إسماعيل صدقي باشا

إسماعيل صدقي
باشا
إسماعيل صدقي باشا.gif
رئيس وزراء مصر
في المنصب
20 يونيو 1930 – 22 سبتمبر 1933
سبقه مصطفى النحاس باشا
خلفه عبد الفتاح يحيى ابراهيم باشا
رئيس وزراء مصر
في المنصب
17 فبراير 1946 – 9 ديسمبر 1946
سبقه محمود النقراشي باشا
خلفه محمود النقراشي باشا
تفاصيل شخصية
وُلِد 15 يونيو 1875
الإسكندرية، مصر
توفي 9 يوليو 1950
الدين مسلم سني

إسماعيل صدقى باشا (و. 17 فبراير 1875 - ت. 9 يوليو 1950)، هو سياسي مصري، تولى رئاسة وزراء مصر في عام 1930 في عهد الملك فؤاد الأول، حيث قام بوضع دستور عام 1933 الذى ازداد فيه نفوذ الملك ولكنه أثار ضجة كبرى فاضطر، إلى أن يعيد دستور 1923، وتولى رئاسة الوزراء فترة ثانية في 17 فبراير-9 ديسمبر 1946.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

النشأة والتعليم

إسماعيل صدقي باشا

ولد إسماعيل صدقي في الإسكندرية في فبراير 1875، وكان والده أحمد باشا شكري أحد الشخصيات البارزة في السياسة المصرية، ومن رجال الحكومة طوال عهدي الخديوي إسماعيل والخديوي توفيق. درس في مدرسة الفرير، واستفاد من دراسته تلك بإغناء لغته الفرنسية التي كانت المدرسة تُدرّس بها، وحصل على الشهادة الثانوية فيها عام 1889م، ولما يتجاوز الرابعة عشرة من عمره، انتقل للدراسة في مدرسة الحقوق، وقد قُبِل فيها بعد توسط أحد كبار المسؤولين أصدقاء والده بسبب صغر سنه، كان من زملائه في هذه الحقبة الدراسية نخبة ممن سيكون لهم دورٌ رائد في التاريخ المصري السياسي والفكري، منهم أحمد لطفي السيد، محمد توفيق نسيم، مصطفى كامل، عبد الخالق ثروت، وغيرهم.


حياته السياسية

عمل إبان الدراسة الجامعية بالصحافة، فأسهم في تحرير مجلة المدرسة التي أنشأها وصديقه مصطفى كامل، وكذلك أسهم في إنشاء مجلة الشرائع ذات الصبغة القانونية، وذلك مع صديقه أحمد لطفي السيد، وكتب فيها عدداً من المقالات القانونية. تخرج من الحقوق عام 1894، وعُيّن بعدها كاتباً بالنيابة العامة، ثم سكرتيراً عاماً في إحدى البلديات، ونتيجة لعلاقاته مع عددٍ من السياسيين فقد أُسند إليه منصب سكرتير عام وزارة الداخلية واستمر بعمله هذا حتى 1910. اختير عضواً في مجلس الجامعة الذي تمَّ تشكيله عام 1906، واختير وزيراً للزراعة عام 1910، وقام بإنشاء المجلس الفني الأعلى في تلك الوزارة. كان على علاقة وطيدة مع الزعيم الوطني سعد زغلول، وشارك في تأسيس حزب الوفد، على الفارق الكبير بالسن فيما بينه وسعد زغلول، وفي آذار 1919 اعتُقل مع عددٍ من زعماء مصر، بما فيهم سعد زغلول، ونقلوا إلى معتقلٍ في جزيرة مالطة. كان إسماعيل صدقي أصغر أعضاء الوفد المصري والوحيد بينهم الذي يقرأ الإنگليزية، لذلك فكان يعتمدون عليه في قراءة الصحف على ظهر السفينتين وفي مالطة، بالرغم من بزوغ الخلاف بينه وبين باقي الوفد بسبب ميله لمهادنة المملكة المتحدة. ذلك الاعتقال لم تطل مدته لأكثر من شهرٍ واحد، فقد أطلق سراحه والمعتقلين في نيسان من العام نفسه، توجه فور تحرره من الاعتقال إلى باريس وقدَّم مع رفاقه بياناً لمؤتمر السلام الذي كانت تعقد جلساته لاقتسام تركة رجل اوروبا المريض (الدولة العثمانية)، يطلبون فيه السماح لهم بالحضور وتقديم آرائهم، إلا أن طلبهم رُفض، ولم يسمح لأيٍ منهم بالمشاركة في ذلك المؤتمر. توترت علاقاته مع حزب الوفد، فانفصل عنه في 1919 وذلك لأنه وجد أنَّ آراءه تخالف بعض آراء أعضاء الحزب. اختير في مارس 1921 وزيراً للمالية، واستقالت الوزارة في شهر نوفمبر 1922، كان له دورٌ في المفاوضات مع سلطات الاحتلال البريطاني، فقد شارك في تلك المفاوضات ضمن اللجنة السياسية التي كان يرأسها عدلي باشا، ومن الجانب البريطاني اللورد كرزون، وذلك بهدف إلغاء الحماية البريطانية على مصر وتوقيع معاهدة سلام بينهما.

رئاسة الوزراء

رئاسة الوزارة الأولى

في عام 1923 تم إصدار الدستور المصري، وفي عام 1924 أُعلن عن انتخاباتٍ لمجلس النواب، رشح إسماعيل صدقي نفسه، لكنه لم ينجح في تلك الانتخابات، تولى وزارة الداخلية في حكومة زيور باشا عام 1924، ثم استقالت الوزارة عام 1926م، وقام إسماعيل باشا بتشكيل الوزارة الأولى عام 1930 وتسلّم فيها، إضافةً لرئاسة الوزراء، حقيبتي المالية والداخلية، وقام بتغيير الدستور المصري، واستمرت حكومته حتى عام 1933.

حكومته

"تشكيل الحكومة من 19 يونيو 1930 - 4 يناير 1933"
الوزير الوزارة
أحمد باشا علي وزارة الأوقاف
إسماعيل باشا صدقي وزارة الداخلية، وزارة المالية
توفيق باشا دوس وزارة المواصلات
حافظ باشا حسن وزارة الأشغال العمومية، وزارة الزراعة
حافظ باشا عفيفي وزارة الخارجية
عبد الفتاح باشا يحيى وزارة الحقانية، وزارة الخارجية
علي باشا جمال الدين وزارة الأوقاف، وزارة الحربية والبحرية
علي باشا ماهر وزارة الحقانية، وزارة المعارف العمومية
محمد باشا حلمي عيسى وزارة الأوقاف، وزارة المعارف العمومية
محمد توفيق رفعت وزارة الحربية والبحرية
مراد بك سيد أحمد وزارة المعارف العمومية

رئاسة الوزارة الثانية

قام بإنشاء حزب الشعب في عام 1930، وذلك في محاولةٍ منه لولوج الميدان الجماهيري، إلا أن هذا الحزب لم يحظ بأي رصيد شعبي، وكان يعرف بأنه حزبٌ سلطوي، وبهذا فقد كان له دورٌ ضئيل جداً في الميدان السياسي أثراً وتأثيراً، ومع أنه كان من مؤسسي حزب الشعب، إلا أنه ما لبث أن انفصل عنه واستقال من رئاسة الحزب، لكن هذا الانفصال لم يطل أمده لأكثر من عامٍ واحدٍ، فقد عاد ثانيةً لصفوف الحزب في أواخر عام 1934.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

حكومته

"تشكيل الحكومة من 4 يناير 1933 - 27 سبتمبر 1933"
الوزير الوزارة
أحمد باشا علي وزارة الحقانية
إسماعيل باشا صدقي وزارة الداخلية، وزارة المالية
صليب بك سامي وزارة الخارجية
حافظ باشا حسن وزارة الزراعة
علي باشا جمال الدين وزارة الحربية والبحرية
علي بك المنزلاوي وزارة الأوقاف
محمد باشا حلمي عيسى وزارة المعارف العمومية
محمد باشا شفيق وزارة الأشغال العمومية
محمد باشا علام وزارة الزراعة
محمد باشا مصطفى وزارة الأوقاف
محمود باشا فهمي القيسي وزارة الداخلية
نخلة باشا جورجي المطيعي وزارة الخارجية

التغيير الوزاري

بعد ذلك جرى دمج حزب الشعب مع حزب الاتحاد عام 1938 تحت اسمٍ جديدٍ هو: حزب الاتحاد الشعبي.

ترك النقراشي الوزارة في فبراير 1946 وجاء من بعده إسماعيل صدقي، وكان صدقي قد ترأس الوزارة قبل ذلك عام 1930، وفي بعض الاضرابات الطلابية التي أثارها ضده خصومه أمر البوليس فاقتحم المدارس وضرب الطلاب بالرصاص في الفصول،

عاد إسماعيل صدقي وبدأ يخطب ود الإخوان ويطلب - علانية - الصفح عن ماضية ويستشهد في سبيل ذلك بمستقبله وما سوف يفعل. لقد كان الظن ان الملك سيعهد بالوزارة إلى خاله شريف صبري، فلما عدل عن ذلك فجأة إلى إسماعيل صدقي ظن الرجل أن حسن البنا هو الذي طلبه، ولعله نما إلى علمه ان مقابلة تمت بين حسن البنا وأحمد حسنين، ومر على دار الإخوان بالحلمية الجديدة فلم يجد المرشد العام فانصرف بعد أن ترك له بطاقة، وتحرى الأستاذ البنا وقتا يعلم غياب صدقي عن مكتبه فرد له الزيارة وترك له بطاقته، ورأى الإخوان أن يمنحوا الرجل الفرصة التي استجداها)[1].

ويؤكد هذا فريد عبد الخالق بشيء من التفصيل: (وجاءت من بعدها حكومة صدقي ولم يكن حزبيا، وكان واقعيا ولمس في واقع الحياة المصرية أن الإخوان صاروا العنصر الفعال في الحركات الشعبية العملية المعبرة عن سخط الأمة، ورأى خطورة الموقف بالنسبة لمستقبل البلاد، فقرر أن لا يقبل هذا المنصب إلا إذا اطمأن إلى تأييد من هذه الهيئة الشعبية واتصل صدقي بالمرشد وكاشفه باتجاه النية إلى اختياره لرئاسة وزارة غير حزبية لمفاوضة الإنكليز وعرض المرشد الأمر على الجماعة وانتهى الإخوان إلى رأي، واعتذر صدقي عن ماضيه السياسي بأنه كان يتعامل مع خصومه على أساس الأساليب الحزبية التي لا تتقيد بآداب، وإنما تصدر عن الكيد الشخصي والحزبي، وأنه وقد تطورت الحياة السياسية في مصر ونشأت فيها هذه الهيئة التي تقوم على الدين والخلق، فإني "أخلع ثوبي القديم وافتح صفحة جديدة"، واجتمعت الهيئة التأسيسية ودرست الموقف من كل جوانبه واتخذت قرارها بقبول مبدأ التفاهم على أساس الحد الأدني الذي لا يقبل الإخوان بأقل منه؛ من مطالب البلاد في الجلاء والاستقلال ووحدة وادي النيل، ووافق صدقي على هذا الحد الأدني، وأعطى الميثاق على نفسه بذلك) [2].

والذي يذكره الأستاذ فريد غير دقيق فإن رأي صدقي في المفاوضة والتحالف وارجاء مسألة السودان؛ لم يكن مجهولا، بل هو قد نادي إبان وزارة النقراشي بأراءه هذه في برقيته إلى مجلس النواب في 2/8/1945، والتي نشرتها "الأهرام" وفي مقاليه في "الأهرام" في 17/1/1946 و7/2/1946 [3].

إذن فصدقي وأراءه في المفاوضات لم تكن مجهولة، فإذا جاء الإخوان بعد ذلك وعارضوه في اتفاقية "صدقي/بيفين" وقالوا؛ خُدعنا في الرجل، لم يقبل منهم ذلك، خاصة وانهم - وهم من هم خبرة في السياسة المصرية، بل هم أساتذة التحالفات والانقلابات الحزبية والسياسية - أخبر منا ألف مرة بالرجل. بل إن بعض الروايات تقول: إن حسن البنا شارك في اختيار صدقي.

فالدكتورة لطفية سالم تقول عن علاقة الإخوان بالملك في تلك الفترة: (ومع القلاقل والاضطرابات والموقف المعادي الذي اتخذه الطلبة من فاروق، قرر الاعتماد عليهم [4] لانقاذ الموقف، ويسجل "بوكر" للندن ذلك، ويبين إنهم عائدون إلى احضان القصر مرة أخرى، وبدا ذلك واضحا، فعندما وقع اختيار الملك على تولى إسماعيل صدقي الوزارة، بعث برسول إلى حسن البنا ليستشيره في أمر مجيء رئيس الوزراء الجديد، ولم يخب ظن فاروق، فقد سر المرشد العام من أنه أصبح يستشار في أمر السياسة العليا، ووافق موافقة تامة على الاختيار، وفي اليوم التالي لتأليف الوزارة، ذهب إسماعيل صدقي إلى "المركز العام" للإخوان وترك بطاقة ورد له حسن البنا الزيارة، ووقف زعيم الإخوان في الجامعة يوجه الشكر للملك على استقالة النقراشي ويشيد برئيس الوزراء الجديد) [5].

وهذه الرواية - ان صحت - تدل على أن الإخوان لم يفاجأوا بصدقي، بل اختاروه وهم يعلمون موقفه من المفاوضات والتحالف مع الانكليز، وهذه الرواية متسقة مع رواية أحمد عادل كامل السابقة عن مقابلة أحمد حسنين والبنا، وإصرار البنا على ذهاب النقراشي.

بل إن البنا نفسه له رأي عجيب في التحالف بين مصر والغرب بعد الاستقلال، فقد نشرت صحيفة "الإخوان المسلمون" حديثا للمرشد العام، أجاب فيه على أسئلة مراسل أمريكي تدور حول امكانية التصدي لثورة بلشفية قد توجدها روسيا في الشرق الأوسط، وأجاب بضرورة الارتباط بمحالفات مع دول الغرب بعد الاستقلال، تسهم بمقتضاها هذه الدول في تكوين جيوش محلية وصناعات عسكرية، تمكن أهل المنطقة من التصدي لمثل هذه الثورة، وحتى يتدخل للاشتراك في صدها، على ألا يجب اتخاذ دول الغرب من هذا الاحتمال تكأة للماطلة في الجلاء[6].

وبدأ الإخوان يؤيدون إسماعيل صدقي بوضوح:

وخطب زعيم الإخوان بالجامعة مصطفى مؤمن، مثنيا على وعود إسماعيل صدقي في المفاوضة، مستشهدا بالآية الكريمة: {واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا} [7].

وعن هذه الأحداث يحكي صبري أبو المجد: (وما من مظاهرة خرجت - بعد أن منع إسماعيل صدقي المظاهرات - التي كان يدعو لقيامها يوم أن ألف الوزارة - ما من مظاهرة عارضت وزارة إسماعيل صدقي، إلا وتصدى شباب الإخوان المسلمين لها بالسكاكين والعصي، وانني لا ذكر يوما دخل فيه طلاب الإخوان المسلمين بقضهم وقضيضهم إلى قاعة الاحتفالات الكبري بجامعة فؤاد - جامعة القاهرة الآن - بعد أن كسروا الأبواب وتم عقد مؤتمر كبير لتأييد إسماعيل صدقي، افتتحه الأخ والصديق المهندس الكبير مصطفى مؤمن بقوله تعالى وهو أصدق القائلين: {واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد، وكان رسولا نبيا}) [8].

فانظر كيف بلغ تملق الإخوان للحكام أن خلعوا عليهم صفات الأنبياء، رغم اعترافهم بتاريخ صدقي الأسود، أليس هذا استخفافا بالقرآن بالاستدلال به في غير ما أنزل؟!

تأييد صدقي في المفاوضات، ثم العدول عن ذلك:

يقول زكريا سليما بيومي: (وفي الوقت الذي طالبت فيه الجماعة بالوقوف خلف صدقي لنجاح المفاوضات، في مقابل أن يتعهد صدقي بالاعداد للجهاد العام في حالة فشلها، كان "الوفد" يعارض مفاوضات صدقي، لا لأنه يرفضها كوسيلة للكفاح بل لكونه يرى في صدقي أنه لا يمثل الأغلبية، ويسعي لإخراجه من الحكم... ثم عادت الجماعة وأعلنت رفضها التام للمفاوضات واعتبرته وسيلة الضعفاء داعية إلى عرض القضية على مجلس الأمن...)[9].

ولما عاد من لندن بعد توقيع المعاهدة بالأحرف الأولى؛ هاجمه الإخوان هجوما شديدا ونسوا أنه صدقي "صادق الوعد"!

وقد استفاد الإخوان من تأييدهم لصدقي:

وفي هذا يقول زكريا بيومي: (وقد استطاعت جماعة الإخوان الحصول على بعض التسهيلات من جانب حكومة صدقي من أهمها ترخيص باصدار صحيفة يومية في مايو 1946، وامتيازات في شراء ورق الطباعة بالأسعار الرسمية، وتسهيلات خاصة بالجوالة تتمثل في تخفيض سعر زيها الرسمي وحرية استخدام المعسكرات ومنح قطع من الأرض لإقامة المناطق اللازمة في المناطق الريفية، كما ضمت الحكومة محمد حسن العشماوي كوزير للمعارف وهو معروف بميوله الدينية، وكذلك تمتعت الجماعة ببعض المساعدات غير المباشرة من وزارتي التعليم والشئون الاجتماعية)[10].[11]

وينقل الصباغ تقريرا للقائم بالأعمال البريطاني يقول فيه عن صدقي: (هذا جزء من اللعبة الديماجوجية، لقد ألغي تدابير الحكومة السابقة بمنع اجتماعات الإخوان المسلمين، وكلف حسن رفعت باشا وكيل وزارة الداخلية من جانب صدقي باشا بتنفيذ هذه السياسة).

أما المفوضية الأمريكية فقد كتبت إلى واشنطن تقول: (يتزايد تنظيم الإخوان كل يوم كقوة سياسية، وبالذات منذ تولى صدقي باشا السلطة، وقد رفع رئيس الوزراء الحظر الذي فرضه النقراشي باشا على اجتماعات الإخوان وهو يجامل الإخوان، ربما بدعم مالي بأمل فصم ارتباطهم بـ "الوفد") [12].

ونختم كلامنا عن صدقي برأي صريح للمرشد الثالث عمر التلمساني يقول فيه: (وأنا رغم "وفديتي"، كان لي في المرحوم إسماعيل صدقي باشا رأي أخالف به الكثيرين، فالحق أن صدقي باشا لم يكن محبوبا من الشعب، وكان قاسيا في حكمه على الجماهير، وكان يصف الشعب المصري بأنه شعب كل حكومة! وقد كان مخطئا في نظرته، استبداديا في معاملته للجماهير، لكني كنت أراه سياسيا واقعيا، يدير سياسته على أساس من الواقع الذي يعيش فيه كانت سياسته أن الحقوق إذا استحال الحصول عليها كلها، فمن الخير أن يحصل عليها جزءا بعد جزء، وفي هذه السياسة ما لا يضر، إذا ما تتابعت الجهود)[13].


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

حكومته

"تشكيل الحكومة من 16 فبراير 1946 - 9 ديسمبر 1946"
الوزير الوزارة
إبراهيم باشا عبد الهادي وزارة الخارجية
أحمد باشا عبد الغفار وزير دولة
أحمد باشا عطية وزارة الدفاع الوطني
أحمد لطفي السيد نائب رئيس مجلس الوزارء، وزارة الخارجية، وزير دولة
إسماعيل باشا صدقي وزارة الداخلية، وزارة المالية
حسين باشا عنان وزارة التجارة والصناعة، وزارة الزراعة
حنفي باشا محمود وزارة المواصلات
سابا بك حبشي وزارة التجارة والصناعة، التموين
صليب باشا سامي وزارة التجارة والصناعة
عبد الرازق باشا أحمد السنهوري وزير دولة
عبد الرحمن البيلي وزارة المالية
عبد القوي باشا أحمد وزارة الأشغال العمومية
عبد المجيد باشا بدر وزارةالشئون الإجتماعية
محمد باشا حسن العشماوي وزارة المعارف العمومية
محمد باشا عبد الجليل سمرة وزارة الشئون الإجتماعية
محمود باشا حسن وزارة العدل

محاولات اغتياله

دبرت مؤامرات لاغتيال إسماعيل صدقى، الأولى قام بها شاب من مركز الدر اسمه حسين طه. استغل لونه الأسود وارتدى جلبابا أبيض ولف حول وسطه شريطا أحمر، ووضع على رأسه طربوشا. وهكذا تخفى في زى خدم عربات البولمان، وخبأ تحت ملابسه بلطة وتسلل إلى الصالون الذى كان مقررا أن ينزل به رئيس الوزراء في عودته من الأسكندرية إلى القاهرة، وقد أراد صدقى باشا أن يتناول شيئا من الطعام والشراب، فطلب من الحاجب أن يأتيه به، فشاهد الحاجب حسين طه واقفا بباب الصالون واعتقد انه من الخدم المكلفين بالعمل فنادى عليه ليحضر الطعام والشراب، ولكنه لم يتحرك بل ظل واقفا كالصنم، ولما كرر عليه النداء ولم يتلق ردا شك في الأمر واقترب منه وأمسك به فعثر على البلطة، واقتيد الى التحقيق في هدوء ودون ضجة، ولم يذهبوا به إلى السجن الحربي ولكنه قدم للمحاكمة أمام محكمة الجنايات المنعقدة برياسة عبد العظيم راشد باشا في 25-4-1933 وقد حكم عليه بالسجن سبع سنوات، ولم يحتمل حياة السجن فأضرب عن تناول الطعام مدة تزيد على الستين يوما حتى مات. وكان والده عضوا في مجلس النواب الصدقى عن مركز الدر فرفض أن يتسلم جثة ابنه لدفنها لأنه كان قد تبرأ منه.

أما المحاولة الثانية فكان بطلها محمد علي الفلال، وصناعته طاه ومقيم بباب البحر، وكان صدقى باشا مسافرا إلى الإسكندرية ليبحر منها إلى أوربا، وبينما كان واقفا على رصيف محطة القاهرة مع بعض مودعيه، تمكن الفلال من اختراق نطاق الشرطة وبيده بعض الصحف وقد خبأ تحتها مسدسا محشوا بالرصاص، فلمحه أحد الواقفين فأسرع إليه وأمسك يده وانتزع منه المسدس، ثم سيق المتهم إلى قسم الأزبكية وجرى معه تحقيق تولاه أحد وكلاء النيابة العاديين. وقد حكم على محمد على الفلال بالسجن خمسة عشر عاما مع الأشغال الشاقة ثم أفرج عنه بعد زوال العهد الصدقى وتشكيل وزارة الوفد في صيف سنة 1930.

عهده

"مذكراتي" بقلم "إسماعيل صدقي باشا".

الأنشطة الاقتصادية والقانونية

كانت لإسماعيل صدقي نشاطاتٌ اقتصادية وقانونية، إضافة لنشاطه السياسي، فقد أصدر قانوناً بتخفيض إيجار الأرض الزراعية للعام 1929 ـ 1930 بمقدار الخمس، من قيمة العقد الجاري التعاقد عليه، وأصدر قانوناً آخر عام 1931 يقضي بتخفيض إيجار الأراضي الزراعية بمقدار ثلاثة أعشار ثمنها، وعمل على إنشاء بنك التسليف الزراعي في عام 1931، وعهد للبنك بالتدخل لدى بعض الدائنين لوقف إجراءات نزع ملكية الأراضي عن المدينين على أن يتم ذلك مقابل سداد بعض ما عليهم من متأخرات مالية، كما عهد إلى الشركة العقارية المصرية بشراء بعض الأراضي المعروضة للبيع القسري، كي تتم عملية إعادتها لأصحابها الأصليين بعد ذلك، وأصدر في عام 1946 قانون مجلس الدولة، وذلك في إطار عملية الإصلاح التشريعي، والذي كان من أهم ثماره إنشاء محكمة القضاء الإداري. وترأس الوزارة المصرية فيما بين 1946 ـ 1947 للمرة الثانية، وشارك في هذه الفترة بالمفاوضات التي جرت مع البريطانيين برئاسة وزير الخارجية البريطاني بيفن، وتمًّ التوصل إلى وضع مشروع عُرف بمشروع صدقي ـ بيفن، إلا أن أكثرية المفاوضين المصريين رفضوا ذلك المشروع، الأمر الذي اضطره لتقديم استقالته إثر فشل مشروعه التفاوضي ذاك، وغادر مصر إلى أوربا، ولكن وافاه الأجل في باريس، ونقل جثمانه للقاهرة حيث دفن.

المفاوضات مع بن گوريون

في ثلاثية القنوات السرية للمفاوضات العربية – الإسرائيلية يسلط محمد حسنين هيكل الأضواء على النشاط الذي بذله زعماء الحركة الصهيونية، ولاسيما منهم ديڤيد بن گوريون، لدى الادارة الأمريكية من أجل تجديد التزام الولايات المتحدة تسهيل هجرة اليهود إلى فلسطين، وهو الأمر الذي بدأت بريطانيا تعرقله. ويكشف أن اليهود الأمريكان اشتروا موقف الرئيس هاري ترومان من اليهود بمبلغ مليوني دولار قدم إليه مساهمة في حملته الانتخابية عام 1948 مما شكل اعترافاً بإسرائيل قبل قيامها. ومن أجل مواجهة خطر الهجرة اليهودية الى فلسطين عقد مؤتمر قمة عربي في بلودان السورية في وقت كان رئيس الوزراء المصري إسماعيل صدقي يجري اتصالات مع ممثلين عن الوكالة اليهودية من أجل دعم الموقف المصري في مواجهة الإنگليز، وذلك في مقابل التسامح بهجرة 50 ألف يهودي إلى فلسطين!

وفي هذه الفترة تقرر انشاء الدولة اليهودية تحت اسم إسرائيل، والعلم الذي يشير إلى نهري النيل والفرات. وتنشر مجلة لنها اللبنانية الثلاثية بموجب ترتيب مع دار الشروق في القاهرة وهي تصدر في ثلاثة كتب منفصلة.[14]

– بن گوريون “إنني شديد الأسف لأنكم رفضتم اعطاء مهلة ساعات عدة لرئيس وزراء بريطانيا” (كليمنت آتلي رئيس وزراء بريطانيا في برقية سرية لهاري ترومان رئيس الولايات المتحدة الأمريكية) بالنسبة إلى بن گوريون كان قيام الدولة اليهودية في فلسطين أمرا مفروغا منه، والمشكلة الوحيدة أمامه هي: متى الاعلان عن قيامها؟ وكذلك لم تكن المشكلة بالنسبة إليه أمن الدولة بعد إعلان قيامها، فقد تولى هو مبكرا بناء القوة القادرة على ضمان هذا الأمن وفرضه، والمشكلة الوحيدة هي: من أين يبدأ؟ وكان منطق بن گوريون منذ تلك الأيام أن المطلوب ليس فرض الحرب دفاعا عن الدولة، وإنما فرض السلام ضمانا لبقائها وقوتها، وكانت المشكلة الوحيدة: كيف يتحقق قبول العالم العربي؟

وكان بن گوريون يدرك أن الإجابة عن متى؟ مرهونة بموقف الولايات المتحدة… وأن الإجابة عن “من أين يبدأ؟” مرهونة بمعركة تركز في الدرجة الأولى على مصر والأردن… وأن الاجابة عن “كيف؟” مرهونة بتسليم العرب أن المطلوب منهم ليس الإعتراف بأمر واقع، وإنما بالتعامل معه طبق قوله “اقتصاديا وسياسيا وثقافيا، ومن دون حدود أو حواجز، وبغير شروط من أي نوع”. وفي السنوات الحاسمة 1946 و1947 و1948 راحت خطوط المواجهة تتحدد، وكل طرف فيها يحدد أولوياته ويحاول رسم خرائطه.

1- وكانت بريطانيا تخوض معركة شبه يائسة، فقد بدأت تتحقق يوما بعد يوم، على حد تعبير السير هارولد بيلي مدير مكتب إرنست بيفن وزير الخارجية وقتها (وقد اصبح سفيرا لبريطانيا في مصر مرتين بعدها). “اننا نستطيع ان نفتح البوابات امام طوفان، لكنه تجيء لحظة ندرك فيها ان فتح البوابات شيء والتحكم في تدفق المياه شيء آخر. إن بريطانيا التي “بدأت مشروع دولة يهودية في فلسطين” ما لبثت بعد ذلك ان فقدت امكان السيطرة على المشروع”. والواقع ان العنصر الذي اخذ من بريطانيا فرصة السيطرة على المشروع، وحوّل الدخول اليهودي الى فلسطين من هجرة الى طوفان، هو انتقال قيادة الغرب نهائيا الى الولايات المتحدة الاميركية.

2- ولقد اقبلت الولايات المتحدة على تسلم مقاليد الشرق الاوسط ونظرتها الى اقليم بأكمله وليس الى بلدان متفرقة فيه، وقد دخلت المنطقة وهي منهمكة في مواجهة عالمية مع الاتحاد السوفيتي لا بد ان يخضع الكل لضروراتها مهما تكن رغباتهم. ثم انها اقبلت وتأثير الحركة الصهيونية في الولايات المتحدة نافذ الى اعصاب القرار السياسي فيها، على رغم ان مصالحها على اراض عربية وفي وسط شعوب عربية. وكان ذلك عاملا فاعلا وصل فيه القرار الاميركي الى حد التصادم مع ظاهر المصلحة الاميركية. وفي هذا السياق يجيء ذلك الحوار الشهير بين الرئيس الاميركي هاري ترومان والوزير المفوض في جدة الكولونيل إيدي.

كان إيدي يحاول ان يلفت نظر رئيس الولايات المتحدة الى خطورة سياسته على المصالح الاميركية، ورد ترومان بصراحة قائلا: “هل لدى العرب اصوات في مينوسوتا يعطونها لي في انتخابات الرئاسة او يحجبونها عني؟…”.

ورد إيدي بالنفي. وحسم ترومان احتجاجات ممثله في جدة بقوله: “إن اليهود لديهم اصوات في مينوسوتا”! [يروي الكاتب الاشهر جور فيدال في مقدمته لكتاب “التاريخ اليهودي… عبء ثلاثة آلاف سنة” انه سمع من الرئيس الأمريكي الأسبق جون كينيدي ان الرئيس هاري ترومان كان يشعر اثناء ترشيحه للرئاسة في انتخابات عام 1948 بأن معظم اصدقاء سلفه روزفلت قد تخلوا عنه، وانهم لا يعتقدون بامكان نجاحه، وان معنوياته ساءت الى ان جاء يوم دخل عليه فيه أحد النشطين في الحركة الصهيونية في محطة توقف عندها قطار حملته الانتخابية، ثم قدم اليه حقيبة يد فيها مليونا دولار نقدا وهو يرجوه اعتبارها مساهمة في حملته الانتخابية. “وروى فيدال ان كينيدي قال له بعد ذلك: “وهكذا اعترفنا بدولة اسرائيل قبل اعلان قيامها”.] ثم اضيف الى ذلك عنصر آخر لمصلحة منطق ترومان، وإن اختلف مع اسبابه، ذلك ان اسرائيل التي لم تكن تستطيع ان تقوم او تحمي قيامها الا بالولايات المتحدة، اثبتت انها صديق موال وقادر على تنفيذ خطط السياسة الاميركية في المنطقة.

3- وكانت اسرائيل قد وضعت خطوطها وراحت ترسم حدودها على نطاقات متعددة ومتوسعة: * حدود للدولة: تتمدد باستمرار مع مدى ما تصل اليه قوة جيشها (وهو تعبير بن گوريون). * وحدود للأمن: تتسع بعد ذلك اكثر لتشمل التصدي لأي خطر يهدد أمنها مستقبلا سواء كان ذلك الخطر قريبا من حدودها القائمة او بعيدا عنها. *وحدود للمصلحة: تتطلع الى موارد النفط ومصادر المياه واسواق التجارة وخطوط المواصلات وحرية الانتقال والسفر، الخ…

4 - وكان الشعب الفلسطيني في الموقف الصعب. فأرض الصراع ارضه، وقد اعطى قصارى ما عنده في ثورته التي استمرت من عام 1936 الى قيام الحرب العالمية الثانية ونهايتها. وقد رأى ان قوى الصراع اكبر من طاقته. وحدث ذلك في الوقت الذي بدأ اهتمام بقية الدول العربية بشأن فلسطين يتنامى مع تنامي فكرة الوحدة العربية، وقيام جامعة الدول العربية. وهكذا فإن هذا الشعب الفلسطيني ساوره وهم انه وقد اصبحت قضيته عربية، اذن فإنه يستطيع ان يواجه المستقبل جزءا من كل، ولما كان الكل هو الاكبر فإن الجزء يستطيع ان يطمئن.

5- لكن الكل العربي لم يكن متكاملا، او منسجما، او حتى واعيا بابعاد المواجهة:

  • كانت الاسر المالكة الحاكمة في مصر والعراق والسعودية في تنافس مع بعضها البعض وتسعى الى تثبيت عروشها في ظروف تصادمت فيها الافكار والتيارات. * ثم ان الدول العربية المؤثرة (مصر وسوريا والعراق مثلا) كانت لديها اجتهادات متباعدة محكومة بظروفها المحلية، اولها مطلب الاستقلال من قوة اوروبية بعينها.
  • ولم تكن الشعوب العربية على احاطة بحقيقة الخطط التي ترسم للمنطقة ومخاطرها.

واضيف الى ذلك عاملان:

  • إن تلك كانت المرة الاولى يفكر العرب على المستوى الاستراتيجي لمنطقة بأكملها.
  • ثم ان تلك كانت اول مرة يخطر فيها للعرب احتمال لجوئهم الى القوة المسلحة. كان عهدهم في الاستراتيجيا والعسكرية قد بعد به الزمن.

والغريب ان ذلك بالنص تقريبا كان تعبير عبد الرحمن عزام باشا الأمين العام لجامعة الدول العربية في حديث له عام 1946 مع البريغادير كلايتون المسؤول عن المخابرات العسكرية البريطانية للشرق الاوسط. وقد قال عزام باشا للبريغادير كلايتون: “هذه المرة الاولى نفكر ونعمل كدول مستقلة. بل اننا لسنا في واقع الامر دولا مستقلة، وانما دولا شبه مستقلة!”.

كانت المشكلة الملحة على كل الاطراف، ما زالت، هي مشكلة فتح ابواب فلسطين امام الهجرة اليهودية. فالوكالة اليهودية من ناحية تريد فتح الابواب لأكثر من مئتي ألف يهودي تخلفوا بعد معارك الحرب في معسكرات متناثرة من اوروبا الشرقية والغربية. وكان هؤلاء اليهود من النوع الذي تريده الوكالة اليهودية تماما. وتعتبرهم خامة صالحة تقوم عليها الدولة الجديدة عند اعلانها، فكلهم اوروبيون، ومعظمهم من المتعلمين والخبراء في مجالات وتخصصات متعددة اخافتهم او طردتهم سلطة الاحتلال النازي في اوروبا. وقد بذلت كل المنظمات الصهيونية جهدا كبيرا عامي 1944 و1945 في اعدادهم وتأهيلهم لخدمة الدولة اليهودية، وتثبيت اعتقادهم ان عودتهم الى اوطانهم الاصلية مستحيلة حتى بعد هزيمة المانيا. فالمشاعر ضدهم ما زالت حادة حتى وإن اصبحت بعد العصر النازي كامنة ودفينة.

وبالذات فإن اللاجئين من بولونيا والمجر وتشيكوسلوفاكيا كانوا مستعدين للهجرة جاهزين لوضع علمهم ومواهبهم في خدمة الدولة الصهيونية التي تصوروا انها تحررهم الى الابد. وكان رأي بن گوريون انه يفضل ان يجيء اعلان الدولة وفيها ستمئة ألف يهودي على الاقل، بدلا من اكثر قليلا من اربعمئة ألف موجودين في فلسطين الآن فعلا. وكان ترومان قد وعد بفتح الباب لمئة ألف، وكان الالحاح عليه بما هو اكثر، وهو جاهز. وكانت بريطانيا تطالب بمواربة ابواب الهجرة وجعلها نصف مفتوحة بدلا من فتح كامل.

وذلك لكي تتمكن ادارتها وقواتها في فلسطين من تحقيق توازن معقول بين السكان يكفل تغييرات تدريجية، وليست كبيرة وكاسحة بحيث تختل كل الموازين. وكان العرب ضد الهجرة تماما، يرون ان فلسطين فيها يهود بما فيه الكفاية، واي زيادة تطرأ بعد ذلك سوف تؤثر يقينا على عروبة فلسطين.

وفي مواجهة مخاطر الهجرة، قرر العرب الدعوة الى مؤتمر على مستوى رؤساء الحكومات يعقد في سوريا للبحث في مشكلة الهجرة بالتحديد، وتقرير ماذا يستطيع العرب ان يفعلوا حيالها بما يؤدي الى وقف تدفقها على فلسطين. وانعقد المؤتمر فعلا في مصيف بلودان (قرب دمشق ما بين الثاني عشر والثامن عشر من حزيران عام 1946. وانتهى الى قرارات اعلنها على النحو الآتي:

1- تأليف لجنة عربية عليا تتابع باستمرار الجوانب المختلفة من قضية فلسطين، وتنسق في ذلك مع الهيئة العربية العليا لفلسطين التي يترأسها الحاج امين الحسيني.

2- المطالبة بنزع سلاح وتسريح الجماعات اليهودية المسلحة في فلسطين كوسيلة ناجحة لوقف اعتداءات هذه الجماعات على السكان العرب.

3- انشاء صندوق عربي تساهم فيه كل الدول العربية، يقوم على مساعدة الفلسطينيين وشراء اي اراضٍ فلسطينية حتى لا يشتريها اليهود. لكن مؤتمر بلودان اتخذ، الى جانب هذه القرارات المعلنة، مجموعة اخرى من القرارات السرية تصبح واجبة التنفيذ اذا ما ساد منطق فتح ابواب فلسطين لهجرة اليهود اليها. وكان اهم هذه القرارات السرية:

1- إن الدول العربية سوف تتوقف عن منح اي امتيازات للدول التي تؤيد الهجرة.

2- إن الدول العربية سوف توقف نشاط البعثات التعليمية والثقافية التابعة لهذه البلدان في اراضيها، كنوع من المقاطعة الأدبية.

3- إن الدول العربية سوف تبحث في الغاء اي امتيازات ممنوحة في بلادها فعلا لهذه الدول.

4- إن الدول العربية سوف تلجأ الى الأمم المتحدة والى مجلس الأمن في طلب وقف الهجرة باعتبار ان ذلك تهديد صريح لأمنها.

5- إن الدول العربية بعد ذلك سوف تقوم بتسليح الشعب الفلسطيني حتى يستطيع الدفاع عن نفسه، وسوف تساعده بكل الوسائل. كان التمثيل المصري في مؤتمر بلودان (1946) على مستوى غير مسبوق في تاريخ اشتراك مصر في اي مؤتمرات دولية او عربية. ومع ان رئيس الوزراء اسماعيل صدقي باشا لم يذهب بنفسه للاشتراك في المؤتمر بسبب انهماكه في المحادثات البريطانية – المصرية (معاهدة صدقي – بيفن)، فإن زعماء كل الاحزاب المشاركة في وزارته كانوا هم وفد مصر في مؤتمر بلودان.

فقد كان الوفد المصري مكونا من: محمود فهمي النقراشي باشا رئيس حزب السعديين، والدكتور محمد حسين هيكل باشا رئيس حزب الاحرار الدستوريين، ومكرم عبيد باشا رئيس حزب الكتلة، وحافظ رمضان باشا رئيس الحزب الوطني، وقد انضم اليهم عبد الرزاق السنهوري باشا وهو قطب قانوني اصبح مرجعا في الشؤون العربية. وقيل في مصر وقتها ان صدقي باشا بعث بكل هؤلاء الزعماء الى بلودان لكي يلهيهم بقضية فلسطين بحيث يخلو له الجو في مفاوضاته مع الانكليز. ولم يكن ذلك دقيقا، مع انه لم يخل من بعض الصحة. والحاصل ان صدقي باشا في غيبة زعماء احزاب ائتلافه الحكومي لم يتفرغ لمحادثاته مع اللورد ستانسغيت رئيس الوفد البريطاني المفاوض امامه، وانما انتهزها فرصة كذلك لترتيب واحد من اهم لقاءاته وممثلين عن الوكالة اليهودية في فلسطين. فقد وصل الى مصر سرا في هذه الفترة إلياهو ساسون، واجرى صدقي باشا معه مجموعة لقاءات في بيت رينيه موصيري شارك الحاخام حاييم ناحوم افندي في واحد منها على الاقل.

كان صدقي باشا يحاول في هذه اللقاءات ان يحصل على تأييد اليهود له في موقفه مع الانكليز. وفي مقابل ذلك، فقد كان على استعداد لاغماض العين عن هجرة يهودية معقولة الى فلسطين. وكان الرقم الذي عرض صدقي باشا استعداده للتسامح فيه هو خمسون ألف مهاجر الى فلسطين. ولم يكن ذلك مرضيا لساسون، مع ان الحاخام ناحوم افندي كان على استعداد لبذل نفوذه لتسهيل قبول الوكالة اليهودية في فلسطين بهذا العرض. وربما كان الاكثر مدعاة للاهتمام ان الياهو ساسون نقل عن صدقي باشا انه اثناء هذا اللقاء ابدى استعداد الحكومة المصرية لقبول تقسيم فلسطين، بما يعنيه ذلك من اقامة دولة يهودية. وطبقا لساسون فإن الملك فاروق كان على علم بما يقوله صدقي باشا، “وعلى اي حال فإنه سوف ينتهز فرصة ظهور مناخ مناسب ونيات طيبة ويبلغ ساسون برأيه او يحدد موعدا رسميا لمقابلة بين الملك فاروق والدكتور حاييم وايزمان في قصر عابدين”.

ان الوثائق المصرية الخاصة لا تتضمن اي اشارة الى شيء من ذلك، لكنه من الصعب تصور ان رجلا في كفاية الياهو ساسون يختلق حديثا من هذا النوع في مسألة بهذه الخطورة. وربما ان صدقي باشا بالغ في ما قال لساسون متصورا ان ذلك يحقق له “تدخل اليهود بفاعلية” لانجاح مفاوضاته مع الانكليز. ولم يكن وفد مصر في مؤتمر بلودان بمستواه العالي على علم بما يقوم به رئيس الوزراء. ومما يستحق التسجيل ان مكرم عبيد باشا كان الاكثر وضوحا وحسما في موقفه بين كل اعضاء الوفد المصري في بلودان.

ولعله كان الاكثر تنبها في هذا الموضوع بالنسبة الى الرؤية المصرية لحقيقة ما يعنيه قيام دولة يهودية في فلسطين. وتشير محاضر بلودان الى ان مكرم باشا اشار الى ان قيام دولة يهودية في فلسطين سوف يعرقل اتصال البلاد العربية بعضها ببعض، ويخلق مشكلة على حدودها، وقد يعطل محاولاتها للتقدم (*). ولم تكن الحقائق السياسية واقفة في الانتظار، وانما راحت تشق لنفسها مجاريها بصرف النظر عن القرارات والاجتهادات والشعارات. وتعود الوثائق لتفضى باسرارها: * وثيقة رقم 2546 – 6/01 ن 867 برقية من الوزير المفوض في السعودية (كلارك) الى وزير الخارجية. التاريخ 25 يونيو (حزيران) 1946.

بعد عودة عبد الرحمن عزام باشا من المؤتمر الاستثنائي لجامعة الدول العربية في بلودان الى القاهرة، التقى في القاهرة المستر ريفز تشايلدز (الوزير المفوض الجديد في السعودية الذي كان في العاصمة المصرية قبل قدومه الى جدة)، وقال له ان الجامعة العربية قررت بالاجماع فتح باب المفاوضات مع الحكومة البريطانية بصفتها الدولة المنتدبة على فلسطين للوصول الى حل في شأن مستقبل هذا البلد الذي يعتبرونه بلدا عربيا. وقد ارسلوا بالفعل مذكرة بهذا المعنى الى الحكومة البريطانية. وهم يرون ان اول بند لا بد من معالجته في المشكلة هو بند الهجرة اليهودية الى فلسطين. فهم لا يرون اي مبرر لجعل هذا البلد العربي يتحمل عبء ايجاد مأوى ليهود اوروبا. الامضاء كلارك”.

  • وثيقة رقم 2946 – 6/01 ن 867 برقية من رئيس الوزراء البريطاني كليمنت آتلي الى الرئيس هاري ترومان. التاريخ: 26 يونيو (حزيران) 1946. (سري جدا وشخصي من رئيس الوزراء الى الرئيس) كما تعرفون تحاول الجماعات الصهيونية في فلسطين الضغط علينا في موضوع الهجرة. وقد زادت عمليات الميليشيات الصهيونية المسلحة ضد القوات البريطانية في فلسطين. وكان آخرها خطف ستة ضباط بريطانيين. إن حكومة صاحب الجلالة قد توصلت الى اقتناع بأن هذا وضع يصعب السكوت عنه.

وقد تم اخطار المندوب السامي في القدس بأنه مخوّل بسلطة اتخاذ ما يراه من اجراءات تحقق سيطرة الادارة البريطانية في فلسطين على الامور. وفي معلوماتي ان المندوب السامي قد امر باتخاذ اجراءات تبدأ يوم السبت 29 يونيو (حزيران) وبين الخيارات المفتوحة امامه ان يحتل مكاتب الوكالة اليهودية لاي مدة يراها كافية للتفتيش والحصول على الوثائق التي تثبت القيام بتنظيم عمليات هجرة غير مشروعة تجري حمايتها بقوة السلاح، بينما نحن نحاول بكل الوسائل ايجاد حل سياسي للمشكلة وللتعقيدات الناجمة عنها.

إن بعض الاجراءات سوف يشمل القيادات العسكرية في الهاغاناه (قوات الدفاع التابعة للوكالة اليهودية) واي عناصر خارج هذه المنظمة. الامضاء كليمنت آتيلي”. ولم تكن جماعات الضغط اليهودي والصهيوني في الولايات المتحدة بعيدة عن الصورة او متكاسلة، وانما جاء تدخلها سريعا ونافذا وبشهادة الوثائق: * وثيقة رقم 346 – 7/01 ن 867 بيان صحافي صادر عن البيت الابيض في تاريخ 2 يوليو (تموز) 1946.

نص البيان: “اجتمع الرئيس هاري ترومان اليوم بعدد من الاعضاء الاميركيين في اللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية لفلسطين، وهم الحاخام ستيفن وايز، والدكتور ناحوم غولدمان، والمستر لويس ليبسكي، والحاخام أبا هيلل سيلفر. إن ممثلي الوكالة اليهودية عرضوا على الرئيس وجهة نظرهم في ما جرى اخيرا من احداث في فلسطين. إن الرئيس اعرب لممثلي الوكالة اليهودية عن أسفه للتطورات الاخيرة التي طرأت في فلسطين. وقد اخطر ممثلي الوكالة اليهودية ان الولايات المتحدة لم تستشر مقدما في الاجراءات التي اتخذتها السلطات البريطانية هناك. إن الرئيس اضاف الى ذلك اعرابه عن أمله في الافراج عن كل القيادات اليهودية في فلسطين على الفور. إن الرئيس اضاف كذلك عزمه على ان الاحداث الاخيرة في فلسطين لن تؤثر على سياسة فتح ابواب فلسطين لهجرة مئة ألف يهودي من اوروبا اليها”.

(لم يشر البيان الصحافي الصادر عن الاجتماع الى اهم الوقائع التي جرت فيه، وإن تكن مجموعة الوثائق الاميركية للعام 1946 في الصفحة 645 تشير اليها، وخلاصتها ان الرئيس ترومان بحث في التكاليف المالية لعملية هجرة مئة ألف يهودي الى فلسطين، وانها تصل الى 450 مليون دولار (بقيمة الدولار في ذلك الوقت، وهي تساوي عشرة امثال قيمته اليوم). وقد تطوع الرئيس ترومان على الفور بأن الولايات المتحدة سوف تتحمل وحدها نفقات النقل. وفي الوقت عينه ابدى الزعماء اليهود ان لديهم 250 مليون دولار جاهزة لعملية التوطين، لكن ذلك المبلغ لا يكفي الا لجزء منها).

  • وثيقة رقم 846 – 7/01 ن 867 رسالة من الرئيس ترومان الى الملك عبد العزيز آل سعود. التاريخ: 13 يوليو (تموز) 1946. يا صاحب الجلالة، انني تلقيت بمزيد من السرور الرسالة التي نقلها اليّ صديقي وصديقكم وزيرنا المفوض السابق لدى حكومتكم الكولونيل ويليم إيدي. انني شديد الاعتزاز بروابط الصداقة الوثيقة التي قامت باستمرار بين حكومة الولايات المتحدة والحكومة السعودية. ولقد نقل اليّ الكولونيل إيدي تفهمكم المشكلة الانسانية لليهود المشردين في اوروبا. كما نقل اليّ ايضا قلقكم من ذهابهم الى فلسطين. واريد ان اؤكد لكم باخلاص اعتقادي ان ذهاب مئة ألف يهودي الى فلسطين لن يؤثر في حقوق العرب او مصالحهم، كما انه لن يحدث خللا في التوازن الاقتصادي والاجتماعي في هذا البلد. الامضاء هاري ترومان”.
  • وثيقة رقم 1746 – 8/01 ن 867 رسالة من وزير الخارجية الاميركي جيمس بيرنز الى الحاخام ستيفن وايز. باريس 17 اغسطس (آب) 1946 عزيزي الدكتور وايز، انك طلبت مني ان اقابل مستر ناحوم غولدمان اثناء وجودي في باريس لأنه يريد ان يراني في مسائل متعلقة بموضوع فلسطين. وقد كنت ارغب في ان اراه، لكني بعيد عن مجرى الحوادث في هذه القضية، فطوال السنة الاخيرة تولى الرئيس ترومان بنفسه وشخصيا كل ما هو متعلق بمشكلة فلسطين. والاتصالات الدائرة بين الحكومتين البريطانية والاميركية في هذا الشأن تجري مباشرة بين الرئيس ترومان ورئيس الوزراء (البريطاني) المستر آتلي، وليس بين المستر بيفن وبيني. الامضاء جيمس بيرنز”
  • وثيقة رقم 1246 – 9/01 ن 867 مذكرة من وزير الخارجية بالنيابة (ويليم كليتون) الى الرئيس ترومان. التاريخ: 12 سمبتمبر (ايلول) 1946. الرئيس، يرى الحاخام وايز ومعه عدد آخر من الزعماء الصهيونيين ان تقوم باصدار تصريح فوري عن تقسيم فلسطين وعن فتح ابواب الهجرة اليهودية اليها. وفي رأيهم ان ذلك يساعد على جعل الحكومة البريطانية تتخذ موقفا اكثر معقولية. الامضاء وليم كليتون”
  • وثيقة رقم 1046 – 10/01 ن 867 برقية من رئيس الوزراء (البريطاني) آتلي الى الرئيس ترومان. التاريخ: 4 اكتوبر (تشرين الاول) 1946 (سري جدا وعاجل) عزيزي الرئيس، انني تلقيت بعد منتصف الليل امس مشروع بيانك في شأن فلسطين، وتلقيت منكم رسالة، وقد كتبت لكم على الفور ردا عليها رجوتكم فيه تأجيل الاعلان ولو لساعات عدة ريثما استطيع التشاور مع وزير ا لخارجية. وقبل ان يطلع الصباح تلقيت منكم ردا برفض تأخير اعلان البيان لهذه الساعات التي طلبتها. انني شديد الأسف انكم رفضتم اعطاء مهلة ساعات لرئيس وزراء البلاد الذي يتحمل حاليا عبء ادارة شؤون فلسطين، مع العلم ان اعلانكم سوف يسبب لادارة فلسطين اعباء لا شك فيها. وسوف انتظر باهتمام ايضاحكم في شأن الاسباب العاجلة التي دعت الى مثل هذا الاجراء المتسرع. الامضاء آتلي” كانت الحركة الصهيونية في عجلة من امرها لقيام الدولة اليهودية في فلسطين. وكان رئيس الولايات المتحدة بنفسه امامها ووراءها. وكان الرأي قد استقر مبكرا على اختيار اسم الدولة: اسرائيل.

وكان الرأي قد استقر مبكرا ايضا على رسم علمها: “خطان من اللون الازرق اعلى واسفل رقعة بيضاء تتوسطها نجمة داوود. ولم يدقق كثير من العرب في معنى رسم العلم الاسرائيلي ورمزه، لكن يهود فلسطين فهموا الاشارة وتلقوا الرسالة. فالخطان باللون الازرق اعلى العلم واسفله يشيران الى “النهرين الكبيرين” اللذين تقع الارض الموعودة بينهما: نهر الشرق الكبير وهو الفرات، ونهر الغرب الكبير وهو النيل. وذلك نص القول في التوراة التي كتبها حاخامات اسرائيل اثناء المنفى والسبي في بابل بعد ستمئة سنة من سقوط هيكل سليمان.

“في ذلك اليوم قطع الرب مع ابرهيم ميثاقا: “لنسلك اعطي هذه الارض من نهر مصر الى النهر الكبير الفرات”. (سفر التكوين 15: 18) وكان الرأي مستقرا كذلك ومبكرا على ان لا تكون لهذه الدولة حدود معينة على خريطة. ولعلها كانت اول دولة في العالم الحديث يجري اعلان قيامها من دون ان يصاحب هذا الاعلان بيان يعين الخطوط على الارض ويوقعها على الطبيعة، ذلك انه حين يكون الوعد “اسطوريا” – فإن الخرائط السياسية تصبح قابلة للتعديل مع كل تفسير او تأويل! (*) يلاحظ ان الاستاذ ميشال عفلق زعيم حزب البعث الاشتراكي طور هذه المقولات بعد ذلك في شعاره الشهير الذي شاع في ما بعد في أدبيات حزب البعث وغيره من الاحزاب القومية، وهو “ان اسرائيل اقيمت لكي تكون قاطعا لاتصال الأمة، واداة لتهديدها، واسفنجة لامتصاص طاقاتها باستمرار”.

نقد

جسد إسماعيل صدقى باشا البرجماتية بكل ابعادها وبفهم كامل وبلا مواراة فإسماعيل صدقى هو ذات الرجل الذى كان من بين الأربعة الذين تم نفيهم إلى مالطة من قبل سلطات الحماية في مارس 1919 والذين كان نفيهم إيذانا بتفجر الثورة وهو أيضاً نفس الرجل الذى التحف بحماية دار المندوب السامى خلال العهد الذى عرف باسمه بين عامى 1930و1933. وإسماعيل صدقى هو الذى أبطل دستور 1923 الذى شايعه الوطنيون ووضع بدلا منه دستورا على المقاس الملكى هو دستور 1930 وعندما راح ضحية ما تمتع به الجالس على العرش من سلطات واسعة أدت الى الإطاحة به شخصياً، انقلب عليه وانضم إلى المطالبين بعودة إحياء الدستور الأول بعد أن قدم كل الحجج قبل ذلك على عدم مناسبته لأوضاع المصريين. وهو في كل ذلك لم يتورع عن استخدام كل أدوات السلطة أو كافة الأساليب غير الأخلاقية طالما ساعده ذلك على تحقيق هدفه.

و تنفيذاً لأمر الإنجليز قرر إسماعيل صدقى باشا أن تشترك حكومته في المعرض الصهيونى الذى أقيم في تل أبيب في مارس سنة 1933 مما أثار عليه سخط الشعب الفلسطينى. وقد حملت عليه صحيفة ((فلسطين)) حملة عنيفة ووجهت إليه عبارات قاسية فردّت عليها صحيفة ((الشعب)) لسان حال صدقى باشا بمقال جاء فيه :

إن الحكومة على الأقل في مصر تلتزم الحيدة المطلقة في الخلافات السياسية أو الحزبية أو الاجتماعية أو الجنسية التى تقوم في البلاد الشقيقة المجاورة، وتنأى بجانبها عن المعارك التى تنشب فيها، ولا تتحيز لناحية دون أخرى.

وظهر في هذا العصر التيار الدينى فقد طالب أحد أعضاء مجلس النواب بإغلاق بيوت الدعارة وحوانيت الخمور وكل المحلات التى يباح فيها لعب الميسر، وتشديد الرقابة على جميع المقاهى ومعاقبة من يسبّون الدين الحنيف معاقبة صارمة ومعاقبة الزانية والزاني والسارق والسارقة كما جاء في كتاب الله.

وقال الشيخ الأحمدى الظواهرى شيخ الجامع الأزهر: نحن مثلا أولى بمنع البغاء ومنع المسكرات من بعض الممالك التى منعت ذلك من مدة طويلة ,كما أن الميسر والزنا والسرقة وسب الدين من أفظع المنكرات التى يؤدى التهاون فيها إلى شرور ومضار لا تحصى.

ونشطت جماعة الإخوان المسلمين في الدعوة إلى وجوب احتجاب النساء وإلى الحكم بمقتضى الشريعة الغرّاء.

كما نشطت الدعوة إلى الشيوعية وكان يقوم بها جماعة من الأرمن. ولم يسمح الإنجليز بوضع الأفراد في السجن الحربي، وإجراء أنواع من التعذيب عليهم وهتك أعراضهم.

ولم يسجل تاريخ الاحتلال البريطانى في مصر ما سجلته المحاكم في عهد الحاكم الوطنى جمال عبد الناصر حسين وهو:

إن المحكمة تسجل بكل أسى أننا جميعا كمواطنين في هذا البلد عشنا تلك الفترة الحالكة السواد، لا في تاريخ أمتنا فحسب، وإنما في تاريخ الإنسانية عامة , ولا نعتقد أن هناك شعبا من شعوب الأرض لاقى ما لاقاه هذا الشعب خلال تلك الفترة من ألوان العذاب والتنكيل ومصادرة الحريات، إذ وصل بنا الحال إلى عدم الثقة والاطمئنان لأقرب الناس ,وأصبحت السمة العامة هى النفاق وانعدام الخلق والدين، وإلى الله تعالى القدير نضرع بالدعاء أن يعيد إلى هذا البلد دينه حتى تحل القيم والأخلاق محل الضياع والنفاق فينصلح الحال وتسموا راية الحرية

الأحرار في 4-4-1983

فهذه الحيثيات الصادرة من جهة تتصف بالنزاهة وتقيم العدل تسجل أن الدين قد اختفى في عهد الاستقلال وفى عهد الحكم الوطني، وتسجل انتشار الخوف والنفاق في عهد جمال عبد الناصر.

وهذه المقالات التى أملاها طه حسين في العهد الصدقي هي دفاع عن الحرية الفكرية في كل زمان ومكان، ولكن مع الأسف الشديد فإن دعوة طه حسين إلى الحرية السياسية والاجتماعية والفكرية لم يتأثر بها إلا عدد قليل من الشبان في ذلك الوقت. وهى خير ما يقرأه شباب هذا الجيل ليبتعد عن التطرف اليميني أو اليساري، وهي تعلمنا كيف نعارض في حدود النظام، ونجادل بالتى هى أحسن. فهى تقدس الحرية وتدعو الى احترام الرأى الآخر ما دمنا نشترك في هدف واحد وهو العمل لصالح الوطن ولخير الأمة. وهي قطع أدبية ممتازة أوشكت أن تعبث بها يد البلى، تصور جهاد الأمة وكفاحها تحت راية الوفد الذى "ارتضته الأمة ديناً لها وستظل متمسكة به ولو كره الكافرون بحق الأمة في أن تحكم نفسها بنفسها. ..."

قال عنه الكاتب محمد حسنين هيكل

تناقضات وأزمات في الساحة الداخلية

نحن الليلة أمام لحظة شديدة الأهمية...

عقب اغتيال رئيس الوزراء أحمد ماهر كانت هناك مشاورات حول: من يرأس الوزارة؟.. والملك فاروق كان يميل إلى إسماعيل صدقي. إسماعيل صدقي هو سياسي مستقل لم ينتم إلى أى حزب بعد انتماء سابق للوفد... حاول في مرة أن يقيم حزبا أسماه ب الشعب في الثلاثينيات.. وكان وقتها يرأس في الواقع حكومة قمع. وقد كنت أراه مثل كثير من السياسيين في التيه. حسن يوسف ورجال الملك نصحوه: السعديين والوفديين في الائتلاف الوزارى مجروحون بعد قتل رئيسهم أحمد ماهر باشا، فإذا أتيت برئيس وزراء من خارجهم فلن يتقبلوا ذلك الأمر... فالحل الوحيد إذن هو أن يصبح النقراشي باشا وهو نائب أحمد ماهر في رئاسة السعديين رئيساً للوزراء.

يقول حسن يوسف للملك: أى تصرف غير ذلك قد يسبب مشاكل في الائتلاف الوزارى بعد اغتيال رئيسه في البهو الفرعونى لمجلس النواب... وهذه أولاً وأخيراً وزارة مولانا الملك. وبالفعل قام الملك باستدعاء النقراشى باشا على الرغم من أنه لم يكن يحبه، فقد كان يعتقد أن النقراشي رجل متزمت، وهذا ربما يكون صحيحاً. لم أقابل النقراشي سوى مرة واحدة وهو رئيس للوزراء... لقد كان هذا الرجل مدرساً، والمدرسون في هذا الوقت معروفون بالصرامة والجدية والتى تأتى أحياناً على حساب الأفق السياسى المتفتح، لكن في بعض اللحظات تحتاج الأمم خاصة في لحظات الانتقال إلى من يُغَلِب المبدأ على المناورة، وأعتقد أن مصر كانت إلى حد كبير سعيدة الحظ عندما جاء النقراشي في هذه اللحظة. لا ننسى أننا ما زلنا أمام لحظة الملك فاروق هى اللحظة التى استقل فيها فاروق تقريباً بالحكم... وكان النقراشي يرغب في مقابلته لمناقشته أحياناً.. ولكن فاروق كان لا يرغب في لقائه، وكان يسميه ب"القفل". يقول حسن يوسف: إننا نكاد نقبل يدى الملك ليوافق على لقاء النقراشي كلما طلب الأخير ميعادا. طلب النقراشى مقابلة الملك بعد إحدى المحاولات الفاشلة لاغتيال النحاس باشا وكان راغباً في التحدث معه في موضوع . والملك فاروق جن جنونه لذلك. تفاقمت المشاكل عندما قام الحرس الحديدي للملك فاروق بقتل أمين عثمان وقد كان ضمن المطلوب اغتيالهم، وكذلك كان النحاس الذى تمت ثلاث محاولات لاغتياله خلال ستة أشهر فقط. كان لدى النقراشي مشاكله في ترتيب وضع ما بعد الحرب مع الإنجليز، كذلك مشاكل بخصوص الأمم المتحدة يساعده في حلها وزير الخارجية عبد الحميد بدوي باشا.. وقد كان الأخير رجلاً ذكياً ولديه عقلية قانونية متميزة... ومع ذلك لم يكن الملك يحبه.

يبدو أن الملك فاروق لم يكن يحب من يتحدث بكلام له قيمة، أو من يخرج عن اللياقة حسب تصوره.. أو من يشغله بهموم أو مصائب. الملك فاروق بعدما تخلص من سلطة النحاس وانفرد بالسلطة.. أصبح يتصرف وكأنه كان في قمقم وطلِع.. يقتل.. يسهر كل يوم في حته.. يروح ويجيء. المشاهد التى صاحبت مقتل أمين عثمان جاءت هائلة... يذكر لورد كلرن في تقرير له: إن جريمة قتل أمين عثمان تحولت من محاكمة قتلة إلى محاكمة القتيل.

أنا معترض على أمين عثمان ولدى رأى في سياساته، وإن كنت أفهم دوافعه. وأريد أن أقول إننى ربما أختلف مع شخص، ربما إلى حد تبادل الهجمات معه... ولكن يجب أن أعرف أن أسباب اختلافنا ترجع إلى أن له مرجعية وأن لى مرجعية، ومن وجهة نظره مرجعيته مبررة ومن وجهة نظرى مرجعيتى شرعية، قد يحتدم الخلاف بيننا، نتعارك ونختلف كيفما نشاء... لكن على عند الحكم النهائى أن أقيس أى رجل وفقاً لمرجعيته. وفى كل الأحوال... فإن عملية قتل سياسى تحتاج إلى نظر، وقتل سياسى تحت رعاية ملك البلاد تحتاج إلى نظر أكبر. ومع ذلك تحولت محاكمة أمين عثمان إلى فضيحة قانونية في اعتقادي. وكيل النيابة الذى أصبح فيما بعد مدعى اشتراكى أصبح يتهم ويحاكم أمين عثمان ولا يحاكم من قتله!.

كتب

نشر محمد السباعي كتاب أبطال مصر (اقرأه في مخطوطات المعرفة). عن إسماعيل صدقي وعبد الخالق ثروت. نُشرت له مذكرات في مجلة «المصور» قام سامي أبو النور بجمعها وتحقيقها وإصدارها في كتاب باسم «مذكراتي». ووضعت سنية قراعة كتاباً عنه باسم «نمر السياسة المصرية».

انظر أيضاً

المصادر

  • عبد الله محمود حسين. "صدقي (إسماعيل باشا ـ)". الموسوعة العربية.
  • محمد سيد كيلاني، القاهرة
  1. ^ أحمد عادل كمال: المصدر المذكور، ص: 137 - 139.
  2. ^ فريد عبد الخالق: المصدر المذكور، ص: 39 - 40.
  3. ^ البشري: المرجع المذكور، ص: 24، 93، 94.
  4. ^ أي الإخوان
  5. ^ لطيفة سالم: المصدر المذكور، ص: 704 – 705.
  6. ^ زكريا بيومي: المصدر المذكور، ص: ،188 الاخوان المسلمون، 29/صفر/1365 هـ، 2/2/1946، حديث للمرشد العام مع المستر سبنسر المراسل الحربي الامريكي.
  7. ^ طارق البشري: المصدر المذكور، ص: 108.
  8. ^ صبري أبو المجد: سنوات الغضب، مقدمات ثورة 23/يوليو/1952، كتاب الحرية، الطبعة الأولى 1409 هـ، 1989، ص: 28.
  9. ^ زكريا بيومي: المصدر المذكور، ص: 229.
  10. ^ زكريا بيومي: المصدر المذكور، ص: 106 – 107.
  11. ^ أيمن الظواهري. "الحصاد المر؛ الإخوان المسلمون في ستين عاماً". منبر التوحيد والجهاد. Retrieved 2012-04-10.
  12. ^ محمود الصباغ: المصدر المذكور، ص: 476 – 477.
  13. ^ عمر التلمساني: المصدر المذكور، ص: 22.
  14. ^ صدقي باشا فاوض اليهود على هجرة خمسين ألفا فقط

مراجع للاستزادة

  • إسماعيل صدقي باشا، مذكراتي، تحقيق سامي أبو النور (مكتبة مدبولي، القاهرة)
  • راشد البراوي، مجموعة الوثائق السياسية، ج1، المركز الدولي لمصر والسودان وقناة السويس (مكتبة النهضة، القاهرة 1952).
  • أحمد شفيق، حوليات مصر السياسية، الحولية السابعة، 1930م.


سبقه
؟
وزير الزراعة
1910
تبعه
؟
سبقه
مصطفى النحاس باشا
رئيس وزراء مصر
20 يونيو 1930-22 سبتمبر 1933
تبعه
عبد الفتاح يحيى ابراهيم باشا
سبقه
محمود النقراشي باشا
رئيس وزراء مصر
17 فبراير-9 ديسمبر 1947
تبعه
محمود النقراشي باشا