مسيرة النساء إلى ڤرساي

تصوير مسيرة النساء إلى ڤرساي، 5 اكتوبر 1789

مسيرة النساء إلى ڤرساي، وتُعرف أيضاً بإسم مسيرة أكتوبر، أيام أكتوبر، أو ببساطة الزحف إلى ڤرساي، كانت من أوائل وأكثر الأحداث المؤثرة في الثورة الفرنسية. بدأت المسيرة النسائية في أسواق باريس، صباح 5 أكتوبر 1789، التي كانت تشبه أعمال الشغب احتجاجاً ارتفاع الأسعار ونقص الخبز. سرعان ما التحمت مظاهراتهم بأنشطة الثوريين الذين كانوا يطالبون بالاصلاحات السياسية التقدمية وإعلان الملكية الدستورية في فرنسا. تحولت احتجاجات النساء في الأسواق وحلفائهم المختلفون إلى مسيرة تضم الآلاف، وشجعهم المحرضون الثوريون، الذين عبثوا بترسانة الأسلحة بالمدينة بحثاً عن الأسلحة ثم تحركت المسيرة إلى قصر ڤرساي. حاصرت الحشود القصر وفي مواجهة مثيرة وعنيفة نجح المحتجون في توصيل مطالبهم إلى الملك لويس السادس عشر. وفي اليوم التالي، أجبرت الحشود الملك وعائلته، ومعظم أعضاء الجمعية الفرنسية على العودة معهم إلى باريس.

ظل الشغب في باريس طوال شهري أغسطس وسبتمبر، وتزايد نقص الخبز وراحت ربات البيوت يناضلن للحصول عليه من المخابز، وفي إحدى نوبات الشغب هذه أعدم العامة خبازاً وأحد مسئولي البلدية. ودعا مارا Marat إلى مسيرة للجمعية الوطنية والقصر الملكي في ڤرساي:

"عندما يكون الأمن العام في خطر لا بد للشعب أن يستولي على السلطة من أيدي أولئك الذين يقبضون عليها.... ضعوا هذه المرأة النمساوية (الملكة) وأخي زوجها (أرتوا Artios ) في السجن... اقبضوا على الوزراء ومساعديهم وكبلوهم بالحديد.. تأكدوا من وجود المحافظ (رئيس البلدية) [ذلك البائس الدمث المستغرق في أحلام اليقظة] والقادة التابعين له، لا تدعوا الجنرال [لافاييت] يبتعد عن نواظركم واقبضوا على مساعديه... فلا حق لوريث العرش في الغداء طالما أنكم لا تجدون الخبز. نظموا صفوفكم المسلحة.. هيا إلى الجمعية الوطنية لنطالب معا وجميعاً بالطعام... طالبوهم أن يكون لفقراء الأمة مستقبل آمن من خلال تضامنها. إنكم إن رفضتم الالتحاق بالتشكيلات المسلحة فليس أمامكم إلا الاستيلاء على الأراضي والذهب الذي يمتلكه الأوغاد الذين يريدون إجباركم على شروطهم في ظل الجوع، اقتسموا فيما بينكم ذهبهم وممتلكاتهم. هيا احملوا رؤوس الوزراء وتابعيهم التافهين. هيا إنه الوقت المناسب!"

النساء يدعين المتفرجين، في طرقهن إلى ڤرساي (تصوير ح. 1842)

وركن لويس إلى نصائح وزرائه القاضية بضرورة استدعاء جنود لم يتأثروا بالأفكار الثورية لحمايته وحماية أسرته وبلاطه، وذلك خوفا من تحريض الصحافة الباريسية وخوفا من الفوضى الضاربة أطنابها في باريس ومظاهرات الجماهير في فرساي. فأرسل في أواخر شهر سبتمبر إلى دواي Douai مستدعيا أفواج الفلاندر العسكرية Flanders Regiment ، فلما وصلت رحب بها حرس الملك الذي أقام لأفرادها مأدبة في دار الأوبرا بالقصر، وعندما ظهر لويس ومارى أنطوانيت علا تصفيق الجنود بشدة، فقد كانوا نصف سكارى لفرط ما شربوا من النبيذ، كما أن جلال المشهد الملكي زادهم حماساً، لذا سرعان ما أزاحوا الشارات الوطنية مثلثة الألوان من على بزاتهم العسكرية ووضعوا الشارات الملكية (الأبيض والأسود) على قبعاتهم، وورد في التقارير أن الألوان التي ترمز للثورة قد طرحت أرضاً لتدوسها أقدام الراقصين (وقد أنكرت مدام كامبا Mme Campan الوصيفة الأولى للملكة والتي كانت شاهدة عيان حدوث هذا).[1]

وتضخمت القصة عند وصولها إلى باريس، وتأكدت بسبب تقرير مؤداه أن جيشا يتجمع بالقرب من متز Metz بنية التوجه إلى فرساي لفض الجمعية الوطنية. واستنكر ميرابو Mirabeau والمندوبون الآخرون هذا التهديد العسكري الجديد. وطالب مارا Marat ولوزتالو Loustalot وصحفيون آخرون بضرورة أن يرغم الشعب كلا من أفراد الأسرة المالكة والجمعية الوطنية على الانتقال إلى باريس حتى يكونوا تحت مراقبة الجماهير. وفي 5 أكتوبر أخذ النسوة في سوق المدينة ممن يعلمن بنقص الطعام على عاتقهن تكوين فرقة للتوجه إلى فرساي على بعد عشرة أميال من باريس. وكان ينضم إليهن في مسيرتهن رجال ونساء وكثيرون بلغوا الآلاف. ولم يكن الموكب تراجيديا أو كئيباً، فقد لطفت منه حيوية الفرنسيين، فقد راح جميعهم يصيح "سنحضر معنا الخباز وزوجته" وسنستمتع بالاستماع إلى ميرابو".

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

حصار القصر

خريطة ڤرساي في 1789

ووصل الموكب إلى فرساي بينما المطر ينهمر بكثافة، وتجمعوا في صفوف كيفما اتفق أمام بوابات القصر الملكي العالية وأسواره وطالبوا بمقابلة الملك، وتوجه وفد إلى الجمعية الوطنية وأصر على ضرورة أن يدبر المندوبون في الجمعية الخبز للحشود المتجمعة. واتجه مونييه Mounier - القائم بالحراسة في ذلك الوقت مع إحدى المندوبات وهي سيدة لطيفة اسمها لويزون شابري Louison Chabry لمقابلة لويس. فلما رأته تأثرت كثيرا حتى إنها لم تستطع أن تنطق سوى بكلمة واحدة (خبز) ومن ثم سقطت مغشيا عليها. فلما أفاقت وعدها لويس بتدبير خبز للجموع الجائعة التي بللها المطر. وعندما همت بالمغادرة أرادت أن تقبل يده لكنه عانقها عناقا أبويا. وفي هذه الأثناء اختلطت كثيرات من الباريسيات الجذابات بجنود الفلمنكية (كتائب الفلاندر الآنف ذكرها) وأقنعنهم بعدم إطلاق النار على النسوة العزل. فتعاطف معهن الجنود واصطحب كثيرون من الجنود هؤلاء الجميلات الجائعات إلى ثكناتهم وقدموا لهن الطعام والدفء. وفي الساعة الحادية عشرة من هذه الليلة وصل لافاييت Lafayette على رأس خمسة عشر ألف من الحرس الوطني، فاستقبله الملك، وتعهد له لافاييت بحمايته، لكنه أي لافاييت- انضم إلى نكير Necker بتوجيه النصح للملك بقبول مطالب الشعب بالتوجه مع الملكة ليعيش في باريس. وكان لافاييت مرهقا فاتجه إلى هوتيل(ü) دي نوال Hotel de Noailles.

لافاييت في الشرفة مع ماري أنطوانيت

وفي الصباح الباكر في يوم السادس من أكتوبر اندفعت الجماهير الغاضبة المرهقة إلى ساحة القصر الملكي من خلال بوابة تصادف فتحها وشق بعض الرجال المسلحين طريقهم إلى السلم ومنه إلى غرفة نوم الملكة التي هربت بلباس نومها وابنها على ذراعيها إلى غرفة الملك. وقاوم حرس القصر هذا الاقتحام ولاقى ثلاثة منهم حتوفهم، وهب لافاييت متباطئا لكنه كان راغبا في تقديم العون- لتهدئة هذا الشغب، مؤكدا الموافقة على مطالب الثائرين. واتجه الملك إلى الشرفة ووعد الجموع بالانتقال إلى باريس، فصاحت "عاش الملك"! لكن هذه الجموع عادت فطلبت ظهور الملكة أمامهم، فظهرت الملكة وانتصبت واقفة وفي هذه الأثناء صوب واحد من الجماهير المحتشدة بندقيته (من نوع المسكت) إليها، لكن القريبين منه كسروا بندقيته وفي هذه الأثناء تقدم لافاييت ليقبل يد الملكة في إشارة منه للولاء فهدأت الجماهير التي هتفت بحبها للملكة إن هي أتت لتعيش في باريس.

وكلما اقترب وقت الظهيرة تجمع موكب لا نظير له في التاريخ أمام الحرس الوطني وكتائب الحرس الملكي، ثم أتت العربة الملكية التي تحمل الملك وأخته مدام إليزابيث والملكة وطفليها، وتلا ذلك صف طويل من العربات التي تجرها خيول حاملة أكياس الدقيق ثم الباريسيون المنتصرون وجثمت بعض النسوة فوق مدفع، ورفع بعض الرجال عاليا رؤوس من جرى إعدامهم من حرس الملك على أسنة الرماح، وفي سيفر Se`vres توقفوا لنثر المساحيق فوق هذه الرؤوس وعقص شعورها. وكانت الملكة تشك في إمكان أن تصل إلى باريس وهي على قيد الحياة، لكنها في هذه الليلة نامت وكذلك أفراد الأسرة المالكة على أسرة أعدت على عجل في قصر التويلري Tuileries حيث سبق للملوك الفرنسيين أن ناموا قبل أن يجعل عصيان المقاليع (الفروند Fronde ) من باريس مكانا كريهاً بالنسبة للويس الرابع عشر. وبعد ذلك بأيام قلائل تبعتهم الجمعية الوطنية حيث أقاموا في مسرح القصر نفسه.

ومرة أخرى فرض الباريسيون رأيهم بليّ ذراع الملك والآن انصاع الملك لرعاياه وقبل إعلان حقوق الإنسان كأمر واقع. وهكذا بدأت الهجرة الثالثة (هجر فرنسا).


انظر أيضاً

الهامش

  1. ^ ول ديورانت. قصة الحضارة. ترجمة بقيادة زكي نجيب محمود. Unknown parameter |coauthors= ignored (|author= suggested) (help)

وصلات خارجية