أرسطوفان

(تم التحويل من أريستوفانس)
كما تخيله رسام في القرن 19. إلا أنه يـُستنتـَج من تلميحات في مسرحياته، أن أرسطوفان كان أصلعاً منذ وقت مبكر [1]
المسرحيات المتبقية:
The Acharnians 425 ق.م.
The Knights 424 ق.م.
الغيوم 423 ق.م.
The Wasps 422 ق.م.
السلام 421 ق.م.
الطيور 414 ق.م.
Lysistrata 411 ق.م.
Thesmophoriazusae 411 ق.م.
الضفادع 405 ق.م.
Ecclesiazusae c.392 ق.م.
الثروة 2 388 ق.م.

أرسطوفان (Ἀριστοφάνης؛ بالإنگليزية: Aristophanes؛ ح. 446 – ح. 386 ق.م.) ابن فلپوس، من deme Cydathenaus,[2] كان كاتب مسرحيات كوميدية شهير وغزير الانتاج في أثينا القديمة. وصلتنا أحد عشر من مسرحياته الأربعين، كاملين. وهؤلاء ومعهم شذرات من بعض مسرحياته الأخرى، يعطون الأمثلة الحقيقية الوحيدة من صنف من الدراما الكوميدية المعروفة بإسم الكوميديا القديمة، وهم في الواقع ما يـُسخدم في تعريف ذلك الصنف.[3] كما يعرف بلقب أبو الكوميديا[4] و أمير الكوميديا القديمة،[5] وقد قيل أن أرسطوفان قد أعاد خلق حياة أثينا القديمة بشكل أكثر اقناعاً عن أي كاتب آخر.[6] قدراته على السخرية كانت موضع خوف واعتراف من قِبل معاصريه المؤثرين - أفلاطون[7][8] اختص أحد مسرحيات أرسطوفان الغيوم كهجوم يساهم في محاكمة واعدام سقراط بالرغم من أن مسرحيات ساخرة أخرى[9] قد سخرت من الفيلسوف. مسرحيته الثانية، البابليون (مفقودة الآن)، انتقدها الغوغائي كليون كهجوم على نظام المدينة اليونانية القديمة. ومن المحتمل أن القضية قد عـُرضت في محكمة إلا أن تفاصيل المحاكمة لم تـُسجـَّل، وقد سخر أرسطوفان من كليون بلا رحمة في مسرحياته اللاحقة، وخصوصاً في المسرحية. "في رأيي،" يقول أرسطوفان من خلال الكورس في تلك المسرحية، "وظيفة مؤلف-مخرج الكوميديات هي أصعب الوظائف على الاطلاق." (κωμῳδοδιδασκαλίαν εῖναι χαλεπώτατον ἔργον ἁπάντων)[10]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

أرسطوفان والحرب

مسرح ديونيسس، أثينا - في زمن أرسطوفان، the audience probably sat on wooden benches with earth foundations.[11]

المأساة اليونانية أشد قتاماً من المآسي الإنجليزية في عصر الملكة إليزابث لأنها قلما تستخدم مبدأ الترفيه التهكمي الذي يتخلل المأساة فيزيد قدرة السامع على احتمال ما فيها من فواجع. والكاتب اليوناني المسرحي لم يكن يلجأ إلى هذه الطريقة لأنه كان يفضل أن تكون مأساته عالية المستوى من بدايتها إلى نهايتها، ولذلك ترك المسلاة إلى كتاب المسرحيات الهزلية الخالية من المغزى والتي تهدئ عواطف النظارة المهتاجة بما تهيئه لهم من الفكاهة والراحة. وقد انفصلت المسلاة على مر الزمن من المأساة واستقلت عنها، وأفرد لها يوم خاص في الحفلات الديونيشية اقتصر منهج الاحتفال فيه على ثلاثة مسال أو أربع يكتبها مؤلفون مختلفون وتمثل واحدة بعد واحدة لتحصل كل منها على جائزة مستقلة.

وازدهرت المسلاة اليونانية كما ازدهرت الخطابة، في صقلية أول الأمر. ذلك أنه قدم إلى سرقوصة من كوس في عام 484 فيلسوف، شاعر، طبيب، كاتب مسرحي يدعى إبكارمس Epicharmus أخذ يعرف الناس بفيثاغورس وهرقليطس ومبادئ العقليين في خمس وثلاثين مسلاة لم يبق منها إلا عبارات متفرقة منقولة عنها، وبعد اثنتي عشرة سنة من قدوم إبكارمس إلى صقلية أجاز الأركون الأثيني لفرقتها أن تمثل مسلاة؛ وسرعان ما نما الفن الجديد وتطور بتأثير الديمقراطية والحرية حتى أصبح أهم وسائل الهجو الأخلاقي والسياسي في أثينة؛ وكانت حرية التعبير الواسعة المسموح بها في المسلاة تقليداً يرجع إلى المواكب الديونيشية التي كانت تحمل عضو التناسل في الذكور. ولما أسيء استعمال هذه الحرية سن في عام 440 ق.م قانون يحرم التهجم على الأشخاص في المسلاة، لكن هذه الخطر ألغي بعد ثلاث سنين من ذلك الوقت وظل الكُتاب يستمتعون بحرية الكلام وحرية السباب كاملتين حتى في أيام حرب البلوبونيز، فكانت المسلاة اليونانية والحالة هذه تؤدي واجب الصحافة الحرة في الديمقراطيات الحديثة، أعني بذلك واجب النقد السياسي.

ونحن نسمع عن كثيرين من كتّاب المسالي قبل أرسطوفان، بل إن أرسطوفان نفسه - وهو ريليه العهد العظيم، قد نزل من عليائه فأثنى على بعضهم بعد أن انقشع عجاج المعارك التي احتدمت بينه وبينهم. ومن هؤلاء الكتّاب أقراطينوس Cratinus لسان سيمون Cimon الناطق، والذي أثار حرباً شعواء على بركليز ولقبه "الإله القادر ذا الرأس الشبيه ببصل الفأر " (126). ولقد أنجانا الزمان الرحيم من قراءة مسرحيات هذا الكاتب... ومن هؤلاء السباقين أيضاً فركراتس الذي هجا في مسرحية الرجال الهمج التي كتبها حوالي 420 ق.م الأثينيين الذين يعلنون أنهم يمقتون الحضارة ويتمنون العودة إلى الطبيعة. ألا ما أقدم البدع التي يبتدعها الناس في شبابهم! على أن أقدر منافسي أرسطوفان هو يوبوليس Eupolis، وقد تعاونا أولاً في العمل ثم تنازعا وافترقا، وأخذ كلاهما يهجو صاحبه أقذع الهجاء، ولكنهما مع ذلك اتفقا في حملتهما على الحزب الديمقراطي. وإذا كانت المسلاة قد عادت الديمقراطية طوال القرن الخامس فقد كان من أسباب هذا العداء أن الشعراء يحبون المال، وأن الأشراف كانوا أغنياء؛ لكن أكبر أسبابه أن وظيفة المسلاة اليونانية كانت تسلية الجماهير عن طريق النقد، وأن الحزب الديمقراطي كان وقتئذ صاحب السلطان. وإذ كان بركليز زعيم الديمقراطية يعطف على الأفكار الجديدة كتحرير المرأة والنزعة العقلية في الفلسفة فإن كتاب المسالي قد اتفقوا جميعاً، اتفاقاً يبعث على الريبة في مصدره، على مقاومة التطرف في جميع أشكاله، وأخذوا يدعون إلى العودة إلى أساليب "رجال مرثون" وما كان يعزى إليهم من مبادئ أخلاقية. وكان أرسطوفان لسان هذه الرجعية ومردد صداها، كما كان سقراط ويوربديز رائدي الآراء الجديدة. وهكذا استحوذ النزاع بين الدين والفلسفة على مسرح التمثيل الهزلي.

وكان لدى أرسطوفان من الأسباب ما يبرر حبه للأرستقراطية، فقد كان ينتمي إلى أسرة مثقفة غنية، ويبدو أنه كان يمتلك أرضاً في إيجينيا، بل إن اسمه نفسه ليدل على أنه من النبلاء لأن معناه "الأفضل يظهر". وكان مولده حوالي عام 450 ق.م، وإذن فقد كان في عنفوان الشباب حين دارت بين أثينة وإسبارطة تلك الحرب العوان التي أضحت فيما بعد موضوعاً مشئوماً لمسرحياته. وقد اضطره غزو إسبارطة لأتكا إلى مغادرة مزرعته في الريف والسكنى في أثينة. وكان يكره حياة المدن، وأظهر شديد استيائه حين طلب إليه فجأة أن يكره الميغاريين، والكورنثيين، والإسبارطيين. وأخذ يندد بهذا التطاحن الذي يقتل فيه اليوناني أخاه، ويدعو في كل مسرحية يكتبها إلى السلم.

وانتقلت السلطة العليا في أثينة بعد موت بركليز في عام 429 إلى يدي كليون Cleon دابغ الجلد الغني ممثل المصالح التجارية التي تدعو إلى القضاء قضاءً مبرماً على إسبارطة منافسة أثينة في السيادة على بلاد اليونان. وقد سخر أرسطوفان في مسرحية له مفقودة تدعى "البابليين"(426) سخريةً لاذعة من كليون وأساليبه السياسية قدم بسببها إلى المحاكمة بتهمة الخيانة وحكم عليه بغرامة. وثأر أرسطوفان لنفسه بعد عامين من هذا الحكم بإخراج مسرحية الفرسان The Knights؛ وكانت أهم شخصية في هذه المسرحية هي شخصية ديموس Demos (أي الشعب)؛ وكان لديموس هذا رئيس خدم يدعى "الدباغ". ولم يكن أحد يجهل من المقصود بهذه الألقاب حتى كليون نفسه الذي كان ممن شاهدوا المسرحية. وكان ما فيها من هجو لاذعاً شديداً إلى حد امتنع الممثلون جميعاً عن تمثيل دور الدباغ خوفاً من العقاب السياسي الصارم، فلم يجد أرسطوفان بداً من أن يمثل بنفسه هذا الدور وفي هذه المسرحية يعلن نيشياس Nicias (وهو اسم الزعيم المحترف رئيس الحزب الألجركي) أن الوحي أنبأه بأن الحاكم الثاني الذي سيتولى الأمر في بيت ديموس سيكون بائع وزم. ويُقْبل هذا البائع الدوار ويحييه العبيد ويلقبونه "زعيم المستقبل في أثينتنا المجيدة!" ويخاطبه بائع الوزم بقوله: "أرجو أن تسمح لي بأن أذهب لأغسل سقطي... إنك تسخر مني". ولكن رجلاً يدعى دمستين يؤكد له أنه يتصف بالصفات التي تؤهله لأن يحكم الشعب- أليس هو وغداً منحطاً، مجرداً من العلم على اختلاف أنواعه؟ ويخشى الدباغ أن يفقد مركزه فيؤكد ولاءه لديموس واستعداده لخدمته، ويقول إن أحداً غيره لم يخدم ديموس كما خدمه هو إلا العاهرات. وتحوى المسرحية المجون الذي اعتاده أرسطوفان: فالوزام يضرب الدباغ بالسقط ويستعد لمباراة خطابية في الجمعية بأكل مقدار من الثوم؛ ويعقب هذا تنافس في الملق والدهان ليعرف مَن من المتنافسين يستطيع أن يسرف في مديح ديموس أكثر من سواه، فيكون بذلك "أكثر استحقاقاً لرضاء ديموس وبطنه". ويحضر المتنافسون قدراً عظيماً من الطيبات، يبسطونها أمام ديموس قبل الانتخاب لتكون وعداً منهم بما سوف يقدمونه له بعدها. ويقترح الوزام أن يختبر شرفهم وأمانتهم بأن تفتش خزانة كل مرشح، فيعثر في خزانة الدباغ على كومة من المأكولات الشهية الطرية، أهمها كعكة ضخمة لم يقطع منها لديموس إلا قطعة جد صغيرة (وكان ذلك إشارة إلى تهمة رائجة في ذلك الوقت تقول إن كليون قد سرق قدراً كبيراً من أموال الدولة). وعلى أثر هذا يفصل الدباغ من عمله ويصبح الوزام حاكم بيت ديموس.

وتواصل مسرحية الزنابير السخرية من الديمقراطية سخرية أخف من السخرية السابقة. ففيها يظهر جماعة من المواطنين المتعطلين - على هيئة زنابير - يسعون إلى كسب أبلة أو أبلتين في كل يوم بأن يكونوا قضاة، حتى يستطيعوا بالاستماع إلى "المنزلفين" وجباية الضرائب الباهظة أن يستولوا على أموال الأغنياء ويضعوها في خزانة الدولة وفي جيوب الفقراء.

ولكن أكثر ما يهتم به أرسطوفان في هذه المسرحيات الأولى هو السخرية من الحرب والدعوة إلى السلم. فبطل مسرحية الأكارنيين (425) رجل يسمى دسيوبوليس Dicaeopoles "المواطن الشريف" وهو مزارع يشكو من أن الجيوش قد أتلفت أرضه حتى لم يعد يستطيع العيش بعصر النبيذ من كرومه. وهو لا يجد ما يدعو إلى الحرب، ويؤمن بأنه ليس بينه وبين الإسبارطيين سبب للخصام. ويطول انتظاره لأن يعقد القواد والسياسيين الصلح، فيوقع هو معاهدة شخصية مع اللسديمونيين، ويشهر به جماعة من جيرانه الوطنيين دعاة الحرب فيجبهم بقوله:

أني أشك كثيراً هل الإسبارطيون هم الملومون وحدهم في جميع الأحوال. الجيران: أتقول إنهم غير ملومين في جميع الأحوال؟ يا لك من وغد أفاق! كيف تجرؤ على النطق بهذه الخيانة الوطنية أمامنا، ثم تظن أنك ستنجو منا؟

ويوافق على أن يسمح لهم بقتله إذا عجز عن البرهنة على أن أثينة يقع عليها من اللوم في إشعال نار الحرب بقدر ما يقع على إسبارطة. ويوضع رأسه على وضم، ويبدأ في الإدلاء بحجته. وفي هذه اللحظة يدخل قائد أثيني، مهزوم، متبجح، منتهك لحرمة الآلهة، يشمئز منه الحاضرون، فيخلو سبيل ديسيوبوليس، ويدخل السرور على قلب كل إنسان بأن يبيع لهم خمراً يسمى السلم. وكانت المسرحية غاية في الجرأة ولا يجيزها إلا شعب تعود أن يستمع إلى ما يقال ضده. وقد استفاد أرسطوفان من عادة الاستطراد التي كانت تجيز لكاتب المسلاة أن يخاطب النظارة على لسان فرقة المنشدين أو إحدى شخصيات المسرحية، فأخذ يشرح للجمهور الغرض الذي يهدف له بوصفه رجلاً دواراً فكهاً بين الأثينيين ينقب عن عيوبهم ويكشفها لهم.

"لم يعمد شاعرنا منذ كتب المسالي إلى إطراء نفسه على المسرح... ولكنه يعتقد أنه فعل لكم الخير الكثير. وإذا لم يقبلوا بعد الآن أن يسرف الغرباء في خداعكم، أو يغروكم بالملق والدهان، وإذا لم تكونوا في السياسة إمعات كما كنتم من قبل، فالفضل في ذلك راجع إليه. وقد كنتم من قبل إذا أرادت وفود المدن الأخرى أن تخدعكم لا يتطلب ذلك منهم إلا أن يصفوكم بأنكم "الشعب المتوج بالبنفسج"، فلا تكادون تسمعون لفظ بنفسج حتى تعتدلوا في جلستكم على أطراف أعجازكم. وإذا أراد أحد أن يستثير غروركم وتحدث عن "أثينة الغنية الناعمة نال كل ما يبغيه منكم لأنه يتحدث عنكم كما يتحدث عن السردين في الزيت. ولقد أحسن الشاعر إليكم كل الإحسان حين حذركم من هذه الحيل الخادعة"(127).

ولقد نال الشاعر أعظم النصر في مسرحية السلم التي أخرجها عام 421. ففي ذلك الوقت كان كليون قد مات، وأوشك نيشياس أن يوقع مع إسبارطة معاهدة سلام وصداقة تدوم خمسين عاماً. ولكن الحرب اشتعلت نارها مرة أخرى بعد بضع سنين، وخاب أمل أرسطوفان في بني وطنه فدعا نساء اليونان في عام 411 أن يعملن لحقن الدماء. وتبدأ مسرحية ليسستراتا باجتماع نساء أثينة، في مطلع الفجر ورجالهن نائمون في مجلس حربي قرب الأكربوليس، ويتفقن على أن يمنعن عن أزواجهن متع الحب حتى يعقدوا الصلح مع العدو، ثم يرسلن رسولاً إلى نساء إسبارطة يدعونهن إلى معاونتهن في حملة السلم الجديدة. ثم يستيقظ الرجال آخر الأمر من نومهم فيعون النساء أن يعدن إلى بيوتهن، وتأبى النساء العودة فيحاصرهن الرجال بدلاء ملأى بالماء الساخن وبسيل من الكلام؛ وتلقي ليسسترا (منقذة أثينة) على الرجال درساً تقول فيه:

لقد صبرنا عليكم كثيراً في الحروب الماضية... ولكننا كنا نفرض عليكم رقابةً شديدة، وكثيراً ما كنا نسمع، ونحن في منازلنا، أنكم قد أخطأتم في تقرير أمر من الأمور. فإذا سألنا عنه قال الرجال: "وما شأنكن أنتن والمسألة عن هذا؟ اصمتن". وسألنا "كيف يحدث يا زوجي أن تسير الأمور بهذه السخف على أيدي الرجال؟". ويجيب زعيم الرجال بقوله إن النساء يجب أن يبتعدن عن شئون الدولة، لأنهن عاجزات عن تصريف شئون الخزانة العامة. (وتتسلل بعض النساء في أثناء هذا النقاش إلى أزواجهن وهن يتمتمن بحجج من نوع حجج أرسطوفان). وترد ليسسترا على ذلك بقوله: "وكيف لا يستطعن؟ فطالما دبرت الزوجات شئون أزواجهن المالية لخيرهم ولخيرهن". وتبدي من الحجج القوية ما يقنع الرجال آخر الأمر بعقد مؤتمر من الدول المحاربة، ويجتمع مندوبو هذه الدول، وتهيئ لهم ليسسترا كل ما يستطيعون أن يشربوه من الخمر. وسرعان ما تلعب الخمر برؤوسهم فيوقعون المعاهدة التي طال انتظارها. ويختم المنشدون المسرحية بنشيد مدح السلم.


أرسطوفان والمتطرفون

ملهمة تقرأ، اللوڤر

يرى أرسطوفان أن انحلال الحياة الأثينية العامة يرجع إلى شرين أساسيين هما الديمقراطية والخروج على الدين. وهو يتفق مع سقراط في أن سيادة الأمة قد انقلبت فأصبحت سيادة السياسيين؛ ولكنه كان واثقاً من أن تشكك سقراط، وأنكساغورس والسوفسطائيين قد ساعد على انحلال عرى الروابط الخلقية التي كانت في الزمن القديم عاملاً قوياً في تدعيم النظام الاجتماعي والاستقامة الفردية. وقد سخر أشد السخرية من الفلسفة الجديدة في مسرحية السحب. وخلاصتها أن رجلاً من الطراز القديم يدعى استربسياديز Stripsiades كان يبحث عن حجة يبرر بها التنصل من ديونه، فيغتبط إذ يسمع أن سقراط يدير متجراً للتفكير، يستطيع كل إنسان أن يتعلم فيه كيف يثبت كل ما يريد إثباته ولو كان خاطئاً. ويتخذ الرجل طريقة إلى مدرسة "المفكرين الأشداء"، ويرى في وسط حجرة الدرس سقراط معلقاً من السقف في سلة، ومنهمكاً في التفكير كما يرى بعض الطلاب منحنين متجهين بأنوفهم نحو الأرض:

استربسياديز: ماذا يفعل هؤلاء الناس الذين ينحنون هذا الانحناء العجيب؟

الطالب: إنهم يفحصون عن الأسرار العميقة عمق ترتروس.

استربسياديز: ولكن لم- عفواً ولكن- أجزاءهم الخلفية- لم أراهم مثبتين في الهواء على هذا النحو العجيب؟

الطالب : إن أطرافهم الأخرى تدرس الفلك.

يطلب استربسياديز إلى سقراط أن يعلمه بعض الدروس

سقراط : وبأي الآلهة تقسمون، لأن الآلهة ليست من العملة الرائجة عندنا؟.

ويشير إلى فرقة المرتلين في مسرحية السحب

إن هؤلاء هم الآلهة الحقيقيون.

استربسياديز: لكن قل لي، ألا تؤمن بزيوس؟.

سقراط : ليس لزيوس وجود.

استربسياديز: ومن الذي ينزل المطر إذن؟.

سقراط: هذه السحب، فهل رأيت مطراً ينزل من غير سحاب؟

ولو أن زيوس كان هو الذي ينزل المطر لأنزله في الجو الصحو وحين تظهر السحب...

استربسياديز: ولكن قل لي من الذي يرسل الرعد؟ إن جسمي ليرتجف منه

سقراط: إن هذه السحب في اندفاعها تحدث الرعد.

استربسياديز: كيف؟

سقراط: إذا امتلأت بالماء واندفعت في سيرها تساقطت بقوة عنيفة بعضها على بعض وأحدثت هذه القعقعة.

استربسياديز: ولكن من الذي يسوقها؟ أليس هو زيوس؟

سقراط: كلا، إن الدوامة الأثيرية هي التي تسوقها.

استربسياديز: إذن فأعظم الآلهة كلها هي الدوامة. ولكن ما الذي يحدث قعقعة الرعد؟

سقراط: سأعلمك من حالتك أنت نفسك. ألم يحدث لك مرة ما أن امتلأت بالطعام في إحدى الولائم،

ثم اضطربت معدتك فحدثت في داخلك كركرة؟


وفي منظر أخر يلتقي فيديبديزPheidippides بن استربسياديز بالحجة الصحيحة والحجة الباطلة مجتمعتين. وتخبره أولاهما بأن عليه أن يقلد الفضائل الرواقية التي كان يتصف بها رجال مرثون، ولكن الأخرى تشير عليه بأن يتخلق بالأخلاق الحديثة. وتسأله الحجة الباطلة: هل في الناس من نال شيئاً بالعدالة أو الفضيلة أو الاعتدال؟، وتقول: إنه إذا وجد رجل شريف ناجح وجد معه على الدوام عشرة رجال خونة ناجحين معظمين. وتضيف على ذلك قولها: انظر على الآلهة نفسها. لقد كذبت، وسرقت، وقتلت، وزنت. وهاهي ذى يعبدها اليونان جميعهم. وحين تشك الحجة الصحيحة في أن معظم الناجحين كانوا خونة، تسألها الحجة الباطلة:


من أي طبقة من الناس يخرج رجال القانون عندنا؟

الحجة الصحيحة: من بين السفهاء.

الحجة الباطلة : هذا حق. ومن أي صنف يخرج شعراؤنا كتاب المآسي.

الحجة الصحيحة: من بين السفهاء.

الحجة الباطلة : وخطباؤنا العموميون؟

الحجة الصحيحة: كلهم سفهاء.

الحجة الباطلة : انظري الآن إلى من حولك:

تلتفت وتشير إلى النظارة

أية طبقة من الطبقات تنتمي إليها الكثرة الغالبة من أصدقائنا الحاضرين هنا؟.

وتغمض الحجة الصحيحة عن النظرة في جد ووقار

الحجة الصحيحة: إن الكثرة الغالبة منهم سفهاء.

Thalia, muse of comedy, gazing upon a comic mask (detail from Muses' Sarcophagus)

وفيوربديز تلميذ الحجة الباطلة يأتمر بأمرها ويبلغ من طاعته إياها أن يضرب أباه بحجة أنه يقوى على ضربه وأنه يستمتع بهذا الضرب، ويسأل فوق ذلك "ألم تضربني وأنا غلام؟" ويستحلفه استربسياديز بزيوس أن يرحمه، ولكن فيدبديز يرد عليه بقوله إن زيوس لم يعد له وجود، لأن الدوامة قد حلت محله. ويستشيط الوالد غضباً، ويهيم في الطرقات، ويدعو جميع المواطنين الصالحين إلى القضاء على هذه الفلسفة الجديدة، فيهاجمون متجر التفكير ويحرقونه ولا ينجو سقراط بحياته إلا بعد جهد شديد.

ولسنا نعرف ماذا كان لهذه المسلاة من أثر في مأساة سقراط. وكل الذي نعرفه أنها مثلث في عام 423 قبل المحاكمة الشهيرة بأربع وعشرين سنة؛ ويبدو أن ما فيها من فكاهة طيبة لم يغضب الفيلسوف، بل يقال إنه ظل واقفاً طوال التمثيل(128) ليمكن أعداءه من أن يروه أوضح رؤية. ويصور أفلاطون سقراط وأرسطوفان في صورة الصديقين بعد التمثيل، وقد أوصى أفلاطون نفسه ديونيشيوس الأول ملك صقلية بهذه الأعجوبة المسلية، وظل محتفظاً بصداقته لأرسطوفان حتى بعد أن مات أستاذه(129). وقد كان ملاتوس أحد الثلاثة الذين اتهموا سقراط في عام 399 طفلاً حين مثلت المسلاة، وكان ثانيهما وهو أنيتس على وفاق مع سقراط بعد أن مثلت (130)؛ وأكبر الظن أن انتشار المسرحية بعدئذ بوصفها قطعة أدبية أضر بالفيلسوف أكثر مما أضر به التمثيل الأول. ولقد أشار سقراط في دفاعه عن نفسه- كما يرويه أفلاطون- إلى هذه المسرحية وقال عنها إنها من أكبر الأسباب التي سوأت سمعته وألبت القضاة عليه.

وكان في أثينة هدف آخر وجه إليه أرسطوفان سهام هجائه، وقد وجهها هذه المرة سهام عداوة لا تنطفئ نارها. ذلك أنه لم يكن يثق بتشكك السوفسطائيين؛ أو بالفردية الأخلاقية، والاقتصادية، والسياسية التي كانت تنخر في عظام الدولة؛ أو بالدعوة النسائية العاطفية التي ترمي إلى مساواة النساء بالرجال، والتي كانت تثير ثائرة النساء؛ أو بالاشتراكية التي كانت تعمل عملها بين الأرقاء. لقد رأى هذه المبادئ كلها واضحة أجلى وضوح في يوربديز، واعتزم أن يقضي بالضحك والسخرية على ما كان للكاتب المسرحي الكبير من أثر في العقلية اليونانية.

وبدأ يعمل لهذه الغاية في عام 411 بمسرحية أسماها السموفريزوسيات The smophoriazusae. وقد اشتق هذا اللفظ من اسم النساء اللائى كن يحتفلن بعيد دمتر وبرسفوني عن طريق الامتناع الجنسي. وفيه يجتمع عبادهما ليناقشن آخر ما سخر به يوربديز من بنات جنسهن، ويدبرن أمر الانتقام منه. وتترامى أنباء هذه الخطة إلى يوربديز فيشير على نسيلكس Mnesilochus والد زوجته بأن يلبس ثياب النساء ويدخل الاجتماع ليدافع عنه. وتشكو أولاهن من أن الكاتب المسرحي قد حرمها من وسيلة كسب عيشها؛ فقد كانت من قبل تصنع أكاليل الزهر للهياكل، فلما أن قال يوربديز إنه لا وجود للآلهة، كسدت تجارتها. ويدافع نسيلكس عن يوربديز بقوله إن أسوأ ما قاله عن النساء حق لا مراء فيه، وإنه أخف مما تعرفه النساء أنفسهن من أخطائهن. وترتاب النساء في أن هذا الطعن في النساء صادر عن امرأة، فيمزقن ثياب نسيلكس، ولا يستطيع النجاة من تمزيق جسمه إرباً إلا بأن يختطف طفلاً رضيعاً من بين ذراعي امرأة، وينذرهن بأنه سيقتله إذا مسسنه هو بسوء. ولكنهن لا يعبأن بهذا التهديد ويهجمن عليه، فيخلع عن الطفل لفافته، فيجد أنه زق خمر قد لف في ملابس طفل هرباً من أداء ضريبة الإيراد. ويقول إنه رغم هذا سيقطع عنقه وتحزن لهذا صاحبة الزق وتصيح قائلة: "سألتك ألا تتلف زقي العزيز، فإن كنت لا بد فاعلاً فجيء بجفنة تتلق فيها دماءه". ويحل نسيلكس المشكلة بأن يشرب الخمر، ويرسل في الوقت نفسه دعوة إلى يوربديز بأن يخف لإنقاذه من ورطته. وخليق بنا أن نقول بهذه المناسبة إن يوربديز يظهر في أجزاء مختلفة من مسرحياته- في صورة منلوس، أو برسيوس، أو إكو Echo. وفي هذه المرة يفلح أخيراً في تمكين نسيلكس من الهرب.

ويعود في مسرحية الضفادع إلى مهاجمة يوربديز رغم موته. ذلك أننا نرى ديونيشس إله المسرحية غاضباً على من بقي حياً في أثينة من كُتاب المسرحيات، فينزل إلى الجحيم ليعود بيوربديز. وتلتقي به وهو ينتقل في قارب إلى العالم السفلي طائفة من الضفادع فتحييه بنقيقها تحية لا نشك في أن شباب أثينة ظل يتندر بها شهراً كاملاً. ولا ينسى أرسطوفان أيضاً أن يسخر من ديونيشس ولا يخشى من تمثيل طقوس إلوسبز تمثيلاً ساخراً. ذلك أن الإله حين يصل إلى العالم السفلي يجد يوربديز يحاول خلع إسكلس عن زعامة كُتاب المسرحيات جميعهم. ويتهم إسكلس يوربديز بأنه يعمل على نشر التشكيك، والحيل القانونية الخطرة، وعلى إفساد أخلاق نساء أثينة وشبابها. ويقول إن من سيدات الطبقة العليا من قتلن أنفسهن لأنهن لم يطقن سماع بذاءة يوربديز. ثم يؤتى بميزان ويلقي كل شاعر في إحدى كفتيه أبياتاً من مسرحياته. وترجح عبارة قوية من عبارات إسكلس على اثنتي عشرة عبارة من عبارات يوربديز (وهذا هجاء في الشاعر الشيخ نفسه). ويعرض إسكلس آخر الأمر أن يقفز الشاعر الشاب إلى إحدى الكفتين ومعه زوجه، وأبناؤه، ومتاعه، ويقول إنه يؤكد أن بيتاً واحداً من الشعر يرجح عليهم جميعاً. ويخسر المتشكك العظيم في آخر الأمر المباراة، ويعود إسكلس إلى أثينة منتصراً . وقد منح القضاة هذه المقالة الأولى في النقد الأدبي الجائزة الأولى، وبلغ من سرور النظارة بها أن أعيد تمثيلها مرة أخرى بعد بضعة أيام.

وكذلك وجه أرسطوفان سخريته إلى الحركة المتطرفة بوجه عام في مسرحية متوسطة القدر تدعى الإكليزيازوسيات The Ecclesiazusae أي نساء الجمعية (393). وموضوعها أن نساء أثينة يتخفين في زي الرجال، ويملأن مقاعد الجمعية، وترجح أصواتهن على أصوات أزواجهن، وإخوتهن، وأبنائهن، ويختار منهن حكام الدولة. وتتزعم هذه الحركة امرأة تدعى پراكساگورا Praxagora شديدة التحمس لنيل النساء حقوقهن السياسية، وتتهم بنات جنسها بالغفلة لأنهن يرضين بأن يحكمهن الرجال البلهاء. وتقترح أن تقسم الثروة بالتساوي بين المواطنين على أن يترك الأرقاء من غير أن يفسدهن الذهب. ويتخذ الهجوم على "المدينة الفاضلة" صورة أخف من هذه وأرحم في مسرحية الطيور أرقى مسرحيات أرسطوفان جميعها (414). ومضمونها أن اثنين من مواطني أثينة يستولي عليهما اليأس، فيتسلقان إلى مسكن الطيور، يأملان أن يجدا فيه الحياة المثالية التي ينشدانها. ويستعينان بالطيور على بناء مدينة فاضلة بين الأرض والسماء تدعى نفلوككسيجيا Nepheloccygia أي "أرض وَقْوقَ السحاب". وتوجه الطيور مجتمعة خطابها إلى الآدميين في نشيد لا يفوقه أي نشيد آخر وضعه شعراء المآسي تقول فيه:


أي بني الإنسان، يا قصار الأجل، ويا من تملأ الأحزان حياتكم يوماً بعد يوم، يا عراة، يا منزوعي الريش، يا ضعاف الأجسام، يا كثيري النزاع، يا مرضى، يا من تنتابكم النوائب، يا من خلقتم من طين! استمعوا إلى أقوال السادة الطيور، الخالدة، مالكة الهواء، التي تشرف من علِ بأعينها الرحيمة، على ما بينكم من نزاع، وشقاء، وكدح، وقلق.

وتضع الطيور خطة لمنع كل الاتصال بين الآلهة والبشر، ولا تسمح بأن تصعد القرابين إلى السماء. وتقول المصلحة منها إن الآلهة القدامى لن تلبث أن تموت جوعاً فتسود الطيور. ثم تخترع آلهة جدد على صورة الآدميين عن عروشها، ثم يأتي آخر الأمر وفد من أولمبس يسعى لعقد هدنة، ويقبل زعيم الطير أن يتزوج من خادمة زيوس، وتختتم المسرحية بهذا الزواج الموفق.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفنان والمفكر

أرسطوفان مزيج من الجمال والحكمة والقذارة لا نستطيع أن نحدد الصنف الذي ينتمي إليه من الناس. كان في وسعه إذا اعتدل مزاجه أن يكتب أغاني من الشعر اليوناني الخالص الرصين، لم يستطع مترجم حتى الآن أن ينقله بروعته إلى لغة غير لغته الأصلية. وحواره هو الحياة نفسها، أو لعل أكثر سرعة، وأعظم طلاوة، وأشد قوة مما تجرؤ أن تكون عليه الحياة، وهو يشبه ربليه Rabelais وشكسبير، ودكنز، في قوة أسلوبه وحيويته، وشخصياته كشخصياتهم أصدق تصويراً للعصر الذي عاش فيه من جميع ما ألفه المؤرخون في ذلك العصر؛ ويفوح منها شذاه أقوى مما يفوح من هذه المؤلفات كلها مجتمعة؛ وليس في وسع أحد أن يعرف الأثينيين حق المعرفة إذا لم يكن قد قرأ مسرحيات أرسطوفان. ومع هذا فإن حبكات مسرحياته هزأة سخيفة، جمع أطرافها بإهمال يكاد أن يكون مرتجلاً. وتراه في بعض الأحيان يستنفد موضوع المسرحية الرئيسي قبل أن يبلغ منتصفها، ويتعارج ما بقي منها على عكازتي المجون والهزل حتى يصل إلى نهايتها. والفكاهة في العادة من النوع الدنيء؛ مثقلة بالجناس السهل الساذج، وتطول حتى لا يطيق الإنسان طولها، وكثيراً ما تستعار عباراتها من عمليات الهضم، والتكاثر، والتبرز. ففي مسرحية الأركانيين تسمع عن شخص لا ينقطع ساعة عن التبرز طيلة ثمانية أشهر(131). وفي السحب نرى فضلات الإنسان الكبيرة تمتزج بالفلسفة العليا(132)،ولا تمر صفحة إلا نجد في التي تليها أردافاً، وصدراً، وغدداً تناسلية، وسفاداً، ولواطاً، واستنماءً، كل ذلك يعرض علينا(133)؛ ثم نراه يتهم منافسه الشيخ أقراطينوس Cratinus بسيأ البول ليلاً(134). وهو بهذا كله أكثر الشعراء القدامى شبهاً بأهل هذه الأيام لأن الإسفاف والبذاءة لا يختص بهما عصر من العصور. وإذا ما تحدثنا عنه بعد حديثنا عن مؤلف يوناني سواه - وبخاصة بعد حديثنا عن يوربديز - بدا لنا مسفاً إلى حد تشمئز منه النفس وتنقبض، حتى ليصعب علينا أن نتصور أن النظارة الذين يستمعون إلى أحدهما هم بعينهم الذين يستمعون إلى الآخر.

أرسطوفان، the master of Old Comedy, and مناندر, the master of New Comedy.

وإذا كنا محافظين صادقين أطقنا هذا كله، وحجتنا في ذلك أن أرسطوفان يهاجم التطرف بكافة أشكاله، ويستمسك مخلصاً بالفضائل والرذائل القديمة أياً كان نوعها. وهو على ما نعلم أحط الكُتاب اليونان جميعهم خلقاً، ولكنه يأمل أن يعوض هذا النقص بمهاجمة الفساد الخلقي، ونراه دائماً إلى جانب الأغنياء، ولكنه يشتهر بالجبن؛ ويكذب كذباً يؤسف على يوربديز حياً وميتاً، ولكنه يهاجم الغدر والخيانة؛ ويصف نساء أثينة بالفظاظة إلى حد غير معقول، ولكنه يشهر بيوربديز لأنه يفتري ويسخر بالآلهة سخرية جريئة . وإذا وازنا بينه وبين سقراط التقي لم نجد بداً من أن نصوره كافراً مهزاراً، لكنه رغم هذا يدعو بقوة إلى الدين ويتهم الفلاسفة بأنهم يعملون للقضاء على الآلهة. لكن تصوير كليون ذي السلطان القوي تصويراً هزلياً، وكشف عيوب ديموس أمام ديموس نفسه يتطلبان شجاعة حقة؛ وتبين الخطر الشديد الذي يتهدد حياة أثينة من جراء اتجاه الدين والأخلاق من التشكك السوفسطائي إلى الفردية الأبيقورية، نقول إن تبين هذا الخطر يتطلب كثيراً من الفطنة ونفاذ البصيرة. ولعل أثينة كان يصلح حالها لو أنها عملت ببعض نصائحه، ولم تشتط في نزعتها الاستعمارية، وعقدت صلحاً مبكراً مع إسبارطة، وخففت بزعامة أرستقراطية ما فشا في الديمقراطية التي قامت بعد عصر بركليز من فوضى وفساد.

ولقد أخفق أرسطوفان لأنه لم يكن جاداً في نصائحه إلى الحد الذي يحمله على العمل بها. وكان إسرافه في تمثيل الدعارة وفي الشتائم من الأسباب التي أدت إلى تحريم الهجو الشخصي؛ ومع أن القانون الذي صدر بهذا التحريم قد ألغى بعد قليل من الوقت، فإن "المسلاة القديمة" ذات النقد السياسي قد ماتت قبل موت أرسطوفان (385)، وحلت محلها في مسرحياته الأخيرة نفسها "المسلاة الوسطى" مسلاة الأخلاق والغرام. لكن الحيوية التي كانت تمتاز بها المسلاة اليونانية قد اختفت باختفاء ما كان فيها من إسراف ووحشية، وظهر فليمون ومناندر واختفيا وعفا ذكرهما، أما أرسطوفان فقد ظل باقياً رغم تبدل المبادئ الأخلاقية والأنماط الأدبية، حتى وصل إلى عصرنا هذا ومعه إحدى عشرة مسرحية من مسرحياته الاثنتين والأربعين كاملة لم ينقص منها شيء. ولا يزال إلى هذا اليوم حياً في هذه المسرحيات رغم ما يعترض فهمها وترجمتها من صعاب. وإذا ما استطعنا أن نسد أنوفنا حتى لا يؤذيها فحشه وبذاءته استطعنا أن نقرأ مسرحياته بكثير من البهجة الدنسة.

أعماله

المسرحيات المتبقية

Most of these are traditionally referred to by abbreviations of their Latin titles; Latin remains a customary language of scholarship in classical studies.

  • The Acharnians (Ἀχαρνεῖς Akharneis; Attic Ἀχαρνῆς; Latin: Acharnenses) (425 BC)
  • The Knights (Ἱππεῖς Hippeis; Attic Ἱππῆς; Latin: Equites) (424 BC)
  • The Clouds (Νεφέλαι Nephelai; Latin: Nubes) (original 423 BC, uncompleted revised version from 419 BC – 416 BC survives)
  • The Wasps (Σφήκες Sphekes; Latin: Vespae) (422 BC)
  • Peace (Εἰρήνη Eirene; Latin: Pax) (first version, 421 BC)
  • The Birds (Ὄρνιθες Ornithes; Latin: Aves) (414 BC)
  • Lysistrata (Λυσιστράτη Lysistrate (411 BC)
  • Thesmophoriazusae or The Women Celebrating the Thesmophoria (Θεσμοφοριάζουσαι Thesmophoriazousai (first version, c. 411 BC)
  • The Frogs (Βάτραχοι Batrakhoi; Latin: Ranae) (405 BC)
  • Ecclesiazusae or The Assemblywomen; (Ἐκκλησιάζουσαι) Ekklesiazousai (c. 392 BC)
  • Wealth (Πλοῦτος Ploutos; Latin Plutus) (second version, 388 BC)


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

Datable non-surviving (lost) plays

The standard modern edition of the fragments is Kassel-Austin, Poetae Comici Graeci III.2.

  • Banqueters (427 BC)
  • Babylonians (426 BC)
  • Farmers (424 BC)
  • Merchant Ships (423 BC)
  • Clouds (first version) (423 BC)
  • Proagon (422 BC)
  • Amphiaraos (414 BC)
  • Plutus (Wealth, first version, 408 BC)
  • Gerytades (uncertain, probably 407 BC)
  • Kokalos (387 BC)
  • Aiolosikon (second version, 386 BC)

Undated non-surviving (lost) plays

  • Aiolosikon (first version)
  • Anagyros
  • Frying-Pan Men
  • Daidalos
  • Danaids
  • Centaur
  • Heroes
  • Lemnian Women
  • Old Age
  • Peace (second version)
  • Phoenician Women
  • Polyidos
  • Seasons
  • Storks
  • Telemessians
  • Triphales
  • Thesmophoriazusae (Women at the Thesmophoria Festival, second version)
  • Women in Tents

Attributed (doubtful, possibly by Archippos)

  • Dionysos Shipwrecked
  • Islands
  • Niobos
  • Poetry

انظر أيضاً

الهامش

  1. ^ The Frogs and Other Plays David Barrett, Penguin Books 1964, page 9.
  2. ^ Aristophanes: Lysistrata, The Acharnians, The Clouds Alan Sommerstein, Penguin Books 1973, page 9
  3. ^ Aristophanes: Clouds K.J.Dover (ed), Oxford University Press 1970, Intro. page X.
  4. ^ Aristophanes in Performance 421 BC-AD 2007:Peace, Birds and Frogs Edith Hall and Amanda Wrigley, Legenda (Oxford) 2007, page 1
  5. ^ Character Sketches of Romance, Fiction and the Drama, Vol. 1
  6. ^ The Birds and Other plays David Barrett and Alan Sommerstein (eds), Penguin Classics 2003, page 26
  7. ^ The Apology translated by Benjamin Jowett, section 4
  8. ^ Apology, Greek text, edited J Burnet, section 19c
  9. ^ Lysistrata, The Acharnians, The Clouds Alan Sommerstein, Penguin Books 1973, p16
  10. ^ Aristophanis Comoediae Tomus 1, F.W.Hall and W.M.Geldart (eds), Oxford Classical Texts, Knights ln 516
  11. ^ Frogs and Other Plays David Barrett, Penguin Classics 1964, page 21

قالب:Aristophanes Plays