تاريخ الموصل

يمتد تاريخ الموصل لعدة قرون قبل الميلاد. وتقع مدينة الموصل في محافظة نينوى، شمال العراق على ضفاف نهر دجلة، وهي ثاني مدينة في البلاد من حيث السكان بعد بغداد حيث يبلغ عدد سكانها بحدود مليون وثلاثمائة ألف نسمة.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الموصل قبل الميلاد

تشير المصادر التاريخية إلى أنه في سنة 1080 ق.م.، اتخذ الآشوريين مدينة نينوى عاصمة لهم (وهي آثار نينوى الكائنة في الجانب الايسر من مدينة الموصل حالياً)، وحصّن الآشوريون نينوى بالاسوار والقلاع التي نشاهد آثارها اليوم في باب شمس وتل قوينجق وبوابة المسقى وبوابة نركال وتل التوبة (النبي يونس) والتي يربطها سور نينوى المطمور في معظم أجزائه.

كما بنى الآشوريون عدداً من القلاع للدفاع عن أنفسهم منها القلعة الواقعة فوق التل المسمى "تل قليعات" على شاطئ دجلة مقابل مدينة نينوى والتي سميت بالحصن العبوري.[1]. وفي سنة 612 ق.م أستولى الميديون والكلدانيون على نينوى بعد معركة طاحنة ودمروها كما دمّروا الحصن العبوري.


تأسيس الموصل

بعد هدوء المعارك، عاد أهالي الموصل ونينوى إلى ديارهم ورمموا ما خربه القتال واعادوا بناء الحصن العبوري، وازدادت هجرة القبائل العربية إلى بلاد الرافدين وبادية الشام، وازداد البناء والعمران حول الحصن العبوري حتى أصبحت قرية لها شأن يُذكر.

سماها العرب "الموصل" لكونها ملتقى عدة طرق تربط الشرق بالغرب. واهتم الأخمينيون الذين حكموها سنة 550-331 ق.م في توطين العرب والفرس فيها وأصبحت مدينة ذات شأن.

لم تسلم الموصل من الحروب التي دارت بين الشرق والغرب والتي سببت نكبتها لعدة مرات، ومنها الحروب التي دارت بين الساسانيين والرومان سنة 241 وسنة 579. وفي سنة 627 انتصر الروم على الفرس بعد معركة حاسمة قرب الموصل، فأصبحت الموصل تحت حكم الروم. الموصل كمدينة قديمة تعني الساحل الايمن وقد بناها العرب الفاتحين ايام الفتوحات الإسلامية لمنطقة الجزيرة وجبال كردستان اما الساحل الشرقي (الايسر)من المدينة حاليا فهي بالاصل مدينة اشورية اسمها نينوى. لا يعرف بالتحديد معنى تسمية نينوى، اسم المدينة في زمن الأكديين غير أنه يرجح أن يكون له علاقة بالإلهة عشتار إلها أخسوبة الرافدينية كون اسمها القديم كان نينا. فردية أخرى ترجع اسم المدينة إلى الآرامية حيث تعني كلمة نونا (נונא) السمك.[2] ولا تزال المدينة بأكملها تعرف أحيانا بنينوى (ܢܝܢܘܐ) أو آثور (ܐܬܘܪ) لدى السريان.[3] يعود أول ذكر للتسمية الحديثة إلى كسينوفون، المؤرخ الإغريقي، في القرن الخامس قبل الميلاد حيث ذكر وجود مستوطنة صغيرة تحت اسم مبسيلا (باليونانية: Μέπσιλα).[4] غير أن كون هذه التسمية تعود لنفس المدينة الحديثة مشكوك به كونها كانت تقع على الضفة الشرقية لدجلة.[5] يرجح من جهة أخرى أن تكون الكلمة ذات أصل عربي بمعنى "ما يوصل بين شيئين" كونها وصلت بين ضفتي دجلة لدى بنائها، وقيل بين الجزيرة والعراق، وقيل لأنها تصل بين دجلة والفرات.

دخول الجيش الإسلامي للموصل

في سنة 637، دخل العرب المسلمون الموصل بقيادة ربعي بن الأفكل العنزي الذي دبر خطة للسيطرة على الموصل بمساندة قبائلها العربية التي كانت في قتال ضد الروم في تكريت، فقامت هذه القبائل بالانسحاب إلى الموصل مُظهرين انهزام المسلمين في معركة تكريت، حتى إذا دخلوا المدينة سيطروا على أبوابها لتدخل وراءهم جيوش المسلمين.

بعد أربع سنوات من هذه الواقعة، أرتد سكان الموصل عن الاسلام مما أدى إلى معارك أخرى نجحت في إعادة السيطرة على الموصل. [2]

الموصل في عهد الخلفاء الراشدين

أصبح عتبة بن فرقد السلمي والياً على الموصل بعد السيطرة عليها وعمل على توطين وإسكان العرب المسلمين من قبائل النمر وتغلب واياد. بنى داراً للامارة والمسجد الجامع وهو أول جامع بناه المسلمون في الموصل[3]، والذي بقي حتى سنة 543 هـ.

في عهد الخليفة عثمان بن عفان، كثرت هجرة القبائل العربية إليها بعد أن استقر الوضع فيها ومنها الازد وطي وكندة وعبد قيس. وفي حكم عرفجة بن هرثمة البارقي تم توسيعها وتعميرها وتوسيع الجامع، كما توسعت الهجرة العربية إليها في خلافة علي بن ابي طالب. وهذا جعل مدينة الموصل مدينة كبيرة ذات كثافة سكانية عالية.

الموصل في العهد الأموي

ازداد توسع الموصل في عهد سعيد بن عبد الملك بن مروان حيث قام بتعميرها وتحصينها واحاطها بسور ورصف طرقها بالحجارة. كما نصّب لها مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين جسراً وبنى قلعتها. وشق الحر بن يوسف الأموي نهراً عرف بـ نهر الحر يسير محاذياً للتلال المطلة على حاوي كنيسة (وهو مجرى نهر دجلة الحالي)، حيث كان سابقاً يمر قرب سور نينوى وتقع عليه بوابة المسقى. واستمرت الهجرة اليها من القبائل العربية في هذه الفترة وهي قبائل تغلب وربيعة وعنزة وشيبان وخزرج.

الموصل في العهد العباسي

تحت حكم الدولة العباسية سنة 132 هـ - 751 هـ/ ثار اهالي الموصل على الوالي العباسي محمد بن صول الفارسي ففُتك بأهلها وخُربت بيوتها، ولما وصل الأمر إلى الخليفة السفاح عزله وولّى عليها عمّه إسماعيل بن علي بن العباس فاصلح حالها، وتحسن مركزها الإقتصادي في خلافة المهدي، والذي اهتم بالخدمات الداخلية فنظم الطرقات وأصلح الزراعة.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الموصل في العهد الحمداني

أصبحت الموصل تحت نفوذ الحمدانيين في اواخر القرن الثالث للهجرة بعد دخولهم في طاعة العباسيين، توسعت المدينة وأصبحت مركزاً تجارياً مهماً. وصارت تصدر إلى بغداد الدقيق والسكر والعسل والسمن والجبن والفحم والشحوم والمن والسماق والقير والحديد. كما توسعت حولها القرى والبساتين والمزارع.

الموصل في العهد العقيلي

انتقلت الموصل إلى حكم العقيليين سنة 367 هـ - 489 هـ فتأخرت الحركة العمرانية والحالة الاقتصادية في المدينة لتنازع الامراء فيما بينهم على الحكم، وبنى شرف الدولة لها سوراً جديداً.

الموصل في العهد السلجوقي

أصبحت الموصل تحت نفوذ الترك السلجوقيين فحكموها 32 عاماً لاقت خلالها الويلات والمصائب والخراب، وهجّرها معظم اهلها من ديارهم ومساكنهم لكثرة الأضطرابات والفتن بين الأمراء. ومع هذا فان الموصل تزعمت الحروب الإسلامية ضد الغزوات الصليبية في تلك الفترة.

الموصل في العهد الاتابكي

استلم عماد الدين زنكي حُكم الموصل سنة 521 هـ فحضت المدينة في زمنه وزمن خلفه باهتمام وتوسع كبير، وتقدمت في صناعتها وتجارتها وزراعتها وعمرانها، وامتاز حكمهم بالعدل والمساواة. وفي عهد بدر الدين لؤلؤ وصلت الموصل إلى أجمل صورها.[4]

المغول والتتار

ارتبط تاريخ الموصل في تلك الفترة بشخص بدر الدين لؤلؤ حيث ولي عليها في محرم 631 هـ/ أكتوبر 1233م، وحافظ على ولائه الظاهري للخلافة إلا ان ضغط الأحداث أجبرته على موالاة المغول، ثم تحولت الموالاة إلى طاعة وتحالف. فقد أمدهم بما يحتاجونه من ميرة وآلة أثناء حصار اربيل[5]، كما ساعدهم في حصار بغداد.
توفي بدر الدين لؤلؤ في شعبان 656/أغسطس 1258م، وخلفه ابن الملك الصالح إسماعيل الذي هادن المغول أول الأمر ثم انقلب عليهم وطردهم من الموصل، وارسل أخاه إلى مصر لطلب المساعدة من بيبرس، ثم ذهب بنفسه ونسق معه لتنظيم الحرب ضد المغول، فارسل هولاكو إليه جيشا تعداده عشرة آلاف فارس بقيادة صندغون، فحاصره فيها ونصب عليها خمسا وعشرين منجنيقا وراح يضرب المدينة. فقلت الأقوات واشتد الغلاء، وما أن علم بيبرس بذلك حتى أرسل اليه نجدة تعدادها سبع مائة فارس وأمر بخروج العساكر من دمشق وحلب، فخرج صاحب حلب وهو شمس الدين البرلي في سبعمائة فارس من الغز وأربعمائة من التركمان ومئة من العرب.

إلا أن صندغون المغولي قد علم بخروج تلك القوة فكمن لها عند سنجار وانقض عليها وقتل معظم افرادها. ثم عاد مشددا الحصار على الموصل، ونصب عليها ثلاثين منجنيقا، فضاقت الأحوال بشدة على المدينة. ثم ارسل إلى الملك الصالح إسماعيل يمنيه بالوعود الحسنة إذا استسلم وفتح المدينة، وفعلا فتحت أبواب المدينة واستسلم الوالي وتوقف القتال. فدخل المغول المدينة في 26 شعبان 660 هـ / 16 يوليو 1262 فاستباحوها وعملوا فيها السيف وقتلوا معظم اهاليها وهدموا أكثر من نصفها. وقتل الصالح إسماعيل وكذلك ابنه البالغ من العمر ثلاثة اعوام[6].
وفي سنة 796 هـ استولى تيمورلنك عليها واكمل تدميرها إلى ان ظهرت دولة الخروف الأبيض ودولة الخروف الأسود سنة 810 هـ التي انقرضت بظهور الشاه إسماعيل الصفوي وسيطرة الصفويين على العراق.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

العثمانيون والصفويون

بقيت الموصل تحت حكم القبائل التركمانية حتى سيطر عليها سليمان بن السلطان سليم العثماني، وولى عليها حاكماً يدعى محمد باشا بكلربكي الذي مات وتولى بعده عدة ولاة حتى سنة 1730 (1143 هـ) حيث تولاها أحد أبناءها وهو حسين باشا الجليلي بن إسماعيل باشا الجليلي.

وفي عهده حاول قائد الجيش الصفوي نادر شاه ان يستولي على الموصل سنة 1732 1145 هـ ولكن قائده نركزخان قُتل على هضاب الغزلاني. وحاول مرة أخرى سنة 1733 1156 هـ احتلال المدينة وارسل رسالة إلى الوالي يتوعده فيها، ولكن أهالي المدينة قرروا مقاتلته وعدم الاستسلام مهما كلف الامر. بدأ اهالي الموصل بقيادة الوالي حسين باشا الجليلي بتعمير أسوار المدينة منذ وقت مبكر، وكانت كل الأعمال تتم بجهود الموصليين لأن السلطان لم يكن في وضع اقتصادي أو سياسي يسمح له بمعاونة المدينة، كما أمر الوالي بحصاد المزروعات في وقت مبكر ليحرم العدو من الاستيلاء عليها، كما أمر بإدخال أهل القرى المحيطة بالمدينة داخل السور للمساهمة في الدفاع عنها.

تقدم نادر شاه بقواته البالغة 300,000 مقاتل إلى الجهة الشرقية من نهر دجلة قرب قرية يارمجة فحمل عليه كتيبة من خيالة الموصل يقودها عبد الفتاح باشا أخو الوالي وفيها أعيان الموصل ووجهاؤها، ودارت معركة طاحنة كانت فيها خسائر الجيش الصفوي فادحة، ونتيجة لضخامة قوات العدو فقد انسحبت الكتيبة إلى داخل سور المدينة واغلقت الأبواب. وفي 6 شعبان باشرت مدفعية نادر شاه بإطلاق القنابل والنيران على المدينة المحاصرة بغزارة، كان خلالها الوالي حسين باشا يحث الاهالي على القتال والصمود ويشرف على ترميم ما يتهدم من السور أو القلاع، واستمر المدافعون يقاومون ولم يتمكن نادر شاه من احتلالها رغم سقوط أكثر من 40,000 قنبلة عليها جعلت ليلها نهاراً، ويُقال أن الموصليون اقسموا على قتل جميع نسائهم فيما إذا غلبهم الصفويين، ولم يسمحوا للعدو من أحداث أي ثغرة في سور المدينة بل كانوا يقيمونه بسرعة مذهلة ليلاً فوق جثث قتلاهم. وبعد محاولة فاشلة لتفجير السور بالألغام تقدم جيش نادر شاه وهم يحملون السلالم في هجوم عام في محاولة لارتقاء الأسوار ولكن اهالي مدينة الموصل كانوا لهم بالمرصاد ودارت معركة طاحنة على الأسوار فشل فيها جنود نادر شاه في مسعاهم وارتدوا عندها أمر حسين باشا الجليلي قواته بالهجوم فخرجوا من الأسوار وتبعوا جنود الشاه الصفوي وأوقعوا فيهم مقتلة كبيرة، فهربوا لا يلوون على شيء فتصدى لهم خيالة الجيش الصفوي في محاولة لردهم عن الهرب ولكنهم ضربوا الخيالة واستمروا بالهرب.

فقد الجيش الصفوي اعدادا كبيرة من جنوده ونفذت مؤونتهم بعد حصار دام اربعين يوماً بلياليها. وأخيراً اضطر نادر شاه إلى عقد الصلح مع الوالي حسين باشا الجليلي، وغادر الجيش الصفوي يوم 4 رمضان، ولم يستطع دخول الموصل.

الموصل في العصور الحديثة

سوق شعبي في الموصل

الحكم العثماني

استمر حكم الولاة العثمانيين للموصل كما شهد القرن الثامن عشر ظهور عائلة الجليلي التي سيطرت على مقاليد الحكم، كما حاول الصفويون بقيادة نادر شاه احتلال المدينة سنة 1734 بدون جدوى. وعانت الموصل من الويلات ومن أشهرها المجاعة التي دعيت "غلاء الليرة" سنة 1878 حتى أكل الناس فيها الحيوانات والجيف. وعانت من مجاعة أخرى في نهاية الحرب العالمية الأولى سنة 1917، التي دعيت "سنة الغلاء" نتيجة هزيمة الجيش العثماني في حربهم مع الإنگليز والذين دخلوا الموصل 1918 بدون قتال بعد الهدنة أثناء حملة بلاد الرافدين.

حسب گرترود بل، ضابطة مخابرات وباحثة البريطانية مشهورة عملت في العراق مستشارة للمندوب السامي البريطاني پرسي كوكس في العشرينيات من القرن العشرين، في روايتها عن تاريخ الموصل عام 1905:

تتميز مدينة الموصل بتاريخ مضطرب لم يتغير اي شيء من مواصفاته خلال السنوات القليلة الماضية، فهي تقع على الحدود بين العرب والأكراد، والتقابل بين هاتين المجموعتين نادرا ما تصاحبه مشاعر الأخوة او النوايا الحسنة من قبل كلا الجانبين. وتجثم على ولاية الموصل الكئيبة الكراهية والتولع بالمذابح كشرين متوارثين ينتقلان (إن جاز القول؟) عبر الأجيال المختلفة من الغزاة منذ أن تركت بواكير الجبروت الوحشي للإمبراطورية الآشورية بصماتها على الأرض.[7]

وقد توازعت المدينة صروف طموحات اسر عربية طموحة استمر حكمها حتى اقل من قرن مضى وكان لكل اسرة عقارها التي لاينافس سيادتها عليه احد. هؤلاء (صغار) اللوردات [ استخدمت بيل كلمة "لوردينكز" التي تعني اشباه او صغار اللوردات تصغيرا منها لوجهاء الموصل] كانوا يعاينون، بعدوانية بادية، لايشعرون ما يدعو لإخفائها، اليد التركية وهي تشدد قبضتها تدريجيا على الولاية [الموصل]. وليس ثمة مكان ستجد فيه الحركة القومية العربية، ان هي وصلت مرحلة إزدهارها، ارضا خصبة لتنهل من جداول الكبرياء [القومي] الذي لايعرف الحدود، كالموصل [وهنا تصيب بيل قلب الحقيقة فأهل الموصل هم ورثة الأمبراطوريات العسكرية العظيمة ولاغبار على صدق مشاعرهم القومية ومشروعيتها]. وعلى الرغم من قسوة الحكم العثماني ودمويته في هذه الأطراف النائية من ألإمبراطورية ، فإنه افضل من الهيمنة المطلقة للبيكوات العرب او الأغوات الأكراد . وإن كان للطوائف المسيحية المضطهدة في أكثريتها، او اليزيدية المظلومين أو الفلاحين البائسين من مختلف العقائد ممن يزرعون بذعر مالايجنون ، أن تحصل على الحماية والإزدهار، فإن عليهم أن ينظروا الى التركي. [ ترى بيل ان علاج المجتمعات المنقسمة طائفيا وقوميا و"طبقيا؟" لايتحقق الا بنظام حكم استبدادي يضمن جانبا من العدالة وهو اعتقاد يذكرنا بمقولة جمال الدين الأفغاني: لايصلح الشرق الا مستبد عادل]. فالتركي والتركي وحده يقدر من السيطرة على العناصر المتحاربة في امبراطوريته، وعندما يتعلم [التركي] كيف يستعمل قوته على نحو غير متحيز وباستقامة، فإن ذلك سيتمخض عن السلم..لكن هذا مستبعد حدوثه في الموصل..ولا يبدو انه بمنأى عن الموصل في اي وقت كما هو الحال في بداية سنة 1909. [سنة زيارة بيل للموصل].

وباستثناء المقارنة القائلة بأن بعد المسافة بين القسطنطينية وسالونيكا يعني مسارا اضيق لتدفق الأفكار الغربية [اي من سالونيكا "مقر جمعية الإتحاد والترقي"الى أسطنبول]، لا أعتقد ان هناك في الموصل معارضة محددة المعالم للنظام الجديد [الإتحادي في تركيا] منها في اماكن أخرى، هذا على الرغم من أن القوى الرجعية فيها [الموصل] كما هو الحال في أماكن أخرى في تركيا ألآسيوية [العربية في آسيا] متنوعة وقوية. إلا أن الموصل كانت ومابرحت ضد الحكومة دائما مهما كانت الأشكال التي تتخذها [وهنا تصيب بيل في رأيها ايضا فأهل الموصل قادة في طبعهم تجري في جوانحهم دماء أسلاف حكموا العالم وأسسوا الأمبراطوريات وشيدوا القلاع وعمروا المدن]، وبيكواتها [اي وجهاء الموصل وقادتها] كانوا يلعبون [يتعاملون] مع السلطات [الحكومات] كما تلعب انت مع سمكة علقت بالصنارة. [ يتمتع أهل الموصل بمهارات قيادية فائقة للعادة، ولهذا لايمكن أطلاقا فرض اي حكم عليهم ان لم يكن هذا الحكم منبثقا من اوساطهم أو برضاهم..ففي التاريخ القديم نسجل عددا من الثورات على السلطة المركزية، تكررت في التاريخ الحديث مع سلسلة الأنقلابات العسكرية التي قادها ضباط أشاوس من الموصل وأبرزها انقلاب عبد الوهاب الشواف]. كما أن كون الحكومات [المشرقية] ليست دستورية، مايفضي الى حماس أكبر ويجعل من الصنارة أكثر حدة [وإيلاما] . [تتابع بيل المجاز الذي وظفته في وصف تعامل اهل الموصل مع الحكومات].

وكانت شؤون اللجنة [جمعية الإتحاد والترقي- فرع الموصل] تدار على نحو سيء للغاية [تأسس فرع الجمعية في الموصل بعد اعلان الدستور الإتحادي عام 1908، والإنقلاب الذي سبقه على السلطان العثماني عبد الحميد الثاني واختير رئيسا او معتمدا لها السيد محمد الفخري]. وقد استقبلت هذه الجمعية الوفد المرسل اليها من سالونيكا بهدف تحديد مهماتها بالأحضان، وفي الحقيقة ان المدينة بأسرها خرجت في استقبال الموفدين وفي مقدمة الناس الوالي [مصطفى يحيى بك العابد] ووجهاء المدينة [خدع اهل الموصل بشعارات الجمعية الداعية الى الحرية و الاخاء والمساواة ولكنهم مالبثوا ان انتبهوا الى سياسات التتريك والإقصاء التي انتهجها ألإتحاديون فسعوا الى مقاومتها]. ولكن اختيار المبعوثين [من سالونيكا] الى الموصل لم يكن موفقا لأنهما كانا جاهلين يفتقران الى اللياقة أحدهما من اهالي [تركمان] كركوك المنافسة اللدود للموصل وكان يتصف بكل شيء باستثناء سمعة لاتشوبها الشوائب. فكانت النتيجة ان اللجنة المحلية [فرع الجمعية في الموصل]، لم تربح شيئا بل خسرت من جراء مجيء هذا الوفد الى الموصل. وعندما غادر هذان الموفدان الموصل عبرا الجسر بمفرديهما ومن دون ان يصاحبهما او يودعهما أحد أو حتى أن يلاحظ احد رحيلهما. فتلاشت مع مغادرة هذين الموفدين الامال الواهنة بتحسن الأوضاع الذي اثاره اعلان مباديء الحرية و الاخاء والمساواة، وتركت الساحة خالية امام البيكوات الذين فعلت تلك الكلمات فعل جرص عنيف في آذانهم: فالحرية العامة ليست منحة يثمنها الطغاة والمساواة تنفث روائح كريهة في مناخير رجال اعتادوا على مرأى شركائهم في الوطن من المسيحيين وهم يلوذون منذعرين الى اقرب مدخل بيت [ باب او مجاز يؤدي الى بيت] عندما يمرون راكبين عجلاتهم او خيولهم في الشوارع [الأزقة]..كما لايجد هؤلاء البيكوات عناءا في جعل الآخرين يشعرون بسخطهم او عدم رضاهم. وغالبا ما يتم تنظيم الإضطرابات [الفوضى والهيجان الإجتماعي] ليبلغ ذروة الإكتمال في الموصل. فالمدينة مليئة بالأشقياء ممن يعيشون على خرق القانون ، ويعيشون على افضل نحو. فمتى شاء وجهاء المدينة [بدافع الغضب] اثارة الفوضى، لايترتب عليهم سوى توصيل كلمة وعربون لهؤلاء الأشقياء فيحدث الشغب، ومن ترى يقع عليه اللوم في ذلك؟

فالبيكوات كلهم قد غادروا الى قراهم وليس لديهم يد في القضية. فقد كان ابو القاسم ذلك الشقي الشهير [أبو القاسم أو أبو جاسم هو غير أبو جاسم لر الذي ظهر على عهد اينجة بيرقدار محمد باشا وكان فتوة يمنع الجندرمة من احصاء الناس والدخول الى بيوتهم حرصا منه على عدم الإطلاع على النساء] ومعه ابن هذا وابن ذاك.. أما حول سبب حوادث [الشغب]، فليس من الصعب ايجاده، وفي هذه المرة حدث شيء في آخر ايام العيد الموافق الأول من كانون الثاني 1909. فقد خرج الناس الى الشوارع وهم في ابهى الملابس للإحتفال بالعيد عندما اقدم رجل [ثمل] من سرية البغالة في كركوك [الصوار اوالاسترسوار ] الكردية [ أنشأ محمد باشا بيرقداري منذ قرابة قرن سرية بغال مقرها كركوك تعرف بالصوارية، ولم تكن كردية على الأرجح.. واستمرت تلك القوة حتى العقد الأخير من ألأمبراطورية العثمانية] على التحرش "كما يقال" بإمرأة مسلمة من الموصل وبلحظة برزت الأسلحة وهاجم الجنود العرب الصوارية الكركوكلية، فنشب عراك استمر بضع ساعات.. وفي خضم الفوضى قتل وجرح العديد من النساء المسلمات كن قد خرجن للمشاركة في العيد ولم تتح لهن فرصة اللجوء الى بيوتهن. وتلك حادثة نادرة لم تشهد الموصل مثيلا لها. في تلك الأثناء كان الوالي جالسا يرتجف في السراي ولم يحرك ساكنا لإسترجاع النظام. وفي وقت متاخر من الليل عاد الكركوكلية الى ثكناتهم بعد استسلامهم نزولا عند نصح الحكومة وتسليمهم اسلحتهم.

وتلك حادثة كان من الممكن ان تطوى تحت طائلة التعبير الطبيعي عن العداء العنصري، غير ان حوادث اليوم التالي لايمكن ان تفسر باستثناء الذهاب الى الإفتراض القائل انها بسبب تحريض البيكوات. ففي الصباح احتشد لفيف من الناس أمام مبنى السراي وبدءوا بالهتاف مطالبين بالثأر من الصوارية الكركوكلية ممن [زعم انهم] كانوا ينتظرون المحاكمة من قبل الحكومة. فتردد الوالي بينما طالب زعماء الحشد الغاضب الناس بحمل السلاح..فلم يتأخر الناس بتنفيذ الطلب بسرعة الخائف المهدد بالخطر.. فأغلق اصحاب المحلات والبيوت ابوابهم واضحت المدينة في حال من الحرب الأهلية. في تلك الأوقات كان يعيش في الموصل شخص من السادة ألأكراد من أهل السليمانية الواقعة على الحدود الفارسية..ومنذ سنوات نشب خلاف بين الشيخ سعيد [البرزنجي] والسلطات العثمانية الإتحادية. وقد تنامى تأثير الشيخ سعيد فحصل على قوة كبيرة [في السليمانية] فأرسلت السلطة العثمانية في طلب حضوره الى القسطنطينية [اسطنبول]..فعد الدعوة نذير شؤم اسود ..مع ذلك سافر الشيخ سعيد الى العاصمة العثمانية ..وعند وصوله كان احد اولاد السلطان

.وعند وصوله كان احد اولاد السلطان [عبد الحميد الثاني] المفضلين مصابا بمرض عضال، ولما يتمتع به الشيخ من شهرة [على شفاء المرضى]، أرجئت معاقبته لكي يدعو الله بشفاء الطفل المريض. فتماثل الطفل للشفاء فرجع الشيخ مكرما الى مدينته [السليمانية] وحول عنقه مسبحة من اللؤلؤ لاتقدر بثمن وباتت شهرته اوسع. وكان الشيخ سعيد مسنا ومسالما، غير ان اولاده استغلوا مكانته فتاجروا بها وحولوا السليمانية الى بؤرة ساخنة لاتطيق احتوائهم فيها. ولما كانت الأسرة كلها [اسرة سعيد البرزنجي] في حماية السلطان عبد الحميد، تبين ان من الأفضل نقل الأسرة الى مكان تكون فيه تحت عين ممثل السلطان مباشرة اي الوالي، على ذلك وفدوا الى الموصل كأمراء في موكب نصر. فاكتظت شوارع الموصل بالبغال التي تحمل ممتلكاتهم ، وخصص البيت المقابل للسراي مسكنا لهم.[ الدار العائدة لمحمد باشا الصابونجي مقابل الأعدادية الشرقية والمجاورة لجامع الخضر [ع].

وسرعان ماتجمع الغوغاء مجددا مصطحبين اسلحة هذه المرة في الثاني من كانون الثاني [اليوم الثاني للعيد] حتى أعيد توجيههم [ لم تذكر بيل من الذي وجههم واستخدمت صيغة المبني للمجهول] الى بيت الأسرة الكردية. وكان الشيخ سعيد في ال 85 من عمره ولكنه يمتلك شجاعة قومه. عندما سمع الغوغاء يهرجون على باب بيته، أمسك بالقرآن وكان يرتدي ثوبين العمر والولاية [اي المكانة الروحية المميزة للسادة] وخرج الى الشارع في نيته اللجوء الى السراي الذي يقابل بابه باب داره. وكان الوالي يراقب المشهد من نافذة في السراي. ففسح الغوغاء الطريق امام الرجل الصالح حاملا القرآن في طريقه الى السراي، ولكنهم وقبل ان يصل باب السراي إنقضوا عليه وقطعوه اربا اربا ثم نهبوا بيته وقتلوا 17 من اولاده واقربائه..وإذا كان قادة الحزب الرجعي يريدون إحراج الحكومة وإبداء ضعفها، فإنهم حققوا بذلك [اي بتدبير مقتل الشيخ سعيد واسرته] نجاحا ساحقا. [يعد تحريك الغوغاء عبر التاريخ اسلوبا يختفي وراءه المحرض الحقيقي الذي يفلت من العقاب بينما لاسبيل الى معاقبة الغوغاء كونهم مجموعة غير معرفة من الناس تحركهم غرائز القطيع..والمشهد الذي حدث للشيخ سعيد البرزنجي ونجله الشيخ احمد وذويه، تكرر في اماكن عديدة في العالم عندما تسود الفوضى ويختلط الحابل بالنابل وقد تناول مؤرخو الموصل وبخاصة عبد المنعم الغلامي وأحمد الصوفي هذه الحادثة ووصفوا تفاصيلها وملابساتها غير ان بيل ترتكز في تحليلها للحادثة الى نظرية المؤامرة فتلمح الى ان الوالي كان من المتواطئين في قتله]..

وكانت الموصل خلال الأسابيع الستة التي انقضت [على الحادثة] قبل وصول القوات من دياربكر واماكن أخرى في فوضى عارمة. فقد كانت الاهانات [الشتائم] توجه للمسيحيين علنا في الشوارع بينما تقف السلطات المدنية والعسكرية مكتوفة الأيدي. كما لم تحرك جمعية الإتحاد والترقي [بفرعها في الموصل] ساكنا للحد من تلك التجاوزات. وعندما وصلت القوات تم استرجاع شيء من النظام إلا أن الحركة الرجعية مابرحت ماضية بلا كباح، فقد كان تنظيم [الجمعية المحمدية] التي اسست كنقيض ضدي لجمعية الإتحاد والترقي يحقق تقدما هائلا [تأسست الجمعية المحمدية فرع الموصل على غرار الجمعية المحمدية الأم في أسطنبول، عام 1908 وكان مقرها المدرسة الاحمدية في محلة باب السراي بالقرب من شارع النجفي وشرعت الجمعية بالتصدي للأتحاديين بعقد الاجتماعات والقاء الخطب والمحاضرات التي تؤكد على الشريعة الاسلامية ..لكن الاتحاديين عمدوا الى اغلاق الجمعية فتوقفت عن نشاطاتها في نيسان 1909]..وكانت تستقطب المسلمين من المدرسة القديمة [السلفيين] ممن يشعرون بالذعر من تأثيرات الروح الجديدة [العلمانية] على الشريعة ونهجها، وكانت تجذب الجهلة [ تنظر بيل الى المسلمين نظرة متدنية فتعدهم جهلة لمجرد اهتمامهم بالمحافظة على شريعتهم وموروثهم القيمي] ممن لايقدرون على استيعاب فكرة المساواة بين المسلمين والمسيحيين [تبنى الإتحاديون مباديء الثورة الفرنسية والحركات الماسونية في آيديولوجيتهم على الرغم من وجود ميول طورانية وعنصرية قوية لدى عدد من قيادييهم]..كما جذبت بقوة كل اولئك المعترضين على حكومة دستورية ولأسباب شخصية تتصل بقناعاتهم.

وقد ذهب احد كبار اعيان الموصل الى الأسواق ليجمع التواقيع من الموالين للمحمدية وكان الوضع احيانا خطرا للغاية وحساسا ..ولكن من الجدير بالذكر والملاحظة أن نقيب الموصل [حسن افندي النقيب]، والمفتي الأول [محمد حبيب العبيدي] رفضا بشدة التوقيع على اوراق الولاء للجمعية المحمدية أو التعامل معها بأي شكل من الأشكال [أعتقد ان سبب الرفض هو في كونهما يتمتعان بمكانة رمزية تجعلهما يمثلان جماعة اكبر على الصعيدين المدني والديني، ولما يمكن ان يتصل بالجمعية من سياسة واعمال عنف محتملة فضلا عن أن تأييد جماعة ما يعني استعداء خصومها].

وفي تلك الأثناء، تم تعيين وال جديد ومقتدر على ولاية الموصل [محمد فاضل باشا الداغستاني]، غير ان الوالي الجديد ذهب الى كركوك فورا حيث كانت الأمور على حال من التوتر وبيل العواقب بينما كان خرق القانون يسير صراحا في شوارع الموصل بدونما رادع او ضابط.. مما جعل الوالي يدرك المخاطر التي تهدد الولاية في العاصمة [عاصمتها الموصل] فاسرع سرعة ساعي البريد متجها الى الموصل ليبدأ عملية استرداد الأمن والنظام، فاعتقل وسجن عددا من الأشخاص ووجه توبيخات قاسية لعدد من الزعامات الإسلامية مع تأكيدات أن الحكومة ستعمل على حماية حقوق المسيحيين..وقد تكررت تلك التحذيرات وبلهجة متشددة بعد يوم من تنصيب محمد رشاد [هو محمد الخامس تولى الحكم بعد خلع اخيه عبد الحميد الثاني]، عندما انتشرت في الأسواق اولى أشاعات مذابح الأرمن في أدنة [شرع الترك بسلسلة مذابح راح ضحيتها الأرمن على مدى ثلاثة ايام بدءا من يوم 14 نيسان 1909، ثم استأنف الترك عملية قتل الأرمن في أواخر الشهر وكان مركز المذابح في مدينة أدنة وفي اماكن تواجد الأرمن في الأناضول وسورية وأماكن أخرى]..

وقد وضع سقوط عبد الحميد حدا عاجلا لحالة الهيجان [في الموصل]. ومن المرجح تماما ان الثورة المضادة في 13 نيسان [ حراك عدد من المؤيدين للسلطان عبد الحميد يؤيدهم رجال الدين ضد الإتحاديين في اسطنبول بهدف تثبيت السلطان في الحكم] لم تكن مفاجأة لمنظمي الجمعية المحمدية، غير ان التحرك السريع من قبل الجمعية في سالونيكا [جمعية الإتحاد والترقي]، [تحرك قوة ضاربة بقيادة مصطفى كمال اتاتورك من مدينة سالونيكا الى اسطنبول] لم يكن متوقعا. وكانت مجريات الحوادث كالاتي: بعد هرب النواب من القسطنطينية [اسطنبول] [حدث هروب النواب اثر الأنقلاب الحميدي المضاد في 13 نيسان 1909 او في 31 آذار حسب التوقيت الرومي المتبع في الأمبراطورية العثمانية في ذلك الوقت..وقام بالإنقلاب عدد من الوحدات العسكرية الموالية لعبد الحميد وطلبة الشريعة والدراويش والجماعات الصوفية واعضاء الجمعية المحمدية، وهدف الأنقلاب المضاد الى انهاء المرحلة الدستورية الثانية وإلغاء جمعية الإتحاد والترقي . وتأسيس حكم الشريعة وارجاع السلطان عبد الحميد الى السلطة الاوتوقراطية، مما دفع جمعية الإتحاد والترقي ومقرها سالونيكا الى ارسال جيش بقيادة مصطفى كمال الى اسطنبول]، استلم الوالي [والي الموصل] برقية تطالبه عدم تلبية أية أوامر ترد اليه من العاصمة [اسطنبول] - ولا أقدر ان أجزم بصحة هذه الرواية ولكني لا ارى انها غير محتملة- وكان الوالي مدعوما بقوة غير اعتيادية من القوات "التي كانت قد ارسلت لإخماد الإضطرابات التي اعقبت مقتل الشيخ سعيد"، وكانت القوات الموجودة في تركيا كلها موالية للدستور.

وكانت مدينة الموصل تنتظر بقلق متنام مع تواتر وصول البرقيات يوما إثر آخر حول تقدم الجيش من سالونيكا الى القسطنطينية .. كما لم يكن سرا وصول برقية من بغداد يعرض فيها والي بغداد تقديم المساعدة الفورية للحزب الدستوري [الإتحادي]. ثم وعلى حين غرة، وصلت انباء خلع [السلطان]عبد الحميد..وبإستثناء السكان العاديين وبإستثنائي في الطريق العالي [أو الشرفة العالية، تقصد انها مطلعة على معلومات استخبارية من الدرجة الأولى بحكم مركزها في المخابرات البريطانية]، فإن الحدث [خلع السلطان] كان نصف متوقع...وهكذا كان الحال عندما وصلت الى الموصل وجدت المدينة، وهي أحدى أسوء المدن إدارة في الإمبراطورية العثمانية، مستكينة وهادئة.

وفي اسبوع من بقائي في الموصل، لم تصلنا معلومات باستثناء اشاعات غير واضحة حول حادثة ادنة [مذابح الأرمن]، وحتى انباء تنصيب محمد الخامس في محل اخيه وردتنا من مصادر تركية رسمية ، ونحن لانقدر ان نتأكد فيما ذا كانت القوى الأوربية او اية منها قد اعترفت به من عدم ذلك . والمصادر الرسمية التركية لاتصدق احيانا، فالمناطق الواقعة في منأى عن نبع الحقيقة النقي قليلة جدا ولا نستثني منها شرقي تركيا [يبدو ان بيل تعد الموصل التي كانت جزءا من تركيا الآسيوية جانبا من شرقي تركيا وانها تستخدم تركيا والدولة العثمانية كوحدة جغرافية واحدة]، بل ربما كانت هي الأبعد [عن نبع الحقيقة النقي]. مع ذلك فإن السفارة البريطانية في القسطنطينية ترى ان من غير الملائم ابلاغ وكلاء قنصلياتها في تركيا الآسيوية بتولي سلطان جديد الحكم في القسطنطينية. [ وارجح ان السفارة البريطانية كانت مطلعة على مخططات استخبارية تتجاوز الحوادث التكتيكية الى التحولات الكبرى نظرا لنشاط اللورد كرزون ولقاءاته بأتاتورك في تلك الأثناء وهي محاورات مهدت لخطط تشكيل تركيا الكمالية و اقتسام الشرق الأوسط لاحقا]. وبودي ان اترك هذه الملاحظة بدون تعقيب. [اي لعدم اهمية الجزء الظاهر من جبل الجليد مما جعل السفارة البريطانية تنتظر وتفضل عدم اطلاع نواب سفاراتها المحليين بتطورات لم تنته بعد].. ولكن اذا ما كنا نحن في الموصل غير مطلعين على مجريات الحوادث في اوربا، فلدينا مع ذلك، فرصا ثمينة في تقويم الأوضاع المحلية. ففي الموصل لم يرفع احد صوته ضد الإنتصار الثاني للنظام الجديد [دخول الإتحاديين اسطنبول وخلع عبد الحميد الثاني]. وفي الغياب المطلق للمبادرة المميز للمقاطعات ألآسيوية، لجأ الناس الى عزو مايحدث للقضاء والقدر وقد عزز الجيش هذا الإعتقاد عند الناس. أما بخصوص احتمالات ما إذا سيكون هذا الإنتصار الثاني اطول عمرا واكثر حسما من الأول فتلك مسألة مفتوحة [على الإحتمالات كلها].

وادت الأوضاع بالناس الى البقاء في بيوتهم محاكين بذلك بعض البيكوات الاقوياء ممن يريد ان يتمتعون بثرواتهم الهائلة بسلام ويكونون على استعداد على دعم السلطان الجديد بكل قلوبهم، ولكنهم تراجعوا خوفا من احتمال الا تكون الحكومة الجديدة قوية بما يكفي لحمايتهم ضد اخوانهم الفقراء [تقصد الطبقات الفقيرة والجائعة التي قد تثور وتعمد الى نهب الأغنياء كما حدث في اعقاب ثورة الشواف في الموصل]. وعبثا ماقام به الوالي بملئه السجون بالأشقياء [الشقاوات والفتوات] لأنه يعرف مسبقا بانه إذا ما قدمهم للمحاكمة ، فإن أحدا لايجرؤ على الشهادة ضدهم. بينما اضحت السجون مكتظة على نحو خطير.

ومن غير شك كان هناك بعض المشاعر المؤيدة لعبد الحميد، إلا انها نادرة. وكنت قد تعرفت على مواطن من اهل الموصل وهو نموذج ممتاز للمدرسة القديمة [ الطبقة المحافظة والملتزمة في الموصل] يبدو ان من المستحيل بالنسبة لمثله الا يشعر بالتعاطف [مع عبد الحميد] على الرغم من معرفتي به بأنه كان احد المحرضين على قتل الشيخ سعيد: كان هذا الرجل يتابع من غرفة في السراي اعلان محمد الخامس [سلطانا جديدا للأمبراطورية].وعندما شاهد الجندرمة وهم يمزقون ويسحقون تحت اقدامهم الفرمانات التي تحمل توقيع عبد الحميد، ولم يكن بصحبته سوى الشخص الذي اوصل الي هذه المعلومات، القى نفسه على الأرض [ارضية السراي] وبكى وقال: "الكلاب..البارحة كانوا سيتفاخرون لو ان اسمائهم مكتوبة بالنفس نفسه الى جانب اسمه". وبالنسبة لي أرى انه اليوم أفضل تحصينا ولديه الوقت لأسترجاع توازنه [السياسي] غير أنه كان يتنبأ الخراب والدمار والثورة والشرور كلها لبلاده [لم تحدد بيل مقصدها من بلاده في حديثها عن هذا الشخص الذي قد يكون الوالي او شخص آخر بمنزلته، ولاندري ان كان المقصود الدولة العثمانية ام العراق ام الموصل].

فسألته [اي الموصلي الذي قالت انها تعرفت عليه]:

- ألا يوجد هناك علاج [حل]؟ - إذا كان المنبع "راس العين" نقي، يكون النبع "المجرى" او "الجدول" نقي. رد بانفعال. سألته: - وهل كان المنبع نقيا؟ فتردد قليلا وقال: - لاوالله والنبي، حتى الملك يجب أن [لازم] يطلع على اوضاع الرعية يراهم [يغشعم] ويسمعهم [ويسمعم]. يجب عليه [لازم] ألا [ما] يجلس مسجونا [يقعد محبوس] في منزله [اببيتو] يستمع [يسمع] لأحاديث الجواسيس [كلام الجويسيس].

كما أعرف موصليا آخر يختلف اختلافا جذريا عن الشخص الأول، وهو احد اكبر اغنياء المدينة واكثرهم شرا، كان عبدا بالولادة. ولعله لايجلس في صحبة سيده السابق، على الرغم من ان سيده هذا لايمكن له باي حال ان يضاهي بالثراء عبده المعتوق. سألته ان كانت هناك اية قوة تسند الحركة العربية [كانت المشاعر القومية العربية في الموصل قوية كما تبين من المضاهرات المناهضة للإستعمار الإيطالي لليبيا والكتابات الصحفية شديدة اللهجة المؤيدة لوحدة العرب واستقلالهم]. فرد بحماس:

- على الخليفة ان يكون من قبيلة قريش! - فمن سيكون الخليفة الذي سيتم اختياره من قريش؟ فجاء رده: - شريف مكة نسبه من قريش والعرب يجب ان يحكموا انفسهم!

ثم تركني لأتفكر بكلماته لأني كنت عارفة تماما بإنه [لم تحدد الشخص بالضمير الذي يشير اليه هل هو شريف مكة ام الشخص الذي كانت تحدثه] اذا اختار ان يساندهم بالقوة [لم تحدد ضمير المفعول به من "يساندهم" وأرجح ان المقصود هو القوميين العرب في الموصل] ، فإن كل الأشقياء الذين تضج بهم المدينة سيكونون تحت امرته ولاسيما وانه يعرف المكائد والمكائد المضادة كلها في الولاية.

وجلست وقتا طويلا في غرفة ضيوف شخص ثالث من معارفي، وهو رئيس أعظم عوائل الموصل. وهو من نسب رفيع لاشائبة عليه بحيث بقيت شقيقاته عازبات لأن الموصل لاتقدر ان تقدم زوجا يرقى الى مقام العائلة رفعة ونسبا. وكان اسلاف هذا الشخص مسيحيين هاجروا من دياربكر منذ قرنين..وتجري الروايات على ان جده المسيحي حالما جاء الى الموصل ذهب في الصباح الى حلاق ولكنه عندما وصل دكان الحلاق وجده مكتظا بالزبائن من عامة المسلمين ..فلم يعر له الحلاق اهتماما خاصا وابقاه منتظرا حتى يكمل رؤوس المسلمين: فهتف قائلا: " هل على رجل في مقامي ان ينتظر لمثل هؤلاء؟" فاعلن فورا رفضه لعقيدة العبيد [لم تحدد بيل ماهي عقيدة العبيد ولعلها تقصد المسيحية لأن المقصود كان مسيحيا ثم اعتنق الإسلام ]. وكان حفيده احد اولئك الذين سيشعرون بابتهاج ازاء رؤية النظام الجديد ينتصر ويوفر السلام للبلاد..فدعى بالنقمة على رأس احمد عزت باشا [أحمد عزت باشا (1864-1937م) هو قائد عسكري عثماني، كان من اواخر من حمل الصدارة العظمى للدولة العثمانية وهو غير أحمد عزت باشا العمري الموصلي.]، أحد اسوء بطانة السلطان [عبد الحميد] ثم صب لعناته على شقيقه مصطفى الذي كان في وقت مضى واليا للموصل [تولى مصطفى باشا ولاية الموصل للفترة 1905- 1908ويعود الفضل في تعيينه واليا للموصل الى نفوذ اخيه في البلاط العثماني]. ثم قال " لو بقي سنتين اكثر في الولاية لخرب المدينة، غير ان كراهيته لعزت باشا لم تعمه عن متطلبات الإحترام الواجبة فقد تمكن [أحمد] عزت [باشا] بمهاراته الفائقة على الإقناع باغواء صديقي ليقدم له قطعة ارض ثمينة. وبعد شهرين هرب [أحمد] عزت باشا بعد سقوطه في عين السلطان خوفا من الإعدام من القسطنطينية إلا أن البيك لم يرجع في كلمته [بخصوص الأرض التي منحها لأحمد عزت باشا] عندما اصبح عزيز القوم ذليلا يعجز عن ارغام البيك على تنفيذ كلمته [منحه الأرض التي تعهد له بمنحها] وبذلك يتصرف البيك حسب تقاليد النبل التي تصف اسرته [استخدمت بيل عبارة فرنسية مفادها أفعال من تلد الكرام كريمة]. [تضمنت حاشية عبد الحميد العديد من العرب عام 1908، وبدلا من توجيه اللوم بالمشكلات التي تعصف بالبلاد الى عبد الحميد نفسه وجهت الإتهامات الى كبير مستشاريه أحمد عزت باشا العابد الذي وجهت اليه تهم كثيرة بينها تسهيله أو عدم منعه لعدد من اعضاء الأتحاد والترقي من الهرب خارج البلاد، مما ارغم احمد عزت باشا على الهرب ومعه عدد كبير من العرب في القصر والولايات فاتجه احمد عزت باشا الى الموصل].

كما غنمت فرصة المحادثة مع العديد من القساوسة. وهم في الموصل كثرة لايمكن معها تشكيل انطباع منفرد عن كل منهم. ويتناسب عدد القساوسة مع الطوائف المسيحية المختلفة التي يمثلونها فهي مثل رمال ساحل البحر، ولكن فيما افكر بالسفر في مناطق تقيم فيها هذه الطوائف فلابد من استيعاب الأسماء التي تميز هذه الطوائف أحدها عن الخرى على الأقل. اما فيما يتعلق بالفروق الجوهرية [المذهبية او العقيدية] فتلك تتصل بالمفاهيم والافتراضات الميتافيزيقية التي ليس في امكاني الخوض في تفاصيلها. واكثر تلك الطوائف اثارة للإهتمام من الناحية التاريخية جماعة مار شمعون، الذين كنت قد التقيت بعدد منهم في الطريق. ويعرفون في الوقت الحاضر بالنسطوريين على الرغم من ان هذه التسمية لاتصفهم، كما لاحظ لايرد، بصورة صحيحة. فاتباع المار شمعون هم اعضاء الكنيسة الكلدانية القديمة. وعنصرهم على الارجح هو الأقرب للعنصر الاشوري النقي كما لنا ان نتوقع في منطقة تعرضت للعديد من الغزوات والخراب والتوطين والهجرات.[ تعد المناطق الآشورية في شمالي العراق وشماله وفي شرقي العراق وشرقه من اكثر المناطق تعرضا للإختراقات الإثنية والغزوات والهجرات من قبل الشعوب الآرية والتركمانية عبر التاريخ، مع ذلك حافظ الاشوريين على خصائصهم الإثنية والعرقية والحضارية على الرغم من زوال امبراطوريتهم في 612 ق.م.] اما كنيستهم فقد تأسست قبل ولادة نسطوريوس ولا صلة لتعاليمها به.[تشير بيل الى كتاب ادجار توماس ويغرام الكنيسة الآشورية، وللكاتب ايضا " آلاشوريين وجيرانهم"، و"مهد الإنسانية: الحياة في شرقي كردستان"].ومباديء الكنيسة الآشورية هي مباديء المسيحية القديمة التي لم تخالطها تاثيرات روما. وعقيدتها مع فروق تعبيرية غير مهمة مستمدة من نيقيا حيث نأى الكلدان بانفسهم بعد مؤتمر افسوس الكنسي عن الطوائف المرتبطة بالبابا والخاضعة لسلطته. وهم من الناحية السياسية لا يعيشون تحت السيطرة البيزنطية بل في الامبراطورية الساسانية. وحملت بعثاتهم التبشيرية المسيحية عبر آسيا من بلاد الرافدين وحتى المحيط الهادي. ويطلق على البطريارك عندهم وحتى الوقت الحاضر اسم كاثوليكوس الكنيسة الشرقية [الجاثليق] وكان مقره في البداية المدائن عندما اصبحت بغداد عاصمة للخلافة وعند سقوط بغداد، انتقل مقر البطريرك او الكاثوليكوس الى الموصل. وفي القرن السادس عشر حدث انشقاق ادى الى وجود بطرياركين بدلا من واحد. احدهما يقيم في رابان هرمزد بالقرب من القوش، والآخر يقيم في كوشانيس في الجبال جنوبي بحيرة وان.. وقد خضع الأول منذ قرنين لسلطة البابا، ويعرف اتباعه بالكلدان. ويقال انهم حملوا النير الروماني على الرغم من ارادتهم. والثاني هو البطريرك الوحيد الممثل للكنيسة الشرقية المستقلة التي يطلق عليها [على سبيل الخطأ] اسم الكنيسة النسطورية. ومركز البطريرك في هذه الكنيسة ينتقل بالوراثة من الخال الى ابن الأخت في الأسرة نفسها لأن البطريرك يحرم عليه الزواج. وتطلق على حامل المنصب دائما تسمية المار شمعون [مما يتسبب في خلط الروايات التي تنسب الى مار شمعون لعدم تحديد التسمية بمار شمعون الأول فالثاني وهكذا دواليك]. ويسود الإعتقاد القائل بأنه اذا ترتب على حكومة جديدة ان تنجح في فرض النظام، بحيث يتم الإستغناء كليا عن حماية دولة اجنبية، يتوجب على المسيحيين الكلدان [ممن يتبعون روما] هجر ولائهم للبابا واعلان ولائهم لكاثوليكوس الشرق).

حملة بلاد الرافدين

تأخر المضي بالحملة في بلاد الرافدين قدماًَ في ربيع عام 1918 بسبب ضرورة حماية شمالي بلاد فارس من هجوم تركي محتمل، إلا أن هزيمة الترك في غزة في خريف 1917 أنهى خطر قيام الترك وحلفائهم الألمان بهجوم على بلاد الرافدين، ويسر على القوات البريطانية احتلال خانقين، أي استئناف الحملة في بلاد الرافدين، في ديسمبر 1917 وفي مطلع مايو 1918، تم تحقيق المزيد من التقدم.[8]

قد كان القائد العام السير وليم مارشال الذي أعقب السير ستانلي مود بعيد وفاته في نوفمبر 1917 [9]، يأمل أن يصل الزاب الأسفل قبل تصاعد حرارة الجو ثم يشرع من ذلك الموقع الممتاز بالتوجه الى الموصل في موسم الخريف. وهكذا فقد تم احتلال كفري والطوز (طوزخرماتو) وكركوك بنجاح، كما استقبلت القوات البريطانية بحفاوة من قبل الأهالي وهم باستثناء كركوك أكراد في معظمهم.

مقبرة گرترود بل بلد في الوزيرية، حيث دُفنت فيها گرترود بل ومن بعدها القائد العام البريطاني ستانلي مود.

وقد عمل حميد بك طالباني في منطقة كفري بتكريس جهوده في صالح البريطانيين [10]، وسكان كركوك في أكثرهم من الدم التركي، وليس العثماني، كونهم يعودون بجذورهم الى المستوطنين التركمان، الذين وفدوا إلى العراق في عصر السلاجقة. مع ذلك فإن تأسيس الوجود البريطاني لم يمر بحالة أفضل وأكثر ارتياحا في أي مكان منه وسط هذه الأقوام [11] أما العنصر المسيحي المعتبر فقد رحبوا بالبريطانيين بحماس وتعاون المسلمون معنا بإخلاص في تنظيم المدينة[12].

وإلى الغرب في كردستان السورتي[13] فقد تم عقد اجتماع ضم الشيوخ (الأغوات) والأعيان في السليمانية واتخذ قرار بتشكيل حكومة كردية مؤقتة يترأسها الأغا المحلي المعروف الشيخ محمود البرزنجي[14] على ان تتخذ موقفا وديا تجاه البريطانيين.

البريطانيون في بغداد 1918.

وكان الشيخ محمود قد أرسل رسائلا زعم فيها أنه يمثل الأكراد الجنوبيين وعرض على البريطانيين زمام الحكومة أو أن يقوم بتمثيلهم في حكومة. وسيان بالنسبة للعسكريين أو للأطراف المدنية في القوة البريطانية فقد كانت خيبة أمل مرة عندما يكون من المستحيل الإستفادة من وضع واعد كهذا.[15] وقد بات تحويل وسائط النقل المتوفرة كلها إلى الطريق الفارسي [16] لا يحول دون أي تقدم للقوات البريطانية، بل أرغم البريطانيين على التخلي عن كركوك. وقد أعطى البريطانيون السكان المسيحيين في المدينة خيار مغادرة المدينة إلى ملاذ آمن في بغداد، فإختارت أعداد منهم مغادرة أراضيهم وبيوتهم في كركوك ليقوم الأتراك الذين قاموا باحتلال المدينة بنهبها بعد مغادرتنا لها، بينما زحفت قوة عثمانية صغيرة باتجاه السليمانية حيث قام البريطانيون بتعيين الشيخ محمود ممثلا لبريطانيا هناك. فقام الأتراك بوضع مدينة السليمانية تحت الأحكام العرفية وأرسال الشيخ محمود الى كركوك. لكن الأتراك، على أية حال، لم يغامروا في التسبب في إثارة القبائل التي يمثل الشيخ محمود رئيسا لبضع عوائل فيها ويمارس تأثيرا كبيرا عليها فعمدوا إلى اطلاق سراح الشيخ محمود فورا.


احتلال كركوك

بل ولورنس.
سلاح الفرسان الهندي يدخلون كركوك 1918.
المشاة في وقت الراحة بعد دخولهم كركوك.

وقد أدى انسحاب البريطانيين من كركوك إلى تغيير حتمي في التوازن في كردستان، ولكن الأتراك كانوا قد بلغوا دركا من الضعف لا يقدرون معه الإستفادة من الفرصة التي وفرها انسحاب البريطانيين لهم. غير أن انتصار الحلفاء في فرنسا، معركة برودسيندا في 4 أكتوبر 1917، وانتصار الجنرال اللنبي في سوريا في أكتوبر، معركة غزة الثالثة في 31 أكتوبر 1917، أعادا التوازن لصالح البريطانيين. مع ذلك فإن القوات البريطانية في بلاد الرافدين مازالت معرقلة بسبب النقص في وسائل المواصلات، وليس بمقدورها التقدم بقوات كبيرة الى الموصل بطريق كركوك..إلا ان وحدة صغيرة تم ارسالها صوب التون كوبري [17] لحماية جناح القوات الرئيسة المتقدمة شمالا بمحاذاة دجلة. فتم للقوات البريطانية احتلال كركوك مجدداً في 25 أكتوبر. وبعد مواجهة عنيفة أرغمت الأتراك على مغادرة مواقعهم المستحكمة في وادي دجلة أسفل قلعة الشرقاط وقد تم اعتراض قواتهم من الشمال فاستسلمت القوة بأكملها في 30 أكتوبر. وفي تلك الأثناء تمكنت القوة الشرقية المرسلة إلى التون كوبري من إرغام الأتراك على عبور الزاب الأسفل في الوقت الذي أضحت فيه قوة دجلة، القافلة الرئيسة، على بعد بضعة أميال من الموصل.


احتلال الموصل

بل في نزهة مع الملك فيصل.

وكان القائد العام التركي علي إحسان پاشا، قائد الجيش السادس التركي، الذي بقي في الموصل مع عدد قليل من القوات قد أمر بإخلاء المخازن والسجلات كلها، ولكن في الأول من نوفمبر تم الرجوع عن هذه الأوامر فأعيدت السجلات ورجع الموظفون إلى دوائرهم من نصيبين وزاخو ومن حيثما كانوا قد ارسلوا. وبعد عدة أيام من التفاوض حول ما اذا ترتب على علي احسان باشا الإستسلام وفق بنود الهدنة. وكانت اوامر قد وصلت من القسطنطينية حول إخلائه. فاحتلت الموصل من قبل القوات البريطانية ورفع العلم البريطاني فوق بناية السراي في 8 نوفمبر. [18] وفي العاشر من نوفمبر، غادر علي إحسان إلى نصيبين وتولى مهام ادارة الموصل اللفتنانت كولونيل جيرارد لجمن بصفته أول ضابط -حاكم سياسي لولاية الموصل.

غير أن المستقبل السياسي للولاية الموصل لم يتضح بعد، فوفق إتفاقية سايكس – بيكو لعام 1916، التي يعدها الفرنسيون ملزمة بغض النظر عن التحول الجوهري للأوضاع التي تم عقدها خلالها بسبب الثورة الروسية، تقع ولاية الموصل بأكملها ضمن مجال النفوذ الفرنسي. وعلى هذا الأساس صدرت من حكومة جلالة الملك تعليمات بضرورة عدم شمول الموصل بنظام الحكومة المركزية المعمول به في ولاية بغداد.

ويتوجب وضع [19] الموصل تحت إدارة عسكرية [20]. ولكن وبغضون أشهر ساد التفاهم ضمنا أن الإتفاقية، اتفاقية سايكس – بيكو، يجب أن تعدل بما يتعلق منها بولاية الموصل، على ذلك تم دمج الإدارة المدنية فيها بإدارة القسم الجنوبي من الأراضي العراقية المحتلة.

الوضع في الموصل

البريطانيون بعد احتلال الموصل 1918.

من الناحية الجغرافية، تطرح ولاية الموصل متناقضات معينة لولاية بغداد. فهي تقع شمالي جبل مكحول الذي يعد امتدادا لجبل حمرين والطريق إليها يمر عبر مسافات طويلة من الأراضي الحجرية وهو تغير محبب بعد الطمي الرسوبي الممثل لجنوبي بلاد الرافدين. ومن الجهة اليمنى لدجلة أي في الجزيرة، نجد ان الريف بأكمله ارض متموجة لاتقطعها سوى كتلة جبل سنجار. ومن الضفة اليسرى، الجانب الأيسر لدجلة، تمتد السهول على مسافات متنوعة بدءا من النهر حتى حافات الجبال الكردية. وتقدم السلاسل الأقرب الى المدينة من خلفية المشهد المنظور اليه عبر النهر من مدينة الموصل منظرا محببا لدى المشاهد الذي اعتاد على السهول الجنوبية لبلاد الرافدين. ولايرتفع اعلى جبال تلك المنطقة اكثر من 7000 قدم ولكنها شديدة الإنحدار وجرداء. وتشكل السلاسل المنفصلة وديان ضيقة ومتباعدة يترتب على الطرق فيما بينها اما ان تتسلق معابر عسيرة او تتبع طرقا وديانية متعرجة. وفي التلال تتوفر المياه في اكثرها على مدار السنة اما الوديان فمكتظة بأشجار الفاكهة كالكروم والجوز واللوز وشجر الحور والصنوبر.. وتكثر على جوانب الجبال اشجار البلوط المتناثرة متمعجة الاغصان. ولكن في الجزيرة نجد ان المياه الوحيدة توجد في تلعفر وفي العيون المتدفقة في سفح جبل سنجار وعدد قليل من الينابيع، ومعظمها، كبريتي، تنتشر في خط التلال الممتد من القيارة وحتى تلعفر..وهذه الينابيع هي السبب في ثروة تلعفر.وتجري المياه الباقية غير المستعملة بالزراعة من سنجار في منحدر الثرثار على نحو مواز لدجلة لتصب في المستنقعات المالحة شمال – غربي بغداد. ومياه وادي الثرثار وينابيع الصحراء كلها كانت منذ القدم وحتى الآن مالحة [21]. وفي الضفة اليمنى من وادي الثرثار تبرز آثار المدينة القديمة الحضر، وتعد الأراضي في تلك المنطقة أراض رعي شهيرة لقبيلة شمر الجربا حيث تكثر عيون المياه المالحة في انحائها، وفي سهول الضفة اليسرى لدجلة تنتشر قرى تحتضن عيون مياه عذبة تيسر الزراعة في موسم الصيف، ولكن ثروة الضفة اليسرى الزراعية تعود الى وفرة المياه التي يغدق بها عليها نهر دجلة فضلا عن نهري الزاب الأعظم والخابور. وتنمو أشجار الحور والصفصاف على ضفاف الأنهار..ولكن السهول المتبقية جرداء من الشجر، ولاوجود للنخلة في الأراضي الواقعة شمالي منخفض الفتحة[22]، ويوجد النفط والقير والفحم في المنطقة وكذلك نوع من المرمر الرمادي الناعم سهل القطع يستخدم كثيرا في المباني ويحفر بنماذج زخرفية تميز معمار المنطقة ويزين الجوامع والكنائس والبيوت الراقية.

النظام الاداري

قسم النقل بالجيش الهندي في الشارع الجديد ببغداد أثناء دخل القوات البريطانية المدينة في 11 مارس 1917.

ومن جانب آخر نجد ان اعادة تنظيم الإدارة اسهل في الموصل منه في أماكن أخرى..فبينما لم نجد في البصرة وبغداد سجلات مدنية سابقة وكان موظفوا الحكومة التركية قد انسحبوا منهما مع الجيش، وجدنا في الموصل السجلات المدنية كلها متوفرة وكذلك معظم الموظفين. وفي اواخر تشرين الثاني قام الكولونيل لجمن بزيارة تلعفر وسنجار وزاخو والعمادية ودهوك وقرية بيرة كبرا وعقرة، فرأى في كل تلك الأماكن العلم التركي مرفرفا وكان في معظمها جندرمة وموظفين أتراك..فعمل على صرف الموظفين والجندرمة الأتراك وأمر بإنزال الأعلام التركية ثم قام بتعيين ضباط سياسيين (اداريين) مساعدين في تلك المناطق الخاضعة لإحتلالنا. والمنطقة باستثناء سنجاق السليمانية كانت تشكل ولاية عثمانية، وسكانها أكثر تنوعا منهم في اي مكان آخر في العراق.

وسكان حوض دجلة وصحراء الجزيرة هم قبائل عربية منها المستقرة ومنها نصف المتبدية ممن اختار زراعة الأرض، أو حافظ على بداوته كما في قبيلتي شمر وطي. وفي الجبال، اخلى العنصر العربي، من سكنة السهول، مكانه للعنصر الكردي. أما في الصحراء الى الغرب، حيث يرتفع جبل سنجار الطويل وكأنه ظهر خنزير بري يبرز فجأة بما يتنافر مع عالم بلاد الرافدين بأرضها المستوية حيث يوطن اليزيدية الذين نجدهم في شمال – شرقي الموصل أيضا منحدرات هذا الجبل وشقوقه.

الموصل في العهد الملكي الهاشمي

انتقلت الموصل إلى عهد الحكم الأهلي سنة 1921 تحت ظل الانتداب البريطاني، وظلت مدينة الموصل ورقة رابحة بيد الإنكليز للمساومة على الانتداب في المفاوضات التي جرت لتحديد خط الحدود بين العراق وتركيا، بالضغط على الحكم الملكي القائم لقبول صك الانتداب. ورفض اهالي الموصل خلال الاستفتاء الذي اجرته لجنة خاصة الانضمام إلى تركيا، ودافعوا عن عروبتهم وتمسكهم بتراب العراق، وكان من ابرز المقاوميين مجيد سليم الحاج ياسين والمناضل القومي الشيخ محمد رؤوف الغلامي ومجموعة كبيرة من أبناء الموصل النجباء الذين قاموا بدور كبير في الحفاظ على إسلام وعروبة مدينة الموصل ومنهم على سبيل الذكر لا الحصر ثابت عبد النور وإسماعيل فرج ومحمد نذير الغلامي وسعيد ثابت وغيرهم. وظلت الموصل في ظل الحكم الملكي حتى قيام ثورة 14 تموز 1958 التي أطاحت بالحكم الملكي.

شهدت هذه الفترة حوادث مهمة في تاريخها منها انتفاضة الجيش في سنة 1937م، بعد اغتيال الفريق بكر صدقي رئيس أركان الجيش في مطار الموصل ورفضت تسليم ومحاكمة الضباط المسؤولين عن الحادثة، مما انتهى بإجبار الحكومة على الاستقالة وأعفاء الضباط من المحاكمة. وكذلك حادثة اغتيال القنصل البريطاني في الموصل بعد قتل الملك غازي في حادث نعت بأنه "مدبّر من قبل الإنكليز". وشاركت الموصل في ثورة رشيد عالي الكيلاني سنة 1941.

الموصل في العهد الجمهوري

عانت الموصل من اضطهاد كبير في عهد عبد الكريم قاسم من الشيوعيين، وقتل عدد كبير من ابنائها الذين اشتركوا في ثورة الشواف سنة 1959م، وتم سحلهم في شوارع المدينة وعاشت الموصل خلال هذه الفترة في فوضى وخوف دائم وتوقفت الحركة العمرانية والتجارية، وكانت المدينة تغلق أبوابها مع غروب الشمس ويلجأ الناس إلى بيوتهم خائفين وغير آمنين على حياتهم.

الموصل بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003

في 20 مارس 2003، بدأت الولايات المتحدة الأمريكية حربها مع العراق بمساندة دول أخرى من أبرزها المملكة المتحدة. عانت فيها العديد من مدن العراق الدمار جراء المواجهات العنيفة بين الأطراف العديدة المتحاربة.

سقطت المدينة بأيدي القوات الأمريكية بعد قصف عنيف في يوم 11 أبريل 2003 بعد أن أنسحبت قوات الفيلق الخامس للجيش العراقي، وبعد يومان من سقوط بغداد. كانت قوات البيشمركه الكردية أحد الأطراف المتنازة ضد نظام الحكم العراقي آن ذاك، حيث قامت بدخول الموصل ومحاولة السيطرة على بعض أجزائها. وأنسحبت القوات الكردية مجبـرة وكانت تعد الحكومة الأمريكية بأنها ستترك المدينة، وأستبدلت بقوات أمريكية. وفي 15 أبريل 2003، قامت القوات الأمريكية بإطلاق النار على مقاومين لوجودهم مما أدى إلى مقتل عشرة مدنيين وجرح العديدين.

في يوم 22 يوليو 2003، قامت قوات التحالف بالهجوم على حي سكر وقتل أبناء الرئيس العراقي السابق عدي وقصي اللذان كانا في مدينة الموصل.[23]

عانى سكان الموصل الكثير بسبب الصراع في المدينة بين الجيش الأمريكي والجيش العراقي من جهة والميليشيات والعصابات من جهة أخرى. كما تعرض العديد من متعليمها ومثقيفها إلى عمليات اختطاف وابتزاز واغتيال، الأمر الذي أدى إلى تهجير العديد من مواطنيها إلى مناطق أخرى خارج الموصل أو خارج البلد.

في ديسمبر 2007، تم إعادة فتح مطار الموصل. وقامت طائرة للخطوط الجوية العراقية بحمل 152 من الحجاج إلى بغداد، وكانت هذه أول رحلة تجارية بعد أن أعلنت الولايات المتحدة في عام 1993 أن الموصل هي منطقة لا-طيران.[24]

في مارس 2008، قامت بعض العصابات المسلحة بخطف وقتل بولص فرج رحو، مطران الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية في الموصل، الأمر الذي أدى إلى مظاهرات وتنديد من قبل العديد من الفرق والحكومات.

الديموغرافيا

الفيالق الهندية تقيم مسرحاً في الكوت، 1917.

ويبلغ عدد اليزيدية الذين يتحدثون الكردية ولعلهم من تحدر كردي ايضا بضعة 18.000 الى 20.000 في هذا القسم من العراق. وقد جاء هنري لايرد على وصفهم على نحو مثير للإعجاب، فكان يتعاطف كثيرا معهم بسبب تعرضهم للإضطهاد من قبل المسلمين والمسيحيين على حد السواء. فقد شاع عنهم انهم عبدة الشيطان الذي يسمونه ملك طاووس. إلا أن وصفا منصفا لهم يضعهم في خانة الثنوييين الذين اخذوا معتقداتهم عن الزرادشتية بطريق المانوية. فهم يحترمون روح الشيطان ويعتقدون بأنه ملاك ساقط وأنه في زمن ما في المستقبل سيسترد مكانته الأولى يعاد ليصبح ملاكا، كما يمارسون تقاليد دينية تعود في اصولها الى الاشوريين ..كما طعموا دينهم المركب برقع قطعت من اللاادرية [25] والمسيحية والإسلام. ويقع مزارهم الكبير، الذي تعرض للتخريب اكثر من مرة من قبل الأتراك، في الشيخ عادي لاليش شمال الموصل، ويزوره اليزيدية في الصيف. ويقيم رئيسهم الديني والدنيوي أو المير في باعذرا بينما يعيش المرشد الديني بابا شيخ في عين سفني التي تعد مع بعشيقة من اهم مراكزهم بعد الشيخ عادي. ولليزيدية سبعة طواويس ذهبية أو برونزية فقد أحدها في جنوبي روسيا في بداية الحرب. وترسل هذه الطواويس في كل سنة الى المراكز اليزيدية المختلفة بهدف جمع التقدمات للمير ولرجال الدين.

ويتألف هرمهم الديني من:

1. المير [الأمير]

2. البير [وجمعها البيورة]، وهم كبار رجال الدين ممن ينظر اليهم بقدسية في المجتمع اليزيدي

3. الشيوخ وهم قادة ومعلمين دينيين

4. القوالين [المرتلين]: ومسؤوليتهم مرافقة هياكل الطواويس [الذهبية] المقدسة

5. الفقراء: وهؤلاء يرتدون ثيابا سوداء على الدوام وهم من المريدين من بسطاء الناس.

ويقع اليزيديون في سبع طوائف ولكل طائفة ملاك حارس وفيما يأتي اسماء خمس منها:

1. الشيخ عادي وتنتسب اليه شريحة الفقراء

2. ملك طاووس

3. شيخ شمس [الشيخ حسن]

4. شيخ فخرالدين القمر [ملك القمر]

5. شيخ شرف الدين.

الفيالق الهندية تدخل الشارع الجديد في بغداد.

والمرجح ان التزاوج غير مسموح به فيما بين هذه الشرائح[26]. ومن الشيوخ المبجلين عند اليزيدية الشيخ حسن البصري الذي يسمح للمتحدرين منه فقط بين اليزيدية بالقراءة والكتابة، والشيخ محمد ابو دياك [27] وخاتون فخيرة [28] ووظيفتها الوقوف عند باب الجنة [29]، والشيخ الاند [30] ويقدر المتحدرون منه من اليزيدية من مسك الحيات والثعابين السامة دون ان تؤذيهم..ونجد بينهم جماعة يطلق عليها الكوجك وهم عرافون ومؤلوا احلام..ويوجد في جبل سنجار شق جبلي شكفتة عميقة لاقرار لها يقوم الكوجك برمي عشر نتاجهم من الغلال والمحاصيل الزراعية فيها لكي يستخدمها ملك طاووس عندما يعود مجددا الى الأرض. ويصوم اليزيدية في الربيع ثلاثة ايام حيث يصوم احد اعضاء الأسرة بالنيابة عن البقية. ويحدث اعظم اعياد اليزيدية في شيخ عادي في الصيف ويؤمه اليزيدية من مختلف الأنحاء. وتدور الروايات حول امتلاكهم لكتاب اسود [31] ويفترض عموما ان هذا الكتاب هو القرآن [الكتاب المقدس عند اليزيدية] وحيثما توجد فيه كلمة الشيطان ترد ممسوحة.. ويعتقد اليزيدية ان اي يزيدي يلفظ كلمة شيطان، يصاب فورا بالعمى، كما يتجنب اليزيدية لفظ او سماع كلمات تتضمن حرفي الشين والتاء [طاء العربية] ك [شط] "نهر" أو [مشط]، وكذلك كلمة "نعل" [استخدمت بيل التصحيف الموصلي لكلمة "لعن"]، وفي هذا الصدد روى رئيس قساوسة القوش لأحد الضباط السياسيين [البريطانيين] حكاية عن يزيدي اعتنق المسيحية فقال أن ذلك الرجل كان يزيديا وعندما خرج في أحد الأيام لحراثة ارض والده خطرت في ذهنه طائفة من الأفكار من كل نوع فبدأ بالتفكير في تحريم لفظ كلمة الشيطان والعقوبة المترتبة على من يلفظها، فغلب عليه حب الإستطلاع وهو يتأمل في صخرة في الحقل فلفظ حرف [ش] ، وانتظر فلم يحدث شيئا، ثم أضاف [شي] وبالتدريج ذهب الى الحرف التالي حتى تمكن وبصوت حازم صريح من لفظ الكلمة كلها [شيطان]، ولدهشته لم يشعر بأي ضرر يصيب بصره. فشعر بالنشوة وبعد ان عاد الى البيت قال لأبيه: لقد لفظت الكلمة المحرمة [عادة مايستخدم اليزيدية تعبير "كسر الجرة" بمعنى التعرض لممنوع من ممنوعاتهم] ولم اصب بالعمى! فرد الوالد: [ لم تصب؟] ثم تناول بندقيته قائلا: [ستصاب "بالعمى" الآن!] فخرج هاربا من البيت وخلفه والده ممسكا بالبندقية حتى لجأ الينا واصبح مسيحيا..فالقلق من إيذاء الشيطان من غير قصد يشكل احدى السمات الثابتة في الحياة اليومية لليزيدية..وكان احد اليزيدية في زيارة لقنصلية اجنبية في الموصل فدهش لرؤيته متافلا [نفاضات] في دائرة القنصل فقال من الواضح ان هذه المباصق قد وضعت لتفادي قيام احدهم بدون انتباه بالبصاق فيصيب البصاق طاووس ملك [يعتقد اليزيدية ان طاووس ملك غير مرئي وانه يحضر العديد من المجالس وبخاصة تلك التي يتواجد فيها شخص من الطائفة]..وهناك يزيدية خارج منطقة الموصل [تقصد محافظة نينوى وبضمنها المثلث الآشوري والجزيرة والزابين] كماردين ودياربكر وحلب والقفقاس، ويتحدثون الكردية ويبدو انهم لعبوا دورا كبيرا في تاريخ الكرد البهدينان، ويعمل كلهم بالزراعة [وهناك من يعمل منهم بالرعي وبالتهريب ومنهم من يشغل وظائف حكومية مهمة في العراق ومنهم من لديه مصالح خاصة كالمطاعم والنوادي ويشكلون جزءا مهما من الجالية العراقية في دول الغرب]. ويتمسك اليزيدية بقوة بمعتقدهم وحالات الردة عن دينهم نادرة جدا حتى في ازمان الإضطهاد..واجمالا فإن اليزيدية يتميزون بالمرونة والقدرة على التكيف مع السلطة كما يؤيدون بإخلاص النظام البريطاني أما معنوياتهم فمتراخية ولهم صيت سيء بالإدمان على المشروبات القوية [شرب العرق وهي عادة يتشاطرونها مع المسيحيين في سهل نينوى ، ومنهم من يصنع العرق في بيته].ولايكتمون تعاطفهم الكبير مع المسيحيين فقد الجأوا اعدادا كبيرة من اللاجئين الأرمن في جبل سنجار [تعرض اليزيدية للمذابح المتكررة من قبل الأتراك مما دفعهم الى التعاون مع الأرمن ضد عدو شرس مشترك]. ولم يتوقف اليزيدية عند حدود توفير الملاذ الآمن للأرمن، بل تجاوزوا ذلك الى الهجوم على خطوط المواصلات مما دفع الأتراك لإتخاذ اجراءات عقوبية ضدهم عام 1917..فارسلوا قوة كبيرة بالبنادق الى الجبل، وقام الأتراك بتحريض تركمان تلعفر والقبائل العربية بالمنطقة ضدهم..فابدى اليزيدية مقاومة ولكن القوات المهاجمة تمكنت من التغلب عليهم فدمرت قراهم وسلبت قطعانهم. ويبدو انهم على عداوة بالوراثة مع الشمر ولكنهم على علاقة طيبة مع شيخ محمد رئيس قبيلة طي [لعل السبب بذلك التجاور بين شمر واليزيدية وفرض شمر الخاوة على كل سكان البادية ويعرف عن اليزيدية رفضهم للخاوة فضلا عن اغارات شمر المتكررة على قطعان اليزيدية والإختلاف الجذري بالعقيدة والولاء]. ورئيس اليزيدية الديني والدنيوي هو المير [الأمير] من اسرة جول بيك ويعيش في باعذرا بالقرب من مزارالشيخان والمير الحالي هو سعيد بيك، وكان ابن عمه اسماعيل يتصل بنا في سياق احتلالنا للموصل [ اسماعيل بيك هو ابن عبدي بك كثير الترحال وقد لعب دورا في الحوادث التي سبقت احتلال الموصل حيث الجأ كثيرا من الأرمن في قرى اليزيدية في جبل سنجار واتصل بالإنكليز فقابل المندوب السامي ولسن والسيدة بيل التي خصصت له مرتبا وسكنا في بغداد ..وصاحب لجمن في اثناء زيارة الأخير الى سنجار وكان قد أمّن المرور الآمن للأسرى الأتراك الى نصيبين عبر المناطق اليزيدية. تتضمن سيرته التي كتبها بنفسه بعفوية وصدق معلومات متنوعة عن الحياة الإجتماعية في شمالي العراق وسورية والأناضول وطبيعة العلاقات بين الطوائف والعشائر المختلفة في المنطقة والموصل خلال الحرب العالمية الأولى]. فزارنا في بغداد وكان قدم خدمة كبيرة في تنظيم المسح الذي اجراه الكابتن هدسون لجبل سنجار عام 1918. [أجرى الإنكليز دراسات ميدانية لجوانب مختلفة في العراق، وهي دراسات على درجة كبيرة من الأهمية لم يترجم منها الى العربية الا النزر القليل . وهي متوفرة بدوريات الجمعية الملكية الجغرافية والجمعية الملكية الآسيوية وغيرها. وقد اجرى هنري فيلد الأميركي دراسة انثروبولوجية لجنوبي العراق ووسطه منشورة بكتاب متوفر في جامعة الموصل، فضلا عن توفره بنسخ الكترونية]..لهذا فنحن ندين له وبخاصة أنه صرح دائما بأنه رئيسا لليزيدية ونحن نعامله على هذا الأساس توخيا للمساواة مع منافسه في الزعامة سعيد بك [وهو ابن عمه علي بيك]، وتمت تسوية الخلاف بأن تعطى ثلاثة من الطواويس المقدسة [التي يحق لمالكها جمع النذور والعطايا من اليزيدية] لإسماعيل بيك [وأن يحتفظ سعيد بيك بالأثنين الباقيين] [يبدو ان الأنكليز كانوا يميلون الى تفضيل اسماعيل بيك على سعيد بيك بسبب قيام الأول بحماية المسيحيين وبالمبادرة في تقديم المعلومات والخدمات لهم فضلا عن وساطته بين شيخ الدليم وبينهم آنذاك]. غير ان هذه التسوية لم تنجح، كونها تشبه وجود بابوين يتنافسان البابوية أحدهما في روما والآخر في آفنيو "بالفاء الأعجمية" [ بسبب اختيار 7 من البابوات الفرنسيين بالأصل مدينة آفنيو في جنوب غربي فرنسا مقرا لهم بدلا من الفاتيكان في روما بين 1309 و1377]. ولكن سرعان ما تبين ان اسماعيل لم يكن إطلاقا محلا للثقة وكان لاينقطع عن الدسائس من كل نوع فرأينا ان من الضروري ارساله الى بغداد مما جعل سعيد يحتفظ بالزعامة لوحده [وكان اسماعيل يعترض على بقائه في بغداد ويعرب عن رغبته بالعودة الى منطقته غير ان جرترود بيل تخبره في كل مرة ان قومه لايريدونه]..وكان سعيد يتصرف تحت تأثير امه ميان وهي امرأة مسنة قوية لاتتفق مصالحها الشخصية دائما مع مصالح القبيلة [الطائفة] [32]. وترتب ان يقوم سعيد بيك يساعده مجلس من الكبار بإدارة القضايا المتصلة بالشرعة [33] وقد جرت الأمور في البداية على مايرام غير ان شعورا بعدم الرضى ساد في الآونة الأخيرة بسبب قراراته. وقد تسبب موت بابا شيخ الواقف على مزار الشيخ عادي بموجة سخط لتردد سعيد بيك في تعيين خلف له وهو أمر يقع تحت صلاحياته..ويبدو ان اليزيدية، وبسبب الإضطهاد السابق الذي تعرضوا له، قد فقدوا مساحات واسعة من أراضيهم..وكانت موجة من الغضب تسري في عدة اماكن بسبب ذلك وبخاصة في عين سفني. ولعل هذه واحدة من اكبر المشاكل التي ستواجهنا عند تسوية مشكلات الأرض في منطقة الموصل.

الفيالق الهندية تدخل بغداد.

وعند وصولنا الى جبل سنجار وجدنا ان الرئيس هناك هو حموشرو وهو رجل مسن وفقير [من طبقة الفقراء في الترتيب الهرمي اليزيدي] وقد عين رئيسا للجبل بمرتب شهري وله وكيل مأجور في البلد [سنجار].وبسبب الموقع الجغرافي حيث يطل من قلب الجزيرة، وبسبب عداوة حمو شرو واليزيدية الصريحة للأتراك والعرب معا، يشكل جبل سنجار حصنا ستراتيجيا مهما، سيكون ذي فائدة عظيمة عند التعامل مع الشمر أو مع حركات قومية [مسلحة] محتملة قد يقوم بها العرب او الأتراك [التركمان] لاحقا.

ويوجد في الريف الخصب حول المدينة [الموصل] والى الشرق من دجلة اعداد من المسيحيين اكثرهم من الكلدان على الرغم من وجود جماعات صغيرة من اليعاقبة والنسطوريين ايضا. ويقيم البطريرك الكلداني [مار يوسف عمانوئيل الثاني] في الموصل حيث يشكل الكلدان اكثرية الحرفيين المهرة في المدينة.. بينما يعمل الكلدان الذين يقيمون خارج المدينة بالزراعة ويشتهرون بمهاراتهم اذ تعد قراهم أكبر القرى في الولايات [العثمانية] واكثرها ازدهارا. وهنالك رسول بابوي معين في الموصل لرعاية مصالح الكلدان والسريان الكاثوليك فضلا عن اعتناء الآباء الدونوميكان بمدرسة ومستشفى في الموصل وهناك الكثير من مرتادي المدرسة والكنيسة الدونوميكانيتان.كما تحتضن الموصل قساوسة سريان كاثوليك ونسطوريين ويعقوبيين..كما تعزز التنوع المسيحي في المدينة ليشمل جماعات من الرومان الكاثوليك والبروتستانت والأرثودوكس التابعين للكنيسة اليونانية. وكان الرومان الكاثوليك والكنائس الوحدوية البابوية (الكلدان والسريان الكاثوليك)..تحت الحماية الفرنسية كما هو الحال في الأنحاء الأخرى في الأمبراطورية العثمانية. ولايوجد أدنى شك ان امكانية ضمان محام اوربي [عن مصالح الطوائف المسيحية الشرقية] لدى الدولة العثمانية، كان محفزا قويا للتوحد [الإنضواء تحت ] مع كنيسة روما [الكاثولوكية]. وكانت سياستنا قبل الحرب تتسم بالميل لحماية الكنيسة النسطورية [الآشورية] أزاء الكنائس المتفرعة عنها كالكنيسة الكلدانية الكاثولوكية.ودافعنا لذلك كان وجود هيئة تبشيرية صغيرة ولكنها مثيرة للإعجاب بين النسطوريين تعرف ببعثة اسقف كنتربري التبشيرية للنسطوريين. [34] ومن جهة أخرى عزز وجود البعثة التبشيرية الدونوميكانية بمدرستهم الجيدة ومستشفاهم في الموصل الميل للتطلع الى فرنسا.. فالعلاقة مع روما قوية ويرجح ان تبقى كذلك لأن الكنيسة الكلدانية لا اموال [أو أوقاف] لها وتعتمد في تمويلها على روما.[35]

الفيالق الهندية في الشارع الجديد في بغداد.

وفي تلعفر، وهي قرية كبيرة على حافة الصحراء بين الموصل وسنجار، هناك نسبة كبيرة من السكان من التركمان، ويزعمون انهم تحدروا من عسكر تيمورلنك ، ومعظمهم شيعة. إلا أن المذهب السني هو السائد في منطقة الموصل..وعدد الشيعة في مقاطعة [ولاية] الموصل لايتجاوز 17.000 أزاء 250.000 سني، ولايوجد شيعة في أربيل الى الشمال. ونجد في الضفة اليسرى لدجلة بين النهر والجبال أغثاء وبقايا ماخلفته كل الغزوات والهجرات ل 2000 سنة اخيرة خلت أوأكثر. فبالإضافة الى اليزيدية والمسيحيين من كل مذهب، هنالك التركمان والعرب والأكراد في واجهات متقاربة. وهناك جماعات كبيرة من الشبك والصارلية الذين يقال عنهم انهم يعتنقون دينا سريا او ينتمون الى غلاة الشيعة. ولهولاء [الشبك والصارلية] صلات مع العلي الهية [36] الذين ينتشرون على جانبي الطريق بين قصر شيرين وكرمنشاه[37]. وينتشر اليزيدية بمحاذاة التلال [سفوح الجبال] بينما يوطن الجبال باكملها الأكراد الى جانب قرى المسيحيين وقليل من قرى اليهود. والجماعة اليهودية في الموصل صغيرة وليس لديهم الثروة والمكانة اللتان تصفان يهود بغداد. وعندما وصلنا الموصل كانت مليئة باللاجئين الأرمن ولكن اكثرية هؤلاء اللاجئين اخليت الى بغداد مما جعل عدد المقيمين الأرمن في الموصل يقتصر على اسر قليلة.. وقبل احتلال الموصل، كانت لدينا علاقات مع شمرالجربا ويتألف بيت الشيخ من 15 ولدا من ابناء فرحان باشا الذي توفي قبل 40 سنة[38]. وعندموته تقاسم اولاده المشيخة فيما بينهم، وكان اكبرهم العاصي وهو الرئيس الفعلي للقبيلة..ويقال عنه انه قبل الحرب كان قد جاء الى الموصل بموافقة على تعهد بحسن السيرة من قبل الوالي آنذاك..ولكن الوالي لم يف بتعهده وألقي به في السجن ، وعندما اطلق سراحه اقسم بالطلاق بانه لن يضع قدمه مرة اخرى في الموصل. فإن صدقت هذه الرواية فأنها تلقي ضوءا ساطعا على سلوكه خلال السنة الماضية. [39] وبعد الشيخ العاصي يأتي ابرز أعضاء اسرة الشيخ وهم ابنه هاشم وحفيده دحام أبن هادي ثم حميدي وبدر وبقية اشقاء العاصي، وابن عبد العزيز عجيل الياور الذي يرتبط به اولاد شلال مطني ومشعل ثم محمد ابن محمد عاصي وعبيد، وأولاد مجول وفارس. والشمر لهم عداوة متوارثة مع العنزة كما يوجد عداوة خلال فترة الحرب بينهم والدليم. وقد حاول احد الشيوخ او اثنين منهم خوض غمار الزراعة، وهكذا حاول حميدي وبدر زراعة الأراضي المجاورة لقناة الفرحاتية بالقرب من بلد..كما حاول عجيل الياور تجربة الزراعة بالمشاركة مع محمد النجيفي أحد شيوخ الموصل في منطقة نجمة بالقرب من الشورة[40]. غير ان الأكثرية الغالبة من اعضاء القبيلة بدو يجوبون الصحراء ويعتمدون في معيشتهم على قطعان الجمال التي يمتلكونها، وكذلك على الخاوة التي يفرضونها على ألقبائل الأخرى وكذلك على القوافل [التجارية] وبخاصة تلك التي تسلك طريق نصيبين منطلقة من العراق او بلاد الشام.

الفيالق الهندية ترافق الضباط البريطانيون أثناء مرورهم من بوابة القلعة القلعة الشمالية.

وكان الشمر خلال الحرب، بإستثناء فيصل [الجربا]، الذي يسكن قرب الموصل وليس لديه تأثيرا كبيرا، يقفون بلا تردد الى جانب الأتراك، وبمقدورنا ان نفهم السبب باعتبار موقعهم الجغرافي [تعتبر الموصل في العهد العثماني قلعة تركية متقدمة في المواجهات المستديمة مع الفرس لهذا بذلوا جهودا لتتريك ادارتها وتعيين افضل الولاة واكثرهم ولاءا للباب العالي فيها ويقيم الشمر في اطراف الموصل والجزيرة وفي حوض الخابور وسوريا وهم على احتكاك مباشر مع السلطة التركية فضلا عن طبيعتهم البدوية المناوئة بالفطرة للوجود الأجنبي]. فقد استغلوا [اي الشمر] تقدمنا الى اعالي النهر [دجلة] لينضموا الى الجماعات التي شرعت بنهب القرى الواقعة على دجلة وعلى طريق نصيبين.[ يتعامل الأنكليز مع قبيلة شمر تعاملهم مع دولة مستقلة، ولا سيما في أوقات تسود فيها الدولة الأضطرابات ويتخلخل الحكم.. ولا غرابة في ذلك فعندما تتحول الدولة الى عصابة وينتشر في مفاصلها الفساد تتحول العصابة الى دولة وهذا مايشهده العراق في الوقت الحاضر]. ولكن عندما دعوناهم للمجيء الينا لبى كل من حميدي وعجيل الياور وعيادة ابن العاصي دعوتنا واعتذر العاصي بسبب تقدمه في السن.فطلبنا منهم البقاء في الموصل لحين الإنتهاء من اجراء ترتيبات خاصة بهم. فوافقوا على ذلك. وبعد عدد من الأيام، على اية حال غادر عجيل الذي يمتلك نفوذا كبيرا بينهم، اما بسبب الخوف او لسبب آخر نجهله، الموصل بدون ان ينتظر ترخيصا بالمغادرة. فاعتبر خارجا على القانون وتمت الإغارة على عائلته وجماله القريبة من الشرقاط والإستيلاء عليها غير ان الجمال اعترضتهم عاصفة رعدية فهربت الى حيث لاندري بينما كانت في طريقها الينا. [يظهر هذا السلوك عدوانية الإنكليز في ارغامهم شيوخ القبائل بالقوة على التعاون معهم] أما حميدي فقد اعلن خضوعه للحكومة وتعهد بالمحافظة على عبدة وجزء من الصايح [عبدة والصايح تحالفين من الشمر ] في جاهزية، فخصصنا له مرتبا شهريا مقداره 500 روبية. أما العاصي فقد بقي في انحاء نصيبين حيث يرسل بين الآونة والأخرى رسائل طاعة ولكن تلك الرسائل وبسبب طابعها الغامض لم تلق قبولا من قبلنا.

الفيالق الهندية في مسيرة عبر الشارع الجديد، بغداد.

وقد جاء هاشم خلال الصيف، لكن مبادراته تم رفضها لأنه جاء بمفرده. وحدثت اعمال نهب، نسبت للشمر، بين فترة وأخرى في طريق نصيبين واماكن اخرى، ولكن لم تحدث سرقات كبرى لحين شهر ايلول عندما جردت احدى القوافل من 3000 ليرة تركية في منطقة ابوحامضة على طريق دير الزور [وادي ابو حامضة يقع الى الشمال من دير الزور سكنتها قبائل شمرية من حلف العبدة وللشمر المتواجدين فيها علاقة مع حميدي بن دهام الجربا]، وفي خطوة انتقامية، هوجمت شمر بعربات مدرعة وتم الإستيلاء على اعداد كبيرة من قطعان اغنامهم..وكنا نأمل اعتراض طريقهم عندما يحين وقت رحلتهم السنوية الى الجنوب إلا ان خطتنا أخفقت وتمكن الشمرمن تجاوز مواقعنا والمروق جنوبا. على اية حال، ارسل العاصي حفيده دحام الى الموصل حاملا رسالة يعلن فيها تخليه عن المشيخة له وتتضمن الرسالة تصريحات من هاشم ومطلك الفرحان وآخرين مفادها انهم يقرون بدحام شيخا لهم، فأبلغنا دحام انه وكخطوة أولى، يتوجب عليه جمع مبلغ 3.500 ليرة تركية لدفعها كغرامة عن عملية السطو على القافلة في ابو حامظة [يلاحظ ان الأنكليز أضافوا 500 ليرة على المبلغ الذي سرق في ابي حامضة وكأنهم بلك يمارسون نوعا من الخاوة بأنفسهم]. وبعد تسليمه المبلغ المذكور سيتم تعيينه [الإعتراف به] من قبل الحكومة شيخا على قبيلة العاصي. فوافق وارسل بعد مدة وجيزة جدا مبلغ 1800 ليرة، ويعتقد أنه جمع المبلغ من القبيلة عندما حدثت عملية دير الزوركما سنروي لاحقا بما يجعله يتسائل فيما إذا كان يراهن على الحصان الرابح [يبدو ان خطأ مطبعيا او تدوينيا حدث هنا والأصح ان نقول [بما يجعلنا نتساءل فيما إذا كنا نراهن على الحصان الرابح]..وقد تسبب هذا [يوجد نقص في النص الأصلي] بتأخير الدفع [لأن دحام لم يدفع المبلغ المطلوب كله] كما عملت الدعاية الشريفية [الدعاية لتنصيب ملكا جديدا للعراق هو فيصل بن الحسين شريف مكة] الى مزيد من التأخير.وفي أبريل قام دحام بدفع 1500 ليرة أخرى لينتقل مع قبيلته بعدها خارج الأراضي، المحتلة من قبل القوات البريطانية.

القوات الهندية في وقت الراحة بجوار خيامهم المنصوبة بالصحراء على مشارف كركوك.

وقد طرحت القبائل بصورة مباشرة مشكلة الخاوة التي تنتزع منهم.وكانت هذه الأتاوة تعتمد اساسا ثابتا إذ تتضمن كبشين واربع نعجات، وأربعة خراف و6 مجيديات تدفع نقدا على كل قطيع [وكان الشمر يفرضون هذه الخاوة على كل العشائر والطوائف بدون تمييز]، وقد توزع أولاد فرحان فيما بينهم جباية الخاوة..وأخذ الخاوة من القبائل الصغيرة في الجزيرة ليس بدون سبب: فهي لاتعدو ان تكون سوى مبلغ يعطى لقاء ترخيص تمنحه شمر لهم برعاية قطعانهم في مراعي شمر [هنا تفترض بيل ضمنا ان منطقة الجزيرة تعود لقبيلة شمر].إلا أن شمر اضحت تفسر ذلك بأن لهم حق جبايتها [الخاوة] من القبائل على قطعانهم كلها حتى الموجودة منها في الصحراء ولكن بنسب تخضع للمراجعة، مع استثناء الأراضي الزراعية في القرى. ولم يتم الأعتراف بفرض ضريبة [مرور] على القوافل [ولاتحتاج شمر لأعتراف الحكومة لأنها تهاجم القوافل وتقتطع المبالغ التي تريد كما في هجومها على قافلة وادي الحامظة بالقرب من دير الزور]..وتعطي الخاوة لمن يدفعها الحق بالحماية، وفي الوقت الحاضر من الصعب علينا ايجاد طريقة لمنعها..

مع ذلك فإن التنافر [التقابل الضدي] بين اهتمامات [اهداف او مصالح] البدوي والمزارع [الفلاح] او التاجر تتضح على افضل نحو من خلال وضع الشمر. فالشمر اشبه بالهوام [الشر العام] [الذي يعم الجميع] فهم يعيشون على النهب والإبتزاز.


التقسيمات الادارية

وقد حافظت الإدارة البريطانية على التقسيمات الإدارية التركية للولايات فأخذ الضابط السياسي أو الإداري المساعد للمقاطعة مكان قائمقام القضاء. وبما ينسجم مع ممارساتنا في أماكن أخرى [الهند] تم دمج الشؤون الإدارية بالشؤون الإقتصادية: فتم تقسيم كل مقاطعة [قضاء] الى نواح حسب الأيرادات [الدخل الوارد من كل ناحية]، وأنيطت الإدارات في النواحي لمامورين عرب يكونون مسؤولين أمام مدير الناحية في رئاسة القضاء.. وفي عام 1919 تم تعيين السيد حسن بيك [العمري]، رئيسا لقسم [الأراضي ]السنية في العهد العثماني، مفتشا للدخول [الشؤون المالية] في الموصل، وهي وظيفة اوكلت مؤقتا مرتين ولمدد قصيرة لضابط اداري مساعد [كان حسن بيك العمري فيما يذكر الدكتور ابراهيم العلاف مديرا لبلدية الموصل في عام 1919].

وكان مركز إدارة الأراضي السنية [وهي اراض زراعية وضع السلطان عبد الحميد يده عليها وخصص لها ادارة خاصة] لعموم العراق في الموصل. ولهذه الأراضي تنظيما خاصا بها وترتبط مباشرة باسطنبول ولذلك فهي مستقلة عن الإدارة الإقليمية. ولكي نيسر للمأمورين التعامل مع القضايا الصغيرة في الموصل وتلعفر في وقت ومكان حدوثها او طرحها، تم منحهم صلاحيات قضاة من الدرجة الثالثة. وهي تجربة حققت اجمالا قدرا من النجاح. وفي منطقة الموصل وبخاصة في السهول، حيث تكون الوحدة الإجتماعية هي القرية وليس القبيلة، يلعب المختارية او رؤساء القرى ادوارا مهمة، فهم مسؤولون عن حفظ النظام والنظافة في قراهم فضلا عن حسم النزاعات وفق العرف والعدل، وعن توقيف المخالفين في الجرائم الخطرة، ومتابعة تنفيذ أوامر الحكومة، وتوفير السكن لموظفي الحكومة وسلامة المسافرين والقوافل التي تمضي الليلة في القرية. كما انهم ملزمون بمساعدة المدراء في الشؤون الزراعية كتقدير المحاصيل. وبالمقابل من الممكن لهم استلام ايرادات معينة على سبيل المثال، نسبة مئوية على السلع التي يبيعها التجار في قراهم، كما تعطيهم الحكومة، كل في قريته، نسبة مئوية لاتزيد عن 3% من المحاصيل الشتوية ومن محصول العنب في الموصل. والموصل كبغداد والبصرة أعادت أربعة أعضاء الى غرفة [التجارة] التركية. وكان أحد هؤلاء مسيحي شهير في المدينة [الموصل] كان قد عين ملحقا سياسيا فيها. [وهو نمرود رسام الأخ الأصغر للآثاري هرمز رسام والقنصل السابق كريستيان رسام، عين ممثلا لبريطانيا في الموصل عام 1893 حتى عام 1908]..

الاقتصاد

وعند وصول البريطانيين وجدوا أن أوضاع الموصل كانت سيئة جدا. فالمدينة مكتظة باللاجئين وتنتشر فيها المزابل..والسبب الرئيس في ذلك الإستملاك والمصادرة والسخرة من قبل العسكر [لم تحدد بيل اي عسكر والأرجح انها تقصد الترك] فضلا عن قيام الجنود والمراتب الألمان والنمساويين بإرسال طرودا الى اوطانهم [لم تذكربيل محتوى الطرود]. وتدور الروايات عن موت 10.000 شخص بسبب الجوع خلال شتاء 1917 – 1918. وفي الولاية خارج الموصل غادر السكان قراهم باستثناء القرى المسيحية بسبب التجنيد الإلزامي. اما النقل والزراعة فقد تجمدا نتيجة مصادرة اعداد كبيرة من الحيوانات. وبلغت نسبة الأراضي غير المزروعة 50% والغلتان الرئيستان في [ولاية ]الموصل هما الحنطة والشعير حيث يتجاوز انتاج القمح في الموصل ماتنتجه ولايات الجنوب مجتمعة بكثير مما جعل بغداد تتطلع الى الموصل لتزودها بالقمح فضلا عن الفاكهة والمكسرات والخضراوات التي تتميز بنوعيتها الجيدة. بل وحتى تلك التي تنتج عند سفوح التلال..على ذلك تسبب اغلاق طريق الموصل من مارس 1917 وحتى نوفمبر 1918 بصعوبة ملموسة واسهمت الى نقص التجهيزات الغذائية عن بغداد خلال عام 1917. [تسببت العمليات العسكرية بإغلاق الطريق بين الموصل وبغداد].

وتعتمد الغلال الشتوية في ولاية الموصل كليا على مياه الأمطار، ولكن نظرا للحاجة الماسة لمياه الصيف في السهول، فإن المحاصيل الصيفية في السهول لاتكاد تذكر، ربما بإستناء حافات الأنهار حيث تسقى البساتين بواسطة النواعير وغيرها وكذلك الحال في القرى التي تمتلك ينابيع دائمية على مدار السنة.. ويكون الري على افضل حال في حوض الزاب الكبير..اما في الجبال، من جهة أخرى، فتعد الغلال الصيفية المتمثلة بالرز [رز عقرة] والتبغ والفواكه أكثر أهمية من غلال الحبوب الشتوية..وتعد طرائق الزراعة بدائية حيث يستخدم المحراث الخشبي تجره الثيران المزاوجة بنيراو البغال او الحمير..وجرت العادة ان يزرع الفلاح نصف ارضه ويترك النصف الاخر مجذوما لحراثته لموسم آخر.ومع بذر بذور السنة الماضية، تتم حراثة المساحات المجذومة بعكس اتجاه حراثتها الماضية وتترك بدون بذار خلال الصيف. وفي الخريف وبعد بواكير المطر، تحرث طوليا وتصبح جاهزة لنشر البذور. ويستعمل افضل الفلاحين السماد. ويبلغ عطاء البذور للأكر [الفدان] الواحد حوالي 120 ليبرة [قرابة 39 كيلوغرام]. ويبلغ معدل المحصول سبعة الى ثمانية اضعاف الكمية المبذورة. وبعد الإحتلال، اتخذت خطوات فورية لأسترجاع الإزدهار الزراعي. وفي السنة الاولى تم توزيع 550 من مواشي الحراثة [المواشي التي تستخدم في الحراثة] و150.000 روبية على شكل قروض زراعية للفلاحين. بالاضافة الى كميات كبيرة من الحبوب التركية قمنا بمصادرتها وتوزيعها.

وهنالك مؤشرات الى ان القسم الأكبر من الأراضي في الولاية هو في ايدي مزارعين محليين حيث يقوم كل شخص بحراثة ارضه، ولكن ماوجدناه في الوقت الحاضر ان معظم الأراضي انتقل الى ايدي الملاكين الكبار الين يسكنون في غالبيتهم في الموصل. ويمتلكون الأراضي بطريق سندات طابو. ولكن هناك الكثير من الشكاوي حول تطبيق هذه الطريقة في انتزاع الاراضي واستملاكها. فهناك من يقول ان الفلاح يعطى 25% فقط من قيمة ارضه وإذا رفض بيعها تلفق له تهمة قتل احدهم ويرمى في السجن، ويبقى في السجن لسنوات حتى يغير رأيه. لقد اعطى استقدام الطابو وجهاء المدينة فرصا لنهب الفلاحين وانتزاع مساحات هائلة من اراضيهم بطريق وثائق مزورة هي نتيجة معاملات بيع قسرية وما الى ذلك.

والسلاح المفضل الآخر الذي يلجأ اليه الملاكين الكبار هو القرض والرهن العقاري. فملاك [اراضي] الطابو غالبا مايكونون ملاكا غائبين ممن لم يلقوا نظرة واحدة على الأراضي التي يمتلكونها. اما حقوقهم فتتنوع حسب خصوبة الأرض وطبيعة الإتفاق مع الفلاحين..وتتراوح النسبة بين ربع الإنتاج الى جزء من 16 جزء منه..إلا ان النسبة الجارية على الأغلب هي الثمن [اي جزء واحد من ثمانية أجزاء]. ويأخذ ملاك الطابو نصف المنتوج من الغلال الصيفية، كما هو الحال في لوردات حقوق المياه [احتكار موارد المياه وفق نظام الإقطاع الأوربي]. وغالبا مايكون وضع الفلاح غامضا.

وهناك روايات بان السبب وراء عدم قدرة الناس على بناء بيوت جيدة واقتصار ذلك على القلة هو خوف الناس من طردهم من بيوتهم في اية لحظة. فمن الناحية النظرية لانجد سببا لغموض وضع الفلاح. [والسبب هو عدم وجود أحكام وقوانين تحدد حقوقه وواجباته وارتباطه بمزاجية ملاك الطابو ومصالحهم الذاتية] فإن طالب أحد ملاك الطابو باتفاقية يرفع فيها كمية حصته ورفض الفلاحون الرضوخ يتوجب عليه عدم طردهم من الأرض وجلب فلاحين آخرين بدلا منهم [لم تذكر بيل حالات مماثلة والسبب هو رضوخ الفلاحين لمطالب ملاك الطابو خوفا من خسارة مسكنهم ومصدر رزقهم]. والشخص الذي يمتلك اراض اكبر مما يقدر على زراعتها بنفسه . ويرغب بزراعتها على نحو مباشر، يقوم باستخدام "مربعجي" وقد سمي كذلك لأنه اعتاد على اخذ ربع حصاد الأراضي التي قام بزراعتها. اما في الوقت الحاضر فالفلاح لايأخذ سوى الثمن وغالبا مايكون علاوة على ذلك مديونا لمالك الأرض مما يحوله الى قن من اقنان ألأرض قلبا وقالبا.

وعلى نحو مماثل في الجبال قام أغوات الأكراد بالإستيلاء على اراضي الفلاحين متذرعين بذرائع تختلف قليلا عن ذرائع أقرانهم ملاك الطابو. فالفلاح هناك [في الجبال] يتعرض لكل انواع الإعتداءات والهجمات من قبل اولئك الذين يفظلون العيش [الإعتياش] على جهود الاخرين وليس على جهودهم. فالفلاح الكردي لايقدر ان يعيش بدون حماية [الأغوات من الأغوات] وهو يحصل على الحماية من البيك المحلي [الأغا] بمبلغ عشر منتوج ارضه ..ويقوم اللورد [الأغا] بجباية تلك المبالغ ليخصص نسبة قليلة منها كضريبة بمقدوره ان يقنع الأتراك بقبولها..

ويبدو أن مساحات كبيرة من الأراضي حول الموصل كانت في وقت ما تمتلك في مضمار ذلك النوع من التمليك الإقطاعي للأرض المعروف بالتيمار، الذي يسمح للشخص بالإحتفاظ بأرضه شريطة ان يوفر اكبر عدد يقدر على جمعه من الرجال للخدمة العسكرية عندما يتم استدعائهم للخدمة [نظام تخصيص الأراضي الزراعية للخيالة في الجيش العثماني ولقاء خدمات عسكرية يقوم بها السباهي او الأنكشاري استمر من القرن الرابع عشر وحتى القرن السادس عشر..وهو اسلوب لفرض هيمنة الدولة على الأراضي بإدارتها مباشرة من قبل الموالين للدولة.]. وعندما استقدم مدحت باشا نظام الطابو، تم الغاء نظام التيمار اجباريا واعتمد تسجيل الأرض بإسم الشخص الذي يزرعها.وتضمن القانون تعويض مالك الأرض بنسبة سنوية تفرض على الأرض [يعطيها المزارع لمالك الأرض] على ان تتقلص مع تتابع السنين لحين يتم اطفائها. [غير ان ما حدث هو التفاف الملاك على هذا القانون وتحويله في خدمة مصالحهم بما حول الفلاحين الى اقنان مسخرين في اراضيهم].

وفي تلعفر ينقسم السكان الى قبائل يرأسها أغوات..ويحدث عنهم انهم يمتلكون الأرض..ومن الناحية العملية لايدفع الفلاحون لهؤلاء الملاك طابو، مع ذلك يوفر الفلاحون للملاك مبالغ صغيرة لأغراض الحفلات والمناسبات وماشاكل..وتعد الحاجة الى تسوية مشكلات الأرض احدى الحاجات الملحة جدا في ولاية الموصل. والطابو في الموصل ربما ليس اسوء منه في أماكن اخرى. إلا انه في الموصل سيء على نحو فائق للعادة. وفي منطقتي تلعفر وسنجار هنالك عدد كبير من المعاملات المزورة [بأسماء وهمية ] تعارضها وعلى نحومضطرد شكاوي ضحايا عمليات الخداع. وفي حالات عديدة وبخاصة في المناطق اليزيدية في الضفة اليسرى لدجلة نجد قرى مقسمة الى 271 حصة، 193 منها تعود الى احد ملاك الطابو والبقية يملكها سكان القرية. اما حدود الحصص فليست مسجلة بأي مكان أو بأية طريقة فضلا عن كونها غير معلومة بتاتا. لذلك فإن النزاعات التي تبرز عن هذا النوع [من الأراضي] قد تكون متخيلة [لا أساس لها من الصحة].

ومن الجدير بالملاحظة ومما يدهش حقا ان نجد في السهول [سهول ولاية الموصل] ان المسيحيين فقط قد نجحوا في الحفاظ على اراضيهم من كلاليب ملاك الأراضي في الموصل.والسبب المرجح لذلك انه في الوقت الذي تفتقر فيه القرى [المحمدية] [قرى المسلمين] الى وسائل تمكنهم من الحصول على من يستمع اليهم في الحكومة باستناء تلك الحالات التي يلحقون بها انفسهم كعملاء [ولقاء ثمن] لأحد وجهاء المدينة، بمقدور المسيحيين اللجوء الى مطارنتهم وقساوستهم الذين يمثلون حمايتهم الطبيعية والجاهزة والناطقين بإسمهم، وفي حال الكنائس الكاثولوكية، بمقدور المسيحيين اللجوء الى قوة اجنبية ايضا.

وكقاعدة عامة تأتي حصة الحكومة من غلال الأعلاف في ولاية الموصل بمقدار العشر، تضاف اليها نسب الضرائب المحلية المختلفة التي تفرض بين الحين والآخر مما جعل نسبة الطلب الكلي 12.5 %. والسبب في تخفيض نسب الضرائب على لاراضي المزروعة المروية بالمطر في ولاية الموصل مقارنة بالأراضي المروية بمياه الأنهار في ولاية بغداد يعود الى كون معدل المحصول السنوي فيها أقل، كما ان هناك درجة اكبر من عدم التيقن في حالة الغلال التي يعتمد في ريها على المطر، كما تنتزع الهوام من الضروب كلها حصتها، ويمثل الجراد بشكل خاص مصدر ذعر، وفي ريف تكسوه الأعشاب كريف الولاية [الموصل] غالبا مانجد مساحات واسعة من الحقول الصفراء اليابسة بفعل حرارة الشمس مما يتسبب في انتشار النار بسرعة مجنونة وغالبا ميتكرر مشهد اميال من الحقول المعشبة تأكلها السنة اللهيب في موسم الصيف [وقد يكون حرق الحقول مقصودا بسبب العداوات والضغائن وبدافع التخريب او اللهو احيانا].

وكانت الحكومة العثمانية قد اجرت العديد من التجارب في جباية الضرائب. وكان النهج الذي تتبعه هو الجباية بطريق [المشاركة في ]الزراعة حيث كانت حصة الحكومة من كل قرية تعرض للمزاد وتباع لمن يعرض اعلى مبلغ. اما كبار الملاك فكانوا يجلبون حصص قراهم ويعرضونها للبيع باسعار باهضة بهدف تحقيق اكبر نسبة من الأرباح.كما كان هناك طبقة من الملتزمين المحترفين وسيلتهم الوحيدة في تحصيل معاشهم شراء ضرائب القرى الصغيرة سنويا [كان الالتزام يتم بطريق المزايدة العلنية حيث يقوم أحد الأغنياء بدفع مبالغ مالية مقدماً للدولة مقابل تحصيله للضرائب من المواطنين.. وكان الملتزم يبتز المزارعين بأخذ مبالغ تفوق مادفعه او يدفعه للدولة..وقد تم الغاء الإلتزام في 1839 ضمن قانون الإصلاح المعروف بكلخانة..ولكن ذكر بيل له في سياق حديثها عن الموصل قبيل الإحتلال ربما يشير الى امكانية استمرار العمل به في ولاية الموصل كاسلوب آخر من أساليب ابتزاز الناس والأعتياش على جهودهم]..

ولكن الطرق التي تبنيناها [في جباية الضرائب] اخضعت لدراسات جادة ومعمقة. فقد رأينا ان نقدر بطريقة المعاينة ثم نجبي بصورة مباشرة. إلا اننا وجدنا، على اية حال، بالإضافة الى جملة من الصعوبات، ان ليس بمقدورنا ايجاد العدد المطلوب من المقيمين ممن يمكن الاعتماد على تقاريرهم. كما لم نفكر بقياس [مساحات الأرض] بسبب الإتساع الهائل للأراضي الزراعية [في الولاية]. فقررنا مواصلة طريقة الإلتزام مع اخذ الحيطة من خلال اعتماد تقدير اولي للأكوام غير المدروسة [المخلصة من سنابلها او عرانيسها] من الغلال. وهي طريقة تقويم معتمدة في تقدير ضرائب غلال الأراضي السنية في الولاية. وقد تمكنا بذلك من وضع مبلغ احتياطي لكل قرية [اي مبلغ ضريبي لمنتوج كل قرية من الغلال] مما يسمح لنا بأن نجبي بحرية فيما إذا لم يتحقق ذلك المبلغ. كما تركنا لأهل كل قرية خيارالشراء بضرائبهم بأعلى العروض الممكنة ان هم شاءوا ذلك.وكانت النتائج مقبولة فهنالك اسباب تدعونا للإفتراض ان الحكومة لم تأخذ أكثر أو أقل من حصتها الصحيحة. وقد مارسنا اختيارنا في الجباية المباشرة في حالة واحدة او حالتين ..وكان ذلك يتسبب في إغاظة مالك الطابو [الإقطاعي] الذي كان يعرض ابخس الأثمان بأمل ان نضعف ونقبل عرضه [البخس]. وفي حالات عديدة على الرغم من قلتها على خلاف ما كنا نأمل، قام الفلاحون انفسهم بالشراء بضرائبهم. وقد أظهرت نتائج التقديرات [التخمينات الضريبية] انها على الأغلب دقيقة على نحو مقبول، ,ان الضرائب في المستقبل وفي بعض المناطق على اية حال، ستتم جبايتها مباشرة وبتخمين من هذا النوع تماما كما عمل به عام 1910 للجزء الأكبر من الغلال الصيفية.

وتعد الكودة وهي الأموال المستحقة على الأغنام والمواشي، ضريبة مهمة في ولاية الموصل [تستخدم بيل كلمة "ديفيشن" وتعني قسم أو مقاطعة في وصفها للموصل كوحدة إدارية أو كمحافظة أرتأيت ترجمتها بكلمة ولاية اعتمادا على التقسيم التقليدي القديم لعدم تطابق كلمة سنجاق العثمانية وكلمة محافظة جغرافيا مع تصور البريطانيين لمساحة وحجم الموصل منظورا اليها كوحدة ادارية وبشرية واقتصادية وحضارية متميزة ومتكاملة ]. وفي الأزمنة التركية كانت الضريبة المفروضة تقدر ب 9.5 بياستر[ البياستر "القرش" وحدة نقدية فضية ايطالية وفرنسية كانت تستخدم في دول الهلال الخصيب ومصر والسودان في القرن التاسع عشر تعادل واحد بالمئة "بنسا"من الباون الأنكليزي]. للرأس الواحد. وقد قمنا بتحديد الكودة بمقدار ثمانية عانات للغنم [لرأس الغنم] وروبية واحدة للجاموس [لرأس الجاموس]. ويقوم بحساب الضريبة مأموريين بدون موظفين اضافيين. وقد جرت العادة بنقل الأغنام من الجانب ألأيمن الى الجانب الأيسر في شهري آذار ونيسان. وكما هو الحال في الأزمنة التركية، تتم الإستفادة من ذلك بطريق عد الأغنام في اثناء عبورها الجسر [يرجح ان الأغنام تساق ارتالا نظرا للحفاظ على الجزء الذي تحمله القوارب من الجسر مما ييسر عدها]..وبلغ عدد الأغنام التي تم عدّها731 803 .[ لم تحدد بيل في اية سنة]..وهذا أعلى كثيرا من الأرقام التركية [بما يعني ان الأتراك كانوا يتلاعبون بالأرقام لمصالح شخصية]. وقد عمدنا في حالات عديدة الى تعيين شيوخ القبائل كمساعدين في احصاء اعداد الأغنام [العابرة للجسر] لقاء 3% من اغنام قبائلهم التي يعدوها. [يرجح ان الأغنام كانت تنقل الى الجانب الأيسر لكي يتم جز أصوافها في منطقة السكلا الحالية القريبة من الفيصلية في الموصل للإستفادة من الأصواف تجاريا بعد غسلها في ضفة النهر القريبة من موقع الجز] أما أغنام قبيلة شمر فلم تعد ولايمكننا عدّها لأنها تسرح في أراض تتجاوز حدودنا [حدود العراق]. وهناك عدد من كبار ملاك الموصل ممن يودعون اغنامهم لقبائل شمر لرعايتها وبذلك تفلت تلك القطعان من الضريبة أيضا.

وتعد الأراضي السنية في الولاية واسعة. وكانت أدارتها على عهد عبد الحميد جيدة [أوكلت إدارتها على عهد عبد الحميد الى السيد حسن العمري ويعرف العمرية منذ اوائل العهد الجليلي بمهاراتهم الإدارية والكتابية فيما يؤكد بيرسي كمب في اطروحته عن الموصل في العهد الجليلي التي قام المترجم بمراجعة ترجمتها].. وهي اراض اشتهرت بكونها تزرع على افضل الوجوه بسبب حصانتها من تجاوزات الجندرمة والإجراءات الأخرى [كونها ملكا للسلطان ولايمكن اخراجها الى التيمار او بيعها أو غير ذلك]. ولكن إدارتها، نظرا للنظام [الأتحادي] الجديد تدهورت، وعند أحتلالنا اضحت أكثر ترديا كما هو الحال في بقية انحاء الولاية.

اما فيما يتعلق بصعوبة المواصلات فان امكن حلحلتها في ولاية الموصل ستكون هناك فرصا افضل فيها من بقية انحاء العراق وبخاصة فيما يتعلق بالمكائن الزراعية. فقبل الحرب كان العديد من كبار الملاك يمتلكون حواصيد آلية. وبما أن الأراضي الكبيرة التي تعتمد على المطر في أروائها لاتحتوي على قنوات ارواء، فإنها لاتحتوي العوائق الموجودة في أماكن أخرى لأستخدام المكائن. وحصة الطابو على الأراضي السنية هي على الدوام تقريبا 7.5%، باستثناء قرى قليلة في منطقة زاخو يوجد مقترح لضمها في نسق واحد مع القرى الأخرى. وهناك على جانب الجزيرة بشكل خاص مساحات كبيرة من الأراضي يقال أنها أراض محلولة [اي محولة الى ملكية الدولة]. ولكن ظهر من البحث في هذه المسألة أن وراء القرار في كل قضية من القضايا [اي احالة الملكية الى الدولة] ، أستئناف [شكوى] لم يعرها أحد اذنا..وعندما يتم حسم القضية يبدو ان من المشكوك به ان يقضى بحق الأحتفاظ بالأرض للحكومة..

وكنا قد بدأنا في تطوير الغابات الحكومية وإعادة تاهيلها [يعود الفضل للأنكليز في اعادة تأهيل غابات الموصل في الجانب الأيسر للمدينة بينما قام بعض من يعدون انفسهم وجهاء ببيع بيوتهم في مناطق سكنية مقبولة للغرباء في ظروف الفوضى العارمة التي اجتاحت البلاد ليشتروا اراض وسط الغابات ليبنوا فيها بيوتا ويقضموا بذلك جزءا من الغابات على حساب المصلحة العامة]..بعد ان طالتها يد التخريب بلا رحمة لتجهيز الجيش العثماني [ كما استخدم العثمانيون الأخشاب لعمل عوارض سكة حديد بغداد – برلين في اجزائها في ولاية الموصل فضلا عن استخدامها في عمل الخوازيق والفلقات وفي عمل السليقة وللطهي في القرى وغير ذلك]. ولابد ان تكون الغابات في آخر المطاف على قدر كبير من الأهمية والفائدة.

وتعتمد بغداد كليا تقريبا في الأوقات الإعتيادية على مناطق الجبال الشمالية لتزويدها بالإخشاب. كما ان الطوافات المعروفة بالأكلاك تعمل من قضبان من الخشب تحمل على جلود منفوخة [يستخدم جلد المعيز الذي يعتنى في قطعه وتحويله الى جرب كبيرة تنفخ بالهواء المزفور وتوضع تحت القضبان المشدودة بالحبال احدها الى جانب الاخر لعمل الأكلاك] التي نشاهدها مصورة في الجداريات الآشورية في المتحف البريطاني [لم يقلد أهل الموصل أسلافهم الآشوريين في عمل الأكلاك بل انتقلت اليهم بحكم التوارث الحضاري كون الموصل هي نينوى الغربية] وهي عائمة في نهر دجلة محملة بالحطب او بضائع أخرى. وعندما تصل الأكلاك الى بغداد تفكك فيباع الخشب. وتحمل القرب الجلدية بعد تغريغها من الهواء على ظهور الحمير الى الموصل لكي تستخدم من جديد. وتعد ضرائب الأخشاب والفحم أحدى مصادر الدخل في ميزانية الموصل.

وقد تم تعيين ضابط بريطاني [إداري] في يونيو عام 1919 لتولي شؤون الجمارك وفرض رسوم على السلع المستوردة من سورية وتركيا أما إدارة انحصار التبغ القديمة [تسمى اختصارا بالريجي وتعني شركة استثمارية حكومية واهلية مشتركة تشكلت في العقود الأخيرة من الأمبراطورية العثمانية تسندها مجموعة من المصارف الأوربية تقوم بإحتكار انتاج التبغ بهدف دعم الإقتصاد التركي.. اسست لها فروع في العراق ولبنان وأماكن أخرى. يقوم موظفوها في العراق بفحص التبوغ بسبب امكانية خلطها باوراق نباتات مماثلة ..وكان مبنى دائرة انحصار التبغ في الموصل في شارع الدواسة المتصل بقصر المطران] فقد تم تحويلها في أواخر عام 1918، الى دائرة الكمارك حيث يقوم الضابط الإداري [البريطاني] المسؤول عن الكمارك بجباية رسوم التبغ ايضا. وكانت الضريبة المفروضة على التبغ نسبة ثابتة مقدارها 8 عانات للكيلوغرام الواحد من التبغ لتؤمن في مخازن تخليص كمركي. وعلى الرغم من السمعة السيئة للموصل، فإن من ألأمور الملفتة أن الجرائم فيها نزرة جدا [ لبيل موقف سلبي من الموصل سنعرج عليه في ترجمة وجهة نظرها الخاصة بالموصل].

والمخالفات المتكررة في المقاطعات [الأقضية والنواحي والريف عموما] فتشمل السطو على المسافرين وسرقة الأغنام والمواشي. وكنا قد طوقنا [اعتقلنا] العديد من عصابات السراق. اما إغارات القبائل البدوية على القوافل فتعد من الحوادث المتكررة خلال الأزمنة التركية، ومن الصعوبة بمكان معالجتها. ولكن بصورة عامة يمكننا التأكيد المدعوم بالبراهين ان الأمن العام في ولاية الموصل قد شهد تحسنا كبيرا خلال السنة الماضية. وقد تم تشكيل قوة الشرطة محليا من هل المدينة. وهي قوة نشطة وفعالة. وكان هناك نسبة كبيرة من الجندرمة التركية عند احتلالنا [الموصل]. وقد عمدنا الى الحفاظ عليها للحاجات التي قد تطرأ وكان عملها ناجحا جدا في الحفاظ على امن المقاطعات [المحافظة باستثناء الموصل] ولكنها لاتصلح للقيام باية واجبات عسكرية لذلك قرر تشكيل قوة من الشرطة العسكرية [الإنضباط]. لأن قوة ضاربة صغيرة كهذه تعد ضرورية على الحدود الكردية المضطربة.


اما الشؤون البلدية في الموصل فقد كانت تدار من قبل مجلس بلدي منتخب. ولم تكن الإيرادات البلدية بذات شأن يذكر. كما كان الفساد منتشرا، وكانت المدينة في حال لايوصف من الوساخة، مما جعل اعادة التنظيم مسألة ملحة، فبات امرا حتميا ان يصبح العمدة والمجلس [البلدي] مجرد مسميات تغيب تدريجيا من المشهد لحين ان تختفي تماما. والآن تمت اعادة التنظيم بنجاح، فقمنا بدراسة الخطط لمجلس بلدي معدل على نحو طفيف..ولعلنا نعقد الأمل على ان يكون لدى اعضاء المجلس الجديد روحا تقدمية لأن مثل هذه الروح لم تكن تنقصه حتى في الفترة السابقة للحرب. وكان الأتراك قد شرعوا خلال الحرب بفتح شوارع رئيسة في المدينة، كما في بغداد [شارع خليل باشا الذي سمي بالشارع الجديد ثم بشارع الرشيد]. وفي بغداد تم انجاز العمل وبرهن على ان فيه خير لايقدر بثمن لأن بغداد قبل الحرب كانت تخلو من شارع عريض بما يكفي للسماح بمرور عدد محدود من العربات التي تسير على عجلات.

وفي الموصل يتقابل الشارعان الجديدان في زاويتين قائمتين احدهما مع الآخرغير انهما في باكورة التنفيذ لأنهما لم يكونا قد اكتملا قبل الإحتلال فعمدنا الى اكمالهما عام 1919. وسيكونان جديران بالأموال المنفقة عليهما سواء في التعويض [اي تعويض الناس الذين هدمت بيوتهم ومحلاتهم في مواقع قطع الشارعين] والإنشاء، على الرغم من ان ذلك تضمن منحا مساعدة كبيرة قدمناها للبلدية.

والجسر القديم في الموصل مايزال قائما. ولكن فيه خصوصية تكونه من جزء من القوارب يبدأ من وسط النهر.ويصار الى رفع هذا الجزء [المرتكز على القوارب] فيترك ها الجزء من النهر مفتوحا تماما في اوقات الفيضان خوفا من ان تجرفه مياه النهر. وعندما يحصل الفيضان فإن الأراضي في النهاية الشرقية للجسر [الجانب ألأيسر] تنغمر بالمياه بينما تبقى دعامات الجسر [الحجري] شاخصة للعيان مهجورة ولكن على نحو ملفت للنظر في وسط النهرالفائض بالمياه. لكن جسرا جديدا هو الان قيد الإنشاء وننظر في وضع خطط لتجهيز المدينة بمياه الشرب . فالمدينة اليوم نظيفة وأولئك الذين يحتفظون بصور ذهنية عن المسالخ عند نهاية الجسر القديم [كما وردت في رحلات مارك سايكس ورحلات أخرى] في العهود التركية سيجدون صعوبة في التعرف على موصل اليوم وسيتساءلون إن كانت هي نفسها موصل الأمس. ويساعد الضابط السياسي المساعد [الحاكم البريطاني] في تلعفر مجلس استشاري من اغوات المدينة لمساعدته في الشؤون البلدية. وهنالك بلديات اخرى في عقرة ودهوك وزاخو وتلكيف. ولكن العمل فيها يقع على عاتق الضابط السياسي المساعد في كل منها.

التعليم

وبعيد وصول البريطانيين الموصل، اولينا أهتماما بمسالة التربية والتعليم مباشرة. ففي الوقت الحاضر يوجد سبعة مدارس حكومية في الموصل، ثلاثة للمسلمين للبنين منهم وأربعة مخصصة للكلدان فالسريان فاليعقوبيين فاليهود. وهناك مدرستين للبنات المسلمات. وارقام الحضور إشارية جدا [تنطوي على دلالات] فبينما يشكل المسلمون سبعة اثمان سكان المدينة، يبلغ عدد الحضور في المدارس المسيحية 791 تلميذ بينما لايتجاوز عدد الحضور من التلاميذ المدارس 259 تلميذ. وتكتظ شوارع [ازقة] المدينة بالأطفال العاطلين والمتسيبين في وقت تتكرر فيه الروايات عن السلوكيات الرديئة والأخلاق الفاسدة للصبيان في المدينة. ويعترف وجهاء المسلمين بأسف مفتعل بهذه الحقائق، ولكنهم يعجزون عن التقدم بغي مقترح حول معالجات مناسبة...ويتفقون كلهم بأن الخطأ ليس في نهج المدارس او في اداراتها. وتبدو المدارس المسيحية حيوية وتقدمية. وكان الحضور في مدرستي البنات المسلمات 149 تلميذة فقط..وهو ليس رقما كبيرا ولكنه جيد بالمقارنة، مع اخذ الأمور كلها في نظر الإعتبار، بمدارس البنين.

كما افتتحت 5 مدارس في القرى المختلفة للمسلمين و11 مدرسة في قرى المسيحيين. كما وتوجد ايضا 5 مدارس حكومية أكبرها في تلعفر يحضرها 80 تلميذ. وقد لاحظنا ان هناك ترددا عظيما لدى الناس في ارسال اولادهم الى المدرسة في تلعفر خشية من ان يصبحوا افندية أي اعضاء في طبقة الموظفين المخنثين الأتراك [تبرز هنا طبيعة نظرة الناس في منطقة مثل تلعفر الى الموظفين الترك من طبقة الأفندية حيث يعدهم الناس من المخانيث ممن تعوزهم الشخصية الرجولية].

ويعد تعليم اليزيدية أمرا معقدا بسبب معتقداتهم الدينية التي تمنع القراءة والكتابة على اليزيدية باستثناء اسرة واحدة من ألشيوخ تعرف ببيت البصري [نسبة الى الحسن البصري. وهو انتساب وهمي لأن علاقة لاتوجد بين الحسن البصري واليزيدية]. وعندما افتتحت المدرسة في بلد سنجار [قضاء سنجار]، قرر اليزيدية الأكثر تقدمية [انفتاحا] ارسال اولادهم اليها. ولسوء الحظ تسببت الأمطار الغزيرة بسيل عارم في الوادي جرف معه أربعة من الأطفال ممن يدرسون في تلك المدرسة مما تسبب بردة فعل لدى المحافظين [من اليزيدية] لذا لايوجد في الوقت الحالي سوى اربعة تلاميذ يزيدية في المدرسة [لاحظ ان اربعة أطفال كان مصيرهم الغرق، ولعل سبب الإبقاء على أربعة آخرين نوع من التقية الطقوسية غامضة الجذور عند اليزيدية].

الخدمات الطبية

ومن بين الإيجابيات التي قدمتها الحكومة، ربما لم ينل أيها شهرة أو يتمخض عن نتائج سياسية افضل كما هو الحال مع الخدمات الطبية. فقد تحقق تقدم كبير في هذا الإتجاه. فقد تم توسيع مستشفى الهلال الأحمر القديمة لتصبح مستشفى مدنية بردهات مخصصى للنساء الى جانب ردهات الرجال. وكان الجراحون المدنيون [المحليون] يساعدهم طبيب بريطاني مساعد ورئيسة ممرضات وممرضتين بريطانيتين كما استقدمنا عددا من الممرضات الأرمنيات بالإضافة الى طبيبين او ثلاثة من الموصل : [هنا نقتبس ماذكره الدكتور محمود الحاج قاسم حول الطبيب سليمان غزالة (1853 ــ 1929) "الذي كان أديبا وشاعرا فضلا عن دراسته الطب في جامعة باريس، والدكتور حنا خياط مدير مستشفى الهلال الأحمر في الموصل، وكذلك الدكتور عبد الله قصير(1877ــ 1987) والدكتور كريكور استارجيان الذي تخرج في جامعة اسطنبول عام 1907 م وكان لهُ مؤلفات وكتابات وبنى قصراً فخماً في الموصل قبالة جامع النبي يونس"، وننوه بالدكتور داؤد جلبي والدكتور آكوب جوبانيان وغيرهم..ويرجح ان بيل قد اشارت اليهم في معرض حديثها عن الأطباء المحليين..وقد قدم هؤلاء الأطباء الرواد خدماتهم للموصل في العقود الأولى من القرن العشرين..مما وضع اللبنات الأولى لهذه المهنة الجليلة في الموصل التي ماتزال من أفضل مدن العالم وأكثرها عراقة في تقاليدها الطبية..وكان الدكتور البريطاني باترسون رئيس صحة الموصل عام 1919، قد دعى الى تشكيل "الجمعية الطبية في الموصل"، وقد إنظم إليها 25 عضواً منهم 3 بريطانيون و19 طبيبا عراقيا و3 صيادلة..و تألفت اللجنة الإدارية للجمعية من كل من د. باترسون رئيساً ود. داؤد الجلبي نائباً للرئيس ود. عبدالله قصير سكرتيراً .وكان من مهام الجمعية نشر الوعي الصحي وإلقاء المحاضرات التي تولت الصحافة المحلية نشرها كما يعود الفضل في تأسيس جمعية الهلال الأحمر العراقية الى الموصلي أمبن عاصمة بغداد عام 1932 أرشد العمري الذي دعا 150 شخصا من وجهاء الدولة العراقية واعيانها ومفكريها الى اجتماع في مكتبة الاوقاف العامة حيث عرض عليهم فكرة تشكيل جمعية للهلال الاحمر العراقية فتم تشكيل الجمعية وبمساندة كبيرة من البريطانيين ومن الملك فيصل الأول قبيل وفاته بسنة]. وقد قدمت الممرضات الأرمنيات خدماتهن على أحسن مايرام فكن على قدر عظيم من الفائدة..وكان الأطباء المحليين [الموصليين] على درجة عالية من القدرة وكانوا مدربين في مهنتم على افضل وجه وكان أحدهم قد تلقى تعليمه [في الطب] بالتمام في باريس [الأرجح ان المقصود هو الطبيب سليمان غزالة].


كما تم فتح المستوصفات في كل مراكز الأقضية والنواحي [تتبع الموصل ستة أقضية، هـي الموصل المركز، العمادية، زاخو، دهوك، عقرة، سنجار، ويتبع هذه الاقضية احدى عشرة ناحيـة] وكان الأطباء العسكريين يقدمون في بعض الحالات خدماتهم فور نشوء الحاجة اليها في تلك المناطق. وتعد الملاريا أكثر المشكلات الصحية خطورة وبخاصة في مناطق التلال [تقصد المناطق التي تتخللها منخفضات ارضية تشكل مستنقعات ملائمة لأنتشار البعوض]. وهناك أماكن يعاني سكانها بشدة من انتشار الملاريا وتعد الوفيات بين ألأطفال بسبب الإصابة بالملاريا عالية بشكل ملحوظ. وكانت الحكومة العثمانية توزع الكنين مجانا كإجراء صحي. وتعد خطورة الملاريا وحدها كافية لتبرير تجهيز المساعدات الصحية في الريف كلما تتاح الفرصة لمثل هذه المساعدات.

وقد تيسرت المواصلات كثيرا مع بغداد بواسطة سكك الحديد الممتدة حتى قلعة الشرقاط التي تبعد 70 ميلا عن الموصل..وقد تم تمهيد جوانب كبيرة بين الشرقاط وبغداد وتزويدها بالمعدات الضرورية لإكمال الخط. ويبدي الناس رغبة كبيرة بإكمال خط سكك حديد الموصل ..فقد يكون فيه اشارة لجعل الولايتين [بغداد والموصل] أقرب الى بعضهما كثيرا مما سبق).


كنائس الموصل

ويوجد في الريف الخصب حول المدينة [الموصل] والى الشرق من دجلة اعداد من المسيحيين اكثرهم من الكلدان على الرغم من وجود جماعات صغيرة من اليعاقبة والنسطوريين ايضا. ويقيم البطريرك الكلداني [مار يوسف عمانوئيل الثاني] في الموصل حيث يشكل الكلدان اكثرية الحرفيين المهرة في المدينة.. بينما يعمل الكلدان الذين يقيمون خارج المدينة بالزراعة ويشتهرون بمهاراتهم اذ تعد قراهم أكبر القرى في الولايات [العثمانية] واكثرها ازدهارا. وهنالك رسول بابوي معين في الموصل لرعاية مصالح الكلدان والسريان الكاثوليك فضلا عن اعتناء الآباء الدونوميكان بمدرسة ومستشفى في الموصل وهناك الكثير من مرتادي المدرسة والكنيسة الدونوميكانيتان.كما تحتضن الموصل قساوسة سريان كاثوليك ونسطوريين ويعقوبيين..كما تعزز التنوع المسيحي في المدينة ليشمل جماعات من الرومان الكاثوليك والبروتستانت والأرثودوكس التابعين للكنيسة اليونانية. وكان الرومان الكاثوليك والكنائس الوحدوية البابوية (الكلدان والسريان الكاثوليك)..تحت الحماية الفرنسية كما هو الحال في الأنحاء الأخرى في الأمبراطورية العثمانية. ولايوجد أدنى شك ان امكانية ضمان محام اوربي [عن مصالح الطوائف المسيحية الشرقية] لدى الدولة العثمانية، كان محفزا قويا للتوحد [الإنضواء تحت ] مع كنيسة روما [الكاثولوكية]. وكانت سياستنا قبل الحرب تتسم بالميل لحماية الكنيسة النسطورية [الآشورية] أزاء الكنائس المتفرعة عنها كالكنيسة الكلدانية الكاثولوكية.ودافعنا لذلك كان وجود هيئة تبشيرية صغيرة ولكنها مثيرة للإعجاب بين النسطوريين تعرف ببعثة اسقف كنتربري التبشيرية للنسطوريين. [بذل الأنكليز ومعهم الأميركان ومنذ بداية القرن التاسع عشر جهودا جبارة في نشر المذهب البروتستانتي بدون تحقيق نجاح يذكر نظرا لتمسك المسيحيين المشارقة بكنائسهم والنجاح النسبي للكاثوليك والدونوميكان في تحقيق بعض المكتسبات للكنيسة الكاثوليكية]. ومن جهة أخرى عزز وجود البعثة التبشيرية الدونوميكانية بمدرستهم الجيدة ومستشفاهم في الموصل الميل للتطلع الى فرنسا.. فالعلاقة مع روما قوية ويرجح ان تبقى كذلك لأن الكنيسة الكلدانية لا اموال [أو أوقاف] لها وتعتمد في تمويلها على روما.[في الواقع تتمتع الكنيسة الكلدانية بأموال تردها بطريق الهدايا العينية لأتباعها وأكثرهم أغنياء كما توجد في الكنائس الكلدانية مكتبات ثرية بالمصادر النادرة].


انظر أيضاً


المصادر

  1. ^ تاريخ الموصل - سعيد الديوة جي 1982
  2. ^ الموصل في العهد الراشدي والأموي - عبد الماجود احمد السلمان
  3. ^ جوامع الموصل- سعيد الديوة جي 1963
  4. ^ "الموصل أيام زمان" - أزهر العبيدي
  5. ^ ابن العبري ص:314. المقريزي ج1 ص:499
  6. ^ تاريخ المغول العظام والإليخانيين. د. محمد سهيل طقوش. دار النفائس. ط-1 ص: 194-195.ISBN 9953-18-434-8
  7. ^ صلاح سليم علي (2014-07-12). "احتلال الموصل عام 1918 جرترود بيل". عنكاوا.
  8. ^ صلاح سليم علي (2014-07-12). "احتلال الموصل عام 1918 جرترود بيل". عنكاوا.
  9. ^ توفي مود بسبب اصابته بالكوليرا اثر شربه لحليب ملوث في بغداد في 18 نوفمبر 1917، ودفن بمقبرة الانكليز في الوزيرية وفي مكان قريب من قبر جرترود بيل التي ماتت بعده بتسع سنوات عام 1926
  10. ^ هو الشيخ حميد بن الشيخ عزيز طالباني غادروا مع قبيلتهم كركوك الى خانقين تفاديا للتصادم مع التركمان الذين يشكلون الأكثرية التالية للعرب والمسيحيين في المدينة ويبدو ان اسرة الشيخ حميد الطالباني فضلت البقاء في كفري
  11. ^ غالبا ما تناصب الأقليات العداء لنظم الحكم القائمة في مواطنها وترحب بالأجنبي كمحرر لها
  12. ^ لم تحدد أية مدينة بالإسم وأرجح انها تقصد كركوك
  13. ^ [لعلها تقصد أكراد السوران أو أكراد الجنوب تمييزا لهم عن البهدينان او اكراد الشمال في حكاري وسيرت
  14. ^ [هو محمود الحفيد ابن الشيخ سعيد نصب نفسه ملكا على كردستان وشارك في التصدي للإنكليز في جنوبي العراق وقصة منديله الذي وضعه في يده لتفادي لمس يد الضابط الإنكليزي الذي مدها لمصافحته مشهورة في الأدب الشعبي
  15. ^ لايوجد مصدر آخر يوثق موقف الشيخ محمود الحفيد هذا او يؤكد مصداقية ماذهبت اليه بيل وقد شارك الشيخ الحفيد في مقاومة الإنكليز فكيف يطلب ان يكون ممثلا لهم في حكومة كردية!
  16. ^ [لحماية بلاد فارس من هجوم تركي الماني او تمدد روسي
  17. ^ أي "جسر الذهب" وهي مدينة تركمانية صغيرة تقع على الزاب وتعد همزة وصل بين بغداد وكركوك والموصل وأربيل في قلب المثلث الآشوري
  18. ^ للإطلاع على مزيد من المعلومات ينظر "التشكيلات العسكرية في الموصل منذ أواخر العهد العثماني الى 1958" بقلم الدكتور ابراهيم خليل العلاف
  19. ^ الكلمة التي استخدمتها بيل هي "ربط"
  20. ^ يؤكد الأنكليز في تقاريرهم على ان للموصل هوية عسكرية ولأهلها ميل قوي للأستقلال والقيادة مما جعلهم عصيون على الأنقياد أقوياء الشكيمة ليس من السهل بأي حال إرضائهم، كما في تقرير كرسته بيل لوصف الموصل حصريا، وهي تشاطر في رأيها في الموصل واهل الموصل موقف مارك سايكس الذي كان وراء تخلي بريطانيا عن الموصل لفرنسا ولعله وراء اقتراح وضعها تحت ادارة عسكرية صارمة كونه المسؤول الأول في حلقات صنع القرار الخاص بالشرق الأوسط في ذلك الوقت
  21. ^ خضمة، أجة أو مجة: وقد تكون مرة
  22. ^ وهو منخفض يقع بين بيجي والشرقاط يتجه شرقا ويقع من الناحية الجيولوجية في المنطقة الانتقالية بين السهل الرسوبي ومنطقة الجزيرة وقد دارت فيها مواجهات بين الجيش العثماني وجيش الاحتلال البريطاني. ويبدو ان بيل اعتبرتها بداية الأراضي المتموجة أو شبه الجبلية حيث لاتنمو النخيل. ولا ادري اين كانت بيل قد شاهدت نخيلا بين شمال سامراء وحتى الفتحة ان لم تعتبر منطقة طوز خورماتو ضمن المناطق الصخرية
  23. ^ http://www.cnn.com/2003/WORLD/meast/07/22/sprj.irq.sons/index.html
  24. ^ http://www.forbes.com/afxnewslimited/feeds/afx/2007/12/04/afx4401017.html
  25. ^ مذهب استسرائي يسعى اتباعه الى تجنب العالم المادي والتعلق بعالم الروح والتوحد به بطريق التسامي الروحي على نحو يماثل المناهج الارتقائية بالنفس عند الصوفية والإشراقية..ويعتقد الأدريون بقوة ان الوجود المادي ومجسماته الجسمانية هما حبس للروح وأن أكتمال الذات يتحقق بالتوحد بالروح الكلية التي صدر عنها الوجود
  26. ^ اي لايسمح للمنتسب لشريحة البيورة بالتزوج من شريحة الفقراء او بالعكس
  27. ^ لم يرد ذكره في المصادر
  28. ^ لم يرد ذكرها في المصادر
  29. ^ بمايشبه وظيفة رضوان في التقاليد الإسلامية
  30. ^ لعلها تقصد الشيخ مند الذي يوجد مزار له في بحزاني وتقام باسمه في كل سنة طوافة لليزيدية في بحزاني وهو غير النبي مندو الذي يقع مقامه في موقع معركة قادش بالقرب من حمص ويزعم ان مندو الأخير هو الأخ الأصغر للنبي يوسف ع
  31. ^ [ ذكر لي ابن احد شيوخ اليزيدية في بيبان ان تسمية الكتاب بالكتاب الأسود هو خطأ شائع والتلفظ الصحيح يجعل عنوان الكتاب هو كتاب الشمس
  32. ^ [ يميز فلاديمير مينورسكي وهو من افضل المراجع في شؤون الأقليات في وسط آسيا وشمالي العراق وأيران بين القبيلة والطائفة على اساس المراتبية الإجتماعية والدينية فيعد الشبك والكاكية والصارلية واليزيدية طوائف لأن تنظيمها يعتمد على تراتيبية دينية. ويميز على هذا الأساس بين الباجلان والشبك عادا الباجلان قبيلة بينما اعتبر الشبك طائفة ولعله اعتمد على مصادر عراقية كالأب انستاس الكرملي في مقالته الممتازة المنشورة في مجلة المشرق وعنوانها "تفكهة الأذهان بالتعريف بثلاثة أديان" فضلا عن كتابات الشيبي والحسني والغلامي ومصطفى جواد حول هذا الموضوع
  33. ^ الأحوال المدنية والنزاعات
  34. ^ بذل الأنكليز ومعهم الأميركان ومنذ بداية القرن التاسع عشر جهودا جبارة في نشر المذهب البروتستانتي بدون تحقيق نجاح يذكر نظرا لتمسك المسيحيين المشارقة بكنائسهم والنجاح النسبي للكاثوليك والدونوميكان في تحقيق بعض المكتسبات للكنيسة الكاثوليكية
  35. ^ في الواقع تتمتع الكنيسة الكلدانية بأموال تردها بطريق الهدايا العينية لأتباعها وأكثرهم أغنياء كما توجد في الكنائس الكلدانية مكتبات ثرية بالمصادر النادرة
  36. ^ في الواقع لا صلة للشبك بالعلي إلهية كما ذهبت بيل الى الأفتراض، ولكنهم كما يذهب الكرملي وحامد الصراف يقدسون الإمام الرابع علي زين العابدين ويسمونه علي رش وله مقامات في قراهم ومزار في قرية بأسم علي رش وفي رأي مينورسكي ان الكوران وليس الشبك يتصلون مباشرة بالعلي الهية
  37. ^ هنا نرى ضمنا ان بيل تفترض صلة توجد او انها تخلط بين الكرد الفيلية واللور في المناطق المذكورة والعلي إلهية ربما لأن الفيلية أكراد شيعة معروفين بتقديسهم لعلي ع
  38. ^ توفي الشيخ فرحان الجربا عام 1890
  39. ^ لم تتحدث بيل عن سلوك الشيخ في السنة الماضية
  40. ^ محمد النجيفي هو والد السيد عبد العزيز النجيفي وجد السيد اسامة النجيفي رئيس البرلمان العراقي