أيوبيون

(تم التحويل من أيوبيين)
Ayyubid dynasty
أیوبیان
الأيوبيون
1171–1341
Flag of أيوبيون
Flag
أقصى اتساع للدولة الأيوبية في عهد صلاح الدين الأيوبي في 1188
أقصى اتساع للدولة الأيوبية في عهد صلاح الدين الأيوبي في 1188
المكانة إمبراطورية
العاصمة القاهرة (1174- 1250)
اللغات الشائعة العربية (رسميا)
الدين الإسلام السني
الحكومة سلطنة (اتحاد إمارات)
سلطان  
• 1174-1193
صلاح الدين الأيوبي (الأول)
• 1331-13411
الفاضل (الأخير)
التاريخ  
• Established
1171
• Disestablished
1341
Area
1190 est. 3,750,000 km2 (1,450,000 sq mi)
Population
• قرن 12
7,200,000 (estimate)2
Currency دينار
Preceded by
Succeeded by
الخلافة الفاطمية
Zengid dynasty
سلطنة المماليك (القاهة)
Today part of  مصر
 العراق
 إسرائيل
 الأردن
 لبنان
 ليبيا
 فلسطين
 السعودية
 السودان
 سوريا
 تونس
 تركيا
 اليمن
1A branch of the Ayyubid dynasty ruled Hisn Kayfa until the early 16th century.
2 The total population of the Ayyubid territories is unknown. This population figure only includes Egypt, Syria, northern Iraq, Palestine, and Transjordan. Other Ayyubid territories, including Yemen, the Hejaz, Nubia, and eastern Libya are not included.
جزء من سلسلة عن
تاريخ مصر
Ancient Egypt Wings.svg

Re-Horakhty.svg
Ankh.png
Mut.svg
التاريخ القديم
ما قبل الأسرات
عصر نشأة الأسرات
عصر الأسر المبكرة
الدولة القديمة
الفترة الإنتقالية الأولى
الدولة الوسطى
الفترة الإنتقالية الثانية
الدولة الحديثة
الفترة الإنتقالية الثالثة
مصر الفارسية
العصر المتأخر
الفترة الفارسية الثانية
مصر الإغريقية والرومانية
الإسكندر الأكبر
مصر البطلمية
مصر البيزنطية والرومانية
مصر المسيحية
مصر البيزنطية
الاحتلال الفارسي
مصر الإسلامية
مصر الطولونية
مصر الفاطمية
مصر الأيوبية
مصر المملوكية
مصر العثمانية
مصر الحديثة
الحملة الفرنسية
أسرة محمد علي
خديوية مصر
سلطنة مصر
المملكة المصرية
الجمهورية
ثورة 25 يناير
Nuvola Egyptian flag.svg بوابة مصر
تاريخ الأكراد
مانيون
كاردوخيون
ميديون
هزوانيون
شداديون
حسنويون
عنازيون
مروانيون
أيوبيون
بدليسيون
أردلانيون
بهدينانيون
سورانيون
بابانيون
خريطة الدولة الأيوبية

الأيوبيون، بنو أيوب: سلالة كردية الأصل تولت في مصر، الشام و العراق من 1171م حتى 1260/1250 م. ينتسب الأيوبيون الذين حكموا مصر والشام واليمن والحجاز إلى أيوب بن شاذي من الأكراد الروَّادية، وهم قبيلة من قبائل الأكراد الهذبانية، وقد استقرَّت هذه القبيلة في بلدة دَوِين وهي بلدة من نواحي أَرّان آخر حدود أذربيجان قرب تفليس، ورَدَّ بعضهم أصل هذه القبيلة إلى العرب المهاجرين من الجزيرة العربية، ونسبوهم إلى بني أمية، ويبدو أنَّ هذا النسب أوردَه من أراد التقرب منهم حين أضحوا ملوكاً وسلاطين. المقر: القاهرة.

مؤسس الأسرة أيوب الذي كان قائداً كردياً في خدمة الزنكيين جاءت أسرته من أرمينية، بدأء أمره بأن أصبح والياً على تكريت ثم واليا على دمشق من بعد ذلك. صار أخوه أسد الدين شيركوه و ابنه صلاح الدين من قادة الفاطميين.

أصبح صلاح الدين (1138-1193) - الذي كان من أبطال الحروب الصليبية- سنة 1169 وزيراً لآخر الخلفاء الفاطميين، ثم قضى عليهم سنة 1171 و أتم توحيد مصر والشام تحت رايته - مع أنه جعل نفسه تحت سلطة الخليفة العباسي-. تلقب بالسلطان عام 1174، واستولى على حلب عام 1181. امتد سلطانه إلى مناطق شمال النهرين، قاد بعدها الجهاد ضد الصليبيين وإستطاع أن يسترد القدس عام 1187 - بعد إنتصاره في حطين. بعد وفاته قسمت مملكته بين أولاده الخمسة وأخوه العادل (منذ 1193) الذي استطاع أن يوحد المملكة (1200-1218). بعد 1218 أعيد تقسيم المملكة، بقيت مصر والقاهرة في أيدي الكامل (1218-1238)، واستقلت في كلٍ من دمشق، حمص وحلب فروع أخرى من العائلة. إستمر الفرع الأساسي في مصر حتى مقتل الملك المظفر على يد المماليك عام 1250 م. قضى المغول -الإلخانات- على السلالات الفرعية في دمشق و حلب عام 1260 م ثم أنهى المماليك حكم الايوبيين في حمص عام 1262، بقي للأيوبيون فرع حكم في حماه حتى سنة 1341. كان للأيوبيين فرع مستقل باليمن أيضاُ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الأيوبيون قبل تأسيس الدولة

اختلف المؤرخون في بدايات إسهام الأسرة الأيوبية في حوادث التاريخ الإسلامي، فبعضهم يذكر أن جدهم شاذياً كان قد دخل في خدمة بني شدَّاد الأكراد حكَّام أرَّان وأرمينيا، فلما فقد بنو شداد مدينة دَوين التحق شاذي بخدمة مجاهد الدين بهروز الغياثي شحنة بغداد (صاحب الشرطة) الذي عينه مستحفظاً (ناظراً) لقلعة تكريت، فلما توفي شاذي خلفه ابنه أيوب في منصبه، ويذكر آخرون أن نجم الدين أيوب بن شاذي خدم السلطان محمد بن ملكشاه السلجوقي (ت511هـ) فجعله مستحفظاً لقلعة تكريت لأمانته، ثم أقطعها السلطان مسعود السلجوقي بن محمد لمجاهد الدين بهروز الغياثي شحنة بغداد، فأبقى نجم الدين مستحفظاً للقلعة وفي سنة 526هـ/1131 كاتب السلطان مسعود عماد الدين زنكي صاحب الموصل وطلب مساعدته لمحاربة سلجوق شاه بن السلطان محمد، الذي سار إلى بغداد في جيش كبير مع أتابكه قراجة الساقي فوصل إليها قبل وصول السلطان مسعود، وهزم قراجة الساقي عماد الدين الذي لجأ إلى تكريت في أسوأ حال فساعده نجم الدين وأخوه شيركوه في عبور نهر دجلة، وقدما له المال والمساعدات. وحدث أن قَتل أسد الدين شيركوه أحد كتّاب الأمير بهروز صاحب تكريت، وخشي هو وأخوه نجم الدين عاقبة الأمر فخرجا موليين شطر الموصل والتحقا بخدمة عماد الدين زنكي سنة 532هـ/1137 الذي رحَّب بهما عرفاناً بالجميل الذي أسدياه إليه.

وحينما استخلص عماد الدين بعلبك من البوريين سنة 534هـ/1139 استناب عليها نجم الدين أيوب، وبقي نائباً عليها حتى مقتل عماد الدين سنة 541هـ/1146. فقصد مجير الدين أبق صاحب دمشق قلعة بعلبك وحاصرها، فصالحه نجم الدين لأنه خشي أن لا يُنجدَه أولاد زنكي بسرعة، وسلَّم إليه القلعة لقاء إقطاع كبير في بلد بعلبك وانتقل ليقيم في دمشق وصار من كبار أمرائها، أما أسد الدين شيركوه فقد بقي في خدمة نور الدين محمود بن زنكي الذي ورث عن أبيه أملاكه في الشام، فأقطعه حمص وأسند إليه قيادة الجيش.

وكان لشيركوه وأخيه نجم الدين يد طولى في ضم مدينة دمشق إلى سلطان الزنكيين سنة549هـ، وتسليم بعلبك سنة550هـ فتعززت مكانة الأخوين عند نور الدين الذي أقطع أسد الدين شيركوه الرحبة، وولّى نجم الدين النظر على دمشق وولى صلاح الدين يوسف شحنة المدينة (شرطتها). وأقام صلاح الدين مدة في دمشق ثم التحق بحلب وصار من خواص الملك العادل نور الدين .

وكانت الفوضى قد عمت مصر في ذلك الحين وبلغت أوجها في عهد الخليفة العاضد لدين الله لضعف الخلافة الفاطمية وتسلط أصحاب الوزارة على الحكم وتنافس كبار رجال الدولة على هذا المنصب، وما نجم عنه من فتن ودسائس، وخاصة بين المنصور ضرغام بن سوار وأمير الجيوش شاور بن مجير السعدي وقد أطمع هذا الوضع الصليبيين في مصر فوجهوا اهتمامهم إليها وراحوا يتحينون الفرص لغزوها، ولم يكن يمنعهم عنها سوى خشيتهم من نور الدين الذي كان يترصد تحركاتهم ولا يترك سانحة إلا واستغلها من أجل إضعافهم واسترداد ما وسعه استرداده من البلاد التي يسيطرون عليها. وكان لجوء شاور إلى نور الدين طالباً مساعدته على استرداد وزارته في مصر من مغتصبها ضرغام السبب المباشر في قيام الحملات النورية الثلاث على مصر سنة 559هـ/1163 وسنة 562هـ/1166-1167، وسنة 564هـ /1169 حين أرسل العاضد إلى نور الدين يستغيث به ويعرض عليه إرسال شيركوه على رأس حملة ثالثة لتخليصه من شاور والصليبيين الذين صارت لهم اليد الطولى في مصر، ويبذل له ثلث خراج البلاد وأن يقيم شيركوه عنده في عسكره على أن يتكفل بإقطاعاتهم. واستجاب نور الدين إلى طلب العاضد وقد قر رأيه على توحيد البلاد كلها في وجه الصليبيين، وأمر شيركوه أن يتجهز للمسير إلى مصر، وبذل له الأموال الوفيرة وأمر صلاح الدين بأن يخرج مع عمه، وحثه على الإسراع، لأنه كما قال نور الدين: «إذا أهملنا أمرها ملكها الفرنج ولا يبقى لنا معهم مقام بالشام وغيره». وصلت الحملة إلى حدود مصر في ربيع الأول سنة 564هـ/1169 ولما علم الصليبيون بقدومها رحلوا عن مصر من دون أن يحققوا شيئاً من أهدافهم ودون أن يتلقوا من شاور الأموال التي كان قد وعدهم بها، ودخل شيركوه القاهرة في 17جمادى الآخرة سنة 564هـ/يناير 1169، واستقبل المصريون الحملة النورية الثالثة بالترحاب، واستوزر العاضد شيركوه بعد مقتل شاور، ولقبه الملك المنصور.

توفي شيركوه سنة 564هـ بعد شهرين من توليه الوزارة، فتولى صلاح الدين يوسف ابن نجم الدين أيوب الوزارة مكانه بتكليف من الخليفة العاضد، ولما استقرَّ صلاح الدين بمنصب الوزارة في مصر كان أول أعماله تثبيت مركزه فيها فاستمال الرعية بأن أبطل المكوس، وسيطر على الجند المصري، وقضى على المؤامرات التي واجهته في مطلع حكمه.

وفي صفر سنة 565هـ نزلت قوات الصليبيين على بر دمياط، ولكن صلاح الدين استطاع بمساعدة النجدات التي أرسلها نور الدين وأعماله الحربية في الشام أن يبعدهم عنها بعد حصار دام خمسين يوماً، ثم تحوّل صلاح الدين بعدها من الدفاع إلى الهجوم، فهاجم قلعة الداروم ومدينة غزة، ثم توجه إلى أيلة (العقبة) فاستردها. وأرسل إلى نور الدين يطلب منه السماح لأبيه وإخوته بالقدوم إلى مصر.

وفي ثاني جمعة من المحرم سنة 567هـ/1174 قطع صلاح الدين الخطبة للخليفة العاضد الفاطمي، وأقامها للمستضيء العباسي، وكان العاضد مريضاً على فراش الموت وتوفي من دون أن يعلم ما حدث. وكان صلاح الدين قد مهَّد لهذا الأمر بأن ضيق على أنصار الفاطميين، وعزل قضاة مصر من الشيعة، وأحدث مدارس على مذاهب السنة، وتقوى بزيادة عدد جنده وبتحصين مدن مصر.

كان سقوط الخلافة الفاطمية حدثاً كبيراً في تاريخ العالم الإسلامي؛ فقد عادت وحدة الخلافة وتسلم صلاح الدين الخلع والأعلام والرايات السود من الخليفة العباسي.

وفي سنة 568هـ أرسل صلاح الدين أخاه طوران شاه، لتأديب النوبيين الذين هاجموا الصعيد، فاستولى على قلعة إبريم، ونشر عسكره في بلاد النوبة، ثم ارتد إلى قوص، فأقام فيها إلى أن جرده صلاح الدين لفتح اليمن سنة 569هـ/1173م تلبية لطلب الخليفة العباسي بعد أن عصى فيها أحد دعاة الفاطميين وقطع الخطبة لبني العباس.

توحيد مصر والشام واستقرار الدولة الأيوبية

Saladin founded the Ayyubid dynasty which reached its height under his reign

توفي الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي سنة 569هـ/1174، ولم يكن بين رجال البيت الزنكي من يصلح أن يكون خلفاً لنور الدين، كما لم يكن من المنتظر أن تبقى منطقة الشام والجزيرة التي كانت تحت حكم نور الدين محافظة على وحدتها وقوتها، ولاسيما أن الأمراء الزنكيين والقادة الكبار في جيش نور الدين دخلوا فوراً بعد وفاة سيدهم في تنافس على وصاية ابنه الصغير الملك الصالح إسماعيل الذي كان في الحادية عشرة من عمره، يضاف إلى ذلك أن الخطر الصليبي كان يهدد المنطقة، والإمدادات الأوربية لم تنقطع عن قوى الصليبيين فيها. لذلك صار متوقعاً أن يتقدم أحد أمراء نور الدين الأقوياء ليملأ الفراغ ويجمع الصف، وقد رأى صلاح الدين نفسه غداة وفاة نور الدين في المركز الأقوى؛ فهو أمير مصر الغنية المنيعة وتحت إمرته فرق عسكرية عدة من الأكراد والتركمان والعرب من مصر والشام، وقد مال إليه كثير من أمراء الشام وكاتبوه.

لم يتدخل صلاح الدين في هذه المسألة فور وفاة نور الدين، بل أرسل إلى الملك الصالح يهنئه بالمُلك ويعزيه بوفاة والده، ويعلن إخلاصه له في الخدمة كما كان لأبيه. لكن الخلافات التي تفشت في بلاد الشام بين كبار الأمراء، واهتمامهم بتحقيق مطامع شخصية وتنافسهم على السلطة، والخوف من استغلال الصليبيين للوضع، دفع بعض رجالات الشام إلى الاستنجاد بصلاح الدين، طالبين منه التدخل.

توجه صلاح الدين إلى دمشق، ولكي يجعل من توجهه إليها عملاً شرعياً بعث برسالة إلى الخليفة العباسي، أوضح له فيها، أنه إنما خرج لإنقاذ الصالح إسماعيل من أطماع المحيطين به، وللإشراف بنفسه على تربيته وتدبير ملكه، والقضاء على الفرقة التي أطمعت الفرنجة في المسلمين. وتوحيد البلاد لما في ذلك من قوة تساعد على تحريرها منهم.

تسلم صلاح الدين دمشق في ربيع الأول سنة 570هـ/تشرين الثاني1174 تحت شعار الولاء للملك الصالح، ولم تعترضه مقاومة تذكر، فلما استقر ملكه فيها استخلف أخاه سيف الإسلام طغتكين، وسار إلى مدينة حمص ودخلها في جمادى الأولى سنة 570هـ/كانون الأول1174، ثم دخل حماة في أواخر الشهر نفسه. وحصل في شهر ذي القعدة من ذلك العام على اعتراف الخليفة المستضيء العباسي بسلطنته على الشام ومصر، وأرسل إليه الخليفة التشريعات والأعلام السود، فكان ذلك بداية تأسيس الدولة الأيوبية.

لم تفتح حلب أبوابها لصلاح الدين بالسهولة التي استطاع بها أن يدخل كلاً من دمشق وحمص وحماة، بل أعاقته إليها صعوبات كثيرة، ومقاومة كبيرة من صاحبها الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين وصاحب الموصل عز الدين مسعود بن مودود ومقدَّم الإسماعيلية وزعيم بلاد الدعوة راشد الدين سنان والصليبيين، ولم يستطع صلاح الدين ضم حلب إلا في المحرم سنة 579هـ، بعد حصار قصير الأمد ومفاوضات مع صاحبها عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي الذي وافق على تسليم المدينة مقابل سنجار. وكان الملك الصالح إسماعيل قد توفي سنة 577هـ، ثم خضعت له الموصل بعد أن حاصرها صلاح الدين، وتوسط الخليفة لإبقائها في يد الزنكيين على أن يقروا بسلطته عليهم، وهكذا تم له توحيد البلاد الجزرية والشامية والمصرية.

Virtually the entire Kingdom of Jerusalem passed into Ayyubid hands after their victory against the Crusaders in the Battle of Hattin in 1187

فروع أخرى للأيوبيين

صلاح الدين والصليبيون

لم يدخل صلاح الدين في صراع حاسم مع الصليبيين في المرحلة الأولى من حكمه إذ كان مشغولاً فيها بتوحيد البلاد تحت سلطانه كي يتمكن بطاقاتها من تحقيق هدفه وتحرير البلاد من الصليبيين، ولما أتم ما أراد لبث يتحين الفرص ليدخل مع الصليبيين في صراع مباشر، وجاءَته الفرصة حين نقض أرناط (رينو دي شاتيون) صاحب الكرك العهد المعقود بين صلاح الدين والصليبيين، وتعرض سنة 582هـ لقافلة غزيرة الأموال كثيرة الرجال فأخذهم عن آخرهم ونهب أموالهم ودوابهم وسلاحهم، فأرسل إليه صلاح الدين يلومه ويُقبح فعله وغدره ويتوعده إن لم يطلق الأسرى والأموال، فلما رفض أرسل صلاح الدين، الذي كان آنئذ في دمشق، إلى جميع الأطراف باستدعاء العساكر لحرب أرناط، وتوجه بنفسه إلى بصرى، ومنها إلى الأردن ونزل بثغر الأقحوان.

حين بلغ الصليبيين خبرُ اجتماع العسكر الأيوبي وتقدمه نحو الأردن اجتمعوا واصطلحوا ودخل صاحب طرابلس معهم، بعد أن كانت بينه وبين صلاح الدين معاهدة، واحتشدوا عند صفورية (قرب نهر الأردن) وكانوا خمسين ألفاً (وقيل عشرين ألفاً). غير أنهم لم يدخلوا في اشتباك مباشر مع قوات صلاح الدين، وأراد صلاح الدين إجبارهم على الانتقال إلى مواقع مناسبة له لدخول المعركة، فهاجم طبرية واستولى عليها في 21 ربيع الآخر سنة 583هـ/1187م، واستعصت عليه قلعتها، عند ذلك ترك الصليبيون مواقعهم في الصفورية وتحركوا قاصدين طبرية نجدة لصاحبتها وكان هذا ما أراده صلاح الدين. وفي يوم السبت 25 ربيع الآخر 583هـ/5 تموز 1187 نزل الصليبيون قرون حطين حيث دارت معركة حاسمة انتهت بتدمير القوى الرئيسية للفرنجة، وكانت من أكبر الانتصارات العربية الإسلامية. ولم تقتصر نتائج المعركة على أسر ملك بيت المقدس وضياع مملكته ووقوع العسكر الصليبي بين القتل والأسر بل كانت مفتاح الفتوح الإسلامية، وبها تيسر استرداد بيت المقدس وأكثر مدن الساحل. إلاَّ أن صلاح الدين لم يتوجه مباشرة لفتح القدس، وإنما سار إلى مدن الساحل فاستولى على عكا وتبنين وصيدا وبيروت وعسقلان والأماكن المحيطة بالقدس ،ثم انطلق لتحرير المدينة المقدسة، ودخلها منتصراً في 27 رجب سنة 583هـ/1187، وعمت البشائر بلاد الإسلام بهذا الفتح المبين.

كان لسقوط بيت المقدس بيد صلاح الدين واسترداد الساحل الشامي أثر كبير في إحداث رد فعل عنيف لدى العالم المسيحي الغربي، خرج على أثره القسس والرهبان إلى جميع دول الغرب يدعونها للنصرة على المسلمين واستعادة الأراضي المقدسة، وتوجهت إلى المشرق حملة جديدة هي الحملة الصليبية الثالثة كان من أبرز قادتها فردريك بربروسة امبراطور ألمانية الذي مات غرقاً والحملة في طريقها إلى الشام، وفيليب أوغست ملك فرنسة الذي انسحب عائداً إلى بلاده قبل أن تبلغ الحملة هدفها، وريتشارد قلب الأسد ملك إنكلترة الذي وصل في نهاية سنة 586هـ/1191 إلى جزيرة قبرص واستولى عليها، وغدت أهم قواعد إمداد بقايا الصليبيين في المشرق، وساعد وصول ريتشارد قلب الأسد على سقوط عكا في أيدي الصليبيين سنة 587هـ بعد حصار دام سنتين وقتال ضار حولها، وفي شعبان سنة 588هـ عقد صلح الرملة، واستقبل الفريقان هذا الصلح بارتياح شديد لما نالهم من طول الحرب، وتوفي صلاح الدين في 27 صفر 589هـ/3 آذار 1193، وهو في السابعة والخمسين من عمره، ودُفن في دمشق.

الدولة الأيوبية بعد صلاح الدين

كان صلاح الدين قد قسم مملكته الواسعة الأطراف بين أولاده وأفرادٍ من عائلته، فجعل مملكة دمشق لابنه الأفضل نور الدين علي، وهو أكبر أولاده، وأوصى له بالسلطنة، وجعل الديار المصرية لولده العزيز عثمان، والمملكة الحلبية لولده الظاهر غازي غياث الدين، وترك الكرك والشوبك وبلاد جعبر وبلداناً كثيرة قاطع الفرات لأخيه العادل، وحماة لابن أخيه محمد بن تقي الدين عمر، وحمص والرحبة وغيرها لحفيد عمه شيركوه، أسد الدين شيركوه بن ناصر، واليمن بمعاقله ومخاليفه في قبضة السلطان ظهير الدين سيف الإسلام طغتكين بن أيوب أخي صلاح الدين.

لم يكن الأفضل يصلح للزعامة لضعفه وانشغاله عن شؤون الرعية بأموره الخاصة، وأخفق في المحافظة على ود أصحاب الأمر من حوله، فنبذ أمراء والده ومستشاريه، ووضع ثقته في وزيره ضياء الدين بن الأثير، مما دفع بالأمراء إلى الفرار إلى مصر، حيث التفوا حول أخيه الملك العزيز، وأوغروا صدره على الأفضل، وقد أسفر هذا التحريض عن نزاع بين الأخوين دام سبع سنوات، وانتهى بتوحيد البيت الأيوبي تحت زعامة العادل أخي صلاح الدين سنة 596هـ/1200. وترتب على السلطان الجديد الوقوف في وجه الصليبيين الذين كانوا ينظرون إلى جهود العادل في توحيده البلاد تحت سلطانه بعين القلق، وأخذوا يوجهون أنظارهم اتجاه مصر، بعد أن أدركوا أنها القاعدة الكبرى التي اعتمد عليها الأيوبيون في نشاطهم الداخلي والخارجي. ونفذ الصليبيون تحمسهم هذا بتجهيز حملة رابعة إلى المشرق، ولكنها انحرفت هذه المرة واستولت على القسطنطينية وأقامت مملكة لاتينية فيها، وأدَّى ذلك إلى الدعوة إلى حملة صليبية جديدة لتحقيق ما لم تحققه الحملة الرابعة، ألا وهو احتلال مصر.

توجهت هذه الحملة نحو دمياط بقيادة جان دي بريين ملك بيت المقدس (الذي خلف أملريك الثاني على الحكم) والكاردينال بلاجيوس المندوب البابوي الذي زعم لنفسه القيادة قبل نهاية سنة 615هـ/1218، وفي أثناء حصار دمياط توفي السلطان العادل في 17 جمادى الآخر سنة 615هـ/31 آب 1218 والبلاد في خطر داهم، فخلفه ابنه الملك الكامل في حكم مصر، وكانت له السلطنة، وحكم أخوه عيسى المعظم دمشق وموسى الأشرف الجزيرة وخلاط وحرَّان وغيرها. أما مملكة حلب فقد بقيت بيد حفيد صلاح الدين لأن والدَهُ الملك الظاهر غازياً كان زوج ابنة العادل صفية الست خاتون.

نجح الأيوبيون في صد الحملة الخامسة على دمياط بتعاونهم ووقوفهم صفاً واحداً أمام هجمات الصليبيين؛ ولكن الأيوبيين ما لبثوا حين زال خطر العدو، أن عادوا إلى منازعاتهم الداخلية لتحقيق مطامع إقليمية.

وبلغ الخلاف أشده بين السلطان الملك الكامل وأخيه الملك المعظم، سنة 620هـ/1223 بسبب رغبة الأخير في توسيع مناطق نفوذه في بلاد الشام، فاستولى على بعض أعمال حماة مثل المعرَّة وسلمية، وكانت لابن عمه الملك الناصر صلاح الدين قلج أرسلان، ولكن الملك الكامل فرض على أخيه الملك المعظم ترك ما استولى عليه فكان ذلك بداية الخلاف بينهما.

أدَّت الخلافات الشديدة بين أبناء السلطان الملك العادل وعبث فلول الخوارزمية المنهزمين أمام المغول على تخوم البلاد إلى إضعاف السلطنة الأيوبية مما شجع الفرنجة على إرسال حملة صليبية جديدة إلى المشرق، وإلى عقد اتفاق يافا سنة 626هـ/1228 مدة عشر سنوات بين الامبراطور فريدريك الثاني والكامل. وقد نص هذا الاتفاق على تسليم مدينة القدس للفرنجة على ما هي عليه، لا تجدد أسوارها ولا يكون للفرنج شيء من ظاهرها، بل تكون جميع القرى للمسلمين، وأن يكون الحرم الشريف بما حواه من الصخرة المقدسة والمسجد الأقصى بأيدي المسلمين، واستثنيت قرى معدودة تركت للفرنج على طريقهم من عكا إلى القدس.

أدَّى تسليم بيت المقدس للصليبيين بتلك السهولة إلى إثارة موجة عارمة من السخط والأسى في العالم العربي والإسلامي، وعد وصمة في جبين السلطان الكامل وعصره، وقد استغل ابن أخيه الملك الناصر داود هذه الحادثة فأمر خطيب المسجد الأموي بإثارة المسلمين على سلوك عمه، وحاول الكامل تسويغ عمله بالقول: «إنه لم يسمح لهم إلا بكنائس وآدر (ديارات) خراب، والحرم وما فيه من الصخرة المقدَّسة وسائر المزارات بأيدي المسلمين، وشعار الإسلام قائم على ما كان عليه، ووالي المسلمين متحكم على رساتيقه وأعماله».

لما وقع الاتفاق بين الكامل وفردريك الثاني توجه الملك الكامل إلى ظاهر دمشق في جمادى الأولى سنة 626هـ، وأقام الملك الأشرف على محاصرتها، ولما طالت مدة الحصار ونفد ما في يد الملك الناصر من المال اضطر إلى مفاوضة عميه على أن يكون للناصر داود الكرك والشوبك وأعمالهما والصلت والبلقاء والأغوار جميعها ونابلس وأعمال القدس وبيت جبريل، ثم تنازل الناصر داود عن الشوبك للسلطان الكامل، وبقي للسلطان الكامل مع الشوبك، الخليل وغزَّة وطبرية وعسقلان والرملة ولد، وسُلّمت دمشق للأشرف مقابل تسليم الرقة والرها وحرَّان وسروج وغيرها للكامل.

تصغير نص كتاب الطوائف المغوليه في مصر و تاثيراتها العسكريه و السياسيه و الاجتماعيه و اللغويه و العمرانيه في عصر دوله المماليك البحريه (658-783 هـ1260-1381 م) انقر على الصورة للمطالعة

انحلال الدولة الأيوبية وسقوطها

بدأ انحلال الدولة الأيوبية منذ أواخر حكم الملك الكامل، وكان لهذا الانحلال مظاهر متعددة على رأسها:

ـ نشوب حروب بين أمراء الأيوبيين كادت تكون مستمرة.

ـ زوال فكرة السلطان الأكبر الذي كان يعترف به وبسلطته جميع الأمراء الأيوبيين، ويعدون أنفسهم تابعين له، فزال بذلك التضامن بين أفراد الأسرة، وتبع ذلك محاولة كل منهم الحفاظ على إمارته ولو بالاستعانة بالفرنجة وغيرهم، بعد أن كانت فكرة قتال الصليبيين وإخراجهم واجب الأسرة الرئيسي.

وقد تجلَّت الخلافات الأُسرية في سنة 634هـ حين طلب الأشرف موسى من أخيه الكامل الرقة لتكون قوة له وعلفاً لدوابه إذا جاز الفرات فرفض الكامل وأغلظ له الجواب، فأرسل الأشرف إلى حماة وحلب وبلاد الشرق فحالفهم على أخيه الكامل، وكادت الحرب تقع بين الفريقين لولا وفاة الأشرف في المحرم سنة 635هـ/آب 1237، وانتقل ملك دمشق بعده إلى أخيه الصالح إسماعيل بعهد منه.

استمر الصالح إسماعيل كسلفه في تحالفه مع أقربائه على أخيه السلطان الكامل، مما دفع الكامل إلى الخروج إلى دمشق بعد أن استمال إليه ابن أخيه الناصر داود، فحاصرا دمشق حصاراً شديداً، واضطر الصالح إسماعيل تحت ضغط هذه القوة إلى النزول عن دمشق إلى الملك الكامل مقابل بعلبك والبقاع وبصرى. وتوفي الملك الكامل في مدينة دمشق في رجب سنة 635هـ/آذار 1238، فبايع كبار رجال دولته ابنه الأصغر الملك العادل الثاني سيف الدين أبا بكر (635-637هـ/1238-1240م) بعهد من أبيه، متجاهلين ابنه الأكبر الملك الصالح نجم الدين أيوب الذي استخلفه والده على البلاد الشرقية ومنها آمد وديار بكر، فلما بلغ الملك الصالح نجم الدين أن أخاه الأَصغر قد تسلم السلطنة بمصر وأن الملك الجواد مظفر الدين يونس بن مودود بن العادل قد استقرَّ في دمشق نائباً عن العادل، عظم الأمر عليه، وقصد الشام بجند الشرق سنة 636هـ/1239 ومَلَك دمشق من صاحبها مقابل إعطائه سنجار وعانة، ثم قرر التوجه إلى مصر لأخذها من أخيه العادل واستناب ابنه المغيث عمر على دمشق، ونجح في دخول القاهرة في ذي القعدة سنة 637هـ/حزيران 1240 إثر مؤامرة دُبرت على أخيه، وبذلك انتهى حكم العادل وتربع الصالح أيوب على عرش السلطنة.

كان الصالح أيوب شخصية قوية، وقد شهد عصره أحداثاً داخلية وخارجية مهمة. من ذلك أن أقاربه عارضوه ونهضوا لمجابهته، فاسترد عمه الصالح إسماعيل مدينة دمشق وسجن المغيث عمر نائبه فيها، ثم تحالف مع الملك الناصر داود، والملك المجاهد صاحب حمص ومع الصليبيين، وتوجه الجميع قاصدين مصر، فسار إليهم الصالح أيوب الذي كان قد استقدم إليه الخوارزمية، وجرت معركة بظاهر غزة سنة 642هـ/1244 هُزم فيها الصالح إسماعيل وحلفاؤه هزيمة منكرة، واستعاد الصالح أيوب في السنة نفسها بيت المقدس بمساعدة جنوده الخوارزمية، كما نجح في تحرير بعض المدن على الساحل إضافة إلى طبرية ونابلس، ثم أرسل الصالح أيوب الخوارزمية في صحبة معين الدين بن الشيخ لأخذ دمشق، وبعد حصار أرهق أهل دمشق، اتُّفِق على أن يخرج الصالح إسماعيل إلى بعلبك ويسلم دمشق إلى الصالح نجم الدين أيوب.

أدَّى تحرير بيت المقدس إلى قدوم حملة صليبية سابعة بقيادة لويس التاسع ملك فرنسة، توجهت إلى دمياط مباشرة سنة 647هـ/1249م واستطاعت دخول المدينة والتوغل جنوباً حتى المنصورة، وتوفي السلطان الملك الصالح في أثناء صَدِّ هذه الحملة، فقامت أرملته شجرة الدر بتسيير الأمور فأخفت خبر وفاة زوجها، وراحت تصدر الكتب والمراسيم باسم السلطان، كما أخذت البيعة لابنه الملك المعظم طوران شاه المقيم في حصن كيفا، وأرسلت إليه تحضه على الحضور، وتمت على يديه هزيمة هذه الحملة الصليبية التي كان معظم أفرادها من الفرنسيين، ووَقَعَ الملك لويس التاسع أسيراً، وعقد اتفاق تقرر فيه جلاء الصليبيين عن دمياط ودفع 800 ألف قطعة ذهبية فدية، على أن يُطلق سراح الملك لويس بعد تسليم دمياط ودفع نصف ما هو مقرر من الفدية، وأن يعقد بين الطرفين صلح مدته عشر سنوات.

قُتل طوران شاه على يد مماليك أبيه قبل أن يتمم تنفيذ الاتفاق السابق مع الصليبيين، فأدَّى ذلك إلى سقوط الدولة الأيوبية في مصر وقيام دولة المماليك في 29 المحرم سنة 648هـ/4 أيار 1250. ولم يعترف أيوبية الشام بشرعية تولي المماليك الحكم في مصر وعقدوا العزم على قتالهم واستخلاص البلاد منهم، وتولى الملك الناصر يوسف صاحب حلب تدبير الأمر وانضم إليه أكثر ملوك بني أيوب الآخرين، وفيهم الصالح إسماعيل والناصر داود بن المعظم، والأشرف موسى بن المنصور صاحب حمص، ودخل الناصر دمشق وملكها وامتنعت عليه الكرك والشوبك اللتان كان قد تغلب عليهما الملك المغيث عمر ابن الملك العادل (الثاني) ابن الكامل بعد مقْتل المعظم طوران شاه، وقد طلبه المصريون ليملِّكوه عليهم، فلم يقبل خشية أن يصيبه ما أصاب ابن عمه طوران شاه، أما الناصر يوسف فإنه توجه بمن معه بعد استيلائه على دمشق إلى غزَّة قاصداً الديار المصرية، ولكنَّ الأيوبيين لم يفلحوا في دخولها فارتد الملك الناصر إلى دمشق. وانشغل الأيوبيون بعدها بخلافاتهم الداخلية وبخطر المغول الذين اجتاحوا العالم الإسلامي، واستولوا على بغداد، وقضوا على الخلافة العباسية في 14 صفر 656هـ/20 شباط 1258 ثم زحفوا إلى الشام.

كان للأسطورة التي أُشيعت عن المغول بأنهم قوة لا يمكن قهرها أعظم الأثر في انتشار الذعر بين أهالي الشام، فمنهم من فَرَّ إلى القرى، ومنهم من لاذ بالبادية، ومنهم من لجأ إلى مصر في حين تسابق الملوك والأمراء الأيوبيون في الشام، وقد شلَّهم الخوف إلى تقديم الولاء وإعلان الخضوع لهولاكو، سواء بالحضور طائعين أو بإرسال الرسل والمبعوثين، واعتذر الملك الناصر صاحب حلب ودمشق عن عدم حضوره وأرسل ولده العزيز محمداً سفيراً عنه ومعه هدايا وتحف كثيرة، ولكن هولاكو لم يقبل عذره وهدده وتوعده.

أما صاحب الكرك الملك المغيث فتح الدين عمر فقد أرسل ابنه الملك العزيز، فاجتمع بهولاكو في مدينة تبريز، وقدَّم إليه رسالة من والده يلتمس فيها أماناً له ولإمارته فحصل عليه.

ولم تجد محاولات الملك الناصر يوسف المقيم في دمشق الوقوف في وجههم، وأخفق نائبه في حلب الملك المعظم طوران شاه بن صلاح الدين في صدهم عنها، فسقطت حلب في صفر سنة 658هـ، واستسلمت دمشق في 26 ربيع الأول 658هـ/13 آذار 1260 وتسلمها نواب هولاكو. وتابع المغول زحفهم جنوباً حتى اصطدموا بقوات المماليك عند عين جالوت بقيادة الملك المظفر قطز، ودارت الدائرة عليهم فانهزموا وتشتت شملهم وطوردوا حتى أخرجوا من الشام التي غدت مملوكية، ولم يبق في يد الأيوبيين منها سوى الكرك وحماة.

The state of the Ayyubid dynasty and its Arab divided neighbors after the death of Saladin

قائمة السلاطين

   الحاكم  الحياة  الحكم
1 الناصر صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن أيوب  1137-1192   1174-1192 
2 العزيز عماد الدين أبو الفتوح عثمان بن صلاح الدين  ....-1198   1192-1198 
3 المنصور ناصر الدين محمد بن العزيز  ....-....   1198-1200 
4 العادل سيف الدين أبو بكر أحمد بن أيوب  ....-....   1200-1218 
5 الكامل ناصر الدين محمد بن العادل  ....-....   1218-1238 
6 العادل سيف الدين أبو بكر بن الكامل  ....-....   1238-1240 
7 الصالح نجم الدين أبو الفتح أيوب بن الكامل  ....-....   1240-1249 
8 المعظم توران شاه بن نجم الدين  ....-....   1249-1250 
9 عصمة الدين أم خليل شجرة الدر*  ....-....   1250-1250 
Crusader ships attacking the tower of Damietta in 1218

أيوبية دمشق (589-658هـ/1193-1260م)

تأسست دولة أيوبية دمشق بعد وفاة صلاح الدين سنة 589هـ، وكان أول من تولى حكمها الملك الأفضل نور الدين علي بن صلاح الدين سنة 589هـ، ثم انتقل حكمها إلى عمه العادل محمد بن أيوب الذي أعاد توحيدها مع مصر سنة 596هـ/1199 واستمر ذلك حتى سنة 615هـ/1218. وبعد وفاته تولى حكمها ابنه الملك المعظم عيسى بن العادل وخلفه ابنه الملك الناصر داود سنة 624هـ، ثم عاد حكمها ثانية سنة 626هـ لأبناء العادل الملك الأشرف موسى أولاً ثم الملك الصالح إسماعيل ثم الملك الكامل محمد بن العادل حتى 635هـ. بعد وفاة الكامل انتقل حكم دمشق إلى ولديه الملك العادل الثاني بين سنتي 635-637هـ/1238-1240 والملك الصالح نجم الدين أيوب بين سنتي 637-643هـ/1240-1245.

وبعد وفاة الملك الصالح نجم الدين أيوب انتقل حكم دمشق إلى ابنه الملك المعظم طوران شاه حتى سنة 648هـ/1250 حين استولى عليها الملك الناصر صلاح الدين يوسف الذي ضمها إلى مملكته في حلب، وبقيت تحت حكمه إلى أن استولى عليها المغول سنة 658هـ/1260م ثم استردها المماليك لتصبح نيابة مملوكية.

أيوبيو دمشق

Al-Kamil (right) and Frederick II signed a treaty restoring Jerusalem to the Crusaders for ten years

أيوبية حلب (589-658هـ/1193-1260م)

حاصر صلاح الدين حلب غير مرة بدءاً من سنة 570هـ/1175، وعقد مع حكّامها الزنكيين صلحاً ثم واتته الأمور بوفاة حاكمها الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين سنة 577هـ/1181، فتم له ضم حلب إليه.

بقيت حلب تحت حكم صلاح الدين يحكمها نواب من قبله، وكان يحكمها ابنه الملك الظاهر غياث الدين غازي إلى حين وفاته سنة 589هـ/1193م، وقد استمر حكمها في أسرة الظاهر غياث الدين غازي حتى سقوطها بيد المغول سنة 658هـ/1260م ومقتل ملكها الناصر صلاح الدين يوسف وأخيه الظاهر غازي على أيديهم في جمادى الأولى سنة 659هـ/نيسان 1261، وكان الناصر يوسف قد ضم إليه دمشق منذ سنة 648هـ/1250.

الأمراء الأيوبيون على حلب

أيوبية حماة (574-742هـ/1178-1341م)

جعل صلاح الدين حكم حماة لابن أخيه المظفر تقي الدين عمر بن نور الدين شاهنشاه ابن نجم الدين أيوب سنة 574هـ/1178 الذي أسس فيها أسرة أيوبية حاكمة.

تعرَّضت حماة في أثناء حكم الملك المنصور الثاني محمد (642-683هـ/1244-1248) لخطر الغزو المغولي، واستطاع ملكها الحصول على ا لأمان، وسلَّم المدينة والقلعة للمغول، ثم أقرَّه عليها سلطان المماليك الملك المظفَّر لجهوده في معركة عين جالوت، وبذلك عاد الحكم الأيوبي تحت سلطان المماليك.

توفي الملك المنصور في دمشق بعد أن أقرَّ المماليك ابنه الملك المظفر محموداً في مملكته، فساد الهدوء الداخلي حماة في عهده وشارك السلطان قلاوون في معارك كثيرة.

اختلف الأيوبيون بعد وفاة المظفر على من يخلفه في الحكم سنة 698هـ/1298، فصارت حماة تابعة للمماليك مباشرة حتى سنة 710هـ/1310 حين عاد حكمها إلى الأيوبيين في شخص أبي الفداء الملك المؤيد عماد الدين إسماعيل الذي ظل مرتبطاً بالسلطان محمد بن قلاوون بصداقة قوية، وخلفه في حكمها ابنه الملك الأفضل ناصر الدين محمد الذي لم ينل ثقة أهالي حماة كأبيه، ومالبث أن عُزل على يد توصون المملوكي الذي نقله إلى دمشق، وجعله أميراً من أمرائها، بعد أن حكم حماة عشر سنين. وبعزل الملك الأفضل انتهى حكم البيت الأيوبي وصارت حماة نيابة مملوكية، وانتقل حكم بلاد الشام نهائياً إلى المماليك.

Ayyubid territories in 1257. Area in bright red controlled by an-Nasir Yusuf, while the area under dark red was under the nominal control of al-Mughith Umar of Kerak

أيوبيو حماة

أيوبية حمص (574-662هـ/1178-1262م)

ضم صلاح الدين حمص إلى أملاكه في جمادى الأولى سنة 570هـ/كانون الأول1174 وعين عليها أقاربه، وجعلها في سنة 574هـ/1178م لابن عمه الملك القاهر محمد بن أسد الدين شيركوه الذي أسس فيها منذ ذلك الحين سلالة أيوبية حاكمة، ومن الجدير بالذكر أن حمص كانت من إقطاع والده أسد الدين شيركوه في أيام السلطان نور الدين الزنكي.

شاركت مملكة حمص في الأحداث العامة التي تعرَّضت لها الدولة في قتال الصليبيين والمغول، وكان أول حكامها من الأيوبيين الملك القاهر محمد بن أسد الدين شيركوه الذي توفي سنة 581هـ/1185 فخلفه ابنه الملك المجاهد شيركوه في حكمها فأحسن السيرة وحفظ المملكة حتى وفاته سنة 637هـ/1139م فخلفه في الحكم ابنه الملك المنصور إبراهيم الذي كان شجاعاً عالي الهمة، قاتل جلال الدين منكبرتي وكان له يد طولى في هزيمته.

تولى بعده ابنه الملك الأشرف[ر] مظفر الدين موسى (644-661هـ/1245-1262م) الذي كان له أثر كبير في أحداث بلاد الشام إبَّان حكمه، وهو الذي صدَّ المغول عن حمص وهزمهم وأبعدهم عنها بعد معركة عين جالوت، ولما توفي الملك الأشرف في حمص ضم المماليك حمص إلى حكمهم المباشر.

The Mongol conquest of Ayyubid Syria

أيوبيو حمص

أيوبية بعلبك (574ـ658هـ/1178ـ1260م)

ضم صلاح الدين بعلبك إلى دولته منذ أن بدأ عملية التوحيد سنة 570هـ/1174 وجعل محمد بن المقدَّم عليها، وما لبث هذا أن خلع طاعته، فأخرجه صلاح الدين منها وأعطاها لأخيه طوران شاه سنة 574هـ فبدأ بذلك حكم الأيوبيين في بعلبك، فلما ذهب طوران شاه سنة 575هـ إلى الاسكندرية بمهمة حلَّ مكانه ابن أخيه عز الدين فَرُّخ شاه، الذي لبث في بعلبك حتى وفاته سنة 578هـ/1182 فخلفه على حكمها ابنه الملك الأمجد بهرام شاه حتى سنة 627هـ/1230، ثم استولى عليها الملك الصالح إسماعيل بن العادل الأول باسم أخيه الملك الأشرف موسى الذي حكم دمشق بين سنتي 626ـ635هـ ونافسه عليها الملك الصالح نجم الدين أيوب الذي انتزعها منه سنة 644هـ/1246 وبعد وفاة الصالح أيوب 647هـ/1249 تولى بعلبك عدد من الولاة حتى دهمها المغول سنة 658هـ/1260 وانتهى بذلك حكم الأيوبيين على بعلبك.

Minaret of the Great Mosque of the Aleppo Citadel, built by az-Zahir Ghazi in 1214

حكام بعلبك

الملك المعظم طوران شاه بن نجم الدين أيوب

574-575هـ/1178-1179م

عز الدين فرخ شاه بن نور الدين شاهنشاه بن نجم الدين أيوب

575-578هـ/1179-1182م

الملك الأمجد بهرام شاه بن عز الدين فرخ شاه

578-627هـ/1182-1230م

الملك الصالح إسماعيل بن العادل أبو بكر نائباً عن أخيه الأشرف صاحب دمشق 627-635هـ/1230-1237م

الملك الصالح إسماعيل بن العادل أبو بكر

635-644هـ/1237-1246م

أيوبية الكرك (584ـ661هـ/1188ـ1262م)

تأسست الدولة الأيوبية في الكرك بعد تحريرها من الصليبيين سنة 584هـ/1188 وكان أول حكامها الملك العادل سيف الدين محمد أبو بكر بن أيوب، ثم انتقل حكمها إلى ابنه الملك المعظم عيسى في سنة 592هـ/1195، وبقيت تحت حكمه حتى وفاته سنة 624هـ/1226 فخلفه في حكمها ابنه الملك الناصر داود، وكان آخر حكامها الملك المغيث فتح الدين عمر بن الملك العادل الثاني الذي تولى حكمها سنة 648هـ/1250م. وحينما تعرّضت الشام لخطر المغول حاول إبعادهم عن إمارته، فأرسل ابنه الملك العزيز إلى هولاكو برسالة يلتمس فيها أماناً له ولإمارته فحصل عليه، ثم شارك في جهاد المغول في عين جالوت، وبعد الانتصار أرسل كتبه إلى الملك المظفر قطز طالباً منه إبقاءه في مملكته، فأجابه بأن يتولى الكرك والشوبك فقط ويسلمه السلط والخليل والبلقاء، وبعد تسلم الملك الظاهر بيبرس حكم دولة المماليك اعتقل المغيث عمر سنة 661هـ/1262، وبذلك سقطت دولة الكرك الأيوبية.

An example of Ayyubid pottery from Egypt

حكام الكرك

الملك العادل بن نجم الدين أيوب

584-592هـ/1188-1195م

الملك المعظم عيسى بن العادل

592-624هـ/1195-1226م

الملك الناصر داود بن المعظم عيسى

624-647هـ/1226-1249م

الملك المغيث فتح الدين عمر بن العادل بن الكامل

648-661هـ/1250-1262م

أيوبيو ميافارقين

The Firdaws Madrasa was built in 1236 under the patronage of Dayfa Khatun
The Ayyubid wall in Cairo, uncovered during construction of Al-Azhar Park, January 2006

أيوبيو سنجار

أيوبيو حصن كـَيـْفا

أيوبية اليمن (569-626هـ/1173-1229م)

تأسست هذه الدولة منذ أن أرسل صلاح الدين الأيوبي أخاه المعظم طوران شاه إلى اليمن لضمها إلى الدولة الأيوبية وتخليصها من أتباع الفاطميين وغيرهم، وبقي في حكمها حتى سنة 577هـ/1181 حين تسلم حكمها أخوه سيف الإسلام طغتكين، وبعد وفاته سنة 593هـ/1196 تولى حكمها ابن طغتكين معز الدين إسماعيل، الذي استمر في حكمها حتى سنة 598هـ/1201. وبوفاته انتقل حكم اليمن إلى أخيه الملك الناصر أيوب الذي حكمها سنة 611هـ/1214م.

بعد وفاة الناصر أيوب استولى سليمان بن شاهنشاه بن المظفر عمر على اليمن بموافقة جند اليمن وتلقب بالمظفَّر سليمان، ولم يقبل السلطان الملك العادل بذلك فأوعز إلى ابنه الملك الكامل أن يرسل قوى لإعادة الأمور إلى نصابها، فأرسل ابنه أتسز يوسف إليها فاستطاع إزاحة المظفر سليمان، واستولى على الحكم وتلقَّب بالملك المسعود صلاح الدين، لم يحسن المسعود صلاح الدين السيرة في اليمن، وقتل عدداً كبيراً من أشرافها، وبقي في الحكم حتى سنة 626هـ/1229 حين استولى بنو رسول على حكمها وأنهوا الحكم الأيوبي.

أيوبيو اليمن

Isometric laser scan data image of the Bab al-Barqiyya Gate in the 12th century Ayyubid Wall that borders Al-Azhar Park. This fortified gate was constructed with interlocking volumes that surrounded the entrant in such a way as to provide greater security and control than typical city wall gates.

أيوبية مصر (569ـ650هـ/1174ـ1252م)

يمكن القول إن الدولة الأيوبية في مصر، تأسست عقب وفاة نور الدين محمود زنكي سنة 569هـ/1174م، إذ بدأ بوفاته استقلال صلاح الدين الأيوبي لها عن الزنكيين، وتأسيس الدولة الأيوبية، واستمر في حكمها حتى وفاته سنة 589هـ/1193، ثم حكمها بعده ابنه الملك العزيز عثمان حتى وفاته سنة 595هـ/1198، ولما توفي انتقل حكمها إلى ابنه الصغير الملك المنصور محمد حفيد صلاح الدين، ولكن الملك العادل محمد انتزع الحكم لنفسه بفتوى شرعية، وانتقل حكم مصر بذلك إلى الملك العادل وأبنائه.

تعرَّضت مصر في عهد الملك العادل للحملة الصليبية الخامسة التي هاجمت دمياط وتوفي العادل في أثنائها، فخلفه في حكمها ابنه الملك الكامل ناصر الدين محمد بين سنتي 615-635هـ/1218-1238، وخلفه ابنه الملك العادل الثاني بين سنتي 635-637هـ/1238-1240، ثم انتقل حكمها إلى أخيه الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل الذي حكم بين سنتي 637-647هـ/1240-1249. وتعرضت مصر في عهده إلى الحملة الصليبية السابعة، وتوفي الملك الصالح أيوب في أثناء ذلك، فخلفه ابنه الملك المعظم طوران شاه (647-648هـ/1249-1250) ولما قتله المماليك انتقل الحكم إلى شجرة الدر زوجة أبيه الملك الصالح سنة 648هـ/1250، واستولى المماليك على مصر وحكموها في البداية باسم الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن صلاح الدين يوسف بن الملك المسعود أتسز بن الكامل حتى سنة 650هـ/1252.

حكام مصر

الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب 569-589هـ/1174-1193

الملك العزيز عماد الدين عثمان بن الناصر صلاح الدين يوسف 589-595هـ/1193-1198

الملك المنصور محمد بن العزيز عثمان 595-596هـ/1198-1199

الملك العادل سيف الدين محمد أبو بكر بن أيوب

596-615هـ/1199-1218

الملك الكامل ناصر الدين محمد بن العادل (الأول) 615-635هـ/1218-1238

الملك العادل (الثاني) سيف الدين أبو بكر بن الكامل 635-637هـ/1238-1240

7 ـ الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل محمد 637-647هـ/1240-1249

الملك الصالح طوران شاه بن الصالح نجم الدين أيوب 647-648هـ/1249-1250

الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن صلاح الدين 648-650هـ/1250-1252

ثم استولى عليها المماليك.

أهم الإسهامات الحضارية

اهتم الأيوبيون بتشكيل جيش قوي لمواجهة خطر الصليبيين من جهة ولتوحيد الجبهة العربية الإسلامية من جهة أخرى، وبدأ تشكيل الجيش الأيوبي منذ حملة شيركوه الثالثة على مصر، ومع أن عدداً من الأمراء الأتراك التابعين لنور الدين انسحبوا مع فرسانهم بعد تولي صلاح الدين الوزارة سنة 564هـ، فإن الأسدية وغيرهم من الفرسان الأكراد التابعين لشيركوه ظلوا في خدمة صلاح الدين، وقبل مضي عام واحد كان صلاح الدين قد ألَّف حرساً من العساكر عُرفوا بالصلاحية تحت إمرة أبي الهيجا، ثم أخذ جيشه يزداد زيادة مستمرة بتجنيد العساكر في جيشه وجيش أمرائه حتى وصل عدد أفراده سنة 567هـ/1171م إلى اثني عشر ألفاً من الفرسان عدا غلمانهم.

إضافة إلى القوات العسكرية التي شكلها صلاح الدين في مصر، فإنه أضاف إليها قوات الشام والجزيرة وديار بكر وغيرها من المناطق التي دخلت تحت سلطانه، وكان كل اتفاق بين صلاح الدين والأمراء المسلمين ينص على أن تنضم قواتهم العسكرية إلى قواته عند إعلان الجهاد على الصليبيين، ومن هذه التجمعات كانت تتكون جيوش صلاح الدين التي كانت تصل أحياناً إلى أربعة عشر ألف فارس أو أقل أو أكثر، ففي سنة 583هـ/1187م وصل عدد أفراد الجيش الذي اشترك في حطين اثني عشر ألفاً، لأن قوات مصر لم تكن تخرج بكاملها لقتال الصليبيين في الشام، بل كان يترك ما لا يقل عن نصف العسكر فيها لحفظ ثغورها، وحين ينهك الجند المقاتلة يعودون إلى قواعدهم للاستراحة والتجهيز.

إلى جانب المقاتلة من فرسان ومشاة كان الجيش يضم فرقاً من الحجارين الذين يقومون على المجانيق والعرَّادات، والنقابين الذين ينقبون تحت الأسوار والمشرفين على النار التي تُرمى على أبراج العدو المحاصر، وكانت نفقات الجيش المصري كبيرة بلغت سنة 585هـ/1189م 3.670.600 دينار من مجموع المصروفات العامة البالغة 4.653.190 دينار وكانت رواتب الطواشية في عهد صلاح الدين تراوح بين 700- 1200 دينار.

استمر اهتمام الأيوبيين بالجيش بعد وفاة صلاح الدين للحفاظ على ممالكهم ولمواجهة الأخطار المحدقة بهم، وكانت أهم فرق الجيش في العهد الأيوبي الأسدية، رجال أسد الدين شيركوه ثم الصلاحية، والعادلية والكاملية والأشرفية والصالحية وغيرها. وكان يرأس الجيش الأمير الكبير وهو القائد الأعلى، ويأتي بعده الطلب وهو الأمير المقدَّم الذي له علم معقود وبوق مضروب، وكان عدة كل طلبٍ بين سبعين ومئتي رجل، وكانت الدروع والأسلحة المودعة في الزردخانة توزع على العساكر قبل القيام بحملة كما كان يصرف لهم عطاء خاص ينفقونه في أمور الحملة.

وكان لكل من كبار الأمراء وصغارهم إقطاعات وتصرف لمماليكهم جامكيات أو عطاء معين أو تجعل لهم حصص من أحد الإقطاعات ونفقات مؤن وعلوفة، وكان على المقطعين أن يؤدوا خدمات إقطاعية، منها ما هو مالي مثل ضريبة الجوالي (الجزية) من أهل الذمة والزكاة من المسلمين، ومنها ما هو على شكل خدمات مدنية مثل رعاية شؤون الأمن في الإقطاع والعناية بالزراعة وصيانة الجسور فضلاً عن الواجبات الحربية.

ولما كانت قوة الممالك الأيوبية كامنة في جيوشها كان ديوان الجيش من أهم دواوينها، فكان مسؤولاً عن توزيع الإقطاعات وتغييرها بالنسبة لأجناد السلطان وأجناد الأمراء، ومسؤولاً عن إثبات أسماء المقطعين من الأمراء وإقطاعاتهم على اختلاف درجاتهم وجميع أفراد الجيش دون استثناء. وكان لديوان الجيش علاقة وثيقة بديوان المالية الذي يهتم بكل القضايا التي تتعلق بالضرائب والموارد والنفقات والخزائن.

كان يتبع الاهتمام بالجيش القيام بتحصين المناطق الحساسة في البلاد، فقد بُدئ ببناء سور ضخم من الحجارة يحيط بالقاهرة والقلعة والفسطاط في عهد صلاح الدين، واكتمل بناؤه في عهد السلطان الملك الكامل محمد، كما بنيت القلعة على جبل المقطم لتشرف على الدفاع عن القاهرة وتكون مقراً لحكمها، وسُوِّرت مدينة تِنيس وبنيت فيها قلعة، ورمم سور دمياط، وأُصلح سور الاسكندرية كما بنيت قلاع عدة في بلاد الشام ومنها قلعة دمشق.

وجه صلاح الدين اهتمامه للأسطول حتى غدا قوة يحسب حسابها، وأفرد له ديواناً عرف بديوان الأسطول، وخصص له موارد مهمة، منها حاصلات إقليم الفيوم والنطرون وإيراد ديوان الزكاة الذي بلغ في سنة من السنوات زيادة على خمسين ألف دينار. وفي سنة 587هـ نجح الأسطول المصري في صد هجوم جريء للفرنج على مياه البحر الأحمر المنيعة إلا أنه لم يستطع منع السفن الفرنجية من جلب أعداد كبيرة من المحاربين الفرنج المتحمسين لاحتلال بيت المقدس من المسلمين. وإذا كانت الحملة الصليبية الثالثة قد أخفقت في احتلال بيت المقدس فإنها وجهت ضربة قاضية للبحرية المصرية في أثناء محاولتها نجدة الحامية الإسلامية في عكا التي حاصرتها الأساطيل الأوربية.

ويذكر المقريزي أن الاهتمام بالأسطول قلَّ بعد وفاة صلاح الدين سـنة 589هـ وصار لا يُفكَّر في أمره إلاَّ عند الحاجة، فإذا دعت الضرورة إلى تجهيزه طُلب له الرجال وقُبض عليهم من الطرقات وقيدوا في السلاسل نهاراً وسجنوا في الليل كي لا يهربوا ولا يصرف لهم إلاّ الشيء القليل من الخبز ونحوه، فصارت خدمة الأسطول عاراً يُسب به الرجال، بعدما كان خُدَّام الأسطول يقال لهم المجاهدون في سبيل الله.

اهتم صلاح الدين بالتغلب على المشكلات الاقتصادية التي واجهها إبان حكمه وخاصة الأزمة الاقتصادية، إذ نفدت العملة الذهبية والفضية من أسواق مصر، لذلك اتجه إلى الترحيب بالتجار الإيطاليين وإغرائهم بالعودة إلى نشاطهم التجاري السابق في الاسكندرية. وعقد معاهدات تجارية مع ممثلي البندقية وجنوة وبيزة سنة 569هـ/1173م. وقد بلغ عدد السفن التابعة للدول الأوربية والراسية في ميناء الاسكندرية في شتاء سنة 584هـ/1188م سبعاً وثلاثين سفينة.

وبعد معاهدة الصلح التي عُقدت سنة 588هـ نمت العلاقات التجارية مع جنوة وبيزة والبندقية وعُقدت مجموعة من الاتفاقات في عهد السلطان الملك العادل منح بموجبها التجار تخفيضاً للرسوم الجمركية وتسهيلات إدارية.

وكانت البضائع المتاجر بها خاضعة لضرائب (أو مكوس) يتولى تحصيلها الديوان، وكانت ضريبة الوارد تؤخذ على البضائع التي تباع فعلاً، أما التي لم تجد لها سوقاً بالبلاد فلا يدفع عنها أربابها ضريبة وارد، ويسمح لهم بإعادة تصديرها من دون دفع رسوم، على أن لا تكون السلعة حديداً أو خشباً أو قاراً، إذ يتحتم عندها بيعها للحكومة بسعر السوق، أما ضريبة الصادر فيجري تحصيلها على جميع السلع التي يشتريها التجار الأجانب من داخل البلاد.

ومع أن سلاطين بني أيوب قاموا ببعض الإجراءات لحماية الفلاحين، بتحديدهم الإيجارات والجبايات التي يدفعها الفلاح لسيده الإقطاعي، فإن مشاركة السلطان الملك الكامل في الأعمال الاقتصادية، كاستخراج المعادن واستثمار الغابات وزراعة قصب السكر أدَّى إلى مصاعب جمة بعد موت الكامل بسبب التداخل بين المشروعات الحكومية والخاصة، إضافة إلى الاختلاس الذي كان الموظفون يمارسونه عند تراخي الإدارة وتغاضيها.

أما أرباب الحرف فقد انتظموا في العهد الأيوبي في نقابات تولى كل منها شيخ كار، وعالجت كتب الحسبة الطرق والأساليب التي اتخذتها الدولة للإشراف على هذه النقابات كي تتوافر المواد الغذائية في الأسواق، وكان المحتسبون يتفقدون الأسواق ويقفون على ما اتخذه أرباب الحرف من أساليب الغش، ويحاولون منعها ويعاقبون كل من يرتكب المخالفات.

اهتم الأيوبيون بالعلم والعلماء، فقد كان صلاح الدين يجمع حوله رجال العلم، ويحضر مجالسهم ليستمع إليهم ويشاركهم في أبحاثهم، وكان ابنه الملك العزيز عثمان عالماً بالحديث والنحو، وكان السلطان الملك الكامل يناظر العلماء، وعنده مسائل غريبة من فقه يمتحن بها فمن أجاب عنها قدَّمه.

واشتملت خزانة بهرام شاه بن فرخ شاه صاحب بعلبك على مئة ألف مجلد، وكان الملك المعظم عيسى بن الملك العادل راغباً في الأدب حتى إنه كان يعطي كل من يحفظ المفصَّل للزمخشري مئة دينار وخلعة. وقد نال العلماء في العهد الأيوبي مكانة محترمة، وكان لهم أثرهم في أمور الدولة وفي المجالس العلمية. ونهض الأيوبيون بفتح المدارس للمذاهب الأربعة مع أنهم شافعيون (إلا الملك المعظم عيسى وابنه الناصر داود اللَّذين اتبعا المذهب الحنفي)، وزاد عدد المدارس في تلك الحقبة زيادة كبيرة، وكان الاهتمام بها ضمن إطار حركة الإحياء السني، واهتمت هذه المدارس بالثقافة الدينية من علوم القرآن الكريم والحديث الشريف والفقه الإسلامي إلى جانب العلوم اللغوية والتاريخية والاجتماعية وعلم الطب وعلوم أخرى متفرقة، أما العلوم العقلية والفلسفية فلم يتح لها الانتشار لموقف الأيوبيين منها.

ولسيطرة فكرة الحرب والجهاد المقدس على عواطف الناس وعلى السلاطين أنفسهم، لم يعد هناك متسع من الوقت لدى الجميع للتوسع في حياة الترف والقيام بالاحتفالات كتلك التي سادت عند أسلافهم الفاطميين وخلفائهم المماليك، كما بدا الاقتصاد في الحفلات العامة متخففاً من الإسراف في الاحتفالات بالأعياد الدينية والرسمية.

وقد فرض الوضع العام على الجميع الاهتمام بأمر دينهم، يدل على ذلك كثرة المصلين والمتعبدين وكثرة المؤسسات الدينية من مساجد ومدارس وخانقاوات وأربطة بنيت للنساء والرجال، واستخدمت الرباطات النسائية لغايات أخرى غير حياة العبادة والزهد، فقد جُعِلت ملاجئ للنساء المطلقات والأرامل صيانة لهن حتى يتزوجن أو يرجعن إلى أزواجهن، وكان لهذه المؤسسات أوقاف تضمن مورداً ثابتاً لها، وكان لهذه الأوقاف إدارة تشرف عليها يرأسها متولي الأوقاف الذي يسهر على إنفاق أموالها في الجهات المخصصة لها.

وكثرت في ذلك الوقت السقايات (السبلان) في كثير من المدن وخاصة التي لها مكانة دينية كمكة وبيت المقدس، وفي الخانات والمحطات والنزل الواقعة على طرق المسافرين والتجار، واتصفت هذه الحقبة كذلك بكثرة الحمامات التي كان يشرف عليها المحتسب، وكان يفرض عليها الاهتمام بالنظافة وطيب الرائحة والضرب على أيدي السارقين وعدم دخول أصحاب الأمراض المعدية إليها، وازداد عدد الفنادق والخانات والقيساريات التي تخدم التجار والمسافرين.

يتضح مما تقدَّم أن الحركة العمرانية كانت مزدهرة على انهماك الدولة في محاربة الفرنج الصليبيين، ويغلب على العمائر الأيوبية عموماً طابع التواضع والتقشف ولكنها، من ناحية ثانية، تتميز بالمتانة والقوة وإتقان التخطيط والبناء، وكان الاعتماد كلياً على الحجر مادة للبناء. وحدث تطور ملحوظ في فنون العمارة العسكرية، فقد فاقت الأبراج والأسوار بارتفاعها وحجمها الكبير وضخامة حجارتها التي يغلب عليها النوع البارز، كل ما هو معروف من قبل، وأحسن مثل على ذلك قلعة حلب، وقلعة دمشق، وقلعة بصرى، ومازالت هذه القلاع تحافظ على أصالتها إلى اليوم.

أنظر أيضاً

المصادر


مراجع

وصلات خارجية