العقوبات المفروضة على إيران

مصطفى اللباد قام بكتابة المتن الأساسي لهذا المقال مصطفى اللباد

العقوبات المفروضة على إيران، هي العقوبات التي فُرضت على إيران من قبل عدد من الهيئات دولية لمنع بعض الصادرات العسكرية والنووية إلى إيران، الاستثمارات في مجال النفط والپتروكيماويات؛ صادرات منتجات النفط المكرر؛ التجارة مع قوات الحرس الإيراني؛ صفقات الصرافة والتأمين، وتشمل البنك المركزي الإيراني؛ والشحن. فرضت الولايات المتحدة عقوبات على إيران في أعقاب الثورة الإسلامية عام 1979، ووسعت العقوبات على إيران من قبل الولايات المتحدة وكيانات دولية أخرى بعد بدء إيران في تطوير برنامجها النووي.[1]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

خلفية

يعتمد المنطق الداخلى للعقوبات على استخدام قوانين الاقتصاد السياسي من أجل ثني الدولة المعاقبة عن مواقف بعينها، وبالتالى فإن العقوبات الاقتصادية المفترضة على إيران ستكون مجرد مرحلة جديدة من مراحل إدارة الصراع، ولكن بوسائل غير عسكرية. و"العقوبات الاقتصادية" ليست مجموعة مصمتة من الإجراءات التى يجرى اعتمادها بصورة عامة لكل الدول المراد معاقبتها، بل تنقسم إلى أنواع مختلفة من العقوبات، التى يمكن إجمالها–بشيء من التبسيط- إلى: أ. عقوبات تجارية واستثمارية، ب. عقوبات مالية، ج."عقوبات ذكية"، لكل نوع منها تأثيره وشروطه التى تختلف عن غيرها.

العقوبات حسب القطاع والمصدَر[2]
القطاعات الولايات المتحدة (1995– ) الاتحاد الأوروپي (2007– ) الأمم المتحدة (2006–16)
صناعة الصواريخ/الأسلحة Restricted Restricted Removed
Islamic Revolutionary Guard Corps Restricted Restricted Removed
الصناعة النووية Restricted Restricted Removed
صناعة الطاقة/النفط Restricted Restricted Removed
Banking Restricted Restricted Removed
البنك المركزي الإيراني Restricted Restricted Removed
صناعة الشحن Restricted Restricted Removed
التجارة الدولية Restricted Restricted Removed
التأمين Restricted Restricted Removed
الشركات الأجنبية المتعاملة مع إيران Restricted


عقوبات الأمم المتحدة ضد إيران

ناقشت الجمعية العامة للأمم المتحدة البرنامج النووي الإيراني في 2006
  • قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1696 - صدر في 31 يوليو 2006. يطالب إيران بوقف جميع الأنشطة المتعلقة باعادة المعالجة والتنشيط، استناداً إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، لكن لم يُفرض عقوبات.
  • قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1737 - صدر في 23 ديسمبر 2006. يمنع الإمداد بالمواد والتكنولوجيا النووية وتجميد أصول الشركات والأفراد الرئيسيين المرتبطين بالبرنامج النووي.
  • قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1747 - صدر في 24 مارس 2007. فرض حظر على الأسلحة وتوسيع تججيد الأصول الإيرانية.
  • قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1803 - صدر في 3 مارس 2008. توسيع تجميد الأصول الإيرانية ودعى الدول لمراقبة أنشطة البنوك الإيرانية، تفتيش السفن والطائرات الإيرانية، ومراقبة حركة الأفراد المرتبطين بالبرنامج النووي في بلدانهم.
  • قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1835 - صدر في 27 سبتمبر 2008.
  • قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1929 - صدر في 9 يونيو 2010. منع إيران من المشاركة في الأنشطة المتعلقة بالصواريخ البالستية، تشديد الحظر المفروض على الأسلحة، فرض حظر على سفر الأفراد المشاركين في البرنامج، تجميد التمويل والأصول الخاصة بالحرس الثوري الإيراني وخطوط الشحن الإيرانية، وتوصية الدول بتفتيش سفن الشحن الإيرانية، حظر تقديم الخدمات للسفن ايرانية تشارك في أنشطة محظورة، منع تقديم الخدمات المالية المستخدمة في النشاطات النووية الحساسة، المراقبة عن كثب للأفراد والكيانات الإيرانية عند التعامل معهم، حظر فتح البنوك الإيرانية في أراضيهم ومنع البنوك الإيرانية من الدخول في علاقة مع بنوكهم حيث يمكن أن تكون مشاركة في البرنامج النووي الإيراني، منع المؤسسات المالية من العمل في أراضيهم من خلال مكاتب وحسابات مفتوحة في إيران.

العقوبات الثنائية

وافق الاتحاد الاوروبي على مقاطعة النفط من إيران. وسيكون للحظر أثراً هائلاً على إيطاليا واليونان واسبانيا.

عقوبات الاتحاد الاوروبي

عقوبات الولايات المتحدة

في 1996 أصدر الكونگرس الأمريكي قانون العقوبات على إيران وليبيا. وتحت هذا القانون تفرض الولايات المتحدة عقوبتين من أصل سبع عقوبات على جميع الشركات الأجنبية التي تستمثر بأكثر من 20 مليون دولار في مجال تنمية موارد النفط في إيران:[3]

  • الحرمان من المساعدة في بنك التصدير والإسيتراد
  • الحرمان من ترخيص التصدير لصادرات الشركات المعاقبة
  • حظر على قروض أو ائتمانات المؤسسات المالية الأمريكية لأكثر من 10 مليون دولار لفترة 12 شهر
  • حظر تصنيف تلك الشركات كتاجر أساسي لصكوك الدين الحكومي الأمريكي
  • منع خدمته كعميل للولايات المتحدة أو كمستحق للتمويل من قبل الحكومة الأمريكية
  • الحرمان من فرص المشتريات الحكومية الأمريكية (بما يتفق مع التزامات منظمة التجارة العالمية)؛ ومنع جميع أو بعض واردات تلك الشركات

في يوليو 2012، أصدرت الإدارة الأمريكية قرارها بتطبيق دفعة جديدة من العقوبات على إيران متهمة إياها بالمضي في تنفيذ برنامج نووي عسكري وتصدير الإرهاب، حيث تنطبق العقوبات الجديدة على منظمات عسكرية إيرانية ومصارف وأفراد، كما تم تجميد كل الحسابات الأميركية لهذه الجهات ومنع المواطنين الأميركيين من أي تعامل معها.[4]

وأبرز هذه العقوبات:

  • شملت العقوبات جيش الحرس الثوري الإيراني بتهمة مساهمته في نشر أسلحة الدمار الشامل لا سيما الصواريخ البالستية القادرة على حمل الرؤوس النووية.
  • كما شملت تسع شركات تابعة للحرس الثوري تعمل في مجموعة من الصناعات في القطاعات النفطية والبناء والنقل وهي: "شركة خاتم الأنبياء"، و"أورينتال أويل كيش" و"قرب نوح" و"ساحل للاستشارات الهندسية" و"قرب كربلاء" و"سپاساد، شركة هندسية" و"عمران ساحل" و"شركة حراء" و"قرارگاه سازندگي قائم".
  • كما شملت العقوبات ستة من قادة الحرس الثوري، بمن فيهم قائد سلاح الجو الجنرال حسين سليمي وقائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني حيث يتهم الفيلق بتأمين "الدعم المادي" لحركة طالبان وحزب الله اللبناني والمجموعات الفلسطينية المسلحة، إضافة إلى تقديم أسلحة وتمويل وتدريب وتوجيه مجموعات من المليشيات العراقية التي تستهدف وتقتل –حسب القرار- قوات التحالف والقوات العراقية والمواطنين العراقيين.
  • وشملت العقوبات وزارة الدفاع حيث تقول الحكومة الأمريكية إنها تملك "السلطة الأخيرة" في ما يتعلق بهيئة الصناعات الجوية، المؤسسة الرئيسية التي تشرف على برنامج الصواريخ البالستية الإيراني (سبق للولايات المتحدة أن فرضت عقوبات على هذه المنظمة)، حيث وردت في اللائحة أسماء ثلاثة من كبار مسؤولي الهيئة بمن فيهم رئيسها أحمد وحيد داستجردي.
  • كما شملت "بنك ملي إيران"، أكبر مصرف إيراني، بتهمة تقديم خدمات مالية للبرنامجين الصاروخي والنووي الإيراني. (وكانت عقوبات أمريكية سابقة صدرت بحق "بنك سپاه" الإيراني للأسباب السابقة، فتولى مصرف "ملي" أنشطة "سپاه")، ولبنك "ملي" فروع في الدول الخليجية وبغداد وهونگ كونگ وهامبورگ وباريس ولندن وكابول وموسكو، بحسب ما جاء في القرار الأميركي.
  • "بنك ملت" بتهمة تسهيل المعاملات المتعلقة بالمنظمة الإيرانية للطاقة الذرية وشركة "نوفين" للطاقة، إضافة إلى فروع المصرف في أرمينيا وبريطانيا وكوريا الجنوبية وتركيا.
  • "بنك صادرات إيران" بتهمة تمويل حزب الله وحركتي حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

دول أخرى

أنواع العقوبات المفروضة على إيران

العقوبات التجارية والاستثمارية

ينطلق التوصيف الكلاسيكي لأنماط العقوبات الاقتصادية Sanctions من أنها تعنى تقليص المبادلات الاقتصادية، ولذلك تكون العقوبات ناجعة ومؤثرة كلما كان البلد المعنى يمتلك اقتصاد يعتمد في جانب كبير على المبادلات الاقتصادية في ضبط حركة قطاعاته الأساسية. وفى ظل تفاوت درجة الانفتاح التى تميز الأسواق الوطنية ومستوى اندماجها في الاقتصاد العالمى، فإن الاقتصادات المندمجة أكثر في الاقتصاد العالمى سوف تتأثر سلبياً بالعقوبات. وتتجلى تلك التأثيرات السلبية في الداخل المحلى للدولة المعاقـَبة في أشكال مختلفة مثل ارتفاع أسعار المستهلكين وازدياد البطالة وخسائر أصحاب الأعمال وتقلص المعروض من السلع في السوق المحلية. ونظراً لارتباط السياسة والاقتصاد ارتباطاً عضوياً، تجد التأثيرات السلبية في جانب الاقتصاد ترجمة مباشرة في جانب السياسة، إذ من شأن التداعيات الاقتصادية السلبية أن تمتد سلباً أيضاً في حسابات الجدوى السياسية لصناع القرار في البلد المعنى، بما يؤدى إلى التأثير في سياساتهم وتعديلها بالنهاية. ولأن كل نظام سياسى بحاجة إلى قدر من التأييد الشعبى حتى يحفظ سلطته داخلياً، فإن عامل الرضا الشعبى يؤدى دوراً لا يستهان به في توجية السياسات، مهما كانت طبيعة هذا النظام السياسى وتركيبته وتحالفاته الداخلية. وينهض المنطق الداخلى للعقوبات على فرضية أساسها أن القيادة السياسية في البلد المعنى سوف تستسلم –عند نقطة معينة- أمام الضغوط الخارجية، بسبب حساباتها المجردة للاحتفاظ بالسلطة السياسية ومن ثم الاقتصادية. وبتقليب النظر في هيكل التجارة الخارجية الإيرانية فإن التصور النظرى الخاص بفرض حصار نفطى مقترن بحصار بحرى يمنع تصدير النفط ويحظر الاستثمارات في قطاع النفط، يقود إلى استنتاج بأنه سيضرب النظام الإيراني في مقتل. ويعود ذلك لأن النفط يشكل سلعة التصدير الأولى في إيران، ويمثل ما بين 80 بالمئة إلى 90 بالمئة من الصادرات الإيرانية، كما يمول تصدير النفط ما بين 40 بالمئة إلى خمسين بالمئة من إيرادات الدولة الإيرانية. ولأن إيران تريد توسيع عمليات استخراج النفظ من حقولها المكتشفة بالفعل أو القيام بعمليات استكشاف لحقول جديدة، فهى بحاجة إلى استثمارات ضخمة في قطاع النفط للوصول إلى تلك الأهداف، ولذلك فإن الحظر النفطى المقترن بإيقاف الاستثمارات الخارجية في قطاع الطاقة (النفط والغاز) سوف يؤديان منطقياً إلى تأثيرات شاملة على كيان إيران الاقتصادى. وبالرغم من وجاهة هذا الافتراض، فقد أظهرت التجارب التاريخية السابقة أن الأنظمة الشمولية لا تسقط بالضرورة في حالة التردى الاقتصادى. وفى إيران – ومع التسليم بأزمات النظام السياسى المتأسس على مبدأ "ولاية الفقيه"- ما زال هناك هامش متاح للاعتراض والنقد من قبل أشخاص ومنظمات مدنية، مع الأخذ في الاعتبار أن تلك الشخصيات والأحزاب لا تستطيع، بحكم موازين القوى الداخلية الإيرانية؛ استثمار الوضع الاقتصادى سياسياً للضغط على النظام. ولكن وفى ضوء المشاعر القومية الإيرانية والتمسك بالمشروع النووى من طرف شرائح واسعة من الإيرانيين، فمن المتوقع أن تؤدى هذه العقوبات إلى تدعيم الوحدة الوطنية الإيرانية والالتفاف حول العلم الإيرانى، أو ما يطلق عليه rally round the flag.

وعلى الجانب المقابل فللعقوبات المفروضة لفترة طويلة نسبياً فعالية واضحة، ومثال يوغوسلافيا التسعينيات حاضر لتأكيد هذه المقولة، حيث استخدمت حكومة ميلوسيفيتش وقتها العقوبات الاقتصادية التى فرضت على يوغوسلافيا لتبرير الكثير من الاختناقات الاقتصادية وصولاً إلى استغلالها لتغذية المشاعر القومية الصربية. على أن المستفيد الأساسى من فرض تلك العقوبات كان المافيا اليوغوسلافية التى استغلت الضائقة المعيشية لشرائح اجتماعية واسعة لمراكمة أرباحاً طائلة، في الوقت الذى هاجرت فيه شرائح كبيرة من الطبقة الوسطى اليوغوسلافية إلى خارج بلادها. ولكن في النهاية كانت التكاليف للقيادة السياسية في بلگراد أكثر من طاقتها على الاحتمال، وهو ما جعلها ترضخ لإرادة المعاقبين (بكسر القاف) وتضغط بالتالى على صرب البوسنة للقبول باتفاقات دايتون للسلام. ولأن يوغوسلافيا المنهكة اقتصادياً وعسكرياً والمفتتة جغرافياً لا يمكن مقارنتها بالوضع الإيرانى الآن، فلا يمكن التكهن تماماً بمقدار الشرعية التى سيخسرها النظام السياسى في إيران، إذا ما تم فرض عقوبات عليه، ومن ثم لا يمكن تقدير حجم "الإرغام" الممارس عليه لتغيير سياساته من أجل الاحتفاظ بالسلطة. وبالإضافة إلى ذلك فمن الواضح قوة ارتباط الجماهير الإيرانية بالمشروع النووى، بشكل يقارب ربما ارتباط المصريين بمشروع السد العالى في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى. الأكيد أنه في حال فرض حظر نفطى على إيران فإن أسعار هذه السلعة الاستراتيجية ستقفز قفزات نوعية وغير مسبوقة بما يؤثر سلباً على الاقتصاد العالمى. فإيران هى رابع أكبر مصدر للنفط في العالم مما يضعها في موقع استثنائى بالسوق العالمية للطاقة، وينزع من الحظر النفطى أية أفق سياسى حقيقي.

صحيح أنه لا توجد دولة واحدة من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن تدعم إيران تماماً في مساعيها لامتلاك التكنولوجيا النووية، وأيضاً لا تؤيد أى دولة منها وبأى شكل من الأشكال حصول إيران لاحقاً على أسلحة نووية، ولكن هناك الحسابات الجيو-استراتيجية التى تؤثر في موقف كل دولة من الدول الخمس الكبرى. لذلك ربما يراهن صناع القرار في إيران على فيتو صينى في مجلس الأمن ضد إقرار العقوبات الاقتصادية على إيران، وذلك لأن الصين هى ثانى أكبر مستهلك للنفط في العالم، وتتبع منذ العام 1993 سياسة نشيطة لتأمين لطاقة، وهى السياسة التى وجدت تعبيرها بالاستثمار في دول نفطية مثل فنزويلا وإيران. وحتى عام 2003 استوردت الصين 13 بالمئة من احتياجاتها النفطية من إيران، وفى العام الذى تلاه وقعت الصين عقداً مع إيران لتوريد الغاز بقيمة تتعدى 100 مليار دولار، وهو ما أطلق عليه "صفقة القرن". وإجمالاً فإن فرض حظر نفطى واستثمار في قطاع النفط كجزء من حزمة "العقوبات الاقتصادية" على إيران هو إجراء عنيف يصعب أن يحظى بإجماع دولى، نظراً لعدم تناسب العقوبة مع التهديد الذى يمثله برنامج إيران النووى.

العقوبات المالية

في 1995، فرضت الولايات المتحدة حظراً على المبيعات المباشرة وأعمال الصيانة لطائرات إيران. في الصورة: بوينگ 747-100 تملكها إيران إير، مشتراة في 1975.

على النقيض من الحظر النفطى كجزء من العقوبات التجارية والاستثمارية يمكن توقع قبولاً دولياً أوسع لشكل آخر من العقوبات الاقتصادية على إيران وهو العقوبات المالية، التى تستهدف أساساً مصالح الشرائح التجارية والصناعية العليا هناك. وبجانب تجميد الودائع الحكومية وودائع الشركات والأفراد الذين يحملون جنسية الدولة المعاقبة، تعد عملية عرقلة نفاذ الاستثمارات إلى ذات الدولة ركناً هاماً من أركان العقوبات المالية. كما يتضمن هذا النوع من العقوبات تصعيب الشروط الخاصة بإعادة الجدولة للديون المستحقة على البلد المعاقب، وهو ما يزيد من أزمة ديونها الخارجية ويضغط بشدة على صناعة القرار الاقتصادى فيها، وكذلك على احتياطاتها من العملات الصعبة، التى سوف تستهلك في دفع الفوائد والأقساط لسداد ديونها الخارجية. وفى ذات السياق يمكن النظر إلى إيقاف الدول الصناعية لقروض التصدير التى تمنحها لشركاتها الوطنية في حال كانت الصادرات متجهة إلى الدولة المعاقبة. وقروض التصدير هى تسهيلات تقدمها الدول لشركاتها الوطنية لتنشيط الصادرات في صورة قروض حتى تحصيل أثمان بضائعهم من البلد المستورد، وهو ما يستهدف تعظيم القدرات التنافسية لشركات هذه الدول أمام الشركات المنافسة من دول أخرى، ولكنه يعطى في ذات الوقت جاذبية خاصة للبلد المستورد عند المصدرين. وبإيقاف هذا النوع من القروض الممنوحة للصادرات المتجهة إلى البلد المستهدف بعقوبات، يجد المصدرون أنفسهم في وضع يفتقد إلى المزايا الممنوحة لهم في حال قاموا بالتصدير إلى بلد غير معاقب فيتوقفوا عنه. وتتضمن حزمة هذا النوع من العقوبات أيضاً رفع العملة الوطنية للبلد المعاقب من لائحة المبادلات النقدية الدولية، والإجراء الأخير لا يصعب عملية المبادلات التجارية بشدة فقط، ولكنه يمس أيضاً بسمعتها الاقتصادية الدولية. وعلى النقيض من العقوبات التجارية والاستثمارية يتميز هذا النوع من العقوبات المالية بأنه لا يحتاج إلى غطاء دولى من مجلس الأمن، إذ هو عبارة عن إجراءات عدائية تجاه الدولة المعنية، ولكنها لا تمثل خرقاً واضحاً لنصوص القانون الدولى. فهذه الإجراءات يتم اعتمادها من الدول الصناعية فرادى، في عمليات متكررة ودورية، للضغط بأحدهاعلى صناع القرار في دول العالم الثالث بغية دفعهم للاستجابة لمطالب محددة. والأمثلة التاريخية تستعصى على الحصر من فرط شيوعها في العلاقات الدولية، ولكن الجديد هنا هو ربط هذه الإجراءات كلها ونظمها معاً في سلسلة لا تنفصم، وباشتراك أكثر من دولة وليس دولة واحدة فقط، وذلك لجعلها بمثابة عقوبات، وهو ما يتوقع أن تحاوله الدول الغربية مع إيران. ولكن العقوبات المالية في حالة إيران لن تكون مؤثرة بالقدر الذى ربما تكون عليه في حالات دول آخرى، إذ أن سعر النفط المرتفع منذ العام 2005 جعل طهران تبنى احتياطات نقدية كبيرة في مواجهتها النووية، تلك التى استعدت لها حتى قبل انتخاب محمود أحمدى نجاد في ذلك العام. كما أن طهران ليست زبوناً مستديماً على أبواب المؤسسات الدولية للاقتراض منها. صحيح أن الدول الصناعية السبع الكبرى منعت البنك الدولى من تقديم قروض لإيران، إلا أن الحجم الصغير لهذه القروض جعل الأبعاد السياسية والاقتصادية في أضيق الحدود بحيث لم تتجاوز الدلالات الرمزية لهذا المنع. ومن المفيد في هذا السياق ملاحظة أن طهران لم تتقدم بأية طلبات للحصول على قروض من صندوق النقد الدولى، وحتى الآن اكتسبت إيران سمعة دولية جيدة كبلد مستورد وسوقاً لتصريف المنتجات الصناعية ذات الجودة العالية، وبالتالى فإن منع قروض التصدير عن الشركات الأوروبية الراغبة في التصدير لإيران سوف يمس هذه الشركات أولاً وقبل أن يمس إيران. ولأن التومان الإيرانى عملة غير قابلة للصرف الكامل دون وسائط حسابية أخرى في الأسواق العالمية- مثله في ذلك مثل كل عملات الدول العربية غير النفطية- فإن رفع التومان الإيرانى من لائحة المبادلات الدولية سوف يمس العملة الإيرانية ولكن في حدود. لكل هذه الأسباب لا يتوقع للعقوبات المالية أن تؤتى ثمارها مباشرة، أو أن تؤثر سريعاً على حسابات صنع القرار السياسى الإيرانى، ولكن هذه الحزمة من الإجراءات بالترافق مع "العقوبات الذكية" ستكون مؤثرة على المدى المتوسط.

العقوبات الذكية

وزراء خارجية ألمانيا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وروسيا والصين يجتمعون لمناقشة البرنامج النووي الإيراني، في برلين، مارس 2006.

تستهدف "العقوبات الذكية" بالأساس قطاعات النخبة في البلد المعنى من طريق ضرب مصالحها، ودفع هذه النخبة للضغط على نظامها السياسى. ولذلك لا تصطدم "العقوبات الذكية" في المرحلة الأولى بجماهير البلد المعاقب، وهو ما يوفر لها مزية لا تتوافر لدى العقوبات الاقتصادية الاعتيادية. وهذه المزية تتلخص في الحيلولة دون استثمار النظام للعقوبات الاقتصادية، وتحويلها إلى أداة لربط الجماهير بالمشروع السياسى للنظام. و"العقوبات الذكية" تؤثر بالتالى على النظام ككل وعلى أجنحة معينة فيه، بحيث تضغط عليه أو تحجب تأييدها عنه. ولكن هذا النوع من العقوبات يتطلب- شأنه شأن باقى أنواع العقوبات- تنسيقاً دولياً على الصعيد التقنى والسياسى، وهو ما سيكون متاحاً إذا ما تغطت بغطاء الشرعية الدولية عبر قرار من مجلس الأمن. ويمكننا أن نتصور أيضاً أن حزمة "العقوبات الذكية" ستتضمن إيقاف تصدير المنتجات التكنولوجية المتطورة إلى إيران، بحجة أنها ستسخدم لأغراض عسكرية أو نووية، على مثال الحظر الذى فرضه العالم الغربى على دول الكتلة الشرقية إبان الحرب الباردة. ومروراً بحظر هبوط الطائرات الإيرانية المدنية في مطارات العالم المختلفة والتضييق على خطوط ملاحتها البحرية. وفى السياق نفسه يمكن تصور الإقدام على منع الفرق الرياضية الإيرانية المختلفة من المشاركة في البطولات العالمية المختلفة، للتأثير على الرأى العام الإيراني ونخبته. ومن الممكن أن يتضمن هذا النوع من العقوبات أيضاً وضع أفراد من النخبة الإيرانية على القائمة السوداء للدخول إلى دول العالم المختلفة، وهذا المنع له مغزى سياسي من الطراز الأول وهو أن سياسة إيران النووية تتسبب في عزلتها الدولية. وعلاوة على كل ذلك يقدر هروب رأس المال –طبقاً لتقديرات خبراء أوروبيين- بحوالى 3 مليار دولار سنوياً، وهو ما يعنى دلالتين على مستوى عال من الأهمية في هذا السياق. إذ أن ذلك يعنى من ناحية عدم اطمئنان شريحة البورجوازية التجارية في البازار، إلى مناخ الاستثمار في بلدها. ومن ناحية أخرى يشى ذلك بدرجة الارتباط العضوى العالية نسبياً بين "البازار" وبين مراكز الرأسمالية العالمية التى تهرب إليها المليارات الإيرانية سنوياً. فالبازار، المعادى تاريخياً لنفاذ الصادرات الأجنبية إلى الأسواق الإيرانية، قد قام بتمويل ثورتى إيران في القرن العشرين الثورة الدستورية في العام 1905 والثورة الإسلامية في العام 1979 بسبب استسلام السلطة السياسية القاجارية والبهلوية أمام رأس المال العالمى ومنتجاته الصناعية. وبالرغم من ذلك فإن حجم هروب رأس المال من إيران يشير إلى أن عداء البازار لرأس المال العالمى هو عداء في حدود، إذ يأتمن البازار الأخير على أرصدته المستقرة في عواصمه، ولكنه لا يريد منافسته فقط في الأسواق الإيرانية. بمعنى آخر فإن الطابع "الجذرى" للبازار في معاداة الغرب، والذى صار من المسلمات في الأدبيات السياسية الإيرانية منذ الثورة الإسلامية، هو أمر نسبى. والبازار له فعله التاريخى في التأثير على البنى الاجتماعية والسياسية في إيران، إذ كانت العناوين الكبرى للنظام السياسى الإيرانى، ومازالت، مثل تنويعات سياسية على لحن اقتصادى-اجتماعى بازارى بإمتياز. ولأن مصالح البازار تتضرر تاريخياً من جراء فتح الأسواق الإيرانية أمام السلع الأجنبية التى تهدد مثيلاتها الوطنية، فقد كانت سياسات الحماية الجمركية علماً على مجمل السياسات الاقتصادية الإيرانية منذ قيام "جمهورية إيران الإسلامية" وحتى الآن. ولهذا يمكن رؤية مصالح البازار بيرقاً ينتظم خلفه رجالات الدولة الإيرانية على اختلاف أصولهم الاجتماعية، وعليه فإن البورجوازية التجارية الإيرانية هى ركن أساسى في التحالف الإيرانى الحاكم؛ المكون منهم ومن طبقة رجال الدين. تأسيساً على هذه الخلفية يمكن توقع أن هذا النوع من العقوبات سيضغط بالفعل على مصالح البازار وأرباحه وودائعه، ويؤثر سلباً بالتالى على تناغم جناحى النظام الإيرانى، بما يحدث تناقضات متأسسة على المصالح بين جناحيه، ولكن هذه التناقضات تحتاج إلى الوقت لإنضاجها، ناهيك عن تفعيلها واستثمارها.

وبسبب الإشكالات المتولدة عن كل نوع من العقوبات الاقتصادية، يمكن اعتبار أن "العقوبات الذكية" هى الاحتمال الأكثر واقعية في البداية لممارسة الضغوط على طهران. ولكن "العقوبات الذكية" بالرغم من ظهورها كوسيلة أكثر احتمالا ليست سوى أداة للسياسة الخارجية، بحيث لا يمكن اعتبارها بديلاً عن استراتيجية واضحة للتأثير على القرار السياسى الإيرانى. وإن تمثل الهدف النهائى للعقوبات بأنواعها المختلفة في القدرة على دمج الهدف السياسى الاستراتيجى أى التأثير على القرار السياسى، ودمج العقوبات به وجعلها أداة له؛ فإن استخلاص دروس الماضى له أهمية استثنائية في هذا السياق. وإذا ما تم التفكير بفرض إجراءات إجبارية على إيران يجب أن يكون التهديد –بناء على المنطق الاستراتيجى- واقعياً وممكناً بحيث لا يضرب مصالح أطراف دولية. وهنا يظهر بوضوح أن الإجماع الدولى هو الشرط الأساس لنجاح هذه العقوبات في التأثير على قرار طهران السياسى. ومثال العقوبات الاقتصادية التى تفرضها واشنطن منذ عام 1980 على طهران يزيد من ثقل هذه الفرضية، إذ كانت نتيجة الحصار الأمريكى أن إيران استوعبته وفتحت نوافذ خارجية آخرى على الأقطاب الدولية المختلفة، مما جعل الشركات الأمريكية هى المتضرر الأساسى من عقوبات حكوماتها على إيران، وبالتالى فلم تستطع السياسة الأمريكية بمفردها في التأثير على معادلات الربح والخسارة الإيرانية بشكل يدفع طهران لتغيير سياستها. وتقلص تأثير الحصار الاقتصادى الأمريكى، طبقاً لتقديرات واقعية، في حدود خسارة إيرانية تقدر بما بين 1 بالمئة إلى 3,6 بالمئة فقط من إجمالى الناتج المحلى الإجمالى الإيرانى خلال الفترة من 1998 وحتى 2001. ولا يمكن تصور نجاح للعقوبات الاقتصادية –بغض النظر عن نوعها- في إجبار النظام الإيرانى على تغيير سياسته النووية بدون مشاركة أوروبا وروسيا والصين.

التأثيرات

قالت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية إن سوء إدارة الحكومة الإيرانية للاقتصاد والعقوبات الدولية على إيران بسبب برنامجها النووي تسبب في ارتفاع كبير في معدل التضخم في البلاد. وأضافت أن بدء تنفيذ العقوبات الأمريكية الجديدة في يوليو 2012، ضد إيران تستهدف خفض صادرات النفط الإيراني سيزيد من سوء وضع الاقتصاد الإيراني.

ونتيجة لتلك العقوبات فقد الريال الإيراني نصف قيمته مقابل العملات الأخرى في 2011، كما ارتفعت أسعار السلع الاستهلاكية بصورة كبيرة. ويقول اقتصاديون إن أسعار السلع ارتفعت بأكثر من المستوى المعلن رسميا وهو 25% بينما ارتفع سعر الخبز 16 ضعفا منذ رفع الدعم الحكومي عنه في عام 2010.

وقالت الصحيفة إن ضعف قدرة إيران على بيع النفط وهبوط احتياطيات البلاد من العملات الأجنبية والسياسات الخاطئة التي ينفذها الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد كلها تخلق بيئة تفرض على المواطنين والبنوك والشركات والمؤسسات الحكومية السعي لحماية نفسها إما عن طريق تحويل العملة الإيرانية التي يملكونها إلى دولارات أو الاستثمار في أصول عقارية.[5]

ويقول اقتصاديون إن العقوبات الغربية منعت إيران من الحصول على احتياطيات النقد الأجنبي الذي تحتاجه لدعم عملتها. ويضيف هؤلاء أن معظم الضرر الذي لحق بالاقتصاد كان سببه الطفرة في الواردات التي حدثت بعد زيادة أسعار النفط في 2005.

ومع هذه الزيادة اضطر المنتجون الإيرانيون المحليون إلى إغلاق المصانع وتسريح العمال مما جعل البلاد أكثر ضعفا في مقابل العقوبات الغربية. فقد حولت الشركات التي كان من المفترض أن تساعد في إنتاج السلع التي تشملها العقوبات أعمالها إلى قطاع الإنشاءات والمضاربات والعقارات والمواد الخام.

وقالت نيويورك تايمز إنه حتى بالنسبة لموظفي الحكومة فقد أصبحت وظائفهم غير آمنة. وذكرت أن أحد مسؤولي الحرس الجمهوري اعترف في مقابلة نشرت يوم الخميس الماضي مع صحيفة صبح إي صادق أن الحكومة أصبحت تتأخر في دفع مرتبات الجنود.

واتهم المسؤولون الحكوميون والمشرعون الإيرانيون الغرب في التسبب بالمشكلات الاقتصادية الإيرانية. واتهم علي لارجاني رئيس البرلمان الحكومة في الأسبوع الماضي بالإخفاق في اتخاذ الإجراءات الكفيلة بمواجهة السياسات العدائية التي تواجهها البلاد.

وقالت الصحيفة إن العديد من الاقتصاديين يعتقدون أنه حتى بدون العقوبات فإن إيران كان من الممكن أن تواجه مشكلات كبيرة مثل ارتفاع التضخم الناتج عن إنفاق أموال النفط، والدعم الحكومي للمواد الغذائية والمحروقات الذي يثقل كاهل الموازنة ويشجع على الاستهلاك، إضافة إلى انكماش القاعدة الصناعية في البلاد.

وقال اقتصادي إيراني إن الكثير من أساسيات الاقتصاد الإيراني دمرت خلال الأعوام الماضية.


العقوبات بعد الاتفاق النووي

دخول العقوبات الأمريكية على إيران موضع التنفيذ بشقها الأول، وثمة حزمة أخرى في الـ5 من نوفمبر/تشرين الثاني الحاليّ تستهدف صادرات النفط الإيرانية، وقد تكون الأشد قسوة وإضرارًا بالاقتصاد الإيراني، وثمة أيضًا مأزق كبير في إيران قد يؤدي إلى انهيار النظام كما يذهب "صقور" البيت الأبيض، أو على الأقل لإجبار طهران على طلب التفاوض بشروط ترامب كاملة.

ومع اقتراب موعد تطبيق الحزمة الثانية من العقوبات الأمريكية، بدأت حكومة الرئيس حسن روحاني في اتخاذ إجراءات استباقية تحاول من خلالها تخفيف وطأة هذه العقوبات، لكن ثمة عقبات عديدة ما زالت تقلص من قدرة الحكومة على تمرير خططها لمواجهة العقوبات.[6]

ماذا ينتظر إيران

تأتي الحزمة الجديدة من العقوبات الأمريكية عقب قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 8 من مايو/أيار الماضي انسحاب بلاده من الاتفاق النووي مع إيران المبرم عام 2015 الذي يقيد البرنامج النووي الإيراني، حينها أصدرت وزارة المالية الأمريكية قائمة عقوبات ضمن جدول زمني لإعادة فرض العقوبات على إيران، إضافة إلى فرض العقوبات على الشركات المرتبطة بعلاقات تجارية معها.

Cquote2.png يُنظر للحزمة الثانية من العقوبات باعتبارها "الأكثر إيلامًا للاقتصاد الإيراني"، لأنها تتعلق بصادرات النفط التي تمثل خُمس اقتصاد إيران Cquote1.png

تضمن الجدول الزمني تطبيق العقوبات على مرحلتين، بدأت الأولى عقب انقضاء مهلة الـ90 يومًا في الـ6 من أغسطس/آب الماضي لمنح الشركات فرصة لإنهاء معاملاتها، وشملت عقوبات هذه المرحلة معاقبة القطاع الصناعي الإيراني مثل قطاع الطيران، بما يتضمنه من سحب تراخيص التصدير من شركات الطيران المدني إلى إيران بما فيها "بوينغ" و"إيرباص"، إضافة إلى قطاع السيارات الإيراني والقطاع المصرفي.

وهناك عقوبات على قطاعات التعاملات المالية تخص شراء الدولار الأمريكي أو حصولها على احتياطي منه، إضافة إلى المعاملات المالية المتعلقة بشراء أو بيع الريال الإيراني أو الاحتفاظ بأموال أو حسابات بنكية بالريال خارج إيران، كما تشمل العقوبات البيع المباشر أو غير المباشر لإيران من مواد الغرافيت والألمنيوم والحديد والصلب والمعادن الثمينة.

العقوبات سوف تساهم في تصعيد حدة الأزمة الاقتصادية الداخلية التي تواجهها.

لكن الأكثر تأثيرًا وخطرًا هي الحزمة الثانية التي تخص قطاع النفط، وستدخل حيز التنفيذ بعد 180 يومًا من الحزمة الأولى، أي في 5 نوفمبر الحاليّ، وتشمل فرض قيود على التعاملات المتعلقة بقطاع النفط، إضافة إلى قيود على التحويلات المالية بين المؤسسات المالية الأجنبية والبنك المركزي الإيراني وخدمات الاكتتاب والتأمين، كذلك هناك عقوبات على قطاع الموانئ الإيرانية والسفن ومصانعها.

ويُنظر للحزمة الثانية من العقوبات باعتبارها "الأكثر إيلاماً للاقتصاد الإيراني"، لأنها تتعلق بصادرات النفط التي تمثل خُمس اقتصاد إيران، وتهدف إلى وقف مبيعات النفط الخام لفرض أقصى درجات الضغط الاقتصادي على إيران، علمًا أن دولًا مثل الصين والهند وتركيا أعلنت أنها غير مستعدة لتنفيذ رغبة ترامب، وأنها لن تتوقف بشكل كامل عن شراء النفط الإيراني.

ووفقًا لما كتبه وزير الخارجية الأمريكي مايك پومپيو في مقاله المعنون "مواجهة إيران: إستراتيجية إدارة ترامب" المنشور بدورية الشؤون الخارجية Foreign Affairs"" في عددها عن شهري نوفمبر وديسمبر، فإن إدارة ترامب تهدف إلى جعل الواردات العالمية من النفط الخام الإيراني قريبة من الصفر بقدر الإمكان بحلول الـ4 من نوفمبر/تشرين الثاني.

Cquote2.png قرار ترمب سيجعل الشركات الأوروبية والأجنبية تحت طائلة العقوبات الأمريكية إذا أبقت معاملاتها مع إيران Cquote1.png

ومن المقرر أن يكون للقرار مزيد من التداعيات السلبية على الشركات الأوروبية والأجنبية التي تتعامل مع إيران، إذ إن قرار ترمب سيجعل تلك الشركات تحت طائلة العقوبات الأمريكية إذا أبقت معاملاتها مع إيران، وهذا سيشمل شركات عملاقة مثل "إيرباص" و"توتال" و"فولكسڤاگن" التي دخلت السوق الإيرانية بعد توقيع الاتفاق النووي.

يعني هذا خسارة هذه الشركات عقودها المقدرة بمليارات الدولارات، فشركة "توتال" خسرت عقدًا بقيمة 5 مليارات دولار كانت قد أبرمته لتطوير حقل غاز "بارس"، كما أن "فولكسڤاگن" الألمانية أُجبرت على الاختيار بين إيران أو السوق الأمريكية ثاني أكبر سوق لها في بيع السيارات.

وتهدف الإدارة الأمريكية من إعادة فرض العقوبات على النظام الإيراني إلى ممارسة حملة "ضغط قصوى" على طهران لإرغام النظام الإيراني على الجلوس إلى طاولة التفاوض، ولكن هذه المرة ليست للتفاوض بشأن البرنامج النووي الإيراني فقط كما حدث خلال إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، ولكن على البرنامج الصاروخي الإيراني ودور طهران الإقليمي المزعزع للاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، ووقف مصادر التمويل التي يستخدمها النظام وبخاصة الحرس الثوري الإيراني.

تحركات إيرانية لمواجهة الحزمة الأكثر إيلامًا

ترتب إيران أوراقها السياسية والاقتصادية تحسبًا للعقوبات الأمريكية المقبلة، فقد أعلنت منذ الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي أنها ستتخذ إجراءات على المستويين الداخلي والخارجي للتصدي للعقوبات، بعد أن طلبت الولايات المتحدة من حلفائها وقف جميع واردات النفط الإيراني ابتداءً من نوفمبر/تشرين الثاني، فهي وإن قللت عبر مواقف مسؤوليها من أهمية هذه العقوبات، لكنها تعلم أن مرحلة ما بعد العقوبات لن تكون سهلة على الاقتصاد والداخل الإيراني.

بعد أيام قليلة من سريان حزمة العقوبات الأولى، تم توقيع اتفاق جديد بخصوص الوضع القانوني لبحر قزوين وكيفية استغلال ثرواته

داخليًا، لم يجد الرئيس الإيراني حسن روحاني صعوبة في إجازة البرلمان وزرائه الـ4 الجدد، ويكون بذلك قد أقدم على خطوة لطالما انتظرها كثيرون، وهي تغيير فريقه الاقتصادي، ولم يجادل البرلمان كثيرًا لمنح الثقة لكل من وزراء الاقتصاد والصناعة والعمل والطرق والمواصلات، فربما لا يريد أن تبقى المقاعد في حكومة روحاني خالية والبلاد مقبلة على مرحلة جديدة من العقوبات الأمريكية.

نالت حكومة الرئيس روحاني إذًا ما أرادت من البرلمان، لكنها تعلم أن مرحلة ما بعد حزمة العقوبات الأمريكية المقبلة لن تكون سهلة، خاصة أن تلك العقوبات سوف تساهم في تصعيد حدة الأزمة الاقتصادية الداخلية التي تواجهها، التي لم تنجح الإجراءات الحكومية في تقليص تداعياتها خلال المرحلة الماضية، لذلك اتجهت إيران نحو رفع مستوى علاقاتها الثنائية مع بعض دول الجوار مثل باكستان وتركيا ودول بحر قزوين.

وقد بدأت التحركات الإيرانية مبكرًا، فبعد أيام قليلة من سريان حزمة العقوبات الأولى تم توقيع اتفاق جديد بخصوص الوضع القانوني لبحر قزوين وكيفية استغلال ثرواته، وقضت الاتفاقية - التي وُقعت خلال القمة الخماسية التي عقدت في قزخستان - بأن تكون المنطقة الرئيسية لسطح بحر قزوين متاحة للاستخدام المشترك، وتقسيم الطبقات السفلية إلى أقسام متجاورة بالاتفاق فيما بين الدول الخمس على أساس القانون الدولي، وتحدد الاتفاقية الحكم المتعلق بمنع وجود أي قوات عسكرية لقوى أجنبية دولية أو إقليمية في البحر.

قمة قادة الدول الخمس المطلة على بحر قزوين خلال توقيع الاتفاق على كيفية استغلال ثرواته. 2018 في مدينة آقطاو، قزخستان.

وعلى نحو يشير إلى أنها تحاول استباق بدء تفعيل الحزمة الثانية من العقوبات الأمريكية، بدا حرص إيران على تطوير علاقاتها مع الكثير من الدول جليًا في المسارعة إلى فتح قنوات تواصل مع حكومة عمر خان، فقد كانت إيران من أولى الدول التي رحبت بوصول عمران خان إلى رئاسة الحكومة الباكستانية، حيث سارعت إلى إيفاد وزير الخارجية محمد جواد ظريف إلى إسلام أباد لإجراء مباحثات مع خان والمسؤولين الباكستانيين في 30 من أغسطس/آب 2018.

وكان لافتًا أن تلك المباحثات تركزت على قضايا لا تنفصل عن جهود إيران لاحتواء تداعيات العقوبات الأمريكية، على غرار التعاملات المصرفية الثنائية ومشروعات نقل الطاقة من إيران إلى باكستان خاصة الغاز، والمشاركة في تطوير الموانئ لا سيما تشابهار وغوادار، إلى جانب الملف الأمني.

وعلى نحو انعكس في تأكيد طهران وقوفها إلى جانب أنقرة ومطالبتها الولايات المتحدة الأمريكية بـ"وقف إدمانها للحظر"، زار وزير الخارجية محمد جواد ظريف أنقرة وعقد اجتماعًا مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ووزير الخارجية مولود تشاويش أوغلو في 29 من أغسطس/آب الماضي، قبيل القمة الثلاثية التي سوف تجمع أردوغان مع الرئيسين الإيراني حسن روحاني والروسي فيلاديمير بوتين في إيران في 7 من سبتمبر/أيلول الماضي.

قال موقع وزارة النفط الإيرانية "شانا" إن إيران بدأت بيع النفط الخام لشركات خاصة من أجل تصديره، بعد أن أعلنت ذلك في يوليو/تموز الماضي

كما شهدت أروقة الأمم المتحدة موقفًا آخر تمثل في تحرك الاتحاد الأوروبي إلى جانب روسيا والصين لتأكيد التزام هذه الدول بالاتفاق النووي الإيراني رغم انسحاب الولايات المتحدة منه، وإعلان آلية جديدة لتسهيل المعاملات المالية المشروعة مع إيرانللرد على العقوبات الأمريكية، في خطوة تشكل ضربة قاسية للولايات المتحدة عشية خطاب ترامب في الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وفي إطار إستراتيجية مواجهة العقوبات التي سيبدأ سريانها بعد أيام قليلة، قال موقع وزارة النفط الإيرانية "شانا" إن إيران بدأت بيع النفط الخام لشركات خاصة من أجل تصديره، بعد أن أعلنت ذلك في يوليو/تموز الماضي، وتهدف إيران بهذه الخطوة إلى تعزيز قيمة نفطها داخل البلاد وضمان تدفق السيولة قبل الحزمة الثانية من العقوبات التي تستهدف النفط.

تنتظر إيران إذًا عقوبات تطال قطاعها المصرفي والنفطي، ما اضطرها مؤخرًا إلى بيع نفطها الخام الذي عرضته للمرة الأولى في بورصة طهران للطاقة بسعر أقل من السعر الذي حددته الوزارة بسبب عدم إيجاد زبائن للشراء، وتعد إيران ثالث أكبر منتج للبترول في منظمة الدول المصدر للنفط "أوبك" بـ3.45 مليون برميل يوميًا، وبمتوسط صادرات 2.1 مليون برميل يوميًا.

عقبات في مواجهة العقوبات

هناك عقبات عديدة تضع حدودًا للنتائج المحتملة التي ربما تحققها الإجراءات الإيرانية خلال المرحلة القادمة، وترتبط هذه العقبات بحدود التغييرات المحتملة التي قد تجريها إيران في سياستها إزاء بعض القضايا الرئيسية التي تحظى باهتمام خاص من جانب الدول الأوروبية، فضلًا عن تأثير الضغوط الأمريكية المحتملة على بعض الأطراف، والتكلفة العالية التي سيتحملها مستوردو النفط الإيراني في إطار بحثهم عن بدائل له.

وهناك أيضًا عقبات ما زالت تقلص من قدرة الحكومة على تمرير خططها لمواجهة العقوبات، يتمثل أبرزها - بحسب مركز المستقبل للأبحاث ودراسات المتقدمة - في محاولات النظام تفعيل أدوار بعض المؤسسات المُعيَّنة التي تمتلك سلطات رقابية على برامج الحكومة مثل مجلس تشخيص مصلحة النظام، ومواصلة استجواب وزرائها مثل وزيرى الداخلية والثقافة والإرشاد في بعض القضايا الأمنية والثقافية.

الشارع الإيراني غير مهتم كثيرًا بتغيير أسماء في الحكومة بقدر اهتمامه بعمل الحكومة ذاته، وما يهمه بالدرجة الأولى ألا يكون هو المستهدف في صراع الإرادات بين طهران وواشنطن

وبتغييرها الحكومي الذي جرى مؤخرًا لا تريد إيران أن يتعثر نشاط بنوكها وتعاملاتها المالية مع الخارج أو تتوقف مبيعات نفطها، في وقت يواجه فيه النظام حالة من السخط الشعبي بسبب تردي الأوضاع المعيشية، لكن يبدو أن الشارع الإيراني غير مهتم كثيرًا بتغيير أسماء في الحكومة بقدر اهتمامه بعمل الحكومة ذاته، وما يهمه بالدرجة الأولى ألا يكون هو المستهدف في صراع الإرادات بين طهران وواشنطن.

ويدرك الإيرانيون أن الحقيقة أكثر قسوة مما توحي به تعهدات الأوربيين الذين يقفون ضد عقوبات ترامب التي يعتبرونها فعلًا أحاديًا ليسوا ملزمين به، فكثيرًا ما تقول بروكسل ما ترغب طهران في سماعه، لكن الشركات الأوروبية الكبرى قد لا تحبذ المجازفة باختبار صدق النوايا السياسية لدى أي من الأطراف، والإجراء الأكثر أمنًا بالنسبة لها هو الانسحاب من السوق الإيرانية وبسرعة.

يدرك الأيرانيون أن الحقيقة أكثر قسوة مما توحي به تعهدات الأوربيين

فعلت ذلك سلفًا شركات فرنسية وألمانية كبرى دون أن تلتفت إلى تطمينات القادة الأوروبيين الذين أكدوا إصرارهم على حماية شركاتهم التي تتعامل مع إيران، فالسوق الأمريكية بالنسبة لها أهم، وهي لن تغامر بخسارة عشرات المليارات سنويًا من سوقها الأمريكي مقابل بضعة مليارات من إيران.

وهناك دائمًا ما هو أكثر تعقيدًا، فحظر شراء الدولار المفروض على إيران يزيد من تعقيد أي تعاملات لأي شركة أوروبية كبرى قد ترغب في تحدي العقوبات الأمريكية والإصرار على التعامل مع طهران، خاصة أن ذلك يتزامن مع ما يشبه انهيار الريال الإيراني الذي خسر أكثر من ثلثي قيمته خلال الشهور الـ6 الأخيرة.

وعلى المستوى الخارجي تدرك طهران أنه لا يمكن التعويل في الفترة الحاليّة على مدى قدرة حكومة عمر خان في باكستان على الاستمرار في تنفيذ المشروعات الثنائية الخاصة بنقل الطاقة والتعاملات المصرفية الثنائية خلال مرحلة ما بعد تفعيل الحزمة الثانية من العقوبات الأمريكية في 4 من نوفمبر/تشرين الثاني القادم، حيث إن موقعه الجديد سوف يفرض عليه خيارات محددة.

لا يبدو أن الجهود التي تبذلها إيران لرفع مستوى علاقاتها الثنائية مع بعض دول الجوار سوف تنتج تداعيات إيجابية قوية قد تعزز من قدرتها على احتواء تأثيرات العقوبات

كما أن محاولات إيران استثمار التوتر الحاليّ المتصاعد بين تركيا والولايات المتحدة تواجهها عقبة الخلافات المتصاعدة بشأن الموقف في إدلب، حيث ما زالت أنقرة حريصة على توجيه تحذيرات من عواقب التدخل العسكري من جانب روسيا وإيران والنظام السوري في إدلب، خاصة على صعيد تفاهماتها الأمنية المستمرة مع موسكو وطهران.

وعلى ضوء ذلك، لا يبدو أن الجهود التي تبذلها إيران لرفع مستوى علاقاتها الثنائية مع بعض دول الجوار سوف تنتج تداعيات إيجابية قوية قد تعزز من قدرتها على احتواء تأثيرات العقوبات التي بدأت الولايات المتحدة الأمريكية تفرضها، لا سيما أن الأخيرة تبدو حريصة على منع إيران من استخدام الآليات نفسها التي تبنتها في المرحلة السابقة للتعامل مع العقوبات الأمريكية والدولية التي تعرضت لها.


انظر أيضاً

المصادر

  1. ^ Ariel Zirulnick (24 February 2011). "Sanction Qaddafi? How 5 nations have reacted to sanctions: Iran". The Christian Science Monitor. Retrieved 13 February 2012. 
  2. ^ Solomon, Jay (26 June 2015). "Shift Clouds Iran Nuclear Deal". Wall Street Journal: A9. 
  3. ^ Wright, Steven. The United States and Persian Gulf Security: The Foundations of the War on Terror, Ithaca Press, 2007 ISBN 978-0-86372-321-6
  4. ^ "العقوبات الأميركية الجديدة ضد إيران". الجزيرة نت. 2012-07-02.  Text " url http://www.aljazeera.net/news/pages/0b7eb8ac-a537-4f8b-a428-35a1738b7359 " ignored (help);
  5. ^ "العقوبات تزيد الاقتصاد الإيراني سوءا". الجزيرة نت. 2012-07-02. Retrieved 2012-07-03. 
  6. ^ فريق التحرير (2018-11-03). "سيناريو تحركات إيران الاستباقية قبل العقوبات الأمريكية الجديدة". نون بوست. 
  • مصطفى اللباد، أجزاء من ورقة "إيران والنظام الدولي"، جامعة القاهرة، أبريل 2006.

وصلات خارجية

Videos