حسين رشدي باشا

(تم التحويل من رشدي باشا)
حسين رشدي باشا

حسين رشدي باشا (و. 1863 - ت. 1928)، هو سياسي مصري ورئيس وزراء مصر أربع مرات. وتحت ضغط السلطات البريطانية أصدر رشدي قرار مجلس الوزراء والذي أعلن فيه الحرب أساسا ضد السلطات المركزية في الحرب العالمية الأولى.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

النشأة

نجل محمود حمدي الكاتم الثاني لأسرار وزارة الداخلية، ومحافظ القاهرة، ووكيل الداخلية، وينحدر من إحدى الأسر الألبانية التي وفدت إلى مصر مع محمد على رأس الأسرة المالكة.[1]

تلقى تعليمه في باريس على نفقة أهله، ثم انضم للبعثة الحكومية في فبراير عام 1883، وحصل على ليسانس الحقوق عام 1885، وعلى الدكتوراه من مدرسة باريس العالية، ونال دبلوم كلية العلوم السياسية من باريس.

عاد إلى مصر عام 1892، بناء على استدعاء من الخديوي عباس حلمي الثاني، واشترك مع أحمد شفيق – رئيس الديوان الخديوي- في وضع تقرير شامل عن حالة التعليم في مصر طلبه منه الخديوي عباس الثاني.


حياته السياسية

افتتح مكتباً للمحاماة، وعين في سلك الوظائف الحكومية فألتحق بقلم قضايا المالية عام 1892، وأثناء عمله هناك انتدب للتدريس بكلية الحقوق في أكتوبر عام 1893، ثم عمل مفتشاً للغات الأجنبية بالمعارف لمدة ست سنوات، وعهد إليه الخديوي عباس الثاني عام 1896 بإدارة مدرسة القبة، ووضع برامج لها، واختيار أساتذتها.

عين قاضياً بمحكمة مصر الابتدائية المختلطة (1899- 1905)، فمستشاراً بمحكمة الاستئناف (1906- 1907)، فمديراً لديوان الأوقاف (1904- 1908)، إلى أن اختير وزيراً للحقانية في عهد نظارة بطرس غالي (1908- 1910).

تولى مهام منصب ناظر الخارجية في نظارة محمد سعيد باشا الأولى (1910- 1913)، ثم صدر أمر عالي بتوليه نظارة الحقانية بدلاً من الخارجية.

رئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية في وزارته الأولى (5 إبريل 1914- 19 ديسمبر 1914)، ثم شكّل وزارته الثانية (19 ديسمبر 1914- 9 أكتوبر 1917) واحتفظ فيها بمنصب وزير الداخلية، وقد استمرت وزارته بعد إعلان الحرب العالمية الأولى، وانفصال مصر عن تركيا وانضمامها إلى دول الحلفاء، وخلع الخديوي عباس عن العرش، حيث كان الخديوي يقيم في إسطنبول في هذا الوقت، وكان رشدي قائماً بالوصاية على العرش حتى تقلد السلطان حسين كامل الحكم.

تبوأ منصب رئيس الوزراء ووزيرا الداخلية في وزارته الثالثة (10 أكتوبر 1917- 9 إبريل 1919)، ونسق حسين رشدي أثناء ثورة 1919 مع سعد زغلول ضرورة سفر وفد حكومي لعرض المطالب.

رئاسته الوزارة

حكومته

"تشكيل الحكومة من 5 أبريل 1914 - 19 ديسمبر 1914"
الوزير الوزارة
إسماعيل باشا صدقي نظارة الزراعة
إسماعيل سري نظارة الأشغال العمومية، نظارة الحربية والبحرية
حسين باشا رشدي نظارة المالية
عبد الخالق باشا ثروت نظارة الحقانية
عدلي باشا يكن نظارة الخارجية
محمد باشا محب نظارة الأوقاف
يوسف باشا وهبة نظارة الأوقاف


وكان وزير المالية الفعلي هو رونالد لندسي في الفترة من 1913-1919. وضمن المجهود الحربي، في 3 أغسطس 1914 أعلنت الحكومة المصرية فض الارتباط بين الجنيه المصري والغطاء الذهبي.

رئاسته الوزارة الثانية

حكومته

"تشكيل الحكومة من 19 ديسمبر 1914 - 9 أكتوبر 1917"
الوزير الوزارة
أحمد حلمي وزارة الزراعة
إسماعيل باشا صدقي وزارة الأوقاف
إسماعيل سري وزارة الأشغال العمومية، وزارة الحربية والبحرية
حسين باشا رشدي وزارة الداخلية
عبد الخالق باشا ثروت وزارة الحقانية
عدلي باشا يكن وزارة المعارف العمومية
يوسف باشا وهبة وزارة المالية

الوضع المالي أثناء وزارتيه في الحرب العالمية الأولى

انتشرت البنوك الاجنبية في انحاء مصر، فتهافت عليها اغنياء مصر فاودعوا فيها اموالهم بسخاء وبثقة وبامانة، وكانت هذه الودائع بدون فوائد، وهذه البنوك ترسل الاموال لبلادها وهناك يستثمرونها في خصوصياتهم ومصر عمياء لا ترى صماء لا تسمع. واذا عادت هذه النقود الى مصر فانها انما تعود ليقترض منها المصريون بفوائد عالية، حتى الحكومة فانها اعطت اموالها للبنك الاهلي بفائد 1، 1.5% مع علمها بان هذا البنك يرسل اموالها الى الخارج، وكانت انجلترا اكثر الدول استئثارا بهذه الكنوز حيث كان البنك الاهلي تابعا لها.

كان لنشوب الحرب العالمية الاولى عاملا بارزا في تغيير مجرى الحياة الاقتصادية والمالية في مصر فمنذ ان اعلنت الحرب قام الافراد بسحب ودائعهم من البنوك واقبلوا على الاسواق لشراء ما بها احتياطيا لما تخبئه الايام. وقد نتج عن ذلك ان البنوك لم تقو كلها على استمرار دفع الامانات الى اصحابها فاغلقت في وجوههم ابوابها، واذا سئل احدهم يسمع رد مدير البنك قائلا "نحن لا نقدر ان نعطيك اموالك الآن اذهب، ولا يؤاخذنا المصريون في ان نقول لهم العوض على الله".

وتبع ذلك ان كفت البنوك عن التسليف على المحصولات فتقول صحيفة الوطن: "قد باتت الحالة المالية والاقتصادية في مركز سيئ ، والجمهور لا يفتأ يتزاحم على البنوك لسحب امواله منها وتحويل ما لديه من السندات والاوراق المالية الى ذهب وفضة والغالبية في البيوت المالية منعت معاملتها، واقفلت ابواب التسليف على الاقطان ومختلف الحاصلات".

احست الحكومة بتلك الازمة فاصدرت أمرها في 4 اغسطس 1914 باعلان الموراتوريوم – التأجيل الجبري – اي عدم دفع الودائع والامانات والديون لاربابها الى اول نوفمبر 1914 وتبع ذلك ان اجلت المواعيد التي يجب ان تعمل فيها البروتستات وجميع الاجراءات الخاصة بالمطالبة وذلك فيما يتعلق بجميع الاوراق الجائز التداول بها وانه لا يجوز مطالبة الممولين وغيرهم من المتلزمين بالسداد اثناء مدة هذا التاجيل، أما الفوائد فتكون واجبة من تاريخ الاستحقاق إلى تاريخ الوفاء.

وهذا الاجراء لم يعد بالنفع على الامة اذ ان التجار من اولى الزمم الواسعة لعبوا بالامر ورفضوا تسليم البضائع الواجب تسليمها الا اذا قبل النصارى ان يزيدهم في الثمن معتدمين في ذلك على الامر السابق بشان التاجيل الجبري. وتوالت اجتماعات مجلس الوزراء وكان يحضرها شيتهام للبحث فيما يختص بالازمة المالية.

وفي 26 اكتوبر 1914 صدر امر بانتهاء التاجيل الجبري فساءت الحالة المالية. حتى انه بلغت البروتستات التي اقيمت على التجار في النصف الاخير من نوفمبر 1914 حوالي 2500 في دائرة محكمة مصر المختلطة، 1500 في دائرة محكمة الاسكندرية المختلطة، 550 في دائرة محكمة المنصورة المختلطة.

وامتنعت الاموال عن التجارة وهذا أدى إلى اضطراب في السوق المصرية وكان ذلك بالاضافة الى امتناع كثير من الناس عن شراء كل ما لم يكن ضروريا جدا من الاسباب التي دعت كثيرا من المحلات التجارية الكبرى الى تقليل مصاريفها قدر الامكان ولو برفت مستخدميها. وبناء على ذلك ايضا اجلت الحكومة كل المشروعات التي كانت قد بدات في تنفيذها. وكان هذا وامتناع البنوك عن فتح حسابات جارية داعيا لزيادة الربكة المالية، وبعد ان وقفت حركات البنوك الخاصة بالتسليف على الغلال اصبحت مخزونة في شون البنوك كرأس مال ميت غير قابل للتداول ولا للاستفادة منه. هذا عن المعاملات الداخلية اما الخارجة فقد وقفت وقوفا تاما حتى انه لم يتمكن الناس من دفع ما عليهم الى الخارج او تحصيل ما لهم هناك بينما قلت الاموال المتداولة بين الناس في القطر وقلت بالتالي الثروة التي يملكونها. والنتيجة ان اقبل الناس على بيع حليهم ليدفع بعضهم ديونه التي حلت آجالها وليقتات البعض الاخر باثمانها، وكان من اثر ذلك ان انخفضت اثمانها بزيادة عرضها.

اعتمدت مصر في نظامها النقدي على الذهب لكن ليس معنى هذا انه لم يكن لديها قبل الحرب اوراق نقدية. فقد خول للبنك الاهلي منذ انشائه حق اصدار هذه النقود الورقية لكنها لم تكن الزامية بالرغم من انها كانت قابلة للصرف بالذهب. فان المصريين لم يطمئنوا الى هذه العملة واقتصر استخدامها على فئات قليلة من اهل المدن وعلى الاجانب "لذا ظل تداولها محدودا بحيث لم يزد الموجود منها قبل نشوب الحرب العالمية الاولى عن 3.200.000 ج وقد نص قانون البنك الاهلي على ان يكون غطاء اوراق النقد على اساس النصف من الذهب والنصف الاخر من اوراق مالية تحددها الحكومة المصرية".

وكانت اوراق البنكنوت هذه بمثابة نقود اختيارية وذات اهمية ثانوية. اما نقود الودائع فلم يكن لها اهمية تذكر ويرجع قلة اقبال الشعب على استعمال البنكنوت او نقود الودائع الى وفرة النقود الذهبية. ثم الى قلة خبرة الافراد بالشئون النقدية، وكانت شئون النقد اولى المسائل التي اولتها السلطات اهميتها. فقد كان الذهب النقد القانوني للمدفوعات الت يتزيد عن جنيهين. وكانت الحاجة في بداية الحرب ماسة الى هذا العون اولا لحلول موسم القطن – كانت مصر تستورد النقود الذهبية من انجلترا في الشتاء وتحتفظ بها لتمويل محصول القطن حتى نهاية الموسم ثم تعيد تصدير اغلبها في الصيف. والواقع أن جزءا كبيرا من هذه النقود الذهبية المستوردة لم يكن ثمنا للصادرات وانما بمثابة قروض تمنحها لتمويل محصول القطن – ودفع ثمن المحصول، ثانيا لضرورة وجود مزيد من الذهب بدلا عن البنكنوت خشية الاندفاع على البنوك.

واصبح من الضروري، ومن اللازم النظر في طريقة توفير النقود والتي تتداولها الايدي سواء كان لتمكين البنوك من دفع قيمة ما هو مودع في خزانتها للذين تزاحموا على ابواب البنوك او لتقديم النقود الصغيرة للاهالي. علاوة على ما هو مطروح للتبادل بينهم حتى تسد هذه النقود حاجة البلاد اثناء بيع القطن. وتحل محل الذهب الذي كان يرد لنفس هذا الغرض. والذي اصبح من الصعب استيراد الكميات المطلوبة منه تلك التي كانت تصل اليها كل عام في المواسم التجارية. وكان لابد من مد السوق بالنقد لمواجهة الطوارئ. واتخذت الاوراق التي يصدرها البنك الاهلي اساسا لهذا النقد بشرط عدم تقديم كميات كبيرة منها للصرف حتى لا يستنفد الرصيد الذهبي. وفي 2 اغسطس صدر قرار بجعل اوراق البنكنوت الصادرة من البنك الاهلي لها نفس القيمة الفعلية للنقود الذهبية.

وصرح البنك الاهلي باصدار البنكنوت دون مراعاة ان يكون له الغطاء الذي نص عليه القانون والغى حق حاملها في استبدالها ذهبا، وقد كانت هذه الاوراق النقدية مغطاة الى 50% بالذهب والنصف الاخر بسندات على الخزانة المصرية لغاية 2.350.000 ج.م. أصدرت خصيصا لهذا الغرض وذلك لمعالجة ندرة النقود وقلة الائتمان اللذين نشأ بسبب الحرب.

واصبح الافراد ملزمين بقبول البنكنوت في التعامل باي مقدار دون قيد او شرط. واعفى البنك الاهلي من التزامه بدفع مقابل النقد ذهبا، وصار النقد المصري نقدا الزاميا يسيطر عليه البنك.

تبع ذلك ان اعتمدت الحكومة لتمويل محصول القطن على البنكنوت بعد انقطاع قدوم الجنيهات الذهبية اللازمة لتمويله. ولما كان فرق السعر القانوني لاوراق البنكنوت لم يكن كافيا، وللافراد الحق في مطالبة بنك الاصدار بصرف قيمة اوراق البنكنوت بالذهب، لاجل هذا وذاك فرض السعر الالزامي لاوراق البنكنوت المصرية، وكانت النتيجة هو الانتقال من مرحلة النقود الاختيارية الى المرحلة الالزامية.

زاد النقد المتداول – البنكنوت – في مصر زيادة كبيرة. وقد كان لوجود الجيوش التابعة للامبراطورية البريطانية في مصر عاملا كبيرا في الاقبال على اموال البلاد اقبالات غير معتاد فتقول صحيفة السفير "ان وجود عدد كبير من الجنود البريطانيين في البلاد عاد بالنفقات الكثيرة على مصر ولم تقتصر الفائدة على المدن والجهات التي حشد فيها الجند، بل ان طلبات الجيش العديدة التي تبادلت العمال والعلف والمؤن والنقليات والمهمات على اختلاف انواعها اوجدت حركة رائجة في مصر".

كذلك كان لارتفاع اسعار القطن من 14 ريال سنة 1913 الى 38 ريال في 1916 الى 90 ريال في 1919 عاملا آخر في زيادة البنكنوت، وفي الامكان تقدير الزيادة في الموارد المالية فمثلا كانت تؤخذ ارقام ميزان التجارة من صادر ووارد – وقد زادت الصادرات على الواردات وكان الميزان التجاري في صالح مصر – يضاف اليها المبالغ التي وردت البلاد للحاجات العسكرية فتبين الزيادة الملحوظة في البنكنوت، ايضا زادت المبالغ المودعة في البنوك وفيها استخدم لوفاء الديون ثم في الزيادة في رؤوس الاموال المشغلة في الخارج، وعلى سبيل المثال فقد زادت رؤوس الاموال المصرية بعد اعلان الحرب بسنتين ونصف زيادة تبلغ نحو 30 مليون جنيه. وفي هذا المبلغ زيادة عشرة ملايين في السندات المحفوظة مقابل اصدار اوراق البنكنوت.

من هذا نرى بداية انخفاض قيمة النقد الورقي وازدياد الطلب على العملة المصرية لشراء القطن ثم لارتفاع اسعاره ولتغطية احتياجات القوات البريطانية ثم ازدياد الصادرات على الواردات سبب ذلك كله – وطبقا لقانون جريشام – ان اختفى الذهب من التداول لانه اضحى عملة جيدة واصبح البنكنوت وهو النقود الرديئة الاداة الرئيسية للتعامل.

ولما زاد النقد المتداول ولم يقابله الرصيد الذهبي بل لم تستطع مصر صرف رصيد في الحصول على السلع الاجنبية فاوجد هذا الوضع حالة من التضخم المالي وهو مرض نقدي عبارة عن الزيادة غير الاعتيادية في كمية النقود المتداولة ومن نتيجته ان يعتري الوحدة النقدية انخفاضا في وقتها الشرائية، واصبح البنك الاهلي لا يحول البنكنوت بالذهب، والعملة المصرية غير قابلة بان تستبدل بالذهب، وصار الفلاحون – والمصريون عامة – ملزمين بقبول البنكنوت في التعامل وبدون قيد او شرط وحل الجنيه الانجليزي محل العملات المصرية والاجنبية في التداول.

وقد قاسى الشعب من تداول هذه الاوراق فلم يكن معتادا عليه ان يستبدل العملة التي كان يستعملها هو وآباؤه واجداده بعملة اخرى وكثرت الحوادث التي دلت على جهل المصريين لاستعمال هذه العملة فلم يكن المصري يتصور كيف اختفى الجنيه الذهب من جيبه وحل مكانه قطعة من الورق فاعتبر ان الدنيا قلت خيراتها باختفاء الذهب من يده وبغلاء الاسعار، فالمصريون جميعا لا يودون التعامل بالورق حتى المتمدنين لا يثق الا بالذهب والفضة فما بال الفلاح القروي الذي لم ير في مدة حياته هذا الورق، واذا قيل له ان "الفلوس ابدلت بالورق سخر من قائله وضحك ولا يمكن ان يصدقه" وراحت الحكومة تسن قوانين العقوبات لمن لا يقبل التعامل بهذا الورق.

وتعددت الحوادث وامتلأت بها صحافة الفترة قد حدث ان ثلاثة اشخاص قطعوا ورقة بنكنوت ذات عشرة جنيها الى ثلاثة قطع متساوية لكل واحد منهم قطعة تقول الشعب: "ان اوراق البنكنوت كثرت ويرى الجمهور مصاعب في صرفها ومهم من دفع عشرة قروش عن ورقة ذات خمسة جنيهات". وتذكر الاهرام: "ان الحمار اكل رغيف صاحبه وكان في الرغيف ورقة بعشرة جنيها، وقالوا ان رجلا وضع الورقة ثمن قطنه الى جانبه فاخذتها امرأته واحرقتها تحت ابريق الشاي، وحدث ان وجدت امرأة تحت وسادة زوجها ورقة نقدية فاعتقدت ان احدا يسحر لها ليبعد عنها زوجها فاخذتها وحرقتها ورمتها في الترعة".

واشتد الاقبال على الفضة مما ادى الى ندرة هذه العملة الصغيرة، فتقول الاهرام: "اما الازمة الفضية فيشكو من اشتدادها الخاص والعام في هذه الايام وكثير من التجار يحرمون من اشياء كثيرة لعدم وجود نقود فضية عندهم لاكمال ما يدفع لهم من الاوراق، فاذا اشترى المشتري بضاعة بثلاثين قرشا واعطى التاجر ورقة بقيمة خمسين قرشا لا يجد التاجر في خزاته عشرين قرشا فضية لتسوية الحساب فيضطر الى استرداد المبيع".

ونتيجة لازيداد الطلب ارتفع مقدار ما ضرب من هذه العملة من 2 مليون جنيه عام 1914 الى 7 مليون جنيه في فبراير سنة 1918. وهذا بالرغم من ان العملة الفضية عملة خصوصية وكان من المفروض الا تصيبها الازمة. وقد ارجع السبب في الازمة الفضية هذه الى وجود القوات الانجليزية في مصر، فازداد الطلب عليها، هذا بالاضافة الى اجر العمال الذين استخدمتهم السلطة العسكرية. واخيرا اضطرت الحكومة الى ادخال كميات من الروبيات الهندية.

وطلب بنك انجلترا من البنك الاهلي الموافقة على احلال السندات البريطانية محل الذهب كرصيد لاصدار البنكنوت، وتبع ذلك ان اخذ نظام العملة المصرية ينتمي الى نظام الاسترليني وتحول عن قاعدة الصرف بالذهب.

وهكذا اجازت الحكومة المصرية للبنك الاهلي حق اصدار اوراق البنكنوت من غير ان يكون ملزما بالاحتفاظ في خزائنه بما يعادل نصف قيمتها من الذهب – وبمقتضى هذا تمكن انجلترا من الحصول على النقد المصري اللازم لها لشراء محصول القطن وغيره من الغلات المصرية ثم لسداد نفقات جيوشها بالقطر المصري دون ان تصبح بها حاجة الى التنازل عن جزء من الذهب الذي في حوزتها. ولا ريب ان مثل هذا الوضع جعل في يدها قوة شرائية لا حد لها – وثبت سعر صرف الجنيه المصري الاسترليني رسميا. فالبنك الاهلي اصبح مستعدا للقيام بالتحويلات دون تقاضي تكاليف تزيد عن اجر البرقية والمصاريف الفعلية هذا بالاضافة الى اطلاق حرية تحويل احد النقدين الى الاخر بسعر التعادل 97.5 قرش دون قيد او شرط. كذلك قرر وزير المالية ان "الونيتو" يقبل في المعاملات على ان يكون تداوله اختياريا بسعر 77.15 قرش وان تقبله الخزانة المصرية دون قيد او شرط. وبهذا اصبح هناك فرق بين الجنيه المصري وبين الونيتو اذ اصبح الجنيه الانجليزي له سعر قانوني بينما الونيتو له سعر اختياري، كذلك تقرر تداول الجنيه الانجليزي بقانون بينما الونيتو بقرار وزاري.

وبهذا اصبح اصدار البنكنوت في مصر يتم مقابل تسلم البنك الاهلي اذونات الخزانة البريطانية او ايداع جنيهات استرلينية لحساب البنك في لندن وبذلك انقضت الرقابة على البنكنود المصدر وارتبط بالجنيه المصري بالاسترليني. وتعرض الاقتصاد المصري لاي اضطرابات نقدية في انجلترا فمثلا عندما تدهورت قيمة الجنيه الاسترليني بالنسبة للذهب في نهاية الحرب العالمية الاولى تدهورت بالتالي قيمة الجنيه المصري وحينما صدرت انجلترا مقادير كبيرة من الذهب لسداد ديونها انخفضت الى ابعد مدى قيمة وحدة عملتها. ومن المساوئ ايضا ان بيع القطن كان بسبب هذه القروض مرتبطا مقدما والى حد كبير بالسوق البريطاني، كما ان مصر لم تكن في نهاية اجل هذه القروض تجد غير صادراتها – القطنية في الغالب – لتسدد بها ما عليها.

وهكذا قضى على سوق مصر المالية وتحول عماد التعامل من الوحدة المعدنية الذهبية الى الوحدة الورقية الالزامية، واصبح اساس الثقة والاعتمادات ووثائق الائتمان معتمدا على الوحدة النقدية الاسترلينية بدلا من الذهب ، وبذلك غدت مصر جزءا من الكتلة الاسترلينية وسيطرت انجلترا على المعاملات في داخل مصر وخارجها اذ اصبحت مصر لا تستطيع ان تستورد ما يلزمها الا من منطقة الاسترليني. وكنتيجة للاجراء النقدي السابق ازداد التضخم المالي، فقد ترتب على تثبيت سعر الصرف بين انجلترا ومصر ان ارتبط الجنيه المصري بالانجليزي وبالتالي اصبح البنك الاهلي يشتري الكمبيالات المسحوبة على لندن بسعر التعادل ثم يصدر مقابلها اوراقا نقدية في مصر ويودع ما يعادلها من اذونات الخزانة البريطانية. وقد نجم عن هذا التضخم ارتفاع نفقات المعيشة اذ زادت من 100 سنة 1913 الى 212 سنة 1918.

وقد ارجع كل هذا الى عدم وجود نظام مصرفي مصري مستقل ينظم علاقة المصارف كلها ويجعلها تحت اشراف بنك مركزي.فكان من نتيجة ذلك عدم استقرار سياسة الائتمان كذلك كانت البنوك في مصر متخصصة في تمويل التجارة الخارجية وفي اعمال الرهونات فحرمت الزراعة والصناعة من الحصول على الاموال اللازمة لها باسعار فائدة معقولة.

ظل تفضيل الجمهور للنقود المعدنية ظاهرا باستمرار الطلب عليها – بالذات الفضة والنيكل – وقد لاقت الحكومة مصاعب كبيرة دون الحصول على اللازم من النقود الجديدة لسد الطلبات، فرغم استيرادها للروبيات الهندية ظلت الحاجة لذا ضربت نقود جديدة، ففي اكتوبر 1916 وجه السلطان حسين خطابا الى نائب الملك طالبا التصريح للحكومة المصرية بضرب نقود جديدة ورغم ان كل دولة – من المفروض – ان تكون حرة في اصدار عملتها بالشكل الذي تراه وبالرسم الذي تفضله الا ان انجلترا – ككل اجراء لها – لم تدع لمصر الحرية في ذلك وانما قيدتها في صك هذه العملة وفي رسمها ووزنها وسعر تداولها.

من هذا نرى الى اي حد ساءت حالة السوق المالية. وانتشر مبدا الفرض انتشارا عظيما وقد ارجع ذلك الى ان الاموال التي بالسوق المالي بمصر اجنبية والذين يديرون دفتها اجانب، فليس بين البنوك العديدة في مصر بنك يعتبر وطنيا. فكلها ملك للمساهمين الاجانب او فروع لبنوك اوروبية، فاي ازمة خارجية يكون لها اصداءها القوية في مصر. هذا بالاضافة الى طريقة التقييد الخاصة باصدار الاوراق المصرفية – البنكنوت – ذلك ان الاصدار قاصر على مصرف واحد وهو البنك الاهلي، وبما ان مقدار النقود يتغير في فصول السنة تبعا لحركة الاسواق المالية الاجنبية فكان حقا ان تتبع في اصدار الاوراق المصرفية هذه طريقة وسط بين الاباحية والتقييد حتى يمكن التمكن من زيادة هذه الاوراق او انقاصها حسب ما تقتضي الحالة.

مع بداية الحرب ظهرت دعوة جديدة تهاجم الوضع المالي للبلاد وتطلب الاستقلال المالي والاقتصاد فتقول الجريدة: "الواقع ان علاقتنا المالية بالدول المحاربة علاقة تابع ومتبوع، فاننا في سوقنا المالية لسنا الا غرباء، ان حالتنا المالية في السوق المصرية حالة منفعلة غير فاعلة وتابعة غير متبوعة لانه ليس لنا فيها راي مسموع ولا فعل ما. فالذعر لحقه ثقة الناس بالبنوك الاجنبية التي هي البنوك الوحيدة في مصر".

وتسطر الشعب: "لو كانت تلك المصارف مصرية لما اقفلت ولما تاخر بعضها عن دفع الاموال الت يهي حق شرعي من حقوق الوطنيين ولو كانت حقيقة مصرية لاستمرت الاعمال في سيرها ولما توقف تيار الحركة كهذه الايام السيئة. لو كان لنا بنك وطني يدير عملة في بناء البلد لكان الآن في بحبوحة من العيش ترفع باسم ذلك المصرف الوطني وتقترض منه في تلك الازمة حتى تنتهي الحرب".

وتبعتها بقية الصحف في ضرورة انشاء بنك وطني لحماية الحياة الاقتصادية والمالية في مصر وقد اخذ طلعت حرب منذ بداية الحرب يدعو وينادي لانشاء بنك وطني وكان قبل الحرب قد اسس شركة التعاون المالي. فلما انعقدت الجمعية العمومية لهذه الشركة في شهر مايو 1915 وقف فيها خطيبا واخذ يتكلم عن شئون البلاد الاقتصادية وما اصابها بسبب اعتمادها على الغير في كل معاملاتها وعدم اعتمادها على نفسها بانشاء المصارف والبيوت المالية واظهر مساوئ البنوك الاجنبية وبين ضرورة مساهمة الرأسمالية المصرية في تاسيس بنك مصري.

اما عن دور السلطة العسكرية بالنسبة للبنوك اثناء الحرب فانها لم تخفف يدها وسلطت سلطتها عليها وتدخلت في امورها. ومن مظاهر هذا التدخل حظرها على هذه البنوك دفع مبالغ مباشرة للاشخاص المعتقلين بمصر الا بتوقيع قومندان المعسكر الذي يكون صاحب (الشيك) معتقلا فيه. وقد حظرت هذه السلطة ايضا على تلك البنوك معاملة الموجودين في بلاد اعدائها بمقتضى منشور اصدرته في 25 يناير 1915.

وقد حددت السلطة بمقتضى اعلان عرفي صادر في 13 يونيه 1916 شكل الاقرار الذي يجب على كل شخص مكلف بدفع الارباح الخاصة بالسندات التي لحاملها او يدفع قيمة السندات المستهلكة ان يطلب تقديمه من المنتفع.

وبالنسبة لمالية الدولة، فقد تاثرت الحكومة بقيام الحرب تاثيرا كبيرا، فالدولة تعتمد على اعتمادا كليا على القطن في اقتصادها، ومنذ ان بدات الحرب هبطت اساعره ونقص محصوله وهو اهم صادرات مصر. وكان من نتيجة ذلك وقوف الحركة التجارية، ومن هنا ضعفت ايرادات الخزانة، وظهر العجز جليا، وابواب هذا العجز كانت متعددة فالرسوم الجمركية هبط دخلها هبوطا كبيرا وكادت تقفل ابوابها بسبب وقوف حركة التجارة والنقل وقطع العلاقات مع اعداء انجلترا. ورسوم الموانئ والمنائر مسها الضرر وذلك لتنقاص عدد السفن التجارية التي تطرق ثغور مصر البحرية. والرسوم القضائية والقيدية التي كان نقصها لقلة المعاملات التي تدعو الى التقاضي وقلة عقود نقل الملكية. هذا بالاضافة الى صدور الامر العالي بتاجيل القضايا وتوقيف الاحكام بالبيع الجبري، واخذت ايضا ابواب ايرادات السكك الحديد تنقص من خمسة عشر الف جنيه الى خمسة آلاف. اذ تاثرت من عجز محصول القطن وجمود حركة المبادلات التجارية. فمنذ الثالث من اغسطس 1914 قررت مصلحة السكك الحديدي ان تنقص عدد قاطرات الركاب والبضائع وقللت سرعتها خشية ان يطول زمن الحرب وينفذ الفحم الذي في مخازنها مع عدم استطاعتها جلب فحم من اوروبا اما لتعذر نقله او لغلاء ثمنه، كذلك اوقفت المصلحة الاعمال الهندسية فيها وذهبت الى ابعد من ذلك اذ اغلقت بعض محطاتها، واقتصدت في المواد والادوات التي تصنع منها المركبات لارتفاع اثمانها. ونقصت ايضا ايرادات البريد والتلغراف التي اثر فيها وقوف دولاب الاشغال بوجه عام، ومس النقص ايجار الاملاك الاميرية ومتحصلاتها التي تاثرت من جراء هبوط اسعار القطن.

وارسلت وزارة المالية لجميع المصالح تطلب الاقتصاد الكلي في المصروفات العمومية، واوقفت ايرادات الاعتمادات لكل وزارة وكل مصلحة، وبالتالي بدات الوزارات في الاقتصاد في نفقاتها، فقررة وزارة الاوقاف توقيف جميع اعمال المباني والاكتفاء بعمل الترميمات الجزئية التي تستلزم نفقات كثيرة. وتبعتها بقية الوزارات فاوفقت وزارة الاشغال معظم اعمالها الخاصة بالري، واقفت كل العقود الخاصة بالمصارف والسدود وبالذات في منطقة الوجه البحري وذلك بسبب نقص الايرادات، وذهبت الوزارة الى ابعد من ذلك فوفرت العدد الكثير من المستخدمين وتتصور الحالة التي يصيرون اليها وهم وعائلاتهم في الحال الحاضرة من الضيق والعوز فتدعل عن هذا القرار". وعلى الفور كونت لجان خصصية لدرس احتياجات كل وزارة في هذه الظروف الصعبة.

وفي اول مشروع ميزانية عام 1915 نقصت الايرادات عن العام الذي قبله مبلغ 2.923.000 جنيه، أما المصروفات فقد وفرت المالية 12.000 جنيه من بند الماهيات والاجور والمرتبات بسبب الغاء بعض الوظائف ومنع الترقيات والعلاوات وانخفض معدل اصدار الصحف وعدل عن انشاء المدارس واوقفت البعثات التعليمية والغيت اعانات الطلبة واقفلت المعامل الخاصة بالمصل واقتصد من اغذية المسجونين.


اما عن الزيادة فقد كانت الحربية لها النصيب في ذلك بسبب دخول مصر الحرب وايضا زيد البوليس ومجلس الوزراء والجمعية التشريعية والدواوين.

وهذه الزيادات لم تكن من مصلحة المصريين الذين طردوا من اعمالهم واصبحوا لا متوى لهم.

وفي عام 1916 زات ايرادات الدولة من السكك الحديدية والجمارك والدومين والبريد والارباح الناجمة عن مبيع القطن واصدار البنكنوت وسك نقود فضية، اما المصروفات فقد نقصت حتى انها تركت مجالا لاجراء اقتصاد كلي شمل جميع المصالح الاميرية. فالغيت كثير من الوظائف وكثير من الاعمال اصبحت مربوطة لحساب السلطة العسكرية كمصلحة المساحة والمطبعة الاميرية. وبالرغم من هذا الاقتصاد الا ان وزير المالية كان كثيرا ما يرسل للمصالح والوزارات يطلب المزيد والمزيد.

اما ميزانية عام 1917 فارتفع فيها رصيد الدولة، واصبح دخل مصر الصافي الذي قدر ب35 ملون جنيه يستغل في قروض حرب الحلفاء. ووضعت السياسة الادارية تحت صرف السلطة التي "ساعدت الانجليز بينما اهملت العناية بالاشغال العامة التي تخص البلاد" وازدادت بعض الايرادات في هذه الميزانية بسبب ارتفاع الاسعار وانصبت على الجمارك والسكك الحديدية والاملاك الاميرية. وبالنسبة للمصروفات فقد ازدادت بفتح اعتمادات اضافية وارتفاع الاجور ومصاريف الاشغال العسكرية للجيش وانشاء فرق جديدة وثكنات.

وفي ميزانية 1918 ارتفعت المصروفات فيها بسبب اعمال الحرب وتصاعد الاسعار، كما توقفت معظم الاعمال للاقتصاد هذا من ناحية، ومن اخرى فان طلبات السلطة العسكرية للعمال جعلت كثيرا من الاعمال توصد ابوابها، واصبح الفرق واضحا بين سنوات الحرب وسنوات ما قبل الحرب. فايرادات مصر ومصروفاتها ارتفعت في عام 1917/1918 الى 23.166.074 جنيها، و22.296.948 جنيها بينما كانت في عام 1913/1914 هي 17.703.898 جنيها، 17.656.961 جنيها كذلك الاحتياطي فقد وصل في ابريل 1918 ما يبلغ 6.770.179 جنيها بينما كان في ابريل 1914 هو 5.103.549 جنيها.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

رئاسته الوزارة الثالثة

حكومته

"تشكيل الحكومة من 5 أكتوبر 1917 - 9 أبريل 1919"
الوزير الوزارة
أحمد باشا زيور وزارة الأوقاف
أحمد حلمي وزارة الزراعة
إسماعيل سري وزارة الأشغال العمومية، وزارة الحربية والبحرية
حسين باشا رشدي وزارة الداخلية
عبد الخالق باشا ثروت وزارة الحقانية
عدلي باشا يكن وزارة المعارف العمومية
يوسف باشا وهبه وزارة المالية

رئاسته الوزارة الرابعة

حكومته

"تشكيل الحكومة من 9 أبريل 1919 - 22 أبريل 1919"
الوزير الوزارة
جعفر باشا والي وزارة الأوقاف
حسن باشا حسيب وزارة الأشغال العمومية، وزارة الحربية والبحرية
حسين باشا رشدي وزارة المعارف العمومية
عبد الخالق باشا ثروت وزارة الحقانية
عدلي باشا يكن وزارة الداخلية
يوسف باشا وهبة وزارة المالية

انظر أيضا

المصادر


سبقه
محمد سعيد باشا
رئيس وزراء مصر
1914–1919
تبعه
محمد سعيد باشا