شيشرون

ماركوس توليوس شيشرون
Marcus Tullius Cicero
CiceroBust.jpg
شيشرون في عمر يناهز 60، من تمثال نصفي رخامي قديم
ولد: 3 يناير, 106 ق.م.
أرپينم, إيطاليا
توفي: 7 ديسمبر, 43 ق.م.
فورميا, إيطاليا
الوظيفة: سياسي, محامي, خطيب وفيلسوف
الجنسية: روماني قديم
المواضيع: السياسة، القانون, الفلسفة, الخطابة
الحركة الأدبية: لاتينية العصر الذهبي
أول أعماله: السياسة: Pro Quinctio
الفلسفة: De Inventione
أثر عليه: افلاطون والافلاطونية الوسيطة, الرواقية
تأثر به: تاكيتوس، پلينيوس، كوينتيليان وقد كان له أثراً هائلاً على الثقافة الاوروبية لأكثر من 2000 سنة.
Rmn-social-header-1-.svg
هذه المقالات تغطي روما القديمة وسقوط الجمهورية

الجمهورية الرومانية, مارك أنطونيو, كليوپاترا السابعة, اغتيال يوليوس قيصر, كراسوس, پومپي, بروتس, كاتو الأصغر,

مسرح پومپي، شيشرون، الحكم الثلاثي الأول, Comitium
هذه المقالات تغطي Comitium الرومان القدماء في لعصر الجمهوري
المنشآت- Rostra, Curia Hostilia, Curia Julia, Lapis Niger
السياسيون- شيشرون, گايوس گراكوس, يوليوس قيصر
المجالس- مجلس الشيوخ الروماني, comitia curiata

ماركوس توليوس شيشرون Marcus Tullius Cicero - شيشرون Cicero - ، الكاتب الروماني وخطيب روما المميز، ولد سنة 106 ق.م.، صاحب إنتاج ضخم يعتبر نموذجا مرجعيا للتعبير اللاتيني الكلاسيكي وصلنا لحسن الحظ جانب كبير منه، لقد أثارت شخصية شيشرون الكثير من الجدل والتقويمات المتضاربة وخاصة في الجانب السياسي من حياته، فهو تارة مثقف مضيع في وسط سيء، وتارة أخرى ثري إيطالي صاعد في روما، وثالثة انتهازي متقلب و"أداة طيعة في يد الملكية" و"متملق لپومپي ثم قيصر" بحسب تيودور مومسن وجروم كاركوبينو، ولكنه أيضا بحسب پيير گريمال الجسر الذي عبره وصلنا جانب من الفلسفة اليونانية.

حياته

حياته المبكرة

كان شيشرون طالباً نابهاً، حسب پلوتارخ، وقد جذب تعليمه انتباه روما كلها[1] وقد سنحت له الفرصة لدراسة القانون الروماني تحت يد كوينتس موسياس سكافولا.[2] بعد عدة أعوام، وبنفس الطريقة، قام شيشرون بتعليم الشاب ماركوس سالياس روفوس والعديد من المحامون الشبان الآخرين؛ وكان يعتبر هذا الإتحاد إتحادا مشرفاً بالنسبة للمدرس والتلميذ. حصل شيشرون على دعم رعاة العائلة، ماركوس إيميلوس سكاروس ولوكياس ليكينياس كراسس. كان الأخير نموذجاً للخطيب ورجل الدولة بالنسبة لشيشرون.

حياته كقنصل

المنفى والعودة

معارضة مارك أنتوني ووفاته

أعماله

شيشرون تم إعلانه “وثني صالح” من قِبل الكنيسة الكاثوليكية المبكرة، ولذلك اعتبر العديد من أعماله يستحق الحفاظ عليه. وقد اقتبس القديس أغسطين وغيره من أعماله “في الجمهورية” و “في القوانين،” وبسبب ذلك فنحن قادرين اليوم على إعادة تجميع معظم أعماله من الشظايا الباقية. وقد صاغ شيشرون مفهوم مجرد مبكر للحقوق ، مبني على القانون والأعراف القديمة.

كان شيشرون يفخر بخطبه ويدرك أن هذه الخطب تهيئ السبيل إلى الأدب الروماني، ولذلك أحس بوقع انتقادات المدرسة الأتيكية، فلم يعه إلا أن يدافع عن نفسه، فكتب عدة رسائل طويلة في فن الخطابة، وقد لخص في بعضها تاريخ البلاغة الرومانية في حوار واضح بارع وضع فيه القواعد التي يجب اتباعها في تأليف الخطب وفي الإيقاع والإلقاء. ولم يسلم في هذه الرسائل بأن أسلوبه "أسيوي"، وقال إنه قد حذا فيه حذو دمستين Demosthenes واتهم "الأتيكيين" بأن خطبهم الفاترة الخالية من العواطف تنوم السامعين أو تجعلهم يفرون منهم.

وتوضح السبع والخمسون التي وصلت إلينا من خطب شيشرون جميع الحيل التي يلجأ إليها من خطب الخطباء الناجحون. فهي توفي على الغاية في عرض ناحية واحدة من نواحي الموضوع الذي يتحدث عنه الخطيب عرضاً يفيض حرارة وحماسة؛ وفي إدخال السرور على المستمعين بالفكاهات والنوادر؛ وفي إثارة كبريائهم وأهوائهم، وعواطفهم، ووطنيتهم، وتقواهم؛ وفي عرض أخطاء المعارض له أو أخطاء مولاه سواء كانت صحيحة أو مما يرويها الناس عنه، وسواء كانت تمس الشؤون العامة أو تمسه هو نفسه؛ ويحذقه في تحويل انتباه السامعين من النقط التي في غير صالحه، وغمرهم بفيض من الأسئلة الخطابية يضعها بحيث تكون الإجابة عنها صعبة أو مؤذية، ثم يكيل التهم في جمل تكون عباراتها قوية قوة السياط، وتيارها الجارف يغمر المستمعين؛ ولا تدعى هذه الخطب أنها عادلة منصفة بل إن فيها من التجريح أكثر مما فيها من التصريح، وهي خلاصات يستغل من يلقيها حرية القذف التي كانت محرمة في المسارح، ولكنها مباحة في السوق العامة وفي ساحات القضاء. ولا يتردد شيشرون في أن يصف ضحاياه بألفاظ مثل "الخنزير" و"الوباء" و"الجزار" و"القذارة"؛ ويقول لبيزو Piso إن العذارى يقتلن أنفسهن ليتقين شر عُهره، ويصب اللعنات على أنطونيوس لأنه يظهر حبه لزوجته على ملأ الناس؛ وكانت هذه المثالب تسر المستمعين والمحلفين ولم يكن أحد من الناس يأخذها مأخذ الجد. ولم يأنف شيشرون نفسه من أن يكتب إلى بيزو رسائل تفيض وداً وصداقة بعد بضع سنين من هجومه الوحشي عليه في In Pisonem. وجدير بنا فوق هذا أن نقر بأن في خطب شيشرون من الأنانية والبلاغة الخطابية أكثر مما فيها من الإخلاص الخلقي أو الحكمة الفلسفية، بل إن فيها من الأنانية والبلاغة أكثر مما فيها من الفطنة أو التعمق القانوني، ولكنها بلاغة ليست كمثلها بلاغة قط. إن خطب ديموستين نفسه لم يكن فيها هذا التصوير الواضح، الحيوي، وهذه الفكاهة الغزيرة، وهذا القذف اللاذع لبني الإنسان؛ ومما لا جدال فيه أنا لا نجد أحداً قبل شيشرون أو بعده قد أكسب اللغة اللاتينية ما أكسبها هو من سحر وسلامة فاتنة، وقوة عاطفية وجمال. لقد كانت خطبه أسمى ما وصل إليه النثر اللاتيني؛ وقد كتب إليه قيصر الكريم وهو يهدي إليه كتابه "في التشبيه" يقول: "لقد كشفت كل كنوز الخطابة، وكنت أنت أول من استخدمها، وبذلك كانت لك اليد الطولي على جميع الرومان، وكنت مفخرة وطنك؛ لقد نلت نصراً دونه نصر أعظم القواد، لأن الذهن البشري أنبل من توسيع رقعة الإمبراطورية الرومانية"(47).

وتكشف خطب شيشرون عن أخلاقه السياسية، أما رسائله فتكشف عن إنسانيته، وتجعل المرء يعفو عن جميع عيوبه السياسية. لقد أملى هذه الخطب كلها إلا قلة منها على أمين سره، ولم يراجعها بنفسه، ولم يكن يفكر وهو يكتب معظمها أنها ستنشر على الملأ، ومن أجل هذا فإن الناس لم تعرض عليهم نفسية إنسان وسريرته كاملتين، كما عرضت عليهم نفسية شيشرون وسريرته. وفي ذلك يقول نيبوس Nepos "لا حاجة لمن يقرأ هذه الرسائل بقراءة تاريخ تلك الأيام"، ذلك أن في وسع قارئها أن يطلع على أهم الفصول الحيوية من المسرحية الثورية من داخلها، والستائر كلها مرفوعة عنها. وأسلوبها في الغالب صريح قديم، خال من الفن والتكلف، ملئ بالملح والفكاهات(49)، ولغتها مزيج جذاب من الرقة الأدبية، وسلاسة اللغة الدارجة. وهي أكثر ما بقي من آثار شيشرون بل من النثر اللاتيني كله طرافة ومتعة؛ ومن الطبيعي أن نجد في هذه المجموعة الكبيرة من الرسائل (وهي تشمل 864 رسالة تسعون منها كتبت لشيشرون) بعض المتناقضات وغير قليل من الشواهد الدالة على عدم الإخلاص. وليس فيها كلها أثر واحد للتقي والإيمان اللذين يطالعاننا كثيراً في مقالات شيشرون أو في تلك الخطب التي يجعل الآلهة فيها ملجأه الأخير، ويتبين لنا من هذه الرسائل أن رأيه الخاص في كثير من الناس، وخاصة في قيصر، لا يتفق على الدوام مع ما يصفهم به جهرة(50)، وفيها يظهر غروره الشديد الذي لا يكاد يصدقه العقل ألطف وأحب إلى النفس مما يظهر في خطبه، حيث يبدو لنا وكأنه يحمل معه تمثالاً أينما ذهب. وهو يقر مبتسماً بأن "تقديري لنفسي وثنائي عليها أعظم الأشياء قدراً عندي"(51). ويؤكد لنا في سذاجة ساحرة أنه "إذا كان في الناس من لا يتصف بالغرور فهو أنا"(52). ومما يلهو به القارئ ما يجده فيها من رسائل كثيرة عن المال، ومن أقوال كثيرة عن بيوته المتعددة. فقد كان له فضلاً عن بيوته ذات الحدائق في أربينوم Arpinum وأستوري Asturae وبتيولي وبمبي Pompeii كان له فضلاً عن هذه البيوت ضيعة في فورميا Formiae تبلغ قيمتها 250.000 سترس، وأخرى في تسكولوم Tusculum تساوي 500.000، وقصر عل تل بلاتين Palatine كلفته 3.500.000 ألا إن هذه المتع وأسباب الترف لتبدو شنيعة مشينة إذا ما أتصف بها الفيلسوف.

ولكن هل في الناس من بلغت فضائله تبقى معها سمعته إذا ما نشرت رسائله الخاصة؟ والحق أن الإنسان إذا أمعن في قراءة هذه الرسائل يكاد يحب هذا الرجل. إنه في واقع الأمر لم يكن له من الأغلاط، ولعله لم يكن له من الغرور، اكثر مما لنا، ولكنه أخطأ إذ خلد هذه الأغلاط وهذا الغرور في نثر أوفى على الكمال. وخير ما نستطيع أن نصفه به أن كان عاملاً مجداً، وأباً رحيماً، وصديقاً وفياً؛ وفي وسعنا أن نراه في بيته مولعاً بكتبه وبأبنائه، يحاول أن يحب زوجه ترنتيا Terentia الغضوب المصابة بالرثية والتي لم تكن تقل عنه ثروة أو فصاحة. ولقد أوتى هو وزوجه من الثروة ما يبعد عنهما السعادة، وكانت متاعبهما ومنازعاتهما تنشأ على الدوام من حساباتهما الضخمة، وظلت هذه المنازعات تزداد حتى طلقها بسبب تشاحن على المال نشأ بينهما. ولم يلبث بعد أن طلقها أن تزوج بيليا Publia؛ وقد اسفلت نظره إليها أنها ذات ثروة طائلة وليست كبيرة السن، فلما أن أظهرت بغضها لابنته تليا Tullia طلقها هي الأخرى. وكان يحب تليا أشد الحب، فلما ماتت حزن عليها حزناً كاد يذهب بعقله، وأراد أن يشيد لها معبداً كمعابد الآلهة. ومن ألطف رسائل شيشرون التي كتبها إلى تيرو Tiro كبير أمناء سره والتي كتبها عنه. وكان تيرو يكتب ما يمليه عليه مختزلاً، ويشرف له على أمواله بقدرة وأمانة كافأه عليهما شيشرون بتحريره من الرق. وأكثر الخطابات عدداً هي التي كتبها إلى أتكس Atticus الذي كان يستثمر لشيشرون أمواله المدخرة والذي أنجاه من عدة ورطات مالية، ونشر له مؤلفاته، وأسدى إليه من النصح السديد ما لم يعمل به. وقد كتب شيشرون إلى أتكس، وكان غائباً في بلاد اليونان عن حكمة وفطنة حين بلغت الثورة عنفوانها، خطاباً يعد مضرب المثل في الوفاء وعذوبة اللفظ قال فيه:

لست اشعر بحاجة أشد من حاجتي إلى من أستطيع أن أفضي إليه بكل ما يتصل بي، ومن يحبني، ومن أثق بحزمه وحصافة رأيه، ومن أستطيع أن أتحدث إليه بلا ملق ولا رياء ولا تحفظ. إن أخي الذي يفيض صراحة وحناناً غائب عني... وأنت يا من أنجيتني من متاعبي وأسباب قلقي برأيك السديد، ويا من كنت رفيقي في الشؤون العامة وموضع ثقتي في جميع شؤوني الخاصة. وشريكي في جميع أقوالي وأفكاري- أين أنت؟(54).

وبينما كانت بلاد الرومان تمر بتلك الأيام العصيبة حين عبر قيصر الروبكون وهزم بمبي، ونصب نفسه حاكماً بأمره، اعتزل شيشرون الحياة العامة إلى حين وأخذ ينشد الراحة من عنائها في قراءة الفلسفة والكتابة فيها. وقد كتب إلى أتكس في ذلك الوقت يقول له: "تذكر ما وعدتني به فلا تعط كتبك لإنسان ما بل احتفظ بها لي. إني أحبها أعظم الحب، وتشمئز نفسي أشد الاشمئزاز من كل ما عداها"(55). وقد عمل وقتئذ بما كان ينصح به غيره، وأصدر في فترة لا تزيد إلا قليلاً على سنتين ما يكاد يكون مكتبة في الفلسفة .ذلك أن ضعف العقيدة الدينية لدى الطبقات العليا قد خلف وراءه فراغاً أخلاقياً لاح معه أن رومه تتردى في مهاوي الانحلال الخلقي والاجتماعي. وكان شيشرون يأمل أن تحل الفلسفة محل الدين متهدي هذه الطبقات إلى الحياة الطبية، وتحفزها لأن تحيا هذه الحياة، ولم يكن يعتزم أن يضيف إلى النظم الفلسفية السابقة نظاماً جديداً، بل كان كل ما يهدف له هو تلخيص تعاليم حكماء اليونان وتقديمها للرومان لتكون آخر ما يهديه لهم في حياته(57). وقد بلغ من أمانته العلمية أن أقر في غير خفاء أنه يستمد فلسفته من رسائل بانتيوس Panaetiue وبوسيدونيوس Poseidonius وغيرهما من فلاسفة اليونان المحدثين(58)، وأن عمله لا يزيد على تكييف رسائلهما تكييفاً جديداً؛ بل إنه في بعض الأحيان لا يفعل أكثر من ترجمة هذه الرسائل. ولكنه قد حول نثر هؤلاء الفلاسفة الجاف الممل إلى لغة لاتينية سهلة، واضحة، جذابة، وجمل بحوثه بالحوار. وكان ينتقل فيها تنقلاً سريعاً من بيداء المنطق وما وراء الطبيعة الجدباء، إلى المشاكل الحية، مشاكل السلوك وحكم البلاد. وقد اضطر كما اضطر لكريشيوس إلى ابتكار مصطلحات فلسفية جديدة، ونجح في هذا نجاحاً جعله صاحب الفضل على اللغة والفلسفة كلتيهما. والحق أن الحكمة لم يزنها من أيام أفلاطون هو الذي استمد منه شيشرون معظم أفكاره؛ ذلك بأنه لم يكن يحب تحكم الأبيقوريين الذين "يتحدثون عن الأمور الإلهية حديث الواثقين، حتى ليخيل إليك أنهم قد جاءوا لساعتهم من مجتمع للآلهة". وكذلك لم يكن يعجبه تحكم الرواقين الذين يلوون الحجج عن قصد وتعمد حتى ليخيل إليك أن الآلهة أنفسها إنما وجدت لمنفعة الآدميين(59) وتلك نظرية لم ير شيشرون نفسه في بعض أطواره أنها بعيدة عن حكم العقل. وكانت النقطة التي بدأ منها فلسفته هي بعينها بداية فلسفة الأقديمية الجديدة The New Academy- أي التشكك الهين الذي لا يعترف بأن شيئاً ما مؤكداً كل التأكيد، والذي يرى في الاحتمالات الراجحة ما يكفي مطالب الحياة البشرية؛ وفي ذلك يقول في بعض كتاباته: "إن فلسفتي في معظم الحالات هي فلسفة الشك(61).. ولعلكم تأذنون لي ألا أعرف ما لا أعرفه"(61). ويقول في موضع آخر: "إن الذين يريدون أن يعرفوا رأيي الشخصي يظهرون قدراً من التشوف لا يقره العقل"(62). ولكن ما أوتي من قدرة فائقة على التعبير سرعان ما كان يتغلب على حيائه: فيهزأ بالتضحيات الدينية، والهاتفين والعرافين. ويخصص رسالة بأكملها لإنكار القدرة على التنبؤ بالغيب، ويتساءل في معرض استنكار الاعتقاد بالتنجيم، وهو الاعتقاد الذي كان واسع الانتشار في تلك الأيام، هل كان من قتلوا في واقعة كاني قد ولدوا في مطلع نجم واحد(63). بل إنه ليشك في أن العلم بالمستقبل خير لمن يعلمه، وذلك لأن المستقبل نفسه قد يكون كريهاً كغيره من الحقائق الكثيرة التي يدفعنا حمقنا إلى الجري وراءها. ويظن شيشرون أن في مقدوره أن يقضي على العقائد القديمة كلها قضاء مبرماً بالسخرية منها والاستهزاء بها. فيقول مثلاً: "إذا سميت الحب سيريز Ceres وسميت الخمر باخوس Bachus كانت هذه التسمية استعارة من الاستعارات المألوفة، ولكن هل تظن أن أحداً من الناس قد بلغ به الجنون إلى الحد الذي يعتقد معه أن ما يأكله إله بحق"(63). على أن شكه في الإلحاد لم يكن يقل عن شكه في أية عقيدة تحكمية أخرى. فهو يرفض العقيدة الذرية التي كان يقول بها دمقريطس ولكريشيوس، ويقول إن من أبعد الأشياء أن تنظم الذرات نفسها بلا هاد يهديها ولو ظلت تفعل كذلك أبد الدهر، ثم ينشأ من هذا التنظيم عالمنا الذي نعيش فيه. وشأنها في ذلك شأن الحروف الهجائية فإن من أبعد الأشياء كذلك أن تتجمع هذه الحروف من تلقاء نفسها فينشأ من تجمعها "حوليات إنيوس"(64). ويقول إن جهلنا بالآلهة ليس بالدليل القاطع على عدم وجودها، بل إنه ليذهب إلى أبعد من هذا فيقول إن إجماع الناس على وجودها يكفي في حد ذاته لترجيح وجود قوة مدبرة. ويستخلص من هذا أن الدين نظام لابد منه للأخلاق الشخصية والنظام العام، وأنه نظام لا يمكن أن يهاجمه إنسان عاقل(65)؛ ولذلك فإنه ظل يقوم بواجبات العراف الرسمي في الوقت الذي كان يكتب فيه ضد التنبؤ والعرافة. ولم يكن يعد هذا نفاقاً بمعناه الصحيح، ولعله كان يسميه سياسة وحسن التصرف. ذلك أن الأخلاق الرومانية، والمجتمع الروماني، ونظام احكم فيه، كانت كلها وثيقة الارتباط بالدين القديم، وأنه إذا أريد لها البقاء وجب ألا يترك هذا الدين كي يموت. (وكان الأباطرة يبررون اضطهاد المسيحيين بمثل هذه الحجج). ولما توفيت تليا التي كان يحبها أعظم الحب، اشتدت به نزعة الأمل في الخلود. وكان قبل ذلك بعدة سنين كثيرة قد استعار من فيثاغورس وأفلاطون وإيكسودس في "حلم سبيو" الذي اختتم به "جمهورية" أسطورة معقدة بليغة عن حياة بعد الموت، ينعم فيها الموتى العظماء الصالحين بالنعيم الأبدي. أما في رسائله الخاصة- وحتى في رسائله التي يواسي فيها الثاكلين من أصدقائه- فإنه لا يذكر قط شيئاً عن الحياة الآخرة.

وإذ كان على علم بما يسري في أيامه من نزعة التشكك فإن الأسس التي أقام عليها بحوثه في الأخلاق والسياسة كانت أسساً دنيوية محضة، لا تعتمد قط على تأييد غير القوى الطبيعية. فهو يبدأ (في De Finbus) بالتساؤل عن الطريق الموصل إلى السعادة. ثم يوافق الرواقيين في شيء من التردد على أن الفضيلة وحدها لا تكفي للوصول إليها. ومن أجل هذا تراه (في De Effcüs) يبحث عن طريق الفضيلة، ويفلح بفضل جمال أسلوبه في أن يجعل الواجب محبباً ممتعاً إلى حين، وفي ذلك يقول: "الناس جميعاً أخوة، وخليق بنا أن نعد العالم كله مدينة مشتركة للآلهة والبشر على السواء"(66). ثم يواصل حديثه قائلاً إن أسمى المبادئ الخلقية هي الولاء لهذا الكل، ولاء يكون الحافز له هو الضمير الحي. وأول ما يجب على الإنسان لنفسه وللمجتمع، أن يقيم حياته على أساس اقتصادي سليم، وعليه بعدئذ أن يؤدي واجباته بوصفه مواطناً في بلده. والسياسة الحكيمة أعظم شرفاً من أعمق البحوث الفلسفية(67).

وهو يرى أن الملكية المطلقة خير أنواع الحكومات إذا كان الملك صالحاً، وأكثرها شراً وفساداً إذا كان الملك فاسداً- وتلك حقيقة سرعان ما تأيدت في رومه نفسها. وعنده أن الحكومات الأرستقراطية تصلح إذا كان الحاكمون فيها هم أحسن الناس حقاً. ولكن شيشرون، وهو من أفراد الطبقة الوسطى، لا يسلم تسليماً مطلقاً بأن الأسر القديمة المحافظة على أرستقراطيتها خير الأسر. والحكم الديمقراطي في رأيه يصلح إذا كان الشعب فاضلاً، وهذا في ظنه لا يكون أبداً. هذا إلى أن هذا الحكم يفسده الافتراض الكاذب بأن الناس متساوون. ولذلك كان خير الحكومات هي التي تقوم على دستور يجمع بين هذه الأنواع كلها كحكومة رومه قبل عهد ابني جراكس، فقد جمعت بين سلطة الجمعيات الديمقراطية، وسلطة مجلس الشيوخ الأرستقراطية، وسلطة القنصلين التي لا تكاد تقل عن سلطة الملوك في السنة التي يتوليان فيها منصبهما, والملكية إذا لم تكن لها ضوابط وموازين تصبح حكومة استبدادية، كما أن هذه الظروف نفسها تجعل الأرستقراطية ألجركية، وتجعل الديمقراطية حكم الغوغاء وتستحيل إلى فوضى وطغيان. وقد كتب بعد خمس سنين من تولى قيصر منصب القنصلية، وكأنه فيما كتب كان يصّوب السهم إلى صدر قيصر:

يقول أفلاطون إن الحكام المستبدين ينبتون من مغالاة الناس في التحلل من القيود تحللاً يسميه حرية، كما ينبت النبات من الجذور... وإن هذه الحرية تهوى بالأمة آخر الأمر إلى درك الاستعباد.. إن كل شيء يزيد على حده ينقلب إلى ضده.. وذلك لأن العامة التي ليس لها حاكم يسيطر عليها تختار من بينها في العادة زعيماً يقودها.. وهو إنسان جرئ لا ضمير له.. يسعى لنيل رضاء الناس بما يعطيهم من أموال غيرهم. ولما كان هذا الرجل يخشى أشد الخشية أن يظل فرداً كغيره من الأفراد فإنهم يخلعون عليه حماية المنصب العام، ويجددون له هذه الحماية على الدوام، فيحيط نفسه بحرس مسلح، وينتهي به الأمر إلى أن يصبح طاغية يستبد بالشعب الذي حباه القوة والسلطان(68).

ولكن قيصراً رغم هذا نال بغيته، ورأى شيشرون أن خير ما يفعله هو أن يكظم غيظه ويرفه عن نفسه بالقول المعاد في القانون، والصداقة، والمجد، والشيخوخة، وبأن "القوانين تلتزم الصمت في أيام الحرب" Silent lege enter arma على حد قوله هو نفسه. على أنه كان في وسعه على الأقل أن يستسلم للتفكير في فلسفة القانون، وقد عرفه كما عرفه الرواقيون بأنه "التفكير الصحيح المتفق مع الطبيعة"(69) أي أن القانون يعمل لجعل الصلات التي تنشأ من دوافع الناس الاجتماعية صلات منظمة مستقرة. وفي ذلك يقول إن "الطبيعة قد غرست في نفوسنا الميل إلى حب الناس" (المجتمع)، "وهذا هو أصل القانون"(70) ويرى شيشرون أن الصداقة يجب ألا تقوم على المنافع المتبادلة بل على المصالح المشتركة التي تدعمها، وتحدوها الفضيلة والعدالة، وأن قانون الصداقة هو "ألا يطلب الإنسان إلى صديقه أن يعمل أشياء غير شريفة، وألا يعملها هو إذا طلب إليه عملها(71)، وعنده أن الحياة الشريفة هي خير ضمان للشيخوخة السارة، وأن الاستهتار والإسراف في أيام الصبا يتركان الشيخوخة جسماً والعقل منهوكا قبل الأوان. أما الحياة التي تقضي على خير وجه فقد يبقى الجسم والعقل فيها سليمين حتى يبلغ المرء مائة من السنين، ولنضرب لذلك ماسينسا Masinassa. والانكباب على الدرس قد يجعل الإنسان "يغفل عن اقتراب الشيخوخة منه خفية(72). والشيخوخة أمجادها كما للشباب أمجاده- ففيها الحكمة المتسامية، وفيها حب الأطفال آباءهم وإجلالهم إياهم، وفيها تهدأ حمى الرغبات والمطامح. وقد تخشى الشيخوخة الموت ولكن ذلك لا يحدث إذا كان العقل قد كونته الفلسفة، فأدرك أن وراء القبر، في أحسن الأحوال، حياة جديدة أسعد من الحياة وفي أسوئها من عنائها(73).

وفي وسعنا أن نحكم على مقالات شيشرون في الفلسفة بأنها كلها ضئيلة الأثر، وأنها كآرائه في الحكم والسياسة تستمسك فوق ما يجب بالسنن القديمة والتقاليد المرعية. وسبب ذلك أنه وإن أوتي تشوف العالم فقد أوتي معه حذر أبناء الطبقة الوسطى وضعف عزيمتهم، ولذلك ظل في فلسفته نفسها سياسياً يكره أن يسيء إلى شخص واحد من الناس، خشية أن يفقد بذلك صوته يوم الانتخاب. وكان ديدنه أن يجمع آراء غيره ويجيد الموازنة بين ما لها وما عليها، فإذا انتهى من هذه الموازنة خرج السامع بعدها من نفس الباب الذي دخل منه، لا يدري أي الكفتين ترجح على الأخرى. ولولا ما امتازت به هذه الكتب الصغيرة من أسلوب سهل جميل لعفي عليها الزمان، ولما بقي لها ذكر الآن. فما أجمل لاتينية شيشرون وما أسهل قراءتها، وما أسلس لغتها وأوضحها! لقد كان إذا قص حادثة أسبغ عليها من الحيوية التي تسري في خطبه فتسترعي الأسماع وتسحر الألباب. وإذا وصف شخصاً أظهر في هذا الوصف من البراعة ما يجعل القارئ يتأسف معه لأنه لم يجد متسعاً من الوقت يمكنه من أن يكون أعظم مؤرخي رومه(74)، وإذا انطلق في الخطابة أفاض على السامع جُملاً متزنة، جميلة اللفظ، قوية العبارة، مما أخذه عن إيزوقراطيس Isocrates، وجعل السوق العامة تدوي بالتصفيق والاستحسان.

إن آراء شيشرون هي آراء الطبقات العليا، أما أسلوبه فقد أراد به أ يصل إلى قلوب الشعب؛ ومن أجل هذا تراه يبذل جهده لكي يكون هذا الأسلوب واضحاً لا غموض فيه، وأن تكون الحقائق التي يوردها مما يهز مشاعر السامعين هزاً، وهو يمزج المعنويات بالنوادر والفكاهات.

وملاك القول أن شيشرون قد خلق اللغة اللاتينية خلقاً جديداً، فوسع نطاق مفرداتها، وصاغ منها أداة مرنة للتعبير عن الفلسفة، وجعلها صالحة لاستيعاب الآداب والعلوم في أوربا الغربية سبعة عشر قرناً من الزمان. وإن الأجيال التي جاءت بعده لتذكره على أنه مؤلف أكثر منه رجل سياسة. ولما أن نسي الناس ما قام به وهو قنصل من أعمال مجيدة، أو كادوا ينسونها، على الرغم مما فيها من ذكريات طيبة، ظلوا يمجدون فتوحه في عالم الأدب والفصاحة. وإذ كان من عادة الناس أن يمجدوا الصورة كما يمجدون المادة، وأن يعظموا الفن كما يعظمون العلم والسلطان، دون سائر الرومان، من الشهرة ما لم ينل أكثر منه إلا قيصر وحده. ولم يغفر هو لرومه هذا الاستثناء الوحيد.

كتب

Of Cicero's books, six on rhetoric have survived, as well as parts of eight on philosophy.

خطب

Of his speeches, eighty-eight were recorded, but only fifty-eight survive. Some of the items below are more than one speech.

خطب قانونية

Several of Cicero's speeches are printed, in English translation, in the Penguin Classics edition Murder Trials. These speeches are included:

  • In defence of Sextus Roscius of Ameria (This is the basis for Steven Saylor's novel Roman Blood.)
  • In defence of Aulus Cluentius Habitus
  • In defence of Gaius Rabirius"
  • Note on the speeches in defence of Caelius and Milo
  • In defence of King Deiotarus
خطب سياسية
Early career (before exile)
Mid career (after exile)
Late career

(The Pro Marcello, Pro Ligario, and Pro Rege Deiotaro are collectively known as "The Caesarian speeches").

فلسفة

جدل
أعمال فلسفية أخرى

رسائله

More than 800 letters by Cicero to others exist, and over 100 letters from others to him.

في الثقافة الشعبية

Appearances in modern fiction, listed in order of publication
Appearances in film or television
  • Imperium: Augustus, a British-Italian film (2003), also shown as Augustus The First Emperor in some countries, where Cicero (played by Gottfried John) appears in several vignettes.
  • In the 2005 ABC miniseries Empire, Cicero (played by Michael Byrne) appears as a supporter of Octavius. This portrayal deviates sharply from history, as Cicero survives the civil war to witness Octavius assume the title of princeps.
  • Rome, the BBC/HBO/RAI TV series, features Cicero prominently. The portrayal is broadly historical, in that it accurately reflects Cicero's political vacillation and continued switching of allegiances between the various factions in Rome's civil war. However it veers from recorded history in several significant aspects. For example, Cicero's assassination occurs in the peach orchard of his villa, rather than in his litter on the road to the sea, and is attributed to Titus Pullo, one of the series protagonists and, in this context, a fictional character (although there was a real Titus Pullo). Cicero is played by David Bamber.

انظر أيضاً

قراءات اضافية

الهامش

  1. ^ Plutarch, Cicero 2.2
  2. ^ Plutarch, Cicero 3.2

المراجع

  • Cicero, Marcus Tullius, Cicero’s letters to Atticus, Vol, I, II, IV, VI, Cambridge University Press, Great Britain, 1965
  • Cicero, Marcus Tullius, Latin extracts of Cicero on Himself, translated by Charles Gordon Cooper , University of Queensland Press, Brisbane, 1963
  • Cicero, Marcus Tullius, Selected Political Speeches, Penguin Books Ltd, Great Britain, 1969
  • Cicero, Marcus Tullius, Selected Works, Penguin Books Ltd, Great Britain, 1971
  • Everitt, Anthony 2001, Cicero: the life and times of Rome's greatest politician, Random House, hardback, 359 pages, ISBN 0-375-50746-9
  • Cowell, Cicero and the Roman Republic, Penguin Books Ltd, Great Britain, 1973
  • Haskell, H.J.: (1946) This was Cicero, Fawcett publications, Inc. Greenwich, Conn. USA
  • Gibbon, Edward. (1793). The Decline and Fall of the Roman Empire., The Modern Library (2003), ISBN 0375758119. Edited, Abridged, and with a Critical Foreword by Hans-Friedrich Mueller.
  • Gruen, Erich, The last Generation of the Roman Republic, University of California Press, USA, 1974
  • March, Duane A., "Cicero and the 'Gang of Five'," Classical World, volume 82 (1989) 225-234
  • Plutarch, Fall of the Roman Republic, Penguin Books Ltd, Great Britain, 1972
  • Rawson, Elizabeth (1975) Cicero, A portrait, Allen Lane, London ISBN 0-7139-0864-5
  • Rawson, Elizabeth, Cicero, Penguin Books Ltd, Great Britain, 1975
  • Scullard, H. H. From the Gracchi to Nero, University Paperbacks, Great Britain, 1968
  • Smith, R. E., Cicero the Statesman, Cambridge University Press, Great Britain, 1966
  • Strachan-Davidson, J. L., Cicero and the Fall of the Roman Republic, University of Oxford Press, London, 1936
  • Taylor, H. (1918). Cicero: A sketch of his life and works. Chicago: A. C. McClurg & Co.

وصلات خارجية

Wikisource
Latin Wikisource has original text related to this article:


سبقه
Lucius Julius Caesar و Gaius Marcius Figulus
Consul of the Roman Republic
with Gaius Antonius Hybrida
63 BC
تبعه
Decimus Junius Silanus and Lucius Licinius Murena


Crystal Clear app Community Help.png هذه بذرة مقالة عن حياة شخصية تحتاج للنمو والتحسين، فساهم في إثرائها بالمشاركة في تحريرها.