعة أركان المعمورة. لقد عرفت هذا من طبيعة وخلق بعض من طواهم الردى، وإني لأجد كذلك آراء شبيهة، تندس، شيئاً فشيئاً إلى أذهان رجال من ذوي المكانة الرفيعة المتلافين الذين يحكمون الناس ويتحكمون في مصائر الأمور، كما تندس في الكتب العصرية، وهي آراء تنزع بكل شيء إلى الثورة العامة التي تهدد أوربا(99).

وإنا لنلمح في ثنايا هذه السطور روح القلق الموسوم بالإخلاص، وينبغي أن ننظر بالتقدير والإجلال إلى نصيحة التحذير التي تعبر عنها. ومع ذلك فإنه بعد أن محقت الاستنارة كل المذاهب الدينية، وأشعلت الثورة الفرنسية النار بشكل عابر، استطاع مؤرخ كبير أن ينظر إلى الوراء، إلى هذا العصر الأول من عصور العلوم والفلسفة الحديثة، ويرى في المغامرين فيه، لا مدمرين للحضارة، بل محررين للجنس البشري، قال لكي Leeky

هكذا درب معلمو القرن السابع عشر العظام... أذهان الناس ونظموها من أجل البحث والتحقيق المجردين غير المتحيزين، وفجروا، بعد أن حطموا التعويذة التي شلت حركتهم زمناً طويلاً، ينبوعاً من الحب الخالص للحقيقة التي أحدثت ثورة وتغييراً في كل جوانب المعرفة. وإلى هذا الدافع الذي انتقل آنذاك، يمكننا أن نتعقب حركة حاسمة كبيرة جددت كل التاريخ. وكل العلوم، وكل اللاهوت-وهي حركة نفذت إلى أخفى الأعماق، مدمرة الحزازات القديمة، مبددة الأوهام، معيدة ترتيب.... معرفتنا، مغيرة كل مدى وطبيعة تعاطفاتنا واهتماماتنا وربما كان ضرباً من المحال أن يتم كل هذا لولا انتشار روح عقلانية(100).

وهكذا من حسن الحظ أو لسوء الحظ، وضع القرن السابع عشر أسس الفكر الحديث. ولقد كانت النهضة مقيدة بالآراء القديمة التقليدية والطقوس الكاثوليكية والفن الكاثوليكي. وكان الإصلاح الديني مرتبطاً بالمسيحية البدائية وعقيدة العصور الوسطى. أما هذه الحقبة الغنية الحاسمة، من جاليليو إلى نيوتن، ومن ديكارت إلى بيل، ومن بيكون إلى لوك، فقد ولت وجهها شطراً مستقبل غير معلوم بشر بكل أخطار الحرية، وهي حقبة استحقت ربما حتى أكثر من القرن الثامن عشر أن تسمى "عصر العقل، لأنها على الرغم من أن المفكرين فيها ظلوا أقلية ضئيلة، فإنهم أظهروا اعتدالاً أحكم، وسبراً أعمق لأغوار العقل والحرية، وما يكتنفهما من مشاق، من أبطال الاستنارة الفرنسية الذين فك وثاقهم. ومهما يكن من أمر فإن المسرحية الكبرى في التاريخ الحديث، كانت قد مثلت فصلها الثاني، وقاربت نهايتها.

عالم الرياضيات

على الرغم من أن فكرة الدوال الرياضية كانت مضمنة في الجداول المثلثية واللوغاريتمية، والتي كانت موجودة في أيامه، كان لايبنتز أول، عام 1692 و1694، من يوظفها صراحة، للتدليل على المفاهيم الرياضية المتعددة المستمدة من المنحنى، مثل abscissa، الإحداثي الأفقي، المماس، الوتر، والمتعامد.[3] In the 18th century, "function" lost these geometrical associations.

كان لايبنتز أول من رأى أن معاملات نظام المعادلات الخطية ينبغي ترتيبها في نظام صفي، ما يطلق عليها الآن المصفوفة، اكتشاف لايبنتز للجبر البولياني والمنطق الرمزي، والمرتبط أيضاً بالرياضيات، تمت مناقشته في القسم السابق. أفضل نظرة عامة على كتابات لايبنتز في التفاضل والتكامل قد تكون موجودة في بوس (1974).[4]

التفاضل والتكامل

يرجع الفضل للايبنتز، والسير إسحاق نيوتن، في إكتشاف التفاضل والتكامل (حساب التفاضل والتكامل). حسب مفكرات لاينبتز، فالتقدم الحاسم الذي حدث في 11 نوفمبر 1675، عندما وظف لايبنتز التفاضل والتكامل لأول مرة لإيجاد المنطقة الوقعة أسفل الرسم البياني للدالة y = ƒ(x).[5] قدم لايبنتز العديد من الرموز المستخدمة في ذلك اليوم، على سبيل المثال العلامة التكاملية ∫ تمثل الممتد S، من الكلمة اللاتينية summa وd المستخدمة للتفاضليات، من الكلمة اللاتينية differentia. هذه الرموز الذكية الملهمة في حساب التفاضل والتكامل قد تكون أفضل إرث رياضي خالد. لم ينشر لايبنتز أي شيء من كتاباته في التفاضل والتكامل حتى 1684.[6] قاعدة الضرب التفاضلية لا تزال تسمى "قانون لايبنتز". بالإضافة إلى ذلك، فالنظرية التي تقول كيف ومتى to differentiate under the integral sign تسمى قانون لايبنتز التكاملي.

استغلال ليبنتز لمتناهيات الصغر في تطوير التفاضل والتكامل، متلاعباً بهم بطرق توحي بأن لهم خصائص جبرية مفارقية. جورج بركلي، في ورقة بحثية تسمى The Analyst وأيضاً في De Motu، انتقد هذا. دراسة حديثة تقترح أن التفاضل والتكامل اللايبنتزي كان خالي من التناقضات، وأنه كان ذو خلفية أفضل من انتقادات بركلي التجريبية.[7]

من 1711 حتى وفاته، كانت لايبنتز في نزاع من جون كايل، نيوتن وآخرين، حول ما إذا كان لايبنتز قد اخترع التفاضل والتكامل بشكل مستقل عن نيوتن. عولج هذا الموضوع بشكل مطول في مقالة جدل لايبنتز-نيوتن.

استخدام متناهيات الصغر في الرياضيات كان مكروهاً من أتباع كارل ڤايرستراس[بحاجة لمصدر]، لكنه ظل قائماً في العلوم والهندسة، وحتى في الرياضيات الدقيقة، عن طريق الأداة الحسابية الأساسية المعروفة differential. بدءاً من عام 1960، عمل أبراهام روبينسون على الأساس الدقيق لمتناهيات الصغر للايبنتز، مستخدماً نظرية النموذج، في سياق حقل الأعداد الحقيقية الفائقة. نتيجة التحليل الغير قياسي يمكن اعتبارها تبرئة متأخرة لتفكير لايبنتز الرياضي. مبدأ النقل لروبينسون هو تطبيق رياضي لقانون الاستمرارية الارشادي للايبنتز، بينما standard part function هي تطبيق للقانون التجاوزي للتجانس للايبنتز.

الطبولوجيا

كان لايبنتز أول من استخدم مصطلح analysis situs/[8] استخدم لاحقاً في القرن 19 للإشارة إلى ما يعرف الآن بالطبولوجيا. هناك شيئان يأخذان هذا الوضع. من جهة أخرى، يقول ماتس، مستشهدا في ورقة بحثية نشرها جاكوب فرودنتال بالألمانية عام 1954:

بالرغم من أن لايبنتز the situs of لسلسلة من النقاط محكوم تماماً بالمسافة الموجودة بينهم ويتبدل في حال تبدل هذه المسافات، إلا أن نصيره أولر، في ورقة بحثية شهيرة عام 1736 محل حل مشكلة جسر كونيگسبرگ وتعميماتها، مستخدماً مصطلح geometria situs كما لو أن the situs لم تتغير تحت التشوهات الطوبوجرافية. ينسب، بشكل خاطئ، للايبنتز أنه خلق هذا المفهوم... ولم يدرك أحياناًَ أن لايبتنز قد استخدم هذا المصطلح بمعنى مختلف تماماً وبالتالي لا يمكن اعتباره مؤسس هذا الجزء من الرياضيات.[9]

لكن هيديكي هيرانو له مزاعم مختلفة، مستشهداً بماندلبرو:[10]

تذوق أعمال لايبنتز العلمية هي تجربة واقعية. بجانب التفاضل والتكامل، والأفكار الأخرى التي أنجزها، هناك عدد ومجموعة متنوعة من التوجهات الأولية الهائلة. رأينا أمثلة على ذلك في 'packing,'... My Leibniz mania is further reinforced by finding that for one moment its hero attached importance to geometric scaling. In "Euclidis Prota"..., which is an attempt to tighten Euclid's axioms, he states,...: 'I have diverse definitions for the straight line. The straight line is a curve, any part of which is similar to the whole, and it alone has this property, not only among curves but among sets.' This claim can be proved today.[11]

Thus the fractal geometry promoted by Mandelbrot drew on Leibniz's notions of self-similarity and the principle of continuity: natura non saltum facit. We also see that when Leibniz wrote, in a metaphysical vein, that "the straight line is a curve, any part of which is similar to the whole", he was anticipating topology by more than two centuries. As for "packing", Leibniz told to his friend and correspondent Des Bosses to imagine a circle, then to inscribe within it three congruent circles with maximum radius; the latter smaller circles could be filled with three even smaller circles by the same procedure. This process can be continued infinitely, from which arises a good idea of self-similarity. Leibniz's improvement of Euclid's axiom contains the same concept.

المصادر

  1. ^ ابراهيم العريس (2010-09-06). "«مشروع حملة مصر» لليبنيتس: الفلسفة وراء التوسّع الاستعماري". صحيفة الحياة اللبنانية. 
  2. ^ ول ديورانت. "قصة الحضارة". معرفة المصادر.  |chapter= ignored (help)
  3. ^ Struik (1969), 367
  4. ^ Jesseph, Douglas M. (1998). "Leibniz on the Foundations of the Calculus: The Question of the Reality of Infinitesimal Magnitudes". Perspectives on Science. 6.1&2: 6–40. Retrieved 31 December 2011. 
  5. ^ Leibniz, Gottfried Wilhelm Freiherr von; Gerhardt, Carl Immanuel (trans.) (1920). The Early Mathematical Manuscripts of Leibniz. Open Court Publishing. p. 93. Retrieved 10 November 2013. 
  6. ^ For an English translation of this paper, see Struik (1969: 271–84), who also translates parts of two other key papers by Leibniz on the calculus.
  7. ^ Katz, Mikhail; Sherry, David (2012), "Leibniz's Infinitesimals: Their Fictionality, Their Modern Implementations, and Their Foes from Berkeley to Russell and Beyond", Erkenntnis, doi:10.1007/s10670-012-9370-y 
  8. ^ Loemker §27
  9. ^ Mates (1986), 240
  10. ^ HIRANO, Hideaki. "Leibniz's Cultural Pluralism And Natural Law". Retrieved March 10, 2010. [dead link]
  11. ^ Mandelbrot (1977), 419. Quoted in Hirano (1997).

أعماله

Four important collections of English translations are W (Wiener 1951), LL (Loemker 1969), AG (Ariew and Garber 1989), and WF (Woolhouse and Francks, 1998).

The ongoing critical edition of all of Leibniz's writings is Sämtliche Schriften und Briefe.

Selected works; major ones in bold. The year shown is usually the year in which the work was completed, not of its eventual publication.

  • 1666. De Arte Combinatoria (On the Art of Combination). Partially translated in LL §1 and Parkinson (1966).
  • 1671. Hypothesis Physica Nova (New Physical Hypothesis). LL §8.I (part)
  • 1673 Confessio philosophi (A Philosopher's Creed, English translation)
  • 1684. Nova methodus pro maximis et minimis (New Method for maximums and minimums). Translation in Struik, D. J., 1969. A Source Book in Mathematics, 1200–1800. Harvard Uni. Press: 271–81.
  • 1686. Discours de métaphysique. Martin and Brown (1988). Jonathan Bennett's translation. AG 35, LL §35, W III.3, WF 1.
  • 1705. Explication de l'Arithmétique Binaire (Explanation of Binary Arithmetic). Gerhardt, Mathematical Writings VII.223.
  • 1710. Théodicée. Farrer, A.M., and Huggard, E.M., trans., 1985 (1952). Theodicy. Open Court. W III.11 (part).
  • 1714. Monadologie. Nicholas Rescher, trans., 1991. The Monadology: An Edition for Students. Uni. of Pittsburg Press. Jonathan Bennett's translation. Latta's translation. AG 213, LL §67, W III.13, WF 19.
  • 1765. Nouveaux essais sur l'entendement humain. Completed 1704. Remnant, Peter, and Bennett, Jonathan, trans., 1996. New Essays on Human Understanding. Cambridge Uni. Press. W III.6 (part). Jonathan Bennett's translation.

Collections of shorter works in translation:

  • Ariew, R & D Garber (1989), Leibniz: Philosophical Essays, Hackett
  • Bennett, Jonathan. Various texts.
  • Cook, Daniel, and Rosemont, Henry Jr., 1994. Leibniz: Writings on China. Open Court.
  • Dascal, Marcelo, 1987. Leibniz: Language, Signs and Thought. John Benjamins.
  • {{Loemker, Leroy (1969 (1956)), Leibniz: Philosophical Papers and Letters, Reidel
  • Martin, R.N.D., and Brown, Stuart, 1988. Discourse on Metaphysics and Related Writings. St. Martin's Press.
  • Parkinson, G.H.R., 1966. Leibniz: Logical Papers. Oxford Uni. Press.
  • ———, and Morris, Mary, 1973. 'Leibniz: Philosophical Writings. London: J M Dent & Sons.
  • Riley, Patrick, 1988 (1972). Leibniz: Political Writings. Cambridge Uni. Press.
  • Rutherford, Donald. Various texts.
  • Strickland, Lloyd, 2006. Shorter Leibniz Texts. Continuum Books. Online.
  • Wiener, Philip (1951), Leibniz: Selections, Scribner Regrettably out of print and lacks index.
  • Woolhouse, R.S., and Francks, R., 1998. Leibniz: Philosophical Texts. Oxford Uni. Press.

Donald Rutherford's online bibliography.

أدبيات ثانوية

The only biography in English is Aiton (1985). A lively short account of Leibniz’s life, one also doing fair justice to the breadth of his interests and activities, is Mates (1986: 14–35), who cites the German biographies extensively. Also see MacDonald Ross (1984: chpt. 1), the chapter by Ariew in Jolley (1995), and Jolley (2005: chpt. 1). For a biographical glossary of Leibniz's intellectual contemporaries, see AG 350.

For a first introduction to Leibniz's philosophy, turn to the Introduction of an anthology of his writings in English translation, e.g., Wiener (1951), Loemker (1969a), Woolhouse and Francks (1998). Then turn to the monographs MacDonald Ross (1984), and Jolley (2005). For an introduction to Leibniz's metaphysics, see the chapters by Mercer, Rutherford, and Sleigh in Jolley (1995); see Mercer (2001) for an advanced study. For an introduction to those aspects of Leibniz's thought of most value to the philosophy of logic and of language, see Jolley (1995, chpts. 7,8); Mates (1986) is more advanced. MacRae (Jolley 1995: chpt. 6) discusses Leibniz's theory of knowledge. For glossaries of the philosophical terminology recurring in Leibniz's writings and the secondary literature, see Woolhouse and Francks (1998: 285–93) and Jolley (2005: 223–29).

تقديم:

متوسط:

  • Aiton, Eric J., 1985. Leibniz: A Biography. Hilger (UK).
  • Brown, Gregory, 2004, "Leibniz's Endgame and the Ladies of the Courts," Journal of the History of Ideas 65: 75–100.
  • Hall, A. R., 1980. Philosophers at War: The Quarrel between Newton and Leibniz. Cambridge Univ. Press.
  • Hostler, J., 1975. Leibniz's Moral Philosophy. UK: Duckworth.
  • Jolley, Nicholas, ed., 1995. The Cambridge Companion to Leibniz. Cambridge Univ. Press.
  • LeClerc, Ivor, ed., 1973. The Philosophy of Leibniz and the Modern World. Vanderbilt Univ. Press.
  • Loemker, Leroy, 1969a, "Introduction" to his Leibniz: Philosophical Papers and Letters. Reidel: 1–62.
  • Arthur O. Lovejoy, 1957 (1936). "Plenitude and Sufficient Reason in Leibniz and Spinoza" in his The Great Chain of Being. Harvard Uni. Press: 144–82. Reprinted in Frankfurt, H. G., ed., 1972. Leibniz: A Collection of Critical Essays. Anchor Books.
  • MacDonald Ross, George, 1999, "Leibniz and Sophie-Charlotte" in Herz, S., Vogtherr, C.M., Windt, F., eds., Sophie Charlotte und ihr Schloß. München: Prestel: 95–105. English translation.
  • Perkins, Franklin, 2004. Leibniz and China: A Commerce of Light. Cambridge Univ. Press.
  • Riley, Patrick, 1996. Leibniz's Universal Jurisprudence: Justice as the Charity of the Wise. Harvard Univ. Press.

متقدم

  • Adams, Robert M., 1994. Leibniz: Determinist, Theist, Idealist. Oxford Uni. Press.
  • Louis Couturat, 1901. La Logique de Leibniz. Paris: Felix Alcan. Donald Rutherford's English translation in progress.
  • Ishiguro, Hide, 1990 (1972). Leibniz's Philosophy of Logic and Language. Cambridge Univ. Press.
  • Lenzen, Wolfgang, 2004. "Leibniz's Logic," in Gabbay, D., and Woods, J., eds., Handbook of the History of Logic, Vol. 3. North Holland: 1–84.
  • Mates, Benson, 1986. The Philosophy of Leibniz: Metaphysics and Language. Oxford Univ. Press.
  • Mercer, Christia, 2001. Leibniz's metaphysics: Its Origins and Development. Cambridge Univ. Press.
  • Robinet, André, 2000. Architectonique disjonctive, automates systémiques et idéalité transcendantale dans l'oeuvre de G.W. Leibniz: Nombreux textes inédits. Vrin
  • Rutherford, Donald, 1998. Leibniz and the Rational Order of Nature. Cambridge Univ. Press.
  • Wilson, Catherine, 1989. Leibniz's Metaphysics. Princeton Univ. Press.
  • Woolhouse, R. S., ed., 1993. G. W. Leibniz: Critical Assessments, 4 vols. Routledge. A remarkable one-stop collection of many valuable articles.

Online bibliography by Gregory Brown.

أعمال أخرى مذكورة

اقتباسات

Wiener (1951: 567–70) lists 44 quotable "proverbs" beginning with "Justice is the charity of the wise."

  • "In the realm of spirit, seek clarity; in the material world, seek utility." Mates's (1986: 15) translation of Leibniz's motto.
  • "God is the final reason of salvation, of grace, of faith and of election in Jesus Christ." (Theodicy: Essays on the Justice of God and the Freedom of Man in the Origin of Evil, Part I, 126)
  • "With every lost hour, a part of life perishes." "Deeds make people." Loemker's (1969: 58) translation of other Leibniz mottoes.
  • "The monad... is nothing but a simple substance which enters into compounds. Simple means without parts... Monads have no windows through which anything could enter or leave." Monadology (LL §67.1,7)
  • "I maintain that men could be incomparably happier than they are, and that they could, in a short time, make great progress in increasing their happiness, if they were willing to set about it as they should. We have in hand excellent means to do in 10 years more than could be done in several centuries without them, if we apply ourselves to making the most of them, and do nothing else except what must be done." (Translated in Riley 1972: 104, and quoted in Mates 1986: 120)
  • "There is also a type of a middle-of-the-roader who, feeling embarrassed, tacks back and forth, shifts the target for himself and others, hides behind words and phrases, or turns and twists the question so long that one no longer knows what it amounted to. This is what Leibniz did, who was much more of a mathematician and a learned man than a philosopher." (Schopenhauer, On the Freedom of the Will, Ch. III)
  • "It is unworthy of excellent men to lose hours like slaves in the labour of calculation which could safely be relegated to anyone else if machines were used."
  • "Truths of reason are necessary and their opposite is impossible: truths of fact are contingent and their opposite possible."
  • "It is one of my most important and very best verified maxims that nature makes no leaps. This I have called the law of continuity."
  • "Why is there something, rather than nothing?"
  • "There are two kinds of truths: truths of reasoning and truths of fact."
  • "The soul is the mirror of an indestructible universe."

انظر أيضاً

وصلات خارجية

Wikisource
Wikisource has original works written by or about:

ru-sib:Ляйбниц