گوتهولد افرايم لسنگ

(تم التحويل من جوتهولد افرايم لسنج)
گوتهولد افرايم لسنگ

گوتهولد إفرايم لسنگ Gotthold Ephraim Lessing (و. 22 يناير 1729 – 15 فبراير 1781) كان كاتباً ألمانياً ، وفيلسوفاً، درامي، إعلامي، وناقد فني، وأحد أهم رموز عصر التنوير. أثرت مسرحياته وكتاباته النظرية بشكل كبير على تطور الأدب الألماني.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

سيرته

كان جده الأعلى عمدة لبلدة في سكسونيا، وظل جده أربعة وعشرين عاماً عمدة على كامينتس، وكتب دفاعاً عن التسامح الديني؛ وكان أبوه الراعي اللوثري الأول في كامينتس، وكتب دروساً في تعليم العقيدة بالسؤال والجواب حفظها ليسنج عن ظهر قلب. أما أمه فكانت ابنة الواعظ الذي تقلد أبوه من قبل منصب الراعي لكنيسته. وكان تصرفاً طبيعياً منها أن تنذره للقسوسية، وطبيعياً منه بعد أن أتخم بالتقوى أن يتمرد.

وكان تعليمه المبكر في البيت وفي مدرسة ثانوية بمدينة مايسين مزيجاً من التأديب الألماني والآداب الكلاسيكية، ومن اللاهوت اللثوري والكوميديا اللاتينية. يقول "كان تيوفراستوس، وبلاوتوس، وترينس، عالمي الذي درسته بابتهاج"(62)، وحين بلغ السابعة عشرة بعث إلى ليبزج على منحة دراسية. فوجد المدينة أكثر إثارة للاهتمام من الجامعة؛ وانغمس في بعض حماقات الشباب، وعشق المسرح ووقع في غرام إحدى الممثلات، وسمح له بالدخول وراء الكواليس، وتعلم وسائل تقوية التأثير المسرحي. وفي التاسعة عشرة كتب تمثيلية، ووفق في جهوده فأخرجت. فلما سمعت الأم بنبأ هذه الخطيئة بكت، واستدعاه الأب إلى البيت غاضباً. ولكنه سرى عنهما بابتسامة، وأقنعهما بسداد ديونه. وحين وقعت أخته على قصائده وجدتها بذيئة إلى حد مذهل وأحرقتها؛ فرمى ثلجاً في صدرها ليخفف من حماستها. ثم أعيد إلى ليبزج ليدرس الفلسفة ويصبح أستاذاً، ولكنه وجد الفلسفة قاتلة، واقترض ديوناً عجز عن الوفاء بها، ثم هرب إلى برلين (1748).

هناك عاش حياة الأديب الذي يلتقط رزقه يوماً بيوم-يراجع الكتب، ويترجم، ويشترك مع كريستلوب ميليوس في تحرير مجلة مسرحية لم تعمر. وما أن بلغ التاسعة عشرة حتى أصبح مدمناً للتفكير الحر. فقرأ سبينوزا ووجده برغم هندسته لا يقاوم. وألف مسرحية (1749) عنوانها "الروح الحر"، قابلت بين تيوفان القسيس الشاب اللطيف، وآدراست الحر التفكير الخشن الصخاب الذي تغلب عليه إلى حد ما صفات الأوغاد. هنا انتصرت المسيحية في الجدل. ولكن في هذه الفترة أو حولها كتب ليسنج لأبيه يقول "ليس الإيمان المسيحي بالشيء الذي ينبغي للمرء أن يتقبله من أبويه بتسليم"(63) وألف الآن تمثيلية أخرى (اليهود) ناقشت التزاوج بين المسيحيين واليهود. فهنا عبراني غني شريف لا اسم له إلا "المسافر". ينقذ حياة نبيل مسيحي وابنته، فيعرض النبيل عليه الزواج من ابنته مكافأة له، ولكنه يعدل عن عرضه حين يميط اليهودي اللثام عن حقيقة جنسه؛ ويوافق اليهودي على أن الزواج لو تم لكان غير سعيد. ولم يتعرف ليسنج إلى موسى مندلسون الذي رأى فيه تجسيداً للفضائل التي كان قد خلعها على "المسافر" إلا بعد خمس سنين (1754) وذلك أثناء مباراة للشطرنج. وفي بواكير عام 1751 كلف فولتير أو سكرتيرة ليسنج بأن يترجم إلى الألمانية مادة أراد الفيلسوف المتغرب أن يستعملها في دعوى رفعها على أبراهام هيرش، وسمح السكرتير لليسنج أن يستعير جزءاً من مخطوط كتاب فولتير "قرن لويس الرابع عشر". وفي تاريخ لاحق من تلك السنة ذهب ليسنج إلى فتنبرج وأخذ المخطوط معه. وخشي فولتير أن تستعمل هذه النسخة غير المصححة في إصدار طبعة مسروقة، فأرسل إلى ليسنج طلباً عاجلاً بأسلوب مهذب ليرد الأوراق. واستجاب ليسنج، ولكنه أنكر النغمة المتعجلة، وربما كان هذا سباً في تشويه خصومته التالية لأعمال فولتير وخلقه.

ونال ليسنج درجة الأستاذية من جامعة فتنبرج عام 1752. فلما عاد إلى برلين شارك في دويات شتى بمقالات اتسمت بكثير من التفكير الإيجابي والأسلوب اللاذع، فما حل عام 1753 حتى كان قد اكتسب قراء بلغوا من الكثرة حداً يلتمس له معه العذر في أن ينشر وهو في الرابعة والعشرين طبعة جمعت كل أعماله في ستة مجلدات. وقد اشتملت على تمثيلية جديدة اسمها "الآنسة سارة سمامبسن" كانت من معالم تاريخ المسرح الألماني. وكان المسرح الألماني إلى هذا التاريخ قد أخرج كوميديات وطنية، ولكن ندر أن أخرج مأساة وطنية. لذلك ناشد ليسنج زملاءه كتاب التمثيليات أن يتحولوا عن النماذج الفرنسية إلى النماذج الإنجليزية ويكتبوا مآسيهم هم. وامتدح ديدرو لدفاعه عن الكوميديا العاطفية ومأساة الطبقة الوسطى، ولكن تمثيلية "الآنسة سامبسن" استوحاه من إنجلترة-من "التاجر اللندني" لجورج ليللو (1731) و "كلاريسا" لصموئيل رتشردسن (1748).

ومثلت المسرحية في فرانكفورت-على-الأدور عام 1755، ولقيت قبولاً حسناً. وقد احتوت كل عناصر الدراما؛ بدأت بإغواء، واختتمت بانتحار، ووصلتهما بنهر من الدموع. والوغد مليفونت (الحلو المظهر) هو لفليس في قصة رتشردسن؛ تمرس بسلب الفتيات بكارتهن، ولكنه يستنكر الزواج بواحدة؛ يعد سارة بالزواج-ويهرب معها، ويعاشرها معاشرة الأزواج، ثم يسوف في الزواج؛ وتحاول خليلة سابقة له أن تسترده، وتخفق، فتدس السم لسارة، ويصل أبو سارة، مستعداً لأن يغفر كل شيء ويقبل ميلفونت صهراً له، وكأنه يطبق ملاحظة ليسنج الساخرة: إن الأبطال في المآسي لا يموتون من شيء إلا من الفصل الخامس(64). وخيل إليه أن في استطاعته الآن أن يرتزق من الكتابة للمسرح، ولما لم يكن في بريلن مسارح فإنه رحل إلى ليبزج (1755) ثم اندلعت حرب السنين السبع، فأقفل المسرح، وكسدت سوق الكتب، وبات ليسنج مفلساً. فعاد إلى برلين، وشارك في مجلة نيقولاي "رسائل عن أحدث ثمرات الأدب" بمقالات سجلت قمة جديدة في النقد الأدبي الألماني. تقول رسالته التاسعة عشرة "إن القواعد هي ما يشاء أساتذة الفن مراعاته" وفي 1760 غزا الجيش النمساوي الروسي برلين، ففر ليسنج إلى برزلاو حيث عمل سكرتيراً لقائد بروسي. وخلال السنين الخمس التي أقامها هناك اختلف إلى الحانات، وقامر، ودرس سبينوزا، وآباء المسيحية القدامى، وفنكلمان، وكتب "لاوكون"، ثم عاد إلى برلين في 1765. وفي 1766 دفع بأشهر كتبه إلى المطبعة.

وهذا الكتاب "لاوكون، أو على التخوم بين التصوير والشعر" استلهم حافزه المباشر من كتاب فنكلمان "أفكار عن محاكاة الآثار الإغريقية في التصوير والنحت" (1755). وبعد أن كتب ليسنج نصف مخطوطه وصله كتاب فنكلمان "تاريخ الفن القديم" (1764)، فقطع بحثه وكتب يقول، "لقد ظهر كتاب الهر فنكلمان في تاريخ الفن. ولن أجرؤ على التقدم خطوة أخرى قبل أن أقرأ هذا الكتاب"(65) واتخذ نقطة انطلاقة من مفهوم فنكلمان عن الفن الإغريقي الكلاسيكي متمثلاً في الوقار الهادئ والفخامة المطمئنة، ووافق على زعم فنكلمان أن مجموعة تماثيل اللاوكون المحفوظة بقاعة الفاتيكان للفنون احتفظت بهذه الصفات رغم الألم القتال (اشتبه لاوكون، كاهن أبوللو في طروادة، في أن هناك يونانيين يختبئون في "حصان طروادة"، فقذفه برمح، ولكن الإلهة أثينا المحابية لليونان أقنعت بوسايدون أن يطلع من البحر ثعبانين ضخمين التفا حول الكاهن وولديه التفافاً قاتلاً). وقد ظن فنكلمان أن مجموعة لاوكون-التي تعد الآن عملاً من أعمال نحاتين رودسيين في القرن الأخير قبل المسيح-تنتمي إلى عصر فيدياس الكلاسيكي.

أما لماذا خلع فنكلمان، الذي شاهد هذا الأثر ودرسه صفة الجلال المطمئن على ملامح الكاهن المشوهة فذلك سر غامض. وقد قبل ليسنج الوصف لأنه لم ير التمثال قط(66). ووافق على أن المثال خفف من تعبير الألم؛ ثم راح يتساءل عن سبب هذا الانضباط الفني، وأراد استنباطه من قيود الفن التشكيلي الأصيلة الصحيحة.

ثم تمثل بقول الشاعر الإغريقي سيمونيدس إن "التصوير شعر صامت، والشعر تصوير بليغ"(67). وأضاف أن الاثنين مع ذلك يجب أن يلزما حدودهما الطبيعية: فالتصوير والنحت ينبغي أن يصفا الأشياء في المكان، لا أن يحاولا قص قصة، أما الشعر فينبغي أن يروي أحداثاً في الزمان، لا أن يحاول وصف أشياء في المكان. وينبغي أن يترك الوصف المفصل للفنون التشكيلية، فإذا ورد في الشعر، كما في "فصول" طومسن أو "ألب" هالر، قطع السرد وشوش الأحداث. "ومعارضة هذا الذوق الفاسد ومناقضة هذه الآراء التي لا أساس لها، هو والهدف الرئيسي للملاحظات التالية"(68). ولكن سرعان ما نسي ليسنج هذا الهدف، وتاه في نقاش مستفيض لكتاب فنكلمان في تاريخ الفن. هنا كانت تعوزه الخبرة والكفاية، وكان لتمجيده الجمال المثالي باعتباره هدف الفن أثر معطل على التصوير الألماني. ثم أنه خلط بين التصوير والنحت، وطبق عليهما جميعاً المعايير الخاصة بالنحت في المقام الأول. وبهذا شجع شكلية أنطون رفائيل منجز الجامدة. بيد أن أثره على الشعر الألماني كان بركة؛ فقد حرره من الأوصاف المسهبة، والنزعة الوعظية المدرسية، والتفصيل الممل، وأرشده إلى الحركة والشعور. وقد أقر جوته شاكراً بالتأثير المحرر لكتاب ليسنج "لاوكون".

ووجد ليسنج نفسه أكثر تمكناً من عمله حين انتقل (أبريل 1767) إلى هامبورگ كاتباً وناقداً مسرحياً براتب قدره ثمانمائة طالر في العام. وهناك أخرج تمثيليته الجديدة. "منافون بارنهيلم". وبطل التمثيلية-الميجر ثلهايم-العائد من الحرب بأكاليل الغار إلى أملاكه يظفر بخطبة منا الحسناء الغنية. غير أن الحظ الذي قلب له ظهر المجن، والدسائس المعادية التي لاحقته، يهويان به إلى درك الفقر، فينسحب من الخطبة لأنه لم يعد الزوج الصالح لوريثة ثروة ضخمة. ويختفي، ولكنها تطارده وتتوسل إليه أن يتزوجها، فيرفض. وإذ تدرك السبب تدبر خدعة تبيت بها معدمة ولكن في صورة جذابة؛ ويعرض الميجر الآن نفسه زوجاً لها ويدخل رسولان فجأة يعلنان كل من ناحية أن منا وتلهايم قد استردا ثروتهما. ويبتهج الجميع، وحتى الخدم يدفعون على عجل إلى الزواج. والحوار مبرح، والشخوص بعيدة التصديق، والحبكة منافية للعقل-ولكن كل الحبكات تقريباً منافية للعقل.

وفي اليوم الذي شهد افتتاح المسرح القومي بهمبورج (22 أبريل 1767) أصدر ليسنج نشرة قدم بها لمقالاته في نظرية الدراما وقد علقت هذه المقالات دورياً، طوال العامين التاليين، على التمثيليات التي أخرجت في ألمانيا، وعلى نظرية الدراما في أعمال الفلاسفة. وقد اتفق مع أرسطو على القول بأن الدراما أسمى أنواع الشعر، وقبل في تناقض مندفع القواعد التي وضعها أرسطو في كتابه "في الشعر":

"لست أتردد في الاعتراف... بأني أعده معصوماً مثل "مبادئ"(69) اقليدس (الذي لم يعد الآن معصوماً). ومع ذلك توسل إلى مواطنيه أن يكفوا عن تبعيتهم لكورنيني وراسين وفولتير، وأن يدرسوا فن الدراما كما هو معلن في شكسبير (الذي تجاهل قواعد أرسطو). وقال أنه يشعر أن في الدراما الفرنسية إسرافاً في الشكلية لا يسمح بإحداث ذلك "التنفيس" أو تطهير العواطف الذي وجده أرسطو في الدراما اليونانية؛ وذهب إلى أن شكسبير قد حقق هذا التطهير على نحو أفضل في الملك لير، وعطيل، وهاملت بحدة الحركة وقوة لغتها وروعتها. وقد أكد ليسنج ضرورة توفر عنصر الاحتمال، ناسياً منديل ديدمونة. فكاتب الدراما القدير يتجنب الاعتماد على المصادفات والتفاهات، فيبني بالتدريج كل شخص من شخوصه بحيث تصدر الأحداث بالضرورة عن طبيعة الأشخاص المعنيين. وقد وافق كتاب الدراما في فترة حركة "شتورم أوند درانج (الاقتحام والجهاد) على اتخاذ شكسبير مثلاً أعلى، وحرروا الدراما الألمانية في ابتهاج من الدراما الفرنسية. وألهمت الروح القومية التي تصاعدت بانتصارات فردريك وهزيمة فرنسا نداء ليسنج ودعمته، وسيطر شكسبير على المسرح الألماني قرابة قرن من الزمان.

غير أن تجربة همبورج انهارت لأن الممثلين تنازعوا فيما بينهم ولم يتفقوا إلا على الاستياء من مقالات ليسنج النقدية. فشكا فريدرش شرودر من أن "ليسنج لم يستطع قط أن يفرغ لمشاهدة عرض كامل للمسرحية؛ فهو يخرج ويدخل، أو يتحدث إلى معارفه، أو يستسلم للتفكير، ومن السمات التي تثير سروره العابر يكون صورة هي نسج من عقله ولا تمت إلى الواقع بسبب"(70) وهذا الحكم المميز أجاد وصف حياة ليسنج وعقله المتمردين. والآن هل يجدر بنا أن نقف به في منتصف طريقه لنلقي عليه بنظرة؟ كان ربعة، منتصب القامة في كبرياء، قوياً لدناً بفضل التمرين الرياضي المنتظم، مليح القسمات، أزرق العينين في دكنة، بنى الشاعر فاتحه محتفظاً بلونه هذا حتى مماته. وكان دافئاً في صداقاته، حاراً في عداواته. لا يسعده شيء كالجدل، فإذا اشتبك فيه أثخن الجراح بقلم حاد. كتب يقول "ليبدأ الناقد بالبحث عن شخص يستطيع الاختلاف معه. وهكذا يلج موضوعاً ويوغل فيه شيئاً فشيئاً، ثم يقفو الباقي هذه الخطوة نتيجة طبيعية لها، وأنا أعترف صراحة بأنني اخترت أولاً المؤلفين الفرنسيين لهذا الغرض، لا سيما المسيو فولتير"(71)-وقد اقتضى هذا الاختيار قدراً كافياً من الشجاعة. وكان متحدثاً ذكياً ولكنه مندفع، حاضر الجواب، لديه عن كل شيء أفكار بلغت من الكثرة والقوة مبلغاً لم يتح له أن يضفي عليها النظام أو الاتساق أو الفعالية الكاملة. وكان يستمتع بالبحث عن الحقيقة أكثر من الوهم الخطر بأنه وجدها. ومن هنا جاءت أشهر ملاحظاته:

"ليست الحقيقة التي يملكها الرجل-أو يعتقد أنه يملكها-هي التي تجعل له قيمة، بل الجهد المخلص الذي بذله للوصول إليها. لأنه ليس بامتلاك الحقيقة بل بالبحث يطور المرء تلك الطاقات التي فيها وحدها كماله المطرد النمو. فالتملك يجعل العقل راكداً كسولاً متكبراً. ولو أن الله احتوى في يمناه الحقيقة كلها، ولم تحتو يسراه إلا الحافز الدائم الحركة نحو الحقيقة، علماً بأنني سأخطئ دائماً أبداً-ثم قال لي "اختر!" لأحنيت رأسي في أتضاع أمام يسراه وقلت" أبتاه، أعطني هذا! فالحقيقة الخالصة لك أنت وحدك"(72).

وبقيت له من تجربة همبورج الفاشلة صداقتان غاليتان، إحداهما مع إليزر رايماروس، ابنة هرمان رايماروس أستاذ اللغات الشرقية في أكاديمية همبورج، التي جعلت من بيتها ملتقى لأرقى الجماعات ثقافة في المدينة. وانضم ليسنج إلى ندوتها، واختلف إليها مندلسون وياكوبي أثناء وجودهما في المدينة، وسوف نرى الدور الحيوي الذي لعبته هذه الجماعة في تاريخ ليسنج. أما الصداقة الثانية التي كانت أوثق حتى من هذه فصداقته لإيفا كونيج يقول ليسنج إن هذه السيدة التي كانت زوجاً لتاجر حرير وأما لأربعة أطفال "ذكية تفيض حيوية، وهبت لباقة المرأة وكياستها"، وأنها "كانت لا تزال محتفظة ببعض نضارة الشباب وفتنته"(73)، وقد جمعت هي أيضا من حولها صالوناً من الأصدقاء المثقفين، كان ليسنج يحتل مكان الصادرة منهم. فلما رحل زوجها إلى البندقية في 1799 قال لليسنج، "إني أترك أسرتي وديعة بين يديك". ولم يكن هذا بالترتيب الحكيم، لأن الكاتب المسرحي لم يكن له ما يملكه إلا العبقرية، وكان مديناً بألف طالر. وفي أكتوبر من ذلك العام قبل دعوة من الأمير كارل فلهلم فريناند حاكم برنزويك ليضطلع بأمانة مكتبة الدوقية في فولفنيوتل، التي تقلص سكانها إلى ستة آلاف نسمة منذ أن نقل دوقها الحاكم مقره إلى برنزويك (1753) على سبعة أميال منها، ولكن مجموعة كتبها ومخطوطاتها كانت في رأي كازانوفا "ثالث أعظم مكتبة في العالم"(74) واتفق على أن ينقذ ليسنج ستمائة طالر في العالم ويخصص له مساعدان وخادم، ويعطي سكناً مجانياً في قصر الدوق القديم؛ وفي مايو 1770 استقر في بيته الجديد.

غير أنه لم يكن أمين مكتبة ناجحاً، ومع ذلك فقد أبهج رئيسه باكتشافه بين المخطوطات بحثاً مشهوراً مفقوداً بقلم بيرنجار الثوري (998-1088) يتشكك فيه في عقيدة استحالة خبز القربان وخمرة إلى جسد المسيح ودمه. وقد افتقد في حياته القاعدة، التي عاشها الآن، الكفاح والحافز اللذين وجدهما في همبورج وبرلين. ثم أن انكبابه على قراءة المخطوط الرديئة في الضوء الضعيف أضر عينيه وأصابه بنوبات من الصداع، وبدأت صحته تتداعى. فعزى نفسه بكتابة مسرحية جديدة سماها"إميليا جالوتي" أفصحت عن الضيق بامتيازات الطبقة الأرستقراطية وأخلاقها. فإميليا هذه ابنة جمهوري متحمس، يشتهيها سيدهما أمير جواستاللا فيقتل خطيبها بأمره، ثم يخطفها إلى قصره؛ فيعثر عليها أبوها، ويطعنها طعنات مميتة استجابة لإلحاحها، ثم يستسلم لبلاط الأمير ويحكم عليه بالإعدام، بينما الأمير سادر في غيه لا يختلج إلا لحظة. وحرارة المسيحية وبلاغتها أنقذتا خاتمتها، فأصبحت مأساة محببة على خشبة المسرح الألماني، وقد أرخ جوته بعرضها الأول (1772) بعث الأدب الألماني من رقدته. ورحب بعض النقاد بليسنج شكسبيراً ألمانياً.

وفي أبريل 1775 ذهب ليسنج إلى إيطاليا مرافقاً لليويولد أمير برنزويك، وقضى ثمانية أشهر يستمتع بالحياة في ميلان والبندقية وبولونيا ومودينا وبارما وبياتشنتسا وبافيا وتورين وكورسيكا وروما؛ وهناك قدم إلى البابا بيوس السادس، وربما شاهد تمثال لأوكون متأخراً. وفي فبراير 1776 كان قد عاد إلى فولنفبوتل. وفكر في الاستقالة، ولكنه أقنع بالبقاء في منصبه بعلاوة قدرها مائتا طالر فوق راتبه، وبمائة جنيه ذهبي فرنسي (لوي دور) في العام بوصفه مستشاراً لمسرح مانهايم. وعرض الآن وهو في السابعة والأربعين على الأرملة إيفا كونيج أن تصبح زوجاً له وأن تحضر بأولادها معها. فحضرت، وتزوجا (8 أكتوبر 1776). وظلا عاماً يتمتعان بحياة سعيدة هادئة. وفي عشية الميلاد من عام 1777، ولدت طفلاً مات في الغد. وبعد ستة عشر يوماً ماتت الأم أيضاً، وفقد ليسنج طعم الحياة.

ولكن الجدل حفظ عليه حياته.في أول مارس 1768 ودع هرمان رايماروس الحياة مخلفاً لزوجته مخطوطاً ضخماً لم يجرؤ قط على طبعه. وقد مررنا في غير هذا الموضع(75) من الكتاب مرور الكرام بهذا "الدفاع عن المؤمنين العقلانيين". وكان ليسنج قد أطلع على شطر من هذا المؤلف الممتاز، فطلب إلى السيدة رايماروس أن تسمح له بنشر أجزاء منه، فوافقت. وكان له بصفته أميناً للمكتبة سلطة نشر أي مخطوط في المجموعة. فأودع مخطوط "الدفاع" في المكتبة، ثم نشر جزءاً منه في 1774 بعنوان "تسامح الربوبيين... بقلم كاتب مجهول". فلم يثر أي ضجة. ولكن الراسخين في الأمور الروحية أثارهم القسم الثاني في مخطوط رايماروس الذي أصدره ليسنج في 1777 بعنوان "مزيد من بحوث الكاتب المجهول عن الوحي". وقد زعم هذا القسم أنه لا يمكن لأي وحي موجه لشعب واحد أن يظفر بقبول جميع الناس في عالم تتنوع أجناسه وأديانه هذا التنوع الكبير، فالذين سمعوا إلى الآن بالكتاب المقدس؛ اليهودي-المسيحي، بعد ألف وسبعمائة سنة، ليسوا إلا أقلية من البشر، وإذن فلا يمكن قبوله تنزيلاً من الله للنوع الإنساني. ثم نشر قطعة أخيرة من المخطوط بعنوان "أهداف المسيح وتلاميذه" (1778) لم تصور المسيح ابناً لله بل صوفياً متحمساً شارك رأي بعض اليهود في أن العالم المعروف يومها قد أشرف على نهايته، وسيعقبه قيام ملكوت الله على الأرض؛ وقد فهمه الرسل على هذا النحو (في زعم رايماروس)، لأنهم أملوا في أن يبوءوا عروشاً في هذا الملكوت القادم. فلما انهار الحلم بصرخة المسيح اليائسة على الصليب "إلهي إلهي لماذا تركتني"-اخترع الرسل (كما ظن رايماروس) خرافة قيامته إخفاء لهزيمته، وصوروه بصورة ديان العالم المكافئ المنتقم.

وهاجم اللاهوتيون الذين صدموا أجزاء "خطوط فولفتبوتل" هذه في نيف وثلاثين مقالاً في الصحف الألمانية. واتهم يوهان ملكيور جوتسي كبير رعاة همبورج ليسنج بأنه موافق سراً على مزاعم "الكاتب المجهول"، وحض الكنيسة والدولة جميعاً على عقاب هذا المنافق. أما الخصوم الأكثر اعتدالاً فقد وبخوا ليسنج على نشره بالألمانية المفهومة للقراء شكوكاً كان من الواجب الإفصاح عنها، إن جاز الإفصاح إطلاقاً، باللاتينية لفئة قليلة من القراء. ورد ليسنج في إحدى عشرة نشرة (1778) نافست "رسائل بسكال الإقليمية" في تهكمها المرح-ونكتتها الذكية الفتاكة. يقول هيني "لم يسلم منه رأس، وما أكثر الرءوس التي أطاح بها لمجرد العبث الخالص، ثم دفعته شقاوته إلى رفعها علانية ليرى الناس أنها فارغة"(76). وقد ذكر ليسنج مهاجميه بأن حرية الحكم والنقاش عنصر حيوي في برنامج حركة الإصلاح البروتستنتي؛ ثم إن للشعب الحق في كل المعرفة المتاحة له، وإلا لكان بابا واحد من بابوات روما خيراً من مائة نبي بروتستنتي. وعلى أية حال فإن قيمة المسيحية (في زعمه) ستبقى حتى لو كان الكتاب المقدس مجرد وثيقة بشرية وكانت معجزاته مجرد قصص خرافية ورعة أو أحداث طبيعية. وصادرت حكومة الدوق أجزاءمخطوط فولفنبوتل ومخطوط رايماروس، وأمرت ليسنج بألا ينشر المزيد دون موافقة الرقيب البرنزويكي.

فلما ألزم ليسنج الصمت على منبره اتجه إلى خشبة المسرح فألف أروع تمثيلياته. وكان قد أعسر مرة أخرى إثر النفقات التي تحملها بسبب مرض زوجته وموتها، فاقترض ثلاثمائة طالر من يهودي همبورجي ليوفر الوقت اللازم للفراغ من مسرحية "ناثان الحكيم. وقد اختار مكاناً لأحداثها مدينة أورشليم أبان الحملة الصليبية الرابعة. وأما ناثان هذا فتاجر يهودي ورع له زوجة وسبعة أبناء يذبحهم المسيحيون الذين أتلفت الحرب الطويلة أخلاقهم. وبعد ثلاثة أيام يأتيه راهب بطفلة مسيحية ماتت أمها لتوها، وكان أبوها-الذي قتل في المعركة مؤخراً-قد أنقذ ناثان من الموت في مناسبات عديدة. ويسمي ناثان الطفلة ريكا، ويربيها وكأنها ابنته. ولا يلقنها إلا التعاليم الدينية التي يجمع عليها اليهود والنصارى والمسلمون.

وبعد ثمانية عشر عاماً، وبينما كان ناثان غائباً لقضاء بعض مصالحه، احترق بيته؛ وينقذ فارس شاب من فرسان المعبد ريكا ثم يختفي دون التعريف بشخصه؟ وتحسبه ريكا ملاكاً معجزاً. ويبحث ناثان بعد عودته عن المنقذ ليكافئه، فيسبه هذا لأنه يهودي، ولكن ناثان يقنعه بالمجيء لتقبل شكر ريكا وعرفانها. فيحضر، ويقع في غرامها وتبادله الحب، ولكنه حين يعرف أنها مسيحية المولد ولم ترب كمسيحية يساءل نفسه ألا يلتزم بيمين الفروسية بتبليغ الأمر إلى بطريرك أورشليم. ثم يشرح مشكلته للبطريرك دون ذكر أسماء الأفراد، ويحدس البطريرك أنهما ناثان وريكا، فيقسم أنه قاتل ناثان لا محالة. ثم يرسل راهباً ليتجسس على اليهودي، ولكنه هو الراهب ذاته الذي جاء بريكا إلى اثنان قبل ثمانية عشر عاماً؛ وقد لحظ طوال هذه السنين حكمة التاجر المشربة بالعاطفة، فيخبره بالخطر الذي يتهدد حياته، ويحزنه ذلك الحقد الديني الذي يجعل الناس قتلة سفاكين للدماء إلى هذا الحد.

ثم يقع صلاح الدين، حاكم القدس الآن، في ضائقة مالية. فيرسل في طلب ناثان بأمل الاقتراض منه. فيحضر ناثان، ويفطن إلى حاجة صلاح الدين، فيعرض السلفة قبل أن تطلب منه. أما السلطان، العليم بما اشتهر به ناثان من حكمة، فيسأله أي الأديان الثلاثة أفضل في رأيه. ويجيب ناثان بقصة حورها بحكمة من القصة التي رواها بوكاشيو ونسبها لملكي صادق اليهودي الاسكندري. تقول القصة إن خاتماً نفيساً كان يتوارثه جيلاً بعد جيل دليلاً على الوارث الشرعي لضيعة غنية. ولكن في أحد هذه الأجيال يحب الأب أبناءه الثلاثة حباً يستوي حرارة وصدقاً، فيأمر بصنع ثلاثة خواتم متشابهة، ويعطي كل ابن خاتماً سراً، وبعد موته يتنازع الأبناء على أن الخواتم هو الأصيل والحقيقي، ثم يحتكون إلى القضاء-حيث ظل الأمر معلقاً لم يفصل فيه إلى اليوم. فأما الأب المحب فهو الله، وأما الخواتم الثلاثة فهي اليهودية والمسيحية والإسلام، والتاريخ لم يفصل بعد في أمر هذه الأديان وأيها هو شريعة الله الحقة. ويدخل ناثان تغييراً جديداً على القصة: فالخاتم الأصلي كان المفروض أنه يجعل لابسه إنساناً فاضلاً، ولكن بما أن أحداً من الأبناء الثلاثة لا يفضل غيره من الناس، فمن المحتمل أن يكون الخاتم الأصلي قد فقد، فكل خاتم-أي كل دين-حقيقي بقدر ما يجعل لابسه فاضلاً. ويعجب صلاح الدين بجواب ناثان إعجاباً شديداً فيقوم ويعانقه-وعقب هذا الحديث الفلسفي يظهر مخطوط عربي يتبين منه أن فارس المعبد وريكا ولدان لأب واحد. فيحزنان لأنهما لا يستطيعان الزواج، ولكنهما يفرحان لأن في استطاعتهما الآن أن يحب أحدهما الآخر كأخ وأخت ينالان بركة ناثان اليهودي وصلاح الدين المسلم.

أكان ناثان صورة صاغها على غرار موسى مندلسون؟ هناك أوجه شبه بين الاثنين كما سنرى في فصل لاحق، ومن المحتمل، برغم أوجه الخلاف الكثيرة، أن ليسنج وجد في صديقه الكثير مما ألهمه تلك الصورة المثالية لتاجر القدس. وربما رسم ليسنج اليهودي والمسلم بتعاطف أكثر مما رسم المسيحي مدفوعاً برغبته الشديدة في التبشير بالتسامح؛ ففارس المعبد في أول لقاء مع ناثان فظ في تعصب، والبطريرك (أهو ذكرى ليسنج لجوتسي؟) لا ينصف في صورته هذه الأساقفة الرحماء المستنيرين الذين كانوا آنئذ يحكمون تريير وماينزوكولون. وأنكر جمهور ألمانيا المسيحي التمثيلية حين نشرت في 1779 لأنه رآها غير منصفة؛ وانضم إلى هذا النقد العديد من أصدقاء ليسنج. فلم تصل تمثيلية "ناثان الحكيم" إلى خشبة المسرح إلا في عام 1783 م في الليلة الثالثة كان المسرح خالياً. وفي 1801 لقيت نسخة معدلة أعدها شيلر وجوته قبولاً حسناً في فايمار، وبعدها ظلت من التمثيليات المحببة في المسارح الألمانية طوال قرن كامل.

وقبل أن يموت ليسنج بعام أصدر نداءه الأخير للتفاهم، وصاغه في عبارات دينية، كأنما أراد أن يلين جانب المقاومة ويقيم جسراً بين الأفكار القديمة والجديدة. وهذا المقال المسمى "تربية النوع الإنساني" من بعض نواحيه يبرر الأفكار القديمة؛ ثم ندرك أن الدفاع إنما هو دعوة لحركة التنوير. فالتاريخ بجملته يمكن أن ينظر إليه على أنه رؤيا مقدسة، وتربية تدريجية للنوع الإنساني. وكل دين عظيم كان مرحلة في هذه الإنارة المتدرجة الخطوات، فهو ليس كما افترض بعض الفرنسيين خدعة يخدع بها رجال الدين الأنانيون السذج من الناس، إنما هو نظرية عالمية قصد بها تمدين البشرية، وغرس الفضيلة والتهذيب والوحدة الاجتماعية. ففي إحدى مراحله (مرحلة العهد القديم) حاول الدين جعل الناس فضلاء بأن وعدهم بطيبات الدنيا ف عمر مديد؛ وفي مرحلة أخرى (مرحلة العهد الجديد) حاول التغلب على التناقض المثبط للعزائم بين الفضيلة والنجاح في هذه الدنيا بوعده بثواب الآخرة؛ وفي كلتا الحالتين خوطب الناس على قدر فهمهم المحدود في ذلك الوقت. وكل دين فيه نواة غالية من الحقيقة، ربما كان الفضل في تقبل الناس لها ذلك الغلاف من الخطأ الذي جعلها سائغة. فإذا كان اللاهوتيون قد أحاطوا المعتقدات الأساسية شيئاً فشيئاً بعقائد عسيرة الفهم، كالخطيئة الأصلية والتثليث، فإن هذه التعاليم أيضاً هي رموز للحقيقة وأدوات للتربية. فالله يمكن تصوره على أنه قوة واحدة لها وجوه ومعان كثيرة؛ والخطيئة أصلية بمعنى أننا كلنا مولودون بنزوع لمقاومة الشرائع الأخلاقية والاجتماعية(77). ولكن المسيحية فوق الطبيعة ليست سوى خطوة في تطور العقل البشري، وستأتي مرحلة أعلى حين يتعلم النوع الإنساني أن يعقل، وحين يصبح الناس من القوة ووضوح الرؤية بحيث يفعلون الصواب لأنهم يرونه صواباً ومعقولاً، لا طمعاً في ثواب مادي أو سماوي. وقد بلغ بعض الأفراد تلك المرحلة، وهي لم تتوفر للنوع الإنساني إلى الآن ولكنها "آتية، آتية لا ريب فيها... زمان رسالة جديدة خالدة!"(78) وكما أن الفرد المتوسط يلخص في نموه التطور الفكري والخلقي للنوع، فكذلك يمر النوع في بطء خلال التطور الفكري والخلقي للفرد الأعلى. وإذا شئن التعبير بطريقة فيثاغورية، قلنا أن كلاً منا يولد من جديد، ثم يولد من جديد، حتى تكتمل تربيته-أي تكيفه مع العقل.

ترى ماذا كانت آراء ليسنج النهائية في الدين؟ لقد قبله معيناً هائلاً للفضيلة، ولكنه أنكره نسقاً من العقائد القطعية التي تفرض قبولها وإلا كانت الخطيئة والعقاب والعار الاجتماعي. وكان فكره عن الله أنه الروح الباطن للحقيقة، المسبب للتطور والمتطور هو ذاته؛ ورأى في المسيح أكمل إنسان مثالي، ولكنه ليس تجسيداً لهذا الإله إلا مجازاً؛ وقد تطلع إلى زمن يختفي فيه اللاهوت كله من المسيحية، فلا يبقى إلا مبدأ أخلاقي سام من العطف الصبور والأخوة العالمية. وفي مسودة خطاب إلى مندلسون صرح بالتزامه برأي سبينوزا في أن الجسم والعقل هما الظاهر والباطن لحقيقة واحدة، وصفتان لجوهر واحد متطابق مع الله. وقال لياكوبي" إن المفاهيم التقليدية عن الإله يعد لها وجود عندي، وأنا لا أطيقها، لا أطيقها كلها! لا أعرف غير هذا"(79)؛ وفي 1780 طلب إليه ياكوبي الذي زاره في فولفنبوتل أن يساعده في الرد على سبينوزا وتفنيد آرائه، فصدمه جواب ليسنج: "ليس هناك فلسفة غير فلسفة سبينوزا... ولو خيرت في أن أتسمى اسم آخر لما عرفت غير اسمه"(80).

وقد ترك ليسنج وحيداً في أخريات عمره بسبب هرطقاته وضراوته أحياناً في الجدل. وبقي له بعض الأصدقاء في برنزويك يختلف إليهم بين الحين والحين للحديث ولعب الشطرنج. وكان أبناء زوجته يعيشون معه في فولفنبوتل، وقد خصص لهم التركة الصغيرة التي خلفتها كاملةز ولكن خصومه شهروا به في طول ألمانيا وعرضها ملحداً رهيباً. فتحداهم، وتجاسر على معارضة الرجل الذي يدفع له راتبه، ذلك أن كارل فلهلم فرديناند، الذي أصبح الآن (1780) دوقاً على برنزويك، زج في السجن يهودياً شاباً أثار سخطه. فزار ليسنج الفتى في سجنه، ثم اصطحبه إلى منزله بعد ذلك ليسترد عافيته. أما عافيته هو فكانت قد ولت. وغشي بصره الآن حتى لم يكد يقوى على القراءة. وكان يعاني من الربو، وضعف الرئتين، وتصلب الشرايين. وفي 3 فبراير 1781 بينما كان في زيارة لبرنزويكأصابته نوبة ربو شديدة، وبصق دماً. وأوصى أصحابه قائلاً: حين ترونني مشرفاً على الموت، استدعوا موثقاً، وسأعلن أمامه أنني أموت على غير دين من الأديان السائدة(81). وفي 15 فبراير بينما كان راقداً في فراشه اجتمع نفر من أصحابه في الحجرة المجاورة. وفجأة فتح باب حجرته، وظهر ليسنج منحني الظهر مهزولاً، ورفع قلنسوته محيياً، ثم خر على الأرض صريعاً بسكتة دماغية. وأذاعت مجلة لاهوتية أن الشيطان حمله عند موته إلى الجحيم كأنه فاوست آخر باع روحه(82). ولم يخلف من المال إلا أقل القليل، فاضطر الدوق إلى دفع نفقات جنازته.

لقد كان البشير بأعظم عصور ألمانيا الأدبية. ففي عام موته نشر كانط كتابه الخطير "نقد العقل الخالص" ونشر شيلر أول تمثيلياته. وكان جوته يرى في ليسنج المحرر العظيم، وأبا التنوير الألماني. قال جوته موجهاً الخطاب إلى طيف ليسنج "في الحياة كرمناك إلهاً من الآلهة؛ أما الآن وقد مت فإن روحك تسيطر على جميع النفوس".


ببليوجرافيا مختارة

  • The Young Scholar (Der junge Gelehrte) (1748)
  • The Freethinker (Der Freigeist) (1749)
  • The Jews (Die Juden) (1749)
  • Miß Sara Sampson (1755)
  • Philotas (1759)
  • Fables (Fabeln) (1759)
  • Laokoon oder Über die Grenzen der Malerei und Poesie (1766)
  • Minna of Barnhelm (Minna von Barnhelm) (1767)
  • Emilia Galotti (1772)
  • Anti-Goeze (1778)
  • Nathan the Wise (Nathan der Weise) (1779)
  • Ernst und Falk - Gespräche für Freymäurer (1776-1778)
  • The Education of Humankind (Die Erziehung des Menschengeschlechts) (1780)

نسخ بالإنگليزية

  • Fables and epigrams. London, Printed for J.& H.L. Hunt, 1825.
  • Laocoon: or, The limits of Poetry and Painting, translated by William Ross. London, Ridgeway, 1836.
  • Nathan the Wise: a dramatic poem in five acts, translated by Adolph Reich. London, A. W. Bennett, 1860.
  • Nathan, the Wise. A dramatic poem of five acts, translated by Dr. Isidor Kalisch. New York, Waldheimer & Zenn, 1869.
  • The Education of the Human Race, translated by Fred W. Robertson, M.A.. London, C.K. Paul & Co., 1881.
  • Plays of Lessing: Nathan the Wise and Minna von Barnhelm, translated by Ernest Bell. London, G. Bell, 1888.
  • Selected prose works of G. E. Lessing, translated by E. C. Beasley, B. A., and Helen Zimmern. London, G. Bell and sons, 1890.
  • Lessing’s Emilia Galotti, with footnotes and vocabulary; New York, Hinds & Noble, 1899.
  • Lessing’s Nathan der Weise, with footnotes and vocabulary. New York, Hinds & Noble, 1899.
  • Laocoon. An essay upon the limits of painting and poetry: With remarks illustrative of various points in the history of ancient art, translated by Ellen Frothingham. Boston, Little, Brown, 1904.
  • Laocoon, translated by Sir Robert Phillimore, London, G. Routledge & sons, 1905.
  • Minna von Barnhelm, edited with an introduction, German questions, notes and vocabulary, by Philip Schuyler Allen. New York, Charles E. Merrill Co., 1907.
  • Minna von Barnhelm; or, Soldier’s fortune translated by Otto Heller. New York, H. Holt and company, 1917.
  • Nathan the Wise; a dramatic poem in five acts, translated and edited by Leo Markun. Girard, Kan., Haldeman-Julius Co., 1926.
  • Laocoon, Nathan the Wise, Minna von Barnhelm, translated by William A. Steel. London, J. M. Dent & sons, ltd.; New York, E. P. Dutton & co., inc., 1930.
  • Nathan the Wise, translated by Berthold August Eisenlohr. Ann Arbor, Mich., Lithoprinted by Edwards Brothers, inc., 1942.
  • Nathan the Wise, translated by Guenther Reinhardt. Brooklyn, Barron’s Educational Series, inc., 1950.
  • Nathan the Wise; a dramatic poem in five acts, translated into English verse by Bayard Quincy Morgan. New York, Ungar, 1955.
  • Theological Writings; Selections in Translation with an Introductory Essay, by Henry Chadwick. London, A. & C. Black, 1956.
  • Emilia Galotti: a tragedy in five acts, translated by Anna Johanna Gode von Aesch. Great Neck, N.Y., Barron’s Educational Series, inc., 1959.
  • Emilia Galotti, a tragedy in five acts, translated by Edward Dvoretzky. New York, Ungar, 1962.
  • Hamburg dramaturgy, translated by Victor Lange. New York, Dover Publications, 1962.
  • Laocoon: an essay on the limits of painting and poetry, translated by Edward Allen McCormick. Indianapolis, Bobbs-Merrill, 1962.
  • Minna von Barnhelm: a comedy in five acts, translated by Kenneth J. Northcott. Chicago, University of Chicago Press [1972]
  • Nathan the Wise, Minna von Barnhelm, and Other Plays and Writings, edited by Peter Demetz with a Foreward by Hannah Arendt. New York: Continuum, 1991.
  • Nathan the Wise, with Related Documents, translated, edited, and with an introduction by Ronald Schecter. Boston/New York: Bedford/St. Martin's, 2004.
  • Philosophical and Theological Writings, edited by H. B. Nisbet. Cambridge: Cambridge University Press, 2005.

انظر أيضاً

Emilia Galotti, a Tradegy in Five Acts, translated and with an introduction by Edward Dvoretzky. German Book Center,N.A. Inc., Mountaindale NY. Reprinted 2002.

وصلات خارجية

Wikiquote-logo.svg اقرأ اقتباسات ذات علاقة بگوتهولد افرايم لسنگ، في معرفة الاقتباس.