ڤولتير

فرانسوا-ماري أرويه
"ڤولتير"
ڤولتير في الرابعة والعشرين، رسم كاثرين لوسرير، من لوحة نيكولا ده لارجيليير.
وُلِد 21 نوفمبر 1694
باريس، فرنسا
توفي 30 مايو 1778(1778-05-30) (عن عمر 83 عاماً)
باريس، فرنسا
الوظيفة كاتب، فيلسوف، كاتب مسرحي
القومية فرنسي


آخر تماثيل ڤولتير، للنحات جان-أنتوان أودو (1781).

فرانسوا-ماري أرويه (1694-1778) عرف باسمه المستعار ڤولتير فليسوف وصحفي فرنسي. أكد في مجمل فلسفته أنه لايمكن لنا كأفراد أنه لايمكن أن تكون هناك حريات فردية أساسية ضمنها حرية التعبير، اذا لم نتمكن من التدليل والتوثيق لمعتقداتنا الشخصية.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

حياته

العمل المبكر

اسم "ڤولتير"

في باريس 1729-1734

لدى عودة فولتير من إنجلترا في أواخر عام 1728 أو أوائل عام 1729 اتخذ مسكناً مغموراً في حي سان جرمان-ان لي-على بعد 11 ميلاً إلى الشمال الغربي من باريس، وحشد أصدقاءه لينشروا أنباء غير رسمية عن إلغاء قرار نفيه من فرنسا ثم من العاصمة، ونجحوا في هذا، بل في استعادة معاشه الملكي كذلك. وما حل شهر أبريل حتى ظهر فجأة، وأخذ يجول خلال العاصمة. وفي أحد الاجتماعات سمع أن العالم الرياضي كوندوا مين حسب أن من يشتري كل أوراق "اليانصيب" التي تصدرها باريس لا بد أن يحقق ثراء، فأسرع فولتير واقتراض نقوداً من رجال المصارف من أصدقائه. واشترى كل الوراق، فكان ما تنبأ به العالم الرياضي، ولكن المراقب العام للحسابات رفض الدفع، فرفع فولتير دعوى أمام القضاة وكسب القضية وتسلم المبلغ(1) وفي أخريات عام 1729 قطع 150 ميلاً في ليلتين ونهار واحد من باريس إلى نانسي ليشتري أسهماً في مشروع دوق اللورين، وعادت عليه هذه المغامرة بأرباح طائلة. وهكذا أعان فولتير مدبر الأعمال المالية فولتير الشاعر الفيلسوف.

نراه في 1730 مرة أخرى في باريس مفتوناً إلى حد الجنون بالمغامرات والمشروعات، وكان لديه عادة عدة أعمال أدبية قيد الإنجاز في وقت واحد، يتنقل من واحد إلى الآخر، ولذة الهوى في التنقل، دون أن يضيع وقتاً. وكان آنذاك يكتب رسائل عن الإنجليز وتاريخ شارل الثاني عشر "موت الآنسة ليكوفرير"، والصفحات الأولى في الغادة العذراء. وذات يوم 1730 اقترح عليه زوار الدوق دي ريشيليو وهم يتحدثون عن جان دارك أن يكتب لها تاريخاً، ولم يكونوا بعد في فرنسا قد اعترفوا بها قديسة حامية لفرنسا. وبدا للمفكر الحر فولتير أن العناصر الخارقة للطبيعة في أسطورة جان دارك تشد انتباهه إلى معالجة تاريخها معالجة فكاهية. فتحداه ريشيليو أن يحاول ذلك، وكتب فولتير المقدمة في تلك الليلة، ولم تكن مرثيته في ليكوفرير قد نشرت بعد، ولكن صديقه الأخرق نيقولا ثيوريو كان قد قرأها على الملأ على أوسع نطاق. وأستأنفت الأصوات اللاهوتية البغيضة طنينها المزعج حول رأس فولتير.

وفي 11 ديسمبر وكأنما كان فولتير ظمآناً إلى كسب الأعداء، أخرج قصته لوسيوس جينيوس بروتوس الذي أطاح طبقاً لرواية ليفي بعرش الملك تاركينيوس وأسهم في إقامة الجمهورية الرومانية، وأنكرت المسرحية على الملوك قدسيتهم وعدم جواز انتهاك حرماتهم، ونادت بحق الشعب في تغير حكامه. وشكا الممثلون من أن الرواية خالية من فكرة الحب ووافقت باريس على أنها بدعة خرقاء سخيفة. وسميت المسرحية بعد عرضها 16 مرة. وبعد اثنتين وستين عاماً أعيد تمثيلها من جديد، لأن باريس كانت آنذاك تواقة إلى مشاهدة مقصلة لويس السادس عشر.

وفي نفس الوقت كان فولتير قد حصل على ترخيص ملكي بنشر "تاريخ شارل الثاني عشر ملك السويد". وهنا كان الموضوع لا يكاد يسيء إلى لويس الخامس عشر أو الكنيسة، كما يسر الملكة، لأن الرواية تناولت موقف أبيها ستانسلاس بشكل لائق كريم. وظهرت طبعة من 2600 نسخة في الوقت الذي ألغى فيه الترخيص الملكي دون سابق إنذار، وصودرت كل النسخ فيما عدا واحدة احتفظ بها فولتير. واحتج فولتير لدى حامل الأختام فأبلغ أنه قد حدث تغيير في السياسة الخارجية مما كان لزاماً معه إرضاء غريم شارل الثاني عشر وضحيته، وهو أوغسطس "القوي" الذي ما زال ملكاً على بولندة. وقرر فولتير أن يتجاهل أمر الحظر وانتقل متنكراً إلى روان وباشر طبع تاريخه سراً. وفي أكتوبر 1731 تداوله الناس في حرية مطلقة وأقبلوا على قراءته وكأنه قصص.

وذهب بعض النقاد إلى انه محشو بالخيال، واسماه بعض المؤرخين الواسعي الاطلاع رومانسية "في أسلوب مشرق بارع في السرد القصصي، ولكنه غير دقيق في التفاصيل(2)ولكن فولتير كان قد أعد الكتاب على طريقة الباحث المدقق إنه لم يطلع على وثائق الدولة فحسب بل إنه كذلك توقف ليستقي المعلومات من مصادرها الأصلية: الملك السابق ستانسلاس، ماريشال دي ساكس دوقة مالبرو، بولنجيروك، آكسل سبار (الذي اشترك في معركة نارفا) فونسيكا (طبيب برتغالي كان يعمل في تركيا أثناء وجود شالر هناك) والبارون فابريس (سكرتير شارل سابقاً). وأكثر من هذا فإن فولتير كان قد أقام فترة مع البارون فون جورتز وزير شارل ذي الحظوة لديه. وربما حول إعدام البارون 1719 نظر فولتير إلى دراسة أسد الشمال "وفي 1740 أشار جوران برج الذي كان قسيس شارل إلى الأخطاء التي وقع فيها فولتير، وقام فولتير بتصويب هذه الخطاء في الطبعات اللاحقة. وكانت هناك أخطاء أخرى وبخاصة في الوصف التفصيلي للمعارك. وجادل النقاد المتأخرون(3)في أن فولتير بالغ في تقدير شارل على "إنه الرجل الأكثر استثناء وخرقاً للعادة الذي ظهر على الأرض" وجمع في شخصيته بين أعظم مناقب أسلافه. ولا عيب فيه ولا ينغص عليه حياته إلا أنه جمع بين هذه المناقب في إفراط زائد(4)وربما تخفف الكلمة الأخيرة من حدة النقد، فقد أوضح فولتير أن شارل جاوز الحد وافرط في التحلي بهذه المناقب البطولية حتى أصبحت عيوباً وعددها، ومنها التبذير والتهور والقسوة وعدم القدرة على المغفرة والصفح. كما أوضح كيف أن أخطاء الملك قد أضرت بالسويد. وانتهى إلى أن شارل "كان رجلاً شاذاً استثنائياً لا رجل عظيماً(5)"وعلى أية حال لم يكن الكتاب عملاً ثقافياً فحسب، بل عملاً فنياً كذلك-من حيث التركيب والشكل والحيوية والأسلوب-وسرعان ما أقبل كل المتعلمين في أوربا على قراءة شارل الثاني ملك السويد وذاعت شهرة فولتير إلى حد لم يسبق له مثيل.

وأصبح فولتير بعد عودته من روان (5 أغسطس 1731) ضيفاً مقيماً على الكونتيس دي فونتين مارتل في قصرها بالقرب من "الباليه رويال"، وقد وجدت في رفقته سعادة بالغة حتى ظلت تؤويه وتطعمه حتى مايو 1733 وترأس في حيوية شديدة ولائم العشاء الأدبية التي كانت تقيمها، ومثل المسرحيات وبخاصة مسرحياته هو على مسرحها الخاص. وفي أثناء إقامته هناك كتب نص "أوبرا شمشون" لرامو-وهو ملحن فرنسي في القرن الثامن عشر (1732)-ومن المحتمل أنه شهد من مقصورة الكونتيس في "المسرح الفرنسي" سقوط روايته "اريفيل" (1732) كما شهد النجاح الباهر الذي لقيته مأساة زائير (13 أغسطس 1732) فكتب إلى صديق له: "ما مثلت رواية بمثل الروعة التي مثلت بها زائير في عرضها الرابع. وكم وددت لو أنك كنت معي لتشهد أن الجمهور لم يسخط على صديقك، وظهرت في المقصورة، واتجهت كل الأيدي بالتصفيق لي، فأستحيت وخبأت نفسي. ولكني أكون مرائياً إذا لم اعترف لك بأني قد اهتزت مشاعري وتأثرت كثيراً(6).

وظلت هذه المسرحية أحب مسرحياته إليه حتى النهاية. إنها كلها ليس لها وجود الآن، قضى عليها تغير الأذواق والأمزجة والأسلوب، ولكنا بجدر بنا أن نبعث إحداها على الأقل من قبرها، لأنها لعبت جميعاً دوراً مثيراً كبيراً في حياته. وزائير طفلة مسيحية أسرها المسلمون في صباها في الحروب الصليبية، وأنشئوها على العقيدة الإسلامية، وهي لا تعرف إلا القليل عن فرنسا اللهم إلا أنها مسقط رأسها، وهي الآن غادة فاتنة في حريم السلطان أوروزمان في بيت المقدس. وهام السلطان وهامت هي به حباً. وفي مستهل الرواية كانت على وشك أن تصبح زوجة له. وتؤنبها أسيرة مسيحية أخرى اسمها فاتيما على نسيانها أنها كانت مسيحية. وفي رد زائير توضيح لأثر الجغرافيا في تحديد العقيدة الدينية: "إن أفكارنا وعاداتنا وعقيدتنا الدينية إنما الأعراف والتقاليد والنزعة القومية السائدة في أيامنا الأولى. فإذا رأت النور على ضفاف نهر الكنج لعبدت أوثان الهند، وإذا ولدت في باريس لكن مسيحية. وأنا الآن مسلمة سعيدة. إننا لا نعرف إلا ما تلقناه إن أبدى الأبوين اللذين يتوليان تربيتنا وتعليمنا هي التي تنقش على قلوبنا الغضة تلك الأحرف التي ينقحها الزمن ويصقلها. وتعمل القدرة على تثبيتها عميقة في عقولنا، ولا يقدر على محوها إلا الله(7).

ويصور فولتير أوروزمان رجلاً يتحلى بكل الفضائل بشكل واضح إلا الصبر. إن المسيحيين ليصعقون ويذهلون إذ يرون مسلماً وقوراً مهذباً مثل المسيحيين. وتتولى السلطان الدهشة إذ يرى مسيحية فاضلة، ويرفض أن يحتفظ بحريم، ويعد بالاقتصار على زوجة واحدة. ولكن فولتير كان منصفاً لشخصياته المسيحية كذلك، فهو ينظم أبياتاً عامرة في جمال الحياة المسيحية الحقة. وهناك أسير مسيحي آخر هو نير ستام، وقع في الأسر في طفولته كذلك، ونشأ مع زائير، وفك أساريره حين تعهد بالرجوع ليفتدي بالمال عشرة من الأسرى، ويذهب ثم يعود ليدفع مبلغ الفدية المطلوب من ماله الخاص. ويكافئه أوروزمان بإطلاق سراح مائة لا عشرة فقط من المسيحيين. ولكن نير ستام بحزن لأن زائير ولوسنيان لم يكونا من بين من أطلق سراحهم، ومكان هذا الملك بيت المقدس (1186-1187). وتناشد زائير السلطان أوروزمان أن يطلق سراح لوسنيان، فيجيبها إلى طلبها. إن الملك العجوز يعتبر زائير في منزلة ابنته ونير ستام في منزلة ابنه. إنها الآن موزعة بين حبها للسلطان الكريم وولائها لأبيها وأخيها وعقيدتهما المسيحية. ويهيب بها لوسنيان أن تتخلى عن السلطان والإسلام معاً: "أواه يا أبنتي، فكري في الدم الزكي الذي يجري في عروقك، دم عشرين ملكاً كلهم مسيحيون مثلي، دم الأبطال، دم المدافعين عن العقيدة، دم الشهداء والقديسين. إنك لا تعرفين مصير أمك، إنك لا تعرفين أنه في نفس اللحظة التي ولدت فيها ذبحها أولئك المتبربرون الذي تعتنقين دينهم البغيض على مرأى مني. إن أخوتك والشهداء الأعزاء يمدون إليك أيديهم من السماء، يريدون أن يحتضنوا أختاً لهم. آه يا ابنتي! تذكريهم! إن الرب الذي خنث عهده، لفظ النفس الخير من أجلنا ومن أجل البشر جميعاً. انظري إلى الجبل المقدس الذي قتل عليه مخلصنا، والمقبرة التي نهض منها ظافراً منتصراً. في كل طريق تمشين فيه سترين خطوات الرب، هل تنكرين خالقك؟ زائير:... يا إلهي العظيم... تكلم يا أبتاه ماذا أفعل؟ لوسنيان:... أذهبي عني العار والحزن بكلمة منك، وقولي أني مسيحية. زائير: إذن يا إلهي، أنا مسيحية..... لوسينان: أقسمي بأنك ستحفظين هذا السر الخطير. زائير: اقسم لك على ذلك(8).

ولما علم نير ستام بإصرارها على الزواج من أوروزمان، راوده التفكير في قتلها، ولكن رق قلبه، وألح في قبولها التعميد فوافقت، وبعث إليها برسالة يحدد فيها مكان وزمان الاحتفال بتعميدها، وحسب أوروزمان الذي لم يكن يدري أن نير ستام أخوها، إنها رسالة حب وغرام، ويفاجئ زائير في الموعد المضروب، ويطعنها. ثم يكتشف أن العشيقين المزعومين ليسا إلا أخاً وأختاً، فينتحر.

إن حبكة الرواية موضوعة ببراعة، مبسوطة بطريقة مسرحية متماسكة وهي تمثل في شعر سلس موسيقي. وإننا لندرك من خلال القطع العاطفية التي تبدو الآن ثقيلة مبالغاً فيها، والسبب في أن باريس أغرمت بزائير وأوروزمان، وفي أن الملكة الصالحة الحزينة ذرفت الدمع عند تمثيل المسرحية للحاشية في فونتنبلو. وترجمت المسرحية إلى الإنجليزية ومثلت بسرعة في إنجلترا وإيطاليا وألمانيا. ونودي آنذاك بفولتير أعظم شاعر على قيد الحياة في فرنسا، وخلفاً صالحاً لطورني وراسين. ولكن هذا لم يرق في عيني جان بابتست روسو، وهو شاعر فرنسي مقيم في المنفى في بروكسل، فحكم على زائير بأنها "مسرحية تافهة فاترة... مزيج كريه من التدين والفجور". فرد عليه فولتير شعراً في معبد الذوق" يشهر فيه بروسو ويمجد موليير.

وبلغ فولتير ذروة المجد وعانق النجوم، ولكنه لم يكف عن العمل. ففي شتاء 1732-1733 درس الرياضيات كما درس نيوتن، مع ضحيته مستقبلاً موبرتوي Moupertuis، وأعاد كتابة "ايريفيل Eriphile" ونقح زائير وشارل الثاني عشر، وجمع مادة كتابه "قرن لويس الرابع عشر" ووضع اللمسات الأخيرة على كتابه "رسائل عن الإنجليز" وأخرج مسرحية أخرى (أليد) كما كتب أشياء صغيرة لا تحصى: رسائل، قصائد مدح، اقتراحات، بعض الحكم الساخرة، بعض أغاني الحب-وكلها تتسم بالظرف في نظم رقيق مصقول. وعندما ماتت مضيفته السخية، مدام دي فونتين مارتل، انتقل إلى داره في شارع (لونج بزان) واشتغل بتصدير القمح. ومذ جمع بين التجارة والقصص، فإنه التقى (1732) بالسيدة جبرييل اميلي لي تونلييه دي برتيل مركيزة دي شاتيليه، وارتبطت حياته بحياة السيدة الفذة المغامرة حتى وافاه الأجل المحتوم.

وكانت آنذاك في السادسة والعشرين (وهو في الثامنة والثلاثين)، وكانت حياته بالفعل حافلة متعددة الجوانب فهي ابنة البارون دي برتييه، ولذلك تلقت تعليماً غير عادي. حتى أنها في سن الثانية عشر تعلمت اللاتينية والإيطالية وغنت غناء رخيماً، وعزفت على البيان الصغير، وبدأت في سن الخامسة عشرة تترجم الإلياذة إلى الفرنسية شعراً، وأضافت إلى هذا اللغة الإنجليزية ودرست الرياضيات على يدي موبرتوي. وفي التاسعة عشرة تزوجت المركيز فلورنت كلود دي شاتيليه لومونت، وكان في الثلاثين من العمر. وأنجبت له ثلاثة أطفال. ولكن فيما بعد هذا لم يكن للواحد مبهماً يرى الآخر إلا لماماً، حيث كان هو عادة مشغولاً مع فرقته، أما هي فبقيت قريبة من الحاشية وقامرت بمبالغ طائلة، وجربت الحب. فلما هجرها عشيقها الأول تناولت سماً، وأنقذوها على كره منها بواسطة عقار مقيء، واحتملت في رباطة جأش جربتها من قبل، هجران عشيق ثان هو الدوق دي ريشيليو، لأن كل فرنسا عرفت قصة تقلبه بين النساء.

والتقى فولتير بالمركيزة على مائدة العشاء فلم ينزعج، بل سرته قدرتها على التحدث في الرياضيات والفلك والشعر اللاتيني. ولم تكن مفاتنها طاغية لا سبيل إلى مقاومة إغرائها، ولكن سيدات أخريات أسرفن، في وصفها. استمع إلى مدام دي فان وهي تقول: (امرأة ضخمة متحفظة لا أوراك لها، صدرها هزيل؛... ذات ذراعين ضخمين ورجلين كبيرين، وقدمين ضخمتين، ورأس صغير جداً، وقسمات حادة، وأنف محدد وعينية صغيرتين خضراوين تميلان إلى الزرقة. سمراء البشرة أسنانها رديئة(9)" واتفقت معها المركيزة دي كريكي فقالت "إنها عملاقة-ماردة، ذات قوة جبارة، وكانت فضلاً عن ذلك آية في القبح والبشاعة، وكان جلدها في لون مبشرة جوزة الطيب الداكنة، إنها تشبه في جملتها جندياً طويل القامة قبيح الصورة. ومع ذلك تحدث فولتير عن جمالها(10)". أن سانت لامبرت الوسيم احبها سراً عندما كانت في الثانية والأربعين. وليس لنا أن نثق في رأي السيدات بعضهن في البعض الآخر. وقد تبين من صورها الشخصية أن اميلي كانت طويلة القامة مسترجلة، ذات جبهة مديدة ونظرة متعجرفة، ولم تكن قسمات وجهها غير جذابة، وقد نشعر بشيء من الاطمئنان إذا علمنا أن (لها صدراً شهوانياً ولكنه راسخ(11)).

ويمكن أن تكون أميلي قد كان فيها ما يكفي من الرجل ليكمل المرأة في فولتير. ومهما يكن من أمر فإنها لجأت إلى كل الحيل والوسائل الأنثوية لتصلح ما أفسد الدهر من جمالها-مستحضرات التجميل والعطور والمجوهرات والحلي والمخرمات. وسخر فولتير من ولعها بالتزين. ولكنه أعجب بتحمسها للعلوم والفلسفة. فهنا سيدة استطاعت حتى في غمرة الصخب والضوضاء في باريس وفرساي أن تنسحب من مائدة القمار، لتدرس نيوتن ولوك، إنها لم تقرأ نيوتن فحسب بل أنها استوعبته كذلك زهي التي ترجمت قوانين نيوتن إلى الفرنسية، ووجد فولتير أنه من اللائق أن يتخذ من نفس المرأة رفيقة دراسة وعشيقة في وقت معاً. وفي 1734 اعتبر بنفسه بالفعل الرجل الذي ترتضيه عشيقاً لها: (يا إلهي! أية لذة ومتعة أجدها بين ذراعيك كم أنا سعيد بالإعجاب بالمرأة التي أحبها(12)!


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

بريطانيا - رسائل الإنگليز

في عامي 1733 و1734 نشر فولتير بعد عناء شديد أول إسهامه في عصر الاستنارة، وكان عبارة عن 24 رسالة موجهة من إنجلترا إلى تييريو وترجمت إلى الإنجليزية وصدرت في لندن (1733) رسائل متعلقة بالأمة الإنجليزية. ولكن كان في طبع الأصول في فرنسا مغامرة بحرية المؤلف وصاحب المطبعة كليهما. وخفف فولتير من بعض الأجزاء، وحاول أن يحصل على أذن من الحكومة بطبع البقية، فرفضوا منحه الترخيص، وهنا لجأ ثانية إلى نشرها سراً في روان. وحذر الناشر جور من تسرب أية نسخة للتداول لبعض الوقت على الأقل، ولكن في أوائل 1734، وصلت عدة نسخ إلى باريس تحت عنوان "رسائل فلسفية". وحصل أحد القراصنة الناشرين على نسخة، وأصدر منها طبعة كبيرة العدد دون على فولتير. وفي نفس الوقت كان فولتير ومدام دي شاتيليه قد قصدا إلى قصر مونتحي بالقرب من أوتون على مسافة 190 ميلاً من باريس ليحضرا حفل زفاف ريشيليو.

وبدأ الكتاب بأربع رسائل عن جماعة الكويكرز الإنجليزية، وأوضح فولتير أن هؤلاء الكويكرز ليس لهم تنظيم كنسي ولا قساوسة ولا أسرار ولا قرابين مقدسة، مع ذلك مارسوا الشعائر المسيحية في إخلاص وإيمان أكثر من أي مسيحيين عرفهم. ووصف أو تخيل زيارة قام بها لواحد منهم وقال: "سألت واحداً منهم: سيدي العزيز، هل عمدوك؟ فأجاب "لا لم أعمد لا أنا ولا أخوتي". وصحت في وجهه: عجباً كيف يكون هذا إذن أنتم لستم مسيحيين! فأجاب في صوت هادئ خفيض يا بني، لا تقسم، نحن مسيحيون" "ونحن نحاول أن نكون مسيحيين صالحين، ولكننا لا نرى أن المسيحية مجرد ماء بارد مع قليل من الملح على الرأس وعارضته. (يا إلهي! لا تتحدث بهذا الضلال! هل نسيت أن يوحنا عمد المسيح؟) فرد قائلاً: يا صاحبي، لا تقسم بعد ذلك، إن يوحنا عمد المسيح ولكن المسيح لم يعمد أحداً... ونحن أتباع المسيح لا أتباع يوحنا فقلت له: (وا حسرتاه أيها المسكين جزاؤك الحريق في بلاد محاكم التفتيش وسألني (هل أجروا لك عملية ختان؟). فأجبته (لم يكن لي شرف الختان).

فقال: (حسناً، أنت مسيحي دون ختان، وأنا مسيحي دون تعميد) وقال الكويكرز إن التعميد مثل الختان من العادات السابقة على المسيحية وقد أبطلها إنجيل السيد المسيح الجديد. ثم استطرد فولتير يتحدث عن الحرب )لن نذهب أبداً إلى الحرب، لا لأننا نخشى الموت، بل لأننا لسنا ذئاباً ولا نموراً، ولا كلاباً نحن رجال مسيحيون. أن إلهنا الذي أمرنا نحب أعداءنا يقينا لا يريد منا أن نعبر البحر لنقتل أخوة لنا، لمجرد أن السفاحين الذين يرتدون ثياباً في لون الدم وقبعات عالية ترتفع إلى قدمين يجندون المواطنين بينما يحدثون جلبة باثنتين من العصي ممدتين على جسم حمار. وبعد النصر تتألق لندن كلها في الأضواء وتلتهب سماؤها بالألعاب النارية وطلقات المدافع، على حين نرثي في صمت للمذبحة التي أدت إلى مثل هذا الابتهاج العام(13).

لقد أوذيت فرنسا أيما إيذاء، وكادت أن تدمر نفسها لمحاولتها فرض عقيدة واحدة على جميع الفرنسيين. وأسهب فولتير في وصف التسامح بالنسبة للخلافات الدينية في إنجلترا. "هذه بلد الطوائف. والرجل الإنجليزي، باعتباره حراً يسلك إلى السماء الطريق الذي يختاره.(14) ووازن فولتير بين أخلاق رجال الدين الإنجليز وأقرانهم الفرنسيين. وهنأ الإنجليز بأنهم ليس لديهم رهبان. إن الإنجليز ليحمدون الله ويشكرونه على أنهم بروتستانت حين يعلمون أن الشبان الفرنسيين المعروفين بفسقهم وفجورهم يرقون إلى مناصب الأساقفة والمطارنة بفعل الدسائس، ويؤلفون الأغاني الرقيقة ويقيمون ولائم العشاء الباذخة كل يوم تقريباً، ويطلقون على أنفسهم أنهم خلفاء الرسل.(15) وفي الرسالة الثامنة أدار فولتير الخنجر إلى صدر الحكومة في فرنسا: "إن الأمة الإنجليزية وحدها هي التي عرفت كيف تحدد سلطة الملوك بوقوفها في وجههم... وأخيراً أقامت هذه الحكومة الرشيدة، وفيها يتمتع الملك بكل القوة والسلطة في أن يفعل الخير، على حين تغل يداه عن الإتيان بأي شر أو سوء. (وهنا يردد فولتير عبارة مشهورة مأثورة عن رواية فنليون "تليماك". إن إقرار الحرية في إنجلترا تطلب ثمناً غالياً ولا ريب، فقد أغرق صنم الحكم الاستبدادي المطلق في بحر من الدماء، ولكن الإنجليز لا يرون أنهم اشتروا القوانين العادلة الصالحة بثمن باهظ، فهناك أمم أخرى مرت بمحن وأوقات عصيبة لا تقل عما عاناه الإنجليز، ولكن الدماء التي أريقت دفاعاً عن قضية الحرية لم تكن إلا تثبيتاً لعبوديتها(21).

إن حق التحقيق في قانونية حبس التهم في إنجلترا يحرم السجن دون قضية محددة، ويتطلب محاكمة علنية، بواسطة المحلفين، أما في فرنسا فهناك "الأوامر السرية المختومة". وقبل مونتسكيو بأربعة عشر عاماً، رأى فولتير "فصل السلطات في الحكومة الإنجليزية وامتدحه وبالغ فيه، كما رأى تنسيق العمل بين الملك ومجلس اللوردات ومجلس العموم. وأشار فولتير إلى أنه لا يمكن فرض ضرائب إلا بموافقة البرلمان" "وأنه لا يعفي أحد من ضرائب معينة... لأنه نبيل أو كاهن."(17)وفي إنجلترا يشتغل صغار أبناء النبلاء بالتجارة وبمختلف المهن، أما في فرنسا فإن التاجر غالباً ما يسمعهم يتحدثون عن مهنته في ازدراء واحتقار، حتى يبلغ به الحمق إلى حد الشعور بالخزي والعار من الاشتغال بالتجارة. ولست أدري أيهما أنفع للدولة-نبيل نتأنق يعرف بالضبط متى يصحو الملك من نومه أو يأوى إلى فراشه، ويستشعر العظمة حين يقوم بدور العبد الرقيق... أو رجل أعمال (مثل فوكنر مضيف فولتير في لندن، يثري وطنه ويصدر الأوامر من مكتبه إلى سورات والقاهرة، ويسهم في إسعاد العالم بأسره(18) وأخيراً في قطعة تضمنت برنامجاً لفرنسا ذهب فولتير إلى: أن الدستور الإنجليزي بلغ قمة التفوق وكان من نتيجة ذلك أن كل الناس استعادوا حقوقهم الطبيعية، على حين أنهم محرمون منها في سائر الملكيات تقريباً. وهذه الحقوق هي الحرية الكاملة في أشخاصهم وفي ممتلكاتهم: حرية الصحافة حق المحاكمة بناء على نص صريح في القانون، وحق كل إنسان في اعتناق العقيدة التي يرتضيها دون إزعاج.(19)

ولا بد أن فولتير عرف أن فريقاً من الناس فقط هم الذين تمتعوا بهذه الحقوق الطبيعية "وأن الحرية الشخصية لم تتحر من خطر الرقابة الصحفية، وأنه كانت هناك حدود وقيود على حرية الكلام في الدين وفي السياسة، وأن المنشقين والكاثوليك كانوا مستبعدين من الوظائف العامة. وأنه كان من الميسورة في إنجلترا رشوة القضاة ليتجاهلوا القانون. إن فولتير لم يدون وصفاً نزيهاً لواقع إنجلترا, أنه كان يستخدم إنجلترا سوطاً يحرك به الثورة في فرنسا ضد ظلم الدولة أو الكنيسة. أن كون كل هذه الحقوق تقريباً أصبحت الآن قضية مسلماً بها في البلدان المتحضرة يضفي على ما أنجزه القرن الثامن عشر روعة وجلالاً.

ولا يقل عن هذا أهمية في أثره على الفكر الحديث امتداح فولتير لبيكون ولوك ونيوتن. إنه قال عن بيكون الذي اتهموه وجرحوه ما حكم به بولنجيزوك على مالبرو "إنه رجل بلغ من العظمة حداً لا أستطيع معه أن أتذكر هل كان له أخطاء أم لا"(20)ثم أردف يقول" إن هذا الرجل العظيم بيكون هو أبو الفلسفة التجريبية لا من أجل التجارب التي قام بها، بل بما وجه من نداءات قوية للنهوض بالبحث العلمي. وتلك هي الفكرة التي حدت بديدرو ودالمبرت إلى القول بأن بيكون هو أول من أوحى إليهم بدائر المعارف التي وضعوها.

وخصص فولتير لجون لوك كل الفصل الثالث عشر تقريباً. إنه لم يجد فيه مجرد علم العقل بدلاً من أسطورة النفس، بل وجد فلسفة كامنة كاملة حتى أنه بإرجاعه كل المعرفة إلى الشعور، حول الفكر الأوربي عن الإلهام الإلهي إلى الخبرة الإنسانية، باعتبارها المصدر الوحيد للحقيقة وأساسها. ورحب برأي لوك في أنه يمكن تصور إن المادة يمكن تمكينها من التفكير وغصت بهذه العبارة بالذات حلوق رجال الرقابة الفرنسية، وكان لها أثراً كبير في الحكم على الكتاب وإدانته. ويبدو أنهم تنبئوا فيها بمادية لامتري وديدرو. ورفض فولتير أن يسلم نفسه إلى المادية، ولكنه عدل عبارة ديكارت "أنا أفكر إذن أنا موجود" إلى "أنا جسم وأنا أفكر ولا شيء غير هذا".

وأشارت الرسالة الرابعة عشرة على الفرنسيين أن يتخلصوا من ديكارت وينصرفوا إلى دراسة نيوتن. إن حكم الرأي العام في إنجلترا على هذين المفكرين هو إن أولهما كان حالماً والثاني حكيماً. وقدر فولتير أعظم تقدير إضافات ديكارت إلى الهندسة، ولكنه لم يستسغ الدوامات الكونية عند ديكارت. إنه أقر بأن ثمة شيئاً وهمياً غامضاً، أو على الأقل مخدراً في مقالات نيوتن عن الكرونولوجيا القديمة (تقسيم الزمن إلى فترات وتعيين تاريخ الأحداث) وسفر الرؤيا، وأوحى فولتير بشكل لطيف بأن نيوتن كتب هذه المقالات ليعزي البشرية عن تفوقه البالغ عليها(21) إنه وجد أن نيوتن ما زال عويصاً يصعب فهمه، ولكن اجتماع الرجال البارزين في الحكومة وفي ميدان العلوم لتشييع جنازته ترك في نفسه أثراً عقد معه العزم على دراسة قوانين نيوتن، وعلى أن يكون رسول نيوتن إلى فرنسا، وهنا أيضاً غرس فولتير بذور دائرة المعارف وعصر التنوير.

وأخيراً صدم فولتير الفكر الديني في فرنسا بنقد لاذع وجهه إلى آراء بسكال. إنه لم يقصد تضمين هذا في رسائله، فليس لهذا علاقة بإنجلترا، ولكنه كان قد أرسله من إنجلترا إلى تيير 1728، فألحقه الناشر اللص بالرسائل باسم رقم 25، وكانت النتيجة أن الجانسنيين-الذين قدسوا بسكال إلى حد العبادة، وسيطروا على برلمان باريس-، فاقوا الآن اليسوعيين (الذين لم يحبوا بسكال قط) في استنكار فولتير وشجبه وكان فولتير غير قابل أساساً للاتفاق مع بسكال حيث كان في هذه المرحلة (اللهم إلا في رواياته) عقلانياً متشدداً لم يكن قد وجد بعد مجالاً للوجدان في فلسفته. وكان لا يزال شاباً ممتلئاً حيوية ونشاطاً ينعم بالحياة وسط محنه البطولية، ومن ثم عارض التشاؤم الجزع الكئيب عند بسكال "ولسوف أتجاسر فأقوم بدور الجنس البشري ضد هذا المبغض للشر المهيب"(22)ورفض "رهان" بسكال (أي أنه من الأحكم أن نراهن على وجود الله لا العكس) باعتباره عملاً صبيانياً يجافي الحشمة والوقار... إن اهتمامي بالاعتقاد بشيء ليس برهاناً على أن هذا الشيء موجود"(23)ولم يعرض بسكال الرهان (على أنه برهان) وسلم بأنه ليس في مقدورنا أن نفسر الكون أو نعرف قدر الإنسان، ولكنه أرتاب في أننا نستطيع من هذا الجهل أن نستنتج صدق قانون الإيمان المسيحي الذي جاء به الرسل. كما أنه لم يحس في هذا العصر المرح المفعم بالحيوية بأي تعاطف مع تطلع بسكال إلى الراحة والدعة، حيث نادى بأن الإنسان "خلق ليعمل... فعدم العمل وعدم الوجود سيان بالنسبة للإنسان(24)".

وليست "ملاحظات على أفكار بسكال" أفضل ما كان يمكن أن تجود به قريحة فولتير. أنه لم يكن قد أعدها للنشر، ولم يكن لديه الفرصة لمراجعتها وتنقيحها. وقضت الأحداث اللاحقة-مثل زلازل لشبونة-على نضارة تفاؤله الفتي. وعلى الرغم من هذا الملحق غير المدروس وغير الجدير بالاعتبار، فإن "الرسائل الفلسفية" كانت أحد المعالم البارزة في الأدب الفرنسي والفكر الفرنسي. فهنا لأول مرة ظهرت الجمل الموجزة الدقيقة والوضوح المبين والذكاء المرح والتهكم اللاذع، وأصبح كل هذا منذ الآن طابعاً أدبياً مميزاً يتجاوز ويتجاهل الحرص على إنكار اسم المؤلف. إن هذا الكتاب، وكتاب الرسائل الفارسية حددا أسلوب النثر الفرنسي من عهد الوصاية إلى عصر الثورة. وفوق هذا فإنها أحكمت حلقة من أقوى الحلقات في الربط بين المفكرين الفرنسيين والإنجليز، وهي كما قدر بكل "أهم حقيقة إلى حد بعيد في تاريخ القرن الثامن عشر"(25)إنها كانت بمثابة إعلان حرب ومخطط شن حملة. وقال روسو عن هذه الرسائل إنها قامت بدور كبير في إيقاظ عقله. ولا بد أن آلافاً من شباب فرنسا دانوا لها بمثل هذا الفضل. وقال عنها لافاييت أنها صيرته جمهورياً وهو في التاسعة من عمره. ورأى هين "إنه لم يكن لزاماً على رقيب المطبوعات أن يصادر هذا الكتاب حيث كان لا بد من قراءته بغير هذا الإجراء"(26).

وأحست الكنيسة والدولة والملك والبرلمان أنهم لم يعودوا يطيقون صبراً على مثل هذه الجراح الكثيرة في صمت، فأرسل صاحب المطبعة إلى سجن الباستيل، وصدر أمر سري مختوم بالقبض على فولتير أينما وجد. وفي 11 مايو ظهر أحد رجال الشرطة يحمل أمراً بالقبض عليه. ولكن من المحتمل أن موبرتوي ودار جنتال كانا قد حذرا فولتير فغادر فرنسا قبل ذلك بخمس ة أيام. وبناء على أمر البرلمان في 10 يونيه أحرق كل ما وجد من نسخ الكتاب بيد مأمور التنفيذ العام في فناء قصر العدل باعتباره عملاً شائناً ينافي الدين والخلاق القومية ويتعارض مع احترام الواجب للسلطات العامة. وقبل معرفة المركيزة دي شاتيليه بوصول فولتير سالماً إلى اللورين كتبت إلى صديق لها: "أنا لا أطيق صبراً على مجرد علمي بأنه في السجن وهو في مثل هذه الصحة والعافية وقوة الخيال. وأنا لا أحبذ ذلك مطلقاً". وأجمعت هذه السيدة والدوقة دي بشيليو وغيرهما من السيدات ذوات المكانة الرفيعة أمرهن على العمل معاً للحصول على عفو عنه. ووافق حامل الأختام على إلغاء أمر القبض إذا أنكر فولتير تأليفه للكتاب. لكن تلك كانت خدعة لأنه كان على علم اليقين أن فولتير هو المؤلف. وكان حامل الأختام هذا أحد موظفي الحكومة الذين لطفوا من حدة الرقابة من آخر بالأعضاء عما في الكتاب من مآخذ. ووافق فولتير فوراً على إنكار أنه المؤلف. وهذه كذبة بيضاء من الممكن الصفح عنها بسهولة. فضلاً عن أن الكتاب الذي برئ من تأليفه وزع دون موافقته. وكتب فولتير إلى الدوقة دي ايجوبون:

يقولون إنه يجب أن أتراجع... بكل سرور.. سأعلن أن بسكال على حق دائماً وأن القساوسة مهذبون وديعون منزهون عن الغرض "وإن الرهبان ليسوا متغطرسين ولا منصرفون إلى تدبير الدسائس، ولا حقراء وأن محاكم التفتيش المقدسة هي انتصار الإنسانية والتسامح(27).

والغي أمر القبض على شرط أن يبقى فولتير بعيداً عن باريس. فتنقل من قصر إلى قصر قرب حدود المدينة ورحب النبلاء الذين لم يتمسكوا كثيراً بأهداف الدين، كما لم يميلوا مطلقاً إلى الحكومة الملكية المركزية المستبدة وتلقى الدعوة بالإقامة في بلاط هولشتين مع معاش قدرة عشرة آلاف فرنك سنوياً ولكنه رفض(28)وفي يوليه أوى إلى قصر مدام دي شاتيليه في سيري في شمبانيا. وهناك وهو الضيف الذي يتحمل نفقات عشيقته وزوجها بدأ أسعد سني حياته.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

قرية سيري

In the frontispiece to their translation of Newton, Émilie du Châtelet appears as Voltaire's muse, reflecting Newton's heavenly insights down to Voltaire.

سيري الآن قرية عدد سكانها 250 شخصاً في مقاطعة المارن الأعلى في شمال شرقي فرنسا على بعد بضعة أميال من اللورين، وصفتها مدام دنيس ابنة أخي فولتير 1738 بأنها منعزلة موحشة على بعد أربعة فراسخ من العمران في منطقة لا يرى المرء فيها شيئاً غير الجبال والأراضي غير المنزرعة وربما أحبها فولتير لأنها بقعة هادئة حيث يستطيع أن يتفرغ فيها لدراسة العلوم وكتابة التاريخ والفلسفة، وتنساه الحكومة الفرنسية, أما إذا لاحقته فإنه يستطيع الانطلاق منها هرباً إلى اللورين في ظرف ساعة واحدة.

وكان القصر طللاً متهدماً من مخلفات القرن الثالث عشر. قلما أقام فيه آل شاتيليه ولم يكن يصلح للسكنى منذ أمد بعيد، ولم يهتم المركيز بإصلاحه، أو لم يكن لديه المال لهذا الغرض، فأقرضه فولتير 40 ألف فرنك بفائدة قدرها 5% للقيام بالإصلاحات اللازمة ولم يطالب المركيز قط بسداد هذا القرض. وأعدت بعض غرف شغلها فولتير، وأمر ببناء جناح جديد، وأشرف على ترميم بقية القصر. وفي نوفمبر وصلت المركيزة ومعها مائتا حقيبة من الأمتعة، وعدلت من إصلاحات فولتير بما يتناسب مع ذوقها الخاص، وأقامت هناك-وهي التي كانت قضت معظم سني شبابها بين الحاشية الملكية أو قريباً منها-منصرفة إلى الدراسة مع زوجها وعشيقها في وقف معاً. وأقام المركيز اللطيف نعها ومع فولتير بين الحين والحين حتى 1740، محتفظاً لنفسه في لباقة بشقة خاصة به وبمواعيد خاصة لتناول الطعام وحده. وبعد ذلك قضى معظم وقته مع كتيبته. وكانت دهشة فرنسا وإعجابها بكياسة الزوج أقل منها بإخلاص العشيقين.

وفي ديسمبر عادت مدام شاتليه إلى باريس وزارت الدوقة رويشيليو في معتقلها، وأقنعت الحكومة بإلغاء الأمر بإقصاء فولتير عن العاصمة في 2 مارس 1735 فقصد إلى باريس وأقام فيها عدة أسابيع مع خليلته، ولكن ماضيه لاحقه، فإن أجزاء من شعره الفاجر كان يتناقله الناس. ولم يتمالك هو نفسه قراءة بعض قطعه القوية على أصدقائه. كما نشر أحد الناشرين اللصوص "رسالة إلى أورانيا"، وكان فولتير قد كتبها قبل ذلك بخمس عشر سنة، وقد هاجم فيهس المسيحية، فأنكر أنه مؤلفها بطبيعة الحال ولكنها كانت تحمل بصمات أسلوبه وفكره. ولم يصدق إنكاره أنه المؤلف، فهرب ثانية إلى اللورين، ومنها في حيطة وحذر إلى سيري. وتلقى من الحكومة تأكيدات عن طريق غير مباشرة بأنه إذا ظل هناك دون أن يرتكب أية مخالفة أخرى فلن يعكر صفوه أحد. ولحقت به مدام دي شاتيليه مع ابنتها وابنها ومعلمهما، وكان طفلها الثالث قد مات. وهنا أخيراً بدأ شهر عسل فلسفي.

وكان لكل من الفيلسوفين مجموعة غرف خاصة به على جانبي القصر. وكانت شقة فولتير تتكون من حجرة انتظار ومكتب ومكتبة وحجرة نوم وكسيت وجدران بنسيج من المخمل الأحمر المنقوش، وازدانت باللوحات التي اقتنى منها فولتير مجموعة ثمينة منها لوحة من رسم تيشيان وعدة لوحات من رسم تنيير، كما كان هناك تماثيل فينوس وكيوبييد وهركيوليز، ولوحة كبيرة لصديقها الجديد الأمير فردريك ولي عهد بروسيا. وعلى حد تعبير مدام جرافيني، كانت النظافة التامة في هذه الحجرات إلى حد "يمكن معه تقبيل الأرض"(30)أما جناح المركيزة فكان مختلفاً عن هذا ذوقاً: اللون أصفر الفاتح واللون الأزرق الباهت مع لوحات من رسم فيرونيز وواتو، وصورة السقف وأرضيته من الرخام، ومائة من الصناديق والزجاجات الصغيرة والخواتم والمجوهرات وأدوات الزينة متناثرة هنا وهناك في حجرة ملابسها الصغيرة. وبين مجموعتي الغرف كانت هناك قاعة كبيرة أعدت لتكون معملاً للفيزياء والكيمياء، فيها مضخات هواء ومقاييس حرارة وأفران وبوتقات ومنظار مقرب (تلسكوب) ومجهر ([ميكروسكوب]) ومنشورات وبوصلات وموازين. وكان هناك عدة غرف للزوار، لم تكن مؤثثة تأثيثاً جيداً. وعلى الرغم من القماش المنقوش على الجدران كانت رياح الغابات تتسلل إلى القصر من خلال الشقوق والنوافذ والأبواب. وكان لزاماً لتدفئة هذا القصر إلى حد مقبول وجود 36 مدفأة تستهلك في اليوم الواحد ستة كوردات من الخشب (الكورد=28 قدماً مكعباً من الخشب). ويمكن أن نتخيل عدد الخدم اللازمين له، أضف إلى ذلك مسرحاً لأن فولتير كان يحب أن يمثل وبخاصة في رواياته هو أنه ليؤكد لنا أن المركيزة كانت ممثلة بارعة، وكان الضيوف والمعلم والخدم يحيطون بشخصيات الرواية، ويغنوا بالأوبرا، أحياناً لأن المركيزة (كما يؤكد فولتير مرة أخرى) كان صوتها ملائكياً. كما كان هناك عروض لمسرح العرائس وعروض بالفانوس السحري، قرنها فولتير بتعليقات أغرقت الحاضرين في الضحك.

ولكن اللهو كان طارئاً أما العمل فكان نظاماً يومياً. وكان العاشقان عادة، يعملان منفصلين كل في نطاقه، ولو أنهما تعاونا أحياناً في العمل، وقلما كان الواحد منهما يرى الآخر في أثناء النهار إلا في وجبة الطعام الرئيسية عند الظهر تقريباً. وكان المركيز يترك المائدة قبل أن يبدأ الحديث. وغالباً ما أنسل فولتير أيضاً إلى مكتبه تاركاً الآخرين يتسامرون. وكان له هناك أدوات مائدته الخاصة به لأنه يتناول طعامه وحده أحياناً. وإنا لنرى قلبه بحق محدثاً ممتعاً ممتلئاً بالحيوية، ويمكن أن يكون محط الأنظار ومبعث الحياة في أي اجتماع يشهده، ولكنه كان يكره الحديث التافه. وكان يقول "هذا الوقت الذي نقضيه في الحديث يزعجني كثيراً ويجدر بنا ألا نضيع دقيقة واحدة، إن أكثر ما نضيع هو الوقت(31)وكان يخرج أحياناً لصيد الغزال حباً في الرياضة.

وجدير بنا أن لا نصور الرفيقين الفيلسوفين على انهما ملاكان، فيمكن أن تكون السيدة الجافة مستبدة بل قاسية بخيلة بعض الشيء عنيفة مقترة مع خدمها وكانت تحتج إذا نقدهم فولتير أجراً أكبر، ولم يكن بها استحياء من شيء في جسمها، فلم تكن تأبه كثيراً لخلع ملابسها جميعاً أمام سكرتيرهما لونجشامب، أو تكليفه بصب الماء الساخن عليها وهي في الحمام. وكانت تطلع خفية على الرسائل التي يكتبها ضيوفها أو ترد إليهم، وليس لدينا دليل على هذا إلا شهادة سيدة أخرى أما فولتير فكان له مئات الأخطاء التي ستكتشف في الوقت المناسب. كان شاعراً مزهواً وكان سريع الغضب والتجهم كأنه طفل، وكثيراً ما هاجم عشيقته وتشاجر معها، وما كان هذا الشجار على أية حال إلا سحب صيف تؤكد سادة أيامهما، وسرعان ما كان فولتير يعود إلى هدوئه وابتسامته وابتهاجه. وما كان يمل الحديث عن سعادته وعن حبه لرفيقته بطريقته الهادئة. ونظم لها مائة قصيدة حب قصيرة كل منها تصوير بارع في فن محكم. وكانت إحدى هذه الدرر الأدبية مع خاتم من حجر كريم نقشت عليه صورته: "بنقش يبرز هذه القسمات ليقع عليها بصرك. أنظري إليها لتقري عيناً بها. أما صورتك فهي منقوشة في أعماق قلبي بيد صناع أكثر حذقاً وبراعة.(34)".

أما هي فقالت لا أطيق فراقه لمدة ساعتين دون أن يمزقني الألم.

ومن بين العشيقين الفيلسوفين كانت هي أكثر انصرافاً إلى العلم وانكباباً عليه منه. ونفذت قانون سيادة المرأة غير المسطور في إخفاء مخطوطة كتاب فولتير "قرن لويس الرابع عشر" الذي لم يكمل بعد، ووجهته بشدة إلى دراسة العلوم بوصفها الدراسة الحقة لرجل العصر الحديث. ووصفتها مدام دي جرانيني، وكانت ضيفاً عليها في 1738، بأنها أكثر مثابرة على أبحاثها العلمية من فولتير، حيث كانت تقضي معظم النهار وجزءاً كبيراً من الليل في مكتبها. وفي بعض الحيان حتى الساعة الخامسة أو السابعة صباحاً.(36)وكان موبرتوي يأتي من حين إلى سيري ليتابع دروسه لها في الرياضيات والفيزياء. وربما كانت هذه الزيارات بالإضافة إلى إعجاب المركيزة السافر بسعة علم موبرتوي، هي التي أثارت الغيرة في قلب فولتير الشديد الحساسية، فأدت إلى الملاكمة والشجار بينهما في برلين.

وهل كانت دي شاتيليه عالمة باحثة حقاً، أم أنها اتخذت من العلم سبيلاً للأناقة ومجاراة مقتضيات العصر. ورأت مدام دي ديفان وبعض سيدات أخريات أن دراستها وأبحاثها كانت مجرد مظهر كاذب، وزعمت المركيزة دي كريكي :أن الجبر والهندسة اقتربا بها من حافة الجنون، على حين أن تحذلقها وكلفها الشديد بموضوع دراستها جعلاها لا تحتمل. والواقع أن ذهنها تشوش بكل ما تعلمته أو عرفته(37)ولكن استمع إلى مدام دي جرافيني وهي تصف لنا جلسة في سيري.

"في هذا الصباح قرأت علينا ربة البيت عملية هندسية لمؤلف إنجليزي حالم... وكان الكتاب باللغة اللاتينية؛ وقرأته علينا بالفرنسية، وترددت لحظة عند كل عبارة، وكأني بها تتفهم العمليات الهندسية، ولكن لا، إنها ترجمت بسهولة المصطلحات الهندسية والأرقام والألفاظ الغريبة، ولم تتوقف في شيء. ألا يثير هذا الدهشة حقاً؟(38).

وأكد فولتير لتييريو أن مدام دي شاتيليه كانت تعرف الإنجليزية جيداً، وأنها عرفت كل المؤلفات شيشرون الفلسفية، وكانت مولعة جداً بالرياضيات والميتافيزيقا(39). وذات مرة بزت العالم الفيزيائي وعضو الأكاديمية دي ميران في مناقشة عن الطاقة الحركية(40)وقرأت شيشرون وفرجيل في الأصل اللاتيني وأريستو وتاسو بالإيطالية، ونيوتن بالإنجليزية، وعندما زار الجاروتي سيري تحدثت معه بالإيطالية. وكتبت ولكن لم تنشر كتاباً من ستة مجلدات عن دراسة "سفر التكوين"، مبنية على أعمال الربوبيين الإنجليز عرضت فيه للمتناقضات والأشياء البعيدة الاحتمال والأعمال غير الأخلاقية والأفعال الظالمة في الكتاب المقدس. وكانت رسالتها عن السعادة بحثاً أصيلاً عن أسس السعادة، حيث رأت أن هذه الأسس هي الصحة والحب والفضيلة والانغماس الذاتي العقلاني، ثم طلب العلم والمعرفة. وترجمت قوانين نيوتن من اللاتينية إلى الفرنسية، وأشرف على طبعها كليرو، ونشرت بعد وفاتها بست سنوات (1756). وألقت عرضاً موجزاً لنظام العالم نشر في 1759 وأعلن فولتير ربما من قبيل الشهامة والود، أنه يفوق كتابه "مبادئ فلسفة نيوتن" (1738)(41)وعندما أعلنت أكاديمية العلوم (1738) عن جائزة لأحسن بحث عن طبيعة النار وانتشارها، ودخل فولتير المسابقة كتبت هي سراً البحث وقدمته دون ذكر اسمها، وكتبته في الليل لتخفيه عن فولتير (حيث أتى في بحثي عارضت كل آرائه تقريباً(42)) ولم يفز أي منهما بالجائزة التي حصل أويلر. ولكن الأكاديمية طبعت مقاليهما، وامتدح كل منهما مقال الآخر في نشوة الحب العقلي. ومن أجل موضوعه هو، قام بعدة تجارب بعضها في معمله وبعضها في مسبك في شومون المجاورة(43)ودرس فولتير التلكس وكان قاب قوسين أو أدنى من اكتشاف الأوكسجين(44). ونراه في مايو 1737 يكتب إلى الراهب موسينو في باريس يطلب إليه كيميائياً للحضور إلى سيري لقاء مائة جنيه سنوياً مع الإقامة الكاملة. ولكن كان على هذا الكيميائي أيضاً أن يتلو القداس في أيام الآحاد والعطلات في كنيسة القصر(45). أته من جانبيه آمن الآن بالعلم وحده. وكتب في 1741 ينبغي أن نعتقد في صحة ما تكشف عنه لنا عيوننا وما تكشف عنه الرياضيات. أما فيما عدا هذا فيجدر أن نكتفي بالقول بأننا لا نعرف(46). فالفلسفة كانت تعني عنده آنذاك خلاصة العلم:

وبهذا المعنى استخدم فولتير الإصلاح في مؤلفه "مبادئ فلسفة نيوتن أملا في الترخيص الملكي بنشره، ولكنه لم يجب إلى طلبه، وظهرت منه طبعة في أمستردام (1738) دون موافقته. وصدرت طبعته هو هناك في عام 1741، وكانت عبارة عن مجلد ضخم يضم 440 صفحة، نموذجاً رائعاً لما يسميه الفرنسيون "دون تعمد الانتقاض من قدره" تبسيطاً، أي محاولة فهم العويص الصعب منه إلى أكبر حد ممكن. وأضاف المشرف على الطبع عنواناً فرعياً وضع ليكون في متناول الجميع. وغير الراهب ديفتنون هذا العنوان الفرعي في نقد غير ودي إلى "عويص على كل الناس" وعلى النقيض من ذلك امتدح الجميع الكتاب بل أن اليسوعيين تقبلوه بقبول حسن في صحيفة تريفو(47). وهنا طردت الجاذبية الكونية التي كشفها نيوتن دوامات ديكارت من أذهان الفرنسيين. وشمل كتاب فولتير عرضاً لبصريات نيوتن، وتحقق من التجارب في معمله الخاص، وحاول إجراء تجارب أخرى من عندياته، وحاد عن طريقه قليلاً، ليؤكد اتساق فلسفة نيوتن مع الإيمان بالله. وفي نفس الوقت أكد شمولية القانون في العالم المادي.

وعلى الرغم من كل هذه الجهود لم يكن فولتير روح رجل العلم ولا تحديداته وقيل أنه أخفق في أن يكون رجل علم. وينبغي بنا أن نرجح القول بأنه كان شخصاً ثرياً متعدد الجوانب إلى حد لا يستطيع معه أن ينصرف إلى العلم كل الانصراف بصفة نهائية. أنه استخدم العلم وسيلة لتحرير العقل، حتى إذا تم له ما أراد انصرف إلى الشعر والمسرحية والفلسفة بأوسع معانيها، والإنهماكات الإنسانية في الشئون الأساسية في عصره "يجب أن نهيئ الطريق في حياتنا لكل أساليب المعرفة والوجدان ونفتح أمامها الأبواب لتنفذ إلى نفوسنا، فإذا لم تتبدد هذه شذر مذر فإن هناك مكاناً فسحاً لكل شيء(48)" وهكذا كتب في ذاك الوقت (1734) بحث في الإنسان ردد فيه إلى حد كبير آراء بوب في نفس الموضوع، حتى إلى درجة إجازة فكرة غير فولتيرية "كل شيء صواب(49)". ونظم في هذه السنوات معظم غادة أورليان (جان دارك). وربما كان هذا انتجاعاً لبعض الراحة من عناء نيوتن. وشرح فلسفته في رسالة في الميتافيزيقا، وقد رأى من الحكمة أن يحجم عن نشرها. وكانت رسالة فذة مثل سائر إنتاجه، وبدأها بأن تخيل نفسه زائراً وافداً من كوكب المشتري إلى كوكب المريخ، ومن ثم رأى أنه لا يتوقع منه أن يوفق بين آرائه وبين ما جاء به الكتاب المقدس. وحط رجاله بين كفار جنوب أفريقية. وينتهي إلى أن الإنسان حيوان أسود الجلد شعره شبيه بالصوف، ثم ينتقل إلى الهند ليجد أناساً صفر اللون ذوي شعر سبط غير مجعد، فيستنتج أن الإنسان جنس يتألف من عدة أنواع متميزة لا تنحدر كلها من أصل أو سلف واحد(50)ويحكم من مظاهر النظام في العالم ومن التركيب الهادف ذي المعنى في أعضاء الحيوان بأن هناك رباً ذكياً يصمم أو يركب صور الجميع. ولا يرى دليلاً على وجود نفس خالدة غير فانية في الإنسان، ولكنه يشعر بأن إرادته حرة. وقبل هيوم وآدم سميث يزمن طويل نرى فولتير يستمد روح الأخلاق من التعاطف بين الناس بعضهم مع بعض، وقبل هلفشيوس وبنتام بزمن طويل أيضاً نرى فولتير يحدد الفضيلة والرذيلة بما هو مفيد وغير ضار بالمجتمع(51)وسنعود إلى هذه الرسالة فيما بعد.

وكم اختلفت هذه الرسالة عن الشعر المرح الذي نظمه فولتير في تاريخ جان دارك وأنا إذا فتحنا الملحمة الساخرة اليوم فلا بد لنا أن يقفز إلى ذاكرتنا أن الكلام الفرنسي والأدب الفرنسي كانا أكثر تحرراً آنذاك منهما في النصف الأول من القرن العشرين. ولقد رأينا نموذجاً في الرسائل الفارسية للحاكم مونتسكيو، بل أن ديدرو كان أكثر حرية لا في الجواهر المنظومة فحسب، بل في جاك المؤمن بالقضاء والقدر كذلك. فإذا قورنت جان دارك بهذين الكتابين كما نشرها أخيراً فولتير 1756، لوجدناها معتدلة بشكل محمود. ومن المحتمل أن الأصل الذي جرى تداوله سراً كان أقرب إلى أسلوب رابليه، ودافع كوندرسيه الوقور الرزين عن القصيدة وروى أن مالشرب وهو أحد كبار موظفي الحكومة الفرنسية حفظها عن ظهر قلب(52)، ووجد في القسم الحادي والعشرين من القصيدة بعد بحث مجهد، بعض أبيات معتدلة في فسقها وشهوانيتها يمكن التجاوز عنها مثل الصور الشبيهة بها عند آريوستو، وقد عوض عنها بقطع كثيرة تقدم وصفاً رائعاً وسرداً بارعاً، وكان فولتير مثل كثير من الفرنسيين في زمانه يرى في جان دارك بنتاً فلاحة بريئة ساذجة، وربما كانت ابنة غير شرعية استسلمت للخرافات واعتادت سماع (الأصوات)، وارتاب في أن فرنسا كان لا بد أن تنقذ من الغزو الإنجليزي حتى ولو لم تولد هي قط. وفيما عدا هذا ومع التسامح في بعض الأخطاء التاريخية، فإنه روى القصة بأمانة مع تمليحها ببعض الدعابة ومال الملك برأسه نحو جان الباسلة التي لا تهاب شيئاً، وقال في صوت مهيب يرهبه الجميع إلا هي وحدها، أنصتي إلى ياجان، إذا كنت عذراء حقاً فأقسمي اليمين، فأجابت: مولاي العظيم، أصدر أوامرك الآن إلى الأطباء الحكماء الخبيرين بأسرار النساء ونظاراتهم على أنوفهم، ورجال الدين والصيادلة وكبيرات الممرضات الخبيرات ليجتمعوا على الفور للفصل في الأمر، فليدققوا النظر ويروا ومن هذا الجواب الحكيم عرف شارل أنها ملهمة تلقت وحياً، وأنها تتمتع بنعمة العذرية المقدسة المباركة، ثم قال الملك حسناً يا ابنة السماء، ما دامت تعرفين كل شيء فأخبريني ماذا حدث بيني وبين زوجتي في الفراش في الليلة الماضية؟ أتوسل إليك تحدثي بصراحة، فقالت جان لا لم يحدث شيء، فدهش الملك وركع وصاح بصوت عال: أنها معجزة، ثم رسم علامة الصليب وانحنى احتراماً وإجلالاً(53).

وقرأ فولتير على ضيوفه مقطعاً أو مقطعين من جان دارك رغبة في تسليتهم، وليبعث الدفء في أمسيات الشتاء الباردة. وكانت مدام دي شاتيليه تحتفظ بالمخطوطة الضخمة في حرز أمين، وسمح فولتير في استخفاف وإهمال بتداول بعض الأجزاء بين أصدقائه ونسخ بعضها وتناقلها المجتمع غير المهذب على نطاق أوسع مما كان من الحكمة أن يكون. وكان الخوف من أن تقاضيه الحكومة الفرنسية-لا بسبب فحش القصيدة بل بسبب الهجاء اللاذع في بعض أجزائها للرهبان واليسوعيين والأساقفة والبابوات ومحاكم التفتيش-من بواعث القلق والهموم التي أقضت مضجعه وعكرت عليه صفة حياته.

وكان فولتير أكثر جدية ووقاراً في الزير Alzler "التي بدئ بعرضها بشكل يدعو إلى المساعدة والابتهاج على المسح الفرنسي في 27 يناير 1736. وحققت التاريخ المسرحي بارتداء الثياب التي كانت سائدة في الزمان والمكان المحددين لأحداث الرواية-الغزو الأسباني لدولة بيرو وسلبها ونهبها. ويتوسل الفاريت الحاكم الأسباني للبلد المغلوب على أمره إلى المنتصرين أن يضعوا حداً لقسوتهم فيقول "نحن سوط العذاب الذي نصب على هذه الدنيا الجديدة، نحن عابثون جشعون ظالمون... نحن المتبربرون وحنا هنا أنا المتوحشون السذج البسطاء، ولو أنهم عنيفون بطبيعتهم، فانهم شجعان بواسل مثلنا، ولكنهم يفوقوننا في الميل إلى الخير وطيبة النفس(54). وصفقت باريس لهذه الرواية لمدة عشرين ليلة متوالية ودفعت 53.640 جنيهاً، وتنازل فولتير عن نصيبه من دخل الرواية للممثلين.

وفي 8 أغسطس 1736 تلقى فولتير أول رسالة من فردريك ملك بروسيا، ومن هنا بدأت مراسلات مشهورة وصداقة فاجعة. وفي نفس العام نشر قصيدة "الرجل الدنيوي" وكأنما كانت رداً مسبقاً على رسالة روسو "بحث في الفنون والعلوم" (1751) أن فولتير ضاق ذرعاً بالحالمين الواهمين الذين يضفون المثالية على الإنسان البدائي غير المتمدن الودود الصاعد "أو يحبذون الرجوع إلى الطبيعة" هرباً من الانفعال وتوتر الأعصاب والنفاق والخداع في الحياة الحديثة. إنه هو نفسه كان مستريحاً وسط ما يعاني من بلايا ومحن، ورأى أنه كان عليه لزاماً عليه أن يقول كلمة طيبة في المدنية إنصافاً لها. إنه لم يجد أية فضيلة أو ميزة في الفقر، أو أي انسجام بين الجراثيم والحب وربما كان البدائيون شيوعيين، وهذا فقط لأنهم لم يكونوا يملكون شيئاً. وإذا إتسموا بالاعتدال والقصد والرزانة فما ذاك إلا لأنهم لم يكن لديهم خمور "وأنا من جانبي أحمد للطبيعة الحكيمة أنها من أجل سعادتي أنجبتني في هذا العصر الذي يحط من قدره نقادنا الذين تعروهم الكآبة والانقباض. إن هذا الزمن الدنس ملائم كل الملائمة لحياتي فأنا أحب الترف والبدخ بل الحياة الناعمة وكل الملذات والفنون على اختلاف أنواعها، والنظافة والذوق والزينة والزخرفة وبدا له كل هذا مفضلاً لديه بشكل واضح على جنات عدن "أبي العزيز آدم، اعترف أنك ومدام حواء كانت لكما أظفار طويلة سوداء بما فيها من أقذار، وان شعره كما كان أشعث أغبر إلى حد ما.... وعبثاً حاول العلماء أن يعينوا مكان جنة عدن... إن جنة الأرض هي التي أعيش فيها أنا الآن.

ولم ترق في أعين رجال الدين الصورة التي رسمها فولتير لآدم وحواء، وأصروا على أن سفر التكوين تاريخ صحيح، ولم يقروا فولتير على ما جاء به عن أظافر آدم وشعر حواء، وتعالت الأصوات مطالبة بالقبض على شيطان سيري الكافر. وحذره الأصدقاء مرة ثانية، فاعتزم الرحيل. وفي 21 ديسمبر 1736 غادر سيري واميلي، قاصداً بروكسل متنكراً في زي التاجر ريفول. وسخر المعجبون به هناك من تنكره ومثلوا مسرحية آلزير تكريماً له. وحذر جان بابتست أهل بروكسل من أن فولتير جاء إليهم ليبشر بالإلحاد، فانتقل إلى ليدن حيث احتشدت الجماهير لرؤيته، ثم إلى أمستردام حيث أشرف على طبع كتابه عن نيوتن، وساور المركيزة آنذاك الخوف من أنه لن يعود إليها مطلقاً، فكتبت إلى دار جنتال: "منذ أسبوعين فقط كنت أتعذب لعدم رؤيته لمدة ساعتين اثنتين، وكنت أكتب إليه من غرفتي إلى غرفته، ومضى الآن أسبوعان لا أعرف أين هو ولا أعرف ماذا يفعل... أنا في حالة يرثى لها(55)وأخيراً عاد (مارس 1737) وهو يقسم انه لولا حبه لها لما أقام في فرنسا التي تلاحقه وتطارده على هذا النحو.

وفي مايو 1739 عاد العشيقان إلى بروكسل حيث استخدم فولتير كل مواهبه القانونية وغيرها في قضية تتعلق بممتلكات المركيزة. ثم قصد هو وزوجها إلى باريس حيث قدم فولتير روايتي محمد وميروب إلى مسرح الكوميدي فرانسيز، وحيث رأت السيد شاتيليه في المطبعة مجلداتها الثلاثة عن "قوانين الفيزياء" وفي هذه الدروس "تهربت من فولتير ونيوتن كليهما مؤثرة عناصر الوجود الأولية في فلسفة ليبنتز. وفي سبتمبر عادوا إلى سيري، ثم قصدوا بعدها إلى بروكسل لإقامة طويلة، ومنها في سبتمبر 1740 أسرع فولتير إلى كليف Cleves لأول لقاء له مع فردريك، وكان قد أصبح ملكاً، ورفض أن يدعو أميلي معه. وفي نوفمبر قطع مسافة 150 ميلاً مرهقة قاصداً برلين ليقوم بمهمة دبلوماسية للكاردينال فليري، وسنعود إلى تفصيل هذه المهمة فيما بعد. وذهبت أميلي في نفس الوقت إلى فونتنبلو حيث بذلت جهداً كبيراً في الحصول على إذن لفولتير بالإقامة في باريس، أن سيري أصبحت عبثاً لا يطاق. وفي 23 نوفمبر كتبت إلى دار جنتال: لقد لقيت جزاء سنمار على كل ما فعلت في فونتنبلو، لقد ذللت كل العقبات، وحصلت لفولتير على حق العودة إلى بلده دون قيد أو شرط، ووفقت بينه وبين الوزارة، ومهدت الطريق لقبوله في الأكاديمية، وصفوة القول أني في ثلاثة أسابيع أستطعت أن أعيد إليه كل ما فقده في ستة أعوام. فهل تعلم كيف كافاني على مثل هذا الإخلاص والغيرة؟ أنه أبلغني في رسالة جافة أنه قصد إلى برلين، وهو يعلم علم اليقين أنه يحطم قلبي ويعذبني عذاباً لا يوصف... لقد انتاباني الحمى... وآمل أن أفارق الحياة وشيكاً... وهل تصدق أن الفكرة التي تستبد بعقلي حين أحس بأن الحزن سيقتلني، هي فكرة الأسى العميق الذي ينتاب فولتير لموتى؟... أني لا أطيق أن أفكر في أن ذكراي سوف تسبب له يوماً الشقاء والألم، ويجدر بكل اللذين أحبوه أن يكفوا عن لومه.

وانتزع فولتير نفسه من جو النفاق الملكي ليلحق بعشيقته، وفي طريق عودته بعث إلى فردريك برسالة يوضح فيها وجهة نظره في الموضوع:

" إني أترك ملكاً عظيماً يكرم ويشجع فناً أعجب به إلى حد التأليه، لألحق بسيدة لا تقرأ إلا ميتافيزيقا وولف المسيحي (شارح ليبنتز). أني أنتزع نفسي من أعظم حاشية إمتاعاً وإيناساً في أوربا من أجل قضية قانونية. أني لم أترك حاشيتك الفاتنة الجديرة بالحب لأتنهد وأتأوه مثل أحمق معتوه بين يدي امرأة، ولكن هذه المرأة يا مولاي هجرت من أجلي كل شيء، مما يتخلى سائر النساء عن أصدقائهن من أجله. أنني أسير فضلها في كل شيء أن الحب غالباً ما يكون سخيفاً مضحكاً، ولكن الصداقة الخالصة والود الصافي لهما حقوق يرتبط المرء أكثر مما يرتبط بأوامر الملك(56).

والتقى ثانية بأميلي في بروكسل التي أصبحت بلدهما الثاني بسبب طول الإجراءات في قضيتها. وفي مايو 1741 شهدا العرض الأول لرواية محمد في ليل، ولقيا ترحيباً حماسياً. وعادا إلى بروكسل مزهوين مبتهجين، ولكن عكر صفوهما شعور بأن جذوة الغرام قد بدأت تنطفئ. وكان حبها لا يزال قوياً. ولو أن جوهر هذا الحب كان الرغبة في السيطرة والتسلط. ولكن شعلة الحب عند فولتير بدأت تتحول إلى قلمه. وفي يولية 1741 اعتذر لها عن غيرته التي أخذت تذوي وتذبل: "إذا وددت أن أستمر على الحب فعليك أن تعيدي إلى مسافات من زمان الحبيبين، أعيدي إلى إذا كان في مقدورك، فجر الحياة، وهي في غسق المساء، نحن نموت مرتين، وأنا الحظ هذا جيداً. إنه موت لا يطاق أن نتوقف عن الحب ونحن جديران به، أما توقف الحياة نفسها فهو أمر تافه لا قيمة له".

وفي أغسطس 1742 قصدا إلى باريس ليشهدا العرض الأول لرواية "محمد" في المسرح الفرنسي. وكان فولتير قد سعى للحصول على إذن رسمي من الكاردينال فلبري بتمثيلها، فأجابه إلى طلبه. وكان هذا العرض الأول (19 أغسطس) الحدث الأدبي لذاك العام، وشهده كثير من الحكام ورجال الدين والشعراء بالإضافة إلى الجمهور الذي اكتظ به المكان. وبدا أن الجميع راضون على المسرحية باستثناء نفر من رجال الدين الذين زعموا أن الرواية ليست إلا "هجوماً عنيفاً على المسيحية" وانضم فريرون وديفونتين وغيرهم إلى هذه الشكوى. وعلى الرغم من أن الكاردينال أحس بأن هؤلاء النقاد يسيئون إلى قضيتهم، فإنه بعث إلى فولتير برسالة سرية ينصحه فيها بسحب الرواية، وتم هذا بعد العرض الرابع من إقبال شديد على الرواية. وعاد فولتير وأميلي أدراجهما إلى بروكسل، وقد استبد بهما الغضب لخيبة أملهما.

وهل كانت رواية "محمد" هجوماً على المسيحية؟ ليس الأمر إلى هذا الحد. أنها كانت تهاجم التعصب العمى والتزمت ولكنها صورت الرسول في صورة غير ودية ربما أثلجت صدور المسيحيين الأبرياء من التاريخ ومن سوء النية فيه. أنه صور الرسول مخادعاً تعمد أن يدرس دينه الجديد إلى عقول قوم سذج ويستغل أيمانهم في استثارة هممهم في القتال، ويغزو مكة، بإصدار أمره إلى نصيره المتعصب سعيد بقتل الشيخ زبير الذي يقاوم هذا الغزو وعندما يتردد سعيد يؤنبه محمد في عبارات بدت لبعض المستمعين وكأنها تعريض برجال الدين المسيحيين، فهو يقول: "وأنت أيضاً تتردد؟ أيها الشباب الجريء، إنه لما يتنافى مع الدين أن تتردد. إن الذين يستخدمون عقولهم لا يميلون إلى الإيمان. بمحمد، إن عليك أن تمتثل. إن إرادة الله تقضي بذلك. ألا تعلمون أن إبراهيم الخليل ولد هنا وأن جثمانه الطاهر يرقد هنا، وهو الذي امتثل لصوت الله وأخمد صيحات الطبيعة بين جنبيه، وتخلى عن ولده العزيز!! أن الله العلي القدير نفسه هو الذي يطلب إليكم أن تضحوا، ويهيب بكم أن تنفروا إلى القتال، ومن ذا الذي يتجرأ فيتردد في تنفيذ أمر الله إذا دعاكم إلى القتال؟ فاضربوا إذن فوق الأعناق. أن دم الشيخ زبير يخولكم النعيم المقيم في الدار الآخرة(58).

ويقتل سعيد الشيخ العجوز الذي يتبين وهو يلفظ أنفاسه الخيرة أن القاتل ابنه. وهذا بطبيعة الحال هجوم من فولتير على استخدام الدين ذريعة لسفك الدماء وإشعال نار الحرب. وهذا ما قصد إليه فولتير. وفي رسالة إلى فردريك ضرب أمثلة لجرائم ارتكبت بإسم الدين، منها قتل وليم أورانج وهنري الثالث وهنري الرابع ملكي فرنسا. ولكنه أنكر أن المسرحية هجوم على الدين. بل أنها دعوة إلى استمساك المسيحيين بمبادئ المسيحية الحقة.

وفي سبتمبر 1742 واساه الكردينال فليري بإفاده إلى فردريك ليحاول توجيه سياسته إلى الصداقة مع فرنسا. وقصد فولتير مزهواً بدبلوماسيته لزيارة الملك في آخن. وتبين الملك أهدافه ومراميه، فرد على حديثه السياسي شعراً، وأعاد فولتير إلى باريس مع عشيقته أميلي والمسرحية. وفي 20 فبراير 1743 أخرجت على الكوميدي فرانسيز أعظم رواياته ميروب حيث لاقت نجاحاً أخرس ألسنة أعدائه بعض الوقت.

وكانت عدة مسرحيات قد كتبت بالفعل في نفس الموضوع، منها مسرحية يوريبيدس التي لم يبق منها إلا شذرات قليلة وفي خطاب تمهيدي أقر فولتير بالفضل والعرفان لمركيز فرانشسكو سبيون دي مافي (وهو من فيرونا) الذي كان قد أخرج ميروب في 1713. وكانت هذه المسرحيات تتميز بتحول الاهتمام فيها إلى حب الوالدين لا إلى الحب الجنسي ويروون أن معظم الحاضرين سالت دموعهم في المشهد الأخير. ولأول مرة في تاريخ المسرح الفرنسي تعالت الأصوات تنادي بظهور المؤلف على خشبة المسرح، وقيل أنه وافق وبذلك أوجد سابقة أسف لها لسنج أشد الأسف. وطبقاً لبعض المصادر الأخرى يقال أن فولتير رفض الظهور على المسرح على الرغم من حث الدوقتين اللتين جلس في مقصورتهما، وكل ما فعله أنه نهض واقفاً في مكانه لحظة رداً على التحية(59)، وحكم فردريك بأن هذه المأساة من احسن ما كتب من مسرحيات(60). وذهب جيبون إلى ان الفصل الأخير يضارع أي فصل في مسرحيات راسين(61).

وقلل من قيمة نجاح "ميروب" إخفاق فولتير في الفوز بمقعد في الأكاديمية الفرنسية. إنه سعى له سعياً متواصلاً إلى حد أنه أعلن نفسه كاثوليكياً حقاً ومؤلف أبحاث أقرتها الكنيسة(62). وأيده لويس الخامس عشر في بداية المر ولكن وقف في طريقه وزيره الجديد مورياس الذي احتج بأنه لا يليق أن تشغل نفس شريرة دنسة المقعد الذي خلا بوفاة الكاردينال فلبري. وشغل المقعد أسقف ميربوا. واستحث فردريك فولتير أن يترك البلد الذي لا يلقي فيه عباقرته سوى هذا القدر الضئيل من التكريم، ويحضر ليقيم معه في بوتسدام. فاعترضت مدام شاتيليه وأشارت عليه الحكومة الفرنسية بقبول الدعوى لبعض الوقت والقيام بعملية التجسس في برلين. وهفت نفسه إلى الاشتغال بالسياسة، فقبل الدعوى وقام ثانية بالرحلة المرهقة راكباً عبر فرنسا وبلجيكا وألمانيا، وقضى في هذه المغامرة ستة أسابيع (30 أغسطس-12 أكتوبر 1743) ومرة أخرى سخر فردريك من سياسته وأمتدح شعره، وعاد فولتير إلى أميلي في بروكسل. وفي أبريل 1744 استأنفا مقامهما في سبري محاولين بعث غرامهما الميت إلى الحياة من جديد.


سانسوسي

Die Tafelrunde by Adolph von Menzel. Guests of Frederick the Great, in Marble Hall at Sanssouci, include members of the Prussian Academy of Sciences and Voltaire (seated, third from left).

4- رجل البلاط 1745-1758

بلغ فولتير آنذاك سن الخمسين. وكان لوقت غير قصير يحتضر في كل عام مرة. وكتب إلى تييريو في 1735 "من المؤكد أنه ليس أمامي إلا سنوات قليلة أعيشها(65). وكان قد بلغ آنذاك الحادية والأربعين، وكان أمامه ثلاث وأربعين سنة أخرى، فكيف تسنى له هذا؟ عندما انتابته علة خطيرة في شالون في أعالي المارن (1748)، ووصف له أحد الأطباء بعض الأدوية، قال فولتير، كما يروي سكرتيره، إنه لن يتبع شيئاً من هذه التعليمات، لأنه يعرف كيف يعالج نفسه في أيام الصحة والمرض على حد سواء، وسيظل طبيب نفسه كما كان دائماً. وفي مثل هذه الأوقات كان فولتير يصوم لبعض الوقت، ثم يأكل قليلاً من الحساء الرقيق والخبز المحمص والشاي الخفيف والشعير والماء. ويستطرد سكرتيره لونجشامب فيقول: "تلك هي الطريقة التي عالج بها فولتير نفسه فبرئ من سقمه الذي ربما أدى به إلى نتائج خطيرة لو أنه أسلم نفسه إلى أطباء شالون. كان مبدؤه أن صحتنا تتوقف علينا نحن، وركائزها الثلاث هي القصد في الطعام والشراب وضبط النفس والاعتدال في كل شيء، والتمرينات الرياضية البسيطة، ففي كل الأمراض التي لا تكون نتيجة لأحداث خطيرة أو تكون خلل أساسي في أعضاء الجسم الداخلية، يكفي أن تساعد الطبيعة التي تسعى جاهدة في شفائنا، وأن نلتزم في الغذاء بنظام دقيق لفترة طويلة إلى حد ما، فنتغذى على السوائل المناسبة والأغذية الخفيفة الأخرى. ورأيته دائماً يلتزم بهذه القاعدة طيلة وجودي معه(66).

وكان بارعاً مثل رجال المصارف في إدارة أمواله واستثمارها. وكان مستورداً وشاعراً ومقاولاً وكاتباً مسرحياً ورأسمالياً وفيلسوفاً ومقرضاً للنقود وصاحب معاش ووارثاً. وساعده صديقه دار جنسون على جمع ثروة من تموين الجيش(67)، وكان قد ورث جزءاً من ثروة أبيه وترك له موت أخيه أرمان (1745) دخل بقية أملاك أبيه. وأقرض الدوق ريشيليو ودوق دي فلبار والأمير دي جيز وغيرهم مبالغ كبيرة، ووجد عناء كبيراً في استرداد الديون، ولكنه عوض عنها بالأرباح(68). وفي 1735 كان ريشيليو مديناً له بمبلغ 46.417 من الجنيهات دفع عنه الدوق أرباحاً سنوية قدرها 4000(69)جنيه "وفي حالة مسيو دي بريزي غير الموثوق به كان فولتير يطلب فائدة قدرها 10%، واستثمر فولتير أكثر أمواله في سندات مدينة باريس التي تدر ربحاً قدره 5% أو 6%، وكثيراً ما أعطى تعليماته إلى وكيله للإلحاح على مدينيه بالسداد: "أنه من الضروري يا صديقي أن تطالب مرة ومرتين وتلح وتراقب وتلح في الطلب-ولكن لا تعذب المدينين من أجل إيرادي السنوي ومتأخراتي(70) وفي 1979 قدر سكرتير فولتير أن دخله السنوي بلغ 80 ألف جنيه(71). ولم يكن فولتير ينبش الأرض بحثاً عن المال، ولم يكن بخيلاً مقتراً، وكثيراً ما منح الأموال وقدم سائر المساعدات لشباب الطلبة ومد يد المعونة قولاً أو فعلاً إلى فوفينارج ومارمونتل ولا هارب. وقد رأيناه يتنازل عن العائدات رواياته للممثلين، وعند ما ضاع عليه أربعون ألف جنيه بسبب إفلاس ملتزم عام كان قد أقرضه المبلغ واجه الأمر في هدوء، ولم يثر أو يغضب. وذكر العبارات التي تعلمها في صغره "أعطانا الله، وأخذ الله فليتقدس اسم الله".

ولو أن فولتير أوتي مالاً أقل ليستغله ويعنى به، وكان أكثر بدانة أو اكتنز لحماً أكثر فوق عظامه، فلربما كان أقل حساسية وعصبية وأقل نزقاً وانفعالاً. وكان كريماً حذراً حريصاً على مشاعر الناس وحقوقهم. وكان عادة مرحاً ودوداً طلق المحيا مفعماً بالحيوية والنشاط، وكان أهلاً للصداقة الحميمة الوثيقة. وما أسرع ما كان يغتفر أية إساءة لا تجرح كبرياءه، ولكنه لم يكن يحتمل في صبر أي نقد أو عمل عدائي (وكان يقول أني أحسد الحيوانات على شيئين، جهلها مما قد ينتابها من مصائب بما يقال عنها(72)) وأثار ذكاؤه الحاد حفيظة كثير من الأعداء، فحمل عليه فريرون وبيرون وديفونتين وهاجموا أراءه في عنف أشد من عنف رجال الدين في مهاجمته. ولسوف نسمع منهم شيئاً فشيئاً. ورد عليهم فولتير الضربات بمثلها على الرغم من نصح مدام شاتيليه له بالتزام الصمت، ووجه إليهم أقذع السباب والشتائم، وجند أصدقاءه لشن الحملات عليهم. وكم وجدت المركيزة مشقة في منعه من الذهاب إلى باريس ليعنف ديفونتين أو يتحداه، بل أنه فكر في مناشدة الرقابة أن يحظر نشر ما يكتبه ألد أعدائه. لقد كان في فولتير كل شوائب مناقبة ومزيد من الشوائب.

ووجد فولتير في رامو (الموسيقار) شخصاً نزقاً مزهواً سريع الغضب مثله. وكان تعاونهما في العمل امتحاناً قاسياً لكل منهما. ولكن أخيراً اكتمل نص الأوبرا والموسيقى وقام الممثلون والموسيقيين بعمل تجربة للرواية. وفي 23 فبراير 1735 عُرضت "أميرة نافار"-ولقيت ما كان مقدراً لها من نجاح. وبعد ذلك بشهر خصصت لفولتير حجرة في فرساي تقارب ما وصفه في رسائله الخاصة بأنها "أقذر حجرة في فرساي" وتبوأت مركيزة شاتيليه من جديد في الحاشية مكانها الذي كانت قد ضحت به من أجل فولتير. وحصلت آنذاك على الامتياز المذهل وهو الجلوس في حضرة الملكة. وكان في صعود نجم مدام دي بمبادور تدعيم لمركز فولتير فقد تعرف عليها حين كانت مدام دتوال، وزارها في دارها، وكتب في مديحها شعراً تافهاً، وبناء على إلحاح منها عينه الملك (أول أبريل) مؤرخ الملك براتب قدره ألفي جنيه في العام.

وسرعان ما اقتضت الظروف أن يثبت جدارته ووجوده، ذلك أنه في 11 مايو 1745 هزم الفرنسيون الإنجليز في فونتنوي فطلب دار جنسون قصيدة غنائية تخلد هذا الانتصار. ونظم فولتير 350 بيتاً من الشعر في ثلاثة أيام طبعت خمس طبعات على مدى أسبوعين. وأحب الملك فولتير لفترة وجيزة، وأصبح فولتير شاعر حرب. وزيادة في تخليد ذكرى النصر كلف فولتير ورامو بإعداد أوبرا المهرجان. وأبرزت أوبرا "معبد المجد العظيم" أي تراجان-أي لويس الخامس عشر-عائداً من المعركة ظافراً منتصراً، وخصص لفولتير في تلك الأمسية مكان على مائدة الملك، وأكلا معاً طعاماً شهياً، ولكن فولتير سأل ريشيليو في لهفة: هل تراجان راض؟ ولكن الملك سمعه مصادفة ورأى أنه وقح جرئ بعض الشيء فلم ينبس إليه ببنت شفه.

وثمل فولتير بمزيج من الشهرة والانتساب إلى الحاشية الملكية، فبدأ حملة جديدة للانضمام إلى مجمع الخالدين (الأكاديمية الفرنسية) ولم يأل أي مجهود في تحقيق مأربه. وفي 17 أغسطس 1745 أرسل نسخة من رواية "محمد" إلى البابا بندكت الرابع عشر، يسأله أن يهديها إليه. وفي 19 سبتمبر رد البابا اللطيف: سعدت الليلة الماضية بروايتك "محمد" التي قرأتها بشغف وسرور عظيم. وإني لأقدر مواهبك أكبر تقدير ، وهذا أمر يعترف به الجميع... وأني لأكبر كل الإكبار نبلك وإخلاصك... وإني هنا أمنحك بركتي الرسولية(73)".

واغتبط فولتير بهذا الوسام أيما اغتباط حتى أنه كتب إلى البابا تقديراً حاراً ختمه بقوله: بكل إجلال وتقدير واحترام أقبل قدميك المقدستين(74)وأعلن إلى باريس تمسكه بالمذهب الكاثوليكي وإعجابه باليسوعيين، وأطنب في مدائحه لمدام بمبادور والملك. وتوسلت بمبادور إلى الملك وقبل الملك رجاءها. وأخيراً في 9 مايو 1746 وافقت الأكاديمية على الانضمام أمير الشعراء في هذا العصر والكتاب المسرحيين فيه إليها. وزيادة في تكريمه وتدعيم مركزه عين في 22 ديسمبر موظفاً في الحاشية الملكية مخصصاً للقيام على شئون الملك.

وربما تسنى له في أيام النجاح والعيش الرغيد هذه أن يكتب رواية "بابوك أو الدنيا كما هي" وبابوك رجل من سكيزيا (إقليم قديم في جنوب شرقي أوربا وجنوب غربي آسيا) يجول ليرى الدنيا، وبخاصة كيف تسير المور في فارس (أي فرنسا) وأصابه الذهول والفزع لما رأى من الحروب والفساد السياسي وشراء الوظائف وجباية الضرائب وثراء رجال الدين. ولكن ترحب به سيدة (مدام دي بمبادور) استماله جمالها وثقافتها وكياستها إلى "المدينة" ويرى بابوك هنا وهناك بعض مظاهر الكرم ونماذج للأمانة. ثم يزور رئيس الوزراء (تذكير بالكاردينال فليري) ويجده يعمل جاهداً لإنقاذ فارس من الفوضى والهزائم، ويخلص إلى أن الأمور تسير سيراً حسناً بقدر ما تسمح به الظروف الراهنة للطبيعة البشرية للتعليم، وأن الدنيا بوضعها الحاضر لا تستحق التدمير بعد، وأن الإصلاح خير من الثورة، أما بالنسبة لشخصه هو على أية حال فإنه سيقلد الحكماء الحقيقيين الذين سيعيشون بينهم وبين أنفسهم في عزلة وهدوء(75). فهل شعر بالوحشة والشوق إلى سيري فعلاً؟

إنه على أية حال لم يكن لائقاً ليعمل في البلاط. فإنه بطريقة تعوزها اللباقة إلى حد لا يصدق احتفل بانتصار الفرنسيين في برجن آوب زوم بقصيدة صور فيها الملك لويس الخامس عشر طائراً من ميدان المعركة إلى أحضان بمبادور، وعهد إليهما معاً بمهمة الاحتفاظ بالفتوحات واستبد الغضب بالملكة وبأبنائها، وأستنكر نصف أفراد البلاط وقاحة الشاعر، وفي الوقت عينه كانت دي شاتيليه قد انغمست في لعب الميسر، وفي ليلة واحدة خسرت 84 ألف فرنك، وأنذرها فولتير بالإنجليزية وهو واقف إلى جوارها بأنها تغش في اللعب. وفهم بعض اللاعبين ذلك واحتجوا وترامت أنباء هذه الصراحة المخزية إلى أفراد الحاشية، فلم تترك للشاعر صديقاً في فرساي أو فونتنبلو، وهرب فولتير وأميلي إلى سكو (1747) ليقيما لدى الدوقة دي مين التي ما زالت على قيد الحياة، وهناك بقي لمدة شهرين في جناح منفرد (منعزل) بعيد عن أنظار الناس، وهناك حاول أن ينسى ورطته ومحنته بالانصراف إلى كتابة بعض القصص الرومانسية المرحة التي ساعدت على ان تجعل منه أعظم المؤلفين شعبية في الأدب الفرنسي. وواضح أنه قرأها ذات يوم على الضيوف المقربين الذين تألفت منهم حاشية الدوقة الخاصة. ومن هنا كان إيجاز هذه القصص وما فيها من هجاء مرح وسخرية لطيفة.

وأطول هذه القصص التي كتبت فيما بين عامي 1746، 1750 هي "زاديج أو سر القدر" وزاديج شاب بابلي لطيف غني تلقى أحسن تعليم، عاقل قدر ما يمكن أن يكون الإنسان عاقلاً واسع الإطلاع على علوم قدامى الكلديين، فهم أصول ومبادئ الفلسفة الطبيعية، وعرف من الميتافيزيقا ما يمكن أن يعرف في أي عصر، أي القليل منها أو لا شيء على الإطلاق(76). وكان على وشك أن يتزوج من سمينا الجميلة حين هاجمه بعض قطاع الطرق، وأصابوه بجرح تحول إلى خراج في عينه اليسرى، واستدعى هرمز الطبيب المشهور من ممفيس وفحص الجرح، ثم أعلن أن زاديج لا بد أن يفقد عينه، ولو أنه في العين اليمنى لأمكن علاجه بسهولة، ولكن الجروح في العين اليسرى غير قابلة للشفاء. وأعلنت سمينا أنها تنفر نفوراً لا سبيل إلى مقاومته من الرجال ذوي العين الواحدة، ومن ثم هجرت زاديج وتزوجت من غريمه. وفي ظرف يومين التأم الجرح من تلقاء نفسه وشفيت العين تماماً، ويؤلف الطبيب هرمز كتاباً يثبت فيه أن هذا مستحيل، ويدخل زاديج السرور على قلب الملك موابدار بنصائحه الغالية، وعلى قلب الملكة آستارت بنظراته الحانية فتقع في شراك غرامه، ويهرب زاديج إلى مدينة نائية. وفي الطريق يرى رجلاً يضرب امرأة، ويستجيب في شجاعة لصرخاتها طلباً للمساعدة، فيتدخل بينهما ويهاجمه الرجل بعنف ولكنه يرد به قتيلاً. وتسبه المرأة بألفاظ جارحة لأنه قتل عشيقها. ويمضي زاديج في طريقه ويؤخذ ويباع بيع الرقيق. عندئذ تصور زاديج "الناس كما هم في حقيقة أمرهم...... حشرات يفتك بعضها ببعض من أجل قطرة من طين".


وقص "ممنون الفيلسوف" حكاية رجل اعتنق يوماً الفكرة الجنونية بأنه متعقل كل التعقل ولكنه وجد نفسه قاصراً قصوراً بائساً عاجزاً يواجه مئات الكوارث، فيقرر أن الأرض مستشفى كبير للأمراض العقلية تقوم الكواكب الأخرى بترحيل المجانين فيها إليه(77).

أما رحلات سكارمنتادو فهي تطوف بشاب من كريت من بلد إلى بلد حيث يكتشف له في كل يوم مشاهد جديدة من التعصب أو الخداع أو القسوة أو الجهل. ففي فرنسا تجتاح الحروب الدينية المقاطعات، وفي إنجلترا تحرق الملكة ماري خمسمائة من البروتستانت، وفي أسبانيا ينشق الشعب في لذة رائحة المهرطقين الذين ألقي بهم في النار، وفي تركيا ينجو سكارمتادو من الختان بأعجوبة، وفي فارس يتورط في الصراع بين طائفتي السنة والشيعة من المسلمين، وفي الصين يتهمه اليسوعيون بأنه شخصية بارزة من طائفة الدومنيكان، وأخيراً يعود إلى كريت "ومذ رأيت الآن كل ما هو نادر أو خير أو جميل على الأرض، فقد وطدت العزم على ألا أرى في المستقبل شيئاً غير بلدي، وتزوجت وسرعان ما أدخلني الشك في خيانة زوجتي، ولكني على الرغم من هذا الشك وجدت أن هذه هي لأسعد ظروف الحياة(78).

وتوسع ميكروميجاس في أفكار النسبية التي استخدمها سويفت في رحلات جلليفر. والسيد ميكروميجاس رجل يصلح للإقامة في نجم الشعري اليمانية، وطوله 120 ألف قدم وعرض صدره خمسون ألفاً، وطول أنفه 6.333 قدماً. عندما بلغ 670 عاماً من العمر ذهب ليستزيد من التعليم.

وبينما هو يحوم في الفضاء هبط على كوكب الزحل فسخر من الأقزام هناك، حيث بلغ طول الناس هناك ستة آلاف قد أم نحوها، وتعجب كيف يتسنى لسكان زحل المعدمين هؤلاء الذين ليس لهم إلا 72 حاسة فقط أن يعرفوا الحقيقة وسأل أحد السكان إلى أي حد من العمر تعيشون؟ فصاح ساكن زحل واحسرتاه! قليل جداً منا يعيشون لأكثر من 500 دورة حول الشمس (وهي بحسابنا نحن تصل إلى نحو 15 ألف سنة) وهكذا ترى أننا بشكل ما نموت في اللحظة التي نولد فيها.... وما أقل ما نتعلمه حين ينزل بنا الموت قبل أن نستفيد من خبرتنا(79). ويدعو ساكن الشعري اليمانية ساكن زحل إلى مصاحبته لزيارة كواكب أخرى، فتتعثر أقدامهما على كوكب الأرض، وتبتل قدما ساكن الشعري، ويكاد ساكن زحل يغرق وهما يسيران فوق البحر المتوسط. فلما وصلا إلى البر رأيا حشوداً من الأهالي صغار الأجسام يتمركزون هنا وهناك في اهتياج شديد، وعندما يتضح لساكن الشعري اليمانية أن مائة ألف من سكان الأرض هؤلاء يلبسون القبعات وعدداً مساوياً يضعون العمائم، يقتلون ويطيح بعضهم برؤوس بعض في صراع (الحروب الصليبية) حول ركام من التراب (فلسطين) لا يكاد يعلو على عقبيه يصيح ساخطاً. مستاءً: أيها الكفار الأوغاد... قلبي يحدثني أن أتقدم خطوتين أو ثلاثاً لأسحق تحت قدمي وكر السفاحين الحمقى بأسره(80).

وكل هذا كان عاماً ساراً بهيجاً، وكان يمكن أن يمر دون أن يحرك أحد ساكناً. ولكن فولتير في 1748 عكر صفو باريس بنشرة صغيرة "صوت الحكماء وصوت الشعب" هاجم فيها كنيسة فرنسا في نقطة حساسة، تلك هي "أملاك الكنيسة في فرنسا"، حيث ينمو العقل ويتطور يوماً بعد يوم، فإن العقل يعلمنا أنه يجدر بالكنيسة أن تسهم في نفقات الأمة بنسبة مواردها، وأن الهيئة التي نصبت نفسها لتلقين مبادئ العدالة يجدر بها أن تبدأ بنفسها لتكون قدوة للعدالة ونموذجاً لها ورغم أن الأديار تضيع أقوات الشعب وموارد الأرض في خمول عقيم، واتهم "الخرافة" بقتل الحكام وإراقة بحور من الدماء في الاضطهادات والحروب، وذكر الملوك بأن أحداً من الفلاسفة لن تمتد يده على مليكه، وإذا اتحد الملوك مع العقل وجردوا أنفسهم من الخرافة فكم يكون الناس أسعد وأهنأ بالاً. وقل أن أثارت رسالة موجزة مثل هذه العاصفة الهوجاء. ونشرت خمس عشرة رسالة مضادة للرد على رسالة "صوت الحكماء وصوت الشعب" التي لم يذكر اسم مؤلفها.

وأثناء إقامة فولتير في فصل الشتاء في سكو سددت مدام دي شاتيليه ديون القمار، وهدأت من روع الرابحين، وخففت من استيائهم لما نعتهم به فولتير، وأعادته إلى باريس حيث أشرف على نشر قصصه الصغيرة، ووجد من الحكمة على الرغم من المشقة والتعب أن يلبي دعوة ستانسلاس لزكزنسكي لزيارة بلاطه في لونفيل-على بعد نحو 18 ميلاً من نانسي عاصمة اللورين. وبعد رحلة مرهقة وصل الحبيبان إلى لونفيل (1748) ولكن بعد أسبوعين وصل كتاب من دارجنتال ينبئ به فولتير بأن ممثلي الكوميدي فرانسيز على استعداد لتجربة روايته سمير اميس، وإنهم في حاجة إليه لمعاونتهم في تفسير أبياتها. وكانت هذه الرواية تعني الشيء الكثير لديه، وكانت بمبادور من طيبة نفسها الآثمة قد أعادت إلى المسرح كربيون (الأب) الفقير المعدم وهيأت له سبيل النجاح. وكان ماريفو قد نجا سر فاعتبر مسرحيات الشيخ الهرم أعلى مرتبة من مسرحيات فولتير. وكان الشاعر النحيل الجسم قد اعتزم أن يثبت تفوقه بكتابة روايات في نفس الموضوعات التي كان كربيون قد طرقها. ومن ثم أسرع فولتير إلى باريس تاركاً أميلي في حرية مهلكة في لونيفل. وفي 29 أغسطس 1748 عرضت سميراميس لأول مرة عرضاً ناجحاً. وبعد العرض الثاني أسرع متنكراً إلى مقهى بركوب واستمع إلى تعليقات من شهدوا المسرحية. وكانت ثمة تعليقات امتدحت الرواية وأطرتها، تقبلها فولتير على أنها من حقه، وثمة آراء أخرى انتقصت من قدرها وهاجمتها. وقد آلمته هذه أيما إيلام، حيث كان عليه أن يحتملها صامتاً، ولكنه استفاد مما وجه إلى المسرحية من نقد، فنقحتها واستمر عرضها طويلاً، وهي تعد الآن من أحسن مسرحياته.

وأسرع ثانية في جو سبتمبر العاصف عبر فرنسا إلى لونفيل، وكاد يموت في الطريق عند شالون، ولما استحثه فردريك الأكبر على المضي إلى بوتسدام اعتذر بأن المرض أفقده نصف سمعه وعدة أسنان من أسنانه، إلى حد أنه لن يكون إلا مجرد هيكل في برلين. فأجاب "تعال بلا أسنان وبلا أذنين، إذا لم يكن بد من الحضور على هذه الصورة، ما دام أن هذا الشيء الذي بتعذر تعريفه، والذي يمكنك من التفكير، والذي يوحي بكل ما جميل، سيحضر معك"(82)ولكن فولتير آثر المقام مع أميلي.


موت الحبيبة

أحب الملك الصالح ستانسلاس الأدب، وكان قد قرأ فولتير وأصابته عدوى عصر الإستنارة، وفي 1749 كان الملك بصدد نشر بيانه "الفيلسوف المسيحي" الذي كانت ابنته ملكة فرنسا قد قرأته في استياء حزين. وحذرته من أن آراءه يشتم منها أنها نابعة من آراء فولتير إلى حد كبير. ولكن الشيخ الهرم استساغ آراء فولتير كما أعجب بذكائه. وكما أنه كان له أيضاً محظية (هي المركيزة دي بوفلرز) فأنه لم يجد تناقضاً في أن يتخذ من الشاعر محظياً له في بلاطه. كما عين، فوق ذلك، زوج أميلي المتحرر الواسع الأفق كبير مديري قصره براتب قدره ألفا كراون سنوياً.

وكان ثمة موظف آخر في بلاط ستانسلاس، هو المركيز جان فرانسوا دي سانت لامبرت، قائد الحرس. وكانت مدام دي شاتيليه قد التقت به لأول مرة في 1747، وكان هو في الحادية والثلاثين وهي "في الحادية والأربعين. وكانت تلك سن خطيرة لامرأة لم يعد عشيقها إلا مجرد صديق حميم. وفي ربيع 1748 بدأت تكتب للضابط الوسيم رسائل غرام تكاد تتسم بحماسة البنات الصغيرات وخلاعتهن: "تعال إلي بمجرد أن ترتدي ملابسك" سأطير إليك بعد أن أتناول العشاء. "واستجاب سانت لامبرت مغازلاً متودداً. وذات مرة في أكتوبر فاجأهما فولتير في خلوة مظلمة يتبادلان أحاديث الحب والهيام. إن أعظم الفلاسفة هو وحده الذي يتقبل هذه الفعلة النكراء، الخيانة، في هدوء وتسامح. ولم يثر فولتير لهذا الوضع على الفور، وأنبهما في شيء من الهذر والمزاج، ولكنه أوى إلى غرفته حين عرض سانت لامبرت تسوية الأمر معه-أي يقتله عند الفجر. وقصدت أميلي إلى فولتير في الثانية صباحاً، وأكدت له حبها الخالد، ولكنها ذكرته في رفق "بأنك لزمن طويل شكوت... من قواك أن تنهار... فهل يسيء إليك أن يحل أحد أصدقائك محلك؟" وعانقته ولاطفته ودللته بأسماء الدلال التي كانت تناديه بها، فخفت سورة غضبه وقال "آه أنت على حق دائماً يا سيدتي. ولكن طالما كان لزاماً أن تجري المور على هذا النحو فلا أقل من ألا تجري تحت سمعي وبصري" وفي الليلة التالية قصد سانت لامبرت إلى فولتير واعتذر له على تحديه. وعانقه فولتير وقال له "أي بني، لقد نسيت كل شيء. إني أنا المخطئ، أنت في زهرة عمر الشباب والحب والمتعة، فاستمتع بهذه اللحظات، فأنها قصيرة. إن هذا العاجز المريض مثلي لا يصلح لهذه الملذات" وفي الليلة التالية تناول ثلاثتهم العشاء معاً(83).

واستمر هذا الثلاثي "حتى ديسمبر حين اعتزمت السيدة دي شاتيليه الذهاب إلى سيري لتدبير شؤونها المالية. وصحبها فولتير، وجدد فردريك دعوته. وكان فولتير يميل الآن إلى تلبيتها. ولكن المركيزة فور وصولها إلى سيري أسرت إليه بأنها حامل، وأنها في مثل هذا السن وكانت آنذاك في الثالثة والأربعين، لا تتوقع أن تعيش بعد الولادة. وكتب فولتير إلى الملك فردريك ألا ينتظر قدومه. كما طلب إلى سانت لامبرت أن يحضر إلى سيري. وهناك اتفق العشاق الثلاثة على خطة لتأمين شرعية الطفل. واستحثت السيدة زوجها على القدوم إلى سيري للتعجيل بإنجاز بعض المهام. ولم ينزعج الزوج لوجود عاشقين آخرين إلى جانب زوجته يكملان شخصه، بل سعد كل السعادة حين استقبلوه بالترحيب وأكرموا وفادته. وازدانت المركيزة بأبهى زينة وأزهى حلة، ولاطفته أعظم ملاطفة، وشرب وثمل حتى كان ما كان (مما لست أذكره) وبعد بضعة أسابيع أبلغته أنها قد ظهرت عليها أعراض الحمل. واحتضنها في زهو وفرح. وأعلن عن الحادث السعيد المرتقب إلى كل الناس، وتقدم إليه الجميع بالتهنئة. ولكن فولتير وسانت لامبرت اتفقا على "أن يعد الطفل من بين أعمال مدام شاتيليه المتنوعة"(84)وعاد المركيز (الزوج) وسانت لامبرت إلى عملهما.

وفي فبراير 1749 عادت أميلي وفولتير إلى باريس وانصرفت هي إلى ترجمة قوانين نيوتن بمعاونة كليرو. وثمة رسالتان إلى سانت لامبرت (18، 20 مايو) تكشفان عن شخصيتها: "كلا: إنه ليس في مقدوري أن أعبر عن تقديسي وحبي لك حب عبادة. لا تلمني على نيوتن، ويكفيني عذابي بسببه. وما ضحيت قط بشيء قدر تضحيتي للعقل ببقائي هنا لإنجازه.. أنا أستيقظ في التاسعة، وأحياناً في الثامنة صباحاً. وأتناول القهوة، واستأنف العمل في الرابعة، وأتوقف عنه في العاشرة... وأتجاذب أطراف الحديث مع فولتير حتى منصف الليل وهو يتناول معي العشاء. وفي منتصف الليل أعود إلى العمل في نيوتن واستمر حتى الخامسة صباحاً. إني أنجز هذا الكتاب من اجل العقل والشرف ولكني أحبك أنت وحدك"(85). وفي 10 يونيه جدد فردريك بسرعة دعوة فولتير إلى الحضور إلى بوتسدام ظناً من الملك أن سانت لامبرت قد أعفى فولتير من أية مسئوليات أخرى يلتزم بها تجاه دي شاتيليه، فأجاب فولتير "حتى فردريك الأكبر نفسه لا يستطيع أن يحول بيني وبين القيام بالواجب لا يمكن أن يحلني منه أي شيء... لن أتخلى عن سيدة قد تعاجلها المنية في سبتمبر. والأرجح أن عملية الوضع ستكون خطيرة جداً عليها، ولكن إذا كتبت لها النجاة، فإني أعدك يا مولاي أن أحضر في أكتوبر وأقدم ولائي لجلالتكم(86)".

وفي يوليه صحبها إلى لونفيل لتكون تحت رعاية طبية خاصة. إن خوف الموت أزعجها كل الإزعاج-يختطفها الموت في الوقت الذي وجدت فيه الحب من جديد، وفي الوقت الذي كانت فيه سني دراستها وبحثها على وشك أن تتوج بنشر كتابها. وفي 10 سبتمبر أنجبت طفلة. وفي اليوم العاشر من سبتمبر فارقت الحياة بعد أن عانت كثيراً. واستبد الحزن والأسى بفولتير فزلت قدمه وهو يغادر غرفتها وسقط على الأرض، وظل فاقد الوعي فترة من الوقت. وساعده سانت لامبرت على الأفاقة من غشيته. وقال فولتير عندئذ: "آه يا صديقي أنت الذي قتلتها... يا إلهي! ما الذي أغراك بأن تصل بها إلى هذه الحالة؟!" وبعد ذلك بثلاثة أيام طلب فولتير من لونجشامب الخاتم الذي خلعوه من يد السيدة المتوفاة. وكانت صورته منقوشة عليه يوماً ما وجده السكرتير في يد لامبرت، وتعجب فولتير قائلاً: "هكذا النساء. لقد خلعت صورة ريشيليو من هذا الخاتم، ثم جاء سانت لامبرت فطردني... هذا هو نظام الطبيعة.. شخص ينتزع مكان آخر.

وهكذا تسير الأمور في هذه الدنيا(87)". ووريت مدام دي شاتيليه التراب في لونفيل في أروع مظاهر المهابة والجلال في بلاط ستانسلاس، وسرعان ما تبعتها طفلتها.

وعاد المركيز وفولتير إلى سيري ومن هناك رد على بعض رسائل التعزية التي تلقاها من باريس: "أنتم عزائي، يا ملائكة الرحمة أنتم تجعلونني أحب بقية أيامي التعسة. إنني أعترف لكم أن البيت الذي أظلها على الرغم مما يثير في نفسي من أشجان، ليس كريهاً عندي... أنا لا أهرب من أي شيء يحدثني عنها ويذكرني بها. إني أحب سيري... والأماكن التي زانتها عزيزة على أنا لم أفقد سيدة ، بل فقدت نصف نفسي. فقدت نفساً خلقت لها نفسي، فقدت صديقة عشرين عاماً، عرفتها في طفولتها. إن أكثر الآباء عطفاً وحناناً لا يحب ابنته الوحيدة إلا كما أحببت أنا هذه السيدة. وبودي أن أجد في كل مكان ما يذكرني بها. وأحب أن أتحدث مع زوجها ومع ابنها(88).

ومع ذلك أدرك فولتير أنه سيذبل ويذوي إذا بقى مترملاً سيري الموحشة المنعزلة. وأرسل كتبه وأجهزته العلمية ومجموعته الفنية إلى باريس، وسافر في أثرها في 25 سبتمبر 1749. وفي 12 أكتوبر استقر به المقام في العاصمة، في قصر واسع الأرجاء في شارع ترافرسبير.

مدام دنيس

كان من اليسير على فولتير أن يقنع ابنة أخته بالحضور لتكون ربة البيت حيث كانت لفترة من الوقت خليلته. ولدت ماري لويز مجنو Mignot (1712) وهي ابنة كاترين أخت فولتير. وعندما توفيت كاترين (1726) تكفل فولتير برعاية أولادها. وفي 1737، عندما بلغت ماري السادسة والعشرين، دفع لها خالها صداقاً محترماً حيث تزوجت من الكابتن نقولا شارل دنيس، وكان موظفاً صغيراً في الحكومة.

وتوفي الزوج بعد ست سنوات من زواجه، وفي نفس الوقت الذي انتقل فيه فولتير والمركيزة دي شاتيليه إلى باريس. والتمست الأرملة بعض السلوى والعزاء بين ذراعي فولتير، ووجد هو بعض الحرارة والدفء بين ذراعيها. وواضح أن حب الخال سرعان ما تحول إلى شيء غير مشروع. وفي رسالة مؤرخة في 23 مارس 1745 خاطب فولتير ابنة أخته بقوله "محبوبتي، عزيزتي"(89) وقد تكون هذه العبارة حب برئ ولكن في ديسمبر، أي قبل عامين من لقاء المركيزة بسانت لامبرت كتب فولتير إلى الأرملة الطروب رسالة يجدر اقتباسها حرفياً حتى يمكن تصديقها: "أقبلك ألف قبلة. روحي تقبل روحك، إن قلبي مفتون بك. أقبل كل شيء فيك"(90).

وحذفت مدام دنيس بعض الألفاظ تواضعاً وخجلاً، ولكن المفروض أنها أجابت برسالة غرامية، لأن فولتير كتب لها من فرساي في 27 ديسمبر 1745: "عزيزتي، تقولين إن كتابي إليك بعث السرور والنشوة حتى في حواسك كلها. وأنا مثلك تماماً. فلم أكد أقرأ العبارات الممتعة التي جاءت في كتابك حتى التهبت مشاعري من الأعماق. وأوليت كتابك كل الإجلال الذي أحب أن أوليه لشخصك كله، سأحبك حتى الممات"(92). وفي ثلاث رسائل بعث بها إليها في 1746 "إني أقبلك ألف قبلة"(93). بودي أن أعيش عند قدميك وأموت بين ذراعيك..(94)"متى يكون في مقدوري أن أعيش إلى جوارك وينساني العالم بأسره؟"(95) وفي 27 يوليه 1748 كتب يقول: "سأحضر إلى باريس من أجلك أنت إذا سمحت ظروفي سيئة. وسألقي بنفسي عند قدميك. وأقبل كل مفاتنك. وفي نفس الوقت أطبع ألف قبلة على كل موضع في جسمك الذي غمرني بفيض من اللذة والبهجة"(97).

في عمر الرجال، مثلما هو في عمر النساء، فترة خطيرة، وهي عندهم أطول، ويرتكبون فيها حماقات لا تصدق. وكان فولتير ألمع شخصية في القرن الذي عاش فيه، ولكن لا يجدر بنا أن نعده من بين الفضلاء الحكماء، فكثيراً ما اقترف هذه السخافات والعمال الطائشة وتردى في هذه التصرفات المتطرفة ونوبات الغضب الصبيانية، مما سر أعداءه وأزعج أصدقاءه. إنه وضع نفسه تحت رحمة ابنة أخته التي كان واضحاً أنها مغرمة به، ولكنها أحبت نقوده حباً متزايداً. إننا نجدها تستغل سيطرتها عليه لتزيد من ثروتها، حتى يوم وفاته. إنها لم تكن امرأة رديئة بمقاييس العصر. ولكنها ربما جاوزت حدود عمرها باتخاذها سلسلة من العشاق-باكولار دارنو، مارمونتيل، مركيز دي اكسيمين-لتستكمل رعاية خالها.(98)ووصفها مارمونتيل مادحاً في 1747 "إن هذه السيدة مقبولة بكل ما فيها من قبح. إن شخصيتها البسيطة غير المتكلفة تشربت مسحة من شخصية خالها. وكان فيها كثير من ذوقه ومن مرحه وأدبه الجم، ومن هنا كان السعي إلى الاجتماع بها والتودد إليها"(99).

وفي يوم وفاة مدام شاتيليه كتب فولتير إلى ابنة أخته: "ابنتي العزيزة، فقدت اليوم صديقة عشرين عاماً. ولوقت غير قصير-كما تعرفين. لم أكن أنظر إلى مدام دي شاتيليه على أنها امرأة (هكذا). أنا واثق أنك ستشاطرينني الحزن الشديد عليها. إنه من المؤسف حقاً أن أراها تفارق الحياة في مثل هذه الظروف ولمثل هذا السبب، وأنا لا أتخلى عن المركيزة دي شاتيليه في هذه المحنة المتبادلة.... سأحضر من سيري إلى باريس لأحتضنك بين ذراعي، والتمس فيك عزائي وأملي الوحيد في الحياة(100).

وطوال الشهور الثمانية التي قضاها في العاصمة، تلقى فولتير من فردريك الأكبر رسائل كثيرة يستحثه فيها على الحضور، وكان هو يميل إلى قبول الدعوة. وعرض عليه فردريك أن يشغل وظيفة كبيرة في البلاط، مع دار خاصة بالمجان براتب قدره 5000 تالر في العام.(101) ولكن فولتير الذي كان من رجال مثلما كان فيلسوفاً، طلب إلى ملك بروسيا أن يقرضه بعض المال لتسديد نفقات الرحلة. ووافق الملك في تانيب ماكر، حيث شبه الشاعر بهوراس الذي رأى من الحكمة أن يمزج النافع بالمقبول(102). وطلب إلى فولتير الأذن بالرحيل من ملك فرنسا، ووافق لويس على الفور، قائلاً لخلصائه المقربين: "هذا سيزيد من جنون رجل مجنون في بلاط بروسيا وسيخفف من جنون رجل في فرساي(103). وفي 10 يونية 1750 غادر فولتير باريس إلى برلين.

ألمانيا 1750-1754

لقد رضى حتى هو عن استقباله. فقد اصطنع فريدريش الأكبر العادات الغالية في الترحيب به. كتب فولتير لريشليو يقول "تناول يدي ليقبلها، وقبلت أنا يده، وقلت إنني عبده"(93). وأفرد له مسكن أنيق في قصر سانسوسي، فوق الجناح الملكي مباشرة. ووضعت خيول الملكة ومركباته، وحوذيوه، ومطبخه، تحت تصرفه. وأحاط به أكثر من عشرة خدم يغالون في العناية به، وخطب وده عشرات الأمراء، والأميرات، والنبلاء، والملكة ذاتها. وقد عينه الملك كبيراً لأمنائه براتب قدره عشرون ألف فرنك في السنة، ولكن أهم واجباته كان تصحيح الفرنسية في شعر فردريك وكلامه. ولم يتقدمه في حفلات العشاء غير الملك. وذهب زائر ألماني إلى "أن مطارحاتها أطرف ألف مرة من أي كتاب"(94).

وقد قال فولتير بعد ذلك مستحضراً هذه الأحاديث "لم يحظ مكان آخر في الدنيا بحرية أكبر في الحديث عن خرافات الإنسان"(95).

وقد انتشى طرباً بهذا كله. فكتب إلى دارجنتال (سبتمبر 1750) يقول:

إنني أجد مرفأ ألجأ إليه بعد ثلاثين عاماً من العواصف. أجد حماية ملك، وحديث فيلسوف، وخلالا لطيفة لإنسان محبوب، كلها مجتمعة في رجل ظل ستة عشر عاماً يتوق إلى تعزيتي عن عثرات حظي وتأميني من أعدائي... هنا أطمئن إلى مصير هادئ إلى النهاية. وإذا جاز للإنسان أن يطمئن إلى أي شئ، فهو خلق ملك بروسيا(96).

وكتب إلى مدام دنيس يطلب إليها أن تحضر وتعيش معه في فردوسه. على أنها بحكمة آثرت باريس والعشاق الأصغر، فحذرته من إطالة المكث في بلين. وقالت في خطابها إن صحبة السلطان لا يؤمن جانبها، فهو يغير رأيه ويبدل محاسيبه، وعلى المرء أن يكون على حذر دائماً من أن يعارض مزاجه أو إرادته، وسيجد فولتير نفسه إن عاجلا أو آجلا خادماً وسجيناً أكثر منه صديقاً(97).

وأرسل الفيلسوف الأحمق الخطاب إلى فردريك فكتب له هذا الرد (23 أغسطس) وهو كاره أن يفقد الغنيمة التي تريد الظفر بها:

قرأت الخطاب الذي كتبه ابن أختك من باريس. وإني لأقدر لها الود الذي تكنه لك. ولو كنت مكان مدام دنيس لفكرت كما تفكر، أما وأنا ما أنا، فإني أفكر بطريقة أخرى. وإنه ليحزنني أن أكون سبباً في تعاسة عدو، فكيف إذن أبغي بلية رجل أقدره، وأحبه، يضحي من أجلي ببلده وكل ما هو عزيز على الإنسانية، لا يا عزيزي فولتير، لو أنني تبينت أن انتقال إلى هنا سيحلق بك أقل أذى لكنت أول من يثنيك عنه. وإني لأوثر سعادتك على سروري المفرط بتملكك. ولكنك فيلسوف، وكذلك أنا، فأي شئ إذن أكثر طبيعية، وبساطة، وتمشياً مع نظام الأشياء، من أن يمنح فلاسفة خلقوا ليعيشوا معاً، تربطهم دراسات واحدة، وميول واحدة، وطريقة تفكير مشابهة، يمنح بعضهم بعضاً هذا الإشباع لرغباتهم؟... إنني موقن بأنك ستكون سعيداً جداً هنا، وأنك ستعد أباً للأدب ولأصحاب الذوق، وأنك واجد في كل التعزيات التي يمكن أن يتوقعها رجل له كفايتك من رجل يقدره. مساء الخير(98).

ولم يقتضي تدمير هذا الفردوس من أكبر الفيلسوفين سناً أكثر من أربعة أشهر. لقد كان فولتير مليونيرا، ولكنه، لم يطق أن يفوت عليه فرصة قد تضخم ثروته. ذلك أن بنك سكسونيا كان قد أصدر أوراقاً سميت "شهادات إيراد"، هبطت إلى نصف قيمتها الأصلية. وقد اشترط فردريك في معاهدة درسدن دفع ثمن الأوراق التي اشتراها البروسيون، عند استحقاقها بقيمتها الاسمية ذهباً، واشترى بعض البروسيين الخبثاء بعض هذه الأوراق بثمن بخس في هولندا ثم صرفوا ثمنها كاملا في بروسيا. وفي مايو 1748 حظر فردريك هذا الاستيراد إنصافاً لسكسونيا. وفي 23 نوفمبر 1748 استدعى فولتير في بوتسدام مصرفياً يهودياً يدعى أبراهام هيرشي. وفي رواية هيرش أن فولتير طلب إليه أن يذهب إلى درسدن ويبتاع له بمبلغ 18,430 أيكوسا أوراقاً بسعر خمسة وثلاثين في المائة من قيمتها الاسمية. وزعم هيرش أنه نبه فولتير إلى أن هذه الأوراق المالية لا يمكن جلبها قانوناً إلى بروسيا، وأن فولتير وعده بأن يحميه، وأعطاه خطابات تحويل على باريس وليبزج. وضماناً لهذه المبالغ أودع هيرش لدى فولتير ماسات من قبل بمبلغ 18,430 أيكوسا. ولكن فولتير ندم على هذه الاتفاقات بعد رحيل عميله، وقرر هيرش بعد وصوله إلى درسدن ألا يمضي في تنفيذ العملية. وأوقف فولتير الدفع على خطابات التحويل، وعاد المصرفي إلى برلين. ويقول هيرش إن فولتير حاول أن يرشوه ليسكت، بشراء ماسات قيمتها ثلاثة آلاف أيكوس. وتنازعا على تقدير القيمة وأمسك فولتير برقية هيرش وصرعه(99)؛ فلما لم يتلق ترضية أكثر من هذا جعل السلطات تقبض عليه، وعرض النزاع على المحكمة علناً (30 ديسمبر). وفضح هيرش خطة فولتير لشراء الأوراق السكسنية، فأنكرها فولتير زاعماً أنه أرسل هيرش إلى درسدن لشراء فراء، ولكن أحداً لم يصدقه.

فلما سمع فردريك بهذه الورطة بعث برسالة غاضبة من بوتسدام إلى فولتير في برلين (24 فبراير 1751): لقد سرني أن أستقبلك في بيتي؛ وقدرت عبقريتك، ومواهبك، وعلمك، وكان لي ما يبرر اعتقادي بأن رجلا في مثل سنك أعياه النضال مع الكتاب والتعرض للعاطفة يجئ إلى هذا المكان ليحتمي به احتماءه بمرفأ آمن.

ولكنك حين وصلت انتزعت مني بصورة غريبة بعض الشيء أمراً بألا أكلف فريرون بكتابة الأنباء من باريس، وكان من الضعف... ما جعلني أمنحك سؤلك، مع أنه ليس من حقك أن تقرر أي الأشخاص يجب أن أستخدم. وقد شعرت بأن باكولار دارنو (شاعر فرنسي في بلاط فردريك) أساء إليك، والرجل الكريم السمح كان يعفو عنه، أما المنتقم فيطارد أولئك الذين يطيب له أن يبغضهم... ومع أن دارنو لم يسئ إلي بشئ، فإني طردته بسببك... ثم كانت لك مع يهودي خصومة هي أقذر الخصومات في الدنيا، وقد أثارت فضيحة رهيبة في طول المدينة وعرضها. ومسألة شهادات الإيراد تلك معروفة جيدا في سكسونيا حتى لقد شكوا لي شكاوي مرة.

وإنني من جهتي كنت محافظاً على الهدوء والسلام في بيتي حتى وصلت؛ وإني أنذرت بأنك إن كنت مولعاً بالدس والتآمر فقد أخطأت اختيار من يعينك عليه. فإني أحب الناس المسالمين الهادئين الذين لا يشيعون في سلوكهم انفعالات الدراما المأساوية. فإن اعتزمت العيش عيشة الفلاسفة، فسيسرني أن ألقاك، أما إن أسلمت نفسك لكل سورات غضبك وانفعالك ودخلت في مشاجرات مع كل الناس، فإنك لن تحسن إلي بمجيئك هنا، وخير لك أن تبق في برلين.

وحكمت المحكمة لصالح فولتير. وأرسل إلى الملك اعتذارات ذليلة وعفا عنه فردريك، ولكنه نصحه بأن "يكف عن الشجار، سواء مع العهد القديم أو الجديد"(100). وبعدها أنزل فولتير بيتاً ريفياً لطيفاً يسمى "بيت المركيز" ويقع قرب سانسوسي. وأرسل له الملك تأكيدات باحترامه المجدد، ولكن حماقة فولتير لم تذهب به إلى حد الثقة بها. وبعث له الملك الشاعر قصائد يطلب إليه تهذيب فرنسيتها، وأضنى فولتير نفسه فيها كثيراً وأغضب كاتبها بإدخال تغيرات حادة عليها.

ونظم فولتير الآن قصيدته المسماة "في القانون الطبيعي"، وقد حاولت أن تجد الله في الطبيعة، مقتدية في ذلك بطريقة الكسندر بوب على الأخص. وأهم من هذه القصيدة مضموناً قصيدة "عصر لويس الرابع عشر" التي أكملها وصقلها خلال تلك الأشهر ثم نشرها في برلين (1751). وكان حريصاً على الفراغ من طبعها قبل أن يضطر لسبب ما إلى الرحيل عن ألمانيا لأنها لن تكون بمأمن من الرقابة على المطبوعات إلا في رعاية فردريك. كتب إلى ريشليو في 31 أغسطس" تعلم جيداً أنه ليس هناك (في باريس) رقيب صغير واحد للكتب لا يعتبر تشويه عملي أو مصادرته حسنة أو واجباً"(101). وحظر بيع الكتاب في فرنسا، وأصدر تجار الكتب في هولندا وإنجلترا طبعات مسروقة لم ينقذوا عليها شيئاً؛ فإذا عرفنا هذا فهمنا حبه للمال فهماً أفضل. لقد كان عليه أن يحارب "تجار الكتب الأوغاد"(102) لا رجال الدين والحكومات فحسب.

و "عصر لويس الرابع عشر" أكثر أعمال فولتير وأمانة في الإعداد فقد خطط له في 1732، وبدأت في 1734، ونحاه جانباً في 1738، ثم عاد إليه في 1750. وقد قرأ له مائتي مجلد، وتلالا من المذكرات غير المنشورة، واستشار عشرات الناس ممن بقوا على قيد الحياة بعد العصر العظيم، ودروس الأوراق الأصلية التي كتبها أبطال العصر أمثال لوفوا وكولبير، وحصل من الدوق دنواي على مخطوطات التي خلفها لويس الرابع عشر، ووجد وثائق هامة لم تستخدم إلى ذلك الحين في دار محفوظات اللوفر(103). ووازن بين الأدلة المتضاربة بحكمة وعناية، وحقق مرتبة عالية من الدقة. لقد حاول مع مادم دشاتليه أن يكون عالماً ففشل، والآن اتجه إلى كتابة التاريخ وكان نجاحه في ذلك ثورة.

وقد أعرب قبل ذلك بزمن طويل عن هدفه في خطاب تاريخه 18 يناير 1739:" أن هدفي الأهم ليس التاريخ السياسي والحربي، بل تاريخ الآداب والفنون، تاريخ التجارة، تاريخ الحضارة - وبعبارة موجزة، تاريخ العقل الإنساني. "وأعرب عنه إعراباً أفضل حتى من هذا خطاب كتبه لتييريو في 1736. يقول:

حين طلبت حكايات ونوادر عن عصر لويس الرابع عشر لم أكن أقصد الملك ذاته بقدر ما أقصد الآداب والفنون التي ازدهرت في عهده. وإني لأوثر تفاصيل عن راسين وبوالو، وكينو ولولى، وموليير، ولوبرون، وبوسويه، وبوسان، وديكارت، وغيرهم، لاعن معركة ستنكركي. لم يبق من أولئك الذين قادوا الجيوش والأساطيل إلا اسمهم، ولا ثمر بجنيه النوع الإنساني من مائة معركة كسبت، أما الرجال العظماء الذين ذكرتهم فقد جهزوا مباهج صافية باقية لأجيال لم تولد. فقناة تربط بين بحرين، أو لوحة بريشة بوسان، أو مأساة رائعة، أو حقيقة يماط عنها اللثام، هذه كلها أشياء أثمن ألف مرة من جميع حوليات البلاط، وكل قصص الحرب. وأنت تعلم أن العظماء من الرجال هم الأوائل في نظري، أما "الأبطال" فهم الأواخر. والعظماء عندي هم كل الذين بزوا غيرهم في النافع المبهج. أما الذين يخرجون الأقطار فليسوا أكثر من أبطال(104).

وربما رفع فولتير الأبطال العسكريين من مكانهم في المؤخرة إذا أنقذت انتصاراتهم الحضارة من الهمجية؛ ولكن كان من الطبيعي أن يجد الفيلسوف الذي لم يعرف سلاحاً غير الألفاظ متعة في رفع اضرابه إلى مكان مرموق، واسمه خير بيان لنظريته لأنه لم يزل بعد قرنين من الزمان أبرز الأسماء في ذكرنا لعصره. وكانت نيته في الأصل أن يخصص الكتاب برمته التاريخ الثقافي. ثم أشارت عليه مدام دشاتليه بكتابة "تاريخ عام" للأمم؛ وعليه فقد ألف فصولا في السياسة، والحرب، والبلاط، ليجعل المجلد تتمة متجانسة لكتاب أكبر عنوانه "مقال في التاريخ العام" كان يتخلف تحت قلمه. ولعل هذا هو السبب في أن التاريخ الثقافي غير مندمج في بقية المجلد، فالنصف الأول من الكتاب مخصص للتاريخ السياسي والحربي، ثم تأتى أقسام عن العادات "خصائص ونوادر"، والحكومة، والتجارة، والعلوم، والأدب، والفن، والدين.

وتطلع الكاتب المطارد خلفه في إعجاب إلى العهد كان الملك فيه يكرم الشعراء (إذا لم يحيدوا عن الجادة)؛ وربما كان تشديده على دعم لويس الرابع عشر للآداب والفنون هجوماً جانبياً على عدم اكتراث لويس الخامس عشر بمثل هذه الرعاية. أما وقد برزت الآن عظمة العصر الماضي في هذه الذكرى المموهة "وأغفل ذكر استبداده وغارات خياليه على البيوت، فإن فولتير راح يضفي شيئاً من الكمال على الملك الشمس ويطرب لانتصارات القواد الفرنسيين - وإن وسم بالعار تدمير البلاتينات. ولكن النقد يخفي رأسه أمام هذه المحاولة الحديثة الأولى لكتابه التاريخ المتكامل. وقد أدرك المعاصرون الفطنون أن هذه بداية جديدة- فهي التاريخ يترجم للحضارة، التاريخ الذي حوله الفن والنظرة الصحيحة أدباً وفلسفة. فما انقضى عام على نشره حتى كتب إيرل تشسترفيلد لولده يقول:

لقد أرسل من فولتير إلى برلين كتابه "تاريخ عصر لويس الرابع عشر" وقد جاءني في أوانه، ذلك أن اللورد بولتبروك علمني مؤخراً كيف ينبغي أن يقرأ التاريخ. وها هو ذا فولتير يريني كيف أن يكتب... إنه تاريخ الفهم الإنساني، بقلم عبقري لينتفع به الأذكياء من الناس... وقد تحرر مؤلفه من الأهواء الدينية والفلسفية والسياسية والقومية أكثر من أي مؤرخ صادفته إطلاقاً، ومن ثم فهو يروي هذه الأمور كلها بصدق ونزاهة على قدر ما تسمح له بعض الاعتبارات التي لا مفر دائماً من مراعاتها(105).

وكان فولتير خلال جهوده الأدبية برما بوضعه القلق في بلاط فردريك. ذلك أن لامتري، الرجل المادي النزعة المرح الطبع الذي كان كثيراً ما يقرأ للملك، نقل في أغسطس 1751 إلى فولتير ملاحظة أبداها مضيفهما: "سأحتاج إليه (أي فولتير) سنة أخرى على الأكثر (مهذباً لفرنسية الملك)؛ إن الناس يعتصرون البرتقالة ثم يلقون قشرتها"(106). ويتشكك البعض في صحة نسبة هذه الملاحظة إلى فردريك، إذ لم يكن في طبعه أن يفضي بسره لأحد على هذا النحو، ولم يكن مستحيلاً على لامتري أن يتمنى إقصاء فولتير عن حظوته. كتب فولتير إلى مدام دنيس في 2 سبتمبر يقول "بذلت قصارى جهدي لكيلا أصدق لامتري، ولكني ما زلت حائراً." ثم كتب إليها في 29 أكتوبر يقول "مازلت أحلم بقشرة البرتقالة تلك... وما أشبهني بذلك الرجل الذي كان يسقط من برج فلما وجد نفسه مرتاحاً في الهواء قال لا بأس بهذا الوضع لو دام"(107).

وكان في ألمانيا رجل آخر شارك في المهزلة. وقال فردريك إنه لا بد من زوال واحد من رجلين فرنسيين في بلاط واحد(108) ذلك أن موبرتوي عميد أكاديمية برلين، كان لا يتقدم عليه مقاماً بين ضيوف الملك في سانسوسي غير فولتير؛ وكان كلا الرجلين ضيفاً بهذا الجوار؛ ولعل فولتير لم ينس أن مدام دشاتليه كانت يوماً ما مغرمة بموبرتوي. وفي أبريل 1751 أقام فولتير وليمة دعا إليها موبرتوي فلبى الدعوة. وقال له فولتير إن كتابك "عن السعادة" أمتعني كثيراً، باستثناء بضعة غوامض سنناقشها معاً ذات مساء." وعبس موبرتوي وقال "غوامض"؟ قد يكون هناك غوامض بالنسبة لك يا سيدي." ووضع فولتير يده على كتف العالم وقال "سيدي العميد، إنني أقدرك، فأنت رجل شجاع، تريد الحرب. فلتخوضها إذن، ولكن دعنا الآن نأكل شواء الملك"(109). وكتب إلى دارجنتال (4 مايو) يقول "لم يؤت موبرتوي من آداب السلوك ما يفتن كثيراً. إنه يقيس أبعادي بربعيته في خشونة؛ ويقولون أن معلوماته يخالطها الحسد... إنه رجل فيه بعض الفظاظة، وليس اجتماعياً جداً." ثم كتب إلى ابنة أخته دنيس في 24 يوليو يقول"لقد أشاع موبرتوى بدهاء أنني وجدت "أعمال" الملك رديئة جداً، وأنني قلت لبعضهم وأنا أتسلم بعض أشعار الملك (ألا يتعب إرسال غسيله القذر إلى لأغسله"؟(110) وليس من المؤكد أن موبرتوي حمل هذه الشائعة إلى فردريك، ولكن فولتير ظنه مؤكداً، فعقد النية على الحرب.

وكان من إسهامات موبرتوي في العلم "مبدأ الحركة الدنيا"_ أي أن كل التماثيل في عالم الحركة تنجز بأقل قوة تكفي لأحداث النتيجة. وقد تعثر صموئيل كوينيج، الذي دان لموبرتوي بعضويته في أكاديمية برلين، على وثيقة قيل إنها نسخة من خطاب غير منشور كتبه ليبنتز، وسبق فيه إلى وضع هذا المبدأ. وكتب كوينيج مقالا عن هذا الكشف، ولكنه عرضه على موبرتوي قبل أن ينشره، وأبدى استعداده للعدول عن النشر إذا اعترض عليه العميد. غير أن موبرتوي وافق على نشره، ربما بعد أن اطلع عليه على عجل. وطبع مقال كوينيج في عدد مارس 1751 من مجلة "أكتا إيروديتورم" التي تصدر في ليبزج، فأثار نشره ضجة. وطلب موبرتوي إلى كوينيج أن يقدم خطاب ليبنتز إلى الأكاديمية، ورد كوينيج بأنه لم ير غير نسخة منه بين أوراق صديقه هنتسسي الذي شنق في 1749، وأنه نقل نسخة عن هذه النسخة، وهو مرسلها الآن إلى موبرتوي، ولكن هذاعاد فطالب بالأصل. واعترف كوينيج بأن الأصل لا يمكن العثور عليه الآن لأن أوراق هنتسي تبددت بعد موته. وعرض موبرتوي الأمر على الأكاديمية (7 أكتوبر 1751)، فأرسل سكرتيرها إلى كوينيج أمراً نهائياً أصل الخطاب، فلم يستطع. وعليه ففي 13 أبريل 1752 حكمت الأكاديمية بأن خطاب ليبنتز المزعوم مزيف. ولم يحضر موبرتوي هذه الجلسة لأنه شكا نزفاً سببته إصابة بالسل(111). وأرسل كوينيج استقالته من الأكاديمية، وأصدر "نداء إلى الشعب" (سبتمبر 1752).

وكان كوينيج قد أنفق مرة عامين في سيريه ضيفاً على فولتير ومدام دشاتليه. وقرر أن ييضرب ضربة دفاعاً عن صديقه القديم ضد عدوه الحالي. ففي عدد 18 سبتمبر من مجلة "المكتبة العقلانية" ظهر مقال بعنوان "رد عضو في أكاديمية برلين على عضو في أكاديمية باريس" دافع من جديد عن كوينيج وخلص إلى أن:

"السيد موبرتوي مذنب أمام الدوائر العلمية الأوربية لا بالانتحال والخطأ فحسب، بل باستغلال منصبه لمصادرة النقاش الحر، واضطهاد رجل شريف... وقد احتج عدة أعضاء من أكاديمتنا على هذا الإجراء الفاضح، ولولا خشيتهم من إغضاب الملك لتركوا الأكاديمية"(112). وكان المقال غفلا من الإمضاء، ولكن فردريك عرف لمسة فولتير الغادرة. وبدلا أن يقذفه بصاعقة ملكية، كتب رداً وصف فيه الرد المذكور بأنه "خبيث، جبان، دنئ" ووسم كاتبه بأنه "دجال لا يستحي"، "ولص قبيح" و "ملفق للطعون الغبية"(113). وكان هذا الرد أيضاً غفلا من التوقيع، ولكن صفحة الغلاف تحمل الأسلحة البروسية ومعها النسر، والصولجان، والتاج. وأحس فولتير أن كبرياءه قد جرحت، ولم يكن في طاقته قط أن يترك لعدو الكلمة الأخيرة، ولعله وطن النفس على أن يختصم الملك. وكتب لمدام دينس (18 أكتوبر 1752) يقول "لست أملك صولجاناً، ولكني أملك قلماً." ثم استغل غاية الاستغلال نشر موبرتوي مؤخراً (درسدن، 1752) لسلسلة من "الرسائل" اقترح فيها حفر ثقب في الكرة الأرضية، إلى مركزها إن أمكن، لدراسة تركيبها، ونسف هرم من أهرام مصر للكشف عن أسرار هدفها وتصميمها، وبناء مدينة لا يتكلم الناس فيها غير اللاتينية حتى يقضي الطلاب فيها عاماً أو عامين ويتعلموا تلك اللغة كما تعلموا القومية، وألا ينقد الطبيب أجره إلا بعد شفاء المريض، وأن جرعة كافية من الأفيون قد تمكن متعاطيها من التنبؤ بالمستقبل، وأن العناية الصحيحة بالجسم قد تتيح لنا إطالة العمر إلى ما لا نهاية(114). وانقض فولتير على هذه الرسائل انقضاضه على فريسة سهلة، مغفلا بعناية أي فقرة فيها إدراك سليم أو أي لمحات من الفكاهة ثم قذف بالباقي في مرح على قرون دعابته الذكية. وهكذا كتب في نوفمبر 1752 "خطاب الدكتور أكاكيا، طبيب البابا المقيم." وكامة Diatribe (ومعناها الآن هجاء) كانت تعنى يومها خطاباً، أما akakia فكلمة يونانية معناها "غرارة أو غفلة". وقد بدأ الطبيب المزعوم في براءة ظاهرة بتشككه في أن يكون رجل عظيم كعميد أكاديمية برلين مؤلفاً لكتاب بهذا السخف. وعلى أي حال "ليس في عصرنا هذا ما هو أشيع وأعم من أن يزيف مؤلفون صغار جهل على العالم، تحت أسماء مشهورة، كتباً غير جديرة بالمؤلفين المزعومين. فلا بد أن هذه الرسائل هي من هذا الضرب من التزييف، لأنه مجال أن يكون العميد العلامة قد كتب هذا الهراء. وخص الدكتور أكاكيا بالاحتجاج على ذلك الاقتراح بعدم نقد الطبيب أجره إلا بعد شفاء المريض- وهو اقتراح ربما كان يمس وتراً متعاطفاً في صدر فولتير الموجع، ولكن "أينكر الموكل على محاميه أتعابه التي يستحقها لأنه خسر قضيته؟ إن الطبيب يعد مريضه بأن يعينه لا بأن يشفه. وهو يبذل ما في وسعه وينقد أجره على هذا الأساس"، وكيف يكون شعور عضو الأكاديمية إذا اقتطع قدر معين من الدوقاتيات من راتبه السنوي نظير كل غلطة ارتكبها، أو كل قول سخيف فاه به، خلال العام؟ وراح الطبيب يفصل ما اعتبره فولتير أغلاطاً أو سخافات في أعمال موبرتوي(115).

ولم يكن هجاؤه هذا بالبراعة التي يخالها الناس عموماً، فكثير منه معاد وبعض ما فيه من نبش عن الأخطاء تافه غير كريم؛ ونحن نخفي حقدنا في أيامنا هذه بأدب أكثر. ولكن فولتير سر بتمثيليته هذه سروراً لم يستطع معه أن يقاوم بهجة رؤيتها مطبوعة. فأرسل مخطوطة منها إلى ناشر في لاهاي، وأرى الملك في الوقت نفسه مخطوطة أخرى. واستمتع فردريك بقراءة الهجاء(أو هكذا قيل) وكان بينه وبين نفسه يوافق على أن موبرتوي فيه أحياناً غرور لا يطاق، ولكنه نهى فولتير عن نشره، وواضح أنه وجد في لنشر مساساً بكرامة أكاديمية برلين وسمعتها. وسمح له فولتير بأن يحتفظ بالمخطوطة، ولكن الهجاء نشر رغم ذلك في هولندا. وسرعان ما انبثت ثلاثون ألف نسخة منه في أرجاء باريس، وبروكسل، ولاهاي، وبرلين. ووصلت نسخة منها ليد فردريك، فأعرب عن غضبه بعبارات جعلت فولتير يفر إلى مسكن خاص في العاصمة. وفي 24 ديسمبر 1752 رأى من نافذته جلاد الدولة الرسمي يحرق كتابه على الملأ. وفي أول يناير 1753 رد لفردريك مفتاحه الذهبي بوصفه أميناً للقصر، وصليب الاستحقاق الذي خلعه عليه.

وكان الآن مريضاً حقاً، تلهب الحمرة جبينه، وترهق الدوزنتاريا أمعاءه، وتبرى الحمى جسده. فلزم فراشه في 2 فبراير ولم يبرحه طوال أسبوعين، وبدا عليه كما قال زائر عاده في مرضه "كل مظهر الهيكل العظمى"(116). ورق له قلب فردريك، فأوفد طبيبه الخاص ليرعى الشاعر. فلما تحسنت صحته كتب إلى الملك يستأذنه في زيارة بلومبيير، فلعل مياهها تشفى حمرته. وأمر فردريك سكرتيره بأن يرد عليه (16 مايو) "بأن في استطاعته أن يترك هذه الخدمة حين يشاء، وأنه لا حاجة به للاعتذار بمياه بلومبيير، ولكن عليه أن يتكرم قبل رحيله بأن يرد إلى ... مجلد القصائد الذي عهدت به إليه"(117). وفي الثامن عشر من الشهر دعا الملك فولتير للعودة إلى مسكنه القديم في سانسوسي. وأتى فولتير، ومكث ثمانية أيام، وبدا أنه أصلح ما بينه وبين الملك- ولكنه احتفظ بقصائد الملك. وفي 26 مارس ودع فردريك، وتظاهر كلاهما بأن الفراق إلى حين. وقال الملك "اعتن بصحتك قبل كل شئ، ولا تنس أنني أنتظر عودتك بعد استشفائك بالمياه... رحلة طيبة!"(118) ولم يلتقيا بعدها قط.

وهكذا انتهت هذه الصداقة التاريخية، ولكن العداوات السخيفة استمرت. فقد انطلق فولتير مع سكرتيره ومتاعه يتأرجح في مركبته إلى الأمان في ليبزج السكسونية. هناك تلكأ ثلاثة أسابيع بحجة ضعف صحته، وأضاف مزيداً إلى "الخطاب". وفي 6 أبريل تلقى رسالة من موبرتوي يقول فيها:

تقول الجرائد إنك تخلفت في ليبزج لمرضك، ولكن معلوماتي الخاصة تؤكد لي أنك لا تمكث هناك إلا لطبع مزيد من القذف في.. إنني لم أسئ إليك قط، وما كتبت ضدك ولا قلت شيئاً قط. لقد كنت على الدوام أراه أمراً لا يليق بي أن أراد على السفاهات التي رحت تذيعها عني... ولكن إذا صح أن في نيتك العودة إلى مهاجمتي في مسائل شخصية،... فإنني أنذرك بأن في من العافية ما يمكنني من العثور عليك أنى كنت، وأصب جام غضبي وانتقامي عليك(119).

ورغم ذلك طبع فولتير "الخطاب" المنقح، وطبع معه رسالة موبوتوي. وأصبح الكتيب، الذي تضخم الآن حتى بلغ خمسين صفحة، حديث القصور والبلاطات في ألمانيا وفرنسا. وكتبت فلهلمينا من بايرويت إلى فردريك (24 أبريل 1753) تعترف بأنها لم تملك نفسها من الضحك على الخطاب. أما موبرتوي فلم ينقذ تهديده، كذلك لم يمت غيظاً وكمداً كما ظن البعض؛ فلقد عمر ست سنوات بعد الدكتور أكاكيا، ومات بالسل في بازل عام 1759.

وفي 19 أبريل رحل فولتير إلى جوتا، ونزل فندقاً عاماً بها، ولكن سرعان ما أقنعه دوق ودوقة ساكس-جوتا بالنزول ضيفاً عليهما قصرهما. ولما كان بلاطهما الصغير يهتم بالثقافة، فقد جمعت الدوقة الأعيان والأدباء، وقرأ لهم فولتير شيئاً من أعماله، حتى من قصيدة "لا بوسيل المرحة". ثم مضى إلى فرنكفورت -أم على -مين، وهناك أدركته إلهة الانتقام.

ذلك أن فردريك حين تبين أن فولتير يواصل الحرب التي شنها على موبرتوي، خامرته الظنون في أن الشاعر المستهتر قد يذيع على الناس القصائد التي كتبها الملك، والتي لم تزل نسخة منها-طبعت سراً- في حوزة فولتير وهي قصائد في بعضها خروج عن اللياقة، وبعضها يتهكم بالمسيحية، وبعضها يتحدث عن الأحياء من الملوك حديثاً فيه من الدعاية أكثر مما فيه من الاحترام، فمن شأنها أن تنفر منه قوى نافعة. وعليه فقد أرسل إلى فربتاج، المقيم البروسي في فرانكفورت، يأمره بحبس فولتير حتى يسلم "ذلك الهيكل العظمى، الشيطاني" قصائد الملك وشتى الأوسمة التي خلعها عليه إبان "شهر العسل". وكانت فرانكفورت "مدينة حرة"، ولكنها تعتمد على رضى فردريك اعتماداً لم تجرؤ معه على التدخل في هذه الأوامر؛ أضف إلى ذلك أن فولتير كان من الناحية الرسمية لا يزال في خدمة ملك بروسيا وفي إجازة ممنوحة منه. ومن ثم قصد فربتاج في أول يونيو فندق الأسد الذهبي الذي وصل إليه فولتير البارحة، وطلب إليه في أدب أن يسلمه الأوسمة والقصائد. وسمح فولتير للمقيم بأن يفتش متاعه ويأخذ الأوسمة الملكية، أما قصائد الملك فقال إنها على الأرجح في صندوق أرسله إلى همبورج. وأمر فربتاج بوضعه تحت الحراسة حتى يعاد الصندوق من همبورج. وفي 9 يونيو تعزى الفيلسوف المغيظ بوصول مدام دنيس، التي أعانته على التنفس عن غيظه. وقد راعها هزاله "كنت على يقين من أن هذا الرجل (فردريك) قاتلك! "وفي 18 يونيو وصل الصندوق، وعثر فيه على المجلد المحتوى على القصائد، وسلم للمقيم، ولكن في يوم ذاته وصل توجيه جديد من بوتسدام يأمر فربتاج بالاحتفاظ "بالوضع الراهن" لحين وصول أوامر أخرى. فحاول فولتير الهروب بعد أن عيل صبره، وفي 20 يونيو ترك حقائبه مع ابنة أخته وفر هو وسكرتيره خلسة من فرانكفورت.

ولكن فربتاج لحق بهما قبل أن يجتازا الحدود الإدارية للمدينة، وعاد بهما إليهما وأودعهما سجينين في فندق العنزة، لأن "صاحب فندق الأسد أبى أن يستبقي فولتير أطول مما بقي عنده بسبب شحه الذي لا يصدق"(120) (في رواية فربتاج). واستولى آسرو فولتير على نقوده كلها، وعلى ساعته، وبعض جواهره التي يتحلى بها، وصندوق نشوقه-الذي رد إليه سريعاً بناء على توسله لأنه قال إنه لا غنى لحياته عنه. وفي 21 يونيو وصل خطاب من فردريك يأمر بالإفراج عن فولتير، ولكن فربتاج رأى أن الأمانة في أداء الواجب تقتضيه أن ينبئ الملك بمحاولة فولتير الهروب، فهل يطلق سراحه رغم ذلك؟ وفي 5 يونيو وافق فردريك على الإفراج عنه، وأطلق سراحه بعد اعتقاله خمسة وثلاثين يوماً. وفي 7 يونيو غادر فرانكفورت إلى مينز، وعادت مدام دنيس إلى باريس، بأمل الحصول على إذن لفولتير بدخول فرنسا.

وكان نبأ اعتقاله قد ذاع، فاحتفل به القوم وأشادوا به حيثما ذهب، لأن فردريك لم يحبه أحد غير أخته فلهلمينا، أما فولتير فهو رغم شيطنته كلها كان أعظم الأحياء من الشعراء، والمسرحيين، والمؤرخين. وبعد أن قضى ثلاثة أسابيع في مينز رحل في بطانة كبطانات الأمراء إلى مانهايم وستراسبورج (15 أغسطس إلى 2 أكتوبر) حيث أمتع روحه بفكرة وجوده على أرض فرنسية. ثم مضى إلى كولمار (2 أكتوبر) حيث زارته فلهلمينا في طريقها إلى مونبليه وطيبت خاطره "بالأنعامات" واسترد من عافيته ما أوحى إليه ببعض رسائل ظريفة لمدام دنيس التي كانت تشكو ورماً في فخذيها:

بالله يا طفلتي العزيزة ما الذي تريد ساقاك وساقاي أن تقول؟ لو أنها كانت معاً لما شكت مرضاً... إن فخذيك لم يخلقا للألم. فهذان الفخذان اللذان سيقبلان بعد قليل يلقيان الآن معاملة مخزية(121).

وكتب في لهجة أكثر تواضعاً إلى مدام بمبادور يتوسل بنفوذها على لويس الخامس عشر ليسمح له بالعودة إلى باريس. ولكن ناشراً لصاً في لاهاي كان قد نشر طبعة مشوهة سماها "موجز التاريخ العام" اختصر منها كتاب "مقال التاريخ العام" أو "مقال في العزف" الذي لم يتمه فولتير، وقد احتوى نقداً جارحاً للمسيحية. وبيع الموجز بسرعة في باريس، قال لويس الخامس عشر لبومبادور "لست أريد أن يأتي فولتير إلى باريس"(122) وطالب اليسوعيون في كولمار بطرده من تلك المدينة، فحاول أن يسترضى أعداءه الكنسيين بتناوله القربان في عيد القيامة. وكانت النتيجة الوحيدة لهذا العمل أن انضم أصدقاؤه لليسوعيين في رميه بالنفاق. وكان تعقيب مونتسكيو "انظروا إلى فولتير الذي لا يعرف أين يضع رأسه" ثم أضاف "أن النفس الصالحة أغلى ثمناً من النفس الجميلة"(123).

وفكر الفيلسوف المشرد، بعد أن سدت في وجهه المسالك، في الرحيل عن أوربا والإقامة في فيلادلفيا. وكان معجباً بروح بن وجهود فرانكلن الذي وحد مؤخراً بين البرق والكهرباء "لولا أن البحر يسبب لي دواراً لا يطاق لقضيت بقية عمري بين كويكريي بنسلفانيا"(124). وفي 8 يونيو 1754 غادر كولمار ووجد ملجأ في دير سنون البندكتي بالورين. هناك علم أن دوم أوجستن كالميه رئيس للدير، وأن بمكتبة الدير اثنا عشر ألف مجلد؛ ووجد فولتير السلام وسط الرهبان ثلاثة أسابيع. وفي 2 يوليو رحل إلى بلومبيير، وشرب من مياهها في خاتمة المطاف. ولحقت به مدام دنيس هناك. وظلت منذ ذلك الحين سيدة (Mistrest خليلة) بيته على الأقل. واستأنف تجواله، وعاد إلى كولمار، ولم يجد فيها راحته، فانطلق إلى ديجون ومكث فيها ليلة، ثم إلى ليون التي أقام فيها شهراً (11 نوفمبر إلى 10 ديسمبر). ونزل أسبوعاً ضيفاً على صديقه ومدينه القديم لدوق ريشليو، ثم انتقل إلى فندق الباليه رويال، ربما خوفاً من أن يؤذى سمعته. وذهب إلى أكاديمية ليون وتلقى كل ما خلعته عليه من تكريم. وأخرجت بعض تمثيلياته على المسرح المحلي، ورفع تصفيق الاستحسان معنوياته. وفكر في الإقامة في ليون، ولكن رئيس الأساقفة تنسان اعترض، فرحل فولتير عنها. وأيقن أنه قد يقبض عليه في أية لحظة لو مكث في فرنسا.

وعليه ففي ختام عام 1754، أو مطلع عام 1755، عبر جبال الجورا وألقى عصا التسيار في سويسرا.

جنيڤ وفيرني

وفاته

قبر فولتير في Pantheon

كتابات

التاريخ

سير تاريخية

  • تاريخ شارل ال12، ملك السويد (جزءين 1731)

الشعر

قبر مفتوح في 1899

النثر

Frontispiece and first page of chapter one of an early English translation by T. Smollett et al. of Voltaire's "Candide" , printed by J. Newbery, 1762

الرسائل

في عامي 1733 و1734 نشر فولتير بعد عناء شديد أول إسهامه في عصر الاستنارة، وكان عبارة عن 24 رسالة موجهة من إنجلترا إلى تييريو وترجمت إلى الإنجليزية وصدرت في لندن (1733) رسائل متعلقة بالأمة الإنجليزية. ولكن كان في طبع الأصول في فرنسا مغامرة بحرية المؤلف وصاحب المطبعة كليهما. وخفف فولتير من بعض الأجزاء، وحاول أن يحصل على أذن من الحكومة بطبع البقية، فرفضوا منحه الترخيص، وهنا لجأ ثانية إلى نشرها سراً في روان. وحذر الناشر جور من تسرب أية نسخة للتداول لبعض الوقت على الأقل، ولكن في أوائل 1734، وصلت عدة نسخ إلى باريس تحت عنوان "رسائل فلسفية". وحصل أحد القراصنة الناشرين على نسخة، وأصدر منها طبعة كبيرة العدد دون على فولتير. وفي نفس الوقت كان فولتير ومدام دي شاتيليه قد قصدا إلى قصر مونتحي بالقرب من أوتون على مسافة 190 ميلاً من باريس ليحضرا حفل زفاف ريشيليو. وبدأ الكتاب بأربع رسائل عن جماعة الكويكرز الإنجليزية، وأوضح فولتير أن هؤلاء الكويكرز ليس لهم تنظيم كنسي ولا قساوسة ولا أسرار ولا قرابين مقدسة، مع ذلك مارسوا الشعائر المسيحية في إخلاص وإيمان أكثر من أي مسيحيين عرفهم. ووصف أو تخيل زيارة قام بها لواحد منهم وقال: "سألت واحداً منهم: سيدي العزيز، هل عمدوك؟ فأجاب "لا لم أعمد لا أنا ولا أخوتي". وصحت في وجهه: عجباً كيف يكون هذا إذن أنتم لستم مسيحيين! فأجاب في صوت هادئ خفيض يا بني، لا تقسم، نحن مسيحيون" "ونحن نحاول أن نكون مسيحيين صالحين، ولكننا لا نرى أن المسيحية مجرد ماء بارد مع قليل من الملح على الرأس وعارضته. (يا إلهي! لا تتحدث بهذا الضلال! هل نسيت أن يوحنا عمد المسيح؟) فرد قائلاً: يا صاحبي، لا تقسم بعد ذلك، إن يوحنا عمد المسيح ولكن المسيح لم يعمد أحداً... ونحن أتباع المسيح لا أتباع يوحنا فقلت له: (وا حسرتاه أيها المسكين جزاؤك الحريق في بلاد محاكم التفتيش وسألني (هل أجروا لك عملية ختان؟). فأجبته (لم يكن لي شرف الختان).

فقال: (حسناً، أنت مسيحي دون ختان، وأنا مسيحي دون تعميد) وقال الكويكرز إن التعميد مثل الختان من العادات السابقة على المسيحية وقد أبطلها إنجيل السيد المسيح الجديد. ثم استطرد فولتير يتحدث عن الحرب )لن نذهب أبداً إلى الحرب، لا لأننا نخشى الموت، بل لأننا لسنا ذئاباً ولا نموراً، ولا كلاباً نحن رجال مسيحيون. أن إلهنا الذي أمرنا نحب أعداءنا يقينا لا يريد منا أن نعبر البحر لنقتل أخوة لنا، لمجرد أن السفاحين الذين يرتدون ثياباً في لون الدم وقبعات عالية ترتفع إلى قدمين يجندون المواطنين بينما يحدثون جلبة باثنتين من العصي ممدتين على جسم حمار. وبعد النصر تتألق لندن كلها في الأضواء وتلتهب سماؤها بالألعاب النارية وطلقات المدافع، على حين نرثي في صمت للمذبحة التي أدت إلى مثل هذا الابتهاج العام(13).

لقد أوذيت فرنسا أيما إيذاء، وكادت أن تدمر نفسها لمحاولتها فرض عقيدة واحدة على جميع الفرنسيين. وأسهب فولتير في وصف التسامح بالنسبة للخلافات الدينية في إنجلترا. "هذه بلد الطوائف. والرجل الإنجليزي، باعتباره حراً يسلك إلى السماء الطريق الذي يختاره.(14) ووازن فولتير بين أخلاق رجال الدين الإنجليز وأقرانهم الفرنسيين. وهنأ الإنجليز بأنهم ليس لديهم رهبان. إن الإنجليز ليحمدون الله ويشكرونه على أنهم بروتستانت حين يعلمون أن الشبان الفرنسيين المعروفين بفسقهم وفجورهم يرقون إلى مناصب الأساقفة والمطارنة بفعل الدسائس، ويؤلفون الأغاني الرقيقة ويقيمون ولائم العشاء الباذخة كل يوم تقريباً، ويطلقون على أنفسهم أنهم خلفاء الرسل.(15) وفي الرسالة الثامنة أدار فولتير الخنجر إلى صدر الحكومة في فرنسا: "إن الأمة الإنجليزية وحدها هي التي عرفت كيف تحدد سلطة الملوك بوقوفها في وجههم... وأخيراً أقامت هذه الحكومة الرشيدة، وفيها يتمتع الملك بكل القوة والسلطة في أن يفعل الخير، على حين تغل يداه عن الإتيان بأي شر أو سوء. (وهنا يردد فولتير عبارة مشهورة مأثورة عن رواية فنليون "تليماك". إن إقرار الحرية في إنجلترا تطلب ثمناً غالياً ولا ريب، فقد أغرق صنم الحكم الاستبدادي المطلق في بحر من الدماء، ولكن الإنجليز لا يرون أنهم اشتروا القوانين العادلة الصالحة بثمن باهظ، فهناك أمم أخرى مرت بمحن وأوقات عصيبة لا تقل عما عاناه الإنجليز، ولكن الدماء التي أريقت دفاعاً عن قضية الحرية لم تكن إلا تثبيتاً لعبوديتها(21).

إن حق التحقيق في قانونية حبس التهم في إنجلترا يحرم السجن دون قضية محددة، ويتطلب محاكمة علنية، بواسطة المحلفين، أما في فرنسا فهناك "الأوامر السرية المختومة". وقبل مونتسكيو بأربعة عشر عاماً، رأى فولتير "فصل السلطات في الحكومة الإنجليزية وامتدحه وبالغ فيه، كما رأى تنسيق العمل بين الملك ومجلس اللوردات ومجلس العموم. وأشار فولتير إلى أنه لا يمكن فرض ضرائب إلا بموافقة البرلمان" "وأنه لا يعفي أحد من ضرائب معينة... لأنه نبيل أو كاهن."(17)وفي إنجلترا يشتغل صغار أبناء النبلاء بالتجارة وبمختلف المهن، أما في فرنسا فإن التاجر غالباً ما يسمعهم يتحدثون عن مهنته في ازدراء واحتقار، حتى يبلغ به الحمق إلى حد الشعور بالخزي والعار من الاشتغال بالتجارة. ولست أدري أيهما أنفع للدولة-نبيل نتأنق يعرف بالضبط متى يصحو الملك من نومه أو يأوى إلى فراشه، ويستشعر العظمة حين يقوم بدور العبد الرقيق... أو رجل أعمال (مثل فوكنر مضيف فولتير في لندن، يثري وطنه ويصدر الأوامر من مكتبه إلى سورات والقاهرة، ويسهم في إسعاد العالم بأسره(18) وأخيراً في قطعة تضمنت برنامجاً لفرنسا ذهب فولتير إلى: أن الدستور الإنجليزي بلغ قمة التفوق وكان من نتيجة ذلك أن كل الناس استعادوا حقوقهم الطبيعية، على حين أنهم محرمون منها في سائر الملكيات تقريباً. وهذه الحقوق هي الحرية الكاملة في أشخاصهم وفي ممتلكاتهم: حرية الصحافة حق المحاكمة بناء على نص صريح في القانون، وحق كل إنسان في اعتناق العقيدة التي يرتضيها دون إزعاج.(19)

ولا بد أن فولتير عرف أن فريقاً من الناس فقط هم الذين تمتعوا بهذه الحقوق الطبيعية "وأن الحرية الشخصية لم تتحر من خطر الرقابة الصحفية، وأنه كانت هناك حدود وقيود على حرية الكلام في الدين وفي السياسة، وأن المنشقين والكاثوليك كانوا مستبعدين من الوظائف العامة. وأنه كان من الميسورة في إنجلترا رشوة القضاة ليتجاهلوا القانون. إن فولتير لم يدون وصفاً نزيهاً لواقع إنجلترا, أنه كان يستخدم إنجلترا سوطاً يحرك به الثورة في فرنسا ضد ظلم الدولة أو الكنيسة. أن كون كل هذه الحقوق تقريباً أصبحت الآن قضية مسلماً بها في البلدان المتحضرة يضفي على ما أنجزه القرن الثامن عشر روعة وجلالاً.

ولا يقل عن هذا أهمية في أثره على الفكر الحديث امتداح فولتير لبيكون ولوك ونيوتن. إنه قال عن بيكون الذي اتهموه وجرحوه ما حكم به بولنجيزوك على مالبرو "إنه رجل بلغ من العظمة حداً لا أستطيع معه أن أتذكر هل كان له أخطاء أم لا"(20)ثم أردف يقول" إن هذا الرجل العظيم بيكون هو أبو الفلسفة التجريبية لا من أجل التجارب التي قام بها، بل بما وجه من نداءات قوية للنهوض بالبحث العلمي. وتلك هي الفكرة التي حدت بديدرو ودالمبرت إلى القول بأن بيكون هو أول من أوحى إليهم بدائر المعارف التي وضعوها.

وخصص فولتير لجون لوك كل الفصل الثالث عشر تقريباً. إنه لم يجد فيه مجرد علم العقل بدلاً من أسطورة النفس، بل وجد فلسفة كامنة كاملة حتى أنه بإرجاعه كل المعرفة إلى الشعور، حول الفكر الأوربي عن الإلهام الإلهي إلى الخبرة الإنسانية، باعتبارها المصدر الوحيد للحقيقة وأساسها. ورحب برأي لوك في أنه يمكن تصور إن المادة يمكن تمكينها من التفكير وغصت بهذه العبارة بالذات حلوق رجال الرقابة الفرنسية، وكان لها أثراً كبير في الحكم على الكتاب وإدانته. ويبدو أنهم تنبئوا فيها بمادية لامتري وديدرو. ورفض فولتير أن يسلم نفسه إلى المادية، ولكنه عدل عبارة ديكارت "أنا أفكر إذن أنا موجود" إلى "أنا جسم وأنا أفكر ولا شيء غير هذا".

وأشارت الرسالة الرابعة عشرة على الفرنسيين أن يتخلصوا من ديكارت وينصرفوا إلى دراسة نيوتن. إن حكم الرأي العام في إنجلترا على هذين المفكرين هو إن أولهما كان حالماً والثاني حكيماً. وقدر فولتير أعظم تقدير إضافات ديكارت إلى الهندسة، ولكنه لم يستسغ الدوامات الكونية عند ديكارت. إنه أقر بأن ثمة شيئاً وهمياً غامضاً، أو على الأقل مخدراً في مقالات نيوتن عن الكرونولوجيا القديمة (تقسيم الزمن إلى فترات وتعيين تاريخ الأحداث) وسفر الرؤيا، وأوحى فولتير بشكل لطيف بأن نيوتن كتب هذه المقالات ليعزي البشرية عن تفوقه البالغ عليها(21) إنه وجد أن نيوتن ما زال عويصاً يصعب فهمه، ولكن اجتماع الرجال البارزين في الحكومة وفي ميدان العلوم لتشييع جنازته ترك في نفسه أثراً عقد معه العزم على دراسة قوانين نيوتن، وعلى أن يكون رسول نيوتن إلى فرنسا، وهنا أيضاً غرس فولتير بذور دائرة المعارف وعصر التنوير.

وأخيراً صدم فولتير الفكر الديني في فرنسا بنقد لاذع وجهه إلى آراء بسكال. إنه لم يقصد تضمين هذا في رسائله، فليس لهذا علاقة بإنجلترا، ولكنه كان قد أرسله من إنجلترا إلى تيير 1728، فألحقه الناشر اللص بالرسائل باسم رقم 25، وكانت النتيجة أن الجانسنيين-الذين قدسوا بسكال إلى حد العبادة، وسيطروا على برلمان باريس-، فاقوا الآن اليسوعيين (الذين لم يحبوا بسكال قط) في استنكار فولتير وشجبه وكان فولتير غير قابل أساساً للاتفاق مع بسكال حيث كان في هذه المرحلة (اللهم إلا في رواياته) عقلانياً متشدداً لم يكن قد وجد بعد مجالاً للوجدان في فلسفته. وكان لا يزال شاباً ممتلئاً حيوية ونشاطاً ينعم بالحياة وسط محنه البطولية، ومن ثم عارض التشاؤم الجزع الكئيب عند بسكال "ولسوف أتجاسر فأقوم بدور الجنس البشري ضد هذا المبغض للشر المهيب"(22)ورفض "رهان" بسكال (أي أنه من الأحكم أن نراهن على وجود الله لا العكس) باعتباره عملاً صبيانياً يجافي الحشمة والوقار... إن اهتمامي بالاعتقاد بشيء ليس برهاناً على أن هذا الشيء موجود"(23)ولم يعرض بسكال الرهان (على أنه برهان) وسلم بأنه ليس في مقدورنا أن نفسر الكون أو نعرف قدر الإنسان، ولكنه أرتاب في أننا نستطيع من هذا الجهل أن نستنتج صدق قانون الإيمان المسيحي الذي جاء به الرسل. كما أنه لم يحس في هذا العصر المرح المفعم بالحيوية بأي تعاطف مع تطلع بسكال إلى الراحة والدعة، حيث نادى بأن الإنسان "خلق ليعمل... فعدم العمل وعدم الوجود سيان بالنسبة للإنسان(24)".

وليست "ملاحظات على أفكار بسكال" أفضل ما كان يمكن أن تجود به قريحة فولتير. أنه لم يكن قد أعدها للنشر، ولم يكن لديه الفرصة لمراجعتها وتنقيحها. وقضت الأحداث اللاحقة-مثل زلازل لشبونة-على نضارة تفاؤله الفتي. وعلى الرغم من هذا الملحق غير المدروس وغير الجدير بالاعتبار، فإن "الرسائل الفلسفية" كانت أحد المعالم البارزة في الأدب الفرنسي والفكر الفرنسي. فهنا لأول مرة ظهرت الجمل الموجزة الدقيقة والوضوح المبين والذكاء المرح والتهكم اللاذع، وأصبح كل هذا منذ الآن طابعاً أدبياً مميزاً يتجاوز ويتجاهل الحرص على إنكار اسم المؤلف. إن هذا الكتاب، وكتاب الرسائل الفارسية حددا أسلوب النثر الفرنسي من عهد الوصاية إلى عصر الثورة. وفوق هذا فإنها أحكمت حلقة من أقوى الحلقات في الربط بين المفكرين الفرنسيين والإنجليز، وهي كما قدر بكل "أهم حقيقة إلى حد بعيد في تاريخ القرن الثامن عشر"(25)إنها كانت بمثابة إعلان حرب ومخطط شن حملة. وقال روسو عن هذه الرسائل إنها قامت بدور كبير في إيقاظ عقله. ولا بد أن آلافاً من شباب فرنسا دانوا لها بمثل هذا الفضل. وقال عنها لافاييت أنها صيرته جمهورياً وهو في التاسعة من عمره. ورأى هين "إنه لم يكن لزاماً على رقيب المطبوعات أن يصادر هذا الكتاب حيث كان لا بد من قراءته بغير هذا الإجراء"(26).

وأحست الكنيسة والدولة والملك والبرلمان أنهم لم يعودوا يطيقون صبراً على مثل هذه الجراح الكثيرة في صمت، فأرسل صاحب المطبعة إلى سجن الباستيل، وصدر أمر سري مختوم بالقبض على فولتير أينما وجد. وفي 11 مايو ظهر أحد رجال الشرطة يحمل أمراً بالقبض عليه. ولكن من المحتمل أن موبرتوي ودار جنتال كانا قد حذرا فولتير فغادر فرنسا قبل ذلك بخمس ة أيام. وبناء على أمر البرلمان في 10 يونيه أحرق كل ما وجد من نسخ الكتاب بيد مأمور التنفيذ العام في فناء قصر العدل باعتباره عملاً شائناً ينافي الدين والخلاق القومية ويتعارض مع احترام الواجب للسلطات العامة. وقبل معرفة المركيزة دي شاتيليه بوصول فولتير سالماً إلى اللورين كتبت إلى صديق لها: "أنا لا أطيق صبراً على مجرد علمي بأنه في السجن وهو في مثل هذه الصحة والعافية وقوة الخيال. وأنا لا أحبذ ذلك مطلقاً". وأجمعت هذه السيدة والدوقة دي بشيليو وغيرهما من السيدات ذوات المكانة الرفيعة أمرهن على العمل معاً للحصول على عفو عنه. ووافق حامل الأختام على إلغاء أمر القبض إذا أنكر فولتير تأليفه للكتاب. لكن تلك كانت خدعة لأنه كان على علم اليقين أن فولتير هو المؤلف. وكان حامل الأختام هذا أحد موظفي الحكومة الذين لطفوا من حدة الرقابة من آخر بالأعضاء عما في الكتاب من مآخذ. ووافق فولتير فوراً على إنكار أنه المؤلف. وهذه كذبة بيضاء من الممكن الصفح عنها بسهولة. فضلاً عن أن الكتاب الذي برئ من تأليفه وزع دون موافقته. وكتب فولتير إلى الدوقة دي ايجوبون:

يقولون إنه يجب أن أتراجع... بكل سرور.. سأعلن أن بسكال على حق دائماً وأن القساوسة مهذبون وديعون منزهون عن الغرض "وإن الرهبان ليسوا متغطرسين ولا منصرفون إلى تدبير الدسائس، ولا حقراء وأن محاكم التفتيش المقدسة هي انتصار الإنسانية والتسامح(27).

والغي أمر القبض على شرط أن يبقى فولتير بعيداً عن باريس. فتنقل من قصر إلى قصر قرب حدود المدينة ورحب النبلاء الذين لم يتمسكوا كثيراً بأهداف الدين، كما لم يميلوا مطلقاً إلى الحكومة الملكية المركزية المستبدة وتلقى الدعوة بالإقامة في بلاط هولشتين مع معاش قدرة عشرة آلاف فرنك سنوياً ولكنه رفض(28)وفي يوليه أوى إلى قصر مدام دي شاتيليه في سيري في شمبانيا. وهناك وهو الضيف الذي يتحمل نفقات عشيقته وزوجها بدأ أسعد سني حياته.


مسرحيات

  • مسرحية إريفيل (1732)
  • مسرحية محمد (1741)
  • مسرحية ميروب (1741)
  • مسرحية نانين
  • مسرحية زئير (1732)

الفلسفة

التفاؤل، مترجمة للعربية. لقراءة الملف، اضغط على الصورة.
صادق، ترجمها للعربية طه حسين. لقراءة الملف، اضغط على الصورة.

الدين

Voltaire at 70. Engraving from 1843 edition of his Philosophical Dictionary.

موقفه تجاه اليهود

الماسونية

عهده

تمثال نصفي لڤولتير، هودون.

أعماله

الأعمال الرئيسية

مسرحيات

Voltaire wrote between fifty and sixty plays, including a few unfinished ones. Among them are these:

تاريخية

  • History of Charles XII, King of Sweden (1731)
  • The Age of Louis XIV (1751)
  • The Age of Louis XV (1746–1752)
  • Annals of the Empire - Charlemagne, A.D. 742 - Henry VII 1313, Vol. I (1754)
  • Annals of the Empire - Louis of Bavaria, 1315 to Ferdinand II 1631 Vol. II (1754)
  • ' Essay on the Manners of Nations (or 'Universal History') (1756)
  • History of the Russian Empire Under Peter the Great (Vol. I 1759; Vol. II 1763)

خط زمني

قالب:Voltaire timeline

انظر أيضا

الهوامش

  1. ^ This is a translation of a famous Chinese play Orphan of Zhao about the revenge of the orphan of the clan of Zhao on his enemies who killed almost every member of his clan. This play was based on an actual historical event in the Spring-Autumn period of Chinese history. Voltaire's version was translated by Arthur Murphy as The Orphan of China in 1759.

قراءات إضافية

  • App, Urs. The Birth of Orientalism. Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 2010 (hardcover, ISBN 978-0-8122-4261-4); contains a 60-page chapter (pp. 15-76) on Voltaire as a pioneer of Indomania and his use of fake Indian texts in anti-Christian propaganda.
  • Besterman, Theodore, Voltaire, (1969).
  • Brumfitt, J. H. Voltaire: Historian (1958) online edition
  • Davidson, Ian, Voltaire. A Life, London, Profile Books, 2010. ISBN 978184668261
  • Durant, Will, The Story of Civilization. Vol. IX: The Age of Voltaire. New York: Simon and Schuster, 1965.
  • Gay, Peter, Voltaire's Politics, The Poet as Realist, Yale University, 1988.
  • Hadidi, Djavâd, Voltaire et l'Islam, Publications Orientalistes de France, 1974.
  • Knapp, Betina L. Voltaire Revisited (2000) 228pp
  • Mason, Haydn, Voltaire, A Biography
  • Muller, Jerry Z., 2002. The Mind and the Market: Capitalism in Western Thought. Anchor Books.
  • Pearson, Roger, 2005. Voltaire Almighty: a life in pursuit of freedom. Bloomsbury. ISBN 9781582346304. 447pp
  • Quinones, Ricardo J. Erasmus and Voltaire: Why They Still Matter (University of Toronto Press; 2010) 240 pages; Draws parallels between the two thinkers as voices of moderation with relevance today.
  • Schwarzbach, Bertram Eugene, Voltaire's Old Testament Criticism, Librairie Droz, Geneva, 1971.
  • Torrey, Norman L., The Spirit of Voltaire, Columbia University Press, 1938.
  • Vernon, Thomas S. (1989). "Chapter V: Voltaire", Great Infidels. M & M Pr. ISBN 0943099056. 
  • Wade, Ira O. (1967). Studies on Voltaire. New York: Russell & Russell. 
  • Wright, Charles Henry Conrad, A History of French Literature, Oxford University Press, 1912.
  • "The Cambridge Companion to Voltaire", ed by Nicholas Cronk, 2009.

بالفرنسية

  • Pomeau, René La Religion de Voltaire, Librairie Nizet, Paris, 1974.
  • Valérie Crugten-André, La vie de Voltaire [1]

مراجع أولية

  • Morley, J., The Works of Voltaire, A Contemporary Version, (21 vol 1901), online edition

وصلات خارجية

مناصب ثقافية
سبقه
جان بوشيه
مقعد 33
الأكاديمية الفرنسية

1746–1778
تبعه
Jean-François Ducis