سفر التكوين

(تم التحويل من Book of Genesis)
التناخ
والعهد القديم
Aleppo Codex Joshua 1 1.jpg
بوابة اليهودية
بوابة المسيحية

سفر التكوين هو أول أسفار التوراة (أسفار موسى الخمسة) وأول أسفار التناخ، وهو جزء من التوراة العبرية، كما أنه أول أسفار العهد القديم لدى المسيحيين.

مكتوب فيه أحداث تبدأ مع بدء الخليقة وسيرة حياة بعض الأنبياء، ومذكور فيه كيف خلق الله الكون والإنسان وكيف اختار الله النبي نوح لكي ينذر البشرية من الطوفان الذي كان قادما إليها، ثم دعوة الله لإبراهيم وإسحاق ويعقوب أبي الأسباط ثم كيف بيع يوسف من قبل إخوته إلى تجار العبيد ووصوله إلى مصر وتملكه على كل أرض مصر، فسفر التكوين يسرد الأحداث منذ بدء الخليقة إلى فترة نهاية حياة يوسف.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

التسمية

يسمى بيراشيت בְּרֵאשִׁית في النص العبري،[1] وترجع التسمية إلى أول كلمتين وردتا بالسفر وتعنيان "في البدء"،[2] هذا الأمر متبع في جميع أسفار التوراة،[3] أما كلمة "التكوين" فجاءت من الترجمة السبعينية للتناخ اليهودي التي استخدمت كلمة "جنسز Γύνεσις" كتسمية للسفر،[4] ويقصد بها النشوء أو الأصل أو بداية الأمور،[2] وذلك أن السفر يتناول بدايات الأمور كخلق العالم والإنسان كما يذكر بدايات المعتبرين أنهم أسلاف الشعب العبري،[3] ليس هذا فحسب بل يذكر لنا أيضاً بداية الأنساب والحرف واللغات من وجهة نظر المؤلف أو المؤلفين.[2]


المؤلف وتاريخ التأليف

أولاً: رأي المحافظين

Mosaik föreställande Mose i Cathedral Basilica of St. Louis i Saint Louis, Missouri.

ينسب السفر عادة إلى النبي موسى، فإنه يمكن القول بإجماع اليهود والمسيحيين بصفة عامة، والمحافظين من علماء الفريقين بصفة خاصة، على أن موسى هو كاتب السفر، ويستندون إلى الأدلة الداخلية لإثبات رأيهم ومنها ما يسمونه بشهادة العهد القديم وشهادة العهد الجديد، فإنه في الأسفار الخمسة الأولى من العهد القديم كثيراً ما يُذْكَر "قال الرب لموسى" أنظر (خروج 25: 1) و(العدد 1: 48) و(العدد 13: 1)، وفيه أيضاً – في العهد القديم – يرد عبارات تدل أن موسى هو كاتب الشريعة أو التوراة مثل " كما هو مكتوب في شريعة موسى رجل الله" (عزرا 3: 2)، قس على ذلك ما جاء في (يشوع 1: 7-9) و(الملوك الأول 2: 3، 8: 53 و 56) و(عزرا 7:6) وغيرهم، وأما شهادة العهد الجديد فيستدلون بأن المسيح وتلامذته (كتبة الأناجيل والرسائل) قد نسبوا الشريعة والناموس لموسي، تقول دائرة المعارف الكتابية تحت مادة "تكوين – سفر التكوين، تاريخ الكتابة والكاتب":

Cquote2.png ونقرأ في العهد الجديد أن المسيح "ابتدأ من موسى وجميع الأنبياء، يفسر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب" (لو 24: 27). فمن الواضح أن الرب يسوع أقر بأن موسى هو كاتب أول أسفار الكتاب المقدس، بل إنه أطلق على العهد القديم اسم "موسى والأنبياء" (لو 16: 19 و 31، ارجع أيضاً إلى يو 5: 46 و47، مت 5: 17، لو 24: 44). كما أن الرسول بولس استخدم نفس هذه العبارة (أع 26: 22، 28: 23) وفي نفس الوقت أشار الرب يسوع المسيح إلى الكثير من فصول سفر التكوين باعتبارها جزءاً من الأسفار الموحى بها (مت 19: 4-6، 24: 38، لو 17: 32، يو 7: 22). Cquote1.png

— دائرة المعارف الكتابية

وطبقاً لهذا الرأي يكون السفر قد كتب في حياة النبي موسى، ولما كان السفر قد كتب بعد خروج بني إسرائيل من مصر، وهو بحسب علماء اليهودية والمسيحية قد وقع بين سنتي (1440 -1400 ق.م)، تكون الفترة بين هاتين السنتين هي نفس الفترة التي كتب بها هذا السفر.

ثانياً: آراء المتحررين

إن المتحررين من علماء العقيدتين: اليهودية والمسيحية، يرون أن كاتب السفر هو شخص مجهول، وأنه لا يمكن معرفته على وجه التحديد، وهم يجزمون قطعاً أن موسى لم يكتب السفر. إن القول بأن موسى لم يكتب التوراة ليس بأمر حديث عهد، وإنما يعود لعصر المفسر اليهودي إبراهيم بن عزرا (1089-1164م)، وكان اليهودي باروخ سبينوزا (1632-1677م) مؤيداً لرأي بن عزرا أشد ما يكون التأييد، وابن عزرا في رأيه أول من ارتاب في نسبة التوراة لموسى، إلا أنه لم يجرؤ على المجاهرة بآرائه فكان يعمد إلى استخدام تلميحات غامضة. من هذه التلميحات ما أورده ابن عزرا في تصدير تفسيره لسفر التثنية والتي اقتبسها سبينوزا وعلق عليها كالتالي:

صحيحٌ أننا لا نتصوره مؤلف
الأسفار بالمفهوم الحديث،
لكن ليس ثمة دافع لنرتاب
في أن له دوراً فريداً مهماً في
الأحداث التي تصفها تلك التقاليد
ولا سيما دوره كمشرع.

—النسخة الأمريكية الجديدة للكتاب المقدس.
Cquote2.png "...عبر الأردن1... لو أنك تدرك لغز الاثني عشر2... وكتب موسى التوراة3... وكان الكنعانيون حينها في الأرض4... في جبل الرب يرى5... هوذا سريره السرير الحديدي6... حينئذ ستعلمون اليقين7 ".

في هذه الكلمات القليلات يلمح [بن عزرا] ويبين أيضاً أنه لم يكن موسى الذي كتب الأسفار الخمسة (التوارة)، وإنما شخص آخر عاش بعده بأمد طويل، بل وأبعد من هذا أن ما كتبه موسى لم يكن سوى شيء مختلف عما هو موجود الآن.

Cquote1.png

سپينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة

ويستطرد سبينوزا بعدها في التعليق على تلميحات ابن عزرا في إسهاب وتفصيل، ولم يكتف بالتعليق على تلميحاته فحسب، بل عزز آراءه بأن أضاف العديد من العبارات التي يصعب أن يكون موسى قد كتبها، وحسبنا أن نذكر منها ما يتعلق بسفر التكوين مثل: التكوين 14: 14، والتكوين 36: 31-39، ويستنتج في الفصل الثامن من كتابه أن الاعتقاد بأن موسى ألف التوراة ليس له أساس بل وغير معقول.

لكن لم يتطرق أحد لكيفية تأليف التوراة كما نعرفها اليوم حتى ظهر اللاهوتي ريتشارد سيمون (1638-1712م) الذي اقترح أن التوراة ما هي إلا جمع من عدة وثائق مختلفة، وقد استند في رأيه هذا إلى أن التوراة تتضمن روايات مكررة لنفس الحدث، واستنتج من ذلك أن أصل تلك الوثائق يرجع لموسى وأن عزرا الكاتب – بعد عودته من السبي – قام بنسج الوثائق معاً في وثيقة واحدة هي التوراة بصورتها التي بين يدينا اليوم. وفي سنة 1753م انبرى جان أستروك لتفنيد آراء سيمون فألف كتاباً طبق فيه أدوات التحليل الأدبي على سفر التكوين، ذلك الأسلوب الذي كان مستخدماً في تمحيص التقاليد المختلفة للنصوص القديمة كالإلياذة من أجل الوصول لأفضل نص صحيح، انتهى أستروك إلى أن السفر يتألف من مصدرين أو وثيقتين اثنتين: أما الأولى فتستخدم لفظة "إلوهيم" عند الإشارة إلى الله وأما الثانية فتشير إليه بلفظة "يهوه"، وفي رأيه أن موسى هو من قام بالدمج بين هاتين الوثيقتين.

أحدث بحث أستروك ثورةً بين الباحثين الألمان الذين عمدوا إلى تطبيق طريقته على سائر أسفار التوراة، وكان من بين هؤلاء الباحثين يوهان جوتفريد والذي اهتدى في نهاية بحثه إلى أن موسى ليس له أدنى دور في تأليف أي من الأسفار الخمسة المنسوبة إليه. وبلغت نظرية تعدد الوثائق أوجها عندما نادى الألماني يوليوس فلهاوزن بأن الأسفار الأربعة الأولى تتألف من ثلاثة مصادر مختلفة، أما سفر التثنية فيرتكز على مصدر رابع خاص به، ولذا تسمى نظريته أحياناً بفرضية المصادر الأربعة أو الفرضية الوثائقية، وتعد هذه النظرية أحد أهم أعمدة النقد الأعلى.

مضمون السفر وتلخيصه

محتويات سفر التكوين
القسم الأول: التاريخ العام للبدايات
1. الخلق من آدم إلى نوح 1: 1 – 6: 4
قصة الخلق 1: 1- 2: 4
آدم وحواء بجنة عدن 2: 4 – 3: 24
قايين وهابيل 4: 1-16
نسب قايين 4: 17-26
من آدم إلى نوح 5: 1-32
أبناء الله وبنات الناس 6: 1-4
2. من نوح إلى إبراهيم 6: 5- 11: 32
الطوفان 6: 5- 8: 32
عهد الله ومباركته للإنسان 9: 1-17
نوح يسكر ويتعرى
سلالات نوح 10: 1-9
برج بابل 11: 1-9
من سام إلى إبراهيم 11: 10-32
القسم الثاني: تاريخ الآباء 12: 1- 50: 26
3. إبراهيم 12: 1- 25: 18
دعوة إبراهيم وهجرته إلى كنعان 12: 1-9
إبراهيم وسارة في مصر 12: 10-20
إبراهيم ولوط 13: 1-18
محاربة إبراهيم للملوك ومباركة ملكي صادق له 14: 1-24
عهد الله مع إبراهيم 15: 1-21
إبراهيم وسارة وهاجر وعهد الله بخصوص إسماعيل 15: 1-16
عهد الختان 17: 1-27
ضيف إبراهيم وتشفعه من أجل لوط 18: 1-33
تدمير القولوطيين 19: 1-29
لوط يزني بابنتيه 19: 30-38
إبراهيم وسارة في جَرار 20: 1-18
مولد إسحاق 21: 1-8
طرد هاجر وإسماعيل 21: 9-21
إبراهيم وأبيمالك وميثاق بئر سبع 21: 22-34
ابتلاء إبراهيم في ابنه 22: 1-19
أبناء ناحور 22: 20-24
موت سارة ودفنها 23: 1-20
إسحاق يتزوج رفقة 24: 1-67
زواج إبراهيم من قطورة 25: 1-6
موت إبراهيم ودفنه 25: 7-18
4. إسحاق ويعقوب 25: 19- 36: 43
مولد يعقوب وعيسو وبيع البكورية 25: 19-34
إسحاق ورفقة وأبيمالك في جَرار 26: 1-33
عيسو وزوجاته الحثيات 26: 34-35
خداع يعقوب لأبيه إسحاق 27: 1- 28: 5
عيسو يتخذ زوجة من بنات إسماعيل بن إبراهيم 28: 6-9
يعقوب في بيت إيل 28: 10-22
يعقوب وخاله لابان 29: 1 -30: 43
يعقوب يهرب من لابان 31: 1-54
يعقوب يستعد لملاقاة عيسو 32: 1-21
يعقوب يصارع الله 32: 22-32
لقاء يعقوب وعيسو 33: 1-20
اغتصاب دينة ابنة يعقوب 34: 1-31
عودة يعقوب إلى بيت إيل 35: 1-15
موت راحيل وإسحاق 35: 16-29
ذرية عيسو وسعير الحوري 36: 1-43
5. يوسف 37: 1 - 50: 26
يوسف وإخوته 37: 1-36
يهوذا يزني بكُنَّته ثامار 38: 1-30
يوسف في بيت فوطيفار 39 :1-23
يوسف في السجن 40: 1-44
رؤية فرعون 41: 1-57
إخوة يوسف يرحلون إلى مصر 42: 1 – 44: 34
يوسف يفصح عن نفسه لإخوته 45: 1-28
يعقوب يرحل إلى مصر 46: 34
يوسف والمجاعة 47: 1-31
يعقوب يبارك ابني يوسف 48: 1-21
يعقوب يبارك بنيه 49: 1-28
موت يعقوب 49: 29- 50: 21
موت يوسف 50: 22-26

ينقسم السفر من حيث المحتوى إلى قسمين رئيسيين، يتعامل القسم الأول (1-11) مع ما يعرف بتاريخ البدايات، ويشتمل على ثلاثة أنواع من الروايات[5] وهي: روايتا الخلق،[6] وروايات الخطيئة،[6] وروايات الإنجاز.[6] تقع روايتا الخلق في صدر الكتاب، أما روايات الخطيئة والعقاب فهن أربع روايات: سقوط الإنسان الأول وطرده من الفردوس،[6] وقتل قايين لهابيل،[6] وحكاية برج بابل،[6] وروايتا الطوفان،[6] ومن الأمثلة التي تتناول الإنجازات: خلق الكون والإنسان، وغرس جنة عدن، وهي من الإنجازات الإلهية، واشتغال الإنسان بالزراعة والرعي وسائر الحرف والأنشطة البشرية وهي من إنجازات الإنسان. القسم الثاني (12-50) يتناول تاريخ الآباء، يعد هذا القسم الأخير بمثابة مقدمة لقصة إسرائيل ابتداءً من إبراهيم،[7] أما القسم الأول فهو بمثابة مدخل أو تمهيد للتوراة ككل.[7]

طبقا لنظرية "الفرضية الوثائقية" فإن القسم الأول المسمى بتاريخ البدايات هو مزيج من تقليدين مختلفين، وهما – بحسب علماء النقد الأعلى – التقليد اليهوي (J) والتقليد الكهنوتي (P)، أما القسم الثاني والمسمى بتاريخ الآباء فهو مزيج من نفس التقليدين السابقين مع ظهور تقليد ثالث مختلف يسمى التقليد الإيلوهي (E)، هذه التقاليد الثلاثة تختلف في إنشائها، فإن الروايات تتأرجح بين الواقعية والتجريد، فتارة تصف الله بمقاتل يحارب بنفسه في ميادين الحروب، وأحيانا تصوره بأنه إذا شاء أمراً يكفيه أن يقول: ليكن كذا. (انظر الفرضية الوثائقية).

تاريخ البدايات

يبتدئ السفر بقصة الخلق، وهي في أغلبها مقتبسة من الأساطير البابلية مع بعض التغيير، تهدف التغييرات إلى طرح وجهة نظر مختلفة عن الله والإنسان، وخاصة أنه لا يوجد تعدد آلهة كما في القصة البابلية (انظر قصة الخلق البابلية)، وكما أن وجهة النظر الكتابية - على النقيض من الأساطير الميثولوجيا الوثنية – تضفي على الأعمال الإنسانية صفة الإبداع، فلا هي تقدس أعمال الإنسان ولا تؤلهها، وهي بذلك تنظر للأعمال البشرية على انها مكملة للخليقة.

لا يقتصر الأمر على اقتباس قصة الخلق فحسب وإنما يمتد ليشمل قصة قايين وهابيل، وقصة الطوفان، وقصة برج بابل؛ فجميع هذه القصص لها ما يناظرها في الميثولوجيا الوثنية لشعوب الشرق الأدنى القديم، ولذا يرجح أن الكاتب قد استعان ببعض التقاليد الوثنية من الشعوب المجاورة ن وأعاد صياغتها في قالب جديد يتناسب وطبيعة اللاهوت الذي شرع في تقديمه.

Cquote2.png فالاكتشافات الأثرية منذ نحو قرن تدل على وجود كثير من الأمور المشتركة بين الصفحات الأولى من سفر التكوين وبين بعض النصوص الغنائية والحكمة والليترجية الخاصة بسومر وبابل وطيبة وأوغاريت. Cquote1.png

— النسخة اليسوعية للكتاب المقدس

قصة الخلق

Gud skaber manden

بدأ الكاتب أولاً يرسم بكلماته حالة الفوضى والخراب والظلمات التي عمت الكون في اللحظات الأولى التالية لخلق السماوات والأرض،[8] وكيف خلق الله النور وفصل بينه وبين الظلمة،[9] وكان إذا أراد أمراً يقول ليكن كذا فيكون،[10] فخلق بمشيئته وكلمته ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما، وأتم خلق الكون وما فيه في ستة أيام.[11]

في الحقيقة هنالك روايتان تتناولان قصة الخلق، الرواية الأولى تنسب للمصدر الكهنوتي P وتعطي سرداً موجزاً لأحداث الخلق يوماً بيوم[12] ويرد فيها أن الله خلق الإنسان على صورته ذكراً وأنثى وأنه استراح بعد ذلك في اليوم السابع (1:1-2:4)، أما الرواية الثانية فتنسب للمصدر اليهوي J وتبدأ بوصف حالة القحط والجفاف التي كانت عليهما الأرض في بداية الأمر،[12][13] ثم ينتقل الكاتب اليهوي ليروي لنا كيف أن الله خلق آدم من ترابٍ فنفخ فيه نسمة الحياة،[14] وأعد له جنة عدن في وسط الأرض،[15] وأخرج منها أثمارها،[16] وأعطاها لآدم؛ كي يحرثها ويتخذ منها مأو له،[17] وأباح له أن يأكل من جميع ثمارها،[18] غير أنه نهاه عن الأكل من شجرة معرفة الخير والشر، وحذره أن الموت مصيره إذا ما أكل منها،[19] ولا يتضح السبب من هذا النهي غير أن الله يريد تخيير الإنسان بين الاستسلام لمشيئته ومخالفتها. لم يلبث آدم كثيرا في الجنة إلى أن قضى الله أن يجعل له نظيراً من نفس نوعه فألقى عليه سباتاً وأخذ من ضلوعه ضلعاً فخلق منها حواء، ويتضح من هاتين الروايتين أن المصدر الكهنوتي لا يكترث لخلق الإنسان بقدر اهتمامه بخلق الكون، بعكس الكاتب اليهوي الذي يظهر اهتماماً كثيراً لخلق الإنسان.

بعد ذلك ينتقل السفر إلى قضية سقوط الإنسان ووقوعه في المعصية، فإن "الحية" زينت للمرأة أن تأكل من الشجرة المنهي عنها، فأكلت وأعطت آدم فأكل، فلما أكلا انفتحت أعينهما – كما أخبرتهما الحية – وبدت لهما سوآتهما واكتشفا أنهما عاريان، فبدآ يصنعان لأنفسهما ثوباً من ورق التين؛ ليسترا عوراتهما، وكانت عاقبة تعديهما أن أخرجهما الله من الجنة إلى عالم الألم والشقاء والموت.

Adam svarede: »Kvinden, du satte hos mig, gav mig af træet, og så spiste jeg.« (1 Mos 3:12)

قد سارع الرب إلى طرد آدم وزوجه من الجنة؛ خشية أن يأكلا من شجرة الحياة التي في وسط الجنة قائلا: "والآن لعل الإنسان يمد يده ويأخذ من شجرة الحياة ويأكل منها فيحيى إلى الأبد"، وهنا يتضح التأثر الكبير بالأساطير الوثنية الشركية حيث وجود قوى السحر وغيرة الآلهة من الجنس البشري ووجود شجرة الحياة الأبدية (الموسوعة البريطانية)، ينبغي القول ههنا أن "شجرة معرفة الخير والشر" هي من الإبداع الشخصي للكاتب اليهوي، فليس ثمة ذكر لمثل هذه الشجرة في الأساطير، ولكنه لم يستطع التخلص من تأثره بالأساطير بشكل نهائي، فاضطر إلى إقحام شجرة الحياة؛ موحياً أن ثمة حظر عليها، مما يدل على أنه قد تأثر كثيراً بهذه الأساطير الوثنية واتخذ منها مصدراً للصور والرموز التي استعملها لتصف معاناة الإنسان وجزعه وقصوره، ويتجلى أيضاً بوضوح أن المغزى الدائم من قصص السفر يدور حول محورين رئيسيين وهما كمال الله ومحدودية الإنسان وعدم مثاليته.

قابيل وهابيل

أما تاريخ البشر وثقافات الشعوب فتبدأ فعلياً بخروج الإنسان الأول من الجنة، ففي قصة ولدي آدم قايين وهابيل ابتدأ الإنسان يكون راعياً ومزارعاً بل وقاتلاً أيضاً، أمسى الإنسان قاتلاً، في الوقت الذي لم تكن الأرض تحمل على ظهرها سوى ستة أفراد، وذلك حينما قتل قايين أخاه هابيل مرتكباً أول جريمة قتل في تاريخ الإنسانية، تبدو هذه القصة انعكاساً آخر من انعكاسات الأساطير القديمة، وبجلاء يتضح فيها التركيز على خطية الإنسان وانفصاله عن الله.

قصة الطوفان

يلي ذلك قصة الطوفان والتي تشتمل على اقتباسات أكيدة من قصص بلاد الرافدين الأسطورية، حيث يرد بها رواية عن طوفان عظيم أرسلته الآلهة لإبادة البشر، غير أننا لا نعرف من هذه الروايات ما السبب الذي دفع بالآلهة إلى هذه الرغبة، والغالب أنه ليس من مغزى أو سبب أخلاقي لهذا الطوفان، كما أن نجاة بطل الطوفان وعشيرته لا ترجع أيضاً إلى سبب أخلاقي واضح، بل لأن أحد الآلهة أحبه فاحتال على كبير الآلهة وأنجاه سراً، أما الكتاب فيؤكد أن الشر والجور كانا العاملين الذين قرر الله من أجلهما أن يمحو الحياة من وجه الأرض، لكنه اصطفى نوحاً وآله؛ لتقواه وبره فأنجاهم جميعاً، ولما انتهى الطوفان باركه الله، ومنحه الأرض وما عليها، وعاهده الله عهداً بألا يدمر الحياة بطوفان عظيم مرة أخرى، وهذه هي المرة الأولى في السفر والكتاب عامة التي تظهر فيها مباركة الله ومعاهدته للإنسان، ولذا يسمى بالعهد الأول.

برج بابل

أما الحدث الأخير في تاريخ البدايات فهو قصة برج بابل، وهي ذروة البراهين على الطبيعة الشريرة لدى الإنسان وتعد مثلاً على غطرسته وغروره، فقد كان الناس أمة واحدة حين قرروا بناء برج شاهق يصل إلى السماء، وكانت لغتهم لغة واحدة لا يتحدثون سواها، ويبدو أنهم قصدوا ببنائهم هذا أن يرتقوا إلى مكان عال يتطلعون فيه إلى الآلهة، أما يهوه حين رأى ذلك قال (للمجمع السماوي): "هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض"، هنا أيضاً يبدو أن الكاتب اليهوي قد استعمل أفكاراً رئيسية من الأساطير الخرافية القديمة، وقد أبقى الكاتب على الرموز الشركية دون تعديل يلائم سمة التوحيد بالسفر، يلاحظ أيضاً أن الكاتب يحاول إيجاد سبب لاختلاف اللغات وتعدد البشر إلى شعوب وقبائل، وعدم وجود انسجام أو توافق بينهم، ويعزي ذلك إلى الغرور والغطرسة الدائمين لديهم، كما يستنتج من هذه القصة إمكانية وقوع الصدام بين الخالق والمخلوق.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

تاريخ الآباء

ينتقل السفر بعد ذلك إلى تناول تاريخ آباء فئة معينة، وهم الآباء الأول للشعب العبري، ويظهر أن أحداث هذا القسم تستند إلى تقاليد عشائر أو قبائل معينة، ومن المحتمل أنها نقلت نقلاً شفهيا قبل أن تتخذ شكلها المكتوب، وعلى الرغم من أن هذه الروايات ليست تاريخية بالمعنى المعروف، إلا أنه لا خلاف على وجود مرجعية تاريخية لها، إذ أنها تتفق مع العديد من التفاصيل التي نعرفها عن ذلك الوقت وتلك المنطقة التي سكنوها. من وجهة نظر أدبية يمكن أن ينقسم هذا الجزء إلى مجموعة من القصص البطولية لإبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف، أما من وجهة النظر اللاهوتية يعد هذا الجزء رواية تتناول وعداً إلهيا وميثاقاً أبرمه الله مع إبراهيم ونسله من بعده، كما تتناول إيمان الإنسان وعدم الإيمان في المقابل، وفيها يعتبر إبراهيم الشخصية النموذجية للرجل المؤمن.

تأثير المصدر الإيلوهي يظهر للمرة الأولى من الإصحاح الخامس عشر، أي أن المصدر الإيلوهي ليس له أدنى مشاركة في القسم الأول المعروف بتاريخ البدايات، ولكنه يساهم في تاريخ الآباء جنباً إلى جنب مع المصدرين اليهوي والكهنوتي. وباستثناء المساهمات المحدودة المفتقرة إلى البلاغة للكاتب الكهنوتي، فإن أغلب أحداث هذا القسم تتسم بالروعة والتشويق، وخاصة الأجزاء المنسوبة للمصدر الإيلوهي، والتي يبدو أنها كانت أطول مما هي عليه قبل مزجها بالمساهمات اليهوية. أهم حدثين يتناولهما هذا الجزء: قصة الذبيح وقصة يوسف بن يعقوب،

إبراهيم وإسحق ويعقوب

Gud sætter Abraham på prøve, af Laurent de LaHire, 1650.

إن المصادر الثلاثة تتفق على أن الله دعا إبراهيم؛ ليهاجر من بلاد الرافدين إلى أرض كنعان، وواعده بأنه سيجعله أباً لأمم عظيمة، وأن نسله سيرث الأرض التي يسكنها الكنعانيون، واصطفى الله إسحاق، ابن إبراهيم من زوجته سارة؛ ليتحقق العهد في نسله، واصطفى من نسل إسحاق، يعقوب أصغر ابنيه، الذي دعي فيما بعد بإسرائيل، وقد تجدد العهد مع يعقوب كما تجدد العهد مع إسحاق من قبله.

ولقد تزايد أبناء يعقوب وأبناء أبنائه حتى أصبحوا سبعين نفساً، هؤلاء السبعون هم البذرة لما سيعرف بإسرائيل لاحقاً، وبالتالي فإن الوعد الذي قطعه الله مع إبراهيم وإسحاق سيتحقق فيهم، فيرثون أرض كنعان من الفرات إلى النيل، لكنهم قبل أن يرثوا تلك الأرض الموعودة كان لابد أن يرتحلوا إلى أرض مصر ويُستعبَدوا أربعمائة سنة بحسب ما أخبر الله إبراهيم.

في القصة الأولى يأمر اللهُ إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده "إسحاق"؛ ممتحناً بذلك إيمان إبراهيم، فلما أسلم لأمر الله وأجابه في غير تردد أرسل إليه كبشاً يذبحه فداءً عن إسحاق، أما قصة يوسف فهي التمهيد لارتحال بني إسرائيل إلى مصر وإقامتهم بها، وهي قصة تدور أحداثها حول أخ حسدته إخوته فألقوه في أحد الآبار، وجاءت إحدى القبائل التجارية فأخرجوه من البئر وباعوه في مصر، واشتراه أحد وزراء مصر، ويدعى فوطيفار؛ ليتخذه خادماً، وهناك في بيت سيده راودته سيدة البيت عن نفسها، فلما أبى وامتنع عنها، وشت به عند زوجها فادعت أنه تحرش بها وراودها عن نفسه، فزج به في السجن.

يوسف

يوسف يفسر حلم عزيز مصر.

ينجح يوسف في تفسير حلمين لسجينين رافقاه في سجنه، فتنبأ للأول بالخروج من السجن والعودة لسقاية الملك كما كان من قبل، وتنبأ للثاني بأن يصلب وتأكل الطير من لحمه. وطلب من الأول الذي ظن أنه ناج بأن يذكره عند "فرعون" فنسي، مرت سنتين بعدها ويوسف لايزال في سجنه، وحدث بعد ذلك أن "فرعون" رأى حلمين، ويبدو أنه انزعج منهما كثيراً، الأمر الذي جعله يجمع الحكماء والسحرة؛ لتأويل هذين الحلمين، ولم يستطع تفسيرهما جميع الحكماء ولا السحرة، حينئذ تذكر رئيس السقاة يوسف وقص على فرعون ما كان من أمره، فأمر فرعون بإطلاق سراحه وإحضاره، ومثل يوسف في حضرة فرعون، وفسر الحلمين بمجاعة تأتي على مصر في سبع سنوات من بعد سبع سنوات من الرخاء والشبع، ونصح فرعونَ بأن يوكل زمام الأمور إلى رجل رشيد يقود الأمة بتدبير وتخطيط؛ ليخرجها من تلك الفترة العصيبة القادمة، فلم يجد فرعونُ خيراً منه يفوض إليه الأمر.

وبالفعل تحقق الحلمان كما فسرهما يوسف، وأتت المجاعة وامتدت إلى البلدان المجاورة، حينها بعث يعقوب بنيه لشراء غلال القمح من مصر، ولما جاء إخوة يوسف ودخلوا عليه عرفهم ولكنه تنكر لهم، وبعد أن تبين له يقيناً في هذه الزيارة وفي زيارة ثانية أنهم إخوته، أفصح لهم عن هويته، وغفر لهم ما اقترفوه في حقه وما أضمروه له من الضغينة والعداء، وطلب منهم أن يحضروا أباهم وآل بيته فيقيمون في مصر.

ذهب يعقوب وآل بيته، وعددهم ستة وستون فردا، إلى مصر، وقد سمح لهم فرعون بأن يقيموا بأرض "جاسان" (تكوين 47: 4)، إذا أضفنا إلى هؤلاء الستة وستين يوسف وبنيه إلى جانب يعقوب يكون مجموع الإسرائيلين الذين أقاموا بمصر سبعين نفساً. ولما حضر يعقوب الموت دعا أولاده وأنبأهم بمستقبل كل منهم (49: 1)، وأوصاهم أن يدفنوه في مقبرة آبائه التي في "مغارة حقل المكفيلة" (تكوين 49: 30)، ففعلوا ما أوصاهم (50: 12). بلغ يوسف مائة وعشرين سنة حتى أنه أدرك أبناء أحفاده (50: 23)، ولما دنى أجله استحلف إخوته أن يحملوا رفاته معهم عند خروجهم من مصر، ويتنهي السفر بموته تاركاً إخوته وبنيه ليذوقوا مرارة العبودية في أرض مصر. وسيكون تحريرهم موضوع السفر التالي؛ سفر الخروج.

تحليل السفر في ضوء الفرضية الوثائقية

تحليل سفر التكوين في ضوء الفرضية الوثائقية
  • الأرقام التي كتبت بخط عريض هي رقم الإصحاح.
  • الأرقام التي كتبت بخط صغير وفصل بينها بشرطة أحيانا تشير إلى أرقام الأعداد (التقسيمات الداخلية للإصحاح).
  • حرفا a، وb اللذان يلازمان الأعداد أحيانا يعنيان، على الترتيب، النصف الأول والنصف الثاني من العدد.
  • الحروف J، وE، وP يعنون التقليد اليهوي، والتقليد الإيلوهي، والتقليد الكهنوتي.
  • علامة الاستفهام (?) تعني أنه من المرجح أن هذه الأعداد تنسب للتقليد المقابل لها ولكن لا يمكن الجزم بذلك.

مثال: إذا أردت أن تعرف تقسيم الإصحاح (33) "طبقا للفرضية الوثائقية" فانظر إلى الخانة التي كتب بها "33" بالخط العريض، ستلاحظ أن الأعداد (1 - 17) تنتمي للتقليد اليهوي، والنصف الأول من العدد (18) يتنمي للتقليد الكهنوتي، ومن النصف الثاني للعدد (18) وحتى العدد (20) تنتمي للتقليد "الإيلوهي"

مشكلات السفر

توجه الكثير من الانتقادات إلى السفر حيث يرى النقاد أنه يحتوي على الكثير من المفارقات التاريخية والتناقضات والنبوءات التي لم تتحق وأضحى تحققها من غير الممكن، كما ويراه البعض يجانبه الصواب في المسائل العلمية وفيما يلي تحليل لتلك المشكلات.

أولا التناقضات

تنقسم تناقضات هذا السفر إلى نوعين، فالنوع الأول هو تناقضات ناشئة عن اختلاف في مصدر الرواية وغالباً ما تكون خلافات بين الرواية اليهوية والكهنوتية لنفس الحدث كالتناقضات التي تقع بين روايتي الخلق[20] وأيضا روايتي الطوفان وبعض التناقضات الأخرى، وأحياناً تكون التناقضات بين الرواية الإيلوهية والرواية اليهوية، أما النوع الثاني فقد يقع بين الرواية وذاتها، ويعزى سبب النوع الأخير أحياناً إلى أخطاء النساخ.

تناقضات روايتي الخلق

إن أكثر النقاد يلاحظون أن الرواية الكهنوتية لقصة الخلق (الإصحاح الأول) تتناقض مع الرواية اليهوية (الإصحاح الثاني) في مواضع عدة، ففي الرواية الكهنوتية يبدو أن خلق الدواب متقدم على خلق الإنسان (تكوين 1: 25- 27) بينما الروابة اليهوية تضع خلق الإنسان قبل الدواب (تكوين 2: 7- 19)، وفي الرواية الأولى خلقت الطيور من الماء (تكوين 1: 20) بينما خلقت الطيور من التراب طبقا للرواية الثانية (تكوين 2: 19)، والرواية الكهنوتية تجعل خلق الطيور سابق لخلق الحيوانات حيث خلقت الطيور في اليوم الخامس والحيوانات في اليوم السادس (تكوين 1: 21- 25) بينما في الرواية اليهوية يبدو أنهما خلقوا معاً في نفس الوقت (تكوين 2: 19)، كذلك في الرواية الكهنوتية نجد أن آدم وحواء خلقا معاً في نفس الوقت (تكوين 1: 27) بينما في الرواية اليهوية نقرأ أن آدم خلق أولاً (تكوين 2: 20- 22)، أيضا في الرواية الكهنوتية يبدو أن الأرض في بداية الخلق كانت مغطاة بالمياه (تكوين 1: 29- 30) ولكن الرواية اليهوية، على النقيض من ذلك، تشير إلى أن الأرض كانت ميتة بسبب الجفاف (تكوين 2: 17).

تناقضات روايتي الطوفان

يتفق النقاد والمتحررون من علماء المسيحية واليهودية في أن القصة الكتابية للطوفان تعتمد على روايتين اثنتين: إحداهما كهنوتية والأخرى يهوية وأنهما مختلفتان عن بعضهما البعض. تقول النسخة اليسوعية للكتاب المقدس بخصوص المقطع الذي يتناول قصة الطوفان: "يضم هذا المقطع روايتين متوازيتين: الأولى يهوية مليئة بالألوان والحيوية (6/5-8 و7/1-5 و 7/10 و12 و22-23 و8/2-3 و6-13 و20-22) والثانية كهنوتية أكثر دقة وتفكيراً. لكنها أكثر جفافاً (6/9-22 و7/6-11 و13-16 و18-21 و24 و8/1-5 و13-19 و9/1-17). وقد راعى المحرر الأخير هاتين الشهادتين اللتين أخذهما عن التقليد. ولم يحاول أن يزيل ما بينهما من اختلاف في التفاصيل."

اختلافات روايتي الطوفان
الرواية الكهنوتية الرواية الكهنوتية
يأمر الله نوحاً أن يأخذ زوجاً من كل طير ومن الأنعام والحيوانات 8 يأمره الله بأن يأخذ سبعة أزواج9
يتوعد الله بإهلاك كل ما فيه روح من تحت السماء غير نوح والذين معه 10 يتوعد الله بإهلاك ما يدب على اليابسة فقط ولا ذكر لكائنات البحار11
تستمر الأمطار والفيضانات مائة وخمسين يوماً12 بقيت الأمطار والفيضانات أربعين يوماً13
ظل نوح في السفينة نحو سنة كاملة14 بقي أربعة وخمسين يوماً15
الله قرر إهلاك الحياة لأن الإنسان شرير بفطرته16 الله قرر أن لا يبيد الحياة ثانية لأن الإنسان شرير بقطرته17

تناقضات الرواية الواحدة

وأما عن التناقضات التي تقع في الرواية الواحدة وبعضها البعض فمنها: التناقض بين (تكوين 1: 4-5) و(تكوين 1: 14-19) وكلاهما من الرواية الكهنوتية (راجع الجدول أعلاه). ففي الأعداد الأولى يروى لنا أن الله فصل بين النور والظلمة في اليوم الأول بينما في الأعداد الثانية تم ذلك في اليوم الرابع لما خلقت الشمس والقمر، ومنها أيضا التناقض بين (تكوين 36: 2) و(تكوين 36: 24) - مع العلم أن الإصحاح السادس والثلاثين ينتمي بأكمله إلى الرواية الكهنوتية (راجع الجدول أعلاه) - فتارة يشار إلى عنى على أنه ذكر وتارة أخرى يشار إليه باعتباره أنثى، وعلى الرغم من اختلاف العددين في جنس عنى إلا أنه لا خلاف بين العددين في أن صبعون هو أبو عنى، الأمر الذي يخالف (تكوين 36: 20) حيث يبدو أن عنى وصبعون أخوان.

ثانياً المفارقات التاريخية

إن المفارقات التاريخية التي تظهر من حين إلى آخر خلال السفر كثير ما تتخذ برهاناً على أن الكاتب قد عاش في فترة أقرب إلينا نسبياً من الفترة التي عاش بها النبي موسى، وخاصة عندما يذكر الكاتب أسماءً أو وقائع ثبت تاريخياً أن النبي موسى لم بعاصرها، ولذا فإن مؤيدي الفرضية الوثائقية يتخذون من تلك الأخطاء التاريخية دليلاً يعززون به نظريتهم. لكن هناك رأي آخر يرى أن المفارقات التاريخة ربما تكون نتاج إضافات قام بها كاتب أو ناسخ متأخر، بيد أن هذا الكاتب كان ملهماً من الله.[21]

من المفارقات التاريخية الواردة بالسفر:

  • ذكر أورالكلدانيين على أنها اسم المدينة التي عاش بها النبي إبراهيم (تكوين 11: 28 و31 و 15: 7) بالرغم أن الكلدانيين لم يخترقوا منطقة ما بين النهرين قبل الألفية الثانية ق.م. ومن المؤكد أنهم سكنوا هذه المنطقة بعد زمن طويل من الفترة التي عاش بها إبراهيم إذ أن أقدم ذكر للكلدانيين يرجع لسنة (825-860 ق.م).
  • عبارة "وكان الكنعانيون حينها في الأرض" (تكوين 12: 6) توحي أن الكنعانببن لم يكونوا في الأرض وقت كتابة السفر كما يلاحظ ذلك إبراهيم ابن عزرا (1089-1164م)[22] والذي علق قائلاً " يبدو أن كنعان حفيد نوح قد استولى على الأرض التي تحمل اسمه من آخرين، وإذا لم يكن هذا المعنى هو المقصود سيكمن لغز ما في هذه الجملة، وليلزم الصمت أولئك الذين يعون".
  • ذكر مدينة دان في زمن إبراهيم (تكوين 14: 14) بالرغم من أن المدينة – وكانت تدعى حينها "لاشَم" - لم تتخذ هذا الاسم إلا في زمن يشوع بن نون (يشوع 19: 47) أو ربما بعد موت يشوع (القضاة 18: 29)
  • يصعب أن تصدر عن موسى عبارة "لأنه صنع قباحة في إسرائيل" (تكوين 34: 7) حيث لا خلاف على موت موسى قبل تأسيس إسرائيل، ولكنها تبدو مثلاً شائعا في فترات لاحقة حين غدت إسرائيل دولة (أنظر مثلا القضاة 20: 6 و 10 وإرميا 29: 23).
  • لاحظ الحاخام إسحاق بن ياشوش (1056م) أن قائمة أسماء الملوك الواردة في الإصحاح السادس والثلاثين (تكوين 36: 31-39) لابد أنها كتبت بعد موسى لأنه ما كان من سبيل لموسى أن يعرف أنه سيكون هناك ملك على إسرائيل18[22]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

أهمية السفر في المسيحية

لسفر التكوين أهمية كبيرة في الكنيسة المسيحية، وقد أولته الكنيسة الأولى عناية خاصة، واهتم الآباء الأوائل بتفسيره وشرحه، بل وصل الأمر إلى حد اعتبار بعض نصوصه "إنجيلاً سابقاً"، وكثير من شخصيات السفر - من وجهة النظر المسيحية – هي إما إشارات مباشرة للمسيح أو نبوءات رمزية عن حياته وأفعاله، وأحياناً ينظر إلى بعض أحداثه باعتبارها تمثيل لطقوس المسيحية، فآدم هو المسيح الأول، وملكي صادق يرمز للمسيح، والطوفان يرمز إلى طقس التعميد.

إن العديد من العقائد التي أرسى بولس الطرسوسي مبادئها تعتمد أساساً على نصوص من السفر، فنجده، مثلاً، يرتكز على السفر في مسألة تبرر الإنسان بالإيمان، ويستغل قصة السقوط، سقوط الإنسان الأول، في تدعيم عقيدة الخطيئة الأصلية وتوارثها، مع أن هذه العقيدة لا وجود لها في نص التكوين، بل إن فكرة الخطيئة الأصلية الموروثة لا ترد في العهد القديم برمته، والراجح أن بولس قد استعان بأحد الأسفار المنحولة ويدعى "سفر عزرا الرابع"، والذي يرد به للمرة الأولى انتقال الخطيئة من آدم إلى ذريته بناء على قصة السقوط في تك 2-3، فاقتبس منه الفكرة وأعاد صياغتها رابطاً بين آدم والمسيح، بعد ذلك وجدت الفكرة طريقها إلى التراث الكنسي اللاهوتي على يدي إيريناوس، ووصلت لذروتها بلمحات أغسطينوس، والذي يعود إليه الفضل في تسميتها بالخطيئة الأصلية، وصياغة معناها الأخير.

انظر أيضاً

الهوامش

  • 1 يقصد أن موسى مات قبل أن يعبر الأردن وأن الذي كتب هذا واحد من الذين عبروا وكان يدور بخلده موسى وهو بالجهة الأخرى من الأردن قبل العبور
  • 2 ربما يقصد الإثني عشرة عدد في خاتمة سفر التثنية التي كتب فيها عن موت موسى ودفنه وأن أحداً لم يقم مثله من الأنبياء
  • 3 يرمي إلى أن شخصاً آخر كان يؤرخ لموسى لابد وأنه كتب هذا
  • 4 يلمح إلى أن موسى مات قبل طرد الكنعانيين من الأرض فكيف كتب هذا؟
  • 5 لم يدع جبل المريا بهذا الاسم إلا بعد بناء الهيكل في عصر سليمان
  • 6 يقصد سرير عوج الملك (تثنية 3: 11)
  • 7 يقصد إن تدبرتم هذه العبارات لتيقنتم أن موسى لم يكتب التوراة
  • 8 تكوين 6: 19 ومن كل حي من كل ذي جسد اثنين من كل تدخل إلى الفلك لاستبقائها معك. تكون ذكراً وأنثى.
  • 9 تكوين 7: 2 من جميع البهائم الطاهرة تاخذ معك سبعة سبعة ذكرا وانثى. ومن البهائم التي ليست بطاهرة اثنين: ذكرا وانثى.
  • 10 تكوين 6: 17 فها أنا آت بطوفان الماء على الأرض لاهلك كل جسد فيه روح حياة من تحت السماء. كل ما في الأرض يموت.
  • 11 تكوين 7: 21-22 فمات كل ذي جسد كان يدب على الأرض من الطيور والبهائم والوحوش وكل الزحافات التي كانت تزحف على الأرض وجميع الناس. كل ما في انفه نسمة روح حياة من كل ما في اليابسة مات.
  • 12 تكوين 7: 24 وتعاظمت المياه على الأرض مئة وخمسين يوما.
  • 13 تكوين 7: 4 و12 و17 و 8: 6 لاني بعد سبعة ايام أيضا امطر على الأرض اربعين يوما واربعين ليلة. وامحو عن وجه الأرض كل قائم عملته».
  • 14 تكوين 7: 11 في سنة ست مئة من حياة نوح في الشهر الثاني في اليوم السابع عشر من الشهر انفجرت كل ينابيع الغمر العظيم وانفتحت طاقات السماء. وتكوين 8: 3-4 ورجعت المياه عن الأرض رجوعا متواليا. وبعد مئة وخمسين يوما نقصت المياه. واستقر الفلك في الشهر السابع في اليوم السابع عشر من الشهر على جبال اراراط.
  • 15 تكوين 8: 6-12 وكانت المياه تنقص نقصا متواليا إلى الشهر العاشر. وفي العاشر في أول الشهر ظهرت رؤوس الجبال. وحدث من بعد اربعين يوما ان نوحا فتح طاقة الفلك التي كان قد عملها وارسل الغراب فخرج مترددا حتى نشفت المياه عن الأرض. ثم ارسل الحمامة من عنده ليرى هل قلت المياه عن وجه الأرض فلم تجد الحمامة مقرا لرجلها فرجعت اليه إلى الفلك لان مياها كانت على وجه كل الأرض. فمد يده واخذها وادخلها عنده إلى الفلك. فلبث أيضا سبعة ايام اخر وعاد فارسل الحمامة من الفلك فاتت اليه الحمامة عند المساء واذا ورقة زيتون خضراء في فمها. فعلم نوح ان المياه قد قلت عن الأرض. فلبث أيضا سبعة ايام اخر وارسل الحمامة فلم تعد ترجع اليه أيضا.
  • 16 تكوين 6: 5-7 ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض وان كل تصور افكار قلبه انما هو شرير كل يوم. فحزن الرب انه عمل الإنسان في الأرض وتاسف في قلبه. فقال الرب: «امحو عن وجه الارض الانسان الذي خلقته: الانسان مع بهائم ودبابات وطيور السماء. لاني حزنت اني عملتهم».
  • 17 تكوين 8: 21 فتنسم الرب رائحة الرضا. وقال الرب في قلبه: «لا اعود العن الأرض أيضا من اجل الإنسان لان تصور قلب الإنسان شرير منذ حداثته. ولا اعود أيضا اميت كل حي كما فعلت.

المراجع

  1. ^ جرجس، نجيب. تفسير الكتاب المقدس. ص 34
  2. ^ أ ب ت تفسير سفر التكوين، القس انطونيوس فكري
  3. ^ أ ب Sarna, Nahum M., S. David Sperling. Book of Genesis. Encyclopedia Judaica, Second Edition, Volume 7, p.440
  4. ^ المدخل إلى العهد القديم، د.ق صمويل موسى، ص 79
  5. ^ بندكتي، روبير.التراث الإنساني في التراث الكتابي. بيروت: دار المشرق، 1987، ص 28-29
  6. ^ أ ب ت ث ج ح خ التراث الإنساني في التراث الكتابي، مرجع سابق، ص 28-29
  7. ^ أ ب Catholic Encyclopedia, vol. 6, p 130
  8. ^ تكوين 1: 1-2
  9. ^ تكوين 1: 3-4
  10. ^ تكوين 1: 6 و 1: 14
  11. ^ تكوين 1: 31
  12. ^ أ ب "biblical literature." Encyclopædia Britannica. Encyclopædia Britannica 2007 Ultimate Reference Suite. Chicago: Encyclopædia Britannica, 2009.
  13. ^ تكوين 2: 5
  14. ^ تكوين 2: 7
  15. ^ تكوين 2: 8
  16. ^ تكوين 2: 9
  17. ^ تكوين 2:15
  18. ^ تكوين 2: 16
  19. ^ تكوين 2: 17
  20. ^ الفلكلور في العهد القديم، الفصل الأول
  21. ^ المدخل الى العهد القديم، د.ق. صمويل يوسف، ص 84
  22. ^ أ ب [1]

وصلات خارجية

اقرأ نصاً ذا علاقة في

سفر التكوين


سفر التكوين
سبقه
لا يوجد
{{{title}}} تبعه
الخروج
{{{title}}}