جوناثان سويفت

The Very Reverend
جوناثان سويفت
Jonathan Swift
پورتريه رسم تشارلز جرڤا
پورتريه رسم تشارلز جرڤا
وُلِد (1667-11-30)30 نوفمبر 1667
دبلن، أيرلندا
توفي 19 أكتوبر 1745(1745-10-19) (عن عمر 77 عاماً)
دبلن، أيرلندا
الاسم الأدبي Isaac Bickerstaff, M. B. Drapier, Lemuel Gulliver, Simon Wagstaff, Esq.
الوظيفة هجاء، كاتب مقالات، سياسي، pamphleteer، شاعر، كاهن
اللغة الإنگليزية
الجامعة الأم كلية الثالوث، دبلن
أبرز الأعمال

التوقيع

جوناثان سويفت (1667-1745) هو أديب وسياسي وأسقف إنگليزي-أيرلندي عاش بين القرنين ال17 وال18 للميلاد واشتهر بمؤلفاته الساتيرية (الساخرة) المنتقدة لعيوب المجتمع البريطاني في أيامه والسلطة الإنكليزية في أيرلندا.

أهم مؤلفاته وأشهرها هي "رحلات جلفر" (أو "رحلات گليڤر") الذي نشره في 1726 والتي تضم أربعة كتب تصف أربع رحلات خيالية إلى بلدان نائية غريبة تمثل كل واحدة منها حيثية للمجتمع البريطانية.

وهجاؤه مُرٌّ في أغلب الأحيان. ولكنه هجاء هزلي ظريف. وكان سويفت مهتمًا بشكل كبير بسلوك ومصالح الناس في زمانه، وخصوصًا مصالح الأيرلنديين وسلوك الإنجليز تجاه أيرلندا.

جليفر في بلاد الأقزام (ليلي‌پوت)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

سيرته

النشأة

البيت الذي وُلد فيه سويفت؛ رسم من عام 1865.

ولد سويفت في 30 نوفمبر 1667 في العاصمة الإيرلندية دبلن لوالدين بروتستانيين من أصل إنكليزي، أما أبوه فقد مات قبل ولادته. لا يعرف عن طفولته إلا القليل ولكن يبدو من بعض الموارد أن أمه عادت إلى إنكلترا بينما بقي جوناثان سويفت مع عائلة أبيه في دبلن، حيث اعتنى عمه غودوين بتربيته.

في 1686 حاز سويفت على مرتبة بكالوريوس من جامعة ترينيتي في دبلن، وبدأ دراساته لمرتبة ماجستير إلا أنه اضطر إلى ترك الجامعة بسبب أحداث "الثورة المجيدة" التي اندلعت في بريطانيا في 1688. في هذه السنة سافر سويفت إلى إنكلترا حيث دبرت أمه له منصب مساعد شخصي لوليام تمبل الذي كان من أهم الدبلوماسيين الإنكليز، غير أنه قد تقاعد عن منصبه عندما وصل سويفت إليه، واهتم بكتابة ذكرياته. مع مرور ثلاث سنوات لشغله كمساعد لتمبل، تعززت ثقة تمبل بمساعده حتى أرسله إلى الملك البريطاني وليام الثالث لترويج مشروع قانون كان تمبل من مؤيده.

ورأى جوناتان سويفت الذي كان آنذاك ملتحقاً بخدمة بولنبروك وهو "ربوبي"، أن أنتوني كولنز يستحق مزيداً من العقاب لأنه كشف سراً يحتفظ به كل أفاضل الرجال لأنفسهم ووقع عليه هذا العقاب في مقال بعنوان "بحث مستر كولنز في حرية التفكير بسط في لغة إنجليزية سهلة... ليستخدمه الفقراء" وسخر من الحجج التي ساقها كولنز في مبالغات فكاهية، وأضاف قوله: حيث أن معظم الناس حمقى أغبياء فأنه لما يجلب الكوارث أن نتركهم أحراراً في التفكير، "إن معظم بني الإنسان مؤهلون للطيران قدر أهليتهم للتفكير(92)"-وتلك عملية متوقعة في أيامنا هذه أكثر مما كان يقصد سويفت. واتفق مع هوبز في أن الدكتاتورية حتى في الروحانيات هي البديل الوحيد عن الفوضى. وقد رأينا أن الأنجليكانيين الأيرلنديين ذهبوا إلى أن الكاهن العابس المكتئب يمكن أن يكون مطراناً ممتازاً إذا آمن بالله.


الكاتب

كان سويفت بمثابة شعلة متأججة سرت من قرن إلى قرن، من دريدن إلى بوب. ولم يستطع قط أن يغتفر مولده في دبلن الذي كان عائقاً مثيراً للغضب في إنجلترا. وكم كان قاسياً عليه أن يقضي أبوه نحبه قبل ولادته، وكان الوالد قهرمان قصر الملك في دبلن. وعهد بالطفل إلى مرضعة حملته منها إلى انجلترا، ولم تعد به إلى أمه إلا عندما بلغ الثالثة من العمر، وربما ولدت هذه المغامرات والمخاطر في نفس الصبي شيئاً من قلق اليتيم. ولابد أن هذا الشعور ازداد عمقاً في نفسه، بانتقاله إلى عم له. سرعان ما تخلص منه، وهو في السادسة بإلحاقه بمدرسة داخلية في كلكني. وفي سن الخامسة عشرة التحق بترنتي كولدج في دبلن، حيث ظل بها سبع سنين. وشق طريقه في الكلية بصعوبة لأنه كان مهملاً في اللاهوت بصفة خاصة. وكثيراً ما قصر وعوقب، وذاق مرارة الفقر والحرمان عندما تعثر حظ عمه الذي تولى الإنفاق عليه، وأصيب بانهيار عصبي (1688). وعند موت عمه 1689، وفي غمرة ثورة إيرلندة لنصرة جيمس الثاني، هرب جوناثان إلى إنجلترا، وإلى أمه التي كانت تعيش في ليستر على عشرين جنيهاً في العام. وعلى الرغم من طول الفراق بينهما، انسجما معاً إلى حد معقول، وتعلم كيف يحبها، وزارها من حين إلى حين، حتى وفاتها (1710).

وفي أواخر عام 1689 وجد سويفت عملاً براتب قدره عشرون جنيهاً في العام مع الإقامة والطعام، سكرتيراً لسير وليم تمبل في موربارك. وكان تمبل حينذاك في أوج عظمته، صديقاً ومستشاراً للملوك. ويجدر بنا ألا نقسو في لومه لإخفاقه في التعرف على العبقرية في الشاب ذي الاثنين والعشرين ربيعاً الذي جاءه ببعض اللاتينية واليونانية، وببعض اللهجة الإيرلندية مع جهل ماكر باستخدام الشوكة والملعقة وعلاقة الواحدة منهما بالأخرى على المائدة(81) وكان سويفت يجلس مع كبار العاملين في خدمة تمبل، إلى مائدة سيدهم(82)، الذي لحظ دوماً الفرق بينه وبينهم. ولكن تمبل كان فأرسل سويفت 1692 إلى أكسفورد ليحصل على درجة الأستاذية. وأوصى به عطوفاً، وليم الثالث خيراً، ولكن دون جدوى.

وفي نفس الوقت كان سويفت يكتب مقطوعات شعرية من ذات البيتين. عرض بعضها على دريدن الذي قال له "ياسويفت، يابن العم، إنك لن تكون شاعراً أبداً"- وهي نبوءة كانت دقتها تجل عن إدراك الشاب وتقديره. وفي 1694 ترك سويفت خدمة تمبل، مع توصية منه. فعاد إلى إيرلندة، ورسم قسيساً أنجليكانياً (1665) وعين في وظيفة كنيسة صغيرة صغيرة ذات راتب في كلروت بالقرب من بلفاست. وهناك وقع في غرام جين دارنج التي سماها "فارنيا"، وعرض عليها الزواج، ولكنها أمهلته حتى تتحسن صحتها ويزداد دخله. ولما لم يطق صبراً على هذه العزلة القاتلة في أبرشية ريفية، هرب من كلروت 1669 وعاد أدراجه إلى تمبل وظل في خدمته حتى مات هذا الأخير.

وكان سويفت في عامه الأول في موربارك، قد التقى بأستر جونسون التي قدر لها أن تصبح "Stella". وتناثرت بعض الشائعات بأنها نتاج شيء من طيش سير وليم تمبل، الذي كان نادراً. والأرجح أنها ابنة تاجر من لندن. التحقت أرملته بخدمة ليدي تمبل . وعندما رآها سويفت لأول مرة كانت في سن الثامنة، تبعث على السرور والابتهاج مثل سائر البنات في هذه السن، ولكنها كانت أصغر من أن تثير فيه لواعج الغرام والهيام. أما الآن وهي في الخامسة عشرة، فقد اكتشف سويف، معلمها الذي ناهز التاسعة والعشرين، أن مفاتنها تثير المشاعر البدائية لدى الكاهن المحروم، لها عينان سوداوتان براقتان، وشعر أسحم، وصدر منتفخ، "رشيقة رشاقة غير معهودة في البشر. في كل حركة وفي كل كلمة وفي كل عمل" (هكذا وصفها سويفت فيما بعد)، "ركبت كل تقاطيع وجهها في أحسن صورة(83)" كيف لا تفتتن إلواز هذه معلمها أبيلار.

وعندما توفي تمبل 1699 ترك لأستر ألف جنيه ولسويفت مثلها. وبعد آمال خائبة في الالتحاق بوظائف الحكومة، قبل سويفت الدعوة ليكون قسيساً وسكرتيراً لدى إرل بركلي الذي كان قد عين لفوره قاضي القضاة في إيرلندة. وعمل سكرتيراً للرحلة إلى دبلن، ولكنه هناك فصل عن عمله. فطلب أن يعين رئيساً لكنيسة "درف" وهو منصب كان على وشك أن يشغر. ولكن السكرتير الجديد، لقاء رشوة قدرها ألف جنيه، خص بالوظيفة مرشحاً آخر. واتهم سويفت إرل بيركلي والسكرتير كليهما، وجهاً لوجه، بأنهما "وغدان حقيران". فعملا على تهيئته بتعيينه قسيساً في "لاكور"، وهي قرية على بعد نحو عشرين ميلاً من دبلن، لا يزيد شعبها على خمسة عشر شخصاً. والآن في 1700 بلغ دخل سويفت 230 جنيهاً، وهو دخل حسبته جين وارنج كافياً لإتمام الزواج. ومهما يكن من أمر، فقد مضت أربع سنوات على مفاتحته لها في أمر الزواج، وفي نفس الوقت كانت قد وقعت عينه على استر. فكتب على جين يقول أنها إذا تزودت بقسط من التعليم يؤهلها لتكون شريكة صالحة لحياته، وتعد بأن ترضى عن كل ما يحب ويكره، وتخفف من متاعبه ودراسته، فإنه يتزوجها دون نظر إلى وسامتها وجمالها أو إلى دخلها(84).

ومذ كان سويفت وحيداً في لاراكور، فإنه كثيراً ما تردد على دبلن. وهناك في 1701 حصل على درجة الدكتوراه في اللاهوت، وبعد ذلك في نفس العام، دعا أستر جونسون وصديقتها مسز روبرت دنجلي ليحضرا ويقيما معه في لاراكور، فقدمتا واتخذتا مسكناً بالقرب منه. وفي أثناء تغيبه في إنجلترا شغلتا مسكنه الذي كان قد استأجره في دبلن وكانت أستر "ستيللا" تتوقع منه أن يتزوجها، ولكنه تركها تنتظر طيلة خمسة عشر عاماً، واحتملت هي هذا الموقف الذي وضعها فيه على مضض، وانتابها الاضطراب والكآبة. ولكن قوة شخصيته وحدة تفكيره، أخمدتا جذوتها وكأنما وقعت تحت تأثير تنويمه المغناطيس حتى النهاية.

وتألفت حدة ذهنه بشكل مباغت حين نشر في 1074 في مجلد واحد "معركة الكتب" و "حكاية حوض الاستحمام". والأول إسهام موجز لا يستحق الذكر في الجدل حول المزايا النسبية للأدب قديمة وحديثة. أما الثاني فهو عرض هام لفلسفة سويفت الدينية أو غير الدينية. وقال سويفت عندما أعاد قراءة كتابه هذا في أخريات أيامه: "يا إلهي: أية عبقرية أملت على هذا الكتاب؟(85). وأحبه كثيراً إلى حد أنه في الطبعات التالية أتحفه بخمسين صحيفة أخرى من الهراء، على شكل مقدمات واعتذارات. وكان يفاخر ويزهو بأن الكتاب ينم عن أصالة بالغة. ومع أن الكنيسة كانت منذ أمد بعيد قد أكدت أن المسيحية هي "رداء المسيح السليم الذي شبه فيه" ولكن الإصلاح البروتستانتي مزقه إرباً فأن أحداً- خصوصاً كارليل Sartor Resortus- لم يطعن في القوة التي لم يسبق لها مثيل التي رد فيها سويفت كل الفلسفات والديانات إلى مجرد أردية تستخدم لستر جهلنا المرتجف أو إخفاء رغباتنا الجامحة المفضوحة:

"هل الإنسان نفسه إلا رداء بالغ الصغر أو على الأصح مجموعة كاملة من الملابس بكل زخارفها وزركشاتها ؟ أليست الديانة عباءة، والأمانة حذاء بلى بالوحل، وحب الذات معطفاً ضيقاً غاية الضيق، والغرور قميصاً، أليس الضمير إلا سروالاً (بنطلوناً) يستر الخلاعة والقذارة، ولكن من السهل نزعه لخدمة الخلاعة والقذارة كلتيهما ؟ فإذا وضعت بعض قطع الفراء الرخيص أو الثمين في موقع معين من الرداء فإننا بذلك نصنع قاضياً وحكماً ومن ثم فإن بعض الشاش والأطلس الأسود بعضهما إلى بعض بشكل مناسب يصنع لنا أسقفاً(86)".

وجرت إستعارة الرداء هنا بدقة ورقة. أن بيتر (الكاثولوكية)، ومارتن (اللوثرية والأنجليكانية) وجاك (الكلفنية) تسلموا، ثلاثتهم، من أبيهم وهو يحتضر، ثلاثة أردية جديدة متماثلة (كتباً مقدسة) إلى جانب وصية توجههم كيف يلبسونها، وتحرم عليهم إبدالها، أو إضافة خيط واحد إليها أو إنتقاص خيط واحد منها ووقع الأبناء الثلاثة في غرام سيدات ثلاث: "دوقة المال"، أي الثراء، و"آنسة الألقاب الفخمة" أي الطمع، و"كونتيسة الكبرياء" أي الغرور، ولكن الأخوة الثلاث، رغبة منهم في إرضاء هؤلاء السيدات، يعمدون إلى إحداث بعض التغيير في أرديتهم الموروثة. ولما بدا لهم أن التغييرات تتعارض مع وصية أبيهم، أعادوا تفسير الوصية بتأويلات صادرة عن علماء ومثقفين. أما بيتر فقد أراد أن يضيف حواشي وأهداباً من الفضة (البذخ البابوي). وسرعان ما أتضح للعلماء الثقاة أن لفظة "الهدب أو الحاشية" في الوصية تعني عصا المكنسة الطويلة. وهكذا إختار بيتر الحواشي الفضية، ولكنه حرم على نفسه عصا المكنسة الطويلة "السحر") وفرح البروتستانت (المحتجون) حين وجدوا أقسى الهجاء والنقد يوجه إلى بيتر: إلى شرائه قارة كبيرة (المطهر- مكان تطهر فيه نفوس الأبرار بعد الموت بعذاب محدود الأجل) ثم بيعه (أي المطهر) في أجزاء متفاوتة (صكوك الغفران) المرة بعد الأخرى، والى علاجاته الناجحة الخالية من الآلام عادة (القفازات) للديدان (أي وخزات الضمير)- وعلى سبيل المثال: "اإمتناع عن أكل شيء بعد العشاء لمدة ثلاث ليال، وألا تخرج على الإطلاق ريحاً من الجانبين دون سبب واضح(87)"، وكذلك وجه النقد إلى بيتر لإبتداع "وظيفة الهمس" (أي الإعتراف) "لخير وراحة المصابين بوسواس المرض أو الذين أرهقهم المغص" و"ووظيفة التأمين" (أي مزيد من الغفران)، "المخلل البالي المشهور (الكاثوليكي) ويعني به "الماء المقدس"، على أنه من الضعف والإنحلال. وحيث تزود بيتر بهذه الوسائل والحيل الحكيمة فإنه ينصب نفسه ممثلاً للرب، ويصف فوق رأسه قبعات ذات تاج عال. ويمسك في يده بعصا يختال بها، وإا رغب الناس في مصافحته، قدم لهم "كأن كلب مدرب تدريباً جيداً" قدمه(88). ويدعو بيتر إخوته إلى الغداء، ولا يقدم لهم غير الخبز، ويؤكد لهم أنه ليس خبزاً بل لحماً، ويدحض إعتراضاتهم ويقول "لإقناعكما بأنكما لستما إلا شخصين أحمقين جاهلين عنيدين أعميين حقاً"، لن أستخدم إلا حجةً واحدةً: والله إنه لحم ضأن طيب طبيعي مثل أي لحم ضأن في "ليندهول ماركت"، صب الله عليكما اللعنة الأبدية إذا صدقتما غير ما أقول(89)".ويثور الإخوان، ويستخرجان "نسخاً حقيقية" من الوصية (ترجمة الكتاب المقدس باللغة الوطنية)، ويشجبان بيتر على أنه محتال دجال. وبناء على هذا طرد بيتر أخويه من داره، ولم يستظلا بسقفه منذ ذلك اليوم إلى يومنا هذا(90)". وسرعان ما دب النزاع بعد ذلك بين الإخوة: إلى أي حد ينبذون أو يغيرون من أثوابهم الموروثة. ويعتزم مارتن، بعد ثورة غضبه الأولى، أن يلتزم جادة الإعتدال. ويتذكر أن بيتر أخوه. أما بيتر، فإنه على أية حال يمزق ثوبه إرباً (شيع كلفنية). ويصاب بمسات من الجنون والغيرة. ويستطرد سويفت ليصف عمليات الريح (ويقصد بها الوحي والإلهام) عند العولسيين)- نسبة إلى عولس إله الريح "ويعني بهم" الوعاظ الكلفنيين. ويسخر كثيراً- سخرية لا يجوز نقلها هنا- من ألفاظهم الأنفية الحادة ومن نظرياتهم في القضاء والقدر، وتقديسهم الأعمى للنصوص المقدسة(91).

والى هنا، لم يصب مذهب الكاتب- المذهب الأنجليكاني إلا اليسير من الجراح، ولكن سويفت يسترسل في القصة، ويغير الأثواب إلى رياح، ومن الواضح أنه ينتهي إلى أن كل الديانات والفلسفات- لا لاهوتيات المنشقين فحسب- ليست إلا أضاليل وأوهاماً كاذبةً سريعة الزوال.

"إذا إستعرضنا الإنجازات العظيمة التي تمت في العالم ... مثل تكوين الإمبراطوريات الجديدة عن طريق الغزو والفتح، وإبتداع ونمو مذاهب جديدة في الفلسفة، وإستنباط أديان جديدة ونشرها، فلسوف نجد أن الذين قاموا بهذا كله، ليسوا إلا أشخاصاً هيأت لهم عقولهم الطبيعية أن يقوموا بإنقلابات كبيرة، بفضل غذائهم وتعليمهم، ومزاج معين سائد، بالإضافة إلى تأثير خاص للهواء والمناخ ... لأن عقل الإنسان المستقر في مخه، لابد أن ترهقه وتغمره أبخرة ورياح صاعدة من القوى والوظائف الجسدية الدنيا لتسقي المخترعات وتجعلها مثمرة(92).

ويسترسل سويفت في تفصيل فسيولوجي لا يمكن ذكره، لما بدا له أنه مثال رائع لإفرازات داخلية تولد أفكاراً قوية، ومن ذلك "المشروع الكبير" لهنري الرابع: ذلك أن ملك فرنسا لم يوح إليه بشن الحرب ضد آل هيسبرج ويستحثه عليها إلا تفكيره في الإستحواذ في طريقه على امرأة (هي شارلوت مونمورنس) التي حرك جمالها في الملك عصارت مختلفة "صعدت إلى مخه(93)" وهذا هو بالمثل ما حدث بكبار الفلاسفة الذين حكم عليهم معاصروهم بحق بأنهم "فقدوا عقولهم": "ومن هذا الطراز كان أبيقور، ديوجين، أبوللونيوس، لوكريشس، ياراسلسوس، ديكارت، وغيرهم، ممن كانوا على قيد الحياة الآن، ...لتعرضوا في هذا العصر المتميز بالفهم، لخطر واضح، خطر فصد الدم، والسياط، والأغلال، والحجرات المظلمة والقش (في السجون) أما الآن فقد يسرني أن أعرف كيف أنه من الميسور أن نعلل لهذه التصورات والأفكار، .. دون إشارة إلى الأبخرة التي تتصاعد من القوى والوظائف الجسدية الدنيا، حيث تلقي ظلالاً معتمةً على المخ، فتقطر أو تتساقط مفاهيم لم تضع لها لغتنا الضيقة بعد أسماء غير الجنون أو الخبل(94).

ولمثل "هذا الخلل أو التحول في المخ بفعل الأبخرة المتصاعدة والقوى والوظائف الجسدية الدنيا" يعزو سويفت كل الانقلابات أو الثورات التي حدثت في الآمبراطورية والفلسفة والدين(95) ويخلص إلى أن كل مذاهب الفكر عبارة عن رياح من الألفاظ، وأن الزجل العاقل لا ينبغي له أن ينفذ إلى الحقيقة الباطنة للأشياء، بل يقنع نفسه بالسطح أي بظواهر الأشياء، وبناء على هذا يستخدم أحد التشبيهات اللطيفة التي ينعطف إليها دائماً: "رأيت في الإسبوع الماضي امرأة سلخ جلدها، ولن تصدق أنت بسهولة إلى أي حد تغير شكلها إلى أسوأ مما كانت(96)".

إن هذا الكتاب الصغير المخزي الذي وقع في 130 صفحة، جعل من سويفت في الحال "سيد الهجاء"- أو كما سماه فولتير: رابليه آخر في صورة متقنة. إن القصص الرمزي أو المجازات إتسقت إتساقاً حرفياً مع معتقده الأنجليكاني التقليدي. ولكن كثيراً من القراء أحسوا بأن الكاتب متشكك، إن لم يكن ملحداً. أما رئيس الأساقفة شارب فإنه أبلغ الملكة آن أن سويفت لم يفضل الكافر بشيء كثير(97). وكان من رأي دوقة مالبورو الصديقة الحميمة للملكة، أن سويفت: "حول، منذ زمن طويل، كل الديانة إلى "قصة حوض الإستحمام" على أنها وباعها دعابة. ولكنه كان قد إستاء من أن "الأحرار" لم يكافئوه بالترقية في الكنيسة على ما أظهره من غيرة شديدة على الدين بهزله الدنس، ولذلك سخر إلحاده ومزاحه ومرحه في خدمة أعدائهم(98)".

كذلك نعته ستيل بأنه كافر، ووصفه نوتنجهام في مجلس العموم بأنه عالم لاهوتي "من العسير أن يشك في أنه مسيحي(99). وكان سويفت قد قرأ هوبز، وهي تجربة ليس من اليسير نسيانها. ذلك أن هوبز كان قد بدأ بالخوف، انتقل إلى المذهب المادي، وانتهى بأن يكون (محافظاً) يناصر الكنيسة الرسمية.

وكان لرجال الدين قليل من العزاء في أن سويفت أخرج مؤلفاً في الفلسفة:

"إن مختلف الآراء الفلسفية انتشرت في أنحاء العالم، وكأنها أمراض طاعون أصابت العقل، كما انتشر صندوق بندورا الأوبئة التي تصيب الجسم، مع فارق واحد، هو أن الطاعون لم يترك شيئاً من الأمل في القاع إن الحقيقة خافية على الناس، قدر خفاء منابع النيل، ولا يمكن وجودها إلا في "بوتوبيا" (المدينة المثالية)(100).

ومن الجائز أن سويفت، لأنه أحس بأن الحقيقة لم تقصد للبشر، نبذ في إصرار شديد كل الفرق الدينية التي ادعت أن مذهبها "هو المذهب الصحيح". وازدرى الرجال الذين زعموا- مثل بانيان وبعض الكويكرز- أنهم رأوا الله أو كلموه. وانتهى، مع هوبز، إلى أنه ضرب من الانتحار الاجتماعي أن نترك لكل إنسان الحرية في أن يصنع عقيدته أو مذهبه بنفسه، حيث لن تكون نتيجة ذلك إلا عاصفة هوجاء من السخافات يصبح معها "بيمارستانا" أو مستشفى للأمراض العقلية. ومن ثم عارض سويفت حرية الفكر، على أساس أن "جمهور البشر مؤهل للطيران قدر ما هو مؤهل للتفكير(101)". واستنكر التسامح الديني، وظل لآخر حياته يؤيد "قانون الاختبار" الذي قضى بإقصاء غير أتباع الكنيسة الرسمية عن كل الوظائف السياسية والعسكرية(102). واتفق مع الحكام الكاثوليك واللوثريين على أنه يجب أن يكون للأمة عقيدة دينية واحدة. وحيث أنه ولد في إنجلترا، ومذهبها الرسمي هو الأنجليكاني، فإنه رأى أن الإتفاق العام الكامل على اعتناق هذا المذهب أمر لا غنى له عنه لعملية تمدين الإنجليز ونشر سويفت في 1708 بعض القطع: "أحاسيس رجل يتبع كنيسة إنجلترا"، "والدليل على أن إلغاء المسيحية في إنجلترا قد يستتبع بعض المتاعب والمشاكل والمزعجات "وكان آنذاك في طريقه من الأحرار إلى المحافظين".


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

النضج

Jonathan Swift (shown without wig) by Rupert Barber, 1745, National Portrait Gallery, London

كان أول ارتباط سياسي له- بعد ترك ثمبل- مع الأحرار، حيث بدا له أنهم أكثر تقدمية، ومن الأرجح أن يجدوا عملاً لرجل أكبر عقلاً وأقل ثراءً. وفي 1701 نشر كتيباً يناصر فيه حزب الأحرار وكله أمل في الظفر بشيء. ورحب هاليفاكس وسندر لند وغيرهما من زعماء الأحرار، بانضمامه إلى حزبهم، ووعدوه خيراً إذا تولوا الحكم. ولكنهم لم ينجزوا ما وعدوا، ويحتمل أنهم خشوا من أن سويفت رجل لا يسهل قياده، وأن قلمه سلاح ذو حدين، وفي رحلة موسعة من أيرلنده إلى لندن في 1705 كسب سويفت صداقة كونجريف وأديسون وستيل. وأهداه أديسون نسخة من "رحلات إلى إيطاليا" وكتب في عبارة الإهداء "إلى جوناتان سويفت، أحسن رفيق وخير صديق، أعظم عبقرية في زمانه يقدم خادمه الذليل، المؤلف، هذا الكتاب(103)"، ولكن هذه الصداقة، مثل صداقة جوناثان مع ستيل وبوب، لم تدم، وأتت عليها نيران سويفت المتقدة أو ثورته المتصاعدة.

وفي زيارة أخرى لدينة لندن، تسلى سويفت بتدمير منجم دعي. ذلك أن جون بار تريدج، الإسكافي، أخرج كل عام تقويماً زاخر بالنبوءات المؤسسة على حركات النجوم. وفي 1708 نشر سويفت تحت اسم مستعار "إيزاك بيكرستاف" تقويماً تنافسياً. وكان من بين تنبؤات إيزاك، انه في الساعة الحادية عشرة من مساء يوم 29 مارس سيقضي بارتريدج نحبه. وفي 30 مارس نشر بيكرستاف في نشوة الانتصار رسالة أعلن فيها أن بارتريدج مات في ظرف بضع ساعات من الموعد المحدد في النبوءة، وذكر في تفصيل مقنع ترتيبات الجنازة. وأكد بارتريدج لمدينة لندن بأسرها أنه لا يزال حياً يرزق. ولكن إيزاك رد بأن هذا محض افتراء. وأدرك ظرفاء المدينة الخدعة. ورفع مكتب التسجيلات اسم بارتريدج من سجلاته أما ستيل فإنه اختار إيزاك اسماً لمحرر وهمي في صحيفة "تاتلر" عند افتتاحها في السنة التالية.

وفي 1710 غادر سويفت لارا كور مرة أخرى، موفداً عن الأساقفة الأيرلنديين ليطلب إلى الملكة آن أن تمد يد معونتها إلى رجال الدين الانجليكانيين في أيرلنده: ورفض جودلفين وسومرز، وهما عضوان من حزب الاحرار في مجلس المكلة، الموافقة على هذا إلا إذا وافق رجال الدين هؤلاء، على التخفيف من حدة "قانون الاختبار" والإرخاء من قبضته. وعارض سويفت بشدة التخفيف المطلوب. واكتشف الأحرار أنه كان "محافظاً" بالنسبة للعقيدة الدينية. وأعترف سويفت عملياً بأنه "محافظ" بالنسبة للسياسة أيضاً، حين كتب: "إني كنت أمقت دوماً هذا النهج السياسي ... ألا وهو وضع مصالح ذوي المال في مواجهة مصالح مالكي الأرض(104)". ولجأ إلى زعيمي المحافظين، هارلي وبولنجبروك ولقى ترحيباً حاراً، وأصبح بين عشية وضحاها "محافظاً" راسخاً. وعين محرراً لصحيفة المحافظين "إجزامنر". وأبرز أسلوبه بوضوح عندما وصف نائب حاكم أيرلنده- وهو من حزب الأحرار، وكان أديسون صديق سويفت سكرتيراً له:

"إن توماس إرل وارتون ... بحكم دستور غريب، قضى بضعة أعوام من سني اليأس التي تقدم بها عمره، دون آثار بارزة للشيخوخة في جسمه أو عقله. وعلى الرغم من مقارفته المستمرة لكل الموبقات التي تعتصر الجسم والعقل كليهما ... فإنه يذهب دوماً إلى الصلاة. ويتحدث حديث الفسق والفجور والتجديف على باب الكنيسة، فهو مشيخي في السياسة ملحد في العقيدة. ولكنه يؤثر الآن أن يفجر مع البابوية(105)".



وسر الوزراء "المحافظون" بها الهجاء اللاذع الذي يشبه القتل، فعهدوا إلى سويفت بكتابة فذلكة "سلوك الحلفاء" (نوفمبر 1711)، كجزء من حملتهم لإسقاط مالبورو وإنهاء حرب الوراثة الإسبانية، واحتج سويفت بأن الضرائب الاستثنائية التي فرضت لتمويل الحروب الطويلة ضد لويس الرابع عشر يمكن خفضها بقصر إسهام إنجلترا في الحروب على البحر، وأوضح بأجلى بيان شكوى مالكي الأرض من أن عبء نفقات الحرب وقع على عاتقهم أكثر مما على عاتق التجار وأصحاب المصانع الذين كانوا يستفيدون من الحرب. أما بالنسبة لدوق مالبورو فقد قال سويفت "هل كان من حسن الرأي شن الحرب، أو لم يكن ؟ ...وأوضح بأن الدافع إلى الحرب، هو الرفع من شأن أسرة بعينها، وبعبارة موجزة أنها حرب لحساب القائد ووزارة الأحرار، وليست حرباً لحساب الملك والشعب(106) وقدر الكاتب رواتب مالبورو وتعويضاته بنحو 540 ألف جنيه "وهذا الرقم دقيق(107)". وبعد شهر واحد سقط مالبورو وصورت الدوقة زوجته الجريئة الصريحة وهي الوحيدة في إنجلترا التي كان لسانها حاداً لاذعاً، مثل لسان سويفت- صورت في مذكراتها المسألة من وجهة نظر الأحرار، فقالت:

"أن السيدين المحترمين مستر سويفت ومستر بريور أسرعا فعرضا نفسيهما للبيع ... وكلاهما من الموهوبين القادرين، وهما مستعدان لتسخير كل ما لديهما لخدمة أية فرية مخزية طالما كانت المكافأة مجزية. لأن كليهما لا يبالي بحمرة الخجل ولا بالسقوط أو الانزلاق من أجل مصلحة سادتهم الجدد(108).

وكافأ المحافظون تابعيهما الجديدين: فعينوا ماتيو بريور في منصب دبلوماسي في فرنسا حيث أبلى بلاءً حسناً. ولم يحصل سويفت على أي منصب ولكنه كان صديقاً حميماً وثيق الصلة بوزراء المحافظين، فاستطاع بذلك أن يحصل لكثير من أصدقائه على وظائف تدر مالاً وفيراً ولا تقتضي عملاً كثيراً. وكان مثال الكرم والعطف على من لم يعارضوه أو يهاجموه. وزعم فيما بعد أنه أهدى لخمسين شخصاً أكثر خمسين مرة مما أهداه أليه سير وليم ثمبل(109). وأقنع بولنجبروك بمساعدة الشاعر جاي Gay وألح على وجوب استمرار الوزارة في دفع الراتب الذي كان الأحرار يدفعونه لكونجريف. ولما طلب بوب جمع بعض التبرعات لمعاونته على ترجمة هوميروس، أمر سويفت كل أصدقائه وكل طلاب الوظائف بالتبرع، وأقسم "أن المؤلف لن يشرع في الطبع قبل أن يجمع له ألف جنيه(110)" وغطت شخصيته على مكانة أديسون في الأندية، وكان في كل ليلة تقريباً يتناول العشاء مع العظماء. ولم يكن يطيق من أحدهم أية سمة من سمات التعالي عليه. وكتب يوماً إلى ستيللا "إنني مزهو متكبر إلى حد أني أجعل اللوردات يأتون إلي ... كان مفروضاً أن أتناول العشاء في قصر أشبيرنهام، ولكن هذه السيدة المنحطة القذرة لم تعرج علينا لنصحبها في عربتها، ولكنها أرسلت في طلبنا فحسب، ولذلك أرسلت إليها إعتذاراً(111)".

وفي السنوات الثلاث (1710-1713) في إنجلترا كتب سويفت الرسائل العجيبة التي نشرت فيما بين 1766-1768 تح عنوان "يوميات إلى ستيللا". إنه كان في حاجة إلى صديقة حميمة إلى جانبه في العشاء لدى الأدواق والدوقات، وفي انتصاراته السياسية. أضف إلى ذلك أنه أحب المرأة الصابرة، التي ناهزت الثلاثين آنذاك, ولكنها ظلت تنتظره حتى يحزم أمره. ولابد أنه أغرم بها، لأنه كتب لها أحياناً مرتين في اليوم الواحد، وأظهر اهتمامه وتعلقه بكل ما يعنيها، اللهم إلا الزواج. وما كان ينبغي لنا أن نتوقع من مثل هذا الرجل المستبد المتغطرس، هذا المزاج الرقيق، وهذه الألقاب والكنيات الغريبة، والنكات والتوريات، والحديث الصبياني، مما صبه سويفت في رسائله التي لم يتوقع نشرها. إنها وسائل زاخرة بالملاطفة والتدليل، ولكنها خلو من أي عرض أو اقتراح، اللهم إلا إذا كانت ستيللا قد قرأت وعداً بالزواج في رسالته المؤرخة 23 مايو 1711: "لن أطيل الحديث، ولكني أتوسل إليك أن تهدئي حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً، وأن تثقي بأن سعادتك هي غاية ما أصبو وأسعى إليه في كل ما أعمل(112)" ومع ذلك فإنه في هذه الرسالة يطلق عليها "الطفلة المزعجة، الساذجة، الفتاة المغناج، البغي، المرأة القذرة، الكلبة المحبوبة، وغير ذلك من ألقاب التدليل والملاطفة. وإنا لنلمس روح الرجل حين يقول لها:

هل يجب أن تغتصب المرأة لأنها بغي(113)"؟.

وقد تعيننا علل سويفت الجسيمة على فهم السر في رداءة طبعه وسرعة غضبه، أنه منذ 1694، وهو في السابعة والعشرين من العمر، بدأ يعاني من دوار في الأذن الداخلية ومن حين لآخر، وبشكل لا يمكن التنبؤ به، أصابته نوبات من الدوار وتشويش الذهن والصمم. ونصح طبيب مشهور هو دكتور رادكليف بأن يوضع سائل مركب داخل كيس في لمة (الشعر الذي يجاوز شحمة الأذن) سويفت، واشتدت به العلة على مر السنين، وكان من الجائر أن تسبب له الجنون. ويحتمل انه في 1717 قال للشاعر أدوار بنج، مشيراً إلى شجرة ذابلة "إني سأموت مثل هذه الشجرة سأموت في القمة(114)." وكان هذا وحده كافيا ليتشكك في قيمة الحياة، وليرتاب قطعاً في وجه الحكمة في الزواج. ومن الجائز أنه كان عنيناً، ولكنا لا نستطيع الجزم بهذا. وأعتاد على كثرة المشي اتقاء لهزال جسمه، فمشى مرة من فارنام الى لندن: 38 ميلاً.

وزاد من شدة مرضه حدة حواسه حدة مؤلمة، وهي عادة تلازم حدة الذهن وفرط الذكاء. وكان بشكل خاص شديد الحساسية للروائح في شوارع المدن وفي الناس. فاستطاع بمجرد الشم، عن صحة من يقابل من الرجال والنساء، وخلص من هذا إلى أن الجنس البشري أصابه النتن(115). ولذلك كان مفهوم المرأة الجديرة بالحب والإعجاب عنده ينحصر إلى حد ما في: "أنها لا يخرج من جسمها النقي هبات كريهة الرائحة تثير الاشمئزاز، لا من خلف ولا من قدام، ولا من فوق، ولا من تحت، ولا يتصبب منها العرق البغيض(116)".

أنه يصف "غادة جميلة في طريقها إلى الفراش"، ونفس المرأة حين تفيق.

"إن من يرى كورينا في الصباح يتقيأ، ومن يشم رائحتها يصاب بالتسمم".

إن مفهومه عن المرأة الشابة الجميلة مرتبط بحاسة الشم:

"إن أعز رفيقاتها لم يرينها يوماً تجلس القرفصاء لتتبول، ولك أن تقسم بأن هذه المخلوقة الملائكية لم تحس يوماً بضرورات الطبيعة، فإذا مشت في شوارع المدينة في الصيف لم يلوث أبطاها ثوبها. وفي حلبة الرقص في القرية أيام القيظ لن يستطيع أنف أن يشم رائحة أصابع قدميها(117)".

وكان سويفت نفسه نظيفاً إلى حد التزمت. ومع ذلك فإن كتابات هذا الكاهن الأنجليكاني تعد من أفحش ما كتب في الأدب الإنجليزي. أن تبرمه بالحياة جعله يقذف بأخطائه في وجه زمانه. ولم يبذل أي جهد في إرضاء الناس، ولكنه بذل كل الجهد في أن يسيطر ويتحكم، لأن السيطرة خففت من شعوره الخفي بعدم الثقة في نفسه. وقال أنه يكره (أو يرهب) كل من لا يستطيع أن يأمره(118)، على أن هذا لم يصدق على حبه لهارلي، وكان غضوباً عند الشدة، متغطرساً فظاً وقت الرخاء والنجاح. وأحب السلطة أكثر مما أحب المال. وعندما أرسل إليه هارلي بخمسين جنيهاً أجراً لمقالاته، رد الحوالة وطالب بالاعتذار، وكان له ما أراد، فكتب إلى ستيللا "لقد استرضيت مستر هارلي ثانية(119)". وكان يكره الرسميات ويحتقر النفاق. وبدا له أن الدنيا تميل إلى قهره، وقابل هو العداء بمثله صراحة، وكتب إلى الشاعر بوب:

"إن غاية ما أصبو في كل أعمالي أن أزعج العالم وأضايقه، لا أن أسليه، فإذا استطعت أن أحقق هذا الغرض دون أن الحق الأذى بشخصي أو بثروتي، لكنت أعظم كاتب لا يكل ولا يمل رأيته أنت في حياتك.. إذا فكرت في الدنيا فأرجوك أن تجلدها بالسوط بناء على طلبي. لقد كنت أبداً أكره الأمم والوظائف والمجتمعات. وكان كل حبي للأفراد، إني أكره طائفة رجال القانون، ولكني أحب مستشاراً بعينه أو قاضياً بعينه، وهكذا الحال مع الأطباء. (ولن أتحدث عن صناعتي)، والجنود، والإنجليز والاسكتلنديين والفرنسيين، ولكني أساساً أكره وأمقت هذا الحيوان الذي يسمى إنساناً، ولو أني من كل قلبي أحب جون وبيتر وتوماس وهكذا(120)".

عند هذا الحد يبدو أن سويفت أقل الرجال جدارة بالحب، ولو أن امرأتين أحبتاه إلى أن فارقتا الحياة. وأقام في هذه السنوات في لندن قريباً من أرملة غنية تدعى فانهو مراي، وكان لها ابنان وابنتان، فإذا لم تتيسر له الدعوة إلى موائد العظماء، كان يتناول العشاء مع "آل فان". ووقعت الابنة الكبرى "هستر" في حبه وكانت آنذاك في الرابعة والعشرين (1711)، وهو في الثالثة والأربعين، وأفصحت له عن حبها. فحاول أن يصرف النظر عن هذا باعتباره مرحاً أو مزاجاً عابراً، وأوضح لها أنه قد كبرت سنه بحيث لم يعد يصلح لها. فأجابت، يحدوها كل الأمل، بأنها تعلمت منه في كتبه أن تحب عظماء الرجال قرأت "مونتاني في المرحاض"، فلماذا لا تحب رجلاً عظيماً إذا وجدته ماثلاً أمامها؟ فرّق قلبه ولانت قناته بعض الشيء فنظم قصيدة من أجل عينيها فقط "كادينوس وفانيسا" قصيدة بين المرح والمأساة. وكان "فانيسا" اسمه هو عندها، أما "كادينوس" فكان تصحيفاً للفظة "ديكانوس" أي الكاهن الكبير.

ذلك انه أبريل 1713 عينته الملكة كارهة رئيساً لكاتدرائية سان باتريك في دبلن. وسافر إلى هناك في يونيه ليتسلم العمل، ورأى ستيللا وكتب إلى نانيسا بأنه كاد يموت كآبة وكمداً واستياء(121) وفي أكتوبر 1713 عاد إلى لندن وشارك في كارثة حزب المحافظين المفاجئة 1714، ومذ فقد السلطان السياسي بعودة الأحرار الذين كان قد هاجمهم، إلى الحكم في ظل الملك جورج الأول، فإنه قفل راجعاً إلى إيرلندة الكريهة، وإلى كاتدرائيته. ولم يكن محبوباً في دبلن لأن الأحرار الذين تولوا الآن الحكم كرهوه لنقده الساخر العنيف وخطبه اللاذعة، كما كرهه المنشقون لإصراره على استبعادهم من الوظائف العامة. وانطلقت من الناس أصوات الاستهجان والازدراء به في الشوارع، ورجموه بقاذورات البالوعات(122) ووصف أحد رجال الدين الأنجليكانيين منظر ردائه في قصيدة ثبتها بالمسامير على باب الكاتدرائية: "يستقبل هذا المعبد اليوم رئيساً ذا مذاهب وشهرة غير عادية استخدمها جميعاً في الصلاة وفي الدنس، خدمة للرب والشيطان كليهما.. وهو مكان حصل عليه بالدهاء والقصيد وبوسائل أخرى من أعجب الوسائل. وربما أصبح بمرور الزمن أسقفاً، لو أنه آمن بالله(123)":

وصمد سويفت للمحنة في شجاعة واستمر يناصر المحافظين، وعرض أن يشارك هارلي سجنه في برج لندن. وقام بواجباته الدينية، وألقى المواعظ بانتظام. ومنح الأسرار المقدسة، وعاش عيشة بسيطة، وتصدق بثلث دخله. وفي أيام الأحد فتح أبواب مسكنه للقاصدين، وجاءت ستيللا لخدمة الضيوف، وسرعان ما خفقت كراهية الناس له، وبدأوا يقبلون عليه. وفي 1724 نشر تحت اسم مستعار "م.ب.درابيية" ست رسائل يندد فيها بمحاولة وليم وود جمع أرباح طائلة من إمداد أيرلندة بعملة نحاسية. وأستنكر الأيرلنديون هذه المحاولة. وعندما اكتشفوا أن درابيية لم يكن إلا سويفت، كاد الكاهن المكتئب أن يصبح شعبياً محبوباً تماماً.

وربما استطاع سويفت أن يحظى بلحظات من السعادة لو انه كان في مقدوره لأن يحتفظ بالبحر الأيرلندي بين السيدتين اللتين أحبتاه. ولكن في 1714 ماتت مسز فانهو مراي، وانتقلت ابنتها فانيسا إلى أيرلندة لتستغل بعض الممتلكات التي تركها لها والدها في سلبردج، على بعد أحد عشر ميلاً إلى الغرب من العاصمة. ولتكون بالقرب من رئيس الكاتدرائية، استأجرت مسكناً في زقاق تيرنستيل في دبلن، على مسافة قصيرة من مسكن ستيللا، وكتبت الى سويفت ترجوه أن يزورها، وإلا ماتت كمداً. ولم يستطع أن يقاوم توسلاتها، وفيما بين 1714-1723 تردد عليها خفية مراراً وتكراراً. ولما خفت زياراته لها أصبحت رسائلها إليه أشد حرارة والتهاباً. وقالت له في إحداها أنها ولدت بهذه "العواطف الجارفة" التي تنتهي كلها إلى شيء واحد: هو حبي لك الذي لا يمكن وصفه أو التعبير عنه". وأبلغته أنه قد يكون من العبث أن يحاول تحويل حبها إلى حب الله، "فلو أني غيورة متحمسة فستظل أنت المعبود الذي يجب لأن أعبده"(124). وربما فكر سويفت في الزواج للخروج من هذا المأزق الذي تورط فيه بين المرأتين اللتين أحبتاه، وربما طالبت ستيللا، وهي تعلم أن لها منافسة، بالزواج على أنه عدالة مطلقة وأبلغ دليل على ذلك أنه تزوجها فعلاً في 1716(125) وواضح أنه يطلب إليها كتمان أمر زواجه. واستمرت تقيم بعيداً عنه. ويحتمل أنه لم يباشرها قط. واستأنف سويفت زياراته لفانيسا، لا مغازلاً، ولا وحشاً بهيمياً، بل المفهوم أن قلبه لم يطاوعه على أن يتركها يائسة بلا أمل، أو أنه خشي أن تقدم على الانتحار. وأكدت رسائله لفانيسا أنه احبها وقدرها فوق كل شيء، وأنه سيكن لها هذا الحب والتقدير حتى آخر لحظة من حياته. وسارت الأمور على هذا المنوال حتى 1723، حين كتبت فانيسا إلى ستيللا تسألها في صراحة تامة عن العلاقة بينها وبين رئيس الكاتدرائية. فأخذت ستيللا الخطاب إلى سويفت الذي ركب لفوره إلى فانيسا ورمى على مائدتها. وروعها بنظراته الغاضبة. وتركها إلى غير رجعة دون أن ينبس ببنت شفة.

وعندما أفاقت فانيسا من غشيتها، تحققت آخر الأمر من أنه كان يخدعها، واجتمعت خيبة الرجاء إلى نزعة جامحة في إفناء ما بقى لها من أسباب الصحة والحياة، وقضت نحبها في بحر شهرين من هذا اللقاء الأخير (2 يونية 1923) وهي في الرابعة والثلاثين. وثارت لنفسها في وصيتها. فألغت وثيقة قديمة كانت قد جعلت فيها سويفت وريثاً لها، ثم أوصت بكل متاعها لروبرت مارشال والفيلسوف جورج بيركلي، وأمرتهما أن ينشرا دون تعليق رسائل سويفت إليها، وقصيدة "كادينوس وفانيسا". وهرب سويفت في "رحلة إلى الجنوب"، في إيرلندة، ولم يظهر في الكاتدرائية إلا بعد مضي أربعة شهور على وفاة فانيسا.

وعند عودته انصرف إلى كتابة أشهر وأقسى هجاء وجهه إلى الجنس البشري. وكتب إلى شارلي فورد أنه مشغول بوضع كتاب "يمزق العالم ويهزه هزاً عنيفاً بشكل عجيب(126)". وانتهى سويفت منه بعد سنة، وحمل المخطوط بنفسه إلى لندن، ورتب أمر نشره تحت اسم مستعار، ورضى بمائتي جنيه ثمناً له، ثم قصد إلى دار الشاعر بوب في توبنكهام ليستمتع بالعاصفة المرتقبة. وهكذا استقبلت إنجلترا في أكتوبر 1726 "رحلات إلى عدة شعوب بعيدة في العالم" بقلم لوميل جلليفر. وكان أول رد فعل عام هو الابتهاج بالواقعية المفصلة في سرد الأحداث. واعتبره كثير من القراء تاريخاً، ولو أن أسقفاً أيرلندياً (كما يقول سويفت) ذهب إلى أنه مملوء بأشياء بعيدة الاحتمال: أما معظم القراء فإنهم لم يذهبوا إلى أبعد من الرحلات إلى أرض الأقزام Lilliput وأرض العمالقة Brobdinqnaq وهذا سرد جميل يوضح بطريقة مفيدة النسبية في الحكم على الأشياء أو التمييز بينها، ولم يزد طول الأقزام عن ست بوصات، ولذلك نفخوا في جلليفر روحاً متزايدة من التسامي. وكان الذي يميز بين الأحزاب السياسية لديهم هو الكعوب العالية أو المنخفضة لأحذيتهم. أما الفرق الدينية فهي فريق الذين يؤمنون بكسر البيضة من طرفها الصغير. وكان طول العمالقة ستين قدماً، وقد هيأوا لجلليفر مشهداً آخر جديداً من مشاهد البشرية. وحسبه ملكهم حشرة، واعتبر أوربا بيتاً للنمل. ومن وصف جلليفر لأساليب الحياة، خلص الملك إلى أن "كل مواطنيكم أخبث جنس من الحشرات الطفيلية الصغيرة البغيضة التي تركتها الطبيعة تزحف على سطح الأرض(127)". وكانت صدور غادات العمالقة، وهي صدور ضخمة، تنفر جلليفر (ويشير الكاتب هنا إلى النسبية في الجمال).

وتضعف القصة في رحلة جلليفر الثالثة. أنه يشد بالسلاسل والأغلال في دلو إلى "لابوتا" وهي جزيرة سابحة في الهواء يقطنها ويحكمها رجال العلم والمثقفون والمخترعون والأساتذة والفلاسفة، فان التفاصيل التي جاءت في أماكن أخرى لتزود القصة باحتمالات كثيرة، كانت هنا (في المرحلة الثالثة) سخيفة بعض الشيء، من ذلك أكياس الهواء الصغيرة التي يسد بها الخدم آذان وأفواه المفكرين العميقي التفكير ليفيقوا من شرود الذهن الخطير أثناء تأملاتهم. وأكاديمية لاجادو، بمخترعاتها وقراراتها الوهمية، ليست إلا نقداً هزيلاً لقصة بيكون "قارة الأطلنطس الجديدة"، وللجمعية الملكية في لندن. ولم يكن سويفت يثق في جدوى إصلاح الدولة أو حكمها بواسطة رجال العلم، وكان يزخر من نظرياتهم، وفنائها السريع لها. وتنبأ بسقوط كوزمولوجيا نيوتن (آرائه في الكون) "إن الأنظمة الجديدة ليس في الطبيعة ليست إلا أزياء أو أنماطاً جديدة قد تختلف من عصر إلى عصر، وحتى هؤلاء الذين يدعون أنهم يوضحونها على أسس رياضية (تعريضاً بكتاب المبادئ الرياضية 1687) لن يكتب لهم النجاح إلا لفترة قصيرة من الزمن(128)". ثم ينتقل جلليفر إلى أرض "اللجناجيين Luggnaggians" الذين لا يحكمون على أكابر مجرميهم بالموت بل بالخلو. "فاذا بلغ هؤلاء المجرمون سن الثمانين وهي السن المعتبرة نهاية الحياة في بلدهم، لا تكون فيهم كل الحماقات والسقام والعلل التي في سائر المسنين فحسب، بل أكثر منها بكثير، مما نشأ من توقعاتهم الرهيبة بأنهم لن يموتوا قط، ولم يكونوا عنيدين شكسين طامعين فيما في أيدي غيرهم، مكتئبين عابثين ثرثاريين فحسب، بل كانوا كذلك غير أهل للصداقة، لا يستجيبون لأية عاطفة أو حب طبيعي، لم يهبط قط عن حضرتهم. وكان الحسد والرغبات عاجزة هي الشعور السائد بينهم... وإذا رأوا جنازة ولولوا وتذمروا من أن الآخرين ذاهبون إلى دار الراحة حتى لا يأمنون هم أنفسهم في الوصول إليها... أبداً وكان هذا أفظع منظر مخز مميت للشهوات رايته في حياتي. وكانت النساء اشد إزعاجاً من الرجال... ومن هذا الذي سمعت ورأيت، خفّت كثيراً شهوتي الحادة في البقاء على قيد الحياة(129)".

وفي القسم الرابع نبذ سويفت الهزل والمزاح إلى شجب قوي ساخر للإنسانية. فان أرض "الهويمن" يحكمها جياد نظيفة وسيمة بهيجة، تنطق بالحكمة وتتحلى بكل مظاهر المدنية، على حين أن الخدم الحقراء فيها، وهم "الياهو المتوحشون"، هم رجال أقذار كريهو الرائحة، جشعون مخمورون، غير متعقلين مشوهون. ومن بين هؤلاء المنحنين المنحطين (هكذا كتب سويفت في أيام جورج الأول):

"كان هناك رجل حاكم من "الياهو" (ملك)"، أبشع شكلاً وأكثر نزوعاً إلى الشر والأذى من الآخرين... وكان لهذا الزعيم عادة شخص مثله محسوب عليه أثير لديه، عمله الوحيد هو أن يلعق قدمي سيده... ويأتي بنساء الياهو إلى حظيرته، ومن اجل هذا كان يكافأ من حين إلى حين بقطعة من لحم الحمار (علامة على النبالة؟)... وكان يبقى عادة في عمله هذا، حتى يمكن العثور على من هو أسوأ منه(130)".

وبالمقارنة فإن "الهويمين"، لأنهم متعقلون، كانوا سعداء فضلاء، ولذلك لم يكونوا في حاجة إلى أطباء أو محامين أو رجال دين أو قواد جيوش، وصعقت تلك الجياد المهذبة "الماجنة" ببيان جلليفر عن الحروب في أوربا. كما ذهلت أكثر فأكثر لسماعها بالخلافات التي أدت إلى الحروب- "هل يكون الجسد خبزاً أو يكون الخبر جسداً في القربان المقدس، وهل يكون عصير ثمار معينة دماً أم نبيذاً(131)، وكانوا يقاطعون جلليفر حين يفاخر بالعدد الكبير عن البشر الذي يمكن نسفه بالآلات العجيبة التي اخترعها قومه.

وعندما يعود جليفر أدراجه إلى أوربا، نراه لا يكاد يضيق برائحة الشوارع والناي الذين يبدو في نظره الآن أنه من "الياهو".

"استقبلتني زوجتي وأسرتي من الدهشة لأنهم كانوا قد قدروا مماتي. ولكن ينبغي عليّ أن اعترف بصراحة أن منظرهم ملأني بالبغضاء والاستياء والازدراء... وما أن دخلت البيت حتى احتضنتني زوجتي بين ذراعيها وقبلتني، من أجل ذلك رحت في إغماءة لما يقرب من ساعة، لولا إني معتاد على لمس هذا الحيوان البغيض (الإنسان) لأعوام طويلة. وطيلة السنة الأولى لم أكن أطيق وجود زوجتي وأطفالي معي، حيث كانت رائحتهم لا تحتمل... وأول مال أنفقته في شراء جوادين صغيرين احتفظت بهما في أسطبل مناسب. وكان السائس أعز ما عندي بعدهما، لأن الرائحة التي تنبعث منه في الأسطبل كانت ترد إليّ روحي(132)".

وفاق نجاح "جلليفر" كل توقعات المؤلف وأحلامه وربما خفف من بغضه للجنس البشري بسبب حاسة الشم. واستمتع القراء باللغة الإنجليزية الواضحة في غير إطناب، وبالتفاصيل العريضة، وبالفحش المرح. وتنبأ آربوثنوب للكتّاب "رواجاً عظيماً مثل كتاب جون بانيان- يقصد كتاب "تقدم الحجيج"". ولا ريب أن سويفت يدين ببعض الفضل لهذا الكتاب، وبفضل أكبر لكتّاب "روبنصن كروزو"، وربما بشيء من الفضل لكتّاب سيرانودي برجراك "التاريخ الهزلي لدول إمبراطورية القمر". أما الشيء الجديد حقاً فهو "الكلبية" أو السخرية الرهيبة في الأجزاء المتأخرة من الكتاب. وحتى هذه وجدت من يعجب بها، فأن دوقة مالبورو، وقد بلغت آنذاك أرذل العمر، غفرت لسويفت هجماته على زوجها، إلى جانب حملاته على الجنس البشري بأسره. وصرحت بأن سويفت أتى "بأدق وصف يمكن أن يكتب للملوك والوزراء والأساقفة والمحاكم". وروى جاي أنها "في نشوة غامرة من الابتهاج بالكتاب ولا يمكن أن تحلم بشيء آخر"(133).

وتكدر انتصار سويفت بنسر قصيدة كادينوس وفانيسا، فإن منفذي وصية هستر فانهو مراي أذعنوا لأمرها بنشرها، ولم يطلبوا من الكاتب ترخيصاً بذلك، وظهرت في طبعات مستقلة في لندن ودبلن وإدنبرة، وكانت ضربة قاسية للزوجة ستيللا لأنها رأت أن عبارات الحب والهيام التي كانت قد وجهت يوماً إليها، تكررت لفانيسا، ولم يمض كبير زمن على افتضاح هذا الأمر حتى مرضت وقصد سويفت الى إيرلندة لعيادتها والتخفيف عنها، وتحسنت صحتها، وعاد هو إلى إنجلترا (1727)، وسرعان ما ترامت إليه الأنباء بأنها تحتضر، فأرسل تعليمات عاجلة إلى مساعديه في الكاتدرائية بأن ستيللا يجب ألا تلفظ أنفاسها الأخيرة في مقر رئاسة الكاتدرائية(134)، وعاد أدراجه إلى دبلن، ومرة أخرى أبلت ستيللا بعض الشيء، ولكنها فارقت الحياة في 28 يناير 1728، وهي في السابعة بعد الأربعين وانهارت قوى سويفت، واشتد عليه المرض فلم يستطع تشييع الجنازة.

وبعدها أقام في دبلن "مثل فأر مسموم في جحر(135)" (كما كتب إلى بولنجبروك). وكان يقوم بأعمال البر والصدقات، وأجرى راتباً على مسز دنجلي، ومد يد العون إلى ريتشارد شريدان في محنة شبابه، وكان في ظاهره رجلاً قاسياً، ولكنه تأثر تأثراً بالغاً لفقر الشعب الأيرلندي، وصعق لكثرة عدد المتسولين من الأطفال في شوارع دبلن، وفي 1729 أصدر أشد مقالاته التهكمية الساخرة ضراوة ولذعاً تحت عنوان "اقتراح متواضع لمنع أطفال الفقراء من أن يكونوا عالة على آبائهم وعلى بلدهم":

"لقد تأكد لديّ كل التأكيد... أن الطفل الصغير الصحيح الجسم الذي بلغ من العمر سنة، يصلح لأن يكون طعاماً شهياً مغذياً صحياً، إلى أبعد حد، مطهواً بالغلي البطيء أو مشوياً أو محمصاً أو مسلوقاً، كما يصلح بالمثل لأن يكون "مفروماً محمراً، أو يخنة كثيرة التوابل". ومن ثم فأني بكل تواضع، أعرض على الرأي العام، أنه من بين المائة والعشرين ألف طفل الموجودين الآن، يمكن الاحتفاظ بعشرين ألفاً فقط لتربيتهم وتنشئتهم على أن يكون ربعهم من الذكور، أما المائة ألف طفل الباقون فيمكن عرضهم للبيع إلى ذوي المكانة والثراء في طول المملكة وعرضها، مع نصيحتي دوماً إلى الأمهات بالإكثار من إرضاعهم في الشهر الأخير، حتى تمتلئ أجسامهم ويكونوا سماناً تزدان بهم الموائد الفخمة، إن الطفل الواحد يمكن أن يكون طعام يقدم للأصدقاء، أما إذا كانت الأسرة تتناول غذاءها وحدها فإن الربع الأمامي أو الخلفي من الذبيحة يكون طبقاً كافياً، وإذا تبل ببعض الفلفل أو الملح لكان طيب المذاق...

أما الذين هم أكثر تدبيراً واقتصاداً فيمكنهم أن يسلخوا الجثة، ويعالجوا جلدها بطريقة خاصة ليصنعوا قفازات لطيفة للسيدات، وأحذية صيفية للرجال الأنيقين...

إن بعض الذين جزعوا لهذه الظاهرة اهتموا اهتماماً كبيراً بهذا العدد الضخم من المسنين أو المرضى أو المقعدين والمشوهين، ورغبوا إلى أن أعمل التفكير في الوسائل التي يمكن أن تتخذ لتخليص الأمة من هذا العبء الثقيل المحزن، ولكني لا أتألم كثيراً لهذه المسألة لأنه المعروف جيداً أنهم يموتون وتبلى أجسامهم في كل يوم من البرد والجوع والقذارة والهوان، بالسرعة المتوقعة بداهةً.

وأظن أن مزايا الاقتراح الذي عرفته واضحة متعددة...


وأولى المزايا، أن هذا يخلصنا إلى حد كبير من عدد البابويين (اليسوعيين) الذين يجتاحوننا كل عام، لأنهم المربون الأساسيون للأمة، قدر ما هم ألد أعدائنا وأخطرهم... وثالثها أنه من حيث أن تربية مائة ألف طفل من سن الثانية فما فوق، لا يمكن أن يتكلف الواحد أقل من عشر شلنات في العام، فبهذا الاقتراح سيتوفر للأمة خمسون ألف جنيه سنوياً، هذا بالإضافة إلى فائدة اللون الجديد من الطعام الذي يقدم إلى موائد ذوي الثراء والوجاهة... الذين يتحلون بالذوق الرفيع".

إن نتاج يراع سويفت، ذلك النتاج الغريب، والثائر أحياناً، وبخاصة بعد وفاة ستيللا، يوحي بأنه قد أصابه مس من الجنون، "إن شخصاً منذ ذوي المكانة في إيرلندة (كان يسره أن ينحني كثيراً ليدق النظر في عقلي) اعتاد أن يقول لي أن عقلي مثل روح مسحورة، قد يؤذي ويسيء إذا لم أشغله بشيء(136)".

وتساءل أحد الأصدقاء: إن مبغض البشرية الكئيب هذا، والذي تركته الأخطاء الصارخة في بيت من زجاج، بينما هو يسلق البشرية بألسنة حداد من الهجاء، ألا يغني فساد الناس ومساوئهم جسدك ويستنزف روحك؟"، "إن غضبه على العالم كان امتداداً لغضبه على نفسه، فقد أدرك أنه على الرغم من عبقريته، معتل الجسم مريض النفس، ولم يكن يغتفر للحياة حرمانه من الصحة والأعضاء السليمة وهدوء البال، والتقدم الذي يتناسب مع قوة عقله.

وكان آخر مظهر لقسوة الحياة على سويفت، هو اختلال قواه العقلية يوماً بعد يوم. وازداد بخله وجشعه، حتى وسط أصدقائه وقيامه بأعمال البر. فكان يضن بالطعام على ضيوفه، وبالنبيذ على أصدقائه(137). وازدادت نوبات الدوار عنده سوءاً، فما كان يدري في أية لحظة منحوسة ينتابه هذا الدوار ليجعله يترنح ويتلوى من الألم في هيكله أو في الشارع.

وكان قد رفض أن يضع النظارات على عينيه فضعف بصره وترمك القراءة. ومات بعض أصدقائه، ونأى بعضهم بنفسه عنه، اجتناباً لحدة طبعه واكتئابه، وكتب إلى بولنجبروك: "كثيراً ما فكرت في الموت، ولكنه الآن لا يغيب عن ذهني أبداً(139)" وبدأ يتلهف عليه. واحتفل بيوم ميلاده يوم حداد وحزن. وقال "ليس هناك رجل عاقل يرغب في استعادة شبابه(140)". وفي أعوامه الأخيرة كان يودع زائريه دوماً بقوله "سعدتم مساء، أرجو ألا أراكم ثانيةً(141)". [1]



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وفاته

وظهرت أعراض الجنون التام عليه في 1738. وفي 1741 عين بعض الأوصياء ليتولوا شؤونه، ويراقبوه حتى لا يلحق بنفسه أي أذى في نوبة من نوبات العنف والجنون التي تصيبه. وفي 1742 عانى ألماً شديداً من التهاب في عينيه اليسرى التي تورمت حتى صارت في حجم البيضة. وأحاط به خمسة من الأتباع ليحولوا بينه وبين فقء عينه بيده. وقض عاماً لا ينطق ببنت شفة. وآذنت محنته بالانتهاء في 19 أكتوبر 1745، وقد بلغ الثامنة بعد السبعين. وأوصى بكل ثروته البالغة أثنى عشر ألف جنيه لبناء مستشفى للأمراض العقلية. ووري التراب في كاتدرائيته، ونقش على ضريحه عبارة اختارها بنفسه:

"حيث لا يعود السخط المرير يمزق قلبه".

أعماله

الأعمال الأدبية

Jonathan Swift at the Deanery of St Patrick's, illus. from 1905 Temple Scott edition of Works
نص كتاب رحلات جلفر انقر على الصورة للمطالعة

كتب سويفت مؤلفات كثيرة منها: اقتراح متواضع؛ معركة الكتب. وتدهورت صحته في سنواته الأخيرة.

ومن مؤلفاته المشهورة الأخرى:

  • "حرب الكتب" (1704 Battle of the Books)
  • "خرافة مغطس" (1704 A Tale of a Tub) - مثل ساتيري عن تاريخ المسيحية وانفصالها إلى طوائف حاقدة.
  • "اقتراح متواضع" (1729 A Modest Proposal) - مؤلفة ساتيرية حادة تتناول المجاعة في أيرلندا، حيث يقترح على السلطات الإنكليزية تشجيع الأيرلنديين على أكل أطفالهم لمكافحة المجاعة.
  • "رسائل تاجر الأقمشة" (1724-1725 The Drapier's Letters) - سلسلة من الرسائل نشرها بالاسم المستعار M. B. Drapier، ودعا فيها الأيرلنديين إلى مقاطعة العملات المعدنية الإنكليزية، إذ حصل صانعها الإنكليزي الامتياز مقابل رشوة.


المقالات

سويفت مصوراً على ورقة نقدية من فئة 10 جنيه أيرلندي، صدرت في 1976–1993.


القصائد

رسم لسويفت من عام 1850.


مراسلات، كتابات شخصية

  • "When I Come to Be Old" – Swift's resolutions. (1699): Full text: JaffeBros
  • The Journal to Stella (1710–1713): Full text (presented as daily entries): [1]; Extracts: OurCivilisation.com;
  • Letters:
  • 'The Correspondence of Jonathan Swift, D.D'. Edited by David Woolley. In four volumes, plus index volume. Frankfurt am Main ; New York : P. Lang, c1999-c2007.

عظاته وصلواته


متفرقات


ذكراه

قناع الموت لسويفت

.]]

وصفه جون رسكين بأنه واحداً من ثلاثة أشخاص في التاريخ الأكثر تأثيراً عليه.[2]



انظر أيضاً

الهوامش

  1. ^ ول ديورانت. قصة الحضارة. ترجمة بقيادة زكي نجيب محمود. Unknown parameter |coauthors= ignored (|author= suggested) (help)
  2. ^ In the preface of the 1871 edition of Sesame and Lilies Ruskin mentions three figures from literary history with whom he feels an affinity: Guido Guinicelli, Marmontel and Dean Swift; see John Ruskin, Sesame and lilies: three lectures, Smith, Elder, & Co., 1871, p. xxviii.

المصادر

  • Damrosch, Leo (2013). Jonathan Swift : His Life and His World. New Haven: Yale University Press. ISBN 978-030016499-2.. Includes almost 100 illustrations.
  • Delany, Patrick (1754). Observations Upon Lord Orrery's Remarks on the Life and Writings of Dr. Jonathan Swift. London: W. Reeve. OL 25612897M.
  • Fox, Christopher, ed. (2003). The Cambridge Companion to Jonathan Swift. Cambridge: Cambridge University Press. ISBN 978-0521002837 – via Questia. (Subscription required (help)). Cite uses deprecated parameter |subscription= (help)
  • Ehrenpreis, Irvin (1958). The Personality of Jonathan Swift. London: Methuen. ISBN 978-0416603101 – via Questia. (Subscription required (help)). Cite uses deprecated parameter |subscription= (help).
  • * — (1962). Swift: The Man, His Works, and the Age. I: Mr. Swift and his Contemporaries. Cambridge, MA: Harvard University Press. ISBN 0-674-85830-1.
  • * — (1967). Swift: The Man, His Works, and the Age. II: Dr. Swift. Cambridge, MA: Harvard University Press. ISBN 0-674-85832-8.
  • * — (1983). Swift: The Man, His Works, and the Age. III: Dean Swift. Cambridge, MA: Harvard University Press. ISBN 0-674-85835-2.
  • Nokes, David (1985). Jonathan Swift, a Hypocrite Reversed: A Critical Biography. Oxford: Oxford University Press. ISBN 978-0198128342.
  • Orrery, John Boyle, Earl of (1752) [1751]. Remarks on the Life and Writings of Dr. Jonathan Swift (third, corrected ed.). London: Printed for A. Millar. OL 25612886M.
  • Stephen, Leslie (1882). Swift. English Men of Letters. New York: Harper & Brothers. OL 15812247W. Noted biographer succinctly critiques (pp. v–vii) biographical works by Lord Orrery, Patrick Delany, Deane Swift, John Hawkesworth, Samuel Johnson, Thomas Sheridan, Walter Scott, William Monck Mason, John Forester, John Barrett, and W.R. Wilde.
  • Stephen, Leslie (1898). "Jonathan Swift". In Smith, George (ed.). Dictionary of National Biography. 55:Stow – Taylor. London: Smith, Elder, & Co. pp. 204–227. OL 7215056M.
  • Wilde, W. R. (1849). The Closing Years of Dean Swift's Life. Dublin: Hodges and Smith. OL 23288983M.
  • Samuel Johnson's "Life of Swift": JaffeBros. From his Lives of the Poets.
  • William Makepeace Thackeray's influential vitriolic biography: JaffeBros. From his English Humourists of The Eighteenth Century.
  • Sir Walter Scott Memoirs of Jonathan Swift, D.D., Dean of St. Patrick's, Dublinقالب:Open access. Paris: A. and W. Galignani, 1826.

وصلات خارجية

أعمال أونلاين