دور العراق على الجبهة السورية في حرب أكتوبر 1973

جانب من القوات العراقية البرية المشاركة في حرب أكتوبر 1973.

دور العراق في حرب أكتوبر 1973، هو الدور الذي لعبته القوات العراقية في حرب أكتوبر 1973، كجزء من الصراع العربي الإسرائيلي، وقد تمت هذه المشاركة دون تخطيط مسبق على صعيد القتال أو الشؤون الإدارية ونفذت بشكل سريع ومفاجيء وبمبادرة عراقية بحتة. وكانت أطراف عربية تتوقع أن تكون المشاركة في مثل هذه الظروف رمزية أو محدودة على الأقل، ولكن العراق دفع إلى ساحة المعركة، التي تبعد عن أراضيه أكثر من 1000 كم ، ثلاثة أرباع قواته الجوية، وبدأ يعمل على إرسال المزيد من القوات من مختلف الصنوف، وكان تركيزه على الإسراع بإرسال الطيران والدروع نابعة من رغبة القيادة السورية في الحصول على هذين السلاحين قبل أي شيء آخر. وبالإضافة إلى الحجم المادي الكبير للمشاركة العراقية، فقد كان هناك عامل ثان يتعلق بجوهر العمل العسكري الذي يتأثر عادة بطبيعة التحالفات وشدتها.[1]

ومن الواضح أن العراق لم يدخل الحرب كبلد حليف ذي مصالح خاصة متطابقة مع المصالح العامة لمجمل حلفائه ويقاتل لتحقيق المصالح الخاصة من خلال تحقيق المصالح العامة، ويوازن بين الجهد والربح، ولا يقدم إلى الحلف سوى الجهد الأدنى مقابل الربح الأقصى. لكنه دخل الحرب كدولة معنية بالصراع العربي الإسرائيلي ومستعدة لتقديم كل شيء لإسناد الجهد العسكري والاقتصادي العربي، ولذلك تجاهل كل الاعتبارات وتحديدات العمل وإسقاط الحسابات القطرية من اجل تحقيق الهدف القومي الاستراتيجي العام، ولو لم يعتبر العراق نفسه طرفا معنيا لا طرفا حليفا فقط، لما تمت حركة قواته بزخم وسرعة ولأختفت الطبيعة التصادمية التي اتسمت بها عملياتها. والعامل الثالث المهم الذي يميز المشاركة العراقية ، هو أن القوات البرية والجوية الكبيرة التي دخلت سورية لم تشكل قيادة ميدانية مستقلة، بل وضعت نفسها تحت تصرف القيادة السورية مباشرة بغية تسهيل عمل هذه القيادة وإعطائها قدرة ومناورة على زجها في المعركة بأسرع وقت ممكن. ولم يكتف العراق بمشاركته العسكرية فقط، بل استخدم أيضا سلاحه الاقتصادي ضد كل من ساعد إسرائيل في حربها أو شارك فيها وقدم الشعب العراقي إلى الشعب السوري النفط والمساعدات الاقتصادية والاعتدة ودبابات التعويض.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

خلفية عسكرية

الجيش العراقي لدى وصوله إلى الأراضي السورية، حرب أكتوبر 1973.

1- دخل الجيش العراقي الحرب في الجبهة السورية على ارض لم يستطلعها مسبقا ونفذ واجباته من الحركة في معركة تصادمية تعتبر من أصعب أشكال الحروب وأكثرها تعقيدا ، والحقيقة التي نؤكدها للتاريخ أن الأخوة في القيادة السورية قدموا تسهيلات ومعلومات سهلت كثيرا على الجيش العراقي مهماته وكان التعاون والتنسيق بين القوات العراقية والسورية في أروع أشكاله لأن المعركة كانت واحدة والمصير كان واحدا.

2- دخلت القوات العراقية المعركة بعد تنقل طويل تراوح بين 1200- 1500 كم وهذا بدوره يؤثر بالطبع على راحة الجندي واستعداده البدني ، ومع ذلك كانت معنويات الجندي العراقي مرتفعة لأنه كان متلهفا لمساندة أشقائه ولمواجهة الجندي الإسرائيلي وجها لوجه في ثاني معركة مباشرة وواســعة بينه وبين الجندي الإسرائيلي منذ حرب 1948.

3- كانت القوات العراقية المقاتلة في الجولان تؤمن شؤونها الإدارية عبر بغداد ودمشق ومعروف أن مثل هذه المسافة لها تأثير على وصول الإمدادات الإدارية. ورغم هذه المعضلة إلا أن الإرادة والتصميم بالنسبة للقوات العراقية كانت تتخطى هذه المعضلة وتتجاوزها لأنها كانت تنظر للهدف الأسمى والأنبل وهو دحر العدو وإفشال مخططاته.

4- دخلت القوات العراقية بسياق عمل يختلف عن ســياق عمل القوات السورية، ولكن تعاون هيئات الركن في كلا الجانبين ذلل كثيرا من المصاعب وأوجد قواسم عمل مشتركة حققت انسيابية مشهودة خلال المعارك.

5- تم زج القوات البرية العراقية على الجبهة السورية الضيقة ولم يسمح لها باستخدام مجال عملها الأوسع على الجبهة الأردنية العريضة الأمر الذي حرمها من حرية العمل واختيار مكان الهجمات المقابلة وبالطبع كان هذا التحديد خاضعا لظروف خاصة لا دخل لها فيها.

6- كما أثرت ظروف دخول الجيش العراقي إلى سوريا على حركة القوات المدرعة العراقية وجعلتها تصل إلى الجبهة تباعا وفرضت ظروف المعركة زجهابالألوية بدل زجها بكتلة ضاربة (فرقة أو فيلق) وفق أبسط مباديء قتال الدبابات في الحرب الحديثة ولقد أدى هذا إلى فقدان قوة الصدمة.


خلفية سياسية

قوات عراقية-سورية في الجولان، حرب أكتوبر، 1973.

كان العراق حتى احتلاله عام 2003 يؤمن بأن العمل على تحرير الأراضي الفلسطينية، هو هدف قومي لا ينبغي إسقاطه من أجل هدف قطري، وأن تحرير الجولان والعريش ونابلس سيفقد قدسيته إذا كان الثمن التخلي عن حيفا ويافا وعكا للمستوطنين الإسرائيليين (14). كما كان تقدير القيادة العراقية أن طبيعة العدو الإسرائيلي وتحالفا ته تحتم توحيد الجهد العربي في كافة مجالاته السياسية والاقتصادية والعسكرية والاستخبارية ، وعلى هذا الأساس بدأ التحرك العراقي فتم إعداد مشروع لعرضه على القمة الثلاثية التي كان مقررا لها أن تعقد في [طرابلس] في شهر فبراير 1970، بين الرؤساء أحمد حسن البكر وجمال عبدالناصر ومعمر القذافي، وكان هذا المشروع يؤكد على ضرورة جعل ميدان المعركة ميدانا قوميا والعمل لتحرير جميع الأراضي المحتلة بما فيها ارض فلسطين العربية. كان تقدير الرؤساء الثلاثة ينطلق من اعتبار أن الظروف الدولية لا تستطيع إيقاف هذا التحرير إذا كانت هناك قيادة واحدة وإرادة واحدة تملك حرية التخطيط وحرية العمل في الميدان، وقبل انعقاد المؤتمر قدم ويليام روجرز وزير الخارجية الأمريكي مشروعه المعروف برسالة وجهها إلى وزير الخارجية المصري محمود رياض في 19 يونيو 1970.

وتمت أولى جلسات مؤتمر القمة قبل إعلان موافقة مصر على المبادرة الأمريكية وطرح الرئيس البكر المشروع الوحدوي التحريري العراقي ولكنه فقد امكانات تطبيقه عندما وافقت الأردن ومصر على المبادرة الأمريكية واضطر العراق إلى سحب قوات صلاح الدين من الأردن حتى لا يكون طرفا في مثل هذه التسويات خاصة بعد إلغاء الجبهة الشرقية (15).

في آذار 1972 جرت محادثات بين مسئولين عراقيين ومصريين وسوريين في دمشق والقاهرة وعرض مشروع وحدة مقاتلة وكان محور هذا المشروع تحرير فلسطين لكن هذه المحادثات لم تسفر عن نتيجة ايجابية بسبب خلافات في وجهات النظر بين الأقطـار الثلاثة حول هذا الموضوع.

في كانون الثاني عام 1973 عرض العراق أمام وزراء الخارجية والدفاع العرب مشروعاً اقتصادياً وسياسياً ذا نتائج عسكرية وكان المشروع يتعلق باستخدام البترول كسلاح لإيجاد أرضية سياسية ونفسية للحرب ، وكانت وجهة النظر العراقية تتلخص في ضرورة إعداد الجماهير العربية عن طريق تأميم الحصص الأمريكية في شركات النفط وتهديد الدول الغربية بالتأميم وقطع النفط إذا ما وقفت هذه الدول إلى جانب إسرائيل ، لكن هذا المشروع لم يلق آذاناً عربية صاغية لأسباب معروفة تتعلق بطبيعة بعض الأنظمة العربية وسياساتها المرتبطة بالقوى الأجنبية .. إضافة لما ذكر فقد تقدم العراق بعدة مشاريع وقام باتصالات مستمرّة لاستقطاب الدول العربية حول وضع قواعد عمل عسكرية عربية مشتركة تحدث تبدلا نوعيا في القدرات العربية وتخلق أسسا مادية واقتصادية ومعنوية يمكن الانطلاق منها نحو التحرير، وعلى التوازي مع هذا الجهد العراقي، كانت مصر وسوريا تعدّان العدّة لخوض الحرب بصورة مشتركة مستبعدتين العراق عن خططهما.

كان التصوّر المصري السوري للمعركة مبنيّاً على أن مصر ستعمل على اجتياز قناة السويس بصورة مباغتة بقوّة هجوميّة ونيران كثيفة وبإسناد واسع من سلاح الجو المصري وبمشاركة أعداد من الطائرات العراقية التي كانت موضوعة بإمرة قيادة سلاح الجو المصري لتدمير خط بارليف والتحرك شرقا لتفرض على القوات الإسرائيلية حرب استنزاف متحركة ، وفي نفس الوقت يقوم السوريون بهجوم يحررون من خلاله هضبة الجولان ويدمرون قوات العدو المتحركة فيه، ثم يقيمون خطا دفاعيا عند حدود نهر الأردن لصد هجمات القوات الإسرائيلية المقابلة التي ستقوم بها قوات الاحتياط بعد استكمال تعبئتها خلال 72 ساعة.

ويذكر كتاب حرب رمضان الذي قدم له الرئيس الراحل أنور السادات هدف الحرب بقوله: كان على القيادة المصرية أن تخطط للقيام بعملية هجوميّة استراتيجية مشتركة تنفذ بالتعاون مع القوّات السورية وتقوم مصر باقتحام مدبّر لقناة السويس وتدمير (خط بارليف) والاستيلاء على رؤوس جسور بعمق 10 – 15 كم على الضفة الشرقية وتكبيد الإسرائيليين أكبر خسارة ممكنة وصد وتدمير هجمات وضربات قواتهم المقابلة والاستعداد لتنفيذ أية مهمات قتالية تكلف بها القوات المصرية فيما بعد ، أما سوريا فتشن الهجوم وتخترق دفاعات العدو في الجولان، وتقوم بتشتيت قواته ، وتدميرها إلى الخط نهر الأردن-الشاطئ الشرقي لبحيرة طبريا (17).

وكان من المنتظر بعد ذلك أن يتدخل مجلس الأمن لإيقاف القتال، بعد أن تخلق القوات العربية حقائق جديدة تعيد ألازمة إلى بؤرة الاهتمام العالمي (18). ولما كان العراق غير موافق على هذا الهدف الاستراتيجي للحرب، ولا يعتبر تطبيق قرار مجلس الأمن في الأساس صالحا لتسوية النزاع، فقد حجبت القيادتان المصرية والسورية عن القيادة السياسية العراقية جميع المعلومات الخاصة بالأعداد للمعركة (19).

وفي السياق نفسه اعتقد المصريون والسوريون أن ظروف العراق لن تسمح له بالمشاركة في القتال ، لوجود التهديد الإيراني للحدود الشرقية ، وعدم استقرار الحل السلمي للمسألة الكردية وان هذين السببين سيمنعانه من القدرة على تحريك قواته إلى الجبهة إضافة إلى أن مدة إنجاز الواجب من قبل القوات السورية ستكون قصيرة إلى حد يجعل أية قوات يدفعها العراق إلى الجبهة ستصل بعد وقف القتال، أو بعد تصفية القوات المعادية في(الجولان) على الأقل.

أما القيادة العراقية فكان لها رأي آخر، فرغم تقييمها لطبيعة الحرب وهدفها كانت ترى أن هذا الهدف يختلف عن الهدف الذي يخطط العراق لتحقيقه ومع ذلك قررت المشاركة الفعلية في الحرب لأسباب تم دراستها وتحليلها كان في مقدمتها، كما ذكر معاون رئيس أركان الجيش العراقي في حينه، هو الأيمان المطلق بان المعركة قومية حتى لو لم يستدعى العراق للمشاركة فيها وان القوات المسلحة العراقية هي في خدمة الأمة العربية حيثما تعرضت للعدوان أو كان هناك قتال ضد أعدائها، وان أخوة السلاح التي تنمو وتكبر تحت النار ستخلق بالتأكيد نوعا من الوحدة العفوية العملية بين المقاتلين العرب وربما تهيئ الأجواء مستقبلا لنوع من التوجه الوحدوي على الأقل في ظروف العدوان الأجنبي أيا كان مصدره.

وما أن اتخذ العراق قراره بالمشاركة في الحرب حتى اتصل الرئيس احمد حسن البكر بالرئيسين أنور السادات وحافظ الأسد هاتفيا واعلمهما أن العراق قرر إشراك جزء من طيرانه في المعركة إلى جانب سورية وان القوات الجوية العراقية مستعدة لتلبية كل طلبات جـناح الهوكر هنتر الموجود في مصر منذ السادس من نيسان 1973 ، فأعرب الرئيسان المصري والسوري عن ارتياحهما وشكرهما (20) وصدرت الأوامر إلى قيادة القوة الجوية والدفاع الجوي العراقية بالعمل الفوري على تنفيذ أوامر القيادة العراقية وبدأت آلة القوة الجـوية بالدوران.

في ليلة 6-7 أكتوبر 1973 وضعت القوات البرية العراقية بالإنذار وصدر الأمر إلى آمر اللواء الآلي الثامن أمرا بالحركة نحو الحدود السورية في صباح 7 أكتوبر كتدبير استباقي للدخول فورا إلى ساحة المعركة بعد حصول موافقة الحكومة السورية. وفي اجتماع يوم 7 أكتوبر اتخذت القيادة العراقية أربعة قرارات مهمة هي:

1- تأميم حصة أمريكا في شركة نفط البصرة واعتبار ذلك شرارة المعركة السياسية النفطية ضد الولايات المتحدة كونها شريك فعلي في الحرب ضد الأقطار العربية وداعم رئيس لإسرائيل بالأسلحة، ويأتي هذا الأجراء تطبيقا لشعار استخدام النفط كسلاح في المعركة القومية.

2- إرسال مزيد من القوات الجوية على وجه السرعة إلى الجبهة الشمالية لدعم القوات السورية وإسنادها.


3- إرسال اكبر ما يمكن من القوات البرية، وخاصة المدرعة منها، إلى سوريا على وجه السرعة.

4- إعادة العلاقات الدبلوماسية مع إيران، ودعوتها إلى حل المشاكل بين العراق وبينها بالطرق السلمية، وعن طريق المفاوضات، لتامين الجبهة الشرقية للعراق (21) وفي السياق نفسه ذكر تقرير عن حرب تشرين (22) أن العراق سارع إلى الاتصال بالاتحاد السوفيتي طالبا منه الضغط على إيران لكي لا تستغل سحب قطعات من القوات العراقية وإرسالها إلى سوريا، وبالفعل وجه الاتحاد السوفيتي تحذيرا إلى إيران من مغبة استغلال الظروف والاعتداء على العراق وحرك السوفيت بعض قطعاتهم العسكرية نحو الحدود الإيرانية. ويضيف التقرير: وهكذا تسنى للعراق إرسال المزيد من القوات العراقية إلى سوريا ولعبت دورا مشهودا في إيقاف زحف المدرعات الإسرائيلية نحو دمشق (23).

وفي صباح يوم 7 أكتوبر، وعندما كانت كتائب اللواء الآلي الثامن في طريقها إلى سوريا، أرسلت الحكومة العراقية إلى الحكومة السورية برقية تعلمها فيها عن قرار العراق بوضع كل ثقله العسكري البري والجوي في خدمة المعركة، وقابل السفير العراقي نائب رئيس الحكومة السورية في صبيحة نفس اليوم وابلغه مضمون البرقية. وكان جواب الحكومة السورية في اليوم نفسه: (أنها تلقت النبأ بشكر واعتزاز وأنها ترجو معرفة موعد التحرك وحجم القوات ونوعيتها). وفي مساء نفس اليوم قابل السفير العراقي الرئيس الراحل حافظ أسد الذي (أبدى شكره واعتزازه بقرار الرئيس والقيادة في العراق بشان القرار القومي التاريخي بمشاركة العراق بكل ثقله في المعركة. وأعرب عن أمله في وصول القوات العراقية بأسرع وقت ممكن وبأكبر حجم ممكن. ورجا معرفة موعد تحركها وتعدادها ونوعيتها. وأشار بان سوريا بحاجة لدبابات تي 54 وتي 55 إضافية) وبينما كان السفير العراقي يقابل المسئولين السوريين ويتلقى تحيات الشكر ، كان جنود الجيش العراقي يحزمون أمتعتهم ويملئون خزانات الدبابات والعربات المدرعة بالوقود ويحملون صناديق القنابل في الشاحنات وينظفون أسلحتهم ويتهياون للحركة عند صدور الأمر بذلك ..ومرة أخرى قابل السفير العراقي في اليوم نفسه وزير الخارجية السوري بناء على طلبه وأكد له الوزير: (على أهمية وصول القطعات العسكرية العراقية بأسرع وقت ممكن وبأكبر حجم ممكن ورجا أن لا تقل عن فرقتين بكامل دروعهما) (26).


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الموقف على الجبهتين الشرقية والغربية

احتفالات الجيش العراقي والسوري باخراج الجيش الاسرائيلي من الجولان والضفة.
  • موقف القوات المصرية على الحدود الغربية
  1. تتحرك القوات المصرية من عناصر الجيش الأول والثاني بثبات شمال غرب سيناء وغرب سيناء مكبدة قوات العدو خسائر فادحة في الأرواح والمعدات.
  2. تقوم طائرات القوات الجوية المصرية من طراز ميغ21وسوخوي7 مسندة من قبل طائرات هوكر هنتر العراقية بضربات مؤثرة لقوات العدو واستمرارها بالبحث عن المدفعية الإسرائيلية طراز 175 ملم وتدميرها في صحراء سيناء.
  3. القطع البحرية المصرية والقطع ألمرافقة لها توجة ضربات حاسمة للبحرية الإسرائيلية.
  4. الجيش الثالث المصري حوصر بشدة من قبل أحد ألوية العدو الإسرائيلي مما ولّد ثغرة سميت باسمثغرة الدفرسوار وأدّى التدخل الأمريكي إلى جعل الموقف العربي أكثر صعوبة على هذه الثغرة.

الصدمة على الجبهة الشرقية

احتفالات الجيش العراقي والسوري باخراج الجيش الاسرائيلي من الجولان والضفة.

القوات السورية اجتاحت هضبة الجولان بقوة إلا أنه سرعان ما تحول الوضع إلى العكس حيث تقهقرت إحدى فرق الجيش السوري الميكانيكية تحت الضغط الإسرائيلي الشديد باتجاه دمشق مما أدى إلى شبه فوضى وصدمة للقيادتين السورية والمصرية وذلك في 7 أكتوبر 1973.

حشد القوات العراقية

عندما اتخذت القيادة العراقية قرار المشاركة الفعلية في حرب تشرين والتحول من دولة مشاركة إلى دولة مواجهة ، وجدت القيادة العسكرية نفسها أمام معضلة استراتيجية تتمثل في نقل قواتها من العمق السوقي (الاستراتيجيي) إلى العمق العملياتي والتعبوي وتامين الحشد المطلوب في ساحة المعركة تحت ضغط عامل الزمن. وكانت هذه القيادة تعرف أن الحروب العربية الإسرائيلية تدور ضمن مهلة زمنية محدودة تفرضها طبيعة الصراع وحساسية المنطقة التي تدور فيها المعارك وتأثير القتال على الأمن والاقتصاد العالميين وتعي جيدا أن المشاركة العسكرية في القتال لن تكون فعالة إلا إذا تمت بحجم مناسـب وفي الوقت المناسب.

وكان تحشيد القطعات العراقية من مقراتها ومعسكراتها الموزعة في عموم العراق ومن ثم انتقالها الاسـتراتيجي السريع يشكل معضلة متعددة الوجه أبرزها:

1- انتشار القطعات البرية: من المعروف أن هذه القطعات لم تكن محتشدة أو قريبة من الحدود السورية العراقية قبيل اندلاع الحرب ، بل كانت منتشرة في مقرات ومعسكرات بعيدة وموزعة في معظمها قرب الحدود الشرقية للعراق بسبب الوضع المتوتر مع إيران وعدم حسم المسالة الكردية ، لذلك اتخذت القيادة العسكرية سلسلة من الإجراءات الفورية حول إعادة انتشار هذه القطعات وتنقل البعض منها من العمق السوقي إلى مناطق تجمع في وسط وغرب العراق.

2- طول مسافة الحركة: لقد فرض انتشار القوات وبعد العراق عن جبهة القتال مع العدو الإسرائيلي عاملا مهما هو طول مسافة الحركة مما اضطر القيادة العسكرية العراقية إلى نقل بعض القطعات بالطائرات من معسكراتها البعيدة إلى قاعدة الوليد الجوية غرب العراق ونقل باقي القطعات على مراحل وتجميعها في أماكن قريبة من الطريق الدولي (بغدادالرماديالرطبةأبو الشاماتدمشق ) الذي يبـلغ طوله حوالي 1000 كم، في حين تم تحريك ألوية المشاة المتمركزة في شمال العراق إلى التنقل عبر محور (الموصلحلبدمشق).

3- ضخامة القوة المتحركة: حرك العراق إلى سوريا منذ يوم 7 أكتوبر 1973 وحتى يوم 24 أكتوبر قوات عسكرية ضخمة ، ولقد عبر اللواء الركن إسماعيل تايه النعيمي معاون رئيس أركان الجيش العراقي لشؤون العمليات آنذاك، والذي كان قد وصل إلى دمشق جوا في 8 أكتوبر لاستقبال القوات العراقية، عن ضخامة القوة المتحركة من العراق إلى سورية بان قال لوزير الدفاع السوري اللواء مصطفى طلاس: ( لقد جاءك جيش بدايته في الشام ونهايته في دمشق) (27). والحقيقة التي تم معايشتها شخصيا في تلك الفترة هي أن الارتال العسكرية العراقية التي بدأت بالتنقل إلى سوريا، قسم منها محمول وقسم منها على السرفات ، كانت ذيولها الإدارية تمتد من بغداد إلى معسكراتها في الرمادي والموصل والعمارة وشرق العراق وغيرها من ألاماكن على شكل أصابع الكف .

4- نقص وسائط الحركة: في ضوء توجه العراق بالتحول من دولة مشاركة إلى دولة مواجهة فقد عملت القيادة العراقية على إعطاء اهتمام اكبر لمسألة رفع مستوى حركية القوات المسلحة، وهذا ما دفعها بالفعل إلى البدء بمكننة القوات البرية وتوسيع الاهتمام بالنقل الجوي وتعزيز شبكة المواصلات الداخلية، ومع هذه الإجراءات إلا أن عدم وجود خط استراتيجي لسكة الحديد بين دمشق وبغداد ومحدودية استيعاب طرق الاتصال البري الجيدة المتوفرة بين العراق وسوريا حددت من عملية تنقل القطعات على هذه الطرق ، الأمر الذي أدى إلى تزاحم الارتال خاصة على الطريق الرئيس ( بغداد – أبو الشامات – دمشق ) وكان من الممكن أن يؤدي هذا إلى وقوع خسائر كبيرة لو أن الطيران الإسرائيلي كان محتفظا بفاعليته الأساسية وانهماكه بالقتال على الجبهتين السورية والمصرية بالإضافة إلى عامل آخر يعتقد الباحث بصحته وهو أن معلومات العدو الاستخبارية عن سرعة التحشد العسكري العراقي كانت قليلة أو غير دقيقة.

5- حماية الارتال من الضربات الجوية: كان محور تقدم القطعات العراقية أرضا مكشوفة وكان القسم الواقع منه داخل الأراضي السورية يقع ضمن مدى عمل القوات الجوية الإسرائيلية، كما لم يكن الجيش العراقي قد حصل بعد على صواريخ ارض - جو سام 6 المتحركة أو على صواريخ الكتف ارض – جو / سام 7 (ستريلا) وكانت الحماية تعتمد على الرشاشات والمدافع المضادة للطائرات، ومع ذلك فان الباحث (كونه شاهد عيان ومشارك في الحرب) لم تؤشر لديه معلومات بتعرض هذه القوات إلى هجمات جوية إسرائيلية مؤثرة ولا يستبعد أن تكون الطائرات الإسرائيلية قد قامت باستطلاع حركة القوات العراقية بعد وصولها إلى سوريا.

6- الحماية من كمائن القوات المحمولة جوا: كانت لدى القوات الإسرائيلية إمكانية عسكرية للقيام بعمليات محمولة جوا أو بإجراء عمليات إنزال خلف خطوط القوات العربية من خلال لوائين محمولين جوا باستخدام طائــــرات ســـمتية نوع ( سوبر فرلون ) الفرنسـية وسيكوريسكي الأمريكية، لذلك تحسبت القيادة العسكرية العراقية لهذا الاحتمال وزادت من اجراءات الحيطة والحذر ضد هذه العمليات.

احتفالات الجيش العراقي والسوري باخراج الجيش الاسرائيلي من الجولان والضفة.

ورغم هذه المعضلات والعقبات التي اعترضت أو كان من المتوقع أن تعترض القوات العراقية خلال تنقلها فقد نفذت عملية التنقل الاستراتيجية بكفاءة وسرعة جيدتين واستطاعت التغلب على جميع المعضلات بسبب عوامل عديدة أبرزها وقوف القيادة السياسية وراء عملية التحشد ودعمها لها ماديا ومعنويا والتزام المقاتلين العراقيين بالتعليمات الصادرة بهذا الخصوص وتفانيهم في أداء واجبا تهم وحالة الاستعداد الجيدة التي اتسمت بها القوات العراقية والإعداد الإداري الجيد للمعركة وارتفاع مستوى التدريب للضباط والمراتب والكوادر الفنية وفهمهم الكامل لمشكلات التنقل وكيفية التغلب عليها وارتفاع مستوى الصيانة الفنية للآليات مما انقص الأعطال إلى الحد الأدنى ومنع تساقط الآليات أو تخلفها خلال الحركة الطويلة التي زادت عن ألف كيلو متر في ظروف بالغة الدقة والتعقيد (28).

واستكمالا لعملية التحشد تم في يوم 8 تشرين أول 1973 فتح مقر للعمليات في ديوان وزارة الدفاع العراقية، ثم نقل إلى مقر بديل آخر وتم حشد 5 خمسة أسراب من الطائرات في مطاري الضمير ودمشق الدوليين وأرسلت على الفور إلى العاصمة السورية أيضا ناقلات حوضية لمشتقات النفط وبدأت القطعات العسكرية بالحركة من مناطق تحشدها أو تدريبها إلى سوريا وكان أولها إرسال فوج حماية قاعدة ابن الوليد ثم تبعه لواء مشاه آلي ، وكان التنقل يجري على سرفات الدبابات وعجلات القتال المدرعة لكسب الوقت في الوصول بسرعة إلى الجبهة السورية لان الموقف العسكري ، كما اخبر بذلك ضابط الارتباط السوري،، كان يتطور بسرعة بعد يوم 8 تشرين الأول 1973.

وقد قامت ارتال عجلات الإدامة بنقل (50) خمسين ألف طن من مواد الإدامة المختلفة كالأرزاق والعتاد والوقود والمواد الاحتياطية والملابس والتجهيزات. وحسب معلوماتنا لم يحصل خلال عملية التحشد الكبيرة والسريعة هذه والتي جرت بحماية مظلة جوية عراقية ، أي حادث مهما كان نوعه بفضل الله تعالى ، ولم تتوقف أية عجلة لنقص الوقود ولم يفتقر أي سلاح للعتاد.

وقد بلغت القوات البرية والجوية العراقية التي تم حشدها:

فيلق مدرع، فرقة مشاة آلية، لواء قوات خاصة، خمسة أسراب جوية مقاتلة/قاصفة وأسراب من طائرات النقل الجوي وطائرات الهيلكوبتر، وقد زاد مجموع هذه القوات عن 60 ألف مقاتل و700 دبابة ومئات العربات المدرعة وآلاف سيارات النقل و12 كتيبة مدفعية(32).


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

تحضيرات الجيش العراقي

في 7 أكتوبر 1973 قررت القيادة العراقية استدعاء رئيس أركان الجيش العراقي الأسبق الفريق جبار شنشل إلى مقر العمليات والاستعلام عن موقف القوات العراقية وجاهزيتها للقتال.وكانت أقرب الوحدات العراقية هما اللواء السادس المدرع العراقي واللواء المدرع الثاني عشر العراقي الذان كانا يقومان بتدريبات في منطقة المشراق شمال غرب العراق إضافة للواء الثامن الآلي والقوات الخاصة العراقية.

التشكيل العسكري للقوات العراقية

الدبابات العراقية المشاركة في حرب أكتوبر.

كانت القوة الجوية العراقية في أوجها وكان لديها من الطرازات ميگ 19 و20 ومن السوخوي 7 والهوكر هنتر والميگ 23 الآتي:

  1. سربين مقاتلات ميك 19 وسرب تدريب
  2. سربين مقاتلات سوخوي 7 وسرب تدريب
  3. جناح مقاتلات ميك 21 وسربين تدريب
  4. جناح مقاتلات هوكر هنتر وسرب تدريب
  5. سربين مقاتلات ميك23 وسرب تدريب

أمرت القيادة العراقية بإرسال القوات العراقية الجاهزة للأراضي السورية فتحركت أول طلائع اللواء السادس المدرع العراقي بالساعة 2400 من ليلة 7-8 أكتوبر 1973 قاطعة مسافة 1100 كم عبر طريق العراق سوريا البري.

تعداد القوات العراقية المشتركة بالحرب

  1. لواءالمشاة الآلي
  2. لواء مشاة آلي
  3. فرقة دبابات طراز T62
  4. لواء مشاة جبلي عراقي
  5. خمسة آلاف عنصر من القوات الخاصة العراقية
  6. 150 طائرة مقاتلة وقاصفة
  7. 66 طائرة هيلوكوبتر
  8. حوالي 300 عجلة نقل وقتال عادية وكبيرة ومصفحة
  9. حوالي 20000 مقاتل عراقي اشتركوا بهذه المعركة الحاسمة

القوات البرية

1- الفرقة المدرعة الثالثة أو كما كانت تسمى ( قوات صلاح الدين ): بقيادة العميد الركن محمد فتحي أمين الكواز وتألفت من:

2- فرقة المشاة الآلية 5: وكان من بين وحداتها، لواء المشاة الآلي العشرون بقيادة العقيد الركن سلمان باقر، وكان هذا اللواء يتواجد في مدينة العمارة جنوبي العراق وتحرك على السرفات مدة ثمانية عشرة ساعة بدون توقف، ووصل الغوطة يوم 15 أكتوبر 1973، وقد شارك اللواء في معظم المعارك وبلغت تضحياته 15 شهيدا و40 جريحا.

3- فرقة المشاة 4: وكان من أبرز الويتها التي شاركت بشكل مشرف في الحرب هو لواء المشاة الخامس الجبلي بقيادة المقدم الركن عبد الجواد ذنون وكانت معاركه مشهودة في هضبة الجولان وجبل الشيخ، كما شاركت مع الفرقة وحدات أخرى ساندة ألحقت بها في وقت لاحق.

القوة الجوية العراقية

النقيب الطيار العراقي كامل سلطان الخفاجي، أمام هوكر هنتر عراقية استشهد فوق الجولان 15-10-1973.

أما بالنسبة لمشاركة القوة الجوية العراقية في الحرب فقد تم إدخالها بالإنذار الفوري فور سماع أخبار الحرب من الإذاعات وخصصت القيادة العامة للقوات المسلحة العراقية جهدا جويا كبيرا لإسناد وخدمة القوات المشاركة في العمليات العسكرية وكما يأتي (33):

  • 90 مطاردة معترضة ميگ 21.
  • 60 قاذفة مقاتلة هجوم ارض سوخوي 7
  • 30 قاذفة للهجوم الأرضي ميك17
  • 36 قاذفة مقاتلة هجوم أرضي هوكر هنتر
  • 24 طائرة قوامها 2 سرب كانت موجودة في مصر قبل بدء الحرب وشاركت في الضربة الجوية الأولى ضد الأهداف الإسرائيلية في سيناء .
  • 8 قاذفات متوسطة تي يو 16

أما بالنسبة لطيران النقل فقد كان عدد طائراته 31 طائرة موزعة على النحو الآتي:

وقد بلغت ساعات طيران النقل الجوي لصالح العمليات من 7 أكتوبر حتى 3 نوفمبر 1973 ، 862 ساعة منها (121) ساعة على الجانب المصري و394 ساعة على الجانب السوري والجهد الجوي الآخر كان مخصصا لأغراض الإدامة والارتباط والواجبات الأخرى حيث تم نقل(1800) شخص وحمولات بزنة 671 طن موزعة على (219 ) طن لإسناد الجناح العراقي في مصر و(452) لإسناد الأسراب العاملة في سورية.

وكان العراق يمتلك 8 قاذفات قنابل تي يو 16حمولة كل منها 72 طن بالطلعة الواحدة ولم يشترك سرب القاذفات تي يو 22 في الحرب بسبب عدم استلام أجهزتها من الاتحاد السوفيتي السابق إلا بعد انتهاء الحرب.

أما الطائرات السمتية التي تم وضعها بالإنذار أو التي شاركت فعلا بالحرب من خلال تنفيذها لمهمات قتالية أو لوجستية فكانت :

  • 83 طائرة خفيفة مي 1
  • 35 طائرة مهمات مي 4
  • 29 طائرة نقل متوسط مي 8
  • 10 طائرة بركس (بريطانية الصنع)
  • 5 طائرات ألويت (فرنسية الصنع)

ميزان القوى العسكري

كان ميزان القوى على النحو التالي :

1- بالدبابات على الجبهة السورية في تلك الفترة يعادل 5 إلى 1 تقريباً لصالح القوات العربية .. 2- ميزان القوى بالمشاة يعادل 3 إلى 1 لصالح القوات العربية . 3- أما ميزان القوى بالمدفعية فكان مائلاً لصالح القوات العربية بفارق 4 إلى 1 4- تحديد حرية عمل الطيران المعادي وعدم قدرته على دعم القوات البرية إلا بخسائر كبيرة نظراً لاستعمال شبكة الصواريخ (أرض جو) السورية وقربها من مسرح العمليات .. في حين كان العامل السلبي الرئيس في ميزان القوى، هو حصول العدو الإسرائيلي على صواريخ (تاو)، الموجهة ضد الدبابات من أميركا وارتفاع مستوى التشويش الإلكتروني المعادي لصواريخ (أرض جو) أيضا ، ًكما كان العدو قد حصل من أميركا على صواريخ (جو أرض) من طراز (مافريك) و (هوير) و (والي) و (روكي) وجميعها دقيقة الإصابة والفعالية مما اثر على فعاليات القوات العربية في مسرع العمليات .. وفي يوم 16/10/73 ركز العدو جل اهتمامه على جبهة سيناء لإنجاح الثغرة الثغرة واستغلال التقدم الذي حققه هناك من أجل قلب التوازن الاستراتيجي للجيشين المصري الثاني والثالث، وحصلت الجبهة السورية على فترة هدوء نسبي، واستغلتها قيادة القوات العاملة هذه الجبهة . وإذا كانت االقوات السورية قد استفادت من عامل الزمن خلال معارك العدو لاستيعاب الأسلحة الروسية المتدفقة عبر الجسور البحرية البرية والجوبة، وإكمال النقص في القوات المدرعة بـ (200) دبابة عراقية ، كان العراق قد اشتراها من روسيا في وقتٍ سابق، وتعويض خسائر الدبابات التي أصابت اللوائين 12 و 6 بدبابات سحبت من القوات الاحتياطية المجودة في العراق، وحشد الجزء الأكبر من الفرقة (6)، وحشد اللواء الجبلي (12)، من القوات العراقية، وقد ساعد عامل الزمن على دخول اللواء المدرع / 40 الأردني إلى سوريا يوم 13/10/73، وكان هذا اللواء من خيرة الألوية المدرعة الأردنية وقد اشترك في القتال يوم 16/10، كما وصل اللواء المدرع /92 مع قيادة الفرقة المدرعة /3 الملكية الأردنية إلى منطقة (الشيخ مسكين)، يوم 22/10/73 . كان الإسرائيليون يشعرون بالنقص في الرجال والكوادر القتالية بسبب الخسائر الضخمة التي لحقت به، ولقد حاول إكمال هذا النقص بمتطوعين مرتزقة، ويهود أمير كيين مزدوجي الجنسية والولاء . في حين كانت القوات العربية تمتاز بالتفوّق في هذا المجال بسببين :-

1- العامل البشري الهائل الذي تمتلكه ، والذي سمح لها الطول النسبي لمدة الحرب بتعبئة الجزء الأكبر اللازم .. 2- وجود قوات عربية نظامية كاملة في العمق العربي الاستراتيجي، واستعداد هذه القوات للتحرك تجاه مسرح العمليات في الجولان . وبفضل الصمود في معركة الصد، وتدفق القوات العربية إلى الجولان (القوات العراقية بشكلٍ أساسي)، ووصول المعدات والأسلحة الروسية، وخطأ العدو الاستراتيجي في تطبيق أسس القتال على (الخطوط الداخلية)، فقد ظهر وضع جديد يسمح بالانتقال من الصّد إلى الرّد، ولهذا قررت القيادة السورية العُليا شن هجوم معاكس استراتيجي ضد ألوية العدو العشرة التي كانت متوغلة في جيب (سعسع)، كما قررت أن تستخدم في هذا الهجوم :-

(فرقتين مدرعتين سوريتين)، غير كاملتين . لوائين سوريين . فرقتين مدرعتين عراقيتين (ناقص لواء). لوائين مدرعين أردنيين . ثلاث فرق الية سورية مع لواء مشاة مستقل . لواء مشاة عراقي . لواء جبلي عراقي . لواء قوات خاصة عراقي .. وحدات مغربية وسعودية محدودة، ووحدات من جيش التحرير الفلسطيني (قوات حطين والقادسية) .

كان الهدف من الهجوم المعاكس تصفية جيب (سعسع)، في القفزة العملياتية الأولى، ثم تليها القفزة العملياتية الثانية لتحرير (الجولان) .

عندما كانت تدور معارك طاحنة قرب (سعسع)، وفي قطاع عمل الفرقة المدرعة /3 العراقية واللواء المدرع /40 الأردني، حددت القوات السورية العليا خطة للهجوم المعاكس الاستراتيجي يوم 23/10/73، وتم تحديد المهمات العملياتية للهجوم وتحرير الأرض . وفي يوم 22/10/73، صدر قرار مجلس الأمن الدولي رقم (338)، القاضي بوقف إطلاق النار، وفوجئ السوريون والعراقيون بهذا القرار وبموافقة مصر، عليه، وأرجئ الهجوم الاستراتيجي على الجبهة السورية حتى يوم 24/10/ 73، وكان أمام القيادة السورية خياران لا ثالث لهما وهما :-

1- التمسك بالهجوم المعاكس وشنه لتحرير الأرض .. 2- إلغاء الهجوم والقبول بقرار وقف إطلاق النار ..

كان أنصار شن الهجوم المعاكس ووقف إطلاق النار يؤكدون أن القوات المحتشدة قادرة على حسم المعركة وتطهير الجيب الإسرائيلي خلال يومين على أبعد تقدير، الأمر الذي يزيل الأثر المعنوي الذي سببه وجود هذا الجيب، ويدمر جزءاً كبيراً من قوات العدو المدرعة، ويقصر طول الجبهة بنسبة 30%، ويمنع العدو من المساومة على ورقة جيب (سعسع)، بعد وقف القتال، كما أنه سيجبر المصريين على متابعة القتال حتى لا يتركوا الجبهة السورية وحدها في مواجهة العدو، وأنه في حالة جمود الجبهة المصرية ، فإن العدو بحاجة إلى وقتٍ طويل قبل نقل قوات من الجبهة المصرية إلى الشمال، الأمر الذي سيسمح للقوات السورية والعراقية بأخذ مواقع جديدة في الجولان لصد أي هجوم مقبل، علماً أن هذا الوقت سيعطي الروس الوقت لفرض وقف إطلاق النار بعد أن يكون السوريون والعراقيون قد حرروا هذا الجيب ، على الأقل ، وكان أصحاب هذا القرار يؤكدون أن عملية الجذب وغرور الإسرائيليين واندفاعهم على طريق (سعسع)، قد قدما للقوات العربية هدفاً ثميناً يسهل القضاء عليه، وأن عملية (الجذب) ستفقد كل معناها الاستراتيجي إذا لم تعقبها عملية (ضرب) لا بد من تنفيذها حتى لو أدى ذلك إلى إبقاء الجبهة السورية وحيدة أمام العدو ..

أما أنصار وقف الهجوم المعاكس والقبول بالقرار، فقد ركزوا على العلاقة الجدلية المتبادلة بين الجبهتين السورية والمصرية ، ورأوا أن الاستمرار في القتال على جبهة الجولان سيعطي الإسرائيليين مبرراً لمتابعة القتال على الضفة الغربية لقناة السويس، وهذا لن يكون في مصلحة العرب، لأنه في الوقت الذي ستقوم به القوات السورية والعراقية بسحق العدو داخل (الجيب)، ستقوم قواته بالرد على الضربة بالشمال، وبتسديد ضربة تهدد وجود الجيش المصري الثالث الذي قطعت طرق إمداداته وحرم من التغطية الجوية .. بالإضافة إلى ذلك، فقد كان أنصار وقف الهجوم لا يأملون بأية مساعدة مصرية إذا ما بقيت الجبهة الشمالية وحيدة، لأن الإسرائيليين لن ينقلوا قواتهم إلى الجولان إلا بعد أن يحسموا معركة السويس والجيش الثالث، ويجبروا مصر على قبول وقف إطلاق النار بالقوة لتنفيذ قرار مجلس الأمن، وأن ميزان القوى سيميل في هذه الحالة إلى جانب العدو بشكلٍ يسمح له بتطوير هجومه في الشمال واحتلال أراضٍ سورية جديدة، ومحاولة احتلال (دمشق) في وقتٍ لاحق أو تدميرها بالمدفعية والطيران وتدمير المدن والمنشآت الاقتصادية السورية بغارات كثيفة ..

وبعد جدلٍ طويل بين أنصار الاتجاهين ، نجح أنصار الطرف الثاني في إقرار رأيهم ، وتقرر عدم القيام بالهجوم المعاكس، وفي ليلة 23-24/10/1973، وافقت سوريا على وقف القتال دون استشارة العراقيين رفاق المعركة ، وأصدرت أمراً بإلغاء الهجوم المعاكس، وصمتت أصوات المدافع في الجولان …


تحرك القوات العراقية

في صباح السابع من تشرين الأول قررت القيادة العراقية دفع القطعات العراقية إلى جبهة الجولان وكانت أولى الفرق هي الفرقة المدرعة الثالثة .. وكانت هذه الفرقة تشكل جزءا من القبضة الفولاذية الضاربة للقوات المسلحة العراقية التي كانت مؤلفة في تلك الفترة من الفرقتين المدرعتين الثالثة والسادسة وفرقة مدرعة أخرى قيد التشكيل ..ويعتبر اللواء المدرع الثاني عشر أوفر القطعات حظا ، فلقد تم اختياره ليكون أول الألوية المدرعة يصل الجبهة السورية فمنح بذلك الشرف ليكون أول لواء مدرع عراقي يصطدم مع القوات الإسرائيلية على ارض الجولان العربية .. وفي يوم 8/ 10 بدأت حركة جحفل هذا اللواء المؤلف من كتيبتي دبابات المعتصم وقتيبة وكتيبة مشاة آلي وكتيبة مدفعية ومعدات ساندة ووحدات إدارية ، وكان حجم القوة المتحركة لا يتناســب وقدرة الناقلات على الرفع ، لذلك تركت كتيبة دبابات القادســـــــية ( حديثة التشكيل ) لترفعها الناقلات فيما بعد ، وقد وصل اللواء إلى جبهة القتال بعد أن قطع مسافة 1350 كم في يوم واحد .. أما اللواء المدرع السادس مع اللواء المشاة الآلي المنقول على عجلات مسرفة فقد قطعا مسـافة 1100 كم في يوم واحد أيضا ..وفي يوم 10 /10 بدأت طلائع هذه القوات بالوصول إلى دمشق و توجهت إلى الجبهة مباشرة ، بعدها توالى وصول باقي القطعات وإشراكها فورا في العمليات القتالية (34).. بعد لقاء القادة العراقيين والسوريين وبدء عمليات الاستطلاع وتنسيق الجهود وتوزيع المهام والواجبات حسب الخطط التي أعدتها القيادة السورية بدأت المعارك في مواجهة القوات الإسرائيلية وكانت أولى معارك الجيش العراقي هي معركة اللواء المدرع 12 ، فقد كان الإسرائيليون قد خططوا لاحتلال مجموعة التلال المتممة لهضبة الجولان والقيام بعملية التفاف حول دمشق .. وكانت الفترة الحرجة قد بدأت يوم 11/ 10 ( وهو يوم تكامل جحفل اللواء المدرع 12 ) وفي 12 /10 شرع اللواء بعملياته العسكرية ونجح في إيقاف اندفاع الإسرائيليين نحو دمشق(35) ..

معركة اللواء المدرع 12

شرع الرتل الأيمن للواء 12 مدرع بالتقدم نحو أهدافه في الساعة 1400 يوم 12 أكتوبر وفي الساعة 1630 اجتاز تل عنتر واستأنف اللواء تقدمه واحتل كفر ناسج وفي الساعة 1515 يوم 12 أكتوبر كان الرتل الأيسر للواء قد احتل قرية عقربا وتقدم نحو تل المال وتل الشعار.

في صباح 13 أكتوبر انسحبت القوات الإسرائيلية باتجاه ماعص واستأنفت مجموعات اللواء تقدمها رغم شدة نيران المدفعية والصواريخ الموجهة والهاونات الإسرائيلية التي كانت تطلق من سفوح تل الشعار.

وبعد قتال ثلاث ساعات اجتاز الرتل الأيسر تل البزاق وسيطر على السفح الأيسر لتل الشعار، وتقدمت مجموعة أخرى واحتلت تل أبويه ووصلت طريق دمشق–القنيطرة العام.

حشد العدو دباباته ومدافعه ووصلت قواته خط تل قرين–كفر ناسجقرية المال وراحت تصب نيرانها على قوات اللواء المدرع 12 في كفر شمس واستمر القتال ثلاثة أيام تكبد فيها الإسرائيليون خسائر في الدبابات والتجهيزات والأشخاص.

في الساعة 0520 من يوم 14 أكتوبر 1973 شرع اللواء بتطبيق منهج الإسناد الناري وفي الساعة 0900 تمت السيطرة على تل حمد بالنار ولكن العدو فتح نيران مدفعيته من الساعة 1600 حتى الساعة 1700. في الساعة 0630 من يوم 15 أكتوبر بدأ العدو قصفه المدفعي لمدة نصف ساعة وشوهدت دباباته تتقدم باتجاه تل قرين–كفر ناسج–تل المال وفي الساعة 1300 عزز قواته الهاجمة بدبابات إضافية واندفع من كفر ناسج وتل المال واستمرت الاشتباكات العنيفة حتى الساعة 0250 من يوم 16 أكتوبر 1973.

معركة كفر ناسج

بلغت حشود الإسرائيليين استعدادا لهذه المعركة: 2 لواء مدرع – 2 لواء مشاة – 1 كتيبة دبابات مستقلة – كتيبة مظليين مستقلة – فوج مشاة آلي مستقل – 2 كتيبة دبابات، (وتم إيقاع خسائر كبيرة فيهما في المعارك السابقة) وكان قد وضع في الاحتياط 100 دبابة. أما القوات العراقية فكانت مؤلفة من خمسة ألوية(36). استمرت المعركة من الساعة 0030 من يوم 16 أكتوبر 1973 حتى الساعة 1700 من يوم 17 أكتوبر تمكنت القوات العراقية من مهاجمة القوات الإسرائيلية قبل أن تنهي استحضاراتها للهجوم على طريق (دمشق– الشيخ مسكين وقطعه لعزل سوريا عن الأردن).

كان في إسناد القوات العراقية 3 كتائب مدفعية عراقية و6 كتائب مدفعية سورية ثم ساهمت كتيبة مدفعية عراقية أخرى تكاملت في اليوم الأول للمعركة.

كانت دروع العدو الإسرائيلي متحشدة على طول الجبهة على شكل قوس من (بيت جن– سفح جبل الشيخ– إلى سعسعكناكرتل مرعيدير العدستل المال – قرية أم باطنة) وانتهت المعركة بوقوع إصابات كبيرة بالقوات الإسرائيلية واستنزفت طاقتها الهجومية وأحبطت مـساعيها في الوصول إلى طريق (دمشقالشيخ مسكين).

معركة تل عنتر

حشد العدو القوات التالية:

  • لواء آلي في ( تل شمس – مزرعة بيت جن – حرفا )
  • لواء مدرع في ( تل المال – تل الشعار – خان ارينبة – جبا )
  • لواء مدرع في ( تل عنتر – كفر ناسج – ماعص – تل مرعي )
  • لواء مشاة وبقايا كتيبتي دبابات ( على خط وقف إطلاق النار السابق )

أما القوات العراقية فبلغ مجموعها (لواءً مدرعا – لواءً اليا – ولواء مشاة ) أما الاحتياط فهو لواء مدرع يقوم بإعادة التنظيم (37).

كانت قد تحددت ساعة الصفر الساعة 0600 من يوم 18 أكتوبر 1973 إلا أن القيادة السورية طلبت تأجيله إلى الساعة 0900 من يوم 19 أكتوبر الأمر الذي أدى إلى انكشاف الخطة وفقدان عامل المباغتة مما عرض أخيرا القطعات العراقية إلى خسائر لا موجب لها وحرمها من تحقيق النصر المنتظر.

معركة جبل الشيخ

في 19 أكتوبر 1973 وصلت إلى سوريا وحدات جبلية من الجيش العراقي ووضعت بإمرة القيادة السورية ثم جعلت بإمرة قيادة منطقة دمشق. وفي 12 أكتوبر 1973 كلف أحد الأفواج الجبلية العراقية باحتلال موضع دفاعي في قاطع الحدود السورية–اللبنانية ثم في الساعة 1900 صدر الأمر بتخصيص فوج جبلي آخر لتعزيز القوات الخاصة السورية. وفي نفس اليوم بدأ العدو بالتركيز على القوات السورية في جبل الشيخ وانزل قوات خاصة بالهليوكوبتر ثم قدم رتلا أرضيا في منطقة العقبات كما قامت القوات السورية من جانبها بإنزال قوات خاصة في جبل الشيخ. كلفت القوات الجبلية باحتلال منطقة عرتة–ريما بقصد التقدم نحو العقبات والاشتراك في عملية دفع العدو بالتعاون مع القوات السورية.

ولما أكملت الوحدات انفتاحها بالساعة 0430 من يوم 23 أكتوبر 1973 ركز العدو قوته النارية على القوات العراقية في الوقت الذي ظلت بقية الجبهة هادئة بسبب وقف اطلاق النار الذي أعلن عنه يوم 22 أكتوبر 1973.

سحب القوات العراقية

عن هذا الموضوع يحدثنا العميد المتقاعد عبد الرزاق اسود في ( الموسوعة الفلسطينية ) الجزء الثالث فيقول : ما إن تكاملت تشكيلات الفيلق المدرع العراقي حتى قررت القيادة العراقية القيام بهجوم شامل يوم 23/ 10 / 1973 ولكن في هذا اليوم طلبت القيادة السورية من القوات العراقية بإرجاء تنفيذ الهجوم يوما واحدا ، ولما حل يوم 24 / 10 /1973 أعلنت القيادة السورية قبولها وقف إطلاق النار اعتبارا من نفس اليوم المذكور .. وبقبول سوريا قرار وقف إطلاق النار أصبح موقف القوات العراقية محرجا لعدم إقرار العراق للهدنة ، كما فعل في حرب 1948 ، وعلى هذا الأساس قرر العراق سحب القوات البرية والجوية بعد أن آدت واجبها القومي على أفضل ما يكون ..


خسائر الجيش العراقي

بلغت خسائر وتضحيات الجيش العراقي في خلال الحرب: 835 شهيداً من بينهم 11 ضابطاً و73 مفقودا من بينهم 36 ضابطاً و271 جريحا، 26 طائرة مقاتلة قاصفة، 111 دبابة وناقلة أشخاص مدرعة، 294 عجلة، 738 قطعة سلاح من مختلف الأنواع.

شهود عيان

حديث الذكريات

كنا مجموعة من الضباط العراقيين، من الذين شاركوا في حرب تشرين، نتحدث عن هذه الحرب ومشاركة الجيش العراقي الباسل فيها بثقل كبير تلبية لنداء الواجب القومي. قادنا حديث الذكريات إلى ظهر ذلك اليوم 6 أكتوبر 1973) الذي بدأت فيه القوات السورية والمصرية تعرضها الواسع ضد القوات الإسرائيلية على الجبهتين الغربية والشمالية.. فبعد سماع نبأ الحرب من الإذاعات صدرت الأوامر إلى الجيش العراقي بدخول الإنذار من الدرجة ج وهي أعلى درجات الإنذار، وفي صباح اليوم التالي كانت القطعات العسكرية العراقية، وخاصة القوات المدرعة تتحرك من مواقعها العسكرية ومنها معسكر التاجي شمال بغداد ومعسكر الورار في الرمادي ومنطقة العمارة جنوب العراق ومن المعسكرات في شمال العراق ... الخ باتجاه الحدود السورية على السرفات. وفي وقت لاحق ذكر لي أحد ضباط الارتباط العراقيين، أن الحكومة السورية كانت تؤكد على أهمية وصول القطعات العسكرية العراقية بأسرع وقت وبأكبر حجم ممكن، على الأقل فرقتين مدرعتين بكامل دروعهما.

وفي سياق حديثنا هذا تم استعراض سريع لتاريخ الجيش العراقي والأسباب التي أدت بالنتيجة إلى مشاركته في الحرب واتفق الحاضرون على أن الجيش العراقي يعد من أقدم الجيوش العربية بعد الجيش المصري فقد تأسس في عام 1921 عند انبثاق الحكومة الوطنية نتيجة ثورة العشرين ضد الاستعمار البريطاني، ومنذ تأسيسه وهو يتطلع إلى المهام الوطنية والقومية، وقد نشا نشأة قومية حيث أن معظم ضباطه وعناصره كانوا قد شاركوا في الثورة العربية التي قادها الشريف حسين بن علي في الحجاز عام 1916 ضد الحكم العثماني (4). لقد تشبع هذا الجيش وتشكيلاته بالروح الوطنية من خلال أبطال ثورة العشرين الذين قاتلوا الإنكليز المستعمرين طبلة ( 6) اشهر على ثرى هذه الأرض الطاهرة، ومعارك الفرات الأوسط والناصرية والسماوة خير شـاهد على ذلك. ولا زالت أرضـنا في الرارنجية والرميثة شاهدا على قتلى الجيش البريطاني من إنكليز وهنود. بعد ذلك انتقل معظم الضباط العراقيين في جيش الثورة العربية إلى الشام عندما تم تعيين الملك فيصل الأول ملكا على سوريا وعينوا في الجيش السوري، والتحق بعضهم بعد انبثاق ثورة العشرين في العراق لقيادة الثورة واخص بالذكر منهم جميل المدفعي ورفاقه (5) حيث كانوا من المخططين العسكريين لقيادة الثورة. وبعد تعيين الملك فيصل الأول ملكا على العراق استصحب معه معظم الضباط العراقيين الذين كانوا معه في سوريا وتسلموا المناصب الرئيسة في هذا الجيش الفتي وعملوا خلال مدة قصيرة على توسيع تشكيلاته وزيادة قدراته القتالية ورفع مستوياته التدريبية، كما التحق به أيضا عدد من الضباط العراقيين الذين كانوا في الجيش العثماني.

وفي لقاء سابق مع المرحوم الفريق سعيد حمو احد قادة الجيش العراق، ذكر أن حماس هذا الجيش وتطلعاته القومية ازدادا في عهد الملك غازي الذي ألهب حماسه بدعوته القومية وتوحيد نضال الشعب العربي ضد المستعمرين الإنكليز، وبرز منهم قادة كبار منهم العقيد صلاح الدين الصباغ والعقيد الركن كامل شبيب والعقيد الطيار محمود سلمان والعقيد الركن فهمي سعيد الذين ساندوا التوجه القومي للعراق ووقفوا إلى جانب الحركة الوطنية، وكان لهم دور بارز في ثورة مايس عام 1941 التحررية وإسناد حكومة الدفاع الوطني بعد تولي رشيد عالي الكيلاني رئاسـتها خلال الحرب البريطانية العراقية. وفي عام 1948 نشأت حركة الضباط الأحرار عندما كان الجيش العراقي يقاتل في فلسطين. وقد تحدث العقيد علي خيون عن هذا الموضوع فذكر أن أول من أنشا خلايا الضباط الأحرار الشهيد رفعت الحاج سري والمرحوم الفريق الركن نجيب الربيعي. وبعد عودة قطعات الجيش العراقي من فلسطين اتسع تنظيم الضباط الأحرار في عام 1952 وتشكلت الهيئة العليا لحركة الضباط الأحرار واللجنة البديلة أو القيادة البديلة لتكون بديلا عن الهيئة العليا في حالة انكشافها أو إلقاء القبض عليها، وكان من بين أعضائها خالد مكي الهاشمي وجاسم كاظم العزاوي وعلاء الجنابي. وجرت عدة محاولات ضد النظام الملكي في الأعوام 1954 و1956 و1957 وكانت أخرها في 14 أكتوبر 1958. حيث أصبح نظام الحكم في العراق جمهوريا.

الدور القومي للجيش العراقي

ويستمر حديث الذكريات عن المراحل اللاحقة من تطور الجيش العراقي ودوره القومي، فقد ذكر اللواء الركن خليل سعيد أن الجيش العراقي شارك بصورة فعالة في حروب تحرير فلسطين في عامي 1948- [1949] على الجبهتين الأردنية والمصرية (7)وفي حرب حزيران على الجبهة الأردنية وفي حرب تشرين 1973 (8) حيث ذكر الحاضرون تفاصيل عن هذه الحرب سنشير إليها في سياق الحديث لاحقا. وفي حديث للفريق الركن الدكتور يونس الذرب ذكر انه بين الأعوام 1976 – 1978، اشتدت الهجمات الإسرائيلية على المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية قام الجيش العراقي على أثرها بإرسال متطوعين من القوات الخاصة العراقية إلى لبنان عبر مصر وليبيا، ومن هناك تم نقلهم بحرا إلى السواحل اللبنانية حيث شاركوا في القتال إلى جانب الفدائيين الفلسطينيين والحركة الوطنية اللبنانية ضد القوات الإسرائيلية وابلوا بلاءً حسنا واستشهد بعضهم في تلك المعارك ودفنوا على الأرض العربية(9).

كذلك ساهمت وحدات من الجيش العراقي في القتال إلى جانب الصومال في حربها ضد إثيوبيا لتحرير إقليم اوغادين في السبعينات من القرن الماضي، والى جانب حركة التحرير الإرترية في حربها ضد إثيوبيا لتحرير إرتريا، والى جانب الجيش السوداني في حربه لتحرير الجنوب السوداني (10).

أما في مجال التدريب فقد ساهم الجيش العراقي، كما ذكر بعض الضباط من شهود العيان، في إرسال بعثاته التدريبية إلى العديد من الدول العربية، فقد أرسل إلى اليمن (7) سبع بعثات أولها كانت في عام 1940 ومنهم الشهيد النقيب جمال جميل الذي اعدم في اليمن بتهمة التآمر على الإمام يحيى مع مجموعة من الضباط اليمنيين، وأخرها في عام 1990. ويستمر الفريق الركن يونس الذرب يتحدث عن هذا الموضوع أيضا فيذكر انه تم إرسال (5) خمس بعثات إلى ليبيا خلال الأعوام ( 1953 – 1964 ) وقد كلف اللواء الركن عادل أحمد راغب برئاسة أركان الجيش الليبي وتم تشكيل وحدات الجيش الليبي من قبل البعثات العسكرية العراقية (11). والى الأردن تم إرسال (3) ثلاث بعثات خلال عامي 1957 – 1958، وقد تم تأسيس كلية الأركان الأردنية في عام 1957 (12). والى موريتانيا تم إرسال (2) بعثتين في عام 1980/ 1981 وتم تأسيس معظم وحدات الجيش الموريتاني ومدارسه العسكرية ، كما تم إرسال (16) ستة عشرة بعثة إلى السودان خلال الأعوام 1976 – 1999 وقد تم تأسس كلية القوة الجوية والبحرية وكلية الحرب والجناح الجوي في كلية الأركان.

وهناك بعثات أخرى تم إرسالها إلى ( مصر وسوريا والجزائر وتونس والمغرب وعمان والسعودية والصومال وارتيريا ولبنان وفلسطين ) منذ الأعوام 1948 وحتى عام 1990(13). والى جانب البعثات العسكرية التي أرسلها العراق إلى الدول العربية المذكورة فقد استقبل العراق العشرات من البعثات العسكرية في مجال التعاون العسكري واستقبلت كلياته ومدارسه ومعاهده العسكرية الآلاف من الضباط والعسكريين العرب الذين شاركوا في الدورات والدراسات داخل العراق وتخرجوا بعد أن اكتسبوا العلم والمعرفة العسكرية وعادوا إلى بلدانهم ليساهموا في تدريب وقيادة وحداتهم العسكرية وفق أحدث العلوم العسكرية التي درسوها في العراق.

بعد هذا الاستعراض السريع عما دار في حديث الذكريات عن الدور القومي للقوات المسلحة العراقية تطرق الحاضرون إلى الأبعاد السياسية لهذه الحرب، لكن الباحث يرى أن لا مجال للإشارة إلى تفصيلاتها هنا خاصة ما يتعلق منها باختلاف وجهات النظر بين القيادات السياسية العربية حول مسالة الحرب والموقف من التطورات السياسية العربية والإقليمية والدولية التي رافقتها وسيكتفي بالإشارة إلى ابرز ما ورد فيها وبما له علاقة فقط بخلفيات مشاركة الجيش العراقي في الحرب.

انظر أيضا

الهوامش

1- دور الجيش العراقي في حرب تشرين 1973 ، إعداد المركز العربي للدراسات الاستراتيجية ، إصدار المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت ، ط1 ، 1975 ، ص5 2- المصدر السايق ، ص 5

3- دور الجيش العراقي في حرب تشرين 1973 ، كراس من إعداد كلية القيادة العراقية ، 1985 ، ص 2

4- جزء من حديث الفريق الركن يونس محمد الذرب ، والمنشور في المجلة العسكرية العراقية ، العدد الثاني ، إصدار مديرية التدريب العسكري والتطوير القتالي في دائرة التدريب / وزارة الدفاع العراقية ، بغداد ، 2002 ، ص 162

5- المصدر السابق ، ص 162 – 163

6- على خيون – ثورة 8/ شباط / 1963 في العراق – دار الشؤون الثقافية – بغداد ، 1990

7- لمزيد من التفاصيل يمكن الرجوع إلى دراسة اللواء الركن ( خليل سعيد ) ، تاريخ حرب الجيش العراقي بفلسطين 1948- 1949 ، هدية المجلة العسكرية ، مديرية التدريب العسكري / 1967

8- حرب تشرين عام 1973 ، دراسة أعدتها ( جامعة البكر للدراسات العسكرية العليا ) ، بغداد ، 2002

9- للمزيد انظر : الفريق الركن الدكتور ( يونس الذرب ) ، دور وتاريخ البعثات العسكرية العراقية ، دار الشؤون الثقافية ، بغداد ، 2000

10- للمزيد انظر : المصدر السابق

11- الفريق الركن الدكتور ( يونس الذرب ) مصدر سابق ، ص 166

12- المصدر السابق ، ص 166

13- المصدر نفسه ، ص 167

14- دور الجيش العراقي في حرب تشرين ، المؤسسة العربية ، مصدر سابق ، ص 38

15- المصدر السابق ، ص 38

16- المصدر نفسه ، ص 41

17- اللواء حسن البدري وآخرون ، حرب رمضان ، الشركة المتحدة للنشر والتوزيع ، القاهرة ، 1974 ، ص 34

18- المصدر السابق ، ص 41

19- كما حجبت المعلومات عن الرئيس معمر القذافي للسبب نفسه

20- أيد هذه المعلومات ضابط استخبارات عراقي اخبره بها احد ضباط رئاسة أركان الجيش العراقي

21- دور الجيش العراقي ، المؤسسة العربية ، مصدر سابق ، ص 46

22- موقع www.safahat.cim

23- المصدر السابق

24- من برقيات الخارجية العراقية ليوم 7/10 / 1973

25- ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ 7 /10 1973 ، انظر أيضا : دور الجيش العراقي ، مصدر سابق ، ص 47

26- ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 8/ 10 / 1973

27- من حديث للواء الركن ( إسماعيل تايه ألنعيمي )

28- من حديث مع اللواء الركن المرحوم ( فاروق الحريري ) الذي كان مكلفا برئاسة لجنة السيطرة على السابلة

29- ذكرت ذلك يوم 20/ 10 /1973 نقلا عن احد المعلقين العســـــــــــكريين لصـــــحيفة( تايمس) اللندنية

30- صحيفة هاارتس الإسرائيلية يوم 29 /10/ 1973

31- المصدر السابق

32- مصدر خاص

33- مصدر خاص

34- من أرشيف تاريخ الجيش العراقي

35- العميد الركن عبدالرزاق اسود ، الموسوعة الفلسطينية ، المجلد الثالث ، العسكرية الصهيونية والحروب العربية الإسرائيلية ، نشر وتوزيع الدار العربية للموسوعات ، ص 905 – 908

36- المصدر السابق ، ص 906

37- المصدر نفسه ، ص 906

المصادر

  1. ^ عبد الوهاب محمد الجبوري (2010-09-26). "خلاصة العمليات الجوية والبرية للجيش العراقي في حرب تشرين 73". المنتدى العربي للدفاع والتسليح. Retrieved 2010-10-10.
  • دور الجيش العراقي في حرب تشرين 1973 ، إعداد المركز العربي للدراسات الإستراتيجية، إصدار المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت ، ط1 ، 1975.
  • دور الجيش العراقي في حرب تشرين 1973 ، كراس من إعداد كلية القيادة العراقية، 1985.
  • حرب تشرين عام 1973، دراسة أعدتها ( جامعة البكر للدراسات العسكرية العليا ) بغداد، 2002
  • العميد الركن عبدالرزاق اسود، الموسوعة الفلسطينية، المجلد الثالث ، العسكرية الصهيونية والحروب العربية الإسرائيلية ، نشر وتوزيع الدار العربية للموسوعات .
  • من أرشيف الجيش العراقي.
  • دور الجيش العراقي في حرب 1973
  • جريدة الثقافة العسكرية العراقية أكتوبر 1986
  • مذكرات الفريق جبار شنشل 1990
  • تاريخ القوات المسلحة العراقية الاجزاء الحادي والعشرون-والجزء العشرون
  • ويكيبيديا العربية