پريكليس

پريكليس
Pericles Pio-Clementino Inv269 n2.jpg
تمثال نصفي لپريكليس تحمل نقش "پريكليس ابن زنثپوس الأثيني". نسخة رومانية من الأصل اليوناني من ح. 430 ق.م، متحف پيو-كلمنتينو، متاحف الڤاتيكان.
ولدح. 495 ق.م.
أثينا، اليونان
توفي429 ق.م. (عمره 65 – 66)
أثينا، اليونان
الولاءأثينا
الرتبةستراتيگوس
المعارك/الحروبالمعركة في سيكيون وأكارنانيا (454 ق.م.)
الحرب المقدسة الثانية (448 ق.م.)
طرد البرابرة من گاليپولي (447 ق.م.)
حرب ساميان (440 ق.م.)
حصار بيزنطة (438 ق.م.)
الحرب الپلوپونيزية (431–429 ق.م.)
الزوجأسپاسيا من ميلتوس
الأنجالپارالوس وزنثپوس
پريكليس الأصغر
الأقاربزنثپوس (والده)
أگريست (والدته)
بركليز 495 - 729 ق.م.
عملة من فئة 20 دراخما منقوش عليها صورة بركليز

بركليز ( /ˈpɛrɪklz/; باليونانية: Περικλῆς؛ إنگليزية: Pericles؛ ح. 495 – 429 ق.م.، واسمه باللغة اليونانية القديمة يعني (المحاط بالمجد)، وقد كان بركليز رجل سياسي محنك وخطيب بالغ. وقد أصبح فيما بعد صاحب السلطة العليا على جميع قوى أثينا المادية والروحية في خلال عصر عظمتها ومجدها.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

النشأة

كان والده زنثپوس Xanthippus ممن حاربوا في سلاميس ، وقد تولى قيادة الأسطول الأثيني في معركة ميكالي ، واسترد مضيق الهلسبنت لبلاد اليونان. وكانت أجرستي Agariste أم بركليس حفيدة المصلح كليسثنيز ، ولهذا فإن نسبه من جهة أمه يتصل بأسرة الألقميونيين القديمة. وقد قيل أنه لما قرب يوم مولده رأت أمه في منامها أنها ولدت أسداً ، وبعد بضعة أيام ولدت پريكليس - وكان جسمه كاملاً سوياً في كل شئ ما عدا رأسه ، فقد كان طويلاً بعض الطول غير متناسب مع جسمه" وكثيراً ما سخر نقاده من طوله.

تعلم الموسيقى على يد دامون Damon أشهر معلميها في زمانه، وعلمه فيثاغورس الموسيقى والأدب، واستمع إلى محاضرات زينون الإيلي في أثينا، وأصبح صديقاً وتلميذاً للفيلسوف أنكساگوراس. وتثقف في أثناء نموه بثقافة عصره السريعة النماء، وجمع في ذهنه واستخدم في سياسته جميع نواحي الحضارة الأثينية - الاقتصادية، والعسكرية، والأدبية، والفنية، والفلسفية. وكذلك عرف بأنه أكمل إنسان أنجبته بلاد اليونان جميعها.


حياته العملية

لما رأى بركليز أن مبادئ الحزب الألجركي لا تتمشى مع روح العصر انضم من بداية حياته العامة إلى حزب "الديموس" (الشعب) أي سكان أثينا الأحرار. وكانت كلمة "الشعب" وقتئذ، كما كانت في أمريكا إلى أيام جفرسون، تفترض فيمن تطلق عليه بعض القيود الخاصة بالملكية. وكان حين ينزل ميدان السياسة بوجه عام وحين يقدم على أي عمل سياسي بوجه خاص ، يستعد له أكمل استعداد، فلا يتردد في أن يمضي في أي عمل تفرضه عليه قواعد التربية الحقة، لا يتكلم إلا قليلاً، ولا يطيل الكلام، ويدعو الآلهة أن تمسك لسانه فلا ينطق بأي كلمة لا تمت بصلة قوية للموضوع الذي يتكلم فيه.

وكان الناس كلهم ومنهم الشعراء الهزليون الذين يحقدون عليه، يسمونه "الأولمبي" الفصيح اللسان الذي لم تسمع أثينا قبله مثل فصاحته في قوتها وعظيم تأثيرها، ومع هذا فالمؤرخون كلهم مجمعون على أن خطبه كانت خالية من الانفعال، تتأثر بها العقول المستنيرة. ولم يكن نفوذه مستمدا من ذكائه فحسب، بل كان مستمداً كذلك من صلاحه واستقامته، ولم يكن يستنكف أن يستعين بالرشا ليحصل للدولة على أغراضها، أما هو نفسه فكان "بلا جدال مبرئاً من جميع ضروب الفساد وأكبر من أن يهتم بالمال".

بركليز وأناكسگوراس بريشة أوجستين لويس بيل 1757 - 1841

بركليز حاكماً

يحدثنا المؤرخون أن پريكليس لم يضف طوال حياته العامة شيئاً ما إلى ما ورثه من أبيه، على حين أن ثمستكليس تولى المناصب العامة وهو فقير وخرج منها وهو واسع الثراء ومما يدل على فطنة الأثينيين وحكمتهم في ذلك العهد أنهم ظلوا خلال ثلاثين عاماً أو نحوها بين 467 و428 ينتخبونه ويجددون انتخابه - ما عدا فترات قصيرة - ليكون واحداً من الاستراتجوى أي القادة العشرة، وكان بقاؤه في منصبه هذه المدة الطويلة نسبياً مما جعله صاحب السلطة العليا في المجلس العسكري، وأمكنه أن يجعل منصب الاستراتجوس أو توكراتور أي القائد صاحب السلطة أعلى المناصب الحكومية شأناً وأعظمها سلطاناً.

وحصلت أثينا في أيامه على فوائد الحكم الأرستقراطي والدكتاتوري، وإن كانت قد استمتعت أيضاً بجميع مزايا الديموقراطية. فقد بقي لها ما كان يزدان به عهد بيسستراتس من حكم صالح وعمل على نشر الثقافة وتشجيعها ، واجتمع لها ما كان في عهد بيسستراتس من حسن توجيه ، وفرط ذكاء، وسرعة البت في الشئون العامة، مضافة إلى رضاء المواطنين الأحرار رضاءً كاملاً يظهرونه عاماً بعد عام.

وكان وجوده برهاناً يثبت به التاريخ المبدأ القائل إن خير وسيلة لتنفيذ الإصلاحات القائمة على أسس الحرية وأضمن الطرق لتثبيت هذه الإصلاحات وتقوية دعائمها هي أن يتولاها زعيم حذر معتدل ، يستمتع بتأييد الشعب. ومن أجل ذلك بلغت الحضارة اليونانية أعلى درجاتها حين نمت الديموقراطية نمواً يكفي لأن يكسبها قوة وتعدداً في نواحي نشاطها ، وبقي فيها من الأرستقراطية ما يكسبها حسن النظام وسلامة الذوق.

وأدت إصلاحات بركليز إلى زيادة سلطة الشعب زيادة عظيمة. ذلك أن عدم أداء أجور للقضاة نظير عملهم في المحاكم كان قد أكسب الطبقات الثرية سلطاناً عظيماً فيها وإن كانت سلطتهم قد زادت من قبل في عهد صولون و كليسثنيس و إفيلتيز. وأدرك بركليز هذا ، فقرر في عام 451 أبولتين Obols أي ما يعادل 0.34 من الريال الأمريكي لكل قاض عن كل يوم يجلس فيه للقضاء ، ثم رفع هذا الأجر بعدئذ إلى ثلاث أبولات ، وكان هذا الأجر في كلتا الحالتين يعادل وقتئذ نصف ما يكسبه الأثيني العادي من عمله اليومي(13). ولسنا نستطيع أن نحمل محمل الجد قول بعضهم: إن هذه الأجور القليلة أضعفت قوة أثينا وأفسدت أخلاق أهلها ؛ لأن هذا لو صح لقضى من وقت بعيد على كل دولة تؤجر قضاتها أو محلفيها.

ويلوح أن پريكليس قرر كذلك مكافأة قليلة لمن ينخرطون في سلك الخدمة العسكرية. وقد توج كرمه الذي يعيبه عليه بعض الناس بأن خصص من مال الدولة أبولتين في العام لكل مواطن من مواطنيها يؤديها أجراً لدخوله لمشاهدة ما يعرض من المسرحيات والألعاب في الأعياد العامة ، وحجته في هذا أن هذه المسرحيات والألعاب يجب ألا تكون ترفاً تختص به الطبقات العليا والوسطى ، بل يجب أن تهدف إلى رفع مستوى الناخبين العقلي على بكرة أبيهم. على أننا يجب أن نذكر في هذا المقام أن أفلاطون، وأرسطاطاليس، وبلوتارخ - وهم جميعاً محافظون - مجمعون على أن هذه الأجور أضرت بأخلاق الأثينيين.

وواصل بركليز عمل إفيلتيز فنقل إلى المحاكم الشعبية ما كان للأركونيين وكبار الموظفين من اختصاصات قضائية، فأصبحت الأركونية من ذلك الحين منصباً إدارياً أكثر منها منصباً يوجه سياسة الدولة، أو يفصل في القضايا أو يصدر الأحكام والأوامر. وفي عام 457 وسع حق الانتخاب للأركونية حتى شمل الطبقة الثالثة من الأهلين، الزوگتاي Zeugitai ، وكان من قبل مقصوراً على الطبقات الغنية ؛ ولم تلبث أحط الطبقات منزلة وهي طبقة الثيتيين أن حصلت على حق الانتخاب لهذا المنصب من غير حاجة إلى إجراءات شكلية، وذلك بأن غالت في تقدير دخلها ، وتغاضت سائر الطبقات عن هذا الخداع والتزوير لما كان لهذه الطبقة الدنيا من شأن عظيم في الدفاع عن أثينا. ثم اختط پريكليس إلى أجل قصير خطة مغايرة لخطته السالفة الذكر فأقنع الجمعية في عام 451 بأن تقصر حق الانتخاب على الأبناء الشرعيين الذين يولدون من آباء أثينيين وأمهات أثينيات.

وحرّم عقد زواج شرعي بين مواطن وغير مواطن. وكان يقصد بهذا الإجراء عدم تشجيع الزواج بين الأثينين والأجانب والإقلال من عدد الأبناء غير الشرعيين ، ولعله كان يريد أيضاً أن يحتفظ لأهل مدينة أثينا الحريصين على حقوقهم بما يعود عليهم من هذه الحقوق الوطنية والإمبراطورية من مزايا. ولكن بركليز لم يلبث أن وجد من الأسباب ما جعله يندم على هذا التشريع الضيق المانع. وأدرك بركليز أن أي أنواع الحكم يبدو في أعين الناس صالحاً إذا عاد عليهم بالرخاء ، وأن أحسن أنواعه يبدو لهم سيئاً إذا لم يعد عليهم به ، فوجه عنايته إلى سياسة البلاد الاقتصادية بعد أن ثبت دعائم مركزه السياسي ، فعمل على تقليل ضغط السكان على مواد أتكا الضئيلة بإسكان جاليات من فقراء المواطنين الأثينيين في البلاد الأجنبية ، وهيأ العمل للمتعطلين بأن جعل الدولة تستخدم من الأهلين عدداً كبيراً لم يكن له نظير في بلاد اليونان من قبل: فزاد عدد سفن الأسطول ، وأنشأ دور الصنعة ، وبنى في بيرية مصنعاً عظيماً لتجارة الحبوب.

وأراد أن يحمي أثينا حماية قوية من خطر الغزو عن طريق البر ، وأن يهيئ في الوقت نفسه عملاً جديداً للمتعطلين ، فأقنع الجمعية بأن توافق على صرف الأموال اللازمة لبناء أسوار لا يقل طولها عن ثمانية أميال سميت "الأسوار الطويلة" تصل أثينا ببيرية وفالروم Phalerum. وقد جعلت هذه الأسوار مدينة أثينا ومرفأيها كنفاً واحداً حصيناً لا يتوصل إليه في وقت الحرب إلا من طريق البحر - الذي يسيطر عليه الأسطول.

The Parthenon, a masterpiece prompted by Pericles, from the south

غزو أسبرطة

نظرت اسبرطة غير المسورة إلى البرنامج الواسع من برامج التسليح الذ اتخذه بركليز نظرة عدائية ، ورأى الحزب الألجركي في هذا العداء فرصة تتيح له الاستيلاء على زمام السلطة السياسية ، فأرسل رسله سراً إلى الإسبارطيين يدعونهم لغزو أتكا ، وتعهدوا لهم بأن يوقدوا في أثناء الغزو نار الفتنة في المدينة ، فيقضوا بذلك على الحكومة الدمقراطية ، كما تعهدوا أيضاً بهدم "الأسوار الطويلة". ووافق الإسبارطيون على هذه الخطة ، وسيروا على أثينا جيشاً هزم الأثينيين عند تنجارا Tangara ، ولكن الألجركيين عجزوا عن القيام بثورتهم ، وعاد الإسبارطيون إلى البلوبونيز بخُفّي حنين ، ينتظرون على مضض أن تتاح لهم فرصة أحسن من هذه الفرصة يقضون بها على منافستهم المزدهرة التي أخذت تنتزع منهم زعامتهم التقليدية على بلاد اليونان. وقاوم بركليز ما حدثته به نفسه من الانتقام من إسبارطة ، ووجه جهوده كلها بدلاً من هذا إلى تجميل أثينا.

An ostracon with Pericles' name written on it (c. 444–443 BC), Museum of the ancient Agora of Athens.

الإصلاحات الداخلية

وضع بركليز منهاجاً ضخماً يهدف إلى الانتفاع بجهود جميع عباقرة الفن الأثينيين ومن بقي فيها من المتعطلين في تزيين الأكوربوليس ؛ وكان يرجو من وراء ذلك أن يجعل المدينة مركز هلاس الثقافي ، وأن يعيد بناء الهياكل القديمة - التي خربها الفرس - على نطاق واسع فخم يبعث العزة والفخار في نفس كل مواطن في المدينة. ويقول بلوتارخ في هذا: "لقد كانت رغبته وغايته ألا يحرم جمهور الصناع غير المهذبين من نصيبه في الأموال العامة ، على ألا ينالوا نصيبهم هذا وهم متعطلون لا يفعلون شيئاً ، ومن أجل هذا وضع البرنامج الضخم للمنشآت العامة". أما المال اللازم لهذه المشروعات فقد حصل عليه بأن اقترح نقل ما تجمّع من الأموال في خزانة حلف ديلوس من هذه البلدة غير المأمونة ، بعد أن ضل فيها زمناً طويلاً لا ينتفع منه بشيء ، وأن يستخدم ما لا يحتاج إليه منه للدفاع المشترك عن البلاد اليونانية في تجميل المدينة التي يرى بركليز أنها هي العاصمة الشرعية للإمبراطورية الصالحة الخيرة.

وكان نقل خزانة حلف ديلوس إلى أثينا عملاً صالحاً في نظر الأثينيين جميعاً بما فيهم الألجركيون. ولكن الناخبين ترددوا في السماح بإنفاق أي قدر كبير من الأموال لتجميل المدينة - وقد يكون الباعث لهم على هذا عدم ارتياح ضمائرهم إلى هذا العمل ، أو أنهم كان يخالجهم أمل خفي في أن يحصلوا بطريقة أقرب من طريقة بركليز وأيسر منها على هذه الأموال لينفقوها في قضاء حاجاتهم وفي ملذاتهم. وكان زعماء الحزب الألجركي مهرة في الاستفادة من هذا الشعور ، فلما أن اقترب اليوم الذي سيعرض فيه هذا الأمر على الجمعية لتقترع عليه بدا أنها سترفضه لا محالة.

ويحدثنا بلوتارخ عن الطريقة الماكرة التي حول بها بركليز هذا التيار إلى صالحه فيقول: "وقال بركليز: حسن جداً ، فلتذهب نفقات هذه المنشآت إلى جيبي أنا لا إلى جيوبكم ، ولينقش عليها اسمي لا اسمكم ، فلما سمعوا قوله هذا نادوه بأعلى أصواتهم أن ينفق المال ... وأن لا يقف عن الإنفاق حتى ينفذ عن آخره ، ولسنا نعرف أكان هذا لأنهم دهشوا من عظمته النفسية أم لأنهم أرادوا أن يكون لهم فضل القيام بهذه الأعمال". وبينما كانت هذه الأعمال قائمة على قدم وساق ، وكان بركليز يبسط معونته وحمايته الى فدياس، وإكتنوس Ictinus، ونسكليز Mnesicles وغيرهم من الفنانين الذين كانوا يكدحون لتحقيق أحلامه ، كان هو يناصر الأدب والفلسفة ؛ وبينما كان الشقاق بين الأحزاب في سائر المدن اليونانية يستنفذ جهود المواطنين ، وغصن الأدب يذوي ويذبل ، كانت الثروة المتزايدة في أثينة والحرية الدمقراطية تتعاونان مع الزعامة الحكيمة المثقفة على خلق عصرها الذهبي المجيد.

وبينما كان بركليز، و أسبازيا ، و فدياس ، و أنكساگوراس ، و سقراط يشاهدون مسرحيات يوربديز في ملهى ديونيسس ، كان في وسع أثينية أن تشهد هي الأخرى ذروة مجد الحياة في بلاد اليونان وكمال وحدتها - من سياسة ، وفن ، وعلم ،وفلسفة ،وأدب ، ودين ، وأخلاق ، تشهد هذه كلها وليس لكل ناحية منها حياة منفصلة عن الأخرى في صحف المؤرخين ، بل تراها وقد اندمجت بعضها ببعض فتكون منها صرح متعدد الألوان هو مفخرة تاريخ هذه الأمة. وترددت عواطف بركليز بين الفن والفلسفة ، ولعله كان يصعب عليه أن يقول أي الرجلين يحب أكثر من الآخر: فدياس أو أنكساغوراس ؛ ولعله أيضاً قد ولى وجهه شطر أسبازيا لكي يوفق بين رغبته في الجمال وفي الفلسفة معاً. ويقال لنا إنه "كان يكن لأنكساغوراس منتهى الإجلال والإعجاب". ويقول أفلاطون إن الفيلسوف هو الذي دفع بركليز إلى شؤون السياسة والحكم ؛ ويعتقد بلوتارخ أن اتصال بركليز الطويل الأمد بأنكساغوراس هو الذي أفاد منه سمو القصد وقوة اللغة التي سمت كثيراً فوق بلاغة الغوغاء وما فيها من سخف حقير دنيء ؛ هذا فضلاً عما أفاده من هدوء واطمئنان ووقار في جميع حركاته ، وثبات لا يتزعزع قط مهما يحدث حوله في أثناء خطبه.

ولما تقدمت بأنكساغوراس السن وانهمك بركليز في الشؤون العامة نسي رجل الحكم رجل الفلسفة فلم يعد له مكان ما في حياته زمناً ما ؛ ولكنه لما سمع فيما بعد أن أنكساغوراس يعاني مرارة الجوع والحرمان بادر إلى معونته ، وقبل منه في تواضع ما وجهه إليه من اللوم بقوله: "إن من يحتاجون يوماً ما إلى مصباح ، يمدونه بالزيت". وقد لا يصدق الإنسان لأول وهلة أن هذا "الأولمبي" الصارم كان مرهف الحس بمفاتن النساء ، وإن كان لا يرى بعد أن يعيد التفكير أن ذلك من الأمور الطبيعية التي لا غبار عليها. ذلك أن سيطرته على نفسه كانت تدفعه إلى مقاومة حساسيته الرقيقة ، على حين أن متاعب المنصب قد قوّت بلا ريب حنينه الشديد السوي إلى رقة الأنوثة.

Painting of Hector Leroux (1682–1740), which portrays Pericles and Aspasia, admiring the gigantic statue of Athena in Phidias' studio.

أسبازيا الملكة غير المتوجة

كان بركليز حين التقى بأسبازيا قد مضى على زواجه زمن طويل ؛ وكانت هي من ذلك الطراز الذي كانت تحاول خلقه في بلاد اليونان ، طراز المؤنسات اللاتي أصبح لهن بعد قليل شأن كبير في الحياة الأثينية. كانت أسبازيا امرأة تأبى العزلة التي يفرضها الزواج على النساء في أثينا ، وكانت تفضل أن تعيش معيشة الاختلاط الجنسي غير المشروع بل الاختلاط الجنسي المطلق إلى حد ما إذا كان هذا يمكنها من أن تستمتع بحرية الحركة وبالحرية الخلقية اللتين يستمتع بهما الرجال ، وأن تشترك معهم في الأعمال الثقافية. وليس لدينا من الأدلة ما نستند إليه إذا شئنا أن نقدر جمال أسبازيا ، وإن كان الكتّاب القدامى يتحدثون عن "قدمها الصغيرة المقوسة إلى أعلى" وعن "صوتها الفضي" وشعرها الذهبي ، وإن كان أرستفنيز ، وهو عدو سياسي لدود لبركليز ، لا يؤنبه ضميره لتوجيه أية تهمة له ، يصفها بأنها عاهر من ميليطس ، أنشأت بيتاً فخماً للدعارة في مجارا، ثم جاءت في ذلك الوقت ببعض فتياتها إلى أثينا. ويشير كاتب الملاهي العظيم من طرف خفي إلى أن النزاع الذي قام بين أثينا ومجارا والذي عجل إشعال نار حرب البلوبونيز كان سببه أن أسبازيا أقنعت بركليز بأن يثأر لها من المجاريين الذين اختطفوا بعض فتياتها. لكن أرستفنيز لم يكن مؤرخاً ، ولا يصح أن يوثق به إلا فيما لا يتصل بشخصه هو.

ولما وصلت أسبازيا إلى أثينا في عام 450 افتتحت فيها مدرسة لتعليم البلاغة والفلسفة ، وأخذت تشجع بجرأة عظيمة خروج النساء من عزلتهن، واختلاطهن بالرجال ، وتربيتهن تربية عالية. والتحقت بمدرستها كثيرات من فتيات الطبقات العليا، وأرسل كثيرون من الأزواج زوجاتهم ليدرسن معها.

وكان الرجال أيضاً يستمعون إلى محاضراتها، ومن بينهم بركليز وسقراط، وأكبر الظن أن أنكساگوراس نفسه، ويوريپيدس، وألسبياديس، وفدياس كانوا يستمعون إليها. ويقول سقراط إنه تعلم منها فن البلاغة، ويؤكد بعض قدماء النمامين الثرثارين أن رجل الحكم قد ورثها من الفيلسوف. ووجد بركليز وقتئذ أن الفرصة الطيبة قد واتته إذ أحبت زوجته رجل آخر، فلم يكن منه إلا أن عرض عليها أن تستمتع بحريتها نظير استمتاعه هو بحريته، فرضيت بذلك ، واتخذت لها زوجا ثالثاً ، وجاء بركليز بأسبازيا إلى بيته. غير أن قانونه الذي سنه في عام 451 لم يكن يبيح له أن يتخذها زوجة له لأنها من مواليد ميليطس, وإذا ولد له منها طفل كان هذا الطفل بمقتضى هذا القانون نفسه طفلاً غير شرعي، لا يستطيع أن ينال حق المواطنة الأثينية. ويلوح أنه كان شديد الحب والإخلاص لها، بل إننا لا نبالغ إذا قلنا إنه كان يهيم بها هياماً شديداً، فلا يغادر بيته ولا يعود إليه دون أن يقبلها، ثم أوصى آخر الأمر بكل ما يملك إلى ولدها منه.

وانقطع من ذلك الوقت عن الحياة الاجتماعية كلها خارج بيته ، وقلما كان يغادره إلى أي مكان غير ساحة المدينة ، أو قاعة المجلس ، حتى أخذ أهل أثينا يشكون بعده عنهم. أما أسبازيا نفسها فقد جعلت بيته أشبه بالندوات الفرنسية في عهد الاستنارة تناقش فيه الفنون ، والعلوم ، والآداب ، والفلسفة ، وشؤون الحكم والسياسة في أثينا ، مناقشة تجمع بين هذه النواحي المختلفة وتؤثر كل منها في الأخرى. وكان سقراط يُعجب بفصاحتها ويُدهش منها ، ويعزو إليها فضل إنشاء الخطبة الجنائزية التي ألقاها بركليز بعد الخسائر الأولى في حرب البلوبونيز. وما لبثت أسبازيا أن أصبحت ملكة أثينا غير المتوجة ، تشيع فيها آخر أنماط الحياة الاجتماعية ، وعنها تأخذ نساء المدينة "مُثُل الحرية العقلية والأخلاقية التي يتطلعن لها والتي تثير حماستهن".


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الحرب الپلوپونيزية

فيدياس يوضح إفريز الپارثينون لپريكليس، أسپاسيا، ألسيبيادس والأصدقاء، للسير لورنس ألما-تادِما، 1868، متحف ومعرض برمنگام للفن.

الحرب الپلوپونيزية كانت حرب يونانية قديمة وقعت بين الأثنيين وامبراطوريتهم ضد العصبة الپلوپونيزية بزعامة إسبرطة. يقسم المؤرخون تقليدياً الحرب إلى ثلاث مراحل. في المرحلة الأولى، الحرب الأرخيدميانية، حيث قامت إسبرطة بغزوات متتالية على أتيكا، بينما كان للأثينيين التفوق البحري في الإغارة على ساحل پلوپونيزيا في محاولة لقمع بدوار الاضطراب في الامبراطورية الأثينية. هذه الفترة من الحرب انتهت عام 421 ق.م.، بتوقيع سلام نيقياس. هذه المعاهدة، سرعان من سقطت بتجدد القتال في پلوپونيزيا. عام 415 ق.م.، أرسل الأثينيون قوات مشاة ضخمة للهجوم على سيراكوس في صقلية؛ فشل الهجوم فشلاً ذريعاً، بعد تدمير القوات ، عام 413 ق.م. كان هذا بداية للمرحلة الثالثة من الحرب، والتي يشار إليها باسم الحرب الدكلينية. في هذه المرحلة، حصلت إسبرطة على دعم من فارس، موجهاً للتمردات التي قامت بالولايات الأثينية في بحر إيجة، أيونيا، والتي قوضت الامبراطورية الأثينية، وفي النهاية، أفقدت المدينة تفوقها البحري. أدى دمار الأسطول الأثيني في إيگوسپوتامي إلى إنهاء الحرب واستسلم الأثينيون في العام التالي.

النهاية

التغير الكبير الذي حل ببركليز بعد دخول أسبازيا إلى حياته الخاصة وحياة اليونان العامة وكذلك انقطاعه عن الحياة الاجتماعية وانشغاله عن شئون الحكم ، كان هذا كله صدمة قوية لمشاعر المحافظين من الأهلين ، فأخذوا ينددون ببركليس لأنه يدفع اليونان لحرب اليونان كما حدث في إيجينا و ساموس ، ثم اتهموه بأنه يبدد الأموال العامة ، ثم سلطوا عليه الممثلين الهزليين فأساءوا استخدام حرية الكلام التي سادت أثينا في عهده ، فاتهمه هؤلاء بأنه جعل داره بيتاً من بيوت الفساد السيئة السمعة ، وبأن بينه وبين زوجة ابنه علاقة غير شريفة. وإذ كانوا لا يجرؤون على عرض تهمة من هذه التهم علناً أمام القضاء أخذوا يهاجمونه بالكيد لأصدقائه. فاتهموا فدياس باختلاس بعض الذي عهد إليه لصنع تمثال أثينا الذهبي العاجي ، ويلوح أنهم أفلحوا في إثبات التهمة عليه. ووجهوا إلى أنكساغوراس تهمة تتعلق بالدين، ففر الفيلسوف إلى خارج البلاد اتباعاً لمشورة بركليز.

ووجهوا تهمة دينية أخرى إلى أسبازيا مضمونها أنها لا تخضع لأوامر الدين ، وإنها جهرت بعدم تعظيمها آلهة اليونان. وهجاها الشعراء الهزليون هجاءً قاسياً ووصفوها بأنها ديانيرا Deianeira التي أهلكت بركليز وأطلقوا عليها بلغة يونانية صريحة اسم العاهر ، واتهمها واحد منهم يدعى هرميپوس Hermippus بأنها تعمل لكسب المال من طريق غير شريف ، ذلك بأنها قوادة لبركليز ، تأتي إليه بالحرائر ليستمتع بهن ، وقدمت للمحاكمة ونظرت قضيتها أمام ألف وخمسمائة من القضاة ، ودافع عنها بركليز دفاعاً مجيداً استخدم فيه كل ما وهب من بلاغة ، بل إنه استخدم فيه دموعه نفسها ، ورفضت الدعوة. وبدأ بركليز من ذلك الوقت يفقد سيطرته على الشعب الأثيني ، ولما وافته منيته بعد ثلاثة سنين من ذلك الوقت كان قد أصبح رجلاً مهدماً كسير القلب والجسم.

ذكراه

لقراءة وتحميل الكتاب، اضغط على الصورة.


انظر أيضاً

وصلات خارجية


المصادر

  • ديورانت, ول; ديورانت, أرييل. قصة الحضارة. ترجمة بقيادة زكي نجيب محمود.

وصلات خارجية