التنوير الاسكتلندي

جزء من سلسلة عن
تاريخ اسكتلندة
الفترات
قبل التاريخ (خط زمني)
أثناء الامبراطورية الرومانية
أوائل العصور الوسطى
أوج العصور الوسطى
أواخر العصور الوسطى
أوائل العصر الحديث
المعاصر
تاريخ (خط زمني)
الأسرات والأنظمة
House of Alpin (843–878; 889–1040)
House of Moray (1040–1058)
House of Dunkeld (1058–1286)
House of Balliol (1292–1296)
House of Bruce (1306–1371)
House of Stuart (1371–1707)
قانون الاتحاد 1707
موضوعات
اسكتلندا الاسكنداڤية
حروب الاستقلال
الاصلاح
التنوير
العشائر  • اللغة الاسكتلندية
استعمار الأمريكتين
التاريخ الاقتصادي
التاريخ العسكري
التاريخ البحري
تاريخ التعليم
المنظور الثقافي
التاريخ الطبيعي
الثقافة: الأدب  • الفن  • The التنورة الاسكتلندية
السياسة: انتقال الملكية  • الحكومة المحلية  • الحزب الوطني الاسكتلندي  • الحزب الاشتراكي الاسكتلندي
Portal-puzzle.svg بوابة اسكتلندة
David Hume and Adam Smith on the Scottish National Portrait Gallery

التنوير الاسكتلندي (بالاسكتلندية: Scottis Enlightenment؛ بالإنگليزية: Scottish Enlightenment) كان فترة في القرن الثامن عشر في اسكتلندة، تميزت بتدفق الانجزات العلمية والفكرية. بحلول عام 1750، كان الاسكتلنديون من بين أكثر الناس معرفة بالقراءة والكتابة في اوروپا، حيث كانت وصلت نسبة معرفة القراءة والكتاب إلى 75% بين سكان اسكتلندة.[1] كانت الثقافة موجهة إلى الكتب،[2] وكانت المناقشات تثار يومياً في أماكن تجمع المثقفين في إدنبرة مثل المجتمع المختار، وفيما بعد نادي الپوكر بالإضافة إلى الجامعات الاسكتلندية القديمة مثل جامعة گلاسگو، إدنبرة، وأبردين.

لا يمكن أن يعلل تفجير العبقرية الذي أضاء إسكتلندة بين مبحث هيوم "في الطبيعة البشرية" (1739) وكتاب بوزيول "حياة جونسون" (1791) ألا بنمو تجارتها مع إنجلترا والعالم وتقدم الصناعة في إقليم السهول. ففي الفلسفة نبغ فرانسيس هتشيسن، وديفي هيوم، وآدم فيرجسن؛ وفي الاقتصاد آدم سمث؛ وفي الأدب جون هيوم(12)، وهنري هيوم (اللورد كيمس)، ووليم روبرتسن، وجيمس مكفرسن، وروبرت بيرنز، وجيمس بوزويل؛ وفي العلوم جوزف بلاك، وجيمس وات، ونيفل ماسكلين، وجيمس هاتن، واللورد مونبودو(13)؛ وفي الطب جون ووليام هنتر:(14)هؤلاء كوكبة تضارع النجوم التي سطعت في إنجلترا حول "الدب الأكبر" (جونسون)! وقد ألف هيوم وروبرتسن وغيرهما في إدنبرة "جمعية من الصفوة" للمناقشات الأسبوعية في الأفكار. واتصل هؤلاء الرجال وأشباههم بالفكر الفرنسي لا الإنجليزي، من جهة لأن فرنسا كانت منذ قرون مرتبطة بإسكتلندة، ومن جهة أخرى لأن الخصومة المستطيلة بين الإنجليز والاسكتلنديين عاقت اندماج الثقافتين. وكان هيوم سيئ الظن بالفكر الإنجليز في جيله، إلى أن صدر كتاب "اضمحلال الإمبراطورية الرومانية وسقوطها" في عام موته فرحب بصدوره شاكراً.

ولقد وفينا من قبل ديننا لهتشسن وهيوم(15). فلنلق الآن نظرة على عدو هيوم الكريم النفس، توماس ريد، الذي كافح ليرد الفلسفة من الميتافيزيقا المثالية إلى قبول واقع موضوعي. وقد ألف وهو يدرس في أبردين وجلاسجو كتابه "بحث في العقل البشري حول مبادئ الفطرة السليمة" (1764). وقبل أن ينشره أرسل المخطوطة إلى هيوم مشفوعة بخطاب مذهب يحتمل تحياته، ويشرح أسفه على اضطراره لمعارضة شكوكية صاحبه الأكبر سناً. ورد عليه هيوم بلطفه المعهود، وطلب إليه أن ينشر الكتاب دون خوف من ملامة(16). وكان ريد قد سلم من قبل برأي باركلي القائل بأننا نعرف الأفكار فقط، ولا نعرف الأشياء أبداً. فلما أكد هيوم بمثل هذا الاستدلال أننا نعرف الحالات العقلية فقط، دون أن نعرف مطلقاً "عقلاً" ملحقاً بها، أحس ريد أن مثل هذا التحليل المثقل بالتفاصيل غير هامة يقوض كل تفرقة بين الصدق والكذب، وبين الحق والباطل، وكل لإيمان بالله أو الخلود. وذهب إلى أنه اضطر لتنفيذ آراء هيوم اتقاء هذه الكارثة، ولكي يفند آراء هيوم كان عليه أن يرفض باركلي.

وعليه فقد سخر من الفكرة القائلة بأننا لا نعرف غير أحاسيسنا وأفكارنا، فنحن على العكس من هذا نعرف الأشياء مباشرة وللتو، و "من الإسراف في الرهافة" فقط أن نخلل تجربتنا مع وردة مثلاً، فنردها إلى حزمة من الأحاسيس والأفكار، والحزمة حقيقية، ولكن الوردة أيضاً حقيقية، وهي تحتفظ ببقاء ثابت بعد أن تتوقف احساساتنا بها. والصفات الأولية-كالحجم والشكل والصلابة والنسيج والثقل والحركة والعدد-تنتمي بالطبع إلى العالم الموضوعي، ولا تتغير ذاتياً إلا بفعل الأوهام الذاتية، وحتى الصفات الثانوية لها مصدر موضوعي بقدر ما تنشأ الأحاسيس الذاتية عن الأصول الطبيعية أو الكيميائية في الشيء أو البيئة-الرائحة، أو الطعم أو الدفء، أو اللمعان، أو اللون، أو الصوت(17).

والإدراك الفطري السليم ينبئنا بهذا، غير أن "مبادئ الإدراك الفطري السليم ليست أهواء الجماهير الجاهلة، إنما هي المبادئ الغريزية" التي يرشدنا تكوين طبيعتنا (أي الإدراك الذي نشترك فيه كلنا) إلى الإيمان بها، والتي يتحتم علينا بالضرورة التسليم بها في الشئون المشتركة للحياة(18)، وبالقياس إلى هذا الإحساس العام الذي يختبر كل يوم ويؤكد ألف مرة، تكون استدلالات الميتافيزيقا الخيالية مجرد لعبة يلعبها المرء في وحدته التي يهرب فيها من العالم؛ بل أن هيوم نفسه، باعترافه، كان يلقي عنه هذه اللعبة العقلية إذا غادر حجرة مكتبه(19). ولكن هذا الرجوع إلى الحس المشترك يرد الواقع إلى العقل: فليست الأفكار وحدها هي الموجودة، فهناك كائن حي، وعقل، وذات، لها أفكار. واللغة نفسها شاهد على هذا الاعتقاد العام: فلكل لغة ضمير منفرد للمتكلم، فـ "أنا" هو الذي يشعر، ويتذكر، ويفكر، ويحب. "لقد بدا أن من الطبيعي جداً التفكير في أن "البحث في الطبيعة البشرية" احتاج إلى مؤلف يكتبه، ومؤلف في غاية الذكاء والبراعة، ولكن يقال لنا الآن أنه ليس إلا مجموعة من الأفكار اجتمعت معاً ورتبت نفسها بارتباطات وانجذابات معينة"(20).

وقرأ هيوم هذا كله بابتهاج وود، ولم يستطع أن يقبل نتائج ريد اللاهوتية، ولكنه احترم مزاجه المسيحي، ولعله أحس بالراحة في دخيلة نفسه حين عرف أن العالم الخارجي موجود على كل حال، برغم باركلي، وأن هيوم موجود برغم هيوم. كذلك استشعر الجمهور القارئ أيضاً الراحة، واشترى ثلاث طبعات من كتاب ريد "البحث" قبل موته. وكان بوزويل من بين سرى عنهم، فهو ينبئنا بأن كتاب ريد "هدأ عقل الذي أنتابه القلق الشديد من طول التفكير العويص بالأسلوب التجريدي الشكوكي"(21).

وأضاف الفن اللون إلى عصر النور الاسكتلندي. فالأخوة "آدم" الأربعة الذين تركوا بصمتهم على العمارة الإنجليزية، كانوا اسكتلنديين. وقد هاجر ألن رمزي (بن الشاعر ألن رمزي) إلى لندن (1752) بعد أن أخفق في نيل التقدير في وطنه إدنبرة، وبعد سنوات من الكدح عير "مصوراً عادياً" للملك، مما أثار حفيظة الفنانين الإنجليز. وقد رسم صورة حسنة لجورج الثالث(22)، وأحسن منها لزوجته(23). غير أن انخلاع ذراعه اليمنى أنهى احترافه للتصوير.

أما السر هنري ريبون فكان رينولز إسكتلندة. وكان بناً لرجل صناعة في ادنبره، علم نفسه التصوير بالزيت، ورسم أرملة وارثة بلغ من رضائها عن صورتها أنها تزوجته ومهرته بثروتها. وبعد أن درس عامين في إيطاليا عاد إلى إدنبرة (1787)، وسرعان ما تكاثر زبائنه فضاق وقته عن رسمها؛ رسم روبرتسن، وجون هيوم، ودوجالد ستيوارت، والتر سكوت، وأفضل صورة، صورة اللورد نيوتن-جسد هائل، ورأس ضخم، وشخصية من حديد امتزج بالبلسان. على النقيض نلحظ الجمال المتواضع الذي وجده ريبون في زوجته(24). وكان أحياناً ينافس رينولدز في تصوير الأطفال، كما نرى في لوحته "أطفال دراموند" المحفوظة بمتحف المتروبوليتان للفنون. وقد أنعم على ريبون بلقب الفروسية في 1822، ولكنه مات بعد عام بالغاً السابعة والستين.

ثم تفوق التنوير الاسكتلندي في مؤرخيه. فقد شارك آدم فيرجسن في تأسيس دراسة علم الاجتماع والسيكولوجية الاجتماعية بكتابه "مقال تاريخ المجتمع المدني" (1776) الذي طبع سبع مرات في حياته. والتاريخ-في رأيه-لا يعرف الإنسان إلا عائشاً في جماعات، فإن شئنا فهم هذا الإنسان وجب أن نراه مخلوقاً اجتماعياً ولكنه متنافس-مركب من عادات اجتماعية ورغبات فردانية. وتطور الخلق والتنظيم الاجتماعي كلاهما يحدده تفاعل هاتين النزعتين المتعارضتين، وندر أن تتأثر بأفكار الفلاسفة. والمنافسة الاقتصادية، والخصومات السياسية، وألوان التفرقة الاجتماعية، والحرب ذاتها-كل أولئك مركب في طبيعة البشر، وسيظل كذلك أبد، وهو يعمل بوجه عام على تقدم النوع الإنساني.

وكان فيرجسن في زمانه لا يقل شهرة عن آدم سمث، ولكن صديقهما وليم روبرتسن فاقهما شهرة. ونحن يذكر أمنية فيلاند التي تمناها لشيلر مؤرخاً، بأن "يرقى إلى مستر هيوم، وروبرتسن، وجبون"(25). وقد تساءل هوراس ولبول في 1756: "أيمكن أن يخطر لنا أننا نفتقد مؤلفين في التاريخ ما دام مستر هيوم ومستر روبرتسن أحياء؟.. أن كتابة روبرتسن تمتاز بأصفى ما قرأت أسلوباً وأعظمه نزاهة"(26). وكتب جبون في "مذكراته" يقول: "أن إنشاء الدكتور روبرتسن الذي بلغ الكمال، ولغته المشبوبة، ووقفاته المحكمة، أثرت في إلى حد التطلع الطموح إلى تأثر خطواته يوماً ما"(27)، وقال "أن الطرب يهزني كلما وجدت نفسي معدوداً ضمن ثالوث المؤرخين البريطانيين" مع هيوم وربورتسن(28). وقد عد هذين المؤرخين مع جويكارديني ومكيافللي أعظم المؤرخين المحدثين، ثم وصف روبرتسن في تاريخ لاحق بأنه "أول مؤرخي العصر الحاضر"(29).

كان روبرتسن، مثل ريد، قسيساً وابن قسيس. عين راعياً لكنيسة جلادزموير وهو في الثانية والعشرين (1743) ثم أنتخب بعد عامين لعضوية الجمعية العامة للكنيسة الاسكتلندية. وأصبح فيها قائد المعتدلين، وقد حمى المهرطقين أمثال هيوم. وبعد ست سنوات من الجهد الشاق والدرس الدءوب للوثائق والمراجع، أصدر عام 1759 "تاريخاً لإسكتلندة في عهد الملكة ماري وجيمس السادس حتى ارتقائه عرش إنجلترا"، واختتم في تواضع حيث بدأ هيوم كتابه "تاريخ إنجلترا". وقد أبهج الكتاب إسكتلندة لتجنبه عبادة ماري ملكة الاسكتلنديين، وأبهج الإنجليز بأسلوبه-رغم أن جونسن أضحكه أن يجد بعض الألفاظ الثقيلة الجونسونية الطابع. وقد طبع الكتاب تسع طبعات في ثلاثة وخمسين عاماً.

على أن رائعة روبرتسن الكبرى كانت كتابه "تاريخ حكم الإمبراطور شارل الخامس" (1769) ذا المجلدات الثلاثة. وفي وسعنا الحكم على مدى السمعة التي حظي بها من الثمن الذي نقده عليه الناشرون وهو 4.500 جنيه بالقياس إلى 600 جنيه تلقاها عن تأليف تاريخ إسكتلندة. وقد أثنت أوربا على الكتاب الجديد في ترجماته المختلفة. وكانت كاترين الكبرى تحمله معها في رحلاتها الطويلة، وقد قالت "إنني لا أكف عن قراءته أبداً، خصوصاً المجلد الأول منه"(30)، وقد أبهجها كما يبهجنا كلنا ذلك التمهيد الطويل الذي استعرض التطورات الوسيطة التي انتهت بمجيء شارل الخامس. والكتاب تقادم نتيجة الأبحاث اللاحقة، ولكن ما من عرض لاحق للموضوع يمكن أن يباريه بوصفه أثراً أدبياً. ومن دواعي السرور أن نلاحظ أن الثناء الذي ظفر به الكتاب، والذي كان أعظم كثيراً من النفريط الذي ناله "تاريخ" هيوم، ولم يوهن ما كان بين القسيس والزنديق من صداقة وود.

وأشهر من الإثنين جيمس مكفرسن، الذي سوى جوته بينه وبين هومر، ورفعه نابليون فوق هومر(31)ففي 1760 أعلن مكفرسن الذي كان آنئذ في عامه الرابع والعشرين أن ملحمة على شيء من الطول والروعة تحويها مخطوطات غيلية متفرقة سيضطلع بجمعها وترجمتها إن أتيح له مدد من المال. وجمع المال فيرجسن وهيوبلير (وهو قسيس مشيخي مفوه من إدنبرة). وجاب مكفرسن واثنان من الدارسين الغيليين أرجاء المرتفعات الاسكتلندية وجزر الهيريد، وجمعوا المخطوطات القديمة، وفي 1762 نشر مكفرسن كتابه "فنجال، ملحمة قديمة في ستة أجزاء... ألفها أوسيان، بن فنجال، وترجمت عن اللغة الغيلية". وبعد عام نشر ملحمة أخرى، اسمها "تيمورا" زعم أنها من تأليف أوسيان، وفي 1765 نشر الملحمتين بعنوان "أعمال أوسيان".

أما أوسيان هذا فهو كما تزعم الأسطورة (الإيرلندية والأسكتلندية) الابن الشاعر للمحارب فن ماكومهيل(32)، ويروون أنه عمر ثلاثمائة سنة، وامتد به الأجل حتى أعرب عن معارضته الوثنية للاهوت الجديد المجلوب إلى إيرلندة على يد القديس باتريك. وبعض القصائد المنسوبة له احتفظ بها في ثلاثة مخطوطات من القرن الخامس عشر، خصوصاً في "كتاب لزمور" الذي جمعه جيمس ماكريجور في 1512، وكان مكفرسن يملك هذه المخطوطات(33). وقد روى فنجال كيف دعا المقاتل الشاب، بعد أن هزم غزاة إيرلندة الأسكتلنديين، هؤلاء الغزاة إلى مأدبة ونشيد سلام. والقصة مروية رواية تنبض بالحياة، يدفئها تغزل الاسكتلنديين في الفتيات الإيرلنديات. ويقول أحد المقاتلين لمورنا ابنة الملك كورماك ما أشبهك بالثلج فوق المرج. أن شعرك كضباب كروملا حين يتجعد فوق الربى، حين يتألق لشعاع الغرب! ونهداك صخرتان ناعمتان تريان من "برانو" ذي الجداول، وذراعاك كعمودين ناصعي البياض في أبهاء فنجال العظيم"(34). ثم نلتقي بنهود أخرى، أقل تحجراً: "نهد أبيض" و" نهد نافر" و "نهد ممتلئ"(35)، وهي تلهي القارئ قليلاً، ولكن القصة لا تلبث أن تنصرف عن الحب إلى أحقاد الحرب.

وأثار "أوسيان" مكفرسن ضجة في إسكتلندة، وإنجلترا، وفرنسا، وألمانيا. فرحب به الاسكتلنديين صفحة من ماضيهم الوسيط البطولي، وكانت إنجلترا مهيأة لتقبل رومانس الأسطورة الغيلية وهي التي كانت في 1765 ترحب بكتاب يرسي "مخلفات من الشعر الإنجليزي القديم". أما جوته فقد أرانا في ختما "آلام فرتر" (1774) بطله يقرأ للوتى ست صفحات من أوسيان. وكانت تحوي قصة دورا العذراء الرقيقة يرويها أبوها أومين: كيف أغرتها "الأرض" الشريرة واقتادتها إلى صخرة في البحر بوعدها بأن حبيبها أرمار سيلقاها هناك، وكيف تركتها الأرض على الصخرة، وما من حبيب أتى. "فرفعت صوتها، ونادت على أخيها وأبيها: ارندال! أرمين!" وجدف ارندال لينقذها، ولكن سهماً أطلقه عدو مختبئ فتك به، وجاء حبيبها أرمار إلى الشاطئ، وحاول أن يسبح إلى دورا، "ولكن ريحاً عاصفة من التل طغت فجأة على الأمواج، فغاص في اليم، ولم يطف بعدها". أما الأب الذي كان أعجز وأضعف من أن يخف لنجدتها فأخذ يصرخ مرتعباً يائساً: على الصخرة التي يلطمها اليم سمعنا ابنتي تستغيث وهي وحيدة. وكانت صرختها مترددة عالية فما الذي في وسع أبيها أن يفعله؟ لقد وقفت على الشاطئ الليل كله وأبصرتها على ضوء القمر الكليل... وكان للريح ضجيج والمطر ينهمر وابلاً على التل. وقبل أن ينبلج الصبح كان صوتها قد خفت، ثم تلاشى كأنه نسيم المساء بين عشب الصخور. وقد قضت كمداً وحزناً.

"لقد ضاعت قوتي في الحرب، وسقطت كبريائي بين النساء، وحين تهب العاصفة العاتية، وحين ترفع ريح الشمال الموج عالياً أجلس إلى الشاطئ الصاخب وأنظر إلى الصخرة القاتلة. وكثيراً ما أرى أشباح أطفالي على ضوء القمر الغارب... أما يتكلم أحدكم رحمة بي!"(36).

ولم يلبث أن ثار جدل حول الملحمة: فهل "أوسيان" حقاً ترجمة الملاحم الغيلية العتيقة، أم أنه سلسلة من القصائد نظمها مكفرسن ودسها على شاعر ربما لم يعش قط؟ لقد صدق دعوى مكفرسن هردر وجوته في ألمانيا، وديدرو في فرنسا، وهيوبلير ولورد كيمز في إسكتلندة. ولكن في 1775 أعلن صموئيل جونسن في كتابه "رحلة إلى جزائر إسكتلندة الغربية" بعد تحقيقات في الهبريد (1773) رأيه في القصائد الأوسيانية: "أعتقد أنها لم توجد قط في أي صورة إلا الصورة التي رأيناها عليها. فلم يستطع المحرر، أو المؤلف، إبراز الأصل قط، ولن يستطيع ذلك غيره كائناً من كان"(37). وكتب مكفرسن لجونسن يقول إن شيخوخة الرجل الإنجليزي وحدها هي التي تحميه من تحديه للمبارزة أو من ضربه "عقله". ورد جونسن "أرجو ألا تعوقني أبداً سفالة وشب عن كشف ما أعتقد أنه غش وزيف... لقد كان رأيي في كتابك أنه منقول، وما زال رأيي فيه كذلك.. أما غضبك فإني أتحداه"(38). وشارك هيوم وهوراس ولبول وغيرهما جونسن شكوكه. ولما طلب إلى مكفرسن أن يبرز الأصول التي زعم أنه ترجمها تباطأ، ولكنه ترك عند موته مخطوطات ملاحم غيلية، استعمل بعضها في وضع حبكة قصائده وتقرير طابعها. وقد أخذ عن هذه النصوص الكثير من العبارات والأسماء، ولكن الملحمتين كانتا من إنشائه.

على ان الغش لم يكن بالشدة أو الشناعة اللتين زعمهما جونسن: فلنسمه جوازاً شعرياً على نطاق واسع جداً. والملحمتان الشعريتان النثريتان، إذا أخذناهما في ذاتهما، تبرران بعض ما حظيتا به من إعجاب. فقد أعربتا عن جمال الطبيعة وأهوالها، وعن ضراوة الحقد، وعن لذة الحرب. وكان فيهما نزعة عاطفية مسرفة في الرقة، ولكنهما جمعتا إليها بعض السمو الذي أوحى به السر توماس مالوري قبل ذلك في قصيدته "موت آرثر" (1470). وقد صعدتا إلى قمة الشهرة على الموجة الرومانتيكية التي غمرت حركة التنوير.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

شخصيات هامة

بالإضافة إلى إثنان من الأساتذة الزائرين في جامعة إندبرة[5]:

The learned Scots were remarkably unlike the French philosophes; indeed, they were unlike any other group of philosophers that ever existed. In a gigantic study, “The Sociology of Philosophies,” published in 1998, Randall Collins assembled structural portraits of the seminal moments in philosophy, both Western and Eastern. Typically, the most important figures in a given cluster of thinkers (perhaps three or four men) would jockey for centrality while cultivating alliances with other thinkers or students on the margins.

In the Scottish group, however, there was little of the bristling, charged, and exclusionary fervour of the Diderot-d’Alembert circle; or of the ruthless atmosphere found in ألمانيا in the group that included Fichte, the Schelling brothers, and Hegel; or of the conscious glamour of the existentialists in postwar باريس. The Scots vigorously disagreed with one another, but they lacked the temperament for the high moral drama of quarrels, renunciations, and reconciliation. Hutcheson, Hume and Smith, along with Adam Ferguson and Thomas Reid, were all widely known, but none of them were remotely cult figures in the style of Hegel, Marx, Emerson, Wittgenstein, Sartre, or Foucault.

To an astonishing degree, the men supported one another’s projects and publications, which they may have debated at a club that included amateurs (say, poetry-writing doctors, or lawyers with an interest in science) or in the fumy back room of some dark Edinburgh tavern. In all, the group seems rather like an erudite version of Dickens’s chattering and benevolent Pickwick Club.

David Denby, The New Yorker[8]        


انظر أيضاً

الهامش

  1. ^ Herman, Arthur (2003). The Scottish Enlightenment: The Scots' Invention of the Modern World. 4th Estate, Limited. ISBN 1-84115-276-5.
  2. ^ Mark R. M. Towsey, Reading the Scottish Enlightenment: Books and Their Readers in Provincial Scotland, 1750-1820 (2010)
  3. ^ أ ب Phillip Manning (28 December 2003). "A Toast To Times Past". Chapel Hill News. Burns penned the song [Auld Lang Syne] in 1788 during the intellectual flowering known as the Scottish Enlightenment. Burns was part of a convivial group in Edinburgh whose writing and thinking produced the Enlightenment. One of the most original thinkers in that group, the man whose work would stimulate Charles Darwin’s ideas about evolution, was a well-to-do gentleman farmer named James Hutton. He discovered the immensity of our past, the days gone by that Burns wrote about so eloquently.
  4. ^ Cambridge University Press. "Andrew Fletcher: Political Works".
  5. ^ أ ب Repcheck, Jack (2003). "Chapter 7: The Athens of the North". The Man Who Found Time: James Hutton and the Discovery of the Earth's Antiquity. Cambridge, Massachusetts: Basic Books, Perseus Books Group. pp. 117–143. ISBN 0-7382-0692-X. Onto the list should also be added two men who never lived in Edinburgh but who visited and maintained an active correspondence with the scholars there: Ben Franklin (1706-1790), the statesman and talented polymath who discovered electricity; and Erasmus Darwin (1731-1802), Charles Darwin's grandfather and the author of a precursor theory of evolution.
  6. ^ Dr David Allan. "A Hotbed of Genius: Culture and Society in the Scottish Enlightenment". University of St Andrews.
  7. ^ Magnus Magnusson (10 November 2003). "Northern lights". New Statesman. Review of James Buchan's Capital of the Mind: Edinburgh (Crowded With Genius: Edinburgh's Moment of the Mind in the U.S.) لندن: John Murray ISBN 0-7195-5446-2.
  8. ^ David Denby (11 October 2004). "Northern Lights: How modern life emerged from eighteenth-century Edinburgh". The New Yorker. Review of James Buchan's Crowded With Genius: Edinburgh's Moment of the Mind (Capital of the Mind: Edinburgh in the UK) HarperCollins, 2003. Hardcover: ISBN 0-06-055888-1, ISBN 978-0-06-055888-8. The fountainhead was Francis Hutcheson, a kind of pan-Enlightenment figure who, from 1729 until his death in 1746, held the chair in moral philosophy at the University of Glasgow, where he broke with tradition by lecturing in English in addition to the common lecturing language of the time, Latin. Hutcheson, a frequent visitor to Edinburgh, was Adam Smith’s teacher and he encouraged Hume’s early efforts. He was suspicious of metaphysics or any claims not based on observation or experience. Empiricism and the inductive method was the clarion call of the Scottish Enlightenment.
    The intellectual break with the past was drastic and seemingly irreversible. In recent years, scholars have traced the rudiments of modern psychology, anthropology, the earth sciences, and theories of civil society and liberal education to eighteenth-century Scotland.

خطأ استشهاد: الوسم <ref> ذو الاسم "HermanTwo" المُعرّف في <references> غير مستخدم في النص السابق.
خطأ استشهاد: الوسم <ref> ذو الاسم "BarrosoVoltaire" المُعرّف في <references> غير مستخدم في النص السابق.
خطأ استشهاد: الوسم <ref> ذو الاسم "RSEVoltaire" المُعرّف في <references> غير مستخدم في النص السابق.
خطأ استشهاد: الوسم <ref> ذو الاسم "Fry" المُعرّف في <references> غير مستخدم في النص السابق.

خطأ استشهاد: الوسم <ref> ذو الاسم "Samuelson" المُعرّف في <references> غير مستخدم في النص السابق.

للاستزادة

  • David Allan. Virtue, Learning and the Scottish Enlightenment: Ideas of Scholarship in Early Modern History. · Edinburgh University Press, 1993. ISBN 978-0-7486-0438-8.
  • Broadie, Alexander. The Scottish Enlightenment: The Historical Age of the Historical Nation. Birlinn 2002. Paperback: ISBN 1-84158-151-8, ISBN 978-1-84158-151-4.
  • Broadie, Alexander, ed. The Cambridge Companion to the Scottish Enlightenment. (Cambridge Companions to Philosophy) Cambridge University Press, 2003. ISBN 978-0-521-00323-0.
  • Bruce, Duncan A. The Mark of the Scots: Their Astonishing Contributions to History, Science, Democracy, Literature, and the Arts. 1996. Hardcover: ISBN 1-55972-356-4, ISBN 978-1-55972-356-5. Citadel, Kensington Books, 2000. Paperback: ISBN 0-8065-2060-4, ISBN 978-0-8065-2060-5.
  • Buchan, James Crowded With Genius: Edinburgh's Moment of the Mind. (Harper Perennial, 2004). ISBN 978-0-06-055889-5.
  • Campbell, R. H. and Andrew S. Skinner, eds. The Origins and Nature of the Scottish Enlightenment (1982), 12 essays by scholars, esp. on history of science
  • Daiches, David, Peter Jones and Jean Jones. A Hotbed of Genius: The Scottish Enlightenment, 1730-1790 (1986), 170pp; well-illustrated introduction
  • Derry, J. F. Darwin in Scotland: Edinburgh, Evolution and Enlightenment. · Whittles Publishing, 2009. Paperback: ISBN 1-904445-57-8.
  • David Daiches, Peter Jones, Jean Jones (eds). A Hotbed of Genius: The Scottish Enlightenment 1731-1790. (Edinburgh University Press, 1986); ISBN 0-85411-069-0
  • Goldie, Mark. "The Scottish Catholic Enlightenment," The Journal of British Studies Vol. 30, No. 1 (Jan., 1991), pp. 20–62 in JSTOR
  • Graham, Gordon. "Morality and Feeling in the Scottish Enlightenment," Philosophy Vol. 76, No. 296 (Apr., 2001), pp. 271–282 in JSTOR
  • Herman, Arthur. How the Scots Invented the Modern World: The true story of how western Europe's poorest nation created our world & everything in it. Arthur Herman. (Crown Publishing Group, 2001); ISBN 0-609-80999-7.
  • Lenman, Bruce P. Enlightenment and Change: Scotland 1746-1832 (2nd ed. The New History of Scotland Series. Edinburgh University Press, 2009). 280 pp. ISBN978-0-7486-2515-4; 1st edition also published under the titles Integration, Enlightenment, and Industrialization: Scotland, 1746-1832 (1981) and Integration and Enlightenment: Scotland, 1746-1832 (1992); general survey
  • Swingewood, Alan. "Origins of Sociology: The Case of the Scottish Enlightenment," The British Journal of Sociology, Vol. 21, No. 2 (Jun., 1970), pp. 164–180 in JSTOR
  • Towsey, Mark R. M. Reading the Scottish Enlightenment: Books and Their Readers in Provincial Scotland, 1750-1820 (2010)

مراجع أساسية

وصلات خارجية