العلاقات الإيرانية السورية

العلاقات الإيرانية السورية
Map indicating locations of Iran and Syria

إيران

سوريا

العلاقات الإيرانية السورية، هي العلاقات الثنائية بين إيران وسوريا. تمثل العلاقات بين البلدين تحالفاً إستراتيجياً. عادة ما تسمى سوريا "بالحليف المقرب" لإيران،[1] رغم الاختلاف الأيديولوجي بين الأيدولوجيا القومية العربية التي يتبناها حزب البعث العلماني الحاكم في سوريا والسياسة الإسلامية التي تتبناها إيران. كانت إيران وسوريا حليفاً استراتيجياً منذ الحرب الإيرانية العراقية، عندما انحازت سوريا إلى جانب إيران-الغير عربية- ضد جارتها العراق التي يحكمها حزب البعث التي كانت معزولة من بعض الدول العربية.[2] تشارك البلدان في عدائهما المشترك للرئيس العراقي صدام حسين والتنسيق ضد الولايات المتحدة وإسرائيل. تتعاون سوريا مع إيران بإرسال الأسلحة للجماعات الفلسطينية وحزب الله في لبنان، منذ أن هاجمت إسرائيل سوريا.[3] أثناء الحرب الأهلية السورية قامت إيران، وروسيا، "بجهد موسع ومكثف ومتكامل للحفاظ على بقاء الرئيس السوري بشار الأسد في السلطة".[4] كما شكلت إيران، سوريا، العراق، وروسيا تحالفاً لمكافحة الإرهاب مركزه بغداد. تعتبر الولايات المتحدة والمملكة المتحدة كلاً من إيران وسوريا دولاً راعية للإرهاب وأدرجتهما ضمن محور الشر، نظراً لأنشطتهما الإرهابية المزعومة.[بحاجة لمصدر]

يأتي التحالف الإيراني- السوري على رأس أولويات مشروع إيران الإقليمي، فعن طريقه يمكن لطهران ربط سلسلة جغرافية متصلة من النفوذ الإقليمي تبدأ من غرب إيران مروراً بالعراق وصولاً إلى سورية، التي تنظم سلسلة النفوذ الإيراني وصولاً إلى لبنان والأراضي الفلسطينية المحتلة. وهذه الإطلالة الأخيرة باتت أحد الأوراق الممتازة بيد إيران لفرض حضورها الإقليمي سواء بحدود تماس مباشر مع إسرائيل، أو بضغط معنوي كبير على الدول العربية الرئيسية، خصوصاً في ظل تعثر عملية التسوية السياسية للصراع العربي-الإسرائيلي. ولأن إيران ترتبط تاريخياً وعقائدياً مع جبل عامل في لبنان، تمثل سورية أيضاً حلقة الوصل التي تربط لبنان الهام تاريخياً وعقائدياً واستراتيجياً وإعلامياً لإيران بسلسلة نفوذها الإقليمي. وهذه البراعة الإيرانية في نسج التحالفات سواء مع أحزاب تنطوي بالكامل تحت مظلة الشيطان الأكبر في العراق؛ أو مع أخرى تناصب واشنطن العداء العقائدي في لبنان، جعل جمعها للتناقضات الأيديولوجية في سياسة إقليمية تخدم مصالحها الوطنية مضرباً للأمثال ومثالاً يومياً على براغماتية سياسية قل نظيرها في منطقتنا. ولئن بدأ التحالف الإيراني- السوري دفاعياً محضاُ واستمر طوال الثمانينات والتسعينات منخرطاً أساساً في لبنان، إلا أن سقوط العراق وتصاعد نفوذ الحركات الإسلامية الراديكالية في الأراضي الفلسطينية المحتلة جعل إيران في مرحلة هجوم على التوازنات السائدة بالمنطقة باستخدام نفس التحالف ولكن لتحقيق أهداف متجددة.[5]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

خلفية تاريخية

قبل 1979

الرئيس السوري حافظ الأسد يلتقي نظيره الإيراني هاشمي رفسنجاني والمرشد الأعلى علي خامنئي لدى زيارة الأسد لإيران، 1 أغسطس 1997.

تصادمت فكرة القومية العربية التي سادت في دول المشرق العربي ومنها سورية طوال الخمسينات والستينات من القرن الماضي، مع فكرة القومية الفارسية الإمبراطورية التي اتخذها الشاه السابق محمد رضا بهلوي عنواناً أيديولوجياً لسياساته الخارجية عموماً وتجاه الدول العربية خصوصاً. وكان الخصام بين الدول العربية المتأثرة بالأفكار القومية حاداً مع المشروع الشاهنشاهي، على اعتبار أن الأخير مثل بالنهاية جزءاً من المنظومة الشرق أوسطية الموالية للغرب والمعادية لفكرة القومية العربية باعتبارها حركة تحرر وطني وقومي. وبعد وفاة الزعيم جمال عبد الناصر وظهور الفراغ الأيديولوجي والكاريزماتي في المنطقة، برز الصراع بين جناحي حزب البعث في كل من سورية والعراق ووصل إلى مراحل متقدمة من العداء في أواخر عقد السبعينيات. وكان الصراع البعثي-البعثي دافعاً قوياً لصانع القرار في دمشق كي يفتح نافذة جديدة على العلاقات السورية-الإيرانية بسبب أن دعم العلاقات مع إيران، من وجهة النظر السورية، سيضع العراق بين فكي كماشة، الأمر الذي يقلص من قدراته في المواجهة السياسية مع سورية. على هدي من هذه الفكرة تحول العداء الأيديولوجي الذي تبنته سورية تجاه إيران الشاهنشاهية رويداً رويداً إلى علاقات سورية-إيرانية موزونة بميزان الصراع مع العراق والوضع في المنطقة. وانعكست الخطوات السياسية بين سورية وإيران على العلاقات الاقتصادية بينهما، فتم التوقيع على اتفاق اقتصادي بين البلدين في العام 1974، وتتوج التقدم في العلاقات بزيارة الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد إلى طهران في ديسمبر من العام 1975. وفي هذا التوقيت كانت إيران قد فرغت من توقيع اتفاقية الجزائر مع العراق حول التنازلات المتبادلة في موضوعي حدود شط العرب ودعم الأكراد. وحتى سقوط الشاه في العام 1979 لم تبلغ العلاقات السورية-الإيرانية ما بلغته في العقود التالية، ولكنها مثلت مؤشراً هاماً على الإدراك السوري للثقل الإيراني في معادلات التوازن الشرق أوسطية، وعلى الرغبة الإيرانية الواضحة في تحجيم العراق وعلى تنويع علاقاتها الإقليمية. ويضاف إلى هذا العامل ظهور إمكانية للتعاون بين البلدين في الموضوع اللبناني، حتى قبل انتصار الثورة الإيرانية. وذلك نظراً للأهمية التاريخية التي أولتها إيران تاريخياً للبنان، حيث أعلن الشاه إسماعيل الصفوي في العام 1501 مذهب الشيعة الإثنى عشرية مذهباً رسمياً للدولة الصفوية. ولتكريس ذلك الهدف فقد استقطب الشاه إسماعيل الصفوي علماء المذهب من جبل عامل في لبنان، فارتبطت إيران وجبل عامل برباط تاريخي من يومها وحتى الآن. أما الشاه المخلوع محمد رضا بهلوي فقد استمر في سياسة الاهتمام بلبنان، ليس من زاوية الأبعاد العقائدية ولكن من زاوية توسيع النفوذ الإقليمي لإيران في المنطقة. وبعد ظهور الدور المتنامي للإمام موسى الصدر، الإيراني الأصل والجنسية والذي هاجر إلى لبنان عام 1957، ومساهمته الأكيدة في رص صفوف الطائفة الشيعية اللبنانية نحو المطالبة بحصة أكبر من الدولة اللبنانية، فقد برزت نقطة التقاء مشتركة بين كل من سورية، التي اعتبرت لبنان شأناً محلياً سورياً، وإيران الشاهنشاهية التي لم تتخل –مثلها مثل كل حكام إيران- عن طموحاتها الإقليمية. ومنذ بداية السبعينات كان لبنان ملتقى أطياف القوى السياسية الإيرانية، الإسلامية والقومية واليسارية، حتى أن شريحة واسعة من رموز الثورة الإيرانية ارتبطت تاريخياً بلبنان إقامة ونشاطاً سياسياً. ومن هذه الرموز القومية الإيرانية إبراهيم يزدي أول وزير للخارجية في حكومة الثورة والمتحدث بإسم الإمام الخميني أثناء الثورة، والسيد صادق قطب زاده وزير الخارجية الإيراني الذي أعدم بتهمة التحضير لانقلاب ضد الثورة. وكذلك الإسلاميين أمثال السيد صادق طباطبائي المتحدث باسم الحكومة الايرانية السابق وابن أخت موسى الصدر، والسيد مصطفى شمران وزير الدفاع في حكومة الثورة ومؤسس الحرس الثوري الإيراني، والسيد محمد منتظري ابن آية الله حسين علي منتظري، والسيد جلال الدين الفارسي المرشح المفضل للإسلاميين من رجال الإمام لرئاسة الجمهورية بعد انتصار الثورة، والسيد علي أكبر محتشمي أحد مؤسسي حزب الله لاحقاً والسفير السابق في دمشق.[5]


1979–1990

بعد انتصار الثورة الإيرانية تغيرت الموازين في المنطقة وتبدلت الأوراق، وسقط الشاه أكبر حلفاء إسرائيل والغرب لمصلحة سياسة إيرانية راديكالية أخذت في الظهور بالمنطقة. وتجلى الظهور الإيراني الجديد في المنطقة في معارضة الغرب والاتفاقية المصرية-الإسرائيلية للسلام، والتطلع للعب دور أكبر على الساحة الإقليمية. كانت هذه التطورات إيذاناً بظهور محور جديد في المنطقة ضم إيران وسورية وليبيا والجزائر واليمن الجنوبي ومنظمة التحرير الفلسطينية. ويمكن رؤية هذا المحور على خلفية رغبة سورية في الخروج من عزلتها المتنامية إثر إبرام القاهرة لاتفاقات كامب ديفيد، وما أدت إليه هذه الاتفاقية من اختلال في موازين القوى لغير مصلحة سورية. وفي نفس عام انتصار الثورة الإيرانية 1979، كانت العلاقات السورية العراقية قد بلغت أقصى انحداراتها، حيث اتهمت بغداد النظام السورى بتدبير محاولة انقلابية ضدها وحشدت قوات عسكرية على الحدود مع سورية. ساعتها أصبحت السياسة السورية في مأزق بسبب فقدانها للعلاقات مع مصر والعراق مرة واحدة، مما أفقد دمشق علاقاتها الإقليمية التي امتازت دوماً بتوظيفها لموازنة الحضور الإسرائيلي المتزايد بتحالفات معاكسة. ثم جاء الغزو العراقي لإيران في خريف العام 1980 ليزيد من ثقل سورية في العيون الإيرانية من الناحية الاستراتيجية. فمن الناحية الأيديولوجية الإعلامية كانت العلاقات مع سورية، من المنظور الإيراني، أكثر من هامة للحيلولة دون تحول الحرب العراقية-الإيرانية إلى حرب عربية-إيرانية أو حرب سنية-شيعية. وقامت سورية بإغلاق أنبوب النفط العراقي كركوك- بانياس وحرمت العراق من موارده المالية، وتسلمت بالمقابل نفطاً ايرانياً رخيصاً. كما أن الانحياز السوري مع العراق لو حدث، كان من شأنه تقويض المواقف الإيرانية، حيث أن ذلك كان سيؤدى إلى استكمال [لبنان]] الهامة عقائدياً واستراتيجياً لإيران. استفادت دمشق أيضاً من تخوف دول الخليج العربية من الطموحات العراقية، لأن انتصار العراق الذي اضطرت هذه الدول إلى دعمه مادياً، كان سيجعل النظام العراقى في موقع القوة الأعظم في منطقة الخليج. وهكذا بنت سورية جسوراً دبلوماسية متميزة مع دول الخليج العربية توصل إلى إيران، فصارت سورية قناة ممتازة للتحاور غير المباشر بين دول الخليج العربية وإيران. واستخدمت دمشق هذه "القناة" لإسناد مجهودها العسكري وتحقيق توازن ما مع إسرائيل ورفد اقتصادها بالمساعدات الخليجية. كما مثلت العلاقات مع إيران بديلاً معقولاً، من وجهة النظر السورية، لغياب الشريك التاريخي لسورية، أي مصر. وفي مقابل التحالف السوري-الإيراني دفعت التطورات العسكرية على الأرض في نهاية العام 1982، وبداية انكسار الهجمة العراقية ودخول القوات الإيرانية إلى أراض عراقية في العام 1983، إلى قيام تقارب بين مصر والسعودية والأردن للحيلولة دون انهيار القدرات العراقية، وبالتالي انهيار منظومة الأمن الإقليمي وقتذاك. وأدى احتلال بيروت في العام 1982، وانكسار القوات السورية في مواجهته إلى ظهور الوجود الإيراني في الأراضي اللبنانية، بموافقة سورية، ليجعل لطهران إطلالة جغرافية على الحدود الشمالية لتل أبيب للمرة الأولى في تاريخها. وترجع الموافقة السورية على دخول العامل الإيراني إلى لبنان، وبالتالي قلب المعادلة الصراعية في المنطقة إلى الاختلال الظاهر في موازين القوى أمام إسرائيل، وهو ما دلل عليه اجتياح بيروت بكل الوضوح. وبرغم هذه الاعتبارات لم يكن السماح السوري بالنفوذ الإيراني بدون شروط، حيث توخت سورية الاحتفاظ بوكيلها المحلي حركة أمل كطرف أول على الساحة اللبنانية في مقابل حليف إيران، أى حزب الله. وجسد الأخير ديالكتيك الوحدة والصراع في إطار التحالف الإيراني-السوري، باعتبار أن نشأته مثلت محصلة الصراع بين إيران من وراء حزب الله ضد حركة أمل وسورية في خلفيتها. وكان السبب الإعلامي وراء ظهور أمل الإسلامية –الإسم السابق لاسم حزب الله- كانشقاق على حركة أمل، هو موافقة السيد نبيه بري وقتها على الدخول في حكومة الإنقاذ الوطني في لبنان والمدعومة أميركياً. ولئن عملت سورية على معادلة تأثير الأطراف اللبنانية بعضها ببعض في إطار هيمنة سورية، فقد كان تشكيل جبهة المقاومة الإسلامية بقيادة حزب الله إيذاناً بخروج الشأن اللبناني من الهيمنة السورية المطلقة إلى الهيمنة السورية النسبية بسبب النفوذ الإيراني. وتذبذت العلاقات الإيرانية - السورية باهتزاز موازين القوى داخل لبنان بين وكلاء الطرفين، فأوقفت إيران شحن نفطها إلى سورية أوائل العام 1986 بسبب الديون المستحقة لطهران على دمشق. ساعتها استجابت دمشق لمبادرة سعودية بتطبيع العلاقات بين دمشق وعمان، الحليف الأول للعراق وقتذاك، وهو ما دفع إيران إلى إعادة شحن نفطها إلى دمشق وتأكيد أهمية التحالف الإيراني-السوري. استعاضت إيران بعلاقاتها اللبنانية عن علاقاتها مع الدول العربية التي لم تؤيد المواقف الإيرانية تجاه العراق وخاصة عندما عادت قواته إلى داخل حدوده ابتداء من عام 1983. من ناحيتها حرصت سورية على إبراز حدود الدور الإيراني في لبنان سواء في موضوع الرهائن الغربيين أو المواجهة العسكرية لتحجيم حزب الله في العام 1987. وظهر هذا الحرص السوري في موضوع الرهائن، حيث لم يستطع أي طرف إبرام اتفاقات بهذا الخصوص بشكل مستقل ودون المرور عبر البوابة الدمشقية. ولا يفوت في هذا المقام ملاحظة أن التسريب الأول لما عرف باسم فضيحة الكونترا، أو الأسلحة الأميركية الإسرائيلية لإيران، جاء من مجلة الشراع اللبنانية، التي دارت في فلك الوجود السوري. ثم جاء إتفاق الطائف الذي أنهى الاقتتال اللبناني الأهلي برعاية سورية والمملكة العربية السعودية، على الرغم من معارضة أطراف شيعية لبنانية له، بسبب تجاهل الاتفاق لما أسموه "الأوزان العسكرية على الأرض". وفتح هذا الاتفاق فصلاً جديداً في التوازنات اللبنانية الداخلية عكس النفوذ الإقليمي في المنطقة وقتذاك، إذ سحب الاتفاق بعضاً من صلاحيات رئاسة الجمهورية الماروني وأضافها إلى صلاحيات رئيس الحكومة السني ورئيس مجلس النواب الشيعي. وعلى الناحية المقابلة كان وصول حجة الإسلام هاشمي رفسنجاني إلى منصب الرئاسة في إيران عام 1989 وانتهاجه سياسات براغماتية تجاه دول الخليج، بمثابة الريح التي أطارت ورقة الوساطة بين ضفتي الخليج من أيدي دمشق، وهو ما عجل بالرغبة السورية في عودة العلاقات مع مصر. وفي نهاية الثمانينيات كانت سورية ما تزال الحليف العربي الأوحد لإيران، وبدت صورة التحالف الإيراني - السوري كالتالي: تحالف بحكم الأمر الواقع، في حين شرع كل طرف في تنويع علاقاته الإقليمية. كان القاسم الأكبر بين دمشق وطهران متمثلاً في الاتفاق على إبقاء المقاومة اللبنانية وسلاحها كورقة ردع ضد إسرائيل، ولكن أدوار كل من طرفي التحالف في لبنان بدأت تتعدل لمصلحة إيران التي صارت شريكاً فعلياً لدمشق هناك.[5]


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

عقد 1990-2000

افتتحت التسعينات باحتلال الكويت، وما أعقبها من حرب الخليج الثانية، التي فتحت الباب على مصراعيه أمام عودة إيران إلى جوارها العربي وإنهاء عزلتها. وكان من مفاعيل حرب تحرير الكويت ظهور صيغة (6 زائد 2) المنبثقة عن إعلان دمشق والتي تفسح دوراً لكل من سورية ومصر في المشاركة بحفظ أمن الخليج بمقابل التزام دول مجلس التعاون الخليجي بزيادة الاستثمارات في كل من مصر وسورية. واستهدفت هذه الصيغة ترميم النظام الأمني الإقليمي العربي والحفاظ على دور عربي في معادلات الخليج والمنطقة. ولأن أمن الخليج ارتبط موضوعياً بنظام إقليمي ثلاثي القطبية يتكون من العراق وإيران والسعودية، فقد كان تحول العراق إلى المواجهة مع دول الخليج دافعاً موضوعياً لها لإعادة تطوير علاقاتها مع طهران. وقاد عدم الحماس الخليجى لصيغة إعلان دمشق إلى التقاء موضوعي في المواقف الخليجية-الإيرانية، بسبب أن طهران لا تريد لأية أطراف "من خارج الخليج" أن تلعب دوراً في أمنه، أو بالأحرى الاستئثار بهذا الدور لنفسها في ضوء قدراتها البشرية والعسكرية. وتمسكت طهران برفض أية أدوار لقوى "من خارج الخليج" حتى لو كانت هذه الأطراف ترتبط مع دول الخليج برابطة العروبة، على اعتبار أن الأمن القومي الإيراني لا ينفصل عن أمن الخليج، وعلى أساس أن طهران لعبت –تقليدياً- دور أساسياً في أمن الخليج، وبسبب الرغبة الإيرانية التاريخية في دمج المجال الاستراتيجي الخليجي بالنطاق الاستراتيجي الإيراني. كما أن مفاوضات مدريد وعملية السلام التي أفرزتها وضعت السياسة الخارجية الإيرانية في الشرق الأوسط تحت ضغوط قوية، بسبب انضواء كل الأطراف العربية المعنية في هذه العملية، بما فيها حليفتها سورية. بالمقابل فقد حصلت سورية على توكيل دولي وإقليمي بالهيمنة على لبنان، فكان أول ما فعلته دمشق، على إثر إعلانها المشاركة في قوات التحالف الدولي ضد العراق، إزاحة الحكومة العسكرية التي قادها الجنرال ميشيل عون. وهكذا تم تثبيت سورية عند حد المكافأت الاقتصادية التي حصلت عليها من دول الخليج، وإيكالها بتنفيذ اتفاق الطائف وتحكيمها بين الفرقاء اللبنانيين ولكن مع السماح بدور سعودي معترف به في لبنان عبر حليفها رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري. ربحت إيران من الحرب خروجها من عزلتها الدولية ومنع أي مشاركة عربية في ضمانات أمن الخليج، الذي صار بحكم منطق الأمور شأناً أمريكياً وإيرانياً بعد خروج العراق من المعادلة. ولتعزيز حضورها الإقليمي فقد شرعت إيران في الانفتاح على رفيق الحريرى المتحالف مع الرياض، وحزب الله المتحالف مع طهران. ويبدو ملاحظاً أن الدور السوري في لبنان لم يعد مهيمناً مثلما كان منذ منتصف السبعينات وأوائل الثمانينات، بل انحدر إلى مستوى الحكم بين أفرقاء. وفي الوقت الذي انخرطت سورية فيه في مؤتمر مدريد للسلام واستمرت في المفاوضات مع إسرائيل، راحت إيران، التي لم تبد ترحيباً كبيراً بالانخراط السوري في عملية السلام، تحافظ على مواقعها في لبنان عند كل مفصل في المواجهة اللبنانية-الإسرائيلية مثل الأعوام 1993 و 1996 التي تمخض عنها اتفاق نيسان برعاية فرنسية وأمريكية وإيرانية وسورية والذي حصر الاقتتال بين حزب الله و إسرائيل على الأهداف العسكرية فقط.

شهد النصف الثاني من التسعينيات فوز التيار الإصلاحي في إيران برئاسة الجمهورية، ممثلاً بالرئيس السابق محمد خاتمي، كما شهدت هذه الفترة تحسين صورة طهران في العالم. وبالترافق مع هذه المعطيات كانت عملية السلام في الشرق الأوسط في حال من التراجع بسبب سياسات حزب الليكود الحاكم في [[إسرائيل] وقتها. ودفعت هذه العوامل الثلاثة السياسة الخارجية الإيرانية في الشرق الأوسط بمنتصف التسعينيات. وأرست إيران استراتيجيتها العربية على ثلاثة محاور تمزج بين الاعتدال والتشدد، هي السعودية وسورية ولبنان. المحور الأول حدد السعودية كمحور ارتكاز لعلاقات إيران الخليجية، بهدف تعزيز حضور إيران وقبولها الإقليميين وكذلك الانفتاح على العلاقات الدولية للسعودية. والمحور الثاني استمر بالنظر إلى سورية كطرف أساسي في الصراع العربي-الإسرائيلي وإبراز دعم إيران المعنوي والسياسي والاقتصادي في مواجهتها، والمحور الثالث لبنان وتثبيت مشروع حزب الله في جنوبه. أما سورية فقد أرست ثقلها الإقليمي على لبنان، خصوصاً بعد ضغوط أنقره عليها، بسبب دعم حزب العمال الكردستاني بقيادة عبد الله أوجلان في إطار مواجهتها الدبلوماسية مع تركيا، خصوصاً بعد الإعلان عن التحالف التركي-الإسرائيلي. وحين اضطرت دمشق إلى الطلب منه مغادرة الأراضي السورية، أصبحت دوائر حركة السياسة الإقليمية السورية متقلصة إلى حدودها الدنيا. لم يتبق لسورية عند نهاية التسعينات سوى الورقة اللبنانية في مواجهة إسرائيل، في حين تحسنت علاقاتها على نحو طفيف مع الولايات المتحدة الأميركية بسبب انخراطها في عملية السلام. ولكن الوضع اللبناني لم يعد بالسهولة التي اعتادتها سورية، إذ أن سورية لم تعد اللاعب الوحيد بل حكم بين طرفين إقليميين هما السعودية وإيران. وهكذا كانت منطقة الخليج هي الساحة الرئيسية لنشاط إيران الإقليمي وصارت العلاقات مع السعودية أبرز ملامح التوجه الإيراني الجديد، مع استمرار سورية كشريك أساسي في الشرق الأوسط، برغم التراجع النسبي لأهميتها لدى السياسة الخارجية الإيرانية.[5]

لم تهتز العلاقات الإيرانية-السورية بعد وفاة الرئيس السوري السابق حافظ الأسد عام 2000، واستمر التحالف بين البلدين قائماً، في ظل نفس المحددات التي انتهى عندها عقد التسعينات، تحت قيادة الرئيس الجديد بشار الأسد. وجاء انسحاب إسرائيل من لبنان في منتصف عام 2000 ليسوق إنجازاً كبيراً للتحالف الإيراني-السوري، الذي بدأ يشكل ضغطاً معنوياً على الدول الداعمة لعملية التسوية السياسية للصراع العربي الإسرائيلي. وحرصت كل من طهران ودمشق على إدانة أحداث الحادى عشر من سبتمبر وعلى التعاون لوجستياً ومعلوماتياً مع واشنطن لمكافحة التنظيمات الإرهابية. وفي لبنان كان مشروع "الإعمار" الذي قاده السيد رفيق الحريرى يسير جنباً إلى جنب مع مشروع المقاومة تحت زعامة السيد حسن نصر الله، وكانت سورية مستمرة في لعب دور الحكم بين الأطراف المختلفة. ثم جاء احتلال أفغانستان وتعاون طهران مع القوات الأمريكية لوجستياً ومعلوماتياً ليجعل إيران شريكاً معترفاً به أميركياً لتقرير مستقبل أفغانستان، وهو ما رسخ دور إيران الإقليمي ودون تأثير إيجابي يذكر لصالح سورية. ثم جاء احتلال العراق 2003 ليقلب التوازنات في المنطقة رأساً على عقب وليبرز تناقضات حتى في التحالف الإيراني-السوري. احتلت القوات الأمريكية العراق عسكرياً، وتحكمت إيران عبر الحلفاء في بغداد بمقادير السياسة العراقية لأول مرة في التاريخ الحديث. وبالإضافة إلى أدوات سياستها الخارجية التقليدية مثل التحالف مع النظام السياسي في سورية وحزب الله في لبنان وانفتاحها على السعودية، استثمرت إيران الفرصة السانحة في العراق لفرض نفوذ إقليمي غير مسبوق يمتد من حدودها الغربية مروراً بالعراق وسورية وجنوب لبنان ليصل إلى الجليل الأعلى. وفي حين كانت دمشق عرضة لضغط أميركي كبير في مسألة العراق بزعم أنها تفتح حدودها لعمليات المقاومة ضد الاحتلال، كانت إيران بمنأى عن الانتقاد، لأن حكام بغداد الجدد حرصوا على البقاء في مربع تقاطعات المصالح الأميركية الإيرانية. كما أن سورية وبرغم حدودها الجغرافية مع العراق لا تملك امتدادات سياسية أو عرقية أو طائفية هناك، على العكس من إيران التي تملك كل أنواع هذه الامتدادات في العراق. وهكذا ولأول مرة في تاريخ التحالف الإيراني-السوري يخرج أحد الطرفين بمكسب استراتيجي صاف في حين يخرج الطرف الأخر بخسارة استراتيجية صافية، فما الحال والعراق يفصل جغرافياً بين الطرفين المتحالفين؟. ولم تتوقف الخسائر السورية عند هذا الحد فقط، بل أظهرت الأحداث في لبنان تهديدات مبطنة لدور سورية الإقليمي بسبب صدور القرار الدولي 1559 الذي يطالب سورية بسحب قواتها من لبنان وينزع سلاح الميليشيات المسلحة من هناك. وفى حين اقتربت التهديدات من سورية أكثر، فقد كانت إيران تتعامل بإسترخاء مع القرار الجديد لعدة أسباب. الأول أن متاخمتها لكل من أفغانستان والعراق ودورها الإقليمي فيهما وضع أوراقاً ممتازة للضغط بيدها، والثاني أن حليفها اللبناني حزب الله قد فرض حضوره الطاغي على الساحة السياسية والعسكرية ونزع سلاحه –رغم القرار- بدا أمراً مستبعداً. والأمر الثالث أن التوافق الإيراني-السعودي في لبنان عبر الحلفاء المحليين لم يعد يرتبط بالضرورة بالدور السوري كحكم بين الفرقاء. والسبب الرابع يتعلق بحليف إيران الذي يمثل الشطر الأعظم لطائفة لبنانية كبرى، في حين لا تملك سورية مثل هذا الحليف هناك، إذ ينظر الكثيرون إلى رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه برى على أنه شخصية سياسية مخضرمة، ولكن حضور حركة أمل التي يتزعمها أصبح لا يتجاوز حالياً مجرد التفصيلة في المشهد الشيعي اللبناني. أما باقي حلفاء سورية في لبنان والذين استمروا في موالاتها حتى صدور القرار الدولي 1559 فلم يملكوا أية صفة تمثيلية لطوائف لبنانية، وهي الشرط الأساس للاستمرار في اللعبة السياسية ومرد ذلك أن الدستور اللبناني ينص على التقاسم الوظيفي للطوائف المختلفة. واعتبرت دمشق أن القرار موجها ضدها، خصوصاً وأن اصطفافاً لبنانياً ظهر يؤيد القرار وكان على رأسه السيد رفيق الحريرى والسيد وليد جنبلاط.

وفي بداية العام 2005 جاء الانفجار اللبنانى الكبير والمتمثل في إغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري ليقلب الوضع في لبنان وسورية رأساً على عقب. وتوالت الضغوط الدولية والعربية على سورية من أجل سحب قواتها من لبنان وهو ما حدث بالفعل. ومثل الانسحاب السوري من لبنان أقصى منحدر يبلغه النفوذ السوري هناك منذ عقود. أما إيران فلم يتأثر وجودها ونفوذها في لبنان بالانسحاب السوري، إذ أن حليفها الأساسي في لبنان حزب الله كان في موقع الطرف العسكري الأول، ويرتبط عضوياً ومرجعياً بعلاقات تحالف معها ليست محكومة بسقف السياسة، بل بسقف أعلى بكثير هو سقف المرجعية المذهبية ممثلة في المرشد الأعلى للثورة الإيرانية السيد علي خامنئى. وبالعكس مما يبدو في الظاهر، كان الانسحاب السوري مفيداً لإيران من زاوية أن الجيش السوري المتواجد في لبنان كان الطرف الوحيد القادر –نظرياً- على نزع سلاح حزب الله في حال حدوث توافق إقليمي ودولي حول هذا الموضوع.[5]


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الحرب الأهلية السورية

محمد صالح الفتيح
ساهم بشكل رئيسي في تحرير هذا المقال
سفينة حربية إيرانية.


في 17 فبراير 2011 اتهمت إيران مصر بعرقلة مرور سفينتين حربيتين إيرانيتين، في قناة السويس، متجهتين إلى سوريا. اتفاقية القسطنطينية 1888، تفرض حرية مرور جميع أنواع السفن لكل الدول، بدون تمييز، في قناة السويس. كما أن مصر تسمح للسفن الحربية الإسرائيلية بالمرور.[6] في حين قال مسؤول بهيئة قناة السويس المصرية إن إدارة القناة لن تمنع مرور سفن الأسطول الحربي الإيراني في مجراها الملاحي، وإن السفن الإيرانية تعامل عند عبورها قناة السويس مثل بقية سفن العالم المارة بالقناة. وأضاف أن قناة السويس لا تملك منع مرور أي سفينة للمجرى الملاحي، ما دامت ملتزمة بشروط المرور باستثناء السفن التي تكون دولها في حالة حرب مع مصر.[7]

وكان وزير الخارجية الإسرائيلي أڤيگدور ليبرمان قد حذر في 15 فبراير من مرور سفينتين حربيتين في قناة السويس محملة بأسلحة إيرانية إلى سوريا.

شكلت زيارة وزير الخارجية السوري، وليد المعلم، لموسكو في ديسمبر 2014، واستقباله من قبل الرئيس الروسي، لأول مرة، مناسبة للتمعن في علاقة دمشق بحلفائها، ولا سيما بعد أربع سنوات هي عمر الأزمة السورية. وخلال السنوات الماضية، أشار العديد من المحللين، وتحديداً الغربيين منهم، إلى أن سوريا قد أصبحت معتمدة، بشكل حيوي، على حلفائها، وأن هذا الاعتماد قد يكون السبب في تقلص دورها لتتحول إلى «تابع مطيع»، ولتفقد دورها السابق كحليف صاحب قرار مستقل. دراسة مكانة سوريا بين حلفائها اليوم ليست بالمسألة الثانوية. فالأزمة السورية، في شق كبير منها، كانت تجسيداً لمساعي خصوم دمشق لإضعافها وتحجيم دورها الإقليمي، أكثر من مسعاهم لإسقاط النظام السوري بحد ذاته.[8]

فالمطلوب كان إما نظاماً بديلاً منقاداً أو تحجيم النظام الحالي وإلزامه حدود بلده. الحكم على نجاح هذه المساعي يعتمد، بشكل كبير، على معرفة موقع سوريا بين حلفائها: فاستمرارها بالاحتفاظ بنفس الموقع القوي بين الحلفاء يعني استمرار ممارستها دورها الإقليمي ويعني، بالتالي، أن المسعى المعادي قد فشل. وفي المقابل، فإن ضعف سوريا، وتقلصها لتصبح مجرد «تابع» لأحد حلفائها، يعني أنها ستتحول إلى «ورقة» بيد ذلك الحليف وبالتالي ستكون، عملياً، قد ضعفت في وجه الخصوم، وتحقق المطلوب.

تأخذ مسألة الموقع بين الحلفاء، الدوليين والإقليميين، أهمية خاصة في حالة سوريا، وهي الدولة الصغيرة الحجم والمتواضعة الموارد والتي نجحت منذ بداية سبعينيات القرن الماضي، في انتزاع دور إقليمي كبير مستفيدة من شبكة علاقات دولية، تبدو متناقضة إلى حد ما. ولعل العامل الرئيسي الذي سمح لها بممارسة هذا الدور هو، من ناحية أولى، حرصها على إبقاء شعرة معاوية مع مختلف الأطراف، ومن ناحية ثانية، عدم السماح لحلفائها بالتدخل في سياساتها الداخلية والخارجية. فاستطاعت الجمع بين المتناقضات: أولاً عبر الحصول على الدعم شبه المطلق من الاتحاد السوفياتي وثانياً عبر الإبقاء على قنوات مفتوحة مع الولايات المتحدة والدول الغربية عموماً، وثالثاً عبر الاحتفاظ بالقرار السيادي، في الشؤون المحلية والإقليمية. فعلى سبيل المثال، رفض الرئيس الراحل حافظ الأسد الضغوط السوفياتية، في مطلع السبعينيات، لتوقيع اتفاقية صداقة بين سوريا والاتحاد السوفياتي، ودخل الجيش السوري لبنان مخالفاً رغبة لاتحاد السوفياتي، الذي عبر عن غضبه بوقف واردات السلاح الجديد، والذخيرة، وقطع الغيار للجيش السوري. لكن السياسة السورية أثمرت عن قبول الاتحاد السوفياتي بدور سوريا في لبنان وتوقيع اتفاقية صداقة، مطلع الثمانينيات، ليس فيها ما يقلق دمشق. ولكن هل تغير الأمر اليوم؟ هل فقدت سوريا استقلالها وأصبحت تابعة أو، على الأقل، معتمدة إلى حد كبير على حليفتيها روسيا وإيران؟

إن ظروف الأزمة السورية، والحصار الديبلوماسي والاقتصادي، دفعا سوريا بالفعل إلى الاعتماد بشكل متزايد على حليفيها الروسي والإيراني، فلا يمكن إنكار دور المعونات الاقتصادية والعسكرية الروسية والإيرانية في مساعدتها على الصمود. ولكن لا ينبغي التسرع والاستنتاج أن مكانة دمشق قد تراجعت أمام حلفائها، على الأقل ليس إلى حد لا يمكن إصلاحه. فالاستراتيجية السورية التي تعتمد طول النفس وعدم التسرع في تقديم تنازلات لا يمكن التراجع عنها، والتي يشار لها أحياناً في الأدبيات الغربية باسم «لعبة الانتظار السورية»، تنظر إلى الأزمة الحالية على أنها حالة موقتة، عابرة، ويمكن تصحيح أي تقهقر قد يقع، وأن الانتظار، والصبر، سيسمحان بتلافي تبعات هذا التقهقر من خلال الاستفادة من الأحداث المستجدة على الصعيد الدولي والإقليمي. هكذا، فإن دمشق التي بدت، في العامين 2011 و2012، بحاجة ماسة لمساندة موسكو، بدت لاحقاً، من خلال صمودها في العامين التاليين 2013 و2014، وكأنها قد منحت موسكو فرصة للعودة بقوة إلى ساحة الشرق الأوسط. وقد برزت صحة مقولة طول نفس دمشق، على وجه الخصوص، عندما سقط حليف موسكو في أوكرانيا، الرئيس فيكتور يانوكوفيتش، برغم كل المساعدات الروسية التي كان أحدها شراء موسكو سندات مالية أوكرانية بقيمة 15 مليار دولار، وهي مساعدات لم تحصل دمشق حتى على عُشرها. مستجدات العالم 2014 أثبتت لموسكو أنها أيضاً بحاجة إلى دمشق.وقد نجحت سياسة طول النفس السورية أيضاً في حفظ استقلال القرار السوري أمام الحليف الإيراني. فقد رفضت دمشق الدعوات الإيرانية لتقديم تنازلات لـ «الإخوان المسلمين» أو تشكيل حكومة ائتلافية يُعطى فيها دور ما لمعاذ الخطيب، أو لغيره من المعارضين الإسلاميين. وقد ظهرت ثمار «سياسة الانتظار» السورية عندما تأزم الصراع في العراق وأُطيح بنوري المالكي، حليف طهران، وظهر أن الولايات المتحدة وتركيا والسعودية تملك بالفعل أوراقاً قوية في العراق وأن دورها ينافس الدور الإيراني وأن إيران، بالتالي، بحاجة إلى دمشق وأن الظروف لا تسمح بفرض إملاءات معينة عليها.


بشار وخامنئي في طهران، 25 فبراير 2019.

وقد كان لافتاً في مقابلة وزير الخارجية السوري، وليد المعلم، مع صحيفة «الأخبار» اللبنانية مؤخراً، أنه شرح تفاصيل العلاقة السورية الإيرانية وأشار إلى أنه قد قال، بشكل مباشر، لوزير الخارجية الإيراني، جواد طريف، «إن صمود سوريا هو الذي يمكّنك من التفاوض من موقع قوي مع الغرب حول الملف النووي».


بشار وخامنئي في طهران، 25 فبراير 2019.

اليوم أيضاً، لا تزال سوريا تملك خيارات كثيرة، برغم تراجع موقفها التكتيكي. وإن كانت إيران وسوريا تحالفتا في الماضي في وجه العراق وكان تقارب سوريا والعراق ضابطاً لطموحات إيران، فإيران وسوريا اليوم متحالفتان في وجه السعودية، والتقارب السوري ـ السعودي اليوم يبدو ممكناً أكثر من أي وقت مضى مع تزايد الشكوك الأميركية بجدوى الاستمرار في الحرب ضد الرئيس بشار الأسد ووسط تهديدات «داعش» بالتوجه إلى السعودية، ووسط التقارب الأمني السوري المصري، الذي لا يبدو أن السعودية تعترض عليه. وهنا تحديداً يبدو الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مؤهلاً للعب دور الوساطة بين الخصوم الذي لعبه في السابق الملك حسين، خصوصاً أن مصر تحبذ أن تعزز السعودية وجودها في المنطقة، لأن هذا سيأتي على حساب تركيا الأردوغانية. وإن كان اعتراض إيران على التقارب السوري العراقي في الثمانينيات اعتراضاً مفهوماً، بسبب الحرب العراقية الإيرانية، إلا انه من المستبعد أن تعترض إيران، بصوت مرتفع، على تقارب سوري ـ سعودي محتمل ولا سيما أن المسؤولين الإيرانيين لا يزالون يطلقون تصريحات ودية تدعو السعودية لتعزيز التعاون المشترك معهم.


في 25 فبراير 2019 قام الرئيس السوري بشار الأسد بزيارة إلى طهران حيث التقى بالمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي. تناولت المحادثات بينهما دور العلاقات الإيرانية السورية في الإبقاء على النظام السوري أثناء الحرب الأهلية السورية. كما هنأ خامنئي الأسد على ما وصفه بالإنتصار على الإرهاب والمشروع الغربي والأمريكي في المنطقة، وأكد على استمرار وقوف إيران إلى جانب سوريا حتى تستعيد عافيتها وتقضي على الإرهاب بشكل نهائي.[9]

العلاقات الاقتصادية

ناقلة النفط الإيرانية گريس 1.

استثمرت إيران أموال كبيرة وخبرات بشرية في سوريا لتعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين، وفي تقرير نشرته مجلة فورين پوليسي في يناير 2015 قالت إن العلاقات الاقتصادية الإيرانية السورية لا تقتصر على تلك المبالغ الكبيرة من الأموال والمصادر التي خُصصت للاستثمارات في وسائط النقل والبنية التحتية السورية، لأن السلطات الإيرانية وقعت قبل أشهر قليلة من اندلاع الحرب الأهلية السورية اتفاقية للغاز الطبيعي بقيمة 10 بلايين دولار مع سوريا والعراق لبناء خط أنابيب إيران-العراق-سوريا، خط أنابيب للغاز يبدأ في إيران ويمر في سوريا ولبنان والبحر المتوسط حتى يصل إلى عدد من أوروپا.[10]

وبموجب الاتفاقية التي دعمها المرشد الأعلى علي خامنئي فإن العراق وسوريا تحصلان يومياً على كميات معينة من الغاز الطبيعي. كما أقر المرشد الإيراني 5.8 بليون دولار كمساعدة لسوريا من مركز الأبحاث الإستراتيجية المختص بالبحث في ستة مجالات مختلفة بما فيها ابحاث السياسة الخارجية، والشرق الأوسط والخليج وأبحاث الاقتصاد السياسي الدولي.

ووقع الطرفان اتفاقية أخرى تنص على تأسيس بنك مشترك في دمشق، تملك فيه الحكومة الإيرانية 60 في المائة. والمفروض أن يسمح الاتفاق لإيران تعيين مواقع مالية أخرى تتم فيها تحويلاتها إلى سوريا.

وكان النظام السوري بفعل الضغط الدولي المفروض عليه يسعى إلى تشكيل جبهة اقتصادية إقليمية من خلال مشروع مكون من 17 مادة جرى التوقيع عليها وركزت على "التجارة والاستثمار والتخطيط والإحصاءات والصناعات ووسائط النقل والصحة والزراعة والسياحة"، إلا أن الجهود الإيرانية فشلت لتعزيز هذا الجانب.

ودفع الضغط الاقتصادي على الدولتين كلا من إيران وسوريا إلى توقيع اتفاق تجارة حرة رمزي في 13 ديسمبر 2011، لمحاولة التقليل من تأثير العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروپي وبعض دول الجامعة العربية.

في 7 أبريل 2021، أكد مصدر في الشركة السورية لنقل النفط وصول ناقلة نفط إيرانية إلى مصب بانياس على الساحل السوري. وقال المصدر إن الناقلة تحمل مليون برميل من النفط، دون أن يعلق نفياً أو إثباتاً على معلومات تقول إن الناقلة هي واحدة من أربع ناقلات ستصل تباعاً.[11]

يذكر أن أحد المواقع المتخصصة بتعقب حركة السفن كان رصد منذ أيام الناقلة الإيرانية گريس-1، تتجه نحو بانياس السورية، وقال إن "الناقلة هي جزء من أسطول أكبر من الناقلات المتجهة إلى بانياس في سوريا" كما كان رئيس الحكومة السورية، حسين عرنوس، وعد بانفراج في أزمة المشتقات النفطية مع نهاية الأسبوع. وكانت السفينة گريس-1 قد انطلقت في 2 أبريل في طريقها إلى بانياس عبر قناة السويس محملة بمليون برميل من النفط.[12]

العلاقات الثقافية

حجاج إيرانيون في المسجد الأموي، دمشق، سوريا.

افتتحت إيران أول مركزاً ثقافياً لها في سوريا عام 1983، ويقع في ضاحية المزة في العاصمة دمشق. لاحقاً نُقل المركز إلى قلب دمشق قبالة ميدان الشهداء. يهدف المركز الثقافي الإيراني إلى زيادة التبادل الثقافي، العلمي، والديني بين البلدين، فضلاً عن كونه منتدى للثقافة الإسلامية الإيرانية والفارسية. يتعاون المركز الثقافي الإيراني مع أربع جامعات سورية على تشجيع تعليم اللغة الفارسية.

في حين أبدت إيران اهتماماً بنشر ثقافتها في سوريا، لم تكن سوريا متحمسة لنشر ثقافتها في إيران، حيث أنه من الشائع بالفعل أن يدرس الإيرانيون اللغة العربية. في عام 2005 فقط، افتتحت سوريا أول مركز ثقافي لها في إيران، والذي أصبح شائعاً لدى الإيرانيين الذين يسعون لتحسين لغتهم العربية.[13]

تنبع العلاقات الثقافية الكبرى بين إيران وسوريا من السياحة الدينية. عام 2008، زار سوريا 333.000 سائح إيراني، معظمهم من القادمين للحج في ضريح السيدة زينب، والسيدة رقية، والتي ساعدت إيران على تجديدهما وتوسعتهما. وبالمثل قامت إيران بترميم أضرحة في الرقة (ضريح أويس القرني المرادي وعمار بن ياسر). تبعاً لنادية فون مالتزان، مؤلفة كتاب عن الدبلوماسية الثقافية بين سوريا وإيران، فإن الأعداد الضخمة من السياح الدينيين القادمين من إيران أعطى سوريا فكرة أن جميع الإيرانيين "متدينيين، ذوي خلفية متواضعة، ومحافظة، لم تقنع الكثير من السوريين بزيارة إيران".[14]

انظر أيضاً


مرئيات

استقبال المرشد الأعلى إيراني علي خامنئي للرئيس السوري بشار
الأسد
لدى زيارته طهران، 25 فبراير 2019.


المصادر

  1. ^ Nada Bakri, "Iran Calls on Syria to Recognize Citizens' Demands", New York Times, 2011 August 8
  2. ^ خطأ استشهاد: وسم <ref> غير صحيح؛ لا نص تم توفيره للمراجع المسماة primer
  3. ^ "Russia Today". Die Welt. 16 February 2012. Retrieved 18 May 2012.
  4. ^ Fulton, Will (May 2013). "Iranian Strategy in Syria" (PDF). A joint Report by AEI's critical threats project & Institute for the Study of War. Archived from the original (PDF) on 24 September 2015. Retrieved 7 May 2013. Unknown parameter |deadurl= ignored (help)
  5. ^ أ ب ت ث ج مصطفى اللباد (2007-03-11). "التحالف الإيراني-السوري ركيزة مشروع طهران الإقليمي". جريدة الحياة اللندنية. Retrieved 2007-03-11.
  6. ^ "الجيش المصري يمنع عبور سفينتين حربيتين إيرانيتين لقناة السويس". صحيفة الوئام. 2011-02-17. Retrieved 2011-02-17.
  7. ^ "قناة السويس لن تمنع السفن الحربية الإيرانية من المرور". إيلاف. 2011-02-17. Retrieved 2011-02-17.
  8. ^ محمد صالح الفتيح (2014-12-20). "عن سوريا وحلفائها: انتصار «لعبة الانتظار السورية»". mohammed-alftayeh.com.
  9. ^ "الرئيس السوري بشار الأسد يلتقي المرشد الأعلى علي خامنئي في طهران (صور + فيديو)". روسيا اليوم. 2019-02-25. Retrieved 2019-02-25.
  10. ^ "العلاقات الإيرانية السورية". البيان. 2016-01-16. Retrieved 2019-02-25.
  11. ^ "مصدر لـ RT: وصول ناقلة نفط إلى بانياس السورية". روسيا اليوم. 2021-04-07. Retrieved 2021-04-07.
  12. ^ "موقع لتعقب السفن: ناقلة إيرانية تحمل مليون برميل نفط في طريقها إلى سوريا". روسيا اليوم. 2021-04-07. Retrieved 2021-04-07.
  13. ^ Smyth, Gareh (6 January 2016). "Iran's failed cultural diplomacy in Syria". The Guardian. Retrieved 20 January 2016.
  14. ^ von Maltzahn, Nadia (30 July 2013). The Syria-Iran Axis: Cultural Diplomacy and International Relations in the Middle East. I. B. Tauris.

وصلات خارجية