المسرح في اليونان القديمة

مسرح ديونوسوس في أثينا بني الأكروبوليس في القرن الثالث الميلادي

المسرح اليوناني القديم بالإنجليزية Greek theatre أو Greek drama ، هو المسرح التقليدي الذي إزدهر في اليونان القديمة في الفترة بين (220 ق.م. - 550 م). وقد كانت القوة السياسة والجيش في اليونان خلال تلك الفترة هي المحور الرئيسي لفن المسرح في اليونان القديمة. وقد كونت التراجيديا (أواخر القرن السادس قبل الميلاد) ، الكوميديا (486 ق.م) و أساطير الآلهة اليونانية بعضا من أشكال المسرح التي خرجت للعالم. وكان للمسرح اليوناني القديم تأثيرا كبيرا على الثقافة والدراما الغربية.

ونجد أن أصل المسرح الغربي يرجع للمسرح اليوناني القديم. وقد نمي من خلال الإحتفالات التي كانت تقام في أثينا ، تقديسا للإلهة ديونوسوس. وقد خرجت تلك الإحتفالات للدول المجاورة ونميت وكونت ثقافة إقليمية مشتركة.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الأصول

العوامل السياسية

من المعروف أن إقليم أتيكا الكبير هو ناتج عن تجمع أو توحد مدن هامة مثل (سيكوون و كورينثة و أتيكا و أثينا) تحت لواء حكومة واحدة في القرن السابع قبل الميلاد. وذلك بفضل ما وهبته الطبيعة من حدود بحرية وجبلية منيعة أشعرت سكانه بضرورة الاتحاد. وكانت غلات أتيكا تكفي سكانها في أول الأمر؛ ثم بدأت تشعر بحاجتها الشديدة إلى كميات إضافية من المستلزمات الزراعية مثل/الخضار والبقوليات والقمح بصورة خاصة/..وكان حكام أتيكا يعيشون عيشة أرستقراطية، ويحيون حياة ناعمة، بينما كان الفلاحون يرزحون تحت أعبائهم الثقيلة ويتضورون جوعاً، إذ كانوا يقدمون أراضيهم رهناً لهم، وإذا لم يستطيعوا استرداد أراضيهم أصبحوا عمالاً زراعيين فيها، وإذا تراكمت الديون أصبحوا عبيداً أذلاء. ‏ وكان لابد من ظهور مشرع حكيم مثل سولون 594 ق.م. ليسن القوانين ويوفق بين طبقة الشعب والطبقة الأرستقراطية. فوضع قانوناً يحفظ للمدين حريته إذا لم يستطع أداء دينه، كما سمح للمواطنين الأحرار الفقراء بالإدلاء‏ بأصواتهم في الانتخابات الخاصة بشغل الوظائف العليا في الدولة. وهكذا أحدث سولون تغيراً كبيراً في المجتمع الاثيني عندما أفسح الميدان السياسي لأفراد لم تجر في عروقهم دماء الأبطال. ولم يقنع الفلاح الأتيكي بهذه الامتيازات‏ التي حققتها لـه قوانين سولون بل دفعته هذه النظم إلى المطالبة بحقوق أكثر، وانتهز أحد الأرستقراطيين الفرصة وأراد أن يضرب عصفورين بحجر، أراد أن يتغلب على خصومه من الطبقة الأرستقراطية، وأن ينقذ نفسه من براثن الشعب الثائر ، ولم يكن ذلك الأرستقراطي سوى ((بيسيستراتوس)) الذي تزعم الشعب ودافع عن مطالبه ثم نصب نفسه حاكماً بعد أن انتقم من منافسيه وقُضي على كثير منهم بالقتل أو النفي. وعمل على استتباب الاستقرار، ووزع أراضي النبلاء على الفلاحين الذين سبق أن حررتهم قوانين سولون. وهكذا عم الرخاء في عهده واكتسب حب الشعب بمضي الزمن وخاصة بعد أن تبنى عبادة الإلهة ديونيسوس وعمل على نشرها، وقد اندفع العامة نحو عبادة هذا الإلهة الجديد، وكأنما أرادوا بذلك أن ينتقموا من الأسر الأرستقراطية بصورة جديدة، فعبدوا إلهاً غير ألهتهم. وظل بيسيستراتوس، منذ أن قبض على زمام الحكم عام 561 ق.م ومع وفاته تولى ابنه هيبياس سدة الحكم، ولكن هيبياس سرعان ما فقد حب الشعب وتقديره. انتهز وزيره كليشثنيس الفرصة واستولى على الحكم بمساعدة ملك إسبرطة وتم طرد هيبياس. لكن ملك إسبرطة القوي لم يول كليشثنيس بل ولَّى اساجورا الأرستقراطي الذي وافقت عليه أغلب الأسر الأرستقراطية. حاول أساجوراس تغير القوانين التي وضعها سولون وبيسيستراتوس لصالح الطبقة الأرستقراطية فثار الشعب واختار كليشثنيس حاكماً عاماً عليهم، فقسم المواطنين وفقاً لأقسام المدينة الجغرافية وأجرى تعديلات شاملة طالت القوانين والنظم الداخلية لكي تتيح لأغلب أفراد الشعب الاشتراك في الحكم وصارت الديمقراطية حقيقة واقعة. ‏ لكن هذه الديمقراطية الناشئة تعرضت لخطرين عظيمين هما: خطر إسبرطة وخطر الفرس. وقد استطاع الاثينيون أن يهزموا الفرس في معركة (ماراثون البرية عام 490 ق.م) وبحراً في معركة (سلاميس عام 480 ق.م). وبعد هذه الحروب الفارسية أصبحت أثينا أعظم مدن العالم والمركز الرئيسي لأكبر وأعظم إمبراطورية في تاريخ العالم القديم. ويعتبر انتصار أثينا في معركة ماراثون ومعركة سلاميس سبباً في تدعيم النظام الديمقراطي. وظهرت أثار هذه الديمقراطية في الحياة النيابية فأصبحت سلطة كل من مجل (الاريوباجوس ومجلس الشيوخ محدودة) وأنشأت الجمعية الوطنية من عامة الشعب، وأصبحت هذه الجمعية تناقش المشاكل السياسية وأمور الدولة الأخرى، وكذلك تعارض قرارات مجلس الإريوباجوس ومجلس الشيوخ، وهكذا زالت سلطة الحزب الأرستقراطي وتوطدت أسس الديمقراطية وخاصة بعدما تولى بريكليس زعامة أثينا والشعب لمدة ثلاثين عاماً. ‏[1]

العوامل الاقتصادية

المجتمع الأثيني مزيج غير متجانس من الناس قوامه 150.000 ألف نسمة تقريباً، منهم 40.000 نسمة لا يتمتعون بحق المواطنة، كما أن عدد العبيد والأرقاء حوالي 10000 آلاف نسمة، وكانت ملكية الأراضي قاصرة على الأثنيين المتمتعين بحق المواطنة، وظل نظام الإقطاع قائماً حتى جاء بيسيستراوس فوزع ضياع الأرستقراطيين على بعض المواطنين، وبذلك نشأت طبقة من صغار الملاك. ‏

كان عدد الأسر التي تعتمد اعتماداً مباشراً على الأرض سبعة آلاف أسرة تقريباً قبل مجيء بيسيستراتوس وبعد التوزيع أصبح عدد الأسر المستفيدة بحدود الـ 10000 آلاف أسرة وزاد الإنتاج الزراعي إلى الضعف، وأصبح يكفي الاستهلاك المحلي مع وجود فائض من الزيت والنبيذ يصدر إلى خارج أثينا. وازدهرت الصناعة والتجارة، وخاصة التجارة البحرية ولعل ذلك يرجع إلى وجود ميناء بيرايوس الهام. وكانت طبقة الصناع من الفقراء، وهم الوحيدون الذين يحق لهم العمل في الصناعة. والكثير منهم فيما بعد تحول إلى طبقة الملاك الصغار. أما العبيد فقد انقسموا إلى ثلاث طبقات: الأولى يشغل أفرادها وظائف عامة وصغيرة (أعمال كتابية ـ وبعض المناصب الإدارية المتواضعة). والطبقة الثانية تتكون من عمال المناجم، والثالثة كانت تقوم بالخدمة في المنازل. ‏ ـ أما عن مستوى المعيشة فكان معتدلاً لأن الحياة كانت تمتاز بالبساطة وتخلو من الضرورات المتعددة، وأما عن الأرض فكان يتوارثها أفراد الأسرة الواحدة وقلما تباع. ولقد راجت في ذلك الوقت تجارتان تجارة الحبوب وتجارة الرقيق.‏ ـ ((15)ولعل الظروف التي مرت بها أثينا في القرن الخامس قبل الميلاد ساعدت على رخائها الاقتصادي، فكان اقتصادها يعتمد في استقراره على صغار الملاك وصغار المنتجين يعاونهم في ذلك أعداد غفيرة من العبيد، وتمدهم المناجم بكميات كبيرة من الفضة والحديد وبعض المناجم البعيدة (الواقعة تحت سيطرة أثينا) بالذهب وغيرها من المعادن. ولاشك أن هذه الظروف الاقتصادية ساعدت على انتشار الفنون والآداب في أثينا وأتاحت للدولة فرصة القيام بأعمال إنشائية وعمرانية رائعة مثل المسارح الكبيرة التي أقيمت عليها الاحتفالات الضخمة في المناسبات الدينية أو القومية، تلك الاحتفالات التي كانت مرتعاً خصباً للشعراء الغنائيين والمسرحيين).

الأعياد

منظر للمسرح اليوناني في Epidaurus.

لعب الدين دور هام في حياة الأثينيين فالدين عبارة عن مجموعة من العقائد والتقاليد التى يؤمن بها الناس دون أن يفهموا اصلها. لمس شعراء أثينا تأثير الدين في نفوس الناس فجعلوا أبطال مسرحياتهم من الآلهة و ينسبوا إليهم أهم الأدوار و جعلوهم يتحكمون في مصائر البشر . فكان ايسخولوس يشيد بيهم دائماً و يتغنى بعدلهم و يمجد سلطانهم . فزيوس عنده هو الإله الأكبر العادل الذى لا يظلم احد. والقاهر لكل عنيد جبار , سوفوكليس عاش في عصر تحررت فيه العقول على يد الفلاسفة الذين علموهم كيف يتأملون في ظواهر الكون و ينبذون التقاليد و المعتقدات البالية التى كان يؤمن بها أهل أثينا. هكذا مرت أثينا بفترة اهتزاز للعادات و العقائد المتوارثة. [2]


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ديونوسوس

لم تكن العروض المسرحية الإغريقية القديمة تقدم بشكل دائم كما يحدث اليوم بل كانت تقدم في إطار الأحتفالات الدينية المحددة التى تقع على فترات متباعدة. فقد كان العرض المسرحى جزء من احتفال رسمى مقدس . نشأ المسرح كباقى الفنون الأخرى في أحضان الدين يظهر جلياً ذلك في ارتباط المسرح بالمعبد فقد كان يُقام بجواره و نجد في وسط الأوركسترا مذبحاً لتقديم الأضاحى للإلة ديونوسوس قبل و بعد الإحتفالية الدينية كما ظهر في مسارح أثينا.

كانت العروض المسرحية تُقدم مرتين في العام و هى الأيام المُخصصة لأعياد الإلة ديونوسوس. و كان يشرف عليها الإلة بنفسة و ذلك ينقل الكاهن تمثال الإلة إلى المسرح و كان له مقعد و سط مقاعد الشرف προεδρια في الصف الأول. يؤكد ذلك أن المسرح كان دوراً للعبادة أكثر من كونه مكاناً مُخصصاً لتقديم العروض المسرحية. فقد اكتسب المسرح قداسة تماثل قداسة المعبد.

فالإنسان أصبح يتحكم في مصيره , ويختار بنفسه و يقارن الخير بالشر ثم يضرب ضربته , و يُحرز النصر , و ُيرضى السماء , لكنه إذا لم يترو , و تبع هواه فشل و أثار غضبها , لذا كان دور الآلهة في مسرحيات سوفوكليس دور المرشد الذى ينصح الإنسان و لا يفرض عليه رأياً معيناً أو فكرة بذاتها. ثم تطورت الحياة الفكرية تطوراً شديداً , و ارتقت رقياً عظيما في عصر يوريبيديس الذى آمن بالعقل وحده , و خرج على كافة التقاليد و سخر من المحافظين , و رأى أن الإنسان لا تربطه بالآلهة أية رابطة لأنه سيد نفسه يتصرف كيفما يشاء في غير حاجة إلى مرشد أو دليل لأنه لا يعترف بشىء سوى العقل يحكمه و يهتدى بهديه .

A blueprint of an Ancient Theatre. Terms are in Greek language and Latin letters.

المسرح إذن دينى النشأة و ظل الدين مجالاً له و يعتمد عليه في تعليم الشعب و شرح الطقوس و المراسم و تلقين الشعب مغزاها و عظاتها , و كان عبادة ديونوسوس أكثر العبادات اتصالاً بالمسرحية , و أشدها تأثيراً على تطورها لأن طقوسها كانت تتضمَّن كثيراً من الحركات التمثيلية , و تشتمل على عواطف متضاربة , يعبر عنها أتباع الإله في بهجة و سرور تصحبها نكات غليظة , و ضحكات عالية , كانت بمثابة البذور التى نشأت منها الملهاة , و أحياناً أخرى يعبرون عنها في حزن عميق مصحوب بالشكوى و الأنين , كان أصلاً للمأساة. فهو إله الزرع و رب الأشجار و النباتات و الفاكهة و الخضروات بكل أنواعها و هو الذى علم الإنسان الزراعة و بخاصة زراعة الكروم و البساتين و عصر الخمر و النبيذ , فهو إله الطبيعة بصفة عامة. و أصبح أكثر الآلهة شعبية على الرغم من أنه لم يكن من آلهة الأولمب الإثنى عشر.

و نادراً ما نلتقى به في أعمال هوميروس ، ربما لكونه غريباً على روح المجتمع الأرستقراطى الإغريقى. و كما تشير بعض الدلائل إلى أنه قد جاء من ثراكى أو من فريجيا , و يبدو أن عبادة هذا الإله قد دخلت البلاد في وقت مبكر عن طريق قبائل كانت تعيش في أسيا الصغُّرى . و كثيراً ما كان يبرز على السطح بعض المظاهر الغير يونانية لهذا الإله و أيضاً كان يتعارض مع التقاليد المتعارف عليها في مجمع الآلهة ، فقد تميزت عبادته بالهمجية و الوحشية التى تصدم نفس الكثيرين من أهل الاستقامة في ذلك العصر. ولهذا لم يكن سهلاً إدراك و فهم عدم منطقية و شذوذ ما كان يتم في هذه المهرجانات الإحتفالية المكرسة له.

لقد كان الإله ديونوسوس يصطحب في جولاته و مغامراته جماعة مهرِّجة من المخلوقات الأسطورية لا تمثل قوى الطبيعة المختلفة فحسب و انما تمثل أيضاً انفعالات الإنسان و عواطفه , و كان أغلب هؤلاء الأتباع يسمون بالساتير , الذين يسكنون الجبال و الأحراش و الغابات و هى مخلوقات أسطورية تتصف بالوقاحة و بأن نصفها إنسانى و النصف الآخر حيوانى , و لها شعر كثيف و آذان مدببة , بارزة و سيقان كأرجل الماعز , و من صفات هذه المخلوقات الجبن و الشبعة و الحيوية المتدفقة و العبث و المدح و الصخب.

و قد إحتل ديونوسوس مكاناً مرموقاً , و أمكن للإنسان أن يزيل آلامه و شجونه و أن يسعد بالمديح و البهجة في أعياده , و هذا يُعزى إلى الرقص و الغناء المُعتاد في إحتفالات الديونيسيا الكبرى التى كانت تتيح الفرصة لاجتماعات شعبية مرحة بوهيمية لجماعات السُكارى المرحة الماجنة التى يُطلق عليها اسم كومى Komoi و كان يفتتح عيد الديونيسيا بموكب يُرفع فيه عضو الإخصاب Phallos رمز الخصوبة كعلم قومى.

فعبادة ديونوسوس التى ظاهرها البهجة و الحرية و الإخصاب هى القوة الخفية العميقة التى تدفع الحياة و تخلق فيها تغيرات لا نهائية و تفتح أمامهم إمكانيات لا حد لها، فالطبيعة حية تشارك الإنسان و الحيوان أفراحه و مخاوفه بحركتها الدائمة و بعراكها الممثل في تنافر عناصرها الأربعة ، و خلف كل هذا تكمن صورة الوفرة و الرخاء و الأمن و الحرية الديونوسية و هى النهاية التى يرنو إليها العالم. و كانت النشوة التى يمكنه أن يجلبها نشوة ذات أنواع شتى . لقد كانت نشوة إلهية شائقة، تسمو بأصحابها ، إلا أنها لم يكن ثمة ما يحول بينها و بين " الانحلال" . و مما لا يكاد يرقى إليه الشك أن الأغريق في هذه المناسبات ، و في تلك الأيام التى كانت الدراما الصحيحة الصادقة في دور التكوين في تلك الأعياد التعبدية، كانوا يبيحون لأنفسهم قسطاً من الأعمال المتحررة. فالحياة أبدية و عند قيام مراسم ديونوسوس صانع الرقص لا يوجد رجل في المدينة لا يرقص ، و ينثر الأهالى أكاليل الزهور على أرضها مع زهور الربيع رمز التجدد و البعث فليس هناك رقص بدون ديونوسوس و بدونه لا تكون الفصول الأربعة ممتعة.

و مع إنتشار هذه العبادة بين الناس صارت أكثر شعبية من أى إله آخر في أثينا. ففى أثينا وحدها أقيمت على شرفه أربعة أعياد. و كانت تقام في الشتاء و الربيع. فهناك عيد بدء الزراعة في الريف في شهرى( ديسمبر و يناير) و أعياد اللينايا (يناير و فبراير) و أعياد الربيع (فبراير و مارس) و الديونوسيا الكبرى ( مارس و ابريل) . من هذه الأعياد هناك عيدين ليس لهما إرتباط مباشر بالدراما وهما عيدا بدء الزراعة و عيد الربيع . كان الإله ديونوسوس يقدم على أساس أنه إله للزراعة و الإنبات الذى يضمن لهم الخصوبة وواهب النبيذ، فديونوسوس أول من أوحى للإغريق بزراعة الأعناب في اليونان.

و من خلال دراسة مضمون المسرحيات ، يمكننا القول أن الدراما ، قد إتخذت لها طريقاً خاصاً بها، إلى درجة يمكن معها القول أن التراجيديا ليس لها أى إرتباط بالإله ديونوسوس. بالتأكيد ظل الإرتباط بالعبادة موجوداً ، و لكن عنصر التنافس في المباريات الدرامية ساعد على تقديم صورة و شكلاً غير دينى لكل العملية الدرامية . إن ما كان يشعر به الإغريقى من رضى و إنسجام أمام هذا الشكل الجديد للتبارى و المنافسة الدرامية، كان هو الدافع الذى سيطر على الشعراء و القائمون على العملية الإحتفالية للوصول للكمال و محاولة الفوز في المسابقات ، هذا من ناحية ، و من ناحية أخرى ، كان لكسب ود الجمهور و جذبه لهم . و هذا لا يتوافق مع الدراما الدينية ، حسب المفهوم الحديث للدراما ، التى أرتبطت بالطقوس و الشعائر . فعندما كان الشاعر يقدم عمله الدرامى بنفسه و يفوز بجائزة المنافسة ، كان الأمر مفهوماً ، فكان دور النقاد يتحدد على مدى إجادة الشاعر في عرض قوة و عظمة الإله . و لكن عندما حل الممثلون محل الشعراء و قاموا بأداء الأدوار تمثيلاً كانت الغاية المرجوة من الأداء هى الإجادة للفوز بالجائزة ، و من هنا كان الفائز هو الجانب الفنى في المقام الأول . و بذلك أدرك الأثينيون أن و ظيفة المسرح ترفيهية بالإضافة إلى الأهداف الأخرى .

الديونوسيا الكبرى

عيد الديونيسيا الكبير: ( و يُسمى أيضاً الديونيسيا فقط) Dionysia كان أهم و اكبر الأعياد من حيث الفخامة و درجة الإستعدادات رغم عدم وجود أى تقاليد مرجعية قديمة لديهم ’ و مع ذلك يمكن إرجاع هذه الإحتفالات القديمة إلى الأعياد الأخرى الخاصة بديونوسوس و المتعلقة بموسم بدء الزراعة .و ليس لدينا معلومات على وجه اليقين تخبرنا عن متى و من هو الذى فكر في إقامتها . و من المعروف أن المسئول عن تنظيم هذا المهرجان لم يكن كبير الكهنة أو أى رجل دينى آخر و لكن كان ممثل الحكومة في الموضوعات الغير دينية و هو الحاكم المدنى archon الأرخون أو الأراخنة الذى كان يعتبر السئول الأول و الأخير عن إقامة المسابقة المسرحية , و إليه يُعزى نجاحها أو إخفاقها.و كان الأرخون يسهر على تنفيذ عدة خطوات ضرورية ليضمن نجاحها و كان الإحتفال يُعقد على شرف ديونوسوس اليوثيراى Eleuthereus . و كان تمثاله يُجلب من اليوثيراى Eleutherae و هى مدينة على الحدود الآثينية البيوتية . و كان معبده يقع على المنحدر الجنوبى من الأكروبول ، حيث يقع مسرح ديونوسوس.( ) و من المحتمل أن الطاغية بيسيستراتوس هو الذى أعاد تنظيم هذا العيد و إضاف له رونق و لمسة جمالية عن طريق إعداد جوقات ديثرامبية و تراجيدية . وهكذا بجانب عيد الربة أثينا ( Panatheneia) ، أقدم الأعياد التى كانت تقام على شرف الربة حامية مدينة أثينا و كان يحتفل به كل خمس سنوات ، دخلت العبادة الجديدة , عبادة الإله ديونوسوس إلى أثينا في منتصف القرن السادس قبل الميلاد ، و كان مدة العيد ( خمسة أيام في العصر الكلاسيكى) الكبير للإله الديمقراطى الجديد . و مع صعود نجم أثينا السياسى و بروزها كدولة عظمى وسط المدن اليونانية الأخرى ، فإن أهمية العيد و الإحتفال به قد تجاوزت حدود أثينا الضيقة ، و هذا يرجع إلى حد كبير إلى العروض المسرحية .

و كانت الديونيسيا إحتفالية كبيرة شارك فيها بفاعلية جزء كبير من المواطنين الأحرار ، فقد كانت هذه المشاركة تعتبر في نظر الكثيرين مساوية لأعظم حدث على مدار السنة. فقد شارك أكثر من 150 راقص في العروض الدرامية ، و اكثر من ذلك ( عدد الف ) كانوا هم المنشدون للكورسات الديثرامبية. فقد كان الإعداد لهذه الإحتفالية يستغرق شهوراً كثيرة . ( ) و من هنا لم يكن غريبا ذلك الإرتباط الوثيق للمجتمع الأثينى بالمسرح , لم يكن هناك هوة أو تباعد كتلك التى نراها اليوم بين المسرح و الجمهور ، فقد كان راقصى السنوات السابقة هم من جمهور اليوم و العكس . و كثير من المشاهدين كانوا يعلمون ، عن خبرة شخصية، ماذا تعنى دراسة واعداد و تنفيذ جوقات إحدى التراجيديات. و قبل أن يبدأ العيد ، كان يتم إعادة تمثيل رحلة وصول الإله ديونوسوس من اليفثيريوس إلى أثينا . فمن غير المُستبعد أنه في اليوم السابق للإحتفالية كان يتم حمل تمثال الإله المعبود ديونوسوس إلى أحد المعابد خارج أسوار أثينا، و بعد غروب الشمس كان يتم إعادة التمثال بمصاحبة المشاعل إلى مكانه الدائم ، في المعبد المقدس بجوار المسرح و كان الشباب يُشارك في إحتفالية إعادة تمثيل رحلة الإله. و قد سُمِح أيضاً في هذا اليوم للبرلمان بالعمل و هذا دليل على أن إعادة نقل تمثال الإله ديونوسوس لم يُشكِّل جزءاً مُكمِّلاً للإحتفالات الديونوسية. وكل ما كان يتم في الليلة التالية هو إشاعة خبر ظهور الإله( هكذا كانت ترى التقاليد) و بهذا كانت تبدأ سلسلة الإعداد لمظاهر الإحتفالات . ففى اليوم الأول للإحتفال كان يتم تقديم عمل دينى مميز ، و هو الموكب العظيم للأضحية. في هذا الموكب كان يُشارك فقط كل من له دور فعلى و حيوى في المسابقات ، و قد شاركت النساء أيضاً ، و هو ما كان فرصة نادرة لخروج النساء من المنزل. و قد أعتبرت دولة أثينا هذا العيد دافع قوى لإبراز دورها القيادى البارز في بلاد اليونان و ذلك عن طريق تقديم مظاهرإحتفالية مليئة بالفخامة و الإبهار . فبجانب موكب الأضاحى كان يوجد تقديمات و مظاهر إحتفالية أخرى مُتعدِّدة ، حيث كانت فتيات الأسر الأرستقراطية تحمل هذا التقديمات في أوانى ذهبية في موكب فخم يعبر عن ما وصلت إليه أثينا من إزدهار و تقدم . و كما كان في أعياد بداية الزراعة الديونوسية κατα αγρους Διονυσια ، تُقدم العروض الفالية οι φαλλικες παραστασεις التى ترمز لخصوبة الأرض ، و من أجلها عبد الناس الآلهة. و من مجموع هذه المواكب الفخمة تم تقديم صورة رائعة مبهرة و بألوان زاهية بديعة : فقد أرتدى مواطنى أثينا ثياب بيضاء ، بينما أرتدى ضيوف الإحتفال القادمون من مدن يونانية أخرى الثياب الحمراء . بالإضافة إلى هذا فقد تميز الممولون οι χορηγοι بملابسهم الفخمة المعبرة عن الأرستقراطية و الثراء , فقد كان الإهتمام مركزاً عليهم في هذا اليوم ، تعويضاً لهم على ما قاموا بتقديمه من أعباء باهظة فرضتها عليهم الدولة في سبيل إخراج و اعداد هذا العيد.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الديثورامبوس

كان الديثورامبوس Dithurambos) (، على وجه الخصوص ، أغنية دينية للإله ديونوسوس , و يتخذون أسطورته موضوعاً لأناشيدهم ، فيتحدثون عن ميلاده , و يتناولون حياته بالتفصيل , و يصفون الأخطار التى واجهها . و كان الشاعر يضم إليه جماعة من الناس , يلقنهم بعض الأبيات التى تفيض بالحزن و الأسى, يرددونها أثناء الإنشاد , و كان أفراد هذه المجموعة( الجوقة فيما بعد ) يرتدون جلد الماعز ليظهروا بمظهر الساتوروى ( Saturoi ( , أتباع ديونوسوس . و كان هذا الكورس الراقص مكون من الرجال و الشباب من الذكور بمصاحبة الناى . و الكلمة " ديثورامبوس" هى أحد الألقاب القديمة التى أُطلقت على الإله ديونوسوس , و هى كلمة استعصت على محاولات طويلة لتفسيرها أو حتى معرفة مصدرها . و المتعارف عليه أنها ليست كلمة يونانية . و تستعمل للتعبير عن الإله و أيضاً عن الأغنية الدينية ، الذين جاءا معاً إلى اليونان من شعوب ثراكى و فريجيا و انتهى بهم المقام في أثينا ، بعد مرورهما بكورينثوس . هناك ، في بلاط الملك بيرياندروΠεριανδρου كما علمنا، كان أريون Αριων ( حوالى 625 ق. م. ) يقوم بتعليم القصائد الديثورامبية ، و إليه يرجع الفضل في تحوِّل الأغنية الدينية الإرتجالية إلى عمل فنى محدد المعالم , كما أعطى عناوين لأغانيه الكورالية التى كان مضمونها قصصياً سردياً , و أهم نقطة بالنسبة لبناء ما قبل تاريخ التراجيديا هو أن" آريون " قد عرض انتاجه الديثورامبى بواسطة الستير Satyrs . و هو أيضاً أول من طلب الى أحد أفراد الجوقة – و هو الذى أصبح يُطلق عليه فيما بعد اسم " اكسارخوس" أى رئيس الجوقة - أن يصعد الى مائدة القرابين ليلقى على المستمعين في صورة سرد قصة تتعلق بالإله ديونوسوس , مُشيداً بمغامراته و رحلاته العجيبة , بينما يُعلق أفراد الجوقة على هذه القصة من حين لآخر ببعض الأبيات التى تناسب المقام , و لم ينتقل الأمر من مرحلة السرد الى مرحلة التمثيل الا على يد شاعر آخر هو ثيسبيس الذى أزدهرت أعماله حوالى عام 535 ق.م , و هو تاريخ أول مسابقة مسرحية عقدت في أثينا .(ايسخيلوس مسرحية ) و من هنا تظهر النقطة التى تقارب فيها الديثورامب مع الدراما الساتورية , و بذلك وُجد الأصل المزدوج للتراجيديا , الذى حدده أرسطو في « الشعر Poeticas» لسوء الحظ لم يصل إلينا إلا عدد قليل من القصائد الديثرامبية ، على الرغم من الكم الكبير الذى كان يُقدم في هذه الإحتفالات و المهرجانات، و تطوره الفنى الكبير الذى وصل إلى حد الكمال في النصف الأول من القرن الخامس ق.م . و قد كتب كل من سيمونيديسΣιμωνιδης ، بنداروس Πινδαρος ، وباكخيليديسΠακχυλιδης ( و يجب أن نشير هنا أنه لم يكن اى منهم أثينى المولد) قصائد و أغانى ديثورامبية للعروض الديونوسية . أما فيما يتعلق بالشاعر باكخيليديس فإن ما تم العثور عليه من أوراق البردى الهامة ، يساعدنا على رسم صورة ، حتى ولو كانت صغيرة، لخصائص هذه القصائد و الأشعار الديثورامبية. فمن ناحية الشكل ، فإن هذه القصائد الغنائية تذكرنا بأغانى الجوقات في المسرحيات التراجيدية و بناءها الفنى ، فقد كتبت على شكل مقاطع شعرية ، و لكن من ناحية الموضوع، فقد ابتعدت عن الأغنية الدينية بمعناها الضيق . أما فيما يتعلق بأبعاد الموضوع ، فإن التأثير القوى للشعر الملحمى كان كبيراً جدأً وواضحاً، فقد تضمَّنت هذه الأشعار أجزاء سردية كبيرة على شكل اسطورى، تحمل عناوين مختلفة حسب مضمون القصيدة الديثرامبية . و هكذا كان من الصعب ، ليس فقط ، أن نجد علاقة ما بالأساطير الديونوسية ، و لكن أحياناً ، يختفى تماما أى إشارة إلى أى فعل إلهى ، إلى حد أن أطلق البعض على هذه الأشعار الديثرامبية " الأغانى البطولية".

و من خلال ما تم الإشارة إليه , يبدو أن التراجيديا قد تطورت و نبعت فكرتها من رؤساء الجوقات Exarchon اكسارخون أو Exarchosاكسارخوس Εξαρχονταςالديثرامبية.و مهما تعددت الروايات حول نشأت المأساة الأثينية , فمن المقطوع به أن المأساة قد نبتت من الرقصات و الأغانى الديثورامبية , ثم أخذت تتطور تدريجياً حتى صارت فناً قائماً بذاته. و من المؤكد أن الديثورامبوس قد تطور تطوراً سريعاً منذ أن أرتبط بأعياد هذا الإله التى تقام في أثينا . و هكذا صدق أرسطو عندما قال بأن الدوريين كانوا أصحاب الفضل في خلق المأساة , وصدق أيضاً الذين قالوا بأن الأثينيين كانوا أصحاب الفضل في جعلها فناً أدبياً رائعاً . ففى سيكوون و كورينثة الدوريتين ظهرت بذور المأساة , و أخذت تنمو حتى حققت في هذه البقاع نوعاً من الرقى , ثم انتقلت إلى أتيكا حيث اكتملت عناصرها , و أتخذت صورتها النهائية ؛ فهناك تحول القاص إلى ممثل بالمعنى الصحيح , و أصبح رئيساً للجوقة , يقوم بالدور الأساسى , فيمثل شخصية الإله , كما يقوم بسائر الأدوار بأن يدخل خيمة (Skene و يغير ملامحه و ملابسة, و يمثل دور الرسول أو البطل .. و كان كل مرة يخاطب أفراد الجوقة في موضوع مختلف, و بذا تعددت أغانيه و امتلأت المأساة حياة و حركة بفضل تنوع مهمته.

و كانت هذه المباريات الكورالية الغنائية تتم بين القبائل. و هناك إختلافات في الرأى حول عدد الجوقات التى كانت تُشارك في هذه المباريات و أختلفت أراء الباحثين حولها. و طبقاً لأحد المصادر كانت الجوقة تتكون من 50 فردا , ولكن ليس من المعروفً على وجه اليقين , إن كان على كل قبيلة أن تُشارك بفرقة من الرجال و أخرى من الغُلمان أم أن عدد الفرق المُتبارية كانت 10 فقط . و هكذا كان لكل من هذين التفسيرين مؤيدين. و هناك كتابات تُؤيد الرأى الأول و تؤكد أن كُل قبيلة كان في إمكانها أن تفوز بجوقة من الرجال بالإضافة إلى جوقة الغلمان في نفس العام . و نظراً لعدم وجود أية دلائل أو معلومات حول طريقة المُشاركة أو الإختيار , يُمكننا أن نستنتج أن كل قبيلة كانت تُشارك بجوقتين , و بالتالى كان عدد الجوقات المشاركة 20 فرقة.

Tragic Comic Masks Hadrians Villa mosaic.

و بعد الإنتهاء من الأشعار الديثرامبية , كانت الأيام التالية مُخصَّصة للدراما , و كانت المسابقات التراجيدية هى الأهم في الديونيسيا الكبرى و تم تقديمها في الفترة من 11- 13 من شهر مارس و هو ما يُعادل باليونانية القديمة شهر إلافيبوليون Ελαφηβολιον. و مع إضافة الكوميديا إلى المهرجان في عام 486ق.م . تم إضافة يوم آخر للمهرجان . و لأن التراجيديا ظلت تستحوذ على الأهتمام الأكبر في المهرجان , حافظت على مكانها في الأيام الأخيرة من المهرجان.( أى في الفترة من 12- إلى 14من شهر مارس) و تم تخصيص اليوم الثانى من المهرجان للكوميديا ( أى يوم 11من الشهر). و خلال الحرب الببلوبونيسية , يبدو و لأسباب إقتصادية, حدثت تغيير مؤقت في البرنامج . تم تقديم ثلاث كوميديات و الزمن المحدد للمباريات الدرامية أقتصر على ثلاث أيام فقط , و بالتالى كان بعد كل رباعية تراجيدية , يتبعها مسرحية كوميدية في المساء. و لهذا السبب كان على العروض الدرامية أن تبدأ مبكرأ في الصباح. و لا نبالغ إذا قلنا أن المدة التى كان يستغرقها أحد العروض المسرحية حوالى ساعتين, بينما أستغرق العرض الساتيرى حوالى الساعة أى نصف الوقت . و نستنتج من هذا أن عرض رباعية كاملة كان يستغرق سبعة ساعات كاملة.

و لإضفاء الصفة الدينية على المهرجان , كان يتم تقديم الأضاحى قبل العروض الدرامية , و هى عبارة عن خنزير يذبح و يُنثر دمه في المسرح و على الجمهور للتطهُّر . و يتم بعد ذلك إختيار النقاد الذين كان عليهم تقييم العروض نيابة عن الشعب . و بمجرد أن يعتلى النقاد مقاعدهم الشرفية , يبدأ العرض المسرحى.

و كان ترتيب ظهور المتسابقين يتحدد بالقرعة , و ينطبق هذا على كل من الدراما و كذلك الأشعار الديثرامبية . و كان المتسابق الذى يحصل على الترتيب الأخير يتمتع بميزة ما , لأن النقاد , كما هو طبيعى, يحتفظون للعمل الأخير بالإنطباع الحى في اذهانهم على خلاف العروض الأولى . و هذا ما يُفسِّر لنا قلق أريستوفانيس , الذى طلب من النقاد في مسرحية Εκκλησιαζουσες في سطر ( 115 وما يليه) أن يكونوا موضوعيين و عادليين في قرارهم ( لأن من سوء طالعة حصل على الترتيب الأخير في ذاك العام أمام خمسة متسابقين) . و لم يكن مثل هذه الأمور تُشكِّل ظاهرة غير عادية, فقد كان على الشاعر في مثل هذه الظروف أن يكون لديه هذه الأبيات الشعرية جاهزة من قبل لأستعمالها عند الضرورة و بالتالى كان يُضيفها إلى النص المسرحى في آخر لحظة.

و من المنطقى أن برنامج يومى يشتمل على خمسة كوميديات , يتطلَّب جلوس الجمهور 10 ساعات متواصلة بلا حراك و إنتباه تام على مقاعده, و الأمر الذى يدعو للدهشة و يثير العجب قدرة و جلد هؤلاء الأثينيين الذين يواظبون على حضور عيد الديونيسيا الكبرى من بدئه إلى نهايته أربعة أيام منها يشاهد الشعب و يستمع إلى 15 دراما أو ربما 17 تمثيلية , خلاف ما يسمعونه من أناشيد الدثيورامب تتكون من حوالى 20 ألف بيت شعر بين إلقاء و غناء . إن تحمل كل هذا يثير الدهشة حقيقة و لكن تلك الجماهير قد تعودت ذلك و مارسته فكانوا ينصتون في عيد الباناثينايا Panathenaea الذى يقع في أواخر شهر يوليو المسمى باليونانية هيكاتومبايون Hekatombaionإلى أشعار هوميروس مما جعل تركيزهم قوياً . و كانت طاقة تحمُّل الجمهور ُتبِّرر إلى حد ما, ما حدث في النصوص المسرحية فيما بعد, فقد تم إختصارها عما كانت عليه في العصر الكلاسيكى . و على سبيل المثال كان كاتب كوميدى مثل Μαγνητας يتحدد بثلاثمائة بيت شعرى كأعلى حد له

و مع إعلان الفائزين في المسابقة التراجيدية تنتهى بصفة رسمية الديونيسيا الكبرى في مساء اليوم الخامس من المسابقة. و كان يتبعها تجمع آخر , فبعد إنتهاء الإحتفالات بالعيد , كان قانون تنظيم المهرجان , يتطلًَّب معرفة رأى جمهور الشعب لعملية تنظيم الإحتفالات السنوية التى قام بها الأرخون و مساعديه , فإما ان يصوت الشعب له بالشكر و إما باللوم . بالإضافة إلى ذلك , كان لكل مواطن الحق في تقديم شكوى أو تظلُّم ضد أى حدث عاق أو قد يكون قد سبَّب نوعاً من الفوضى في المهرجان . و إن حازت الشكوى القبول , كان يتبعها بحث منظَّم للقضية , و كان إحتمال حصوله على مطالبه كبير. ( 40) و بالإجتماع الشعبى الذى به تنتهى الديونيسيا الكبرى , كان القانون يرى قيام عيد آخر على شرف الإله زيوس’’ Πανδια" . هذا الإحتفال القديم ظل الأهتمام به يقل و فقد أهميته , لأن الأحتفال بعيد ديونيسوس قد غطى عليه , كان هذا العيد يتم في منتصف الشهر . و من هنا , من المحتمل أن يتم الإجتماع الشعبى في اليوم السادس عشر منه . (41) و يبدو أن تحديد اليوم كان به تساهل و مرونه , لأننا نجد إشارات لتواريخ أخرى .

عيد لينايا

اسم ليناى Lenae اسم آخر للميناد mainades مثل Bacchae باكخاى أو Bacchantes باكخانتتيس أى النساء اللاتى مَسْتهن لوثة حب ديونوسوس . ففى رحاب معبد Lenaion ) ( لينايون المقدس كان يُقام الإحتفال بعيد ديونوسوس الأول أو عيد عصر العنب في المعاصر( من Lenos لينوس) أى الأوانى التى يُعصر فيها العنب و إن كان في هذه التسمية شكوك , و تؤكد المصادر أن كلمة اللينايا ليس لها صلة بكلمة Lenos التى تعنى المكان الذى يُعصر فيه العنب فمن المستحيل منطقياً أن يحدث عصر العنب في الشتاء لأن ميعاده الطبيعى في الخريف . ولكن ما وصلنا من معلومات عن إحتفال اللينايا أقل بكثير عن ما وصلنا عن الديونيسيا الكبرى . (42). ومن المعروف أن الليناى كانت أقدم عيد ( و لهذا كان الملك يقوم بنفسه بتنظيمه) و كان الأعياد تقام في الشتاء في " في أواخر يناير و اوائل فبراير تقريباً" أو حسب التقويم الأتيكى شهر جاميليون أى شهر الزواج نسبة الى الاتحاد الدينى للالهين زيوس و هيرا . و كان في الأصل مُخصَّصاً لعرض الملهاة و لما كان الطقس البارد لا يُشجع الأجانب على زيارة أثينا في ذلك الوقت , لذا لم يهتم بهذه الأعياد سوى الأثينيون وحدهم فأصبحت أقل أهمية من أعياد ديونوسوس الكبرى . ( كتاب عبد المعطى ص173) . أما فيما يتعلق بموقع الإحتفال بالعيد فإن أراء الباحثين مازالت حتى اليوم تختلف و تتعارض فيما بينها. فمنهم من حاول أن يربط بين الأسم لينايا بإسم معبد ديونوسوس المقدس في منطقة ليمنى( وهو مكان يقع في مستنقعات و أحراش من الغرب من منحدرات الأكروبول) (43). و الأكثر قبولاً طبقاً للدلائل المكتوبة هو في ساحة السوق , على الرغم من أن الحفريات لم تصل إلى شيء حتى الأن (44). و من المؤكد أن إسم لينيون Ληναιονمُشتق من الكلمة النادرة لينى Ληναو التى تعنى Βακχες, و ليست من كلمة Ληνον والتى تعنى عصر العنب بالأرجل , لأن الإشارة إلى عيد معاصر العنب في قلب الشتاء يعتبر مستحيلاً .

كان للتراجيديا في أعياد اللينايا منزلة أقل مقارنة بالكوميديا . و قد بدأت المسابقات التراجيدية الرسمية بعد عشرة سنوات , و قد بدأت المنمافسة في نفس الوقت بين الممثلين , و كما يبدو فقد تنافس شاعرين فقط , و بعرضين تراجيديين لكل منهما . و لم يتوافر لدينا أية معلومات عن المسرحية الساتورية . ( 53) و لسنا في وضع يمكننا من أن نقرر إذا كان ما وصلنا من معلومات عن أعوام 419/ 8 ق.م. تشكِّل عرفاً متبعاً أم أنها تشير فقط إلى برنامج سنوات الحرب . و بالتأكيد يوجد دلائل كافية على أن المسابقة التراجيدية قد تم تقييمها في يوم واحد فقط. و طبقاً لطبيعة الزمن المحدد للمسابقة , كان تتحدد أهميتها بناء عليه : الشعراء التراجيديين الكبار لم يُشاركوا بصفة دائمة في أعياد اللينايا . فقد فاز سوفوكليس في أعياد اللينايا 6 مرات فقط من عدد 24 جائزة حصل عليها , بينما يوريبيديس ربما يكون قد تجاهل تماماً هذا العيد .

و بصفة عامة , كان الحصول على جائزة في أعياد اللينايا أهمية كبيرة جداً , حتى و لو كانت لكاتب كوميدى . و يكفى أن نتذكَّر شعور أرستوفانيس الذى أعتاد النصر , بالمهانة و المذلة , عندما خسر في الديونيسيا عام 423 ق.م. بعرضه مسرحية " السحب " . و لم تكن أعياد اللينايا لليونان عامة , كما هو الحال في أعياد الديونيسيا , بل كانت فقط للشعب الأثينى , لأن طرق المواصلات كانت تتوقف في الشتاء تماماً , و لم يتمكن الأجانب من زيارة أثينا , و هكذا كان الأثينيون وحدهم في هذه المسابقة. و لهذا السبب يعتقد البعض أن أعمال أرستوفانيس التى عُرضت في أعياد اللينايا , طبقاً لما هو معروف , كان لها طابع و لون محلى خالص.

العروض المسرحية خارج أثينا

الشواهد على وجود عروض مسرحية خارج أثينا في القرن الخامس ق.م . نادرة جداً . فنحن نعلم أن إيسخيلوس قدم عروضاً في بلاط الملك هيرون Ιερωνας في سيراقوسيا بجزيرة صقلية, و كذلك يوريبديس في السنوات الأخيرة من حياته قدم عروضاً في بلاط الملك أرخيلاؤس Αρχελαος في مدينة بيلا بشمال اليونان. بالإضافة إلى ذلك, قدم لنا أحد القدماء معلومات تفيد أن مسرحية "أندروماخى" قد عُرضت في مكان ما خارج أثينا( مجهول لنا ) و أن جزءاً من مسرحية " الثيسموفورياΘεσμοφοριαζουσες " لأرسطوفانيس يسمح لنا أن نستنتج أن عام 411 ق.م. أن أعمال يوريبيديس كانت تُقدم في أماكن مُختلفة , و حدث تحول كبير في القرن الرابع ق.م. و لأول مرة , يمتد المسرح الأثينى و يتوسَّع و بسرعة كبيرة في جميع العالم الأغريقى . و على الرغم من ذلك ظلت تحتفظ بالمركز الثقافى و الفكرى في بلاد الأغريق فقد جذبت إليها بشدة الشعراء و الممثلين 0 و كانت العروض المسرحية تُقدم أولاً في أثينا و على العكس , كانت المدن الأغريقية الأخرى تفضل العروض الكلاسيكية التى حصلت على جوائز في أثينا و تقوم بتقديمها على مسارحها.

و قد انفصلت المسابقات الدرامية التى كانت تقام خارج أثينا عن عبادة ديونوسوس . و لكن من المؤكد , أن الأعياد التى كانت تُقام على شرف أحد الآلهة , ظلت هى الإطار العام لهذه العروض المسرحية , و تحوَّل ديونوسوس الأن إلى مجرد إله وسط آلهة كثيرة متعددة , و لم يوجد أى علاقة جوهرية بين الطقوس الدينية و الدراما كعُرف عام . ففى مدينة ثيسبيسΘεσπιες التابعة لإقليم بيوتيا Βοιωτιαيقدسون ربات إليكونياديس Ελικωνιαδες و كانت جارتها أوروبوس Ωρωπος كانت مركز عبادة امفياراؤ Αμφιαραοςللعرافة و التنجيم , و كان معبد ديلفوس مُكرساً لعبادة الإله أبولون , و كان يقام له عيداً سنوياً للشكر لإنقاذه العالم الإغريقى من غارات شعوب الكلت 279/ 8 ق.م. ( 61) و في مدينة أرجوس كانت العروض المسرحية تُقام على شرف الربة هيرا زوجة زيوس كبير الآلهة 0 و في مدينة ذوذونى Δωδωνη ( و على المسرح الذى مازال يُستخدم حتى اليوم) كانت العروض تقام على شرف الإله زيوس نايو , و كان مسرح إبيداوروس الذى يقع خارج المدينة , مرتبط بالمكان المقدس الخاص بالإله اسكليبوسΑσκληπιος . و لم يحتاج الأمر إلا إلى خطوة صغيرة , في العصر الهيلينيستى , حتى يتم إعتبار بعض الأحداث السياسية, ومظاهر الإنتصارات أو زواج ملكى زريعة لتقديم عروض مسرحية . و من الجدير بالذكر أن نشير إلى أعياد حلف ديلوس لعدد من الشخصيات المشهورة (62) و أكثر من ذلك كان يتم في تلك المناسبات كان يتجه الناس إلى الآلهة إما للحصول على حمايتهم و تجنب غضبهم و أما للتعبير عن الشكر لهم. و من المؤكد, أن الدراما , و بدون أدنى شك , قد أكتسبت مع مرور الزمن شكل دنيوى انسانى و فنى بحت .

المشاركون في العرض المسرحى

الأرخون، الممول، مدرب الكورس

كان الإعداد للمسابقات الدرامية يتطلَّب أكثر من ستة شهور . فمن اللحظة التى يتولى فيها المسئولون الرسميون مسئولية الأعياد( الحاكم العام للديونيسيا الكبرى , و الملك في أعياد اللينايا ) في الصيف, كان من أولويات مهامهم هى إختيار ثلاثة شعراء من المرشحين للمسابقات ومنحهم " جوقة " طبقاً لما هو متبع في هذه المناسبة , و هذا يعنى الموافقة على الإختيار . و لا يتوافر لدينا أية معلومات عن المعايير التى بها كان يتم هذا اختيار ‘ و لهذا ليس من الصعب تصور مشاكل مثل هذا الإجراء . فلم يكن أى من الحاكم أو حتى مساعديه الإثنين على دراية أو خبرة في هذا المجال ‘ فقد كانت مسئولية تنظيم أعياد الديونيسيا الكبرى مجرد واحداً من الإختصاصات الكثيرة الملقاة على عاتقهم . و لأنه من الصعب أن نتصور أن الحاكم , كى يصل إلى قراره النهائى , كان عليه أن يقرأ النص الدرامى لجميع المرشحين و ذلك إما كاملا ً و إما مقتطفات منه , يجب أن نفترض أنه ربما يكون تقييمه قد كان يتم عشوائياً أو ربما كان قد وضع في إعتباره بعض المعايير الأخرى , و كان المعيار الأهم في هذا الإختيار هو شخصية المرشحيين , بالإضافة إلى ذلك , وكان الأهم , التقييم وعدد الجوائز الذى حصل عليه كل منهم في المسابقات الأخرى . و قد لعب دوراً أساسياً و هاماً أيضا مدى القبول و الرضى الذى ناله من الجمهور, فقد كان من الصعب على الحاكم تجاهل مثل هذه الأمور عند الإختيار . و هكذا يمكننا أن نؤيد الرأى القائل بأن هناك معايير أخرى أُخذت في الإعتبار , فبالإضافة إلى المعايير الفنية و الجمالية الخالصة , كان الإختيار يتطلَّب الأخذ في الإعتبار معايير ذات طابع سياسى و أيديولوجى أو فكرى . في الواقع , عندما يكون تقدييم الشاعر متوقفاً , و بصفة أساسية , على رأى الغالبية من الجمهور و أيضاً على السلطات الحكومية , فمن غير المعقول أن نفترض أن الشاعر قد ظل محايداً أو بعيداً عن الصراعات السياسية و الفكرية السائدة في عصره .

و مما لا شك فيه , أن نظام الإختيار الذى كان يعتمد كأساس مبدأى على الرأى العام للجمهور كان في صالح الشعراء المعروفين . و نتيجة لهذا , كان أول ظهور لأى شاعر جديد أو حتى مجهول , يلعب دوراً حاسماً و هاماً لمستقبل مشواره الفنى . فإن هو حاز على قبول الجمهور, كان من حقه الإعتقاد أن الحظ سيكون حليفة كذلك في المستقبل . , و إن كان الفشل حليفة , كان فرص النجاح قليلة جداً للحصول لمرة ثانية على كورس . و كان من الطبيعى أن يحدث أخطاء عند الإختيار , و لكن طبقاً لما وصل إلينا من معلومات , كان حدوث هذا يتم نادرا ً.

و كانت الخطوة الثانية للحاكم أن يجد أفراد من الشعب لتحمل تكاليف و أجور تعليم الكورس . و كان يُطلق على هؤلاء الأفراد Χορηγοι - و هى كلمة تعنى في الأساس " قائد الكورس " , و لكن صارت هذه الكلمة في وقت متأخر تعنى الممول الذى قامت الدولة بتكليفه . و في العادة كان المرشحون لهذا الشرف المكلِّف جداً يقومون به تطوعاً . و في حالة عدم وجود متطوعين من تلقاء أنفسهم , كان للحاكم الحق في تكليف فرد مناسب من طبقة الأغنياء . و كان تولى التمويل يعتبر خدمة عامة للدولة (( Λειτουργια و لهذا كان يُشكِّل واجباً لكل مواطن حُر ‘ و في أعياد اللينايا كانت من مهام الأجانب المقيمين في أثينا . (67) و كل فرد يعتقد أن تكليفه تم بطريق الخطأ أو بدون وجه حق في هذا العبأ الإضافى , كان له الحق أن يقترح بديلاً له شخص آخر, أكثر ثراءً منه طبقاً لوجهة نظره. و لكن في هذه الحالة , وجب عليه أن يضع في إعتباره , أن الشخص المقترح في إمكانه أن يقترح بدوره " تبادل الثروة " فيما بينهما , و هذا ما كان يجب أن يتم في الحال . و هكذا , كان في إمكان المرشح الأول , أن يُطالب بالتكلفة و المصروفات من ثروة شخص آخر بلدياته ‘ أما إذا كان لا يحمل أدلة كافية تُثبت رأيه , كان عليه أن يكون حذراً جداً و أن يتجنب إلقاء عبء هذه الخدمة على أكتاف الآخر.

و كان لكل جوقة ممول يتحمَّل كافة المصروفات , و هذا يثرى على كل من الشعر الديثرامبى و كذلك الشعر الدرامى . لأن في المسابقة التراجيدية كانت الأعمال الثلاثة أو الأربعة لأحد الشعراء تُشكِّل وحدة واحدة , بينما في المسابقة الكوميدية كان كل عمل كوميدى مُستقل , كانت تحتاج, فقط لأعياد الديونيسيا الكبرى, حوالى 28 ممول على الأقل . و كان على الممولين تحمل كافة أعباء المغنين ( الراقصين) و كافة متطلبات العرض الأخرى . و كان يتم تخصيص الممول لكل شاعر عن طريق القرعة. و من المهام الأولى للممول هى توفير أعضاء الكورس له . و كان إيجاد الراقصين للجوقة الديثرامبية يتم إعداده داخل القبيلة, بينما في الجوقة الدرامية كان في إمكان كل مواطن حُر أن يُشارك فيها . و كان رفض المشاركة ممنوعاً , و كل من لا يطيع أوامر الممول الذى كان يُمثل بشكل أو بآخر سُلطة الدولة , كان عُرضة للعقاب بغرامة مالية . و لكن لم يكن من حق الممول تجاوز سلطته بالسماح بمشاركة شخص يكون القانون قد منعه .

و كان على الممول خلال شهور التدريب الألتزام بكفالة جميع أعضاء الجوقة و كذلك مُدرب الرقص و العازف . و بهذا , تم منحه الفرصة كى يبرز كرمه و سخاءه و كذلك لكى يكسب الود و التقدير من الجمهور . و كان للجوقة الحق ليس فقط في الغذاء و لكن أيضاً في الحصول على مصروف يومى, تعويضاً لهم عن الخسارة المادية لتوقفهم عن العمل طوال فترة الإعداد و عمل البرؤوفات . و بعد العرض كان يحق لهم الإستضافة و تحمل إقامتهم الأخيرة.

و يتحمَّل الممول أيضاً تكلفة الأقنعة و الملابس المسرحية . و لا يجب أن يكون الشكل العام للعرض المسرحى متواضعًا , بل أن يكون مبهرأً و مدهشاً و فقد كانت هذه الأمور تشد إنتباه الجمهور و تترك لديه إنطباع طيب عن العرض . ومن المؤكد أن أى ممول إذا أراد الحد من النفقات , كان في إمكانه , على الأقل في العصور المتنأخرة نسبياً , أن يستعير ملابس.

بالإضافة إلى ما ذكرناه من إلتزامات , كان يُطلب في كثير من الأحيان بعض الأعباء الإضافية من الممول لأستكمال بعض الإحتياجات الضرورية المطلوبة للفرقة المسرحية Παραχορηγημα . فقد كانت هذه الشخصيات المضافة تتبع نوعين مختلفين:

1- شخصيات هامة لتطور الحبكة, و لأسباب فنية , كان عليهم أن يظلوا صامتين إما مؤقتاً و إما بصفة دائمة, و هكذا قام بتولى هذه الأدوار بعض الكومبارس

2- كأدوارالخدم و الأتباع و كان هؤلاء أيضاً كومبارس في الأساس . و مثال للمجموعة الأولى في العصر الكلاسيكى يُعتبر بيلاديسΠυλαδης , الصديق الوفى و رفيق أوريستيس Ορεστης في التراجيديات التى يتناول موضوعها قتل الأم ( 74) و يدخل في إطار هذا النوع أيضاً الشخصيات ذات الحوار المحدود فىمشهد من المشاهد و لهذا لم يُنظر إلى هذه الشخصيات كممثلين أساسيين و عادة ما تكون أدوار للأطفال.

و عندما تطلب العمل الدرامى هذا , كان على الممول أيضاً الألتزام بتحمُّل تكاليف تعليم و تدريب جوقة إضافية كاملة . كان هذا يحدث دائماً في النصف الأول من القرن الخامس ق.م., عندما كانت الجوقة هى مركز الثقل و تلعب دوراً محورياً في الدراما . فقد كانت هذه النفقات تمثل عبءأً كبيراً على الممول , و هكذا لا يدهشنا على الإطلاق إذا علمنا أنه مع مرور الوقت تحولت الجوقات المزدوجة إلى جوقة واحدة و أصبحت نادرة الحدوث.

وعلى العكس , كان وجود الكومبارس شيئاً بديهياً. فالخدم الذين كانوا يساعدون في تقديم الأضاحى أو الحراس المسلحون رمزالسلطة الملكية أو العسكرية كانوا من الضرورى وجودهم حتى ولو لم تكن هناك إشارة واضحة في النص المسرحى تشير إليهم .

ففى المسرحية الساتيرية الوحيدة التى وصلتنا من أعمال يوريبيديس , كانت الجوقة ترافق قطيع من الغنم, الذى , بعد محاولات فكاهية هزلية عديدة لهرب مقدمة القطيع , كان يقوده مجموعة من الخدم ( 83) في داخل الديكور المصمم أى في كهف الكيكلوبس . و من المؤكد و الواضح أن نفترض أنه لم يكن هناك أى قطيع من الغنم حقيقى , بل شباب أثينيون مقنعون , و بالتالى كان هذا تكلفة إضافية παραχορηγηματα(77).

و نستنتج من كل هذا أن تكلفة التمويل بصفة عامة , كانت كبيرة جداً . و ما يتعلق بالدراما و بصفة خاصة الكوميديا كانت النفقات الأساسية تكمن في المهمات المسرحية و التدريب و الإعداد . بينما نجد في الجوقات الديثرامبية عدم وجود هذه المهمات المسرحية و لكن كان يقابله في قيمة التكلفة , العدد الكبير لأعضاء الجوقة الديثرامبية ( 50 راقصاً في الجوقة الديثرامبية في مقابل 12 – و فيما بعد 15 – للتراجيديا و 24 للكوميديا ) . و كان طبيعياً في أوقات الأزمات الإقتصادية العثور بصعوبة على الممولين الضروريين . و هكذا نجد فىأعياد الديونيسيا عام 405 ق.م . قد وجدوا حلاً للمشكلة عن طريق توزيع الأعباء الإقتصادية لكل عمل درامى على ممولين إثنين .

و مع نهاية القرن الخامس و بداية القرن الرابع ق.م . حدث تحول و تغيير في البناء الدرامى أسهم في حل بعض مشاكل إخراجية هامة . و في أعمال أرستوفانيس الأخيرة نلاحظ أنه قام بتقليص دور الكورس مقارنة بعُنصر الحوار, و تخبرنا المصادر القديمة أنه قد حدث نفس الشىء للتراجيديا و في نفس الوقت . ومع ذلك , لا يمكن ربط تقليل دور الكورس بالتدهور الإقتصادى أوعلى أنه رغبة شخصية من الشعراء للحد من النفقات الباهظة أثناء الإعداد و التدريب . ولكن في احسن الأحوال , من الممكن تأييد الرأى القائل بأن هذا التطور الذى بدأ تدريجياً في الظهور , كان بسبب حالة التشاؤم العامة بعد هزيمة أثينا – وتعتبر نوع من الهروب و الإبتعاد عن الواقع السياسى الإجتماعى إلى المجال الخاص و الشخصى . و هذه الظاهرة تبدو بوضوح في المسرحيات الكوميديا , فقد كان من طبيعتها أن تعكس الواقع و محاولة تقديم صورة له بدرجة أسرع من التراجيديا . و في الواقع , في مثل هذا العمل , كان الكورس الذى يمثِّل مجموع شعب أثينا , لم يعد ذو أهمية . و يُلاحظ نفس التطورات في التراجيديا : فقد توقف أن يكون للكورس دوراً مهماً بصورة تدريجية في التراجيديا , التى اهتمت بالبُعد النفسى أثناء عرض صراع الشخصيات . ففى أعمال أجاثون Αγαθων تقلص دور الكورس إلى مجرد عنصر موسيقى راقص مُقحم على العمل الدرامى , و ليس له علاقة مباشرة بتطور الحبكة الدرامية . و يعنى هذا التحول , تخفيف عبء إقتصادى كبير عن الممِّول , لأن بهذه الطريقة تقلص و بصورة كبيرة جداً زمن التدريب و البروفات المخصصة للكورس . و على الرغم من الصعوبات التى كانت تواجه الكوميديا من وقت لآخر ، استمر عنصر التمويل كعُرف سارى المفعول , على الرغم من التدهورالسياسى الحاد لأثينا و الإضمحلال المؤقت للديموقراطية, و هو النظام السياسى و الإجتماعى الذى استمد منه وجوده . و في الواقع , مجرد إنتهاء الحرب البلوبونيسية , زاد مرة أخرى عدد الكوميديات التى عُرضت في المهرجان إلى خمسة . و ظل إهتمام الأثينيين بمسرحهم بلا إنقطاع و استمر لقب ممول يحظى بجاذبية كبيرة و إهتمام من قِبل الكثير من مواطنى أثينا . بالتأكيد تقلصت تدريجياً دائرة المرشحين لنيل هذا الشرف اكثر فأكثر , بسبب التدهور الإقتصادى للمدينة . و أخيراً , في ظل حُكم ديميتريوس فاليرياس Δημητριος Φαληρεας( حوالى 315 ق.م.) , تم إلغاء هذا العُرف الديمقراطى المميَّز ,الذى ظل لمدة قرنين متواصلين يُساهم بكل قوة في إبراز و تشكيل الإطار العام للعروض الدرامية . فقد تحملت الدولة مباشرة مسئولية المسابقات . كان يتم إختيار مسئول واحد يتولى مهمة تأمين نفقات التدريب ( التى لم تكن إلى حد ما كبيرة , و لكن ظلت باهظة التكاليف كى يتحملها شخص واحد) و ذلك من بنود خزينة الدولة . و تم الإحتفاظ بالمصطلح القديم : " كان الممول هو الشعب" و هو ما نتعرف عليه في كثير من الإشارات .

و لم يهتم الممول على الإطلاق بأمور التدريب و البروفات, فقد كانت من إختصاص أحد المحترفين في هذا المجال . فقديماً كان الشعراء في أثينا يقومون بإخراج أعمالهم المسرحية بأنفسهم , و كان من البديهى أن يتولوا أيضاً مهمة الممول. و كما نعلم لم يكن هناك أى إستثناء لشعراء التراجيديا من هذا القانون الذى كان على كل شاعر أن يلعب الدور المحورى و المنفِّذ الفعال للعرض المسرحى . و لم يكن يستثنى من هذا سوى الأعمال المسرحية التى كانت تُعرض بعد وفاة الشاعر فكان يتولى إخراجها آخرون. فقد فاز أريستياس Αριστιας, إبن الشاعر براتيناس πρατινας في عام 467 ق.م. بالجائزة الثانية بأعمال والده , و فاز أيضاً يوريبيديس الإبن عام 406 ق.م. بأعمال والده المتوفى , و كان من بين هذه الأعمال " عابدات باخوس Βακχες" و كذلك " إفيجينيا في أوليس Ιφιγενεια η εν Αυλιδι" . و من هنا فإن العرض المرسوم على الآنية الفخارية" لبرونومو Προνομου " ,( 82) و الذى يُشير إلى جلوس الشاعر في مكان المخرج حاملاً في يده لفائف بأوراق المسرحية , وهو ما كان يحدث في الواقع . و من منتصف القرن الرابع ق.م. عندما كانت الأعمال القديمة يتم عرضها بصورة مستمرة , إنتقلت مهمة الإخراج تدريجياً إلى أيدى الممثل الأول .

و العكس من ذلك , لم يكن ضرورياً على الإطلاق أن يقوم شاعر الكوميديا بمهمة الإخراج. فنحن نعرف أن أريستوفانيس كان دائما يُكلف آخرين للقيام بمهمة إخراج أعماله الكوميدية . و لا نستطيع إلا أن نقدم مجرد تصورات عن أسباب هذه الظاهرة . فقد بدأ أريستوفانيس الكتابة في سن صغيرة جداً وبالتالى لم

و تعيين معلم رقص للكورس الديثورامبوس كان ظاهرة مؤلوفة أكثر مقارنة بالجوقات الدرامية الأخرى , و ذلك كان بسبب أن شعراء الديثورامبوس حسب العُرف ليسوا أثينيين, و لهذا لم يُشاركوا في عملية استعدادات العيد . و الممول الذى كان يمثلهم تولى مسئولية تكليف شخص قدير بما فيه الكفاية لتعليم الجوقات الخاصة بهم.

و عندما كان الشاعر الكوميدى أثينى المولد, كان تعيين مُعلم للكورس من الواضح أنه كان يتم بطريقة مختلفة. فمن واقع ملاحظات التدريب الخاصة بأرسظوفانيس نلتقى بصفة دائمة بإسمين و منه نستنتج أن الشاعر كان يختار بنفسه المخرج. في هذه الحالة كان دور الممول يقتصر على تقديم الأموال.

البروفات و التدريب

بعد أن يتم تكوين الفرقة المسرحية ( و هذا ما كان يتم كل عام منذ البداية، و ذلك لأن المسرح لم يعمل كعُرف دائم طوال العام ) كانت الخطوة التالية هو إيجاد مكان مناسب للتدريب . و كان هذا أيضاً من ضمن مهام الممول, تماماً مثل المسائل التنظيمية الأخرى. و إذا ما وضعنا في إعتبارنا أنه كان يتم تدريب أكثر من 24 جوقة في وقت واحد في أثينا لشهور أو أسابيع قبل الديونيسيا الكبرى ، ندرك في الحال أن إيجاد مكان للتدريب أو عمل البروفات لم يكن بوجه عام مشكلة صغيرة. ليس مُستبعداً إستخدام بعض المبانى العامة مثل الأوديون( قاعة الموسيقى ) و الرواق الملكى لهذا الغرض ، لكن في كثير من الأحيان كان الممول ملزماً بالبحث عن أماكن خاصة، و هى إما أن يقدمها بنفسه و إما أن يقوم بإستئجارها بماله الخاص . و في أحد أقوال انديفونداس يشدد المتهم أنه خلال فترات التمويل المتعددة التى قام بها ، خصَّص منزله كمكان لتدريب الجوقات التى كُلف بها. فقد تطلَّب التمويل، كما يبدو، بعض التضحيات الشخصيةو في هذه الحالة بالذات وُجد المتهم مُتورطاً في قضية قتل أحد الأطفال في الجوقة. و يبدو أن لبعض الوقت تم إستخدام مكان خاص في أثينا من أجل القيام بعمل البروفات التراجيدية، و على وجه التحديد أحد مبانى في حى ميليتيسΜελιτης. و لكن المعلومات المتعلقة بهذا الموضوع مكتشفة حديثاً و غير واضحة تماماً، و بهذا لسنا في وضع يسمح لنا بمعرفة شيئاً معيناً عن عُمر أو إستخدام هذا المكان.

النقاد

كان إختيار وتعيين النقاد ، الذى يعتبر المرحلة النهائية في هذه الإجراءات, و كانت تتم قبل العروض لمسرحية بوقت قليل. و قد شكل إختيار الأفراد الذين سوف يتولون تقييم الموهبة الشاعرية و إمكانات التمثيل للمتنافسين إهتماماً عاماً، لأن مشاركة الأثينيين في المسابقات الدرامية كانت تتم بطريقة فعالة. و أعتبر النقاد أنفسهم ممثلين للمواطنيين الذىن تابعوا العرض، و لهذا السبب يذكر أرستوفانيس بصورة مستمرة كل من المشاهدين و النقاد معاً. كل مرة يتوجه فيها إلى الجمهور لموضوعات فنية، كان يتحدث إلى بصفة أساسية إلى ممثليهم، أى إلى النقاد.

و كان يُصدر قرار النصر أو الهزيمة لجنة، "المراقبون المحاسبون للجوقة الذين تركوا الخدمة" ، كما وصفها بنجاح يوبوليسΕυπολης ، عن نقلهم من الخدمة الحكومية .(99) و قد يكون من غير المحتمل ، بالتأكيد، أن نفترض أن أعضاء اللجنة كانوا يقررون عكس ما كان يستحسنه الجمهور‘ و متوافر لدينا معلومات تُشير إلى أن المشاهدين دائماً ما كانوا يمارسون على النقاد ضغوط عن طريق التعبير الواضح عن رضاهم و عطفهم .(100) و في عام 468ق.م.عندما ظهر لأول مرة الشاعر سوفوكليس ذوالثمانى و العشرين عاماًو فاز في الحال بالجائزة الأولى، يبدو قد أثار إنشقاق حاد في الرأى بين المشاهدين.و بهذا أُضطر الحاكم Αρχων أن يستدعى مجلس القواد العشرة بدلاً من لجنة النقاد – و كان يوجد بينهم كيمونΚιμων. و قد مثَّل هؤلاء خير تمثيل القبائل العشرة و فوق ذلك كانت لهم شخصية إعتبارية لا غبار عليها – واقعاً كان له مغزى أكبر من أى معارف خاصة في مجال الفن.

و طريقة إختبار النقاد كانت مُعقدة عن قصد ، و ذلك من أجل تحاشى الرشوة قدر الإمكان . من البداية، كان أعضاء مجلس كل قبيلة يختار بعض المرشحين، و يجب أن نفترض أن هذا كان يتم لكل مسابقة على إنفراد. و من الغريب أن في هذا المرحلةالتمهيدية كان أيضا للممولين حق الكلمة، لأن بهذا الطريقة كان طبيعياً أن يشمل بالعطف بعض الأفراد الذين يميل إليهم. و كانت صناديق الإقتراع بأسماء المرشحين تُشمَّع بإستمرار و إهتمام و تُحفظ في الأكروبول. و في يوم المهرجان فقط, حيث يتواجد جميع المواطنين مجتمعين بالفعل في المسرح، يتم الإختيار النهائى . و كان يتم إختيارشخص واحد من كل صندوق من صناديق الإقتراع العشرة‘ و النقاد الذين يتم إختيارهم بهذه الطريقة يقسمون علناً بأنهم سوف يحكمون بما تمليه عليهم ضمائرهم و بعد ذلك يشغلون مقاعدهم الشرفية. عندها يمكن أن يبدأ العرض. و هذا الإجراء المُعتاد ربما كان يتم لكل المسابقات التى تتطلب يوماً واحداً أى للأشعار الديثورامبية و الكوميديا . في هذه الحالات كان القرار الموضوعى للنقاد ، الذين كتبوا في النهايةأسماء الفائزين على اللوحات حسب الترتيب من ناحية التفضيل و المميزات، مضمون. بالإضافة إلى ذلك يجب أن نعلم أنهم لم يعطوا أهمية للإقتراع السرى‘ فمن مقتطف لحديث ليسيا Λυσια نستنتج أن قرار الناقد كان يمكن أن يكون معروفاً للجميع . (103) بعد ذلك كانت هذه اللوحات توضع في صندوق إقتراع ، و لكى يتم إتخاذ لقرار النهائى كان هناك إقتراع آخر عن طريق يتم سحب خمسة لوحات فقط من العشرة ، و يُلغى الباقى – و هو آخر إجراء تأمين، حتى لا يعلم أحد مقدماً أى المرشحين سيكون الفائز الأول في النهاية . و قد أصبح رقم النقاد الخمسة مضرب الأمثال في حالات التقييم و إتخاذ الأراء .

الألقاب الشرفية و الهدايا

ظل عمل الممول حتى هذا الوقت في الظل و غير ملحوظ، فقد كان إهتمامه منصب على إنجاز كافة الإستعدادات و بدون أى عقبة. و لكن يحل يوم العيد، كان في إمكانه الظهور علناً و أن يتقبَّل بعض مظاهر التكريم الشرفية مكافأة له على ما تكلفه من نفقات كبيرة. ففى حفلة الإفتتاحΠροαγωνας يقومون بمنحه وضعاً مميزاً ؛ فالآن الموكب الإحتفالى الكبير الذى منحه الفرصة أن يجذب إليه الإنتباه عن طريق فخامة ملابسه الإحتفالية، فقد إحتل منزلة في الديونيسيا لا تنقص إلا قليلاً عن منزلة الكاهن.( 108) و كان من الطبيعى أن يكون طموح الممول تأمين أمور فوز الجوقة التى كُلِّف بها. ما كان يحدث في هذه الحالة نتعرَّف عليه بصورة أفضل من خلال فوز الجوقات الديثورامبية. فمموليهم، كممثلين للقبيله الفائزة ، فهم لم يكسبوا فقط الأكليل الديونيسى من اللبلاب، و لكن أيضاً "حامل ثلاثى القوائم" Τριποδας، و هو جائزة ممنوحة من الدولة.(109) في نفس الوقت تعهدوا بإقامة نصب تذكارى على نفقتهم الخاصة تخليداً لذكرى الفوز. و كان يجرى هذا بجوار مسرح ديونوسوس، على الجانب الشرقى من الأكروبول’ من هناك كان يمر طريق يتجه إلى السوق يُسمى " الحامل ثلاثى القوائم". و هو طريق قديم يربط بين مكانين مقدسين لديونوسوس و كان يُحاط بمآت القوائم الثلاثية التى كانت تخلِّد الإنتصارات. و كان الممول في البداية يكتفى بإقامة قاعدة بسيطة لأستقبال هديته ذى ثلاث قوائم أو قاعدة بكتابات تتعلق بمناسبة فوزه بالحامل ثلاثى القوائم. و خلال القرن الرابع ق.م. أخذت هذه القوائم الثلاثية تدريجياً صفة النُصب التذكارية، وفى الوقت الذى كان فيه الممولون يهتمون بإبراز مكانتهم المرموقة، كان التنافس فيما بينهم على الأنفاق الأكثر. وكنموذج لهذا النوع المعمارى يُعتبر النصب التذكارى لليسيكراتىΛυσικρατης ، الذى شُيَّد في عام 335/4 ق.م. عبارة عن معبد صغير دائرى الشكل من المرمرعلى قاعدة متوازية السطح ، و على سطحه وضع قائم ثلاثى القوائم في حجم غير طبيعى.

و على هذه القواعد الكثيرة و الكتابات المنقوشة نقرأ إسم القبيلة الفائزة و بعد ذلك إسم الممول وإسم المدرب . يتلو ذلك التاريخ الذى كان يعطى مع إسم الحاكمΑρχων و من القرن الرابع كان يشير إلى إسم العازف.

المبانى

مسرح ديونوسوس في أثينا

كل الدرامات تقريباً التى كُتبت في القرن الخامس ق.م. عُرضت أولاً على مسرح ديونوسوس. بالإضافة إلى ذلك ، فقد كان و لفترة زمنية كبيرة المسرح الوحيد، و من أجل هذا ، عند بحث الظواهر التاريخية يجب أن نضع في إعتبارنا منذ البداية الواقع الأثينى . فقد تبقى اليوم من الشكل المعمارى البدائى للمسرح بقايا قليلة. و هذا يرجع إلى كل من تاريخ الإنشاءات المعمارية و أيضاً إلى الحقيقة أن لأكثر من 500 عام بلا توقف عُرضت أعمال مسرحية والتى في كثير من الأوقات كانت تتطلب تقنيات فنية جديدة ، و بهذا خلقت ضرورة حدوث بعض التغييرات و أيضاً إضافات معمارية جديدة.و لهذا السبب فإن أول تعارف و أول تحليل لبعض الأجزاء المعمارية سيكون اكثر جدوى أن يتم على أحد المسارح مثل مسرح إبيدواروسΕπιδαυρος( لوحة رقم1) و ذلك ليس فقط بسبب أن ضبط و تنفيذ الخطة المعمارية تتطابق تماماً، و لكن أيضاً لأنه قد حافظ إلى حد كبير على شكله البدائى و أيضاً ، بالإضافة إلى ذلك فإن حالته اليوم جيدة جداً. و لكن محاولة إعادة ترتيب وجوه تطور المسرح الأغريقى يقودنا رغماً عنا إلى مسرح ديونوسوس. و نرى عن قصد أن نبدأ من هذا، واضعين في الإعتبار النصوص الدرامية التى وصلتنا سليمة ، وذلك كما هو معروف بسبب وجود علاقة حميمة بين التطور الدرامى و بين ما تم تحقيقه من إمكانات تقنية و فنية.

النواة الأولى لمسرح ديونوسوس ( و أيضاً، جميع مسارح اليونان عامة) هى معبد ديونوسوس المخلّص ‘ على المنحدر الجنوبى للأكربول الذى كان يتميز بواجهه عكس تجاه المدينة. و في المكان المجاور وفى داخل الفناء المقدس تطور تدريجياً ، إعتباراً من القرن السادس ق.م. و فيما بعد، أول بناء مسرحى. وقد إكتمل مبكراً نسبياً تشكيل الصورة المميزة للمسرح الإغريقى لجميع العصورالتى – بالقياس مع إختلاف وظيفة كل من الكورس و الممثلين و المشاهدين – تُقدم تقسيم ثلاثى للمكان ، و في المقابل يوصف كوحدة تنظيمية متكاملة متناسقة ، يلاءم الأعمال التى لها جذوردينية قوية و التى يُشارك فيها جميع المواطنين . و لم يكن هناك أى ستائر أو حواجز على الأوركسترا تفصل بين الشخصيات التى تلعب الأدوار في المسرحية و بين جمهور المشاهدين . و كان مكان العرض و مكان المشاهدين يُضاء من نفس ضوء النهار الطبيعى.

أقنعة الكوميديا والتراجيديا

أهم الأعمال في المسرح اليوناني القديم

التراجيديات

الكوميديات


انظر أيضاً

وصلات خارجية

المصادر

  1. ^ الدكتور حمدي موصللي (26/2/2008). "المسرح اليوناني". ديوان العرب. Check date values in: |date= (help)
  2. ^ أ.م.د. أحمد بدوري. "المسرح اليونانى القديم".
  • Buckham, Philip Wentworth, Theatre of the Greeks, London 1827.
  • Davidson, J.A., Literature and Literacy in Ancient Greece, Part 1, Phoenix, 16, 1962, pp. 141-56.
  • ibid., Peisistratus and Homer, TAPA, 86, 1955, pp. 1-21.
  • Easterling, Pat and Hall, Edith (eds.), Greek and Roman Actors: Aspects of an Ancient Profession, 2002. [1]
  • Else, Gerald P.
    • Aristotle's Poetics: The Argument, Cambridge, MA 1967.
    • The Origins and Early Forms of Greek Tragedy, Cambridge, MA 1965.
    • The Origins of ΤΡΑΓΩΙΔΙΑ, Hermes 85, 1957, pp. 17-46.
  • Haigh, A.E., The Attic Theatre, 1907.
  • Lesky, A. Greek Tragedy, trans. H.A., Frankfurt, London and New York 1965.
  • Pickard-Cambridge, Sir Arthur Wallace
    • Dithyramb, Tragedy, and Comedy , Oxford 1927.
    • The Theatre of Dionysus in Athens, Oxford 1946.
    • The Dramatic Festivals of Athens, Oxford 1953.
  • Ridgeway, William, Origin of Tragedy with Special Reference to the Greek Tragedians, 1910.
  • Riu, Xavier, Dionysism and Comedy, 1999. [2]
  • Schlegel, August Wilhelm, Literature, Geneva 1809. [3]
  • Sourvinou-Inwood, Christiane, Tragedy and Athenian Religion, Oxford:University Press 2003.
  • Wiles, David, The Masked Menander: Sign and Meaning in Greek and Roman Performance, 1991.
  • Wise, Jennifer, Dionysus Writes: The Invention of Theatre in Ancient Greece, Ithaca 1998. review
  • Zimmerman, B., Greek Tragedy: An Introduction, trans. T. Marier, Baltimore 1991.