محاصرة الجيش الثالث

حصار الجيش الثالث الميداني المصري حدث في نهاية حرب اكتوبر، حيث قامت الفرقة 162 التابع لجيش الدفاع بمحاصرة الجيش الثالث الميداني. أدى حصار القوات المصرية إلى توتر شديد في العلاقات الأمريكية السوڤيتية وأدى فيما بعد إلى تقارب العلاقات الأمريكية المصرية.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

خلفية

أوضاع القوات المصرية جنوب ترعة الاسماعيلية

نتيجة للمعارك العنيفة التي دارت رحاها بين قوات الجيش الثاني الميداني وبين قوات الجنرال ابراهام أدان (برن) صباح يوم 18 أكتوبر غرب القناة في القطاع جنوب ترعة الاسماعيلية، بدأ الموقف على الجبهة المصرية يتدهور بصورة خطيرة وبسرعة مذهلة، فقد تلقت القوات التي قامت بالهجوم المضاد على قوات العدو في الدفرسوار ضربات شديدة تلقت القوات التي قامت بالهجوم المضاد على قوات العدو في الدفرسوار ضربات شديدة مما أفقد معظمها مقدرته القتالية، ووصل الامر الى حد أن الجيش الثاني لم يعد لديه بعد ظهر يوم 18 أكتوبر أي قوة مدرعة غرب القناة جنوب ترعة الاسماعيلية.[1]

ولتدارك الموقف الخطير، أصدرت القيادة العامة تعليماتها الى اللواء عبد المنعم واصل قائد الجيش الثالث بتكليف العميد أ. ح محمد عبد العزيز قابيل قائد الفرقة 4 المدرعة والذي كانت فرقته منذ بدء العمليات الحربية في يوم 6 أكتوبر 73 مسئولة عن تأمين النطاق التعبوي للجيش الثالث بالتوجه الى منطقة عثمان أحمد عثمان، اذ انه قد اصبح مسئولا أمام القيادة العامة عن تأمين النطاق التعبوي للجيشين الثاني والثالث معا (كانت المواجهة حوالي 70 كم). وعندما طلب قائد الفرقة الرابعة بعض الاستيضاحات عن مهمته من قائد الجيش الثالث، طلب منه الاتصال راسا بالقائد العام. ولا شك في أن تكليف قائد الفرقة 4 المدرعة بالتوجه الى تقاطع عثمان أحمد عثمان بدون ان تعطى له اي معلومات أو ايضاحات أو توجيهات محدة عن طبيعة المهمة الجديدة التي اسندت اليه، أو عن الوسيلة التي يمكنه بها تنفيذها على هذه المواجهة الواسعة، رغم انه لم يكن متيسرا في يده وقتئذ سوى لواء مدرع واحد فقط، هو دليل واضح على مدى الارتباك الذي كان موجودا داخل المركز 10 في هذه الفترة.

وكان موقف القوات التي اشتركت في الهجمات المضادة ضد العدو في منطقة الدفرسوار غرب القناة جنوب ترعة الاسماعيلية في الفترة من 16 إلى 18 أكتوبر كما يلي:

  • الفرقة 23 مشاة ميكانيكية: الاحتياطي التعبوي للجيش الثاني بقيادة العميد أ. ح أحمد عبود الزمر أصبحت قواتها جنوب ترعة الاسماعيلية عبارة عن كتيبة مشاة ميكانيكية واحدة (عدا سرية)، وهي من تشكيل اللواء 116 مشاة ميكانيكية بعد أن تمكن العدو من تدمير كتيبتي مشاة ميكانيكيتين من كتائبه. وكانت الكتيبة الباقية تحتل موقعا دفاعيا غرب منطقة تقاطع طريق المعاهدة مع وصلة أبو سلطان وبجوارها مركز القيادة المتقدم للواء 116 مشاة ميكانيكي وكذا مركز القيادة المتقدم للفرقة 23 مشاة ميكانيكية.
  • اللواء 23 المدرع: القوة المدرعة الوحيدة في تشكيل الفرقة 3 مشاة ميكانيكية (الاحتياطي الاستراتيجية للقيادة العامة). وبناء على تعليمات المركز 10 دفع اللواء المدرع من القاهرة حيث تمركز في تقاطع عثمان أحمد عثمان حوالي الساعة التاسعة مساء يوم 16 أكتوبر، وبالتعاون مع الكتيبة 85 المدرعة من اللواء بالانتقال الى تقاطع طريق المعاهدة مع وصلة سرابيوم مساء يوم 17 أكتوبر على قوات العدو في منطقة الدفرسوار. وقد وقعت الكتيبة المدرعة في أثناء تقدمها في كمين اسرائيلي، وانتهت المعركة بتدميرها. وفي صباح يوم 18 أكتوبر قام اللواء 23 المدرع (عدا كتيبة) بالهجوم المضاد الرئيسي على قوات العدو في منطقة الدفرسوار، ولكن الهجوم فشل بعد اصطدام وحدات اللواء بالستائر الاسرائيلية المضادة للدبابات، وخسر اللواء معظم دباباته. وقد صدر الامر باعادة تجميع اللواء 23 المدرع لاستعادة كفاءته القتالية في المنطقة غرب تقاطع طريق الاسماعيلية الصحراوي مع وصلة أبو صوير.
  • اللواء 182 مظلات: الكتيبة 85 مظلات – كانت مهمتها ان تقوم احدى سراياها يوم 17 أكتوبر بالاستيلاء على مرسى أبو سلطان وتأمينه، بينما تقوم باقي الكتيبة بالتعاون مع كتيبة مدرعة من اللواء 23 المدرع بالهجوم المضاد من تقاطع طريقي المعاهدة – سرابيوم على قوات العدو في مطار الدفرسوار لتدميرها والاستيلاء على المطار وتأمينه واستعادة النقط القوية التي استولى عليهاالعدو. ورغم نجاح سرية من الكتيبة في دخول مطار الدفرسوار، فان الكتيبة ازاء شدة ضغط العدو اضطرت الى الارتداد – بعد أن بلغت خسائرها 110 أفراد ما بين شهيد ومفقود – الى تقاطع طريق المعاهدة مع وصلة أبو سلطان فجر يوم 18 أكتوبر. وفي الساعة السادسة مساء يوم 18 أكتوبر تم انتقال الكتيبة الى معسكر أنشاص لاستعادة كفاءتها القتالية.
  • الكتيبة 89 مظلات: نجحت في تحقيق المهمة التي كلفت بها، وهي احتلال المصاطب المصرية غرب القناة لكنها فشلت في الاحتفاظ بمصطبة الفخ رغم قيامها بالهجوم المضاد لاستعادتها ثلاث مرات، كما لم تتمكن من الاقتراب من مصطبة الدفرسوار التي كان العدو يحتلها منذ قيامه بالعبور ليلة 15/16 أكتوبر، وكانت سرية من الكتيبة تقوم بتأمين الكوبري البيلي في سرابيوم.
  • الكتيبة 81 مظلات: متمركزة في سرابيوم جنوب محطة سكة الحديد بعد أن قامت بتأمين الطريق للترعة من عين غصن الى سرابيوم.
  • المجموعة 129 صاعقة: اشتبكت سريتان منها مع كتيبة مظلات اسرائيلية عند سرابيوم على طريق الاسماعيلية يوم 18 أكتوبر، واضطرت الكتيبة الاسرائيلية الى الانسحاب تحت ستر الظلام، بعد أن تكبدت خسائر فادحة. أما الكتيبة 73 صاعقة (عدا سرية) التي كانت متمسكة بمواقعها في المنطقة شرق معسكر أبو سلطان فقد اضطرت الى الانسحاب تحت ضغط العدو.

وصدرت التعليمات من قائد المجموعة بانسحاب وحداته الى أبو صوير لاستعاد كفاءتها القتالية.

كان هذا هو الموقف العام لقوات الجيش الثاني غرب القناة جنوب ترعة الاسماعيلية عندما وصل الفريق سعد الشاذلي رئيس الأركان الى مركز القيادة المتقدم للجيش الثاني بالاسماعيلية في الساعة الخامسة مساء يوم 18 أكتوبر. وقد ذكر الفريق الشاذلي في مذكراته أن الرئيس الراحل السادات وصل حوالي الساعة الثانية ظهرا يوم 18 أكتوبر الى المركز 10 بالقاهرة، واستمع الى تقرير عن الموقف من الفريق أول أحمد اسماعيل القائد العام. وبعد ذلك طلب من الفريق الشاذلي أن يتحرك الى الجيش الثاني لكي يعمل على رفع الروح المعنوية بين أفراده، وأن يبذل ما يستطيع لمنع تدهور الموقف. وبعد وصول الفريق الشاذلي بقليل اسمتع الى قرار اللواء عبد المنعم خليل وكان يتلخص فيما يلي:

1- يسحب اللواء 15 المدرع من الضفة الشرقية الى الضفة الغربية (كان تحت قدة الفرقة 18 مشاة في قطاع القنطرة شرق)، ويتمركز في المنطقة شمال ترعة الاسماعيلية ويعمل كاحتياطي للجيش الثاني. 2- يقوم اللواء 182 مظلات بالدفاع النشط على الضفة الغربية جنوب ترعة الاسماعيلية، ويقوم أيضا بتأمين مؤخرة الفرقتين 21 المدرعة و16 مشاة في مواقعها بالضفة الشرقية. 3- تقوم الفرقتان 21 المدرعة و16 المشاة بالضغط جنوبا في محاولة لاعادة اغلاق الطريق الاسرائيلي المؤدي الى الدفرسوار (طريق طرطور). 4- تتمسك الفرقتان 2 مشاة و18 مشاة بمواقعها شرق القناة. 5- تقوم مدفعية الجيش الثاني بتركيز نيرانها على منطقة الدفرسوار. 6- تقوم وحدات الصاعقة بأعمال الاغارة على قوات العدو المتمركزة في منطقة الدفرسوار.

وكان أشد ما أثار القلق في قيادة الجيش الثاني تلك البلاغات المتوالية التي اخذت تتلقاها منذ صباح 18 أكتوبر عن تسرب أعداد كبيرة من الدبابات الاسرائيلية في عمق الدفاعات المصرية غرب القناة، وقيامها بمهاجمة المواقع الخلفية والوحدات الادارية وقواعد الصواريخ أرض جو (سام).

وقد اتضحت خلال هذه المرحلة خطورة عدم نشر المعلومات الحقيقة عن العدو على الوحدات والوحدات الفرعية، فقد ثبت أن كثير من الوحدات غرب القناة لم يكن لديها علم عن اختراق العدو وعبور قواته الى الضفة الغربية للقناة. لقد كانت الوحدات الادارية ووحدات الدفاع الجوي ومراكز القيادات تفاجأ بظهور دبابات تطلق النار عليها دون أن تدري هويتها، وفي الوقت الذي تكتشف فيه حقيقتها تكون هذه الوحدات قد تم تدميرها أو أسرها. وقد تعرضت كذلك بعض الأرتال والمركبات الفردية التي تتحرك على الطرق وبعض الأفراد لحوادث أليمة عندما كانت تظهر أمامهم فجأة وبدون أي توقع قوات اسرائيلية تقوم باطلاق نيرانها عليهم، مماأدى الى مصرع وأسر المئات من الأفراد وتدمير عدد كبير من المركبات.

ومما زاد الموقف سوؤا الضعف الواضح في وسائل الدفاع المضاد للدبابات. فقد تم قبل بدء القتال سحب وحدات الصواريخ المضادة للدبابات (المالوتكا) من التشكيلات التي لن تقوم بالعبور لتدعيم التشكيلات المكلفة به ولذلك كانت هناك كتيبتا مالوتكا شرق القناة، واحدة منها تخص الفرقة 23 مشاة ميكانيكية والأخرى تخص اللواء 182 مظلات. وكان من المفترض بعد اتمام العبور واستكمال اقامة رؤوس كباري الفرقة شرق القناة ان تعود الكتيبتان الى وحدتيهما في غرب القناة، ولكن ذلك الامر لم يحدث وبقيت الكتيبتان شرق القناة. وقد ذكر الفريق الشاذلي في مذكراته أنه من أجل تقوية الدفاع المضاد للدبابات غرب القناة، اتفق سرا مع اللواء سعيد الماحي قائد الدفعية على سحب هاتين الكتيبتين دون علم الرئيس الراحل السادات والفريق أحمد اسماعيل حيث كانا يعارضان في سحب أي سلاح من الشرق. ورغم معارضة بعض قادة فرق المشاة التي دعمت بهذه الصواريخ، فقد أصر الفريق الشاذلي على سحبها، وتم بالفعل سحب الجزء الاكبر منها يوم 18 أكتوبر.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

عبور ثلاث فرق مدرعة غرب القناة

في خلال ليلة 17/18 أكتوبر عبر الجنرال ابراهام أدان (برن) قائد مجموعة العمليات رقم 162 قناة السويس على راس لواءين مدرعين بقيادة العقيدين نيتكا وجابي. وكان الجنرال جونين قائد القيادة الجنوبية الاسرائيلية قد أمر بسحب اللواء المدرع بقيادة العقيد آرييه من تشكيل مجموعة عمليات الجنرال أدان ليكون احتياطيا عاما للقيادة الجنوبية. وفي مساء يوم 18 أكتوبر وعقب العمليات الحربية التي قام بها الجنرال أدان على الضفة الغربية للقناة، وفي تقرير الموقف الذي بعث به الى الجنرال جونين لاسلكيا طالبه باعادة لواء آرييه تحت قيادته ليتسنى له القيام باختراق ناجح نحو الجنوب في اليوم التالي، ووافق جونين على هذا الطلب. وفي فجر يوم 19 أكتوبر أكمل لواء آرييه عبوره الى الغرب وأصبح تشكيل الجنرال أدان يضم ألويته المدرعة الثلاثة.

وفي يوم 18 أكتوبر كانت مجموعة عمليات الجنرال شارون رقم 143 غرب القناة تتكون من لواء مشاة مظلات بقيادة العقيد داني مات ولواء مدرع بقيادة العقيد حاييم، وفي يوم 19 أكتوبر صدر الأمر الى العقيد آمنون بالعبور الى الغرب بلوائه المدرع، وكان هذا اللواء يقوم بعمليات في الضفة الشرقية ضد وحدات الفرقتين 16 مشاة و21 المدرعة لتوسيع ثغرة الاختراق شمالا. وقد ترك العقيد آمنون كتيبة مدرعة من لوائه على الضفة الشرقية لمعاونة القوات التي كانت قائمة بمهاجمة الجنب الأيمن لراس كوبري الفرقة 16 مشاة .

وبعبور لواء آمنون الى الضفة الغربية استكمل الجنرال شارون يوم 19 أكتوبر مجموعة عملياته التي أصبحت تتكون من لواءين مدرعين ولواء مشاة مظلات. وفي ليلة 18/19 أكتوبر عبر الجنرال كلمان ماجن قائد مجموعة العمليات رقم 252 قناة السويس، وكانت المجموعة تتكون من لواءين مدرعين بقيادة العقيدين دان شمرون وباروم ولواء مشاة ميكانيكي بقيادة العقيد بنتشاس.

وباتمام عبور مجموعات العمليات الثلاث، أصبح لاسرائيل غرب القناة يوم 19 أكتوبر سبعة ألوية مدرعة ولواء مشاة مظلات ولواء مشاة ميكانيكي. وكانت مجموعة عمليات شارون تضغط في اتجاه مؤخرة الجيش الثاني جنوب ترعة الاسماعيلية، بينما تضغط مجموعتا عمليات أدان وماجن في اتجاه مؤخرة الجيش الثالث.

لم تكن هناك خطورة كبيرة من امكان العدو تطويق الجيش الثاني نظرا لوجود ترعة الاسماعيلية، وهي مانع مائي كبير يمتد من الغرب الى الشرق ويحتاج عبورها الى تجهيزات خاصة ومعدات عبور عديدة، علاوة على أن الارض غرب القناة في قطاع الجيش الثاني زراعية ومليئة بالاشجار والمزروعات وقنوات الري المتشابكة مما لا تسمح بسرعة تقدم المدرعات. وبالاضافة الى طبيعة الارض التي في صالح القوات المدافعة، فان القوات المصرية في قطاع الجيش الثاني غرب القناة كانت كافية لصد هجوم فرقة الجنرال شارون التي كانت مهمتها التقدم شمالا من راس الكوبري في الدفرسوار اتجاه الاسماعيلية. ففي مواجهة اللواءين المدرعين ولواء مشاة المظلات التي تتكون منها فرقة شارون، كان لدى الجيش الثاني لواءان مشاة ميكانيكيان (اللواء 10 مشاة ميكانيكي واللواء 118 مشاة ميكانيكي) واللواء 182 مظلات) والمجموعة 129 صاعقة، وهي قوة تقرب في حجمها وقدراتها من فرقة كاملة مختلطة. ونظرا لان المهاجم ينبغي ألا تقل نسبة تفوقه على المدافع من 2 إلى 1 اذا ما أراد ضمان النجاح، لذلك لم تكن في مقدرة الجنرال شارون الوصول بفرقته الى الاسماعيلية. وعلى الرغم من احتلال اللواء 118 مشاة ميكانيكي مواقع دفاعية حصينة على طول ترعة الاسماعيلية، فقد كانت جميع الجسور المقامة عليها معدة للنصف بمجرد اقتراب قوات شارون منها، وذلك بواسطة المهندسين العسكريين التابعين للجيش الثاني وفقا للتعليمات التي تلقوها من اللواء عبد المنعم خليل قائد الجيش.

لكن الخطورة الحقيقية كانت كامنة في قطاع الجيش الثالث في الجنوب، اذ ان الارض غرب القناة في هذا القطاع تعتبر أرضا مثالية لاستخدام المدرعات. فمعظمها أرض صحراوية شاسعة مما يتيح الفرصة لوحدات المدرعات لاستغلال كل خصائصها المميزة من خفة حركة ومقدرة على المناورة، والقيام بحركات الالتفاف والتطويق وسهولة التسرب بين المواقع الدفاعية، كما كان في امكانها سرعة الاندفاع الى أهدافها بعد تفادي المواقع القوية التي قد تعرقل تقدمها.

ونظرا لوجود عدد من الهيئات المرتفعة المتحكمة في المنطق التي حولها، فقد بادر العدو باحتلال أهم هذه الهيئات قبل أن يسبقه المصريون في ذلك الوقت وفي مقدمتها جبل جنيفة. وعلاوة على ذلك استفاد العدو فائدة كبرى من وجود بعض أراضي الهبوط في هذا القطاع ومن وجود مطاري الدفرسوار وفايد. فعلى أثر استيلائه عليهما تم استخدامه لهما في نقل المؤن والمعدات والامدادات جوا (بطائرات الهليكوبتر) الى القوات الاسرائيلية بالضفة الغربية وكذا في اخلاء الجرحى والمصابين الى مستشفى الميدان شرق القناة.

ونتيجة للاغارات المستمرة التي قامت بها الدبابات الاسرائيلية منذ اليوم الأول لعبورها قناة السويس على مواقع الصواريخ المصرية أرض جو (سام) التي كانت منتشرة في العمق على مسافة من 15 إلى 20 كم غرب القناة، نجح العدو في تدمير واسكات عدد كبير منها، وأصبح في امكان القوات الجوية الاسرائيلية، ولأول مرة منذ بدء القتال، تقديم المعاونة الجوية المباشرة للقوات البرية في أثناء قيامها بعمليات هجومية ضد القوات المصرية.

هذا ولم تكن نتيجة مقارنة القوات المدرعة بعضها ببعض في قطاع الجيش الثالث في مصلحة القوات المصرية. فقد كان العدو يملك فرقتين مدرعتين (فرقة أدان وفرقة ماجن) يضم تشكيلهما 5 ألوية مدرعة (3 ألوية في فرقة أدان ولواءين في فرقةماجن) في مقابل فرقة مدرعة مصرية واحدة وهي الفرة 4 المدرعة بقيادة العميد أ. ح عبد العزيز قابيل. ونظرا لان هذه الفرقة قد أسندت اليها مسئولية تأمين النطاق التعبوي للجيشين الثاني والثالث معا على مواجهة لا تقل على 70 كم لذلك فان حساب قوتها في الدبابات ينبغي أن يوزع على أساس 50% من قوة الفرقة لقطاع كل من الجيشين الثاني والثالث. ولما كانت الفرقة تضم لواءين مدرعين لذا فان ما يخص قطاع الجيش الثالث منهما هو لواء مدرع واحد. وبهذا الحساب تكون نسبة تفوق الدبابات الاسرائيلية الى الدبابات المصرية في هذا القطاع هي نسبة 5 إلى 1. وهذه الحقائق التي أوضحناها عن موقف العدو المتفوق في قطاع الجيش الثالث غرب القناة تكشف لنا الستار عن سر ذلك الاندفاع السريع الذي قامت به القوات المدرعة الاسرائيلية في اتجاه الجنوب، وعن سر تطلعها الى حصار الجيش الثالث، وعن سر محاولتها الفاشلة لاحتلال مدينة السويس.

بداية الحصار

عمليات الجنرال أدان غرب القناة

في صباح يوم 18 أكتوبر تمكن اللواء المدرع بقيادة العقيد جابي من تدمير معظم دبابات اللواء 23 المدرع (من الفرقة 3 مشاة ميكانيكية الاحتياطي الاستراتيجي للقيادة العامة) الذي كان متقدما من الغرب الى الشرق على محور وصلة أبو سلطان للقيام بهجوم مضاد على القوات الاسرائيلية في منطقة الدفرسوار. وفي يمين تشكيل فرقة أدان تقدم اللواء بقيادة العقيد نيتكا في اتجاه الغرب على وصلة سرابيوم، وتمكن من اجتياح الموقع المصري الضعيف القوة والتحصين غرب تقاطع طريق المعاهدة مع وصلة سرابيوم، ثم اتجه بدباباته جنوبا على محور طريق المعاهدة وتفادي في طريق الموقع الذي كانت تحتله الكتيبة المشاة الميكانيكية من تشكيل اللواء 116 مشاة ميكانيكي غرب تقاطع طريق المعاهدة مع وصلة أبو سلطان.

وعلى أثر وصول لواء نيتكا الى الارض المفتوحة، وعندما كان لواء جابي لا يزال مشتبكا مع القوات المصرية في منطقة المزروعات والأشجار ، تلقى الجنرال أدان قائد الفرقة المدرعة رسالة لاسلكية من الجرنال جونين قائد القيادة الجنوبية يأمره فيها بتوجيه بعض وحداته للقيام باغارات على مواقع الصواريخ المصرية أرض جو (سام) في العمق. وأصدر الجنرال أدان أمره على الفور الى العقيد نيتكا وجابي كي يوجه كل منهما كتيبة مدرعة من لوائه للقيام بهذه الاغارة التي كانت في نظر القيادة الاسرائيلية مهمة عاجلة وحيوية، بعد أن تكبد الطيران الاسرائيلي بسبب وجود شبكة الدفاع الجوي المصرية غرب القناة خسائر فادحة في المرحلة الأولى من الحرب.

وتقدمت الكتيبة المدرعة التي أرسلها نيتكا على شكل مروحة الى عمق حوالي 20 كم غرب القناة ودمرت قاعدتي صواريخ أرض جو، وعادت الى تشكيل اللواء بعد أن أوشك وقودها على النفاذ، بينما اندفعت الكتيبة التي أرسلها جابي في اتجاه الجنوب الى مسافة 10 كم، واشتبكت في طريقها مع بعض الدبابات المصرية وتمكنت من تدمير احدى قواعد الصواريخ المصرية. وقد نجحت اغارات الدبابات الاسرائيلية على قواعد الصواريخ المصرية أرض جو (سام) في تحقيق أهدافها، فمنذ صباح اليوم التالي تمكن الجنرال أدان من القيام بهجوم شامل في اتجاه الغرب والجنوب مدعما بالمعونة المباشرة من الطيران الاسرائيلي.

وخلال يوم 18 أكتوبر بذل الطيران المصري جهدا كبيرا لضرب راس الكوبري الاسرائيلي غرب القناة، وتركزت هجماته على جسر معديات البونتون شمال البحيرة المرة الكبرى. وقامت ثلاث موجات من طائرات الميج بهجمات متعاقبة على الجسر الاسرائيلي وعلى بعض الجسور فوق ترعة الاسماعيلية التي استولى عليها الاسرائيليون. وقد دارت خلال ذلك معارك جوية عنيفة اشتبكت فيها طائرات الميج 21 المقاتلة القاذفة المصرية مع طائرات الميراج وفانتوم F4 الاسرائيلية في الجو وسقطت أعداد كبيرة من طائرات الطرفين. وقد ذكرت المصادر الاسرائيلية ان 5 طائرات هليكوبتر مصرية على ارتفاع منخفض قامت بهجمة انتحارية على الجسر الاسرائيلي فوق القناة، وألقت عليه براميل معبأة بالنابلم. ورغم أن معظم هذه الطائرات قد أسقطت الا أنها كانت المرة الوحيدة خلال الحرب التي استخدمت فيها طائرات الهليكوبتر في اشتباك قتالي مباشر.

وفي مساء يوم 18 أكتوبر، أرسل الجنرال أدان تقرير موقف عن طريق اللاسلكي الى الجنرال جونين قائد القيادة الجنوبية كان يتضمن نتائج العمليات التي قامت بها وحداته على الضفة الغربية للقناة. ونظرا لانه كان يتطلع للقيام باختراق ناجح في اتجاه الجنوب اعتبارا من 19 أكتوبر، فقد طلب من رئيسه أن يرسل اليه اللواء المدرع بقيادة العقيد آرييه (من تشكيل فرقة أدان) والذي كان جونين محتفظا به على الضفة الشرقية للعمل كاحتياطي عام للقيادة الجنوبية. ووافق الجنرال جوني على مطلبه دون اعتراض. وفي الصباح الباكر يوم 19 أكتوبر كان لواء العقيد آرييه قد أتم عبوره الى غرب القناة، واستكمل الجنرال أدان بوصوله تشكيل فرقته وأصبح تحت قيادة ما يزيد على 250 دبابة صالحة للقتال.

واعتبارا من صباح يوم 19 أكتوبر، وباندفاع فرقة الجنرال أدان نحو الجنوب في اتجاه السويس، أصبحت قواته تواجه لأول مرة قوات من الجيش الثالث كانت مكونة بصفة أساسية من وحدات من الفرقة 4 المدرعة التي كان يتولى قيادتها العميد محمد عبد العزيز قابيل ومن الفرقة 6 مشاة ميكانيكية التي كان يتولى قيادتها العميد أبو الفتح محرم، وهما الفرقتان اللتان كانتا مخصصتين وفقا للخطة الموضوعة لتأمين النطاق التعبوي للجيش الثالث، ولكن القيادة العامة قامت بتوزيع وحدات الفرقتين توزيعا سيئا، مما أدى الى اضعافها وبالتالي الى اضعاف الاحتياطي التعبوي للجيش الثالث بصورة خطيرة، كما سنشرح بالتفصيل فيما بعد.

وفي صباح يوم 19 أكتوبر قام الجنرال أدان بالتقدم في اتجاه الغرب والجنوب بلواءين مدرعين في النسق الأول (لواء نيتكا ولواء جابي) ولواء آرييه المدرع في الاحتياطي، وقد سارت عمليات ألوية الجنرال أدان على الضفة الغربية كما يلي:

لواء نيتكا: اندفع في اتجاه الغرب شمال وصلة أبو سلطان (كان الاسرائيليون يطلقون عليها الاسم الكودي sacranut) للوصول الى الهيئات المرتفعة شمال شرق تقاطع وصلتي أبو سلطان – أبو صوير (للوصول الى الهيئات المرتفعة شمال شرق تقاطع وصلتي أبو سلطان أبو صوير (كان الاسرائيليون يطلقون عليها الاسم الكودي Marktsera) واشتبك في طريقه مع لواء مدفعية الميدان من تشكيل الفرقة 23 مشاة ميكانيكية الذي كانت مرابضة تقع غرب الموقع الدفاعي المصري عند تقاطع طريقي المعاهدة – أبو سلطان الذي كانت تحتله الكتيبة المتبقية من اللواء 116 مشاة ميكانيكي. وبعد معركة استمرت حوالي ثلاث ساعات، ورغم الخسائر التي تكبدتها الدبابات الاسرائيلية ، انتهت المعركة بتدمير لواء المدفعية وارتداد بقاياه الى تقاطع عثمان أحمد عثمان. وانحرف اللواء نيتكا بعد ذلك جنوبا على وصلة أبو صوير المتجهة الى طريق مصر-السويس، ولم يلبث أن اصطدم بمقاومة عنيفة عند تقاطع وصلة أبو صوير مع طريق فايد القادم من اتجاه البحيرة المرة الكبرى. وكانت كتيبة من اللواء الثاني المدرع (من الفرقة 4 المدرعة) تحتل موقعا دفاعيا قوية عند وادي العشرة ووادي أبو طلح في المرتفعات الحاكمة شمال غرب التقاطع (كان الاسرائيليون يطلقون عليها الاسم الكودي Mixnefet). وازاء قوة الموقع المصري طلب نيتكا النجدة من قائده الجنرال أدان فوجه اليه كتيبة مدرعة من لواء العقيد آرييه (لواء الاحتياطي)، وقامت هذه الكتيبة بتثبيت المقاومة المصرية بينما انحرف نيتكا بلوائه المدرع في اتجاه الشرق وتقدم على محور طريق فايد البحيرة المرة (كان الاسرائيليون يطلقون عليه الاسم الكودي Vitamin) . وخلال التقدم طوى نيتكا المقاومات المصرية المبعثرة التي اعترضت طريقه ، وتمكن من الاستيلاء على أرض الهبوط التي تقع شمال مطار فايد.

لواء جابي: تقدم في اتجاه الغرب جنوب وصلة أبو سلطان وتفادى في طريقه كتيبة المشاة الميكانيكية من اللواء 116 مشاة ميكانيكي التي كانت ما تزال تحتل الموقع الدفاعي غرب تقاطع طريقي المعاهدة أبو سلطان، ولم يلبث أن انحرف الى اتجاه الجنوب الشرقي. وعندما اقترب من احد مواقع صواريخ ارض جو (سام) المصرية أطلق عليه الموقع صاروخا على خط مرور مسطح (لأول مرة خلال الحرب)، وطار الصاروخ فوق القوة المتقدمة ووقع بعيدا في الخلف على بعد حوالي نصف كيلو متر فقط من مركز القيادة المتقدم للجنرال ابراهام أدان. وتقدمت الكتيبة المدرعة الامامية من لواء جابي من الشمال الى الجنوب بحذاء قناة السويس على محور طريق المعاهدة (كان الاسرائيليون يطلقون عليه الاسم الكودي Havit) في اتجاه فايد، ولكنها سرعان ما صدت أمام مقاومة مصرية قوية كانت تدافع عن مطار فايد ومدينة فايد.

لواء آرييه: بعد عبور قناة السويس صباح يوم 19 أكتوبر أمر الجنرال أدان بوضعه في الاحتياطي وأسند اليه مهمة تأمين الجنب الأيسر ومؤخرة وحدات الفرقة.

وأصدر الجنرال أدان بعد ظهر يوم 19 أكتوبر أمره الى لواءي نيتكا وآرييه بالقيام بحركة التفاف من ناحية اليمين والتقدم الى جبل جنيفة لاحتلاله وتنظيم الدفاع عنه قبل أن تسنح الفرصة للقوات المصرية للوصول اليه. وتقدم الواءان المدرعان في اتجاه جبل جنيفة على محورين منفصلين، ودمرا في طريقهما عدة مواقع صواريخ أرض جو (سام) كانت موجودة على امتداد السفوح الغربية لجبل جنيفة.

فرقة كلمان ماجن: كانت فرقة الجنرال كلمان ماجن تتشكل من لواءين مدرعين بقيادة العقيدين دان باروم واللواء مشاة ميكانيكي بقيادة العقيد ينتشاس، وقد تم عبورهما القناة ليلة 18/19 أكتوبر هي تطهير جيوب المقاومة المصرية التي خلفتها فرقة أدان وراءها في أثناء اندفاعها السريع في اتجاه الجنوب.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

أهداف الفرقة المدرعة الاسرائيلية

في صباح يوم 19 أكتوبر أصبحت القوة الاسرائيلية غرب القناة تتكون من ثلاثة فرق مدرعة، هي فرقة الجنرال أريل شارون وفرقة الجنرال أدان وفرقة الجنرال كلمان ماجن، وقد واصلت هذه الفرقة عملياتها لتحقيق أهدافها وفقا للخطة الموضوعة على محورين رئيسيين:

المحور الشمالي: محور الاسماعيلية ، وكانت تعمل عليه فرقة الجنرال شارون وحدوده الجنوبية وصلة أبو سلطان، واتجاه تقدمه شمالا بمحاذاة قناة السويس على طريق المعاهدة وعلى مواجهة بحيرة التمساح شرقا الى نفيشة غربا. وكان هدف شارون هو عبور ترعة الاسماعيلية والاستيلاء على مدينة الاسماعيلية . وكانت القوات المصرية الوحيدة التي تواجه فرقة شارون على هذا المحور جنوب ترعة الاسماعيلية ، عبارة عن اللواء 182 مظلات بقيادة العقيد اسماعيل عزمي، وكتيبتين من الصاعقة. وسوف نقوم بشرح المعارك التي وقعت على المحور الشمالي بعد الانتهاء من دراسة المعارك والاحداث الخطيرة التي جرت على المحور الجنوبي.

المحور الجنوبي: محور السويس، وكانت عمل عليه فرقتا الجنرال أدان والجنرال ماجن، وحدوده الشمالية وصلة أبو سلطان ،وكانت فرقة الجنرال أدان التي تتكون من ثلاثة ألوية مدرعة، تعتبر المجهود الرئيسي على هذا المحور، وكان اتجاه تقدمها من الشمال الى الجنوب على طريق المعاهدة غرب الشاطئ الغربي للبحيرات المرة. وكان هدفها النهائي هو الاستيلاء على مدينة السويس التي كانت من المنتظر أن يحدث سقوطها دويا هائلا على المستوى العالمي، ويؤدي في نفس الوقت الى استكمال حلقة الحصار حول الجيش الثالث الميداني.

وكانت فرقة الجنرال ماجن تتحرك عبر الارض المفتوحة في اتجاه الغرب والجنوب لحماية الجنب الايمن ومؤخرة فرقة أدان. وكان هدفها النهائي هو قطع طريق القاهرة السويس الشمالي (طريق 12) ثم طريق القاهرة السويس الرئيسي، وبذا يتم عزل مدينة السويس والجيش الثالث عن طريق امداداتها مع القاهرة. وكان يواجه قوات هذا المحور وحدات من الفرقة 6 مشاة ميكانيكية بقيادة العميد أ. ح محمد أبو الفتح محرم، ومن الفرقة 4 المدرعة بقيادة العميد أ. ح محمد عبد العزيز قابيل. [عدل] كيف تشتت الاحتياطي التعبوي للجيش الثالث

كانت قوات الجيش الثالث غرب القناة التي يتشكل منها الاحتياطي التعبوي للجيش، تتكون من الفرقتين 6 مشاة ميكانيكية و4 المدرعة. وكان من المفترض وفقا للأساليب التكتيكية السليمة أن تكون وحدات هاتين الفرقتين مجمعة ومركزة استعدادا لشن أي هجوم مضاد رئيسي على مستوى الجيش لصد أي اختراق للعدو للدفاعات المصرية شرق القناة. ولكن القيادة العامة أغفلت المبادئ التكتيكية الأساسية في استخدام الاحتياطات التعبوية على مستوى الجيوش. وبدلا من الاحتفاظ بالوحدات الفرعية للفرق المدرعة والمشاة الميكانيكية غرب القناة مجمعة تحت سيطرة قادتها لاتاحة الفرصة لقائدي الجيشين الثاني والثالث للقيام بهجوم مضاد رئيسي على مستوى الجيش لتدمير أي قوة للعدو تنجح في اختراق الدفاعات المصرية شرق القناة والعبور الى الغرب، كما جرى ليلة 15/16 أكتوبر التي عبرت خلالها قوة اسرائيلية الى غرب القناة عند الدفرسوار، نجد أن القيادة العامة قد قامت بتوزيع وبعثرة وحدات الاحتياطي التعبوي شرق القناة وغربها. ووصل الأمر الى حد أن قائد الفرقة 6 مشاة ميكانيكية وجد نفسه منذ صباح يوم 9 أكتوبر في مركز قيادة الفرقة في منطقة الجفرا جنوب جبل عوبيد بمفرده فيما عدا بعض العناصر من القيادة الفرقة، دون أن يكون تحت قيادته أي وحدة من وحدات فرقته. وهذا التصرف من القيادة العامة بالاضافة الى توزيعها لمعظم وحدات الاحتياطي الاستراتيجي المتمركز تحت يدها في القاهرة، والمفترض أن يكون على استعداد للقيام بالضربة المضادة في حالة فشل الهجمات المضادة الرئيسية على مستوى الجيوش، هو دليل واضح على أن القيادة العامة لم تكن تتوقع اطلاقا قيام العدو بعملية اختراق للدفاعات المصرية شرق القناة، ثم القيام بعملية عبور الى الغرب لاقامة رأس كوبري على الضفة الغربية للقناة، وهو أمر يتنافى تماما بعد النظر المطلوب توافره في المسئولين بالقيادة.

ولبيان مدى تشتت قوات الاحتياطي التعبوي نكتفي بالنسبة للعمليات في هذه المرحلة بدارسة أوضاع الفرقتين 6 مشاة ميكانيكية و4 المدرعة اللتين كان يتشكل منهما الاحتياطي التعبوي للجيش الثالث:

الفرقة 6 مشاة ميكانيكية: كانت تتشكل أساسا من اللواء 23 المدرع واللواء الأول مشاة ميكانيكي واللواء 113 مشاة ميكانيكية ولواء مدفعية الفرقة. ونتيجة لتوزيع جميع وحدات الفرقة ووضعها تحت قيادات أخرى، أصبح قائد الفرقة قائدا بلا فرقة، وأصبحت الفرقة غير موجودة من الناحية الواقعية، وتحولت بالفعل الى ألوية مستقلة، وبذا ضاع الهدف الأساسي من تشكيلها بهذا التنظيم، وفقدت مميزاتها كفرقة مشاة ميكانيكية، وكانت وحدات الفرقة موزعة بالطريقة التالية:

- اللواء 22 المدرع: رغم أنه القوة الضاربة الرئيسية في الفرقة، فقد وضع منذ بداية الحرب تحت قيادة الفرقة 19 مشاة، وعبر معها الى شرق القناة حيث اتخذ مواقعه في رأس كوبري الفرقة. - اللواء الأول مشاة ميكانيكي: كلف بعملية الهجوم على رأس سدر على الشاطئ الشرقي لخليج السويس، وعبر القنالة ليلة 8/9 أكتوبر. وعلى أثر فشله في مهمته صدرت الأوامر تحت قيادة الفرقة 19 مشاة بمهمة تأمين منطقتي عيون موسى ورأس مسلة. - اللواء 113 مشاة ميكانيكي: كان يحتل بكتيبتين قطاعا دفاعيا في منطقة بير عديب غرب خليج السويس، ويعمل بأوامر من قيادة الجيش الثالث. وكانت الكتيبة المشاة الميكانيكية الباقية من اللواء متمركزة عند مدخل وادي حجول من الناحية الشمالية عند علامة الكيلو متر 85 على طريق القاهرة السويس. - لواء مدفعية الفرقة: كان يشكل مجموعة مدفعية اللواء الأول مشاة ميكانيكي وكان في مواقعه شرق القناة في رأس كوبري الفرقة 19 مشاة.

الفرقة 4 المدرعة: كانت تتشكل أساسا من اللواءين المدرعين الثاني والثالث واللواء 6مشاة ميكانيكي ولواء مدفعية الفرقة. ورغم أن الفرقة المدرعة هي القوة الضاربة في الاحتياطي التعبوي للجيش وهي وجهوده الرئيسي في أي هجوم مضاد على مستوى الجيش، فان قائد الفرقة في مركز قيادته بمنطقة الجفرا لم يكن تحت قيادته اعتبارا من 13 أكتوبر سوى اللواء الثاني المدرع، وكانت باقي وحدات الفرقة موزعة شرق القناة وغربها. وعندما أدركت القيادة العامة مدى تدهور الموقف غرب القناة في الوقت الذي لم يكن متوافرا في يدها أي احتياطي تعبوي أو استراتيجي على مستوى الجبهة، خططت لاستخدام الفرقة 4 المدرعة كاحتياطي استراتيجي بعد تدعيمها باللواء المدرع بالحرس الجمهوري (الاحتياطي الأخير لديها) وذلك للقيام بالضربة المضادة. وعندما اتضح لها أنه لا يوجد تحت يد قائد الفرقة سوى لواء مدرع واحد بدأت في تحريك وحدات الفرقة الموزعة ما بين شرق القناة والنطاق المتوسط للعودة على وجه السرعة الى منطقة تجميع بالجفرا بجوار قيادة الفرقة، وارسلت ظهر يوم 20 أكتوبر ضابط اتصال الى قائد الفرقة لتفهم موقفها من حيث أوضاعها وكفاءتها القتالية. ولم تكن في مقدرة العميد أ. ح محمد عبد العزيز قابيل قائد الفرقة 4 المدرعة أن يغامر باستخدام وحداته العائدة اليه في ضربة مضادة على مستوى القيادة العامة ، ويتوقف عليها مستقبل الحرب، دون أن يقوم أولا بعملية اعادة تجميعها لرفع كفاءتها القتالية، ولذا طلب من القيادة العامة اعطاءه مهلة 48 ساعة على الأقل. وكان عدم استعداد الفرقة للقيام بالضربة المضادة على الفور بسبب سوء توزيع وحداتها في المرحلة السابقة سببا في الغاء عملية الضربة المضادة يوم 21 أكتوبر علاوة على أن أوان هذه الضربة المضادة قد فات.

هذا وقد كانت أوضاع الفرقة 4 المدرعة يوم 19 أكتوبر كما يلي:

- قيادة الفرقة واللواء الثاني المدرع في منطقة الجفرا. - اللواء الثالث المدرع (عدا كتيبة): شرق القناة ويعمل كاحتياطي في يد قائد الجيش الثالث. والكتيبة المدرعة الباقية من اللواء تحت قيادة الفرقة 7 مشاة. - اللواء 6 مشاة ميكانيكي: يقوم بتأمين النطاق المتوسط للجيش في منطقة الكيلو متر 109 مشاة ميكانيكي. يقوم بتأمين النطاق المتوسط للجيش في منطقة الكيلو متر 109 طريق القاهرة السويس، ويعمل بأوامر من قيادة الجيش الثالث. - لواء مدفعية الفرقة .. يعمل في معاونة الفرقة 7 مشاة، ويحتل مواقعه شرق القناة داخل رأس كوبري الفرقة.

وعندما أدرت القيادة العامة استحالة قيام الجيش الثالث بأي هجوم مضاد رئيسي على مستوى الجيش لتدمير القوات المدرعة الاسرائيلية التي أخذت تندفع داخل نطاقة التعبوي، بسبب عدم وجود الاحتياطي الذي يمكن له دفعه في هذه العملية، أصدرت يوم 19 أكتوبر تعليماتها العاجلة الى قيادة الجيش الثالث بسحب معظم وحدات الفرقتين 6 مشاة ميكانيكية و4 المدرعة من مواقعها شرق القناة للعودة الى غرب القناة لتوضع تحت قيادة الفرقتين. ورغم سحب هذه الوحدات من الشرق الى الغرب، لم يكن في مقدرة قائدي الفرقتين القيام بأي هجمات مضادة رئيسية ضد العدو، فقد كان من المتعذر القيام بعملية اعادة التجميع كي تستعيد الوحدات كفاءتها القتالية بينما القوات المدرعة الاسرائيلية تشق طريقها بسرعة واندفاع داخل النطاق التعبوي. وكانت الفرقة 6 مشاة ميكانيكية تنقصها قوتها الضاربة، فقد ظل اللواء 22 المدرع باقيا في مواقعه شرق القناة، كما أن قائد الفرقة 4 المدرعة كان متمركزا في الشمال عند تقاطع عثمان أحمد عثمان بعيدا عن منطقة الجفرا، وتحت قيادته وحدات اللواء الثاني المدرع (عدا كتيبة) في مواقعها الدفاعية بعد أن عهدت اليه القيادة العامة ظهر يوم 18 أكتوبر بمسئولية تأمين النطاق التعبوي للجيشين الثاني والثالث معا، مما جعل الامر يقتصر على القيام بهجمات مضادة، محلية بوحدات لا تزيد على كتيبة مدرعة أو مشاة ميكانيكية مدعمة وأصبح الغرض مقتصرا على صد العدو وايقافه أو تعطيله، وليس بالطبع تدميره والقضاء عليه.

وعلاوة على ذلك، كان بعض ضباط العمليات من قيادة الجيش الثالث يصدرون التعليمات الى القوات العائدة من شرق القناة وهي على المعابر لتوجيهها مباشرة الى أماكنها الجديدة، ويخصصون لها في نفس الوقت المهام القتالية دون أن تعلم قيادات الفرق شيئا عن أوضاع ومهام وحداتها الفرعية العائدة من شرق القناة، مما أدى الى اضعاف القيادة والسيطرة بشكل واضح. وأدت السرعة والعجلة التي اتسمت بها عملية تجميع الوحدات للهجوم المضاد وتخصيص المهام لها، الى اختلاط الوحدات وعدم تجانسها، وكذا الى تداخل القيادات وتشابك القطاعات بحيث أصبح من الصعب تحديد المسئوليات.

الهجوم المضاد

صدرت التعليمات بتجميع الوحدات للقيام بالهجوم المضاد كما يلي:

الفرقة 6 مشاة ميكانيكية: تحرك اللواء 113 مشاة ميكانيكي (عدا كتيبة) من قطاع بير عديب ليلة 19/20 أكتوبر للقيام بغيار اللواء 6 مشاة ميكانيكية من الفرقة 4 المدرعة ليعود اللواء السادس الميكانيكي الى منطقة الجفرا، وبذا أصبح اللواء 113 مشاة ميكانيكي مسئولا عن تأمين الموقع المتوسط عند علامة الكيلو متر 109 طريق القاهرة السويس. وفي الساعة السابعة مساء يوم 20 أكتوبر صدرت التعليمات بأن يقوم اللواء 113 مشاة ميكانيكي (عدا كتيبة) بعد تدعيمه بكتيبة مدرعة من الفرقة 4 المدرعة بالهجوم على مرتفعات جبل جنيفة ووادي سد الجاموس ليلا، على أن تعمل المشاة في مجموعات صغيرة مترجلة أمام الدبابات لكي تتشبث بالأرض ولتأمينها من الصواريخ المضادة للدبابات. وفي يوم 20 أكتوبر عبر اللواء الأول مشاة ميكانيكي الى غرب القناة، وقد كلفت كتيبة مشاة ميكانيكية من اللواء مدعمة بكتيبة دبابات اللواء بالاستيلاء على التبة الزلطية، وكلفت كتيبة مشاة ميكانيكية بتأمين تقاطع طريق جنيفة مع طريقة القاهرة السويس الشمالي بينما تحتل كتيبة المشاة الميكانيكية المتبقية خط صد ما بين طريقي القناة وطريق المعاهدة جنوب معسكر حبيب الله، وعندما تدهورت الاوضاع في قطاع الفرقة 6 مشاة ميكانيكية صدرت التعليمات الى قائد اللواء 22 المدرع (من الفرقة السادسة الميكانيكة) بأن يتحرك على راس كتيبة مدرعة من لوائه ويقوم بالعبور الى غرب القناة في أول ضوء يوم 22 أكتوبر للانضمام الى قطاع اللواء 113 مشاة ميكانيكي للقيام بعملية هجوم مضاد في اتجاه جبل غرة.

الفرقة 4 المدرعة: في مساء يوم 19 أكتوبر صدرت تعليمات القيادة العامة باعادة وحدات الفرقة 4 المدرعة التي على الضفة الشرقية وفي النطاق المتوسط الى منطقة الجفرا لاعادة تجميعها استعدادا لعملية الضربة المضادة. وبناء على هذه التعليمات بدأ اللواء 3 المدرع في التحرك في أول ضوء يوم 20 أكتوبر لعبور القناة الى الغرب. وفي أثناء عودته الى منطقة الجفرا صدرت التعليمات بسحب كتيبة مدرعة من اللواء لتدعيم اللواء 113 مشاة ميكانيكي (من الفرقة السادسة الميكانيكية) في عملية هجوم على جبل جنيفة. وكان اللواء 6 مشاة ميكانيكي (من الفرقة 4 المدرعة) قد أرسل يوم 17 أكتوبر بناء على تعليمات قيادة الجيش الثالث كتيبة مشاة ميكانيكية من اللواء الى منطقة كسفريت لحماية الجنب الأيسر للجيش ومنع العدو من التقدم على طريق المعاهدة.

وعندما عاد اللواء 6 مشاة ميكانيكي (عدا كتيبة) الى منطقة الجفرا بعد أن قام اللواء 113 مشاة ميكانيكي بغياره في الموقع المتوسط، وبعد الغاء عملية الضربة المضادة، صدرت التعليمات من قيادة الجيش الثالث الى اللواء 6 مشاة ميكانيكي بالتحرك مع كتيبة الدبابات المتبقية من اللواء الثاني المدرع بالجفرا بمهمة تدمير دبابات العدو التي تحاول التسلل بين ثغرات مواقعنا الدفاعية مستهدفة تدمير مواقع الصواريخ المصرية أرض جو سام وكذا الدبابات التي تحاول الاستيلاء على المرتفعات للسيطرة على قواتنا في منطقة جبل القط-الحافة البيضاء-جبل أم كثيب بالتعاون مع اللواء 113 (من الفرقة 6 مشاة ميكانيكية) المكلف بالهجوم المضاد الى الشرق من قطاع اللواء السادس الميكانيكي (من الفرقة 4 المدرعة).


المعارك غرب القناة قبل وقف اطلاق النار

أولا – فرقة الجنرال ابراهام أدان: تقدمت وحدات الفرقة في اتجاه الجنوب وفقا للطريقة التالية:

• لواء جابي: تقدم اللواء المدرع بقيادة العقيد جابي في تجاه الجنوب بحذاء الشاطئ الغربي للبحيرات المرة على طريق المعاهدة بقوته الاساسية، ونظرا للمقاومات المصرية العديدية التي اعترضت طريق تقدمه أمده الجنرال أدان بالامدادات التي تلقاها من القيادة الجنوبية، وكانت عبارة عن كتيبة من المشاة وأخرى من المهندسين العسكريين. وبهذا القوة الاضافية واصل اللواء المدرع تقدمه في اتجاه فايد التي كانت تعتبر من أهم الاهداف العسكرية على هذا المحور، اذ كان يوجد بها مطار فايد ومنطقة ضخمة من معسكرات الجيش المصري ومدينة فايد نفسها التي كان يقطنها عدد من المدنيين. وقد نجحت القوة المصرية التي تدافع عن فايد بقيادة العقيد حسين حسني الذي عهد اليه الفريق سعد الشاذلي بمسئولية القيادة، في وقف تقدم قوات جابي طوال النهار يوم 19 أكتوبر. ولكن في الساعة السابعة مساء نجح العقيد جابي في ازاحة المقاومة المصرية التي كانت تدافع عن مطار فايد والتي قامت بنسف منشآته قبل انسحابها الى الجنوب. وقد أبلغ الفريق الشاذلي الذي كان متواجدا في مركز القيادة المتقدم للجيش الثاني بالاسماعيلية القيادة العامة المركز 10 أن قوات فايد انسحبت تحت ضغط العدو في الساعة العاشرة صباح يوم 20 أكتوبر.

ويلاحظ أن المقاومات المصرية التي اعترضت تقدم لواء جابي غرب البحيرات المرة خلال هذه الفترة، كانت عبارة عن مجموعات ضعيفة من الوحدات الادارية أو مؤخرات الوحدات المصرية الموجودة على الضفة الشرقية، وكذا بعض المجموعات الخاصة التي شكلها مكتب المخابرات الحربية في فايد وزودت بأسلحة وصواريخ مضادة للدبابات مثل مجموعتي السباعي والمنيسي، علاوة على فلول القوات الفلسطينية والكويتية التي كانت مكلفة منذ بدء الحرب بحماية الشاطئ الغربي للبحيرات المرة وانسحبت الى الجنوب بعد العبور الاسرائيلي الى غرب القناة.

وبسقوط مطار فايد في يد لواء جابي، أتيحت الفرصة للاسرائيليين لانشاء راس كوبري جوي على الضفة الغربية للقناة، وأصبح في امكان القيادة الجنوبية الاسرائيلية تزويد قواتها على الضفة الغربية بالمؤن والامدادات العاجلة بطائرات الهيليكوبتر وكذا اخلاء الجرحى بسرعة الى الضفة الشرقية.

• لواء نيتكا ولواء آرييه: في الوقت الذي كان فيه لواء جابي متقدما في اتجاه الجنوب على محور طريق المعاهدة، قام اللواءان المدرعان بقيادة العقيدين نيتكا وآرييه وفقا لتعليمات الجنرال أدان بعد ظهر يوم 19 أكتوبر بحركة التفاف من ناحية الغرب الى الجنوب في اتجاه جبل جنيفة، واستولت قواتهما في طريقها اليه على جبل شبراويت والجوزة الحمراء. وقد تمكنت العناصر الأمامية من لواءي نيتكا وآرييه من الوصول الى مرتفعات جبل جنيفة صباح يوم 20 أكتوبر. وكان لهذا تأثير كبير في مجرى العمليات في القطاع الساحلي نظرا لأهمية هذا الجبل من الناحية التكتيكية بحكم اشرافه وتحكمه في جميع الطرق والهيئات الأرضية الموجودة في هذا القطاع وامتداده الى مسافات بعيدة من جهتي الشرق والجنوب. وكان واجب القيادة المصرية ان تسبق القوات الاسرائيلية في الاستيلاء على هذا الهدف الحيوي بدلا من التاخير الذي جرى والذي أدى الى تكليف اللواء 113 (من الفرقة 6 مشاة ميكانيكية) وكتيبة من اللواء 3 المدرع (من الفرقة 4 المدرعة) بالهجوم فجر يوم 21 أكتوبر للاستيلاء على جبل جنيفة. ورغم الخسائر التي تكبدتها القوات المصرية فانها لم تتمكن من تحقيق هدفها.

وقبل فجر يوم 22 أكتوبر تلقى الجنرال أدان رسالة لاسلكية من الجنرال جونين ذكر له فيها أنه سيكون هناك وقف لاطلاق النار بعد الساعة السادسة مساء من نفس اليوم. وقد حفز هذا النبأ الجنرال أدان كي يبذل أقصى جهوده ليتم اجتياز الشاطئ الغربي للبحيرات المرة بأسرع ما يمكن للوصول الى المجرى الأصلي للقناة جنوب البحيرات والذي يفصله عن مدينة السويس حوالي 23 كم، وهو الهدف الذي كان الجنرال أدان يتطلع للوصول اليه قبل وقف اطلاق النار.

وفي سبيل تحقيق هذا الهدف الكبير قام الجنرال أدان بتجميع ألويته الثلاثة، واندفع في اتجاه الجنوب مستخدما تكتيك الانقضاض السريع بالدبابات لحمل القوات المصرية التي تعترض طريق تقدمه على الهروب من مواقعها الدفاعية بسبب الرعب الذي يحدثه انقضاض الدبابات. ورغم ان هذه الطريقة نجحت نجاحا باهرا خلال حرب يونيو 67، فانها سببت كارثة مروعة للاسرائيليين خاصة عند استخدامها في المرحلة الاولى من حرب أكتوبر، وأدت الى خسائر فادحة في الدبابات الاسرائيلية نتيجة لصمود قوات المشاة المصرية امام الدبابات الاسرائيلية واستخدامها للصواريخ المالوتكا والقواذف RPG7 من مسافات قصيرة.

وطبقا لتعليمات الجنرال أدان تقدمت الألوية المدرعة الثلاثة جابي في اليمين ونيتكا في المنتصف وآرييه في اليسار، وقامت الفرقة بهجومها الشامل على مواجهة واسعة في اتجاه الجنوب. واستخدمت الدبابات الاسرائيلية تكتيك الانقضاض، واندفعت صوب المواقع المصرية بأقصى سرعة ممكنة متفادية مناطق المقاومة الكبيرة لضمان سرعة التقدم، ولكن تكتيك الانقضاض لم يصادف النجاح الذي أحرزه في حرب 67، فقد اصطدمت الدبابات الاسرائيلية بمقاومة مصرية شرسة مما أبطأ سرعة تقدمها نحو الجنوب بشكل واضح. ولم تستطيع الوحدات المصرية الضعيفة التسليح والتحصين خلال هذه المرحلة أن تقوم بأكثر من تعطيل عملية التقدم المدرع الاسرائيلي في اتجاه الجنوب، فقد كان العدو يتفوق عليها تفوقا هائلا في عدد الدبابات، علاوة على المعاونة الجوية المباشرة التي كان يستخدمها لتدمير أي مقاومات تعترض طريق تقدمه، مما أدى الى تدمير وحدات مصرية بأكملها.

ورغم كل ما في حوزة الجنرال أدان من امكانات التفوق، فانه لم يستطع الوصول الى مجرى قناة السويس جنوب البحيرات المرة عندما حل توقيت وقف اطلاق النار في الساعة السادسة والدقيقة الثانية والخمسين مساء يوم 22 أكتوبر.

ثانيا – فرقة الجنرال كلمان ماجن، اندفعت وحداتها صباح يوم 20 أكتوبر في اتجاه الغرب والجنوب بعد أن استولت في اليوم السابق على تقاطع طريق المعاهدة مع وصلة أبو سلطان (الاسم الكودي Tsach لدى الاسرائيليين) وتقاطع وصلتي أبو صوير – أبو سلطان (الاسم الكودي Maktesra لدى الاسرائيليين) ووصل اللواء المدرع بقيادة العقيد دان شمرون وهو لواء اليمين في الفرقة الى مسافة من 20 إلى 25 كم غرب البحيرات المرة. وتقدمت قوات الجنرال ماجن في اتجاه الجنوب الشرقي عن طريق المدقات وعبر الأرض المفتوحة، واستولت على جبل غرة وهو موقع حيوي يسطير سيطرة تامة على طريق القاهرة السويس الشمالي ويبعد عنه بأقل من كيلو مترين، ويعرف هذا الطريق باسم طريق 12 (الاسم الكودي لدى الاسرائيليين هو Asor). كما استولت على وادي سد الجاموس الذي له مدخلان من الجنوب يقودان الى جبل جنيفة شرقا وجبل غرة غربا، وتقدمت قوة مدرعة من فرقة ماجن واستولت على التبة الزلطية التي لا تبعد أكثر من 5 كم من تقاطع وصلة جنيفة مع طريق القاهرة السويس الرئيسي (الاسم الكودي للطريق لدى الاسرائيليين Saeag) وذلك عند علامة الكيلو متر 105.

قرار وقف اطلاق النار

في حوالي الساعة السابعة صباحا يوم 22 أكتوبر بتوقيت القاهرة، أصدر مجلس الأمن القرار رقم 338 بوقف اطلاق النار، وكان القرار يتضمن الفقرات الثلاث التالية:

أولا: دعوة جميع الاطراف المشتركة في القتال الحالي الى وقف اطلاق النار، والى انهاء كل نشاط عسكري فورا، على أن يتم ذلك في وقت لا يتجاوز 12 ساعة من صدور هذا القرار وذلك في المواقع التي تحتلها هذه الاطراف الان.

ثانيا: دعوة الاطراف المعنية الى البدء فورا بعد وقف اطلاق النار في تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 242 بجميع أجزائه.

ثالثا: البدء في مفاوضات فورية بين الأطراف المعنية في ذلك الوقت الذي يتم فيه وقف اطلاق النار تحت اشراف مناسب، بغية تحقيق سلام دائم وعادل في الشرق الأوسط.

وكان القرار رقم 338 الذي أصدره مجلس الأمن هو ثمرة اتصالات سياسية مهمة، بدأت منذ الأسبوع الثاني من الحرب بين الرئيس السوفيتي ليونيد بريجنيف في موسكو والرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون في واشنطن، وكان محور الاتصال بينهما أناتولي دوبرينين السفير السوفيتي في الولايات المتحدة ووزير الخارجية الامريكي المتعصب لاسرائيل هنري كيسنجر. وبناء على دعوة عاجلة من بريجنيف سافر هنري كيسنجر الى موسكو يوم 20 أكتوبر وبدأت المحادثات بينه وبين الرئيس السوفيتي بريجنيف صباح يوم 21 أكتوبر والتي انتهت بمشروع القرار السوفيتي الأمريكي المشترك الذي وافق عليه مجلس الأمن وصدر صباح يوم 22 أكتوبر باسم القرار رقم 338.

وفي تل أبيب دعت جولدا مائير رئيسة الحكومة مساء يوم 21 أكتوبر الى اجتماع لمجلس الوزراء حيث عرضت رسالة الرئيس الأمريكي نيكسون التي طلب فيها الموافقة على مشروع القرار السوفيتي الأمريكي الذي سيصدره مجلس الأمن والذي أرفقه برسالته. وخلال الاجتماع الذي انعقد عند منتصف الليل تمت الموافقة بالاجماع على مشروع القرار. وبمجرد ان أذيع القرار صباح يوم 22 أكتوبر أعلنت اسرائيل على الفور موافقتها عليه.

وفي القاهرة عقد الرئيس السادات عدة اجتماعات مع السفير السوفيتي بالقاهرة فلاديمير فينوجرادوف. وفي يوم 21 أكتوبر قدم السفير السوفيتي رسالة مطولة من الرئيس السوفيتي بريجنيف عرض فيها تفاصيل مباحثاته مع كيسنجر في موسكو وأرفق بالرسالة مشروع القرار السوفيتي الأمريكي الذي سيصدره مجلس الأمن، ودعا السادات الى الموافقة عليه. وفي نشرة أنباء الساعة الثانية والنصف ظهر يوم 22 أكتوبر أعلنت اذاعة القاهرة موافقة الرئيس السادات على وقف اطلاق النار وفقا للقرار 338 الصادر عن مجلس الأمن. وأرسل الفريقين أحمد اسماعيل وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة بيانا الى جميع تشكيلات القوات المسلحة أورد فيه الأمر الذي أصدره الرئيس السادات بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة بوقف اطلاق النار في الساعة السادسة والدقيقة الثانية والخمسين مساء يوم 22 أكتوبر اذا التزم العدو بوقف اطلاق النار في هذا الموعد.

وقبل وقف اطلاق النار ببضع دقائق وبناء على أمر من الرئيس الراحل السادات أطلقت القوات المصرية قذيفتين من الصواريخ بعدية المدى سوكد على العدو في منطقة الدفرسوار.

وعندما أصبح قرار وقف اطلاق النار نافذ المفعول مساء يوم 22 أكتوبر كانت فرقتنا الجنرالين أدان وماجن اللتان في القطاع الجنوبي للعمليات الاسرائيلية غرب القناة، قد احتلتا منطقة تمتد من وصلة أبو سلطان شمالا على امتداد حوالي 20 كم غرب البحيرات المرة غربا والخط من الجزء الجنوبي من شاطئ البحيرة المرة الصغرى الى تقاطع وصلة جنيفة مع طريق القاهرة السويس الشمالي (طريق 12) وامتداد الطريق بعد ذلك الى الغرب. وكانت هناك قوة مدرعة صغيرة تابعة لفرقة ماجن تهدد بنيرانها من المرتفعات شمال علامة الكيلو متر 105 المرور على طريق القاهرة السويس الرئيسي.

ولكن القوات الاسرائيلية لم تكن تسيطر سيطرة كاملة على المنطقة المستولى عليها، فقد كان ما يزال بداخلها وحدات مصرية تفادتها القوات المدرعة الاسرائيلية خلال اندفاعها السريع نحو الجنوب. وبسبب تداخل القوات المصرية والاسرائيلية في هذه المنطقة أصبح كل من الطرفين يهدد خطوط مواصلات الطرف الآخر.

وكان الاسرائيليون قد اصيبوا بخيبة أمل شديدة عقب حلول وقف اطلاق النار، فعلى الرغم من اندفاعهم المدرع نحو الجنوب والمعاونة الجوية المباشرة التي يقدمها السلاح الجوي الاسرائيلي لتدمير المقاومات المصرية التي تعترض طريق تقدمهم، وعلى الرغم من تفاديهم المقاومات المصرية الكبيرة في أثناء زحفهم، فانهم لم ينجحوا في الوصول الى بداية المجرى الرئيسي للقناة جنوب البحيرات المرة الصغرى والذي يقع على بعد حوالي 25 كم شمال مدينة السويس، أي أن خطتهم لعزل مدينة السويس وحصار الجيش الثالث التي كانوا يستهدفون من ورائها التفاوض مع مصر من مركز قوة عقب وقف اطلاق النار بقصد املاء شروطهم قد باءت كلها بالفشل. وتبدو هذه النوايا المبيتة بوضوح من مذكرات موشي ديان وزير الدفاع والتي قال فيها: "في الساعات الأولى من 22 أكتوبر ألححت على الجنرال بارليف وزير الدفاع بضرورة الاستيلاء على جبل عتاقة في المنطقة الواقعة غرب خليج السويس، فمن شأن ذلك منحنا سيطرة عسكرية كاملة على المنطقة الممتدة من الاسماعيلية الى خليج السويس، ومن شأنه أيضا احباط أي احتمال للالتفاف حول القوات الاسرائيلية غرب القناة".

استمرار المعارك بعد وقف اطلاق النار

لم تكن هناك أدنة صعوبة أمام الاسرائيليين لتحقيق أهدافهم المبيتة، فقد كان من السهل عليهم ايجاد التبرير الذي يتيح لهم الفرصة لاستئناف عملياتهم الحربية وهو الادعاء بان قوات الجيش الثالث قد انتهكت قرار وقف اطلاق النار وانها تطلق على قواتهم النيران. وقد تلقى كل من الجنرالين أدان وماجن توجيها من القيادة الجنوبية مساء يوم 22 أكتوبر بمراعاة وقف اطلاق النار اذا التزم به المصريون، أما اذا لم يحترموه فان عليهما استكمال المهام المسندة اليها.

وكان واضحا من أسلوب التوجيه ان القيادة الجنوبية قد منحتهما التصديق المطلوب، وأضاءت أمامهما الضوء الاخضر للاندفاع بقواتهما جنوبا لاستكمال المهمة التي كانا يتلهفان على تحقيقها، وهي تطويق الجيش الثالث وعزل مدينة السويس، فان التوجيه لم يمنحهما حق الرد على النيران المصرية بالمثل في حالة اطلاقها على قواتهما وهو الأمر المعتاد في مثل هذه المواقف، وانما كان يدعوهما الى استكمال المهام المسندة اليهما، والفرق شاسع بالطبع بين الحالتين.

ونظرا لان الاسرائيليين لم يكن في نيتهم اطلاقا وقف القتال قبل تحقيق الاهداف التي رسموها، لذلك تم التنسيق بين الجنرالين أدان وماجن ليلة 22/23 أكتوبر على الخطة التي سيجرى تنفيذها اعتبارا من صباح يوم 23 أكتوبر. وتم اتفاقهما على ان تتقدم فرقة أدان جنوبا على طريقي القناة والمعاهدة بهدف عزل السويس وذلك عن طريق قطع الاتصال بين السويس والقاهرة غربا وبينها بين الطريق المؤدي الى خليج السويس جنوبا. ولاعطاء عمق كاف لعملية التطويق كان على الجنرال ماجن التقدم بفرقته على يمين فرقة أدان والمرور من خلال الجزء الغربي من قطاع هذه الفرقة بهدف الوصول الى ميناء الأدبية الذي يقع على بعد حوالي 16 جم جنوب مدينة السويس. وفي ليلة 23/22 أكتوبر وبعد أن ادعت اسرائيل أن القوات المصرية انتهكت قرار وقف اطلاق النار، بدأت عمليات فرقتي أدان وماجن في اتجاه الجنوب كما يلي:

فرقة الجنرال أدان: كان الجنرال أدان حريصا على تأمين خطوط مواصلاته في أثناء اندفاع قواته جنوبا في اتجاه السويس. ونظرا لتداخل بعض جيوب المقاومة المصرية مع قواته بطريقة تهدد زحفه الى الجنوب، فقد أصدر تعليماته بسرعة القيام بتطهير طريق المعاهدة والمنطقة المزروعة المحيطة به من القوات المصرية، وذلك في القطاع بين فايد والشلوفة (كان طوله يبلغ 35 كم). وخلال الليل تسلم الجنرال أدان امدادات من المشاة أرسلت اليه في الأغلب من الجهة السورية التي كان القتال الفعلي قد توقف فيها منذ أكثر من أسبوع، وقد تم نقلها بواسطة طائرات الهيليكوبتر وعربات الأتوبيس. وعن طريق دمج الامدادات الجديدة مع الكتيبتين السابق وصولهما اليه يوم 20 أكتوبر، أمكن للجنرال أدان تشكيل لواء مشاة يضم خمس كتائب كان يتحرك بوسائل نقل متعددة منها العربات المدرعة نصف جنزير وحاملات الجنود المدرعة، وعربات الأتوبيس. وأسند أدان قيادة هذا اللواء الى قائد ثاني الفرقة الجنرال دوفيك تماري، وبذا أصبحت فرقة أدان مشكلة من ثلاثة ألوية مدرعة ولواء مشاة خفيف الحركة. وخلال ليلة 22/23 تمكنت كتيبة المهندسين التابعة لفرقة أدان من تطهير طريق القناة (الاسم الكودي Test لدى الاسرائيليين) حتى موقع كبريت جنوبا. واعتزم أدان ضرورة استكمال تطهير باقي الشاطئ الغربي للبحيرات المرة حتى الشلوفة جنوبا حتى يسهل عليه الاندفاع بمعظم قواته في اتجاه السويس.

وفي فجر يوم 23 أكتوبر بدأت فرقة الجنرال أدان بأوليتها الأربعة في استكمال عملية تطهير الشاطئ الغربي للبحيرات المرة . ونظرا لصعوبة الارض وتماسك المقاومات المصرية، أصبح معدل التحرك بطيئا في جميع قطاعات الألوية. وخوفا من صدور قرار ثان من ملجس الأمن بتثبيت وقف اطلاق النار قبل أن تتمكن قواته من عزل مدينة السويسن فقد أسند الجنرال أدان مهمة استكمال عملية التطهير الى لوائي نيتكا ودوفيك تماري واندفع بلواءيه المدرعين الآخرين في اتجاه الجنوب وضاعا لواء جابي في اليمين غرب طريق المعاهدة (الاسم الكودي Havit لدى الاسرائيليين) ولواء آرييه في اليسار بموازاة قناة السويس.

وعن طريق تفادي المقاومات الكبيرة التي كانت تعترض طريق التقدم وباستخدام تكتيك الانقضاض السريع بالدبابات، نجح اللواءان المدرعان في شرق طريقهما للأمام بسرعة من خلال المواقع والمعسكرات المصرية التي كان معظمها يتكون من وحدات الشئون الادارية وومدات من الجيش الاقليمي ومؤخرات الوحدات التي على الضفة الشرقية للقناة ومعسكرات النقاهة، مما أتاح الفرصة للقوات الاسرئايلية للاستيلاء في هذه المرحلة على كميات كبيرة من الاسلحة والمعدات والمخازن وآلاف من الأسرى كان بينهم عدد كبير من المدنيين. وعند حلول الظلام، وبعد قتال عنيف على طول محور التقدم وصل اللواءان المدرعان الى ضواحي مدينة السويس من الغرب عند تقاطع طريق المعاهدة مع طريق القاهرة السويس الرئيسي. ووضع العقيد جابي قائد اللواء المدرع الذي في اليمين قوة صغيرة من دباباته غرب السويس مباشرة، وعلى مدخل الطريق الرئيسي المؤدي الى القاهرة لعزلها عن الغرب، بينما تقدمت كتيبة مدرعة من لوائه على طول خليج السويس، حيث استولت على معامل تكرير البترول بالزيتية على بعد حوالي 5 كم جنوب غرب السويس، وبذا تم عزل مدينة السويس عن الطريق الذي يؤدي الى الخليج.

فرقة الجنرال ماجن: تحركت فرقة ماجن من الشمال الى الجنوب في قطاع عملياته غرب فرقة الجنرال أدان وتمكنت قواته الأساسية من الوصول الى طريق القاهرة السويس والانضمام الى عناصره المتقدمة التي كانت تحتل بعض المواقع الحاكمة شمال الطريق. وبعد أن ترك ماجن وحدة صغيرة من الدبابات في النقطة التي ذاعت شهرتها بعد ذلك وهي علامة الكيلو متر 101 على طريق القاهرة السويس بهدف تأمين الجناح الأيمن لفرقته من أي هجمات مضادة من اتجاه القاهرة تحرك ماجن بقواته في اتجاه الشرق على محور طريق القاهرة السويس، وكان عدد دبابات لواءيه المدرعين قد هبط من 180 دبابة الى حوالي 50 دبابة فقط، نتيجة للخسائر التي تكبدها أمام المقاومات المصرية الشرسة التي واجهت تقدم قواته عقب عبور فرقته الى الضفة الغربية ليلة 18/19 أكتوبر وخلال تقدمها من منطقة الدفرسوار حتى وصلت الى طريق القاهرة السويس يوم 23 أكتوبر بعد قرار وقف اطلال النار.

وقبيل الغروب عبرت دبابات ماجن من خلال لواء جابي وهو اللواء الأيمن لفرقة أدان واتجهت عبر الأرض المفتوحة الى السفوح الشرقية لجبل عتاقة بعد أن اضاءت دباباته كشافاتها ، حيث تم الاتصال بين قوات ماجن وقوة اسرائيلية منقولة جوا تمكنت من احتلال السفوح الشرقية لجبل عتاقة الذي يشرف على كل المنطقة حتى مدينة السويس وخليج السويس. وقد تمكنت هذه القوة من الاستيلاء على محطة انذار إلكترونية كانت موجودة فوق الجبل. وواصلت عناصر فرقة ماجن الامامية تقدمها في اتجاه الجنوب الشرقي حتى وصلت الى مصنع الاسمدة الكيماوية القديم على خليج السويس وعلى بعد حوالي 3 كم الى الجنوب من منطقة الزيتية.

وكلف الجنرال ماجن العقيد دان شمرون قائد اللواء المدرع الذي كان في أقصى اليمين من وقاته والذي هبط عدد دباباته من حوالي 90 دبابة الى 17 دبابة فقط بسبب الخسارئ الفادحة التي لحقت به خلال المعارك العنيفة التي خاضها مع الوحدات المصرية . كلفه بالتقدم الى ميناء الأدبية الذي يقع على خليج السويس وعلى مسافة حوالي 15 كم جنوب مدينة السويس. وانطلق دان شمرون بدبابته التي اضاءت كل كشافاتها وكانها في طابور عرض ليلي، ولم يكن أحد من المصريين يتصور ان ذلك الرتل من الدبابات الذي يسير بشكل قطار فردي على طريق الأسفلت هو رتل دبابات اسرائيلية اذ ان الدبابات لم تكن تطلق النار على احد ولا احد يطلق عليها النار.

وفوجئت الحامية المصرية في ميناء الأدبية بدخول الدبابات الاسرائيلية عليها عند منتصف الليل، فنشبت معركة قصيرة غير متكافئة بين رجال البحرية ودبابات العدو، وتمكنت بعض اللنشات السريعة من الهرب من الميناء. وفي الصباح تم للاسرائيليين تطهير الميناء من مراكز المقاومة المصرية وتمكنوا من أسر عدد كبير من أفراد الحامية البحرية وبعض السفن الراسية في الميناء، كما دخلت الى الميناء بعض لنشات الصواريخ الاسرائيلية، وبذا تم قطع طريق الامداد البحري الذي كان يربط السويس بالخليج وأصبحت المدينة منذ منتصف ليلة 23/24 أكتوبر معزولة تماما عن الاراضي المصرية غرب القناة.

ونظرا لان الجنرال جونين كان في شدة القلق خشية أن تتعرض العناصر المدرعة الصغيرة الحجم التي تركها الجنرال ماجن لاغلاق الطريق الرئيسي بين السويس والقاهرة لهجوم مضاد مصري من اتجاه الغرب، أصدر قائد القيادة الجنوبية أوامره الى الجنرال ماجن بترك حامية صغيرة في الأدبية والعودة ثانية بقواته الاساسية الى طريق القاهرة السويس. وعندما وصلت دبابات ماجن الى النقطة الاسرائيلية عند علامة الكيلو 101 اتجهت غربا في اتجاه القاهرة لمحاولة كسب بضعة كيلو مترات أخرى من الطريق لتأمين الجنب الأيمن للفرقة، ولكنها اصطدمت بعد ثمانية كيلو مترات بموقع مصري حصين كانت تحتله عناصر مدرعة من اللواء الثالث التابع للفرقة 4 المدرعة ودارت معركة عنيفة طوال الليل انتهت بارتداد الدبابات الاسرائيلية وعدولها عن مواصلة التقدم في اتجاه الغرب.

رد الفعل المصري على الانتهاكات الإسرائيلية

عند حلول موعد وقف اطلاق النار في مساء يوم 22 أكتوبر كانت الفرقة الرابعة المدرعة التي أسندت القيادة العامة الى قائدها مهمة تأمين النطاق التعبوي للجيش الثاني والثالث قد احتلت وحداتها خطا على بعد 5 كم شرق الخط العام تقاطع عثمان أحمد عثمان – وادي أبو طلح – جبل أم كثيب – الحافة البيضاء – مشاش البحارة – جبل عوبيد (على مواجهة حوالي 70 كم) ، وفي الساعة الحادية عشرة صباح يوم 23 أكتوبر صدرت التعليمات من القيادة العامة عن طريق قيادة الجيش الثاني الى العميد أ. ح ابراهيم العرابي بان يتحرك بقيادة الفرقة 21 المدرعة فقط من موقعه شرق القناة الى تقاطع عثمان أحمد عثمان، ليتسلم مسئولية تأمين النطاق التعبوي للجيش الثاني من العميد أ. ح محمد عبد العزيز قابيل قائد الفرقة 4 المدرعة الذي تقرر عودته ليتولى مسئولية تأمين قطاعه الاصلي بالجيش الثالث كما كان الحال من قبل. ووضع تحت قيادة العميد العرابي اللواء 23 المدرع الجاري استكماله وكتيبة دبابات من اللواء 2 المدرع (من الفرقة 4 المدرعة) وكتيبة مظلات وكتيبة استطلاع وكتيبة مهندسين من الفرقة 23 مشاة ميكانيكية. وفي الساعة الثالثة ظهرا تولى العميد العرابي مسئولية قيادته الجديدة غرب القناة على مواجهة حوالي 35 كم، ولكن العدو لم يكن له أي نشاط يذكر على هذه المواجهة.

وفي قطاع الجيش الثالث غرب القناة وبعد انتهاك الاسرائيليين لقرار وقف اطلاق النار، حاول اللواء عبد المنعم واصل قائد الجيش الثالث تأمين طريق القاهرة السويس الرئيسي الذي كانت المواقع الاسرائيلية شمال الطريق تهدد المرور عليه، فأصدر تعليماته في الساعة الثانية صباح يوم 23 أكتوبر الى قائد الفرقة 6 مشاة ميكانيكية بأن يقوم اللواء 113 مشاة ميكانيكي (عدا كتيبة) وتحت قيادته كتيبة الدبابات التابعة للواء 22 المدرع، في أول ضوء يوم 23 أكتوبر باسترداد مرتفعات جبل جنيفة والمدخل الشرقي لوادي سد الجاموس، وأن تقوم كتيبة مشاة ميكانيكية من اللواء الأول مشاة ميكانيكي مدعمة بكتيبة صاعقة باسترداد التبة الزلطية، وأن يشكل اللواء الأول الميكانيكي قوة مدرعة لتدمير دبابات العدو الموجودة شمال علامة الكيلو متر 105 على طريق القاهرة السويس، بينما تدفع العناصر المتبقية من اللواء الى السويس لتأمين مداخلها. ولكن هذه المهام لم يكن في الامكان تنفيذها لضآلة القوات التي تبقت بعد المعارك العنيفة التي خاضتها وحدات الفرقة 6 مشاة ميكانيكية في الأيام الثلاثة السابقة ضد قوات العدو المدرعة، التي كانت تتفوق عليها تفوقا ساحقا من حيث عدد الدبابات وقوة النيران، والتي كان الطيران الاسرائيلية يقوم بتدمير أي مقاومات تعترض طريق تقدمها. وقد بلغ تآكل الوحدات المصرية الى الحد الذي جعل قائد الفرقة 6 مشاة ميكانيكية يذهب بنفسه ومعه رئيس عمليات الفرقة لمرافقة القوة الصغيرة التي أمكن تدبيرها من اللواء الأول مشاة ميكانيكي، لفتح طريق القاهرة السويس عند علامة الكيلو متر 105 والتي كانت تتكون من 6 دبابات وعربتين مالوتكا ضد الدبابات من طراز نمر أي مجرد فصيلة مدرعة.

وكان أخطر الاحداث التي وقعت في قطاع الجيش الثالث غرب القناة يوم 23 أكتوبر هو اقتحام دبابات العدو لمركز القيادة المتقدم للجيش الثالث. وكان مركز القيادة الذي يقع شمال غرب السويس قد تعرض منذ صباح يوم 23 أكتوبر لغارات جوية عنيفة استمرت طوال اليوم، مما أدى الى تهدم بعض اجزائه علاوة على التهديد الذي كان معرضا له نتيجة للمعلومات التي وردت عن تقدم الدبابات الاسرائيلية من الشمال في اتجاه السويس.

وعندما أبلغ قائد الجيش الثالث القيادة العامة بالمركز 10 بالموقف المتحرج الذي اصبح يواجهه، أصدر الفريق أول أحمد اسماعيل أمره بانتقال مركز القيادة المتقدم للجيش الى مركز القيادة الرئيسي في الخلف جنوب جبل عوبيد والغاء مركز القيادة المتقدم، وان تشكل مجموعة قيادة للانتقال الى الضفة الشرقية للقناة لقيادة الفرقتين 7 و19 مشاة. وقد أمر اللواء عبد المنعم واصل قائد الجيش الثالث ومعه بعض الضباط من شعبة عمليات الجيش للانتقال الى الضفة الشرقية كي يتولى قيادة الفرقتين تنفيذا لتعليمات القائد العام، ولكن مجموعة القيادة لم يتيسر لها الانتقال الى الضفة الشرقية كما كان المفترض. وعند غروب شمس يوم 23 أكتوبر وفي أثناء تقدم اللواء المدرع بقيادة العقيد جابي من فرقة أدان في اتجاه الجنوب، اقتحمت دباباته مركز القيادة المتقدم للجيش الثالث، وكان قائد الجيش وقتئذ داخل الملجأ المشيد تحت الأرض وبرفقته مساعده ورئيس شعبة العمليات وكذا قائد الفرقة 6 مشاة ميكانيكية الذي كان قد استدعى للحضور الى مركز القيادة بالاضافة الى بعض الضباط من شعبة العمليات ومن قيادة الفرقة. ورغم وقوع خسائر جسيمة بين أفراد مركز القيادة المتقدم للجيش الذين كانوا خارج الملجأ وتهدم معظم أجزائه بفعل نيران الدبابات الاسرائيلية المقتحمة، فقد نجا جميع الذين كانوا داخل الملجأ بأعجوبة اذ مرت الدبابات الاسرائيلية على أمتار قليلة منهم دون أن تكتشفهم بسبب الظلام. واضطر قائد الجيش الثالث الى اخلاء مركز قيادته الأمامي على الفور، وانتقل معه بعض ضباط قيادته الى مركز القيادة الرئيسي جنوب جبل عوبيد.

الهامش

  1. ^ حماد, جمال (2002). المعارك الحربية على الجبهة المصرية. القاهرة، مصر: دار الشروق. Unknown parameter |coauthors= ignored (|author= suggested) (help)