اضمحلال الدولة العثمانية

جزء من سلسلة عن
تاريخ الدولة العثمانية
درع الدولة العثمانية
البزوغ (1299–1453)
ما بين السلاطين (1402–1413)
النمو (1453–1606)
الركود (1606–1699)
سلطنة الحريم
فترة كوپريلي (1656–1703)
الاضمحلال (1699–1792)
فترة التيوليپ (1718–1730)
الانحلال (1792–1923)
فترة التنظيمات (1839–1876)
فترة المشروطية الأولى
فترة المشروطية الثانية
التقسيم
Osmanli-nisani.svg بوابة الدولة العثمانية

اضمحلال الدولة العثمانية (1828–1908) هي الفترة التي أعقبت ركود الدولة العثمانية (1683–1827) التي شهدت فيها الدولة عدة نكسات اقتصادية وسياسية. وكان للإمبريالية الروسية في ذلك الوقت تأثير مباشر على الدولة العثمانية. كان الخطاب السياسي يهيمن عليه المشكلات الاقتصادية والانتفاضات الوطنية. حاولت الدولة العثمانية اللحاق بالعالم الغربي بتمرير الاصلاحات السياسية والادارية. جاءت فترة الاضمحلال في أعقاب انحلال الدولة العثمانية (1908–1922).

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

خلفية

مع أن العالم الإسلامي كان قد فقد سطوته الحربية منذ رد سوبييسكي الترك عن فيينا عام 1683، إلا أنه ظل مسيطراً على المغرب والجزائر وتونس وليبيا ومصر وشبه جزيرة العرب وفلسطين وسوريا وفارس وآسيا الصغرى والقرم وجنوبي روسيا وبسارابيا ومولداڤيا وولاخيا (رومانيا) وبلغاريا والصرب (يوغسلافيا) والجبل الأسود والبوسنة ودلماشيا واليونان وكريت وجزر الأرخبيل وتركيا. وهذه الأقطار كلها- باستثناء فارس- كانت جزءاً من إمبراطورية الأتراك العثمانيين المترامية الأطراف. فعلى الساحل الدلماشي بلغوا الأدرياتيك وواجهوا الولايات البابوية، وعلى البوسفور تسلطوا على المنفذ البحري الوحيد من البحر الأسود، وكان في مقدورهم أن يقفوا سداً منيعاً بين الروس والبحر المتوسط متى شاءوا.

فإذا عبرنا الأقاليم المجرية إلى بلاد المسلمين لم نلحظ للوهلة الأولى فرقاً يذكر بين المدينتين المسيحية والإسلامية. فهنا أيضاً كان فقراء المسلمين السذج الأتقياء يفلحون الأرض تحت إمرة سادتهم الأغنياء والأذكياء المتشككين. ولكن المشهد الاقتصادي يتغير فيما وراء البوسفور: فلا يكاد المزروع من الأقاليم يبلغ 15%، أما الباقي فصحراء أو جبال لا تتيح غير التعدين أو الرعي، هناك كان الإنسان يتميز به الإقليم هو البدوي الذي أسود لونه وتحمص جلده من الشمس، وتدثر على نحو معقد اتقاء للرمال والقيظ. أما المدن الساحلية والمتفرقة هنا وهناك كانت حافلة بالتجارة والحرف اليدوية، ولكن الحياة بدت أكثر دعة واسترخاء مما كانت في المراكز المسيحية، فالنساء يلزمن بيوتهن أو يسرن في وقار شديد تحت أحمالهن ووراء خمرهن، والرجال يمشون الهوينا في الشوارع. وكان جل الصناعة يدوياً، وورشة الصانع ملحقاً يتصدر بيته، وكان يدخن غليونه ويتجاذب الحديث مع غيره أثناء العمل، وأحيناً يشارك زبوناً قهوته.

ويمكن القول بوجه عام أن التركي العادي كان قانعاً غاية القناعة بمدينته، حتى لقد ظل قروناً لا يطيق أي تغيير ذي بال. وكانت التقاليد هنا كما كانت في التعاليم الكاثوليكية مقدسة قداسة التنزيل. أما الدين فكان أعظم قوة وانتشاراً في الأقطار الإسلامية مما كان في العالم المسيحي، والقرآن هو الشريعة والديانة معاً، وفقهاء الإسلام شراح الشريعة الرسميون. وكان الحج إلى مكة المكرمة يقود كل عام درامته المثيرة فوق رمال الصحراء وعلى الطرق المتربة. أما في الطبقات العليا فإن البدع العقلانية التي طلع بها معتزلة القرن الثامن الميلادي، والتي واصلها الشعراء والفلاسفة المسلمون طوال عصر الإيمان، لقيت قبولاً واسعاً مستوراً. كتبت الليدي ماري ورتلي مونتاجيو من الآستانة في 1719 تقول:

"إن الأفندية (أي الطبقة المتعلمة).. ليسوا أكثر إيماناً بالوحي الذي أنزل على محمد (صلى الله عليه وسلم) منهم بعصمة البابا. ويصرحون بالربوبية بينهم وبين من يثقون بهم ولا يتكلمون على شريعتهم (أي ما يمليه القرآن الكريم) إلا بوصفها مؤسسة سياسية، تصلح الآن لأن يتقيد بها العقلاء من الناس وإن كانت أصلاً من عمل رجال السياسة والمتحمسين من رجال الدين."

—الليدي ماري ورتلي مونتاگيو

وانقسم الإسلام بين مذهبي السنة والشيعة كما انقسمت مسيحية الغرب بين الكاثوليكية والبروتستانتية، ثم قام مذهب جديد في القرن الثامن عشر على يد محمد بن عبد الوهاب، أحد شيوخ نجد- وهو الهضبة الوسطى في ما نعرفها اليوم بالعربية السعودية. وكان الوهابيون من الإسلام أشبه بالبيورتان من المسيحية: استنكروا التعبد للأولياء، وهدموا أضرحة المشايخ والشهداء، واستهجنوا لبس الحرير والتدخين، ودافعوا عن حق كل فرد في أن يفسر القرآن لنفسه. وقد شاعت الخرافات في جميع المذاهب على السواء، ولقى دجاجلة الدين كما لقيت المعجزات الكاذبة التصديق السريع، وكان جل المسلمين يعدون مملكة السحر عالماً حقيقياً كعالم الرمال والشمس الذي يكتنفهم.[1]

أما التعليم فهيمن عليه رجال الدين الذين آمنوا بأن أضمن سبيل لتكوين المواطنين الصالحين أو الأتباع الأوفياء القبيلة هي ترويض الخلق لا تحرير الفكر. وكان رجال الدين قد انتصروا في معركتهم مع العلماء والفلاسفة والمؤرخين الذين ازدهروا أيام الإسلام الوسيط، فانتكس الفلك إلى التنجيم، والكيمياء إلى الخيمياء، والطب إلى السحر، والتاريخ إلى الأساطير. ولكن في كثير من المسلمين حلت المحكمة الصامتة محل التعليم والتفقه في المعرفة. وكما قال داوتي الحكيم البليغ:

"إن العرب والترك، الذين كتبهم هي وجوه الرجال... والذين شروحهم وتفاسيرهم هي الأقوال المأثورة السائرة ومئات الأمثال الحكيمة القديمة السائدة في عالم الشرق، هؤلاء قريبون من إدراك الحقائق الإنسانية. إنهم شيوخ راسخون في الحكمة وهم لا يزالون شباباً، ولا ينسون بعد ذلك إلا القليل مما تعلموا."

وقد أكد ورتلي مونتاجيو في خطاب كتبه عام 1717 لأديسون أن "الرجال ذوي الشأن من الأتراك يبدون في أحاديثهم مهذبين لا يقلون تحضراً عن أي رجال التقيت بهم في إيطاليا"، أجل فالحكمة ليس لها وطن.


الاضمحلال

على عرش هذه الدولة العثمانية، من الفرات إلى الأطلنطي، تربع سلاطين عصر الاضمحلال. ولقد نظرنا في موقع آخر من هذا الكتاب) في أسباب ذلك الاضمحلال: وهي انتقال تجارة غربي أوربا التي تقصد آسيا، إذ أصبحت تدور حول أفريقيا بحراً بدلاً من طريقها البري الذي كان يختر مصر أو غربي آسيا؛ وتخريب قنوات الري أو إهمالها؛ وتوسع الإمبراطورية وامتدادها إلى مسافات مترامية لا تتيح لها الحكم المركزي الفعال وما ترتب على ذلك من استقلال الباشوات ونزوع الولايات إلى الانفصال؛ وتدهورت الحكومة المركزية لتفشي الرشوة والعجز والكسل، وتمرد الانكشارية المرة تلو المرة على النظام الصارم الذي كان له الفضل فيما بلغوا من قسوة وتسلط القدرية والجمود على الحياة والفكر، وتراخي السلاطين الذين استطابوا خدور النساء وآثروها على ساحات الوغى.

وقد استهل أحمد الثالث حكمه بسماحه للإنكشارية بأن يملوا عليه اختياره لكبير وزرائه (الصدر الأعظم). وهذا الوزير هو الذي قبل رشوة بلغت 230.000 روبل بعد أن قاد 200.000 تركي ضد 38.000 جندي من جيش بطرس الأكبر عند نهر بروت، لقاء سماحه للقيصر المحاصر بالفرار (21 يوليو 1711). وحدث أن ألـّبت البندقية أهل الجبل الأسود للثورة على تركيا، فأعلنت هذه الحرب عليها (1715) وأتمت فتح كريت واليونان. فلما أن تدخلت النمسا، أعلنت تركيا الحرب عليها (1716)، ولكن أوجين أمير سافوا هزم الترك في بترفارداين وأكره السلطان بمقتضى معاهدة بساروفتز (1718) على الجلاء من المجر، والنزول عن بلغراد وأجزاء من ولاشيا للنمسا، وتسليم البندقية حصوناً في ألمانيا ودلماشيا. ولم تسفر المحاولات التي بذلتها تركيا لتعويض هذه الخسائر بالغارات تشنها على فارس إلا على المزيد من النكسات والهزائم، وقد قتل الغوغاء- بقيادة عامل حمام- الوزير إبراهيم باشا وأكرهوا أحم على التنازل عن العرش (1730).

وجدد ابن أخيه محمود الأول (1730- 54) الصراع مع الغرب ليفرض بالحرب تدفق الضرائب وتعاليم الدين، وانتزع جيش تركي أوخاكوف وكلبورون من الروسيا، واسترد جيش آخر بلغراد من النمسا. غير أن اضمحلال تركيا عاود سيرته الأولى في عهد مصطفى الثالث (1757- 74). ففي 1762 أعلنت بلغاريا استقلالها. وفي 1769 خاضت تركيا الحرب مع الروسيا منعاً لانتشار سلطان الروسيا في بولندا. وهكذا بدأ ذلك الصراع الطويل الذي أنزلت فيه جيوش كاترين الكبرى هزائم ساحقة بالأتراك. فلما مات مصطفى أبرم أخوه عبد الحميد الأول (1774- 89) معاهدة مذلة تسمى قجوق قينارجي (1774)، قضت على النفوذ التركي في بولندا وجنوبي الروسيا ومالدافيا وولاشيا، وعلى هيمنة الأتراك على البحر الأسود. وجدد عبد الحميد الحرب في 1787، فهزم هزائم منكرة، ومات كمداً. وكان على تركيا أن تنتظر حتى يجيء كمال باشا (أتاتورك) لينهي قرنين من الفوضى ويجعل منها دولة حديثة.

محمود الثاني (1808 - 1839)

بعدما تولى محمود الثاني الحكم كان عليه التعامل مع قضايا متعددة. واستمرت الغيوم التي خيمت على عهده لأجيال متعاقبة. المسألة الشرقية مع روسيا، إنگلترة، وفرنسا. ظهرت المشكلات العسكرية من الإنكشارية المتمردين، العلماء المتشديين. كما وقعت عدة تمردات بين الوهابيين، المماليك، الصرب، الألبان، اليونانيين، الدروز، الأكراد، السوريين، والمصريين. وكان لديه أيضاً مشكلات ادارية سببها الباشوات المتمردين، الذين طمحوا في تأسيس ممالك جدية على أطلال آل عثمان.

الادارية

انظر أيضاً: تنظيمات

الاجتماعية

عبد المجيد الأول

حرب القرم 1853-56

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

التهديدات الداخلية والخارجية

الأعيان

ربما جاءت أكبر الأخطار التي تحدت الدولة العثمانية في ذلك الوقت من جانب الأعيان المسلمين في المقام الأول وليس من القوى الأوروبية أو من رعاياها المسيحيين الغاضبين. وبسبب الإضطرابات التي أحدثتها الحروب والغليان الداخلي في البلقان كان الناس في حاجة إلى من يحميهم. وأكثر من هذا ففي بعض الأماكن أصبح الأمراء المحليون زعماء شعبين لأنهم ظهروا بمظهر الذي يحول بين السكان وبين السلطة المركزية العثمانية التي اتسمكت آنذاك بالجشع غير المعقول. ولما عجزت الحكومة عن إخضاع هؤلاء الزعماء للإعتراف بهم وعينتهم في وظائف رسمية, بل لقد اضطر الباب العالي أمام ضغط الأزمات المدنية والعسكرية إلى استخدام القوات غير النظامية بل والعصابات المحلية حين ضعفت كفاءة الجيش النظامي, ومن هنا حصل الأمراء المحليون على وظائف عسكرية علياً. وأمام عجز الحكومة عن السيطرة على الأعيان بشكل مباشر وجدت أن أفضل وسيلة تأليب بعضهم على بعض حتى يحدث توازن في القوة. وتلك السياسة في أحسن الأحوال كانت لعبة خطرة ذلك أنه في المقابل كان أولئك الأعيان يقومون بمساندة القوى المعادية للحكومة مثل الإنكشارية المتمردة.

والحقيقة أن القيادات العثمانية ذاتها أدركت ضعفها العسكري, وكانوا منشغلين بتدهور قوة دولتهم قبل أن يدركها خصوم الدولة في الداخل والخارج.وبالتالي لم تعد المسألة هي الحاجة إلى الإصلاح التي كانت واضحة بقدر ما كانت البحث عن الطريق الذي ينبغي أن تسلكه الدولة لتحقيق الإصلاح. وكان البعض يرى أن مكمن الضعف في الإمبراطورية يعود إلى انحرافها عن الممارسات التقليدية, وأنه يجب استعادة الأوضاع السابقة. وعلى العكس من ذلك كان هناك تيار قوي رأى أصحابه وجوب أن تتخلى الدولة عن أساليب التقاليد القديمة في الحكم والأخذ بنظام الؤسسات الغربية.

لكن المحاولات الأولى للإصلاح أخفقت بسبب معارضة النبلاء المحليين رغبة منها في استغفلال كوارث الفترة لصالحهم. وكان السلطان سليم الثالث الذي اعتلى السلطنة في 1789 هو أول سلطان يتجه لللإصلاح فقد أتاحت له فترة من الهدوء والسلام خلال عام 1792 من أن يقترب من مسألة إعادة تنظيم الجيش الذي كان تدريبه يتم بمعرفة الفرنسيين وكانت الحكومة الفرنسية ما تزال راغبة في استمرار تقديم هذه المساعدة والواقع أن الفرق الإنكشارية كانت هي مظهر ضعف القوات العثمانية حيث أصبحت جناحاً سياسياً منظماً له نفوذ في الحياة السياسية ويمثل خطراً محتملاً في الشؤون الداخلية أكثر من كونها مجرد قوة عسكرية تقوم بدورها إزاء التهديدات الحارجية. وعلى هذا استهدف سليم من الإصلاح تطوين قوة مشاة جديدة موازية لكي تنافس الإنكشارية عرفت باسم "النظام الجديد" تلقى أفرادها تدريباً على الأسس الغبربية بما فيه إرتداء الزي العسكري. وقد شمل منهج الإصلاح عنده إرساء سياسات ضريبية وإدارية جديدة لكن الإصلاح العسكري كان أكثر أهمية.

ولكن من سوء حظ الدولة العثمانية أن سليم كان أضعف من أن يقوم بتنفيذ أفكاره الإصلاحية إذ لم يكن يملك تجهيزات مناسبة لما ينويه من إصلاحات، ولم تكن بجانبه مجموعة قوية من المؤيدين تتولى تنفيذ التغييرات المطلوبة التي تعارضها العناصر لها مصلحة في بقاء النظام القديم. وهكذا بقيت الإنكشارية تمثل خطراً سياسياً كبيراً يمكنها تهديد حكومة السلطان في الداخل وفي القوت نفسه تعجز عن هزيمة أعدائه في الخارج.

وأكثر من هذا ففي 1807 وقع صراع حاسم بين انصار السلطان سليم الثالث ومعارضيه من المحافظين الإنكشارية والأعيان, وكانت الدولة في حرب مع روسيا وفي الوقت نفسه وقع تمرد في بلاد الصرب كما سوف نرى وانتهى الأمر بوقوع انتفاضة عسكرية في مايو 1807 أطاحت بالسلطان واعتلى العرش محله مصطفى الرابع في يولية من العام نفسه الذي أبقى على خياة سليم, ونشأ نظام جديد هيمنت على أركانه عناصر من المحافظين ومن الإنكشارية المسلمون بطبيعة الحال. لكن ما لبث أنصار سليم ومؤيدو الإصلاح أن تجمعوا في في روزيه Ruse تحت قيادة مصطفى باشا البيرقدار الذي هو نفسه من الأعيان. وتحرك بقواته تجاه استنبول فما كان من مصطفى الرابع إلا أن قتل سليم لكن الحركة نجحت في التخلص من مصطفى الرابع وتولية محمود الثاني ابن عم سليم الحكم, ومات مصطفى باشا البيرقدار في العام نفسه وظل محمود الثاني في الحكم حتى عام 1838 وكان أول سلطان ينجح في تحقيق الإصلاح.

لقد نجح تمرد 1807 في الإستيلاء على الحكومة المركزية وأما حركات التمرد الأخرى التي قام بها الأعيان والإنكشارية والغاضبون من المسلمين فقد هددت بتقطسع أوصال الدولة. ورغم أن هذا الكتاب معني أساساً بقوميات البلقان المسيحية، إلا أنه من الأهمية بمكان أن نستعرض نشاط ثلاثة حركات تمرد ضد سلطة الدولة قام بها كل من بشفان أوغلو عثمان باشا، وعلي باشا اليانيني نسبة إلى يانينا Janina، ومحمد علي باشا (والي مصر) لأن تمردهم تشابك مع ثورات مسيحي البلقان، بل إن تاريخ حياة كل منهم له أهميته من حيث تصوير مناخ الحياة في البلقان في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر الذي تمخض عن انتفاضة المسلمين والمسيحيين ضد الدولة. كماهو حال الزعماء القوميين عادة كان كل منهم يسعى لإقامة حكم مستقل لبلاده بالإنفصال عن الدولة العثمانية أو الفوز بحكم ذاتي على الأقل.

كان لتاريخ بشفان اوغلو عثمان باشا تأثيراً على بدايات ثورة بلاد الصرب وعلى التاريخ القومي لكل من بلغاريا ورومانيا, فعندما أعدمت الحكومة العثمانية والده فر هارباً وانضم إلى المجموعات الخارجة على القانون, ثم حارب إلى جانب الجيش العثماني فيما بعد في حرب 1787-1792. وقد أقام لنشاطه مركزاً في مدينة فيدين على الدانوب جمع فيه قوة كبيرة من قطاع الطرق والمارقين المرتدين. وفي 1795 أعلن استقلاله عن الحكومة العثمانية وظل في ثورة مستمرة ضدها كما سوف نرى عندما نتناول ثورة الصرب.

أما نشاط علي باشا اليانيني الذي يشبه نشاط بشفان اوغلو فكان هو الآخر شيئاً رائعاً فقد ولد في 1750 في تبلينه Teplene في إبيروس (المورة) وعندما مات والده لم يجد أمامه إلا أن يكون قاطع طريق. وبعد عدة مغامرات تتناسب مع شبتبيته استطاع أن يؤسس له قاعدة في يانينا, وتمكن من زيادة قوته وعدد أتباعه عن طريق المكائد والدسائس أحياناً والعنف أحياناً أخر. وفي بداية نشاطه عمل في خدمة الباب العالي واستخدم مواقعه الوظيفية في تقوية نفوذه الشخصي. وعلى هذا وفي 1788 أصبح حاكماً على يانينا حيث تمكن من مد سلطته على الإقليم وعلى الأراضي المحيطة بها في تساليا وإبيروس وألبانيا. ورغم أن المساحة التي كانت تحت سيطرته لم تكن ثابتة خلال السنوات التالية, إلا أنها كانت دائماً كافية لتكون مركز قوة لحكم شبه مستقل. وفي 1799 كان الباب العالي في حاجة ماسة لمساعدة من الرجل نراه يقدم على تعيينه حاكماً على رومليا وهو منصب تولاه أكثر من مرة وفقده أكثر من مرة أيضاً. أما المساعدة التي طلبها الباب العالي منه فكانت التصدي لحركة بشفان اوغلو وقطاع الطرق وزعماء الأعيان, ولما كان اليانيني مهتم بمصالحه الخاصة رأيناه يحتفظ بعلاقات وثيقة مع فرنسا بل لقد قدم مساعدة للباب العالي في 1809 أثناء الحرب ضد روسيا.

وبناء على المساعدات التي كان اليانيني يقدمها للحكم العثماني فقد كان يتصرف كحاكم مستقل من ايبروس له سيادة ومع ذلك تغاضى الباب العالي عن تصرفات الرجل ولم يحاول التخلص منه كما هو متوقع في مثل تلك الحالات. ولكن في عام 1820 وفي ظروف مواتية قام الباب العالي بالتحرك براً وبحراً ضد اليانيني الذي حصن نفسه بعقد اتفاقات مع نبلاء اليونان وأخذ يشجع شعوب البلقان الأخرى على الثورة. لكنه لم يتمكن من مواجهة القوات العثمانية فاضطر إلى الإنسحاب إلى يانينا قاعدته الأولى فحاصرته القوات العثمانية حتى مات في يناير 1822 أثناء الحصار.

أما محمد علي باشا في مصر فكان أكثر تلك الزعامات نجاحاً ورغم أنه أخفق في تحقيق أهدافه الطموحة, إلا أن أبناءه ظلوا يحكمون مصر حتى 1952. وقج ولد في مقدونيا في 1769 من عائلة تركية-ألبانية, وجاء إلى مصر على رأس فرقة ألبانية لإخراج الفرنسيين (1801), وبقى في مصر بعد خروج الفرنسيين ثم بزغ نجمه في الوظائف الإدارية والمهمام العسكرية. ولما كان أستاذا في الدسائس والمؤمرات التي كانت قد تفشت في أنحاء الإمبراطورية العثمانية فقد استطاع إبعاد منافسيه حتى أصبح والياً على مصر في 1805. وخلال الفترة الأولى من ولايته بقى في خدمة الباب العالي مثلما فعل علي باشا اليانيني وفي الوقت نفسه استخدم منصبه الرسمي في تأمين وضعه الشخصي وتقويته. وبفضل مساعدة إبنه إبراهيم باشا تمكن من ضم السودان وإخماد المتمردين في الجزيرة العربية (الحركة الوهابية).

وفي 1825 وعده الباب العالي بالحصول على جزيرة كريت وحصول إبنه إبراهيم على حكم المورة في مقابل القضاء على التمرد في بلاد اليونان الذي عجزت الدولة عن مواجهته. ورغم أن قوات محمد علي نجحت في القضاء على التمرد, إلا أن هزيمة العثمانيين في الحرب مع روسيا 1828-1829 حرمت محمد علي من المكافأة الموعودة. وبسبب هذه النكسة التي ألمت به ورغبته في ضم مزيد من المناطق تحت حكمه قام بغزو بلاد الشام في 1832 وتسبب في كثير من الأزمات لأوروبا. وآنذاك بدت نيته في إيجاد مملكة عربية عظمى مركزها البحر الأحمر وتضم مصر والسودان والجزيرة العربية. وباستثناء كريت والمورة لم يكن محمد علي يهدد بلاد البلقان حيث يقيم المسيحيين بشكل مباشر. على أن محمد علي شأن بشفان اوغلو, وعلي باشا اليانيني كان يمثل محاولة في تقطيع أوصال الإمبراطورية العثمانية وتفتيتها وذلك بتكوين دول منفصلة تحت حكم قادة عسكريون مسلمون. غير أن محمد علي بجيشه العرم الهائل وطبيعة حكمه كان يمثل تهديداً لوجود الدولة العثمانية أكثر مما كانت تمثله ثورات الصربيين واليونانيين.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

تحدي القوى العظمى

في الوقت الذي كان الباب العالي يواجه فيه التفكيك الداخلي كان عليه أن يواجه تجدد هجمات القوى الخارجية, فعندما اعتلى سليم الثالث العرش في 1789 كانت حكومته ما تزال في حرب مع النمسا التي كانت قد احتلت بلگراد ثم أعادتها بمقتضى معاهدة سيستوڤا Sistova في 1791 مقابل أن تأخذ النمسا البوسنة, والحرب مع روسيا التي كانت قواتها تتحرك بطول الدانوب إلى أن تم عقد صلح ياصي Jassy في 1792 وبمقتضاه مدت روسيا أرضيها حتى نهر الدنيستر Dinester وتنازلت عن مولداڤيا وولاخيا التي كانت قد احتلتهما. وتعتبر هاتان المعاهدتان خاتمة لقرن من التعاون المتقطع بين النمسا وروسيا ضد العثمانيين. ولكن وبعد انقضاء ثمانين عاماً عليهما هاتين تعاونت الدولتان مرة أخرى للاتفاق على كيفية تقسيم أراضي الدولة العثمانية، وكانت ثمة ظروف قد حالت دون استمرار التعاون.

والحاصل أن القوى العظمى صرفت انتباها عما يحدث في بلاد الشرق الأوسط وركزت اهتمامها على بولندا ثم على فرنسا الثورة، وكانت بولندا قد تعرضت للتقسيم على ثلاث مراحل في 1772, 1793, 1795. واشتعلت الحرب في أوروبا عام 1792. وعلى هذا ظل التركيز الأساسي للعلاقات الأوروبية قائماً على ما يدور في القارة الأوروبية من أحداث كانت لها تداعيات واسعة في كل من البلقان وشرق البحر المتوسط. ففي 1779 وبمقتضى معاهدة كامپو فورميو Campo Formio ضمت فرنسا جزر أيونيا مما كان له تأثيره على ثورة اليونانيين, وحصلت النمسا على بقايا أراضي البندقية وبهذا تم وضع حد للقوى البحرية المستقلة (البندقية) التي كانت في السابق أكبر غريم للعثمانيين.

في يوليو 1798 بدأت فترة من التدخل الفرنسي المباشر في الولايات العثمانية عندما غزا بونابرت مصر وانهزمت أمام جيوشه عساكر المماليك بسرعة ملحوظة وأصبح الباب العالي طرفاً في الصراع ضد فرنسا مع بريطانيا التي ساءها انفراد فرنسا باحتلال مصر. وانتهى الأمر بمعاهدة صلح بين فرنسا وانجلترا في 1802 نصت فيما نصت على خروج الإنجليز من مصر وظلت تلك المعاهدة فاعلة حتى 1806.

على كل حال، ففي فترة التدخل الفرنسي في شؤون الولايات العثمانية زاد نفوذ فرنسا زيادة ملحوظة في السياسة العثمانية حتى لقد ارتبطت الدولة العثمانية بفرنسا ضد كل من روسيا وبريطانيا. ورغم أن الفترة من 1806-1812 لم تشهد معارك مستمرة بين روسيا والدولة العثمانية إلا أن روسيا حاولت استغلال الفرصة لزيادة نفوذها في الصرب وإمارتي الدانوب (ولاخيا ومولداڤيا-رومانيا فيما بعد). وقد انتهى الصراع بين الدولتين بمعاهدة بوخارست 1812 اكتفت فيها روسيا بتنازل الدولةالعثمانية عن بسارابيا والإنسحاب من إمارتي الدانوب برغم موقف العثمانيين الضعيف لأن روسيا كانت معنية آنذاك بأمر غزو بونابرت لأراضيها. وكانت خسائر العثمانيين في هذه التسوية يعد أول تغيير في حدودها نتيجة لحروب الثورة الفرنسية في أوروبا بقيادة بونابرت. وأكثر من هذا أن تسوية ڤيينا (1815) بعد هزيمة بونابرت والتي لم تحضرها الدولة العثمانية قضت بمنح جزر أيونيا لبريطانيا، وساحل دلماشيا لنمسا فكانت بمثابة الإقتطاع الثاني من آفاق الدولة العثمانية.

لقد كان مؤتمر ڤيينا بداية فترة من السلام النسبي بين القوى العظمى في أوروبا دامت قرناً منالزمان فقدت خلاله الدولة العثمانية معظم ممتلكاتها في أوروبا وأثبتت الأيام عجزها عن الدفاع عن وحدة ممتلكاتها أو حتى صيانة استقلالها السياسي دون مساعدة خارجية, ولم تبق دولة عثمانية قائمة إلا بسبب موقع أراضيها الإستراتيجي والحيوي لصالح توسع الدول اللإمبرالية. وفي هذا الخصوص احتلت روسيا وبريطاينا أهمية خاصة إذ أصبح صراعهما على الدلوة العثمانية وعلى البلقان جزء من السباق الإمبريالي الكبير الذي اندلع بين هاتين الدولتين وامتدت ميادينه من شرق البحر المتوسط إلى الصين مروراً بأسيا الصغرى.

والحاصل أن بريطانيا كانت قد استمدت سيطرتها على الهند في القرن الثامن عشر واعتبرتها درة التاج البريطاني, وأصبحت الدولة التجارية والصناعية الأولى في العالم وسيدة البحار ومن ثم كانت تخشى أن ينتزع منها أحد تلك المكانة. وفي نهاية القرن الثامن عشر كانت ترى أن فرنسا زمن بونابرت هي منافستها الرئيسية في العالم بما في ذلك بلاد الشرق الأدنى, ثم أصبحت روسيا هي المنافس بعد القضاء على بونابرت وقبل إعلان دولة ألمانيا. وكانت أراضي الدولة العثمانية من وجهة نظر بريطانيا تمثل مفتاح توسعها الإمبرايالي تجارياً وبحرياً دفاعاً عن الهند ولهذا كانت تخشى دوماً أن تستولي روسيا على تلك الأراضي سواء بالغزو المباشر أو بالسيطرة على الحكومة العثمانية أو بإقامة دولة بلقانية تابعة لها. وبسبب هذا الخوف ظلت بريطانيا ترفع شعار وحدة الأراضي العثمانية وتكاملها طوال القرن التاسع عشر ويقوم سفيرها في استنبول بالضغط على الحكومة العثمانية لإصلاح نظام الحكم والإدارة فيها والسعي للتوفيق بينها وبين شعوب البلقان حفاظاً على الاستقرار.

أما وضع روسيا بالنسبة للدولة العثمانية فكان أكثر تعقيدأ فبعد أن ابتلعت روسيا بساربيا في 1812 كما رأينا لم تضع في حساباتها أن تضم أراضي عثمانية أخرى رغم الفرص التي أتيحت لها لمد نفوذها هنا وهناك فمثلاً كان من الممكن أن تستثمر الحركات القومية بين شعوب البلقان التي كانت تعتبر روسيا أعظم قوة أرثوذكسية وهو شعور كانت روسيا تغذيه كلما سنحت الفرصة. وففي معاهدة كوتشك قينارجي 1774 مع الدولة العثمانية نجحت روسيا في أن تضع بذرة لنوع من إدعائها الحماية الدينية للأرثوذكس ولو بشكل ملتبس وغامض. ولم يكن مسيحيو البلقان ينتظرون فقط المساعدة ن روسيا بل لقد كانت هناك عناصر مهمة بين الروس أنفسهم انجذبت بشدة لفكرة تقديم المساعدة للحركات القومية في البلقان على أسس أرثوذكسية وسلافية. وهكذا وجدت حكومة روسيا نفسها تحت ضغط استغاثات البلقانيين من جهة وتحت ضغط الرأي العام في الداخل من جهة أخرى للقيام بشي ما لمواجهة القهر الذي يتعرض له المسيحيون في البلقان والسلاڤ بشكل عام.

وفي كل الأحوال كانت روسيا تحت إغراء التدخل في الشؤون لعثمانية بطريقة أو بأخرى لتحقيق مكانة ممتازة من ناحية ولتوسيع دائرة قوتها ونفوذها من ناحية أخرى, لم تكن تتصور شأن بريطانيا أن ترى قوة أخرى تسيطر على البلقان. وفي هذا الخصوص كانت روسيا تملك عدة أسلحة قوية في التعامل مع الباب العالي في مقدمتها القوة العسكرية الضخمة والحركات القومية في البلقان. غير أن قادة روسيا كانوا يفضلون إتباع السياسة التي تم إقرارها في معاهدة خونكارية اسكله سي في 1833 التي تقوم على السيطرة على الدولة العثمانية من الداخل.

أما النمسا فكان موقفها بالنسبة للقوى العظمى التي كانت معينة بشؤون البلقان هو الموقف الأضعف نسبياً فيما يبدو, فباعتبارها إمبراطورية متعددة القوميات فإنها قد تكسب قليلاً إذا ما حدث تغيير في أوضاع الممتلكات العثمانية, ومن ناحية أخرى فإن استيلائها على أرضي جديدة في البلقان قد يزيد من مشكلات الأقليات القومية التي تحت سيادتها, ومن ناحية ثالثة فإن تأسيس دول مستقلة في البلقان العثماني قد يشجع مختلف المجموعات القومية تحت حكمها على السير في الطريق نفسه. ورغم أن النمسا كانت تتعاون مع روسيا في إطار سياسة توازن القوى إلا أن قادة النمسا كانوا يدركون في الوقت نفسه مخاطر هذا الطريق إذ لم يكونوا يعتقدون ابدأ بإمكانية هزيمة جيوش روسيا إذا ما اندلعت حرب البلقان بسبب أزمة حقيقية. وعلى هذا وفي إطار تفضيل النمسا لمبدأ المحافظة على وضع الدوةل العثمانية وممتلكاتها كان عليها أن تتعاون مع بريطانيا التي كانت تخشى مثلها توسيع روسيا, وهو تعاون إذا ما تم وضعه في صيغة تحالف فإن النمسا سوف تتحمل الأعباء العسكرية والمخاطر الحقيقية في قيام حرب ضد روسيا على حين سوف تكون الحاجة للبحرية البريطانية منعدمة أو ضئيلة في حالة الحرب البرية ضد روسيا.

أما فرنسا بعد الحروب النابوليونية ورغم مكانتها الهائلة في القرون السابقة إلا أنهما كانت أقل نفوذاً في الإمبراطورية العثمانية بالقياس للقوى الثلاثة الأخرى (روسيا والنمسا وبريطانيا). ورغم أن إيديولوجية الثورة الفرنسية لعبت دوراً كبيراً في الحركات القومية في البلقان إلا أن فرنسا نفسها خلال الفترة من 1815-1848 لم تعد مركزاً للتهيج والإثارة ومع هذا كانت فرنسا في عهد نابليون الثالث تساند الحركات القومية في البلقان غير أن فرنسا بدون جيش على المسرح السياسي وأسطول بحري أقل درجة من أسطول منافستها بريطانيا ترددت في التدخل في صراعات الشرق الأدنى. وفي الوقت نفسه كان لها أهداف في أجزاء من الدولة العثمانية. ففي 1830 احتلت الجزائر، وازدادد نفوذها في مصر. وفي أربعينات وستينات القرن التاسع عشر تدخلت في سوريا ولبنان ولما كانت ترغب في توسيع إمبراطوريتها في إفريقيا وآسيا فقد كانت تساند عادة تكون الدول القومية، وإضعاف الحكومة المركزية، وتعارض أى سياسة قد تؤدي إلى انفراد روسيا أو بريطانيا وخصوصاً في البلقان.

ولما كانت الإمبراطورية العثمانية عاجزة بمفردها عن الدفاع عن نفسها ضد الدول الأوروبية الطامعة فيها فقد اضطرت لأن تتبنى سياسة للتوازن بين القوى العظمى حفاظاً على مصالحها عن طريق ضرب تلك القوى بعضها بالبعض الآخر كلما أمكن ذلك. ولكن في القرن التاسع عشر كان واضحاً أن الدولة تخسر في هذا الصراع إذ نراها تضطر لتقديم تنازل سياسياً وإقتصادياً لصالح أوروبا. وفي الوقت نفسه كانت الحركات القومية في البلقان العثماني تحقق تقدماً ملحوظاً بفضل مساندة إحدى الدول الأوروبية أو كل من الدول الأوروبية مجتمعة. ورغم أن مسيحي البلقان هم الذين بدأوا الثورة إلا أن القوى العظمى هي التي صنعت في النهاية خريطة الدول القومية الجديدة بحدودها وشكل حكومتها. وفي هذا الخصوص كان الزعماء الأوروبيون في الإجراءات التي اتخذوها أبعد ما يكونوا عن الإيثار ونكران الذات إذ وضعوا في إعتبارهم مصالحهم الخاصة والمحافظة على توازن القوى, وهي اعتبارات كانت تستخمها في مختلف مغامراتها الإستعمارية ولم يكن أمام الإمبراطورية العثمانية بل ودول البلقان الجديدة إلا الخضوع لها.

وهكذا، بحلول القرن التاسع عشر كانت الأحوال السائدة في البلقان في صالح تمرد المسيحيين، ولم يكن باستطاعة الحكومة العثمانية السيطرة على النبلاء المتمردين أو هزيمة الجيوس الأجنبية. وأثناء اضطراب المواقف تمكنت قايدات عسكرية قوية من السيطرة على مراكز السلطة المحلية مما ساعد على بلورة تقاليد التمرد. ومن هذا المناخ وتلك الظروف انبثقت حركات التمرد عند مسيحيي البلقان. وكانت ثورة الصرب أول الثورات اتصالاً بمعنى فشل الحكومة العثمانية في المحافظة على سلطتها في المراكز المحلية وكذا ضعفها أمام خصومها.

الحرب العالمية الأولى

انظر أيضاً

معرض الصور

الهوامش

  1. ^ خطأ لوا في وحدة:Citation/CS1 على السطر 3565: bad argument #1 to 'pairs' (table expected, got nil).