تاريخ اسكتلندة

جزء من سلسلة عن
تاريخ اسكتلندة
الفترات
قبل التاريخ (خط زمني)
أثناء الامبراطورية الرومانية
أوائل العصور الوسطى
أوج العصور الوسطى
أواخر العصور الوسطى
أوائل العصر الحديث
المعاصر
تاريخ (خط زمني)
الأسرات والأنظمة
House of Alpin (843–878; 889–1040)
House of Moray (1040–1058)
House of Dunkeld (1058–1286)
House of Balliol (1292–1296)
House of Bruce (1306–1371)
House of Stuart (1371–1707)
قانون الاتحاد 1707
موضوعات
اسكتلندا الاسكنداڤية
حروب الاستقلال
الاصلاح
التنوير
العشائر  • اللغة الاسكتلندية
استعمار الأمريكتين
التاريخ الاقتصادي
التاريخ العسكري
التاريخ البحري
تاريخ التعليم
المنظور الثقافي
التاريخ الطبيعي
الثقافة: الأدب  • الفن  • The التنورة الاسكتلندية
السياسة: انتقال الملكية  • الحكومة المحلية  • الحزب الوطني الاسكتلندي  • الحزب الاشتراكي الاسكتلندي
Portal-puzzle.svg بوابة اسكتلندة

اسكتلندة في مطلع العصر الحديث تشير، لأغراض هذه المقالةـ إلى اسكتلندة بين وفاة جيمس الرابع في 1513 ونهاية التمردات اليعقوبية وبدايات التصنيع، والتي تناظر تقريباً مطلع العصر الحديث في اوروبا.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

اسكتلندة 325-1066

Clach an Tiompain, a Pictish symbol stone in Strathpeffer

هاجرت في أوائل القرن الخامس قبيلة من الاسكتي Scotti الجبليين من شمالي أيرلندة إلى الجزء الجنوبي الغربي من اسكتلندة، وأطلقوا اسمهم على جزء من شبه الجزيرة ذي المناظر الجميلة الخلاّبة الواقع في شمال نهر التويد Tweed ثم على شبه الجزيرة كلها. وأخذت ثلاثة قبائل أخرى تنازعها على امتلاك "كلدونية Caledonia" القديمة هذه: البكت Picts وهي قبيلة كلتية استقرت فوق خليج فورث The Firth of Forth، والبريطانيون وهم الذين فروا أمام غزاة بريطانيا الأنجليسكسون واستقروا بين نهر درونت Derwent وخليج كليد Ftrth of Clyde، والآنجلز Angles أو الإنجليز الضاربون بين نهر تين Tyne وخليج فورث. ومن هؤلاء كلهم تألفت الأمة الاسكتلندية: وهي أمة إنجليزية في لغتها، مسيحية في دينها، نارية في مزاجها كالأيرلنديين، عملية كالإنجليز، ماكرة، قوية الخيال ككل كلتي".

وكان الأسكتلنديون كالأيرلنديين يستنكفون أن يتخول عن نظامهم القائم على صلة القربى، ولا يرغبون في أن يستبدلوا الدولة بالقبيلة. ولم يكن يضارع النزاع بين الطبقات في شدته إلا ولاؤهم للقبيلة، وفخرهم بولائهم لها، وشدة مقاومتهم لأعدائهم الأجانب. وعجزت روما عن فتح بلادهم، بل إن سور هدريان الذي أقيم بين سلواي Solway والتين (120 م)، وسور أنطونينس بيوس Antoninus Pius، الذي يبعد ستين ميلاً نحو الشمال بين خليجي فورث وكليد (140)، وحروب سبتميوس سفيرس Septimius Sverus (208) أو ثيودوسيوس Theodosius (368)، بل إن هذه كلها لم تجد نفعاً في القضاء على الغزوات المتكررة التي كان يشنها البكث الجياع من حين إلى حين على البريطانيين. وفي عام 617 استولى السكسون بقيادة إدون ملك نورثبريا على معقل البكث الجبلي الحصين وأطلقوا عليه اسم إد (و) نبرج Ed (w) inburgh (إدنبره)، وفي عام 844 ضم كنث ماك ألبين Kenneth Mac-Alpin البكت والإسكتلنديين تحت سلطانه؛ وفي 954 استردت القبائل إدنبره، واتخذتها عاصمة لها، وفي 1018 استولى ملكولم الثاني على لوثيان Lothian (الإقليم الواقع شمال نهر التويد)، وضمها إلى مملكة البكت والاسكتلنديين. وبدأ أن الكلت قد ضمنوا لأنفسهم السيادة على البلاد، ولكن غزو الدنمرقيين لإنجلترا دفع آلافاً من "الإنجليز" إلى جنوبي اسكتلندة، وتدفق بذلك عنصر أنجلوسكسوني قوي إلى دماء الأسكتلنديين.

Scotland from the Matthew Paris map, c. 1250.
Alexander III as a guest of his brother-in-law Edward I at the sitting of an English parliament

وجمع دنكان الأول Duncan 1 (1034-1040) هذه الشعوب الأربعة كلها-البكت، والاسكت Scotts، والكلت البريطانيين، والأنجلوسكسون-وكون منها مملكة واحدة هي مملكة اسكتلندة. ولما هزم الإنجليز دنكان عند درهام Durham مهدت هذه الهزيمة السبيل لقائده مكبث Macbeth، فطالب لنفسه بعرش البلاد لأن زوجته جروتش Gruoch كانت حفيدة كنث الثالث. واغتال مكبث دنكان (1040)، وحكم البلاد سبعة عشر عاماً قتله بعدها ملكولم الثالث ابن دنكان. واغتيل من الملوك السبعة عشر الذين حكموا اسكتلندة بين عامي 844 و1075 اثنا عشر لأن ذلك العصر كان مليئاً بأعمال العنف والنزاع المرير طلباً للغذاء والماء، والحرية والسلطان. ولم تجد اسكتلندة في تلك السنين المليئة بالأحداث الجسام متسعاً من الوقت تمارس فيه ترف الحضارة ونعمها؛ فقد اغتصب المغيرون الشماليون جزائر أوركني Orkney وفارو Faroes، وشتلندة Shetland، وهبريده Hebrides؛ وقضت إنجلترا حياتها كلها مهددة بغارات قراصنة الشمال (الفيكنج Vikings) الشداد الذين كانوا يبسطون سلطانهم وينشرون بني جنسهم في أنحاء العالم الغربي.


اسكتلندة 1714-1756

لم كان حظ إسكتلندة مختلفاً أشد الاختلاف عن حظ إيرلندة؟ أولاً لأن إسكتلندة لم تقهر قط، بل إنها على العكس من ذلك أعطت إنجلترا ملكاً اسكتلندياً. وكان لها في شيوخ قبائل مرتفعاتها (الهايلاندز) الذين لم يذلوا بعد، طبقة من المقاتلين قادت الاسكتلنديين المرة بعد المرة في غزوات لإنجلترا. وكان أهل سهولها سلالة أنجلو-سكسونية، ينتمون أساساً إلى الأصل الذي ينتمي إليه الإنجليز. أما تربتها فظلت في قبضة أهلها الشديد المراس. وأما دينها، شأنه شأن الأنجليكانية، فكان نتاج حركة الإصلاح البروتستنتي، لا تركة موروثة عن الكنيسة الوسيطة، وقد وحد صفوف الأمة بدلاً من أن يقسمها، وبعد قانون الاتحاد (1707) شاركت إسكتلندة بنسبة السكان في انتخاب البرلمان الذي أصبح الآن يسمى البرلمان البريطاني (أي الإنجليزي-الويلزي-الاسكتلندي)، وأذعنت لأن تحكم من لندن، ولكن بعد أن انتزعت تنازلات تجارية أثرت الشعب الاسكتلندي. وحاولت كل أبرشية في إسكتلندة أن تنشئ مدرسة لأطفالها، ووفرت أربع جامعات بها أفضل ما وجد في الجزر البريطانية آنئذ من تعليم عال. وقد ازدهر هذا النشاط التعليمي خلال القرن الثامن عشر في حركة "تنوير اسكتلندي" دفعت الفكر الإنجليزي دفعة قوية-أبطالها هيوم، وهتشسن، ورايد، وروبرتسن، وآدم سميث.

على أن هذا الإنجاز الرائع اقتضى تحقيقه الكفاح الطويل، وانقضت خمسون عاماً قبل أن يؤتى الاتحاد أكله. فقد كانت إسكتلندة في 1714 لا تزال إقطاعية النظام. كل إقليم فيها خارج المدن يحكمه نبيل كبير بوساطة أتباعه المقطعين، والأرض تفلحها طبقة من المستأجرين الفلاحين، موالين لسادتهم، ولاحظ لهم من التعليم. ولكن الاتحاد السياسي مع إنجلترا أخذ الآن يقوض ذلك البناء. كان النبلاء يسيطرون على البرلمان الاسكتلندي، فلما اختتم عهد ذلك البرلمان وجد الممثلون الاسكتلنديون في البرلمان البريطاني أنفسهم في بيئة ينافس فيها نفوذ التجارة والصناعة نفوذ الأرض؛ فتبنوا الأفكار والتكنولوجيا الإنجليزية، وما وافت سنة 1750 حتى كان أصحاب صناعات إسكتلندة وتجارها يتحدّون الزعامة القومية التي احتكرها الأرجيليون، والأثوليون، والهاملتونيون، والماربون. وكانت مغامرة 1745 الاستيوارتية آخر انتفاضة من انتفاضات السلطة الإقطاعية الاسكتلندية، فلما أخفقت اندمجت حياة إسكتلندة الاقتصادية في الاقتصاد الإنجليزي، وبدأ حكم الطبقات الوسطى. وفتح الاتحاد المستعمرات الإنجليزية للتجارة الاسكتلندية، وفي 1718 أطلقت جلاسجو أول سفينة اسكتلندية لتعبر الأطلنطي، وما لبث التجار الاسكتلنديون أن انتشروا في كل مكان. وتحسنت التكنولوجيا الزراعية ووسائل النظافة الصحية في المدن، وهبطت نسبة الوفيات، وزاد السكان من 1.000.000 في 1700 إلى 1.652.000 في ختام القرن وكانت أدنبرة بسكانها البالغين خمسين ألفاً في 1751 ثالثة أكبر المدن في بريطانيا العظمى، فلم يفقها غير لندن وبرستول.

وظلت الكنيسة المشيخية على ولائها للاهوت الكلفني ولاء يقرب من التعصب. ففي كل أحد يمشي الناس-أحياناً ميلين أو ثلاثة-ليختلفوا إلى كنائس عطلت من الزينة عطلاً صارماً، ويستمعوا الساعات إلى عظات وصلوات تؤكد حتمية الجبر وأهوال الجحيم. وكان الكتاب المقدس الإلهام اليومي لكل أسرة اسكتلندية. وقدّر هيوم، حتى سنة 1763، في مبالغة مُرة، إن لكل رجل وامرأة وطفل في إسكتلندة كتابين مقدسين(64)؛ أما الوعاظ فقليلو الحظ من التعليم ولكن فيهم تقوى صادقة وورعاً مؤثراً، يعيشون في بساطة متقشفة، وتدعم قدوتهم وتعاليمهم من ثبات الخلق الاسكتلندي ونزاهته. وكان شيوخ كل كنيسة وراعيها يراقبون في تشدد كثير سلوك الرعية وكلامهم، يوزعون العقوبات على الحلف، والنميمة، والشجار، والسحر، والفسوق، والزنا، وأي كسر ليوم الرب (الأحد)، وأي انحراف عن عقيدتهم الرهيبة. وأداة الرعان الرقص، وحفلات الزفاف، والتفرج على المسرح. واستمروا يعقدون المحاكمات بتهمة السحر وإن أخذت أحكام الإعدام بسببها تقل. ففي 1727 أدينت أم وابنتها بهذه التهمة، وفرّت البنت، ولكن الأم أحرقت كل الموت في برميل من القار(65). فلما ألغى البرلمان الإنجليزي (1736) القانون الذي يعاقب السحر بالموت، ندد شيوخ الكنائس الاسكتلندية بالإلغاء لأنه انتهاك لأمر صريح أصدره الكتاب المقدس(66).

وكانت مدارس الأبرشيات التي تتفق عليها الكنيسة الاسكتلندية، ومدارس الحضر التي تعينها المدن، تعد الطلاب للجامعات. فوفد على أدنبرة وأبردين وسانت أندروز وجلاسجو شبان تواقون للعلم من كل طبقة-من المزارع والمصانع ومن قصور الإقطاعيين وقاعات البارونات على السواء، يدفعهم الشوق إلى المعرفة، ويتحملون في سبيلها كل عناء؛ يعيش كثير منهم في حجرات باردة على السطوح، ويصيبون أكثر غذائهم من زكيبة من الشوفان يحملونها دورياً من مزارع آبائهم. وكذلك كان الأساتذة قوماً ذوي جلد وزهد، ندر أن تقاضي أحدهم أكثر من ستين جنيهاً في العام. وكاد اللاهوت في الجامعات أن يكون لب المنهج-كما كان في مدارس الأبرشيات. ولكن الآداب الكلاسيكية كانت تدرس ومعها قليل من العلوم؛ وتأثر الذهن الاسكتلندي بفكر أوربا العلماني. من ذلك أن فرانسس هتشسن، الذي شغل كرسي الفلسفة الأخلاقية في جلاسجو (1729-46)، نّحى الدجل الدجماطيقي، وأرسى علم الأخلاق على أسس طبيعية. وشابت الهرطقة الأريوسية عقيدة الطلاب والأساتذة على السواء-وهي التي زعمت أن المسيح، رغم ألوهيته، لم يكن معادلاً لله الآب أو مساوياً له في أزليته. وذكر مؤلف اسكتلندي في 1714 "الرواج الشديد بين شباب الأعيان والطلاب" لأفكار هوبز وسبينوزا(67). وكوّنت جماعات صغيرة من الشبان الذين ثملوا بخمر التحرر أندية-مثل "الجمعية الكبريتية" و "نار الجحيم" و "الفرسان سيئي السمعة"-تبشر بالإلحاد في تفاخر؛ ولعلهم اختلطوا بالساخطين الاستيوارتيين. ذلك أن إسكتلندة-إذا استثنينا طبقات التجار التي ارتبطت بالاقتصاد الإنجليزي-كانت لا تزال تنتشي بذكرى أسرة ستيوارت، وتحلم باليوم الذي يقود فيه جيمس الثالث، أو ابنه، الاسكتلنديين مرة أخرى عبر الحدود ليرد أسرة اسكتلندية إلى العرش البريطاني.

بقية القرن 18

عندما أدمج اتحاد عام 1707 إسكتلندة مع إنجلترا بواسطة برلمان مشترك، رددت لندن على سبيل النكتة أن الحوت قد ابتلع يونان (يونس)؛ وعندما أدخل بيوت (1762 وما بعدها) عشرين من الأسكتلنديين في الحكومة البريطانية تذمر الظرفاء لأن يونان أخذ في ابتلاع الحوت(6). أما من الناحية السياسية فإن الحوت انتصر. فقد ضاع النبلاء الاسكتلنديون الستة عشر ونواب العموم الخمسة والأربعون وسط 108 نبيلاً و513 نائباً إنجليزياً. وأسلمت إسكتلندة سياستها الخارجية، وإلى حد كبير اقتصادها، إلى تشريع يسوده المال الإنجليزي والعقول الإنجليزية. ولم ينس البلدان عدائهما السابق. فالاسكتلنديين يشكون من أسباب التفرقة التجارية بين يونان والحوت، وصموئيل جونسون ينوب عن الحوت في عضة يونان بإصرار شوفيني.

وكانت إسكتلندة تضم في عام 1760 من السكان نحو 1.250.000 نسمة. وكانت نسبة المواليد عالية، ولكن نسبة الوفيات لحقت بهم. وقد كتب آدم سمث حوالي 1770 يقول: "قيل لي أنه ليس من غير المألوف في إقليم المرتفعات الاسكتلندية لأم ولدت عشرين طفلاً ألا يبقى اثنان منهم أحياء"(7). وكان رؤساء القبائل في الإقليم يملكون الأرض كلها تقريباً خارج المدن، ويتركون الزراع فقراء فقراً بدائياً على تربة صخرية تبتلي بوابل من المطر ينهمر صيفاً وبثلوج الشتاء تهطل من سبتمبر إلى مايو. وقد زيدت الإيجارات مراراً-فرفعت في إحدى المزارع من خمسة جنيهات إلى عشرين خلال خمسة وعشرين عاماً(8). وهاجر كثير من الفلاحين إلى أمريكا بعد أن رأوا أن لا مهرب من الفقر في وطنهم، وهكذا "يستطيع زعيم القبيلة الجشع أن يحيل صنيعته برية فقراء" على حد قول جونسون:(9)وكان الملاك يحتجون بهبوط قيمة العملة ذريعة لرفع الإيجار. وكانت الأحوال أسوأ حتى من هذا في مناجم الفحم والملح، حيث كان العمال حتى عام 1775 يربطون بأعمالهم حتى يموتوا(10).

أما في مدن إقليم المنخفضات فإن الثورة الصناعية جلبت الرخاء لطبقة وسطى متسعة ومغامرة. وانتشرت في جنوب غربي إسكتلندة مصانع النسيج الكثيرة. وبفضل الصناعات والتجارة الخارجية زاد سكان جلاسجو من 12.500 في عام 1707 إلى ثمانين ألفاً في عام 1800؛ وكانت تضم ضواحي غنية، ومباني ذات شقق في أحياء فقيرة مزدحمة، وجامعة. وفي 1768-90 شقت قناة ربطت نهري كلايد وفورث، فأنشأت بذلك طريقاً تجارياً مائياً من أوله لآخره بين الجنوب الغربي الصناعي والجنوب الشرقي السياسي. وكانت إدنبرة-التي ناهز سكانها خمسين ألفاً في 1740-قلب حكومة إسكتلندة وثقافتها وموضاتها. وكانت كل أسرة اسكتلندية ميسورة الحال تتطلع إلى قضاء جزء من السنة على الأقل فيها؛ وإليها أتى بوزويل وبيرنز، وفيها عاش هيوم وروبرنسم وريبورن، وهنا ظهر محامون ذائعو الصيت مثل ايرسكينز، وقامت جامعة ذات مكانة مرموقة، وجمعية إدنبرة الملكية. وهنا كان المقر الرئيسي للمسيحية الاسكتلندية.

وكان الكاثوليك الرومان قلة، ولكن عددهم كان كما رأينا كافياً لإحداث الزعر في بلد ما زال يتجاوب بأصداء دعوة يوحنا فوكس. وكان للكنيسة الأسقفية أتباع كثيرون بين سراة القوم الذين أعجبهم الأساقفة الأنجليكان وطقوس التناول الأنجليكانية. غير أن ولاء السواد الأعظم كان لكنيسة إسكتلندة، "الكيرك البرزبتيريه" (المشيحية) التي رفضت نظام الأساقفة، واختزلت الطقوس إلى أدنى حد، ولم تقبل في الدين والأخلاق حكماً غير حكم مجالس أبرشياتها، وشيوخ أقسامها، ومجامع أقاليمها، وجمعيتها العامة. ولعله لم يوجد بلد آخر في أوربا-باستثناء أسبانيا-تشرب شعبه اللاهوت بمثل هذا العمق. وكان في استطاعة مجلس الكنيسة المؤلف من شيوخها وقسيسها أن يفرض الغرامات ويوقع العقوبات على المنحرفين المهرطقين، وأن يحكم على الزناة بالوقوف واحتمال التوبيخ العلني أثناء الخدمة الدينية، وقد حاق بروبرت بيرنز وجين آرمر مثل هذا العقاب في جلسة للكنيسة في 6 أغسطس 1786. وسيطر الإيمان بالاخرويات الكلفنية على عقول الجماهير فجعلت حرية الفكر خطراً على الحياة والأجساد؛ غير أن لفيفاً من القساوسة "المعتدلين" يتزعمهم روبرت ولسن وآدم فرجسون ووليم روبرتسن خففوا من تعصب الشعب تخفيفاً كفى لترك ديفد هيوم يموت موتة طبيعية.

وربما كان الدين الصارم لازماً للتصدي لعربدة شعب تدفعه قسوة البرد إلى الشرب حتى يثمل، ويعاني من قسوة الفقر ما يجعل لذته الوحيدة في الجري وراء الجنس. وسيرة بيرنز دليل على أن الرجال كانوا يسكرون ويفسقون رغم الشيطان والقساوسة، وأن الفتيات الراغبات لم يكن نادرات وقد طرأ على القوم في الربع الأخير من القرن الثامن عشر اضمحلال ملحوظ في الإيمان وفي التمسك بالفضائل التقليدية. ولاحظ وليم كريتش وهو مصور إدنبري، أن يوم الأحد في سنة 1763 كان يوم تعبد ديني، ولكن في 1783 "لقي الحضور إلى الكنيسة إهمالاً شديداً، خصوصاً من الرجال"، وكانت الشوارع في الليل تضج بالشباب المنحل المشاغب "في سنة 1763 هناك خمسة مواخير أو ستة... وفي 1783 ازداد عدد المواخير عشرين ضعفاً، وازداد عدد نسوة المدينة أكثر من مائة ضعف. وابتلى كل حي في المدينة وضواحيها بأعداد غفيرة من الإناث اللاتي استسلمن للرذيلة"(11). وكانت لعبة الجولف تصرف الرجال عن الكنيسة إلى اللقاءات أيام الآحاد، أما في باقي أيام الأسبوع فالرجال والنساء يرقصون (وكان الرقص من قبل يعد خطيئة)، ويذهبون إلى المسارح (وكان الذهاب إليها لا يزال يعد خطيئة)، ويختلفون إلى سباقات الخيل، ويقامرون في الحانات والأندية.

وكانت الكنيسة أهم مصدر للديموقراطية والتعليم. فكان شعبها يختار شيوخها، وكان ينتظر من القسيس (الذي يختاره عادة راع أو نصير) أن يدير مدرسة في كل أبرشية. وكان الجوع للتعليم شديداً. وكانت جامعة سانت أندروز، من بين الجامعات الأربع، قد اضمحلت، ولكنها تزعم أنها تملك خير مكتبة في بريطانيا. وقد وجد جونسون جامعة أبردين مزدهرة في 1773. أما جامعة جلاسجو فضمت بين أساتذتها جوزف بلاك الفيزيائي، وتوماس ريد الفيلسوف، وآدم سمث الاقتصادي، فضلاً عن إيوائها لجيمس وات. وأحدث الجامعات الأربع هي جامعة إدنبرة، ولكنها كانت تضطرب بما أتت به حركة التنوير الاسكتلندية من إثارة.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الهامش

انظر أيضاً