رياض الصلح

رياض الصلح
Riad as-Solh.jpg
رئيس وزراء لبنان
في المنصب
25 سبتمبر 1943 – 10 يناير 1945
الرئيس بشارة الخوري
سبقه تأسيس المنصب
خلفه عبد الحميد كرامي
رئيس وزراء لبنان
في المنصب
14 ديسمبر 1946 – 14 فبراير 1951
الرئيس بشارة الخوري
سبقه سعدي المنلا
خلفه حسين العويني
تفاصيل شخصية
وُلِد 1894
صيدا، لبنان
توفي 17 يوليو 1951 (عمره 56-57)
عمان، الأردن
الجامعة الأم جامعة السوربون
الدين مسلم

رياض الصلح (و. 1894 - ت. 17 يوليو 1951)، هو أول رئيس وزراء لبناني بعد استقلال البلاد.[1][2] تولى من بعد الاستقلال رئاسة الوزراء لعدة فترات وكان له أثر كبير في فصل لبنان عن سوريا وبناء كيان سياسي مستقل للبنان تحت الانتداب الفرنسي.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

حياته

ولد في صيدا عام 1893 وحصل على إجازة في الحقوق. حكم عليه الديوان العرفي التركي في عاليه بالنفي مع والده بسبب مناوئتهم لـحزب الاتحاد والترقي العثماني فأمضيا سنوات 1916 و1918 في الأناضول. بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، أقام في دمشق ودخل في جمعية العربية الفتاة السرية،. وبعد الاحتلال الفرنسي لسوريا عام 1920 ذهب إلى مصر.

أعضاء جمعية العربية الفتاة في منتجع بالقرب من دمشق. الصلح يقف في الصف العلوي، الثالث من اليسار.


اشترك بالمؤتمر السوري بجنيف ونشط بالدعاية لاستقلال سوريا الكبرى آنذاك. عاد عام 1935 إلى لبنان واشتغل بالمحاماة ودخل بعد ذلك المجلس النيابي والتف حوله جمهور من الناس وأيدوه. في عام 1943 تولى رئاسة الوزراء واقترح تعديل مواد بالدستور كان الفرنسيون قد وضعوها لأغراضهم الاستعمارية، وكانت هذه التعديلات قد قام بها بمشاركة مع الرئيس بشارة الخوري وهي الميثاق الوطني الذي ينظم تركيبة الحكم الطائفي في لبنان، ولما أقر مجلس النواب التعديل غضب الفرنسيون واعتقلوه مع رئيس الجمهورية بشارة الخوري [بحاجة لمصدر] ومع أكثر الوزراء وبعض النواب ووحبسوهم في قلعة راشيا فأدى ذلك الاعتقال إلى ثورة اللبنانيين على هذا القرار والذي أدى بدوره في النهاية إلى إطلاق سراحهم وإعلان استقلال لبنان بتاريخ 22 نوفمبر 1943.


سيرته حسب باتريك سيل

تمثال رياض الصلح في وسط مدينة بيروت.

كتاب باتريك سيل الجديد «رياض الصلح والنضال من أجل الاستقلال العربي» يتخذ من أحد أبرز زعماء الاستقلال وواضعي الميثاق الوطني عام 1943، نموذجاً للزعماء العرب الذين عاشوا مراحل الانتقال الصعبة من العهد العثماني الى عهود الانتداب والاستعمار، وصولاً الى المشكلات التكوينية للدول العربية الحديثة المترافقة مع مأساة فلسطين والصراع العربي - الاسرائيلي المديد.

ورياض الصلح في كتاب باتريك سيل هو نموذج للقادة الذين ضاق حلمهم القومي العربي أو صار واقعياً فانصرفوا الى تكوين الدولة الحديثة مقرونة بعلاقات قومية عبّرت عنها جامعة الدول العربية لفترة قبل عجزها أمام وطأة المشكلات.[3]

زعيم عروبي ثم لبناني - سوري ثم لبناني، لكن حياته التي انتهت بالاغتيال جسدت حجم المشكلات التي اهتم بها ولم تقعده، مشكلات محلية جداً، كأن يصالح عائلات وزعامات في منطقة محدودة من لبنان، لكنها تتسع الى الاقليم كله اهتماماً بمشكلة فلسطين منذ نذرها الأولى وبالصراع الدولي على المنطقة الذي بدأ مع ضعف السلطنة العثمانية وعنف مع انهيار السلطنة والسيطرة البريطانية - الفرنسية، والى حدّ ما الايطالية والاسبانية، على العالم العربي.

يصدر الكتاب بعد أيام في ترجمة عربية أنجزها عمر سعيد الأيوبي، وتنشره الدار العربية للعلوم - ناشرون في بيروت، التي أذنت لـ «الحياة» بنشر مقاطع من الكتاب قبل اطلاقه.

في ما يلي حلقة أولى:

في صيف 1920 أصبح رياض الصلح مطلوباً للمحاكمة، وفاراً من «عدالة» الاحتلال الفرنسي للمرة الأولى في حياته، وإن لن تكون الأخيرة. فقد هزمت قوات الجنرال غورو الجيش السوري الصغير، ودخلت دمشق، وقضت على حكومتها، ونفت الأمير فيصل في 27 تموز (يوليو). وفي اليوم نفسه غادر رياض ونحو سبعين آخرين من القوميين العرب المدينة بالقطار، قبل أن تتسنى للفرنسيين فرصة التعرّف إليهم واعتقالهم (...).

عندما تفرّق الجمع، ذهب بعضهم إلى القاهرة، وبعضهم إلى شرق الأردن، ورجع آخرون إلى بلادهم حيث تواروا عن الأنظار. كان ذلك بداية انقسام الحركة القومية إلى ثلاث شعب: ظلّ فريق منهم موالياً للهاشميين، خصوصاً بعدما أصبح فيصل ملكاً على العراق وشقيقه عبدالله أميراً على شرق الأردن. واجتمع نفر حول خصم الهاشميين، عبدالعزيز بن سعود، سلطان نجد في شبة الجزيرة العربية (آنذاك). ولجأ فريق ثالث إلى مصر.

اتجه رياض شمالاً نحو بيروت. كان في السادسة والعشرين من عمره، عاطلاً من العمل، وغير متزوّج، ومن دون آمال سوى ما يحدو المنفي الذي سيدخل معترك السياسة، وليس لديه هدف سوى مواصلة القتال (...).

كانت والدته تمنّي النفس في أن يبقى معها في منزل العائلة في ميناء الحصن، لكنها تدرك مثله أن وجوده هناك سيلفت الأنظار على الفور دونما حاجة. لذلك تقرّر أن يختبئ رياض في منزل شقيقته بلقيس وزوجها نسيبه سامي الصلح، إلى أن تتضح نيّات المفوّضية الفرنسية العليا تجاهه (...). لم يدم اختباء رياض في منزل صهره سوى أسبوع، فقد عاد سامي على عجل من قصر العدل ذات يوم، ونقل إلى رياض أخباراً مقلقة بأن محكمة عسكرية فرنسية في دمشق حكمت عليه بالإعدام بتهمة الخيانة العظمى في 9 آب (أغسطس) (...).

فكّر رياض للوهلة الأولى بأن يستقلّ سيارة ويهرب إلى فلسطين (... ولكن تقرر أن) يسافر إلى فلسطين بحراً في قارب صيد صغير سيغادر في الليلة التالية من مرفأ صيد صغير قرب مسجد عين المريسة عند واجهة بيروت البحرية (رُدم في وقت لاحق لتوسيع الكورنيش البحري). اختبأ رياض في كوخ معتم ورطب يقطنه خادم المسجد. وعلم هناك أن خير الدين الأحدب وأمين أرسلان يعتزمان الهرب معه أيضاً. (...).

وانطلق الجميع. كان خير الدين الأحدب وأمين أرسلان منهكين ومتوتّرين من جراء هذه الرحلة المخيفة، فناما في قاع القارب. وعندما انطلق ربان المركب في محاذاة الشاطئ، لامس رياض المياه بيده لكي يبقى مستيقظاً.

هكذا بدأت حياة رياض في المنفى، واستمرت ثلاث سنوات ونصف السنة. ولم يُسمح له بالعودة إلى سورية ولبنان إلا في يناير 1924. كانت تلك سنوات يأس وخمول تتخللها بعض الأوقات من العمل الجدي. من فلسطين توجّه إلى القاهرة التي كانت آنذاك المركز الرئيس للعرب الذين عقدوا العزم على محاربة الإنكليز والفرنسيين. وبعد أسابيع، سافر من القاهرة إلى روما للإقامة مع بعض أصدقاء الطفولة في فيا أبيا أنتيكا Via Appia Antica. وهناك تعّرف إلى الكونت غالتزو سيانو Galeazzo Ciano الذي كان في السابعة عشرة من عمره، وأصبح في ما بعد صهر بينيتو موسوليني ووزير خارجيته (...). وعندما شعر بالملل في روما، توجّه إلى فيينا، ولندن، والقدس، والإسكندرية، والقاهرة (...).

لم يبدّد رياض تلك الفترة من حياته سدى، وهو يقترب من الثلاثين من العمر. ففي صيف عام 1921، حضر الاجتماع التأسيسي «للمؤتمر السوري - الفلسطيني» في جنيف، وهو هيئة ارتبط بها رياض ارتباطاً وثيقاً في الأعوام اللاحقة. وفي تشرين الثاني (نوفمبر)، دفعته الرغبة في الوقوف على مدى الطموحات الصهيونية إلى السفر إلى لندن للاجتماع بالقائد الصهيوني الدكتور حاييم وايزمن. وأتبع ذلك بعد شهر بمقابلة السير هربرت صموئيل Sir Herbert Samuel، المندوب السامي البريطاني في فلسطين. واجتمع في عمّان بالأمير عبدالله، الابن الثالث للشريف حسين، عقب قيام البريطانيين بإنشاء إمارة في شرق الأردن وتعيينه أميراً عليها.

في القاهرة، رافق الكتّاب والمحررين البارزين والناشطين السياسيين. وأقام في برلين وباريس صلات مهمة استثمرها في وقت لاحق لخدمة القضية العربية. واكتسب خبرة دولية بتنقّله الدائم ذهاباً وإياباً بين أوروبا والشرق الأوسط. وتعلّم تدريجاً كيف يصبح لاعباً فاعلاً في اللعبة الكبرى التي ستقرر بعد وقت قصير مصير المنطقة (...).

اتجه رياض في أواخر عام 1923 إلى حيفا، حيث حصل على العفو من السلطات الفرنسية. وعاد إلى بيروت في أوائل عام 1924 بعد غياب ثلاث سنوات ونصف السنة مزوّداً بشهادة حسن سلوك موقّعة من الجنرال ويغان شخصياً (...).

وقع كثير من الأحداث بينما كان رياض في الخارج. فقد طرأ تغيّر جذري على المشهد السياسي للمنطقة بأكملها. فرضت بريطانيا وفرنسا انتداباتهما بالقوة على الولايات العربية في الإمبراطورية العثمانية. وسارع الصهاينة إلى تنفيذ وعد بلفور، على رغم معاداة السكان العرب المحليين الذين يفوقون السكان اليهود الجدد عدداً بعشرة أضعاف (...).

بحلول عشرينات القرن العشرين، لم يعد في وسع بريطانيا وفرنسا الانغماس في الإمبريالية التوسّعية الصريحة التي كانتا تتبعانها في القرن التاسع عشر، بعدما تعاظم رفضها في المناخ السائد في ذلك الوقت. لكن احتلالهما الأراضي العربية وإخضاعها كان مدفوعاً بتأمين مصالحهما الذاتية الإمبريالية، ويجب النظر إليه بمثابة امتداد لتقليد التغلغل السياسي والاقتصادي للإمبراطورية العثمانية منذ قرون (...). وشكّلت الانتدابات، للبريطانيين على الأقل، نموذجاً جديداً للعلاقات بين العالمين المتقدم والنامي، لكنه نموذج تشوبه بقوة المواقف الاستعمارية القديمة (...).

لبنان الكبير

(...) قام الجنرال غورو، بناء على نصيحة خبيثة من روبير دو كيه، الأمين العام للمفوضية الفرنسية العليا الواسع النفوذ، بتقسيم بلادهم تبعاً لخطوط إقليمية ومذهبية. وكان الرأي السائد في الدوائر الاستعمارية في باريس وجوب تحويل المشرق إلى فسيفساء من المذاهب والأقليات (...). كان لبنان واحداً من تلك «الكيانات المترابطة». وبقيت خلفية إنشاء لبنان الكبير موضوعاً مثيراً للخلاف في العقود التالية. فكما أسلفنا، أنشئت متصرّفية جبل لبنان العثمانية التي حظيت بحكم ذاتي، بعد تدخّل القوى الكبرى عقب المجازر التي تعرّض لها المسيحيون في عام 1860. وصفت رقعة المتصرّفية دون إحكام في القانون العضوي الصادر في 6 أيلول (سبتمبر) 1864. لكن ظلّت حدودها غير واضحة لأن المسح الذي أجري في عام 1861 لم يعرّفها بطريقة صحيحة. وبما أن المتصرّفية كانت صغيرة جداً لا توفر سبل العيش لسكانها الذين يعمل معظمهم في الزراعة، فقد هاجر كثير منهم إلى الولايات المجاورة. وفي العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر استقر نحو 20,000 لبناني في تلك الولايات، لا سيما في أقضية بعلبك، وصور، وصيدا، وطرابلس، بالإضافة إلى مدينة بيروت، التي لم تكن جزءاً من المتصرفية التي تتمتع بالحكم الذاتي (...).

عندما منح المجلس الأعلى في سان ريمو فرنسا الانتداب على سوريا ولبنان في نيسان (أبريل) 1920 أرسل الوفد اللبناني إلى مؤتمر السلام مذكرة إلى القوى الكبرى مطالباً بضمّ أقضية بعلبك والبقاع وحاصبيا وراشيا الأربعة، على أساس الحدود التاريخية والغالبية السكانية المسيحية، والضرورة الاقتصادية. هذه هي خلفية قرار الحكومة الفرنسية لمصلحة «الحدود الطبيعية» للبنان. في آب 1920 ألقى الجنرال غورو، المفوّض السامي الفرنسي في سوريا ولبنان، خطاباً أعلن فيه بلسان حكومته: إن أقضية بعلبك والبقاع وحاصبيا وراشيا الأربعة تعتبر من الآن وصاعداً متحدة مع لبنان.

وعلى هذا الأساس، أعلن في 1 أيلول 1920 عن إنشاء جمهورية لبنانية منفصلة ضمن حدود موسّعة أو «دولة لبنان الكبير». وقد شكّلت بإلحاق المدن والمناطق المحيطة بالمتصرفية العثمانية التي تتمتع بالحكم الذاتي (أي «جبل لبنان» القديم لعام 1861)، وتحديداً صيدا في الجنوب وأراضيها الداخلية في جبل عامل، وطرابلس في الشمال وأراضيها الداخلية في عكار، وسهل البقاع الغني في الشرق، وبيروت التي أصبحت الآن عاصمة الدولة الجديدة. وأُعلن أن الدولة الجديدة ستمتد من النهر الكبير إلى حدود فلسطين، ومن البحر حتى سلسلة جبال لبنان الشرقية. وأكّد ميلران، رئيس الوزراء الفرنسي ووزير الخارجية، هذا القرار في رسالة منشورة وجهها إلى البطريرك الماروني (...).

سياسة المنفى

تلك هي الصورة القاتمة التي واجهها رياض الصلح ورفاقه العرب في المنفى عندما تجمّعوا مكتئبين في أوائل عشرينات القرن العشرين في القاهرة، بعدما تبخّرت كل آمالهم بتحقيق الاستقلال. لقد وثقوا بالضمانات التي قدّمها لهم البريطانيون، وانضموا إلى قوات الحلفاء ضدّ العثمانيين، معّرضين أنفسهم للخطر الشديد. فدفعوا ثمناً باهظاً مقابل تغيير ولائهم بحماقة وقصر نظر. عُذّب قادتهم بوحشية في سجن جمال باشا الرهيب في القلعة في دمشق، وفي سجن عاليه. ومات المئات شنقاً، أو عانوا من النفي والفقر. واتضح الآن أن تلك التضحيات القاسية ذهبت سدى. كوفئ العرب، الذين حاربوا إلى جانب البريطانيين في سيناء وفلسطين وسورية، بتقسيم أراضيهم والقضاء على الحكومة العربية في دمشق، وفرض الحكم الاستعماري الفرنسي والبريطاني عليهم بالقوة، وتسليم فلسطين إلى الصهاينة. بل إن الفرنسيين اعتمدوا في سورية ممارسات جمال باشا القاسية بقتل الوطنيين أو نفيهم. واعتُقل معظم أعضاء الحكومتين اللتين شكّلهما الأمير فيصل، في وقت من الأوقات، وقدّموا أمام المحاكم العسكرية، أو صدرت بحقّهم الأحكام غيابياً. دفع هذا القمع الذي مارسه الفرنسيون العديد من السوريين إلى الفرار إلى أوروبا، وأميركا، والقاهرة. بدا المناخ السياسي في القاهرة أقل قسوة مما هو عليه في العواصم العربية الأخرى. ولم يكن رياض الصلح الوحيد المحكوم عليه بالإعدام بين الوافدين الجدد إلى القاهرة (...).

وجّه رياض الصلح وزميلاه الأكبر منه سناً، الأمير شكيب أرسلان وإحسان الجابري، من مكتب أنشئ في جنيف في النصف الثاني من عشرينات القرن العشرين، سيلاً من العرائض والرسائل والمذكّرات المتعلّقة بموضوع الاستقلال السوري. لم يكتسب رياض الصلح سمعته في حمل راية القومية العربية في دمشق وحلب وبيروت فحسب، وإنما أيضاً في قاعات الانتظار في الجمعية الوطنية الفرنسية، وفي مكاتب الأنباء في الصحف الفرنسية، وفوق ذلك كله، في مكتب جنيف الذي يمارس الضغوط على عصبة الأمم. فما من قومي عربي من أبناء جيله كان أكثر منه مثابرة في السعي للدفاع عن القضية العربية في أوروبا. وفي غضون ثلاث سنوات فقط، شهدت مكانة رياض الصلح وسمعته تغيّراً جذرياً. ففي عام 1924 لم يكن اسمه معروفاً كثيراً خارج دوائر المنفيين العرب، لكنه أصبح شخصية شهيرة في العالم العربي بحلول عام 1927. وهكذا لم يعد موضع اهتمام متزايد من السياسيين ووسائل الإعلام فحسب، وإنما من أجهزة الأمن في فرنسا والبلدان الأوروبية الأخرى أيضاً.

الخطر على فلسطين

في سنة 1918، التقى رياض الصلح في دمشق الحاج أمين الحسيني ونشأت صداقة بينهما. وهو شاب فلسطيني انضمّ إلى الأمير فيصل - على غرار الصلح - وسرعان ما لعب دوراً مركزياً في السياسة الفلسطينية. لا شك في أن كلاً منهما وجد في الآخر مزايا الهمّة والقيادة. وكلاهما يتحدران من عائلة مرموقة، ومتعلّمان وشديدا الاهتمام بالسياسة. وبعدما انتقلا من النزعة العثمانية إلى التوجّه القومي العربي، وجدا نفسيهما في مواجهة الواقع المرير للقوة الاستعمارية البريطانية والفرنسية والطموح الصهيوني (...).

لم يكن من المفاجئ أن يتحد رياض والحاج أمين معاً في مواجهة الانتدابين البريطاني والفرنسي، والتصدّي للتهديد المصاحب لوعد بلفور. فهما يعتبران فلسطين جزءاً لا يتجزأ من العالم العربي، ويحظى استقلالها بأهمية مركزية للآمال العربية مثل استقلال سوريا ولبنان. فإذا سقط هذا الجسر البري الحيوي بين جناحي العالم العربي في آسيا وأفريقيا في أيد أجنبية، فسيلحق ضرراً لا يمكن إصلاحه بأمن الأمة العربية بأكملها. ولا تكون أي رواية عن حياة رياض الصلح منذ عشرينات القرن الماضي فصاعداً كاملة من دون الإشارة إلى مخاوفه من المشروع الصهيوني في فلسطين التي تنمّ عن بصيرة ثاقبة (...).

عرف رياض اليهود في نشأته وتعلم الكثير عن الصهيونية. فعندما كان يافعاً في بداية القرن العشرين، غالباً ما كانت أمه تصطحبه لتمضية الشتاء في مزرعة يملكها آل الحسيني في أريحا؛ وهم أصدقاء مقربون إلى والدته. وهناك التقى رياض بموسى شرتوك، الذي أصبح موشي شاريت لاحقاً، وتولّى منصب وزير خارجية إسرائيل من سنة 1948 إلى سنة 1956، ورئيس الوزراء من سنة 1954 إلى سنة 1955 (...).

أدرك رياض التهديد الصهيوني لفلسطين في سني مراهقته. ونبّه والده، رضا الصلح، أمام البرلمان العثماني إلى الخطر الذي يشكّله الاستيطان اليهودي المتسارع الذي يتميّز بحسن التمويل والتنظيم. لذا منذ أن أعلن عن النظام الجديد للانتدابات ما بعد الحرب، اهتمّ رياض بمعرفة ما يريد الصهاينة من فلسطين، وما مدى الدعم الذي تنوي بريطانيا تقديمه إليهم. هذه هي التساؤلات التي كانت تدور في خلد رياض عندما سافر، وهو في الثامنة والعشرين من العمر، إلى لندن في تشرين الثاني/نوفمبر 1921، لعرض خدماته ومعرفته بالشؤون الدولية على موسى كاظم الحسيني، رئيس بلدية القدس سابقاً، الذي كان يجري محادثات مع الزعيم الصهيوني الدكتور حاييم وايزمان تحت رعاية بريطانيا. عقدت المحادثات على خلفية توتّر شديد، إذ تكرّرت الاشتباكات بين العرب واليهود في القدس مع اقتراب ذكرى وعد بلفور في ذلك الشهر (...).

عُقد اجتماع في 7 تشرين الثاني، حضره من الجانب الصهيوني إلى جانب وايزمان، جيمس دو روتشيلد وإيتامار بن آفي Itamar Ben-Avi، محرر صحيفة «دوار هايوم» والناشط في أوساط المستوطنين اليهود في فلسطين (الياشوف). وقد أعدّ بن آفي وثيقة بعنوان «اتفاق مقترح بين العرب واليهود» كأساس للمباحثات، وهي تقوم على مقايضة مقترحة: يقدم الصهاينة للعرب «دعماً مادياً ومعنوياً» لتحقيق «طموحاتهم القومية المشروعة»، مقابل أن يقدّموا الدعم لليهود في إنشاء «وطن قومي» في فلسطين.

كان هدف رياض الرئيس من قبول الاجتماع بوايزمان معرفة إمكانية تعبئة النفوذ السياسي للصهاينة للحؤول دون أن تقرّ عصبة الأمم الانتداب على سوريا ولبنان. فقد كان يريد، على غرار القوميين العرب الآخرين في تلك الفترة، إلغاء الانتدابات وإحلال دولة عربية اتحادية محلها. فإذا وافق الصهاينة على مساعدة العرب في تأمين هذا الهدف الحيوي، فإنه مستعد للموافقة على هجرة يهودية محدودة إلى فلسطين. لكن المحادثات باءت بالفشل. أصرّ رياض على أن تضم وثيقة بن آفي فقرة تستبعد إنشاء دولة يهودية في المستقبل. ولم يكن من المستغرب أن يصرّ وايزمان، الذي كرّس كل طاقاته السياسية لتحقيق تلك الغاية، على أن من الأفضل ترك الأمور وشأنها في هذه القضية بالتحديد. وقال مراوغاً إنه لا يستطيع تقديم التزام عن الأجيال القادمة للمهاجرين اليهود. فردّ رياض معبّراً عن اعتقاده بأن هدف وايزمان النهائي هو إقامة دولة يهودية (...).

استؤنفت اتصالات رياض بالصهاينة في القاهرة في آذار/مارس 1922، ثم بعد ذلك بشهر، حين انضم إلى الشيخ محمد رشيد رضا وكامل القصاب وإميل خوري، الذين وصفوا أنفسهم بأنهم اللجنة التنفيذية لحزب الاتحاد السوري، لعقد جولة أخرى من المحادثات. لكن هذه المحادثات وصلت في حزيران إلى طريق مسدود أيضاً، لأن الصهاينة خافوا من تنفير رعاتهم البريطانيين الذين سعوا جاهدين للحصول على صداقتهم. ولم يكن لديهم أي نية لإلغاء انتدابات عصبة الأمم، كما طلب العرب، لأنهم في حاجة إلى حماية الانتداب في فلسطين لمصلحة مشروعهم الخاص (...).

لم يقدّم رياض طوال سنوات ما بين الحربين أي تنازل لمسايرة اللعبة السياسية الفرنسية في سوريا ولبنان. غير أنه كان مستعداً دائماً لعقد محادثات مع المسؤولين والسياسيين الفرنسيين، وحريصاً على التأثير في الرأي العام الفرنسي بكل الوسائل الممكنة. لكن موقف الحاج أمين كان مختلفاً بعض الشيء. فقد عيّنه البريطانيون في منصب المفتي الأكبر واشترطوا صراحة أن يستخدم نفوذه للحفاظ على النظام العام في القدس. ومع أنه عرّف نفسه كقومي عربـي ووطني فلسطيني، فقد وافق على الدخول في نوع من التعاون مع سلطة الانتداب (...).

في أوائل سنة 1924، استأجر رياض غرفة في نـزل عائلي في جبل الكرمل في حيفا، بانتظار صدور عفو فرنسي يتيح له العودة إلى سوريا ولبنان. فزاره موسى شرتوك، بعدما عرف بوجوده من خلال عائلة الحسيني، وأقنعه بمرافقته إلى القدس للقاء الدكتور وايزمان ثانية. وفي الطريق إلى هناك، لفت شرتوك انتباه رياض إلى المستوطنات اليهودية التي تنمو بسرعة، وتبنيها في السهول فرق ناشطة من الرجال والنساء والأطفال. أقنعت الرحلة إلى القدس، والاجتماع مع وايزمان، رياض بتصميم اليهود الأوروبيين الجامح على السيطرة على فلسطين العربية، وعجز العرب المأسوي عن التصدي لهذا التهديد. وأدرك الآن أن الطموحات الصهيونية أكبر بكثير مما كان يتصوّر: إنهم يريدون فلسطين بأكملها، وضفتي نهر الأردن، أو قدر ما يستطيعون الاستيلاء عليه على الأقل (...).

وكان على رياض، طوال تلك السنوات، أن يعيش في صراع بين إعلان معارضته التامة لفكرة إقامة «وطن قومي لليهود»، كما تملي عليه فطرته، أو اعتماد نهج أكثر حذراً وتعقلاً من الناحية السياسية، يقوم على حقائق القوة. كان لديه ما يكفي من البراغماتية ليدرك أن المشروع الصهيوني المدعوم من البريطانيين أصبح في أواسط العشرينات عميق الجذور بحيث من الصعب على العرب، وهم على ما هم عليه من انقسام، إن لم يكن من المستحيل، اقتلاعه من جذوره (...).

أصبحت استراتيجية رياض بعد ذلك محاولة حماية مصالح العرب الأساسية من طريق تقييد طموحات الصهاينة في إطار عربـي. وهكذا، فإن النضال ضد تنامي الوجود الصهيوني، بالإضافة إلى الأحداث المثيرة مثل الثورة السورية وثورة عبد الكريم في المغرب ضد فرنسا وإسبانيا، دفعته هو والحاج أمين للتظاهر ضد بريطانيا وفرنسا، والدعوة إلى المقاومة وتنظيم تحرّكات التضامن الدولي، ما أكسبهما شهرة كحاملين لراية القضية العربية (...).

ظل رياض مقتنعاً طوال العشرينات والثلاثينات بأن الحوار أفضل وسيلة للتوصل إلى معادلة للتعايش بين العرب والصهاينة. لكن سرعان ما اتضح له بجلاء أن ليس للصهاينة مصلحة في التوصل إلى تسوية مع العرب، على رغم خطابهم الذي يبدي استعداداً ظاهرياً لذلك. وعندما اندلعت الثورة الفلسطينية الكبرى في سنة 1936- وقد قمعها البريطانيون بوحشية بالغة - كان الوضع قد تدهور إلى حدٍّ يتعذّر إصلاحه. ولم تعد الطموحات الصهيونية الواسعة خافية على أحد. غير أن رياض الصلح أدرك آسفاً، من طريق هذه الاتصالات العقيمة، مقدار تمكّن الصهاينة من استقطاب الرأي العام الأوروبـي والأميركي لمصلحتهم، ومقدار ضعف العرب في إيصال قضيتهم إلى العالم. ومع ذلك، ظل يأمل بإمكانية إصلاح هذا الاختلال في التوازن. وتعلم الكثير عن ممارسة التأثير السياسي من مراقبة الأساليب الصهيونية. فقد حصل حاييم وايزمان على الدعم البريطاني، الذي تكلّل بوعد بلفور في سنة 1917، بتقديم حجّته في لندن لا في فلسطين، وعلى أعلى مستوى. ولم يغب هذا الدرس عن انتباه رياض البتة.

ومن القضايا التي شغلت رياض الصلح على وجه الخصوص الطموح الصهيوني إلى إنشاء مستعمرات يهودية خارج حدود فلسطين في سوريا وجنوب لبنان. فطالما كان وايزمان يسعد بفكرة «فلسطين الكبرى»، وحاول مراراً إقناع الفرنسيين بالسماح بإنشاء مستوطنات يهودية في الجولان وحوران، بالإضافة إلى لبنان وصولاً إلى نهر الليطاني. وقد سعى بعض اليهود السوريين الأثرياء المنتمين إلى الصهيونية إلى شراء الأراضي في تلك المناطق، وطالبت الصحافة الصهيونية بضمّها (...).

السياسات الحزبية

انهمك رياض الصلح كثيراً في أواخر العشرينات وأوائل الثلاثينات في تسوية النـزاعات بين القادة الفلسطينيين المتخاصمين. ففي ذلك الوقت - كما هي الحال اليوم - أدت آفة الصراع الحزبـي الداخلي إلى إضعاف الحركة الفلسطينية الوطنية. فقد ثارت منذ سنوات خصومة سياسية بين العائلتين الفلسطينيتين البارزتين، الحسيني والنشاشيبـي، على وجه الخصوص. فعملت عائلة النشاشيبـي ما في وسعها لمنع عقد المؤتمر الإسلامي في سنة 1931، لأنها تدرك جيداً أنه سيعطي خصمها، الحاج أمين الحسيني، تأييداً كبيراً. بل إن مكانة المفتي المتصاعدة تحقّقت على حسابهم. وفي المجتمع الفلسطيني، استندت مكانة عائلة الحسيني إلى حدٍّ كبير إلى تحدرّها من سلالة النبـي (صلى الله عليه وسلم)، في حين أن عائلة النشاشيبـي، ذات الأصل الأقل عراقة، أصبحت ثرية بفضل الالتزام الضريبـي في آخر الحكم العثماني. ومن الناحية السياسية، كانت عائلة النشاشيبـي أكثر اعتدالاً من عائلة الحسيني، وتعاونت مع السلطات البريطانية كما أيّدت فكرة إنشاء مملكة هاشمية تدعمها بريطانيا على فلسطين وشرق الأردن. وشكّل ذلك برنامج حزبها السياسي، حزب الدفاع الوطني، الذي عارض المفتي بشدّة.

كان ثمة صراع آخر بين الحاج أمين ومجموعة من الناشطين الفلسطينيين بقيادة عوني عبد الهادي، أحد معاوني الأمير فيصل في دمشق، حيث التقى به رياض للمرة الأولى. استاء عبد الهادي من المنافسة الحادّة بين عائلتي الحسيني والنشاشيبـي، فأسس حزباً سياسياً، أسماه حزب الاستقلال، وشنّ حملة فاعلة على هجرة اليهود واستيطانهم ودعا إلى عصيان مدني سلمي على طريقة غاندي. وأعلن أن فلسطين دولة عربية محورية وجزء لا يتجزأ من سوريا. رأى الفرنسيون المرتابون دائماً أن حزب الاستقلال صنيعة الاستخبارات البريطانية. ولإقصاء الحزب من الساحة السياسية الفلسطينية، شكل آل الحسيني الحزب العربـي الفلسطيني في مؤتمر عقد في القدس في 26 و27 آذار 1935، وشكّلت مناهضة الصهيونية المبدأ الرئيس في برنامجه السياسي. تلك بعض الأحزاب التي حاول رياض الصلح أن يجمع بينها. فزار فلسطين مرات عدة في أوائل الثلاثينات في محاولة التوفيق بينها ولكن دون نجاح دائم.

في الوقت نفسه تقريباً، انهمك رياض في التوسط بين القادة الوطنيين السوريين المتنازعين أيضاً. فعندما عاد إلى بيروت في سنة 1935 بعد فترة الإقامة الجبرية في القامشلي، دُعي لتسوية خلاف في طرابلس بين مناصري عبد الحميد كرامي ومناصري الدكتور عبد اللطيف البيسار، أدى إلى حدوث اشتباكات بين الفئتين (...). فقد اعتدى أربعة رجال من آل البيسار بالضرب على عبد الحميد حين كان عائداً إلى منـزله بعد اجتماعه بفخري البارودي الذي كان في زيارة لطرابلس في ذلك الوقت. قاد رياض وفداً للتوسّط بين العائلتين. وكما كتب إلى صديقيه نبيه وعادل العظمة في 27 تموز/يوليو 1935، «عدت للتوّ من طرابلس حيث أمضيت ليلتين لم أذق فيهما طعم النوم وأنا أحاول حل المصاعب الكبرى للمهمة. وبعد عودتي الآن، أعتقد أن باستطاعتي التوصل إلى حل خلال أسبوع». ولعل أقل ما يقال في هذه الخلافات المستمرّة في فلسطين وسوريا إنها لم تعد بأي فائدة على القضية العربية بأي شكل من الأشكال.

الحلقة الثانية

كتاب باتريك سيل الجديد «رياض الصلح والنضال من أجل الاستقلال العربي» يتخذ من أحد أبرز زعماء الاستقلال وواضعي الميثاق الوطني عام 1943، نموذجاً للاستقلاليين العرب الذين عاشوا مراحل الانتقال الصعبة من العهد العثماني الى عهود الانتداب والاستـعمار، وصولاً الى المشكلات التكويـنـيـة للدول العربـيـة الحديثة المترافقة مع مأساة فلسطين والصراع العربي - الاسرائيلي المديد. زعيم عروبي ثم لبناني - سوري ثم لبناني، لكن حياته التي انتهت بالاغتيال جسدت حجم المشكلات التي اهتم بها ولم تقعده، مشكلات محلية جداً، كأن يصالح عائلات وزعامات في منطقة محدودة من لبنان، لكنها تتسع الى الاقليم كله اهتماماً بمشكلة فلسطين منذ نذرها الأولى وبالصراع الدولي على المنطقة الذي بدأ مع ضعف السلطنة العثمانية وعنف مع انهيار السلطنة والسيطرة البريطانية - الفرنسية، والى حدّ ما الايطالية والاسبانية، على العالم العربي.[4]

يصدر الكتاب بعد أيام في ترجمة عربية أنجزها عمر سعيد الأيوبي، وتنشره الدار العربية للعلوم - ناشرون في بيروت، التي سمحت لـ «الحياة» بنشر مقاطع منه قبل اطلاقه.

في ما يلي حلقة ثانية:

 في أواسط ثلاثينات القرن الماضي، برز رياض الصلح قائداً فعلياً للطائفة السنية في لبنان دون منازع. ولم يكن من السهل البتة تبوّؤ مثل تلك المكانة. فأن تكون قومياً عربياً في لبنان الكبير في فترة ما بين الحربين يعني الشعور بالغربة في بلد يجد المرء صعوبة كبيرة في الاعتراف بحدوده، ولا يسعه سوى النفور من إيديولوجية دولته، وتعمُّد استبعاده من حياتها السياسية. كانت الدولة تهدّد هوية المرء بأكملها. لم يكن المسلمون السنّة يستسيغون اعتبار أنفسهم «لبنانيين»، لأن وطنهم الحقيقي هو العالم العربي الكبير. ولم يرتضوا أن يجدوا أنفسهم مواطنين - بل مواطنين من الدرجة الثانية - في دولة مسيحية تحت جناح فرنسا، اقتطعها الجنرال غورو في 31 آب (أغسطس) 1920 من قلب سورية «الجغرافية»، وأعلنها على الملأ حقيقة واقعة في اليوم التالي.

كان رياض ينتمي إلى عائلة من الوجهاء المالكين للأراضي، الذين عملوا أجيالاً عدة في خدمة الحكم العثماني. وعلى رغم ن أن جذور العائلة تعود إلى صيدا، فإنهم كانوا يشعرون بالارتياح في المناطق السورية الداخلية، كما في الساحل. والواقع أن المسلمين السنّة في صيدا، على غرار أقرانهم في بيروت وطرابلس، اعتبروا أنفسهم جزءاً لا يتجزأ من الغالبية السنية في سورية التي تربطهم بها علاقات عائلية وتجارية وسياسية وثيقة. على سبيل المثال، تزوج جدّ رياض، أحمد باشا، من ابنة مفتي دمشق، وخدم والده الإمبراطورية متصرّفاً، وعضواً في مجلس «المبعوثان» أو البرلمان العثماني، وعندما انهارت الإمبراطورية عيّن وزيراً للداخلية في حكومة الأمير فيصل في دمشق. بل إن رياض نفسه تزوّج من عائلة الجابري الحلبية البارزة. وكان في مشاعره ورؤيته وإحساسه الوطني، عربياً بقدر ما هو «لبناني»، بل ربما أكثر بكثير (...).

وحين رسم غورو الحدود الموسّعة للبنان الكبير، رأى من المناسب أن يضمّ إلى جبل لبنان أجزاء كبيرة من الأراضي السورية، بما فيها قسم كبير من ساحل البحر المتوسّط. وقد أدخل هذا الإجراء الأحادي تحوّلاً جذرياً على متصرفية جبل لبنان العثمانية في القرن التاسع عشر إلى لبنان الكبير. ففي تموز (يوليو) 1920، لم تكن مساحة جبل لبنان تزيد على 4500 كلم مربع؛ وبعد شهر واحد فقط، أصبحت مساحة لبنان الكبير ضعف ذلك، أي 10452 كلم مربعاً. شملت الأراضي التي ضمّت سنجق بيروت في الوسط، وسنجق صيدا في الجنوب (فُصل عن منطقته الجنوبية التي ضُمت إلى فلسطين)، وسنجق طرابلس ومناطقه الداخلية في الشمال. كما فُصلت أقضية البقاع وبعلبك وحاصبيا وراشيا في شرق وجنوب شرق جبل لبنان عن ولاية دمشق وأُلحقت بالدولة الجديدة.

قبل الحرب العالمية الأولى، كان موارنة جبل لبنان أكثرية واضحة، يشكّلون 58 في المئة من مجموع السكان، مقارنةً بنحو 12 في المئة للأرثوذكس، و11 في المئة للدروز، و8 في المئة فقط للسنة والشيعة معاً. لكن طرأ على التركيبة الطائفية تغيّر كبير في سنة 1921. فبإضافة الأراضي الجديدة، أصبح الموارنة الذين يعدّون 176,000 نسمة يشكّلون 31.3 في المئة من إجمالي السكان. وشكّلت الطوائف المسيحية مجتمعةً، التي بلغ عددها 300,000 نسمة، 53.4 في المئة من إجمالي السكان، أي بزيادة قليلة على المسلمين (السنّة والشيعة والدروز) الذين بلغ عددهم 262,000 نسمة، ونسبتهم 46.6 في المئة.

رفض غالبية المسلمين السنة والشيعة المقيمون في المدن الساحلية، والأقضية الأربعة الداخلية الانتداب الفرنسي، وتمرّدوا الى دمجهم قسراً في لبنان الكبير، مطالبين بإعادة توحيدهم مع الوطن السوري. ومما يشير على موقفهم العدائي أنهم قاطعوا إلى حدٍّ كبير المشاورات التي أدت إلى وضع مسوّدة الدستور اللبناني في سنة 1926، واعتبروا أنه يقنِّن انفصالهم عن سوريا. وفي 9 كانون الثاني (يناير) 1926، أرسل مفتي بيروت السني، الشيخ مصطفى نجا، رسالة إلى موسى نمّور، رئيس اللجنة الدستورية، يبلغه فيها رسمياً أن المسلمين يرفضون أي صلة بالترتيبات المؤسساتية الجديدة.

سيطرت قضية «الأراضي المتنازع عليها» التي أُلحقت بجبل لبنان سنوات عدة على النقاش السياسي في المشرق. فهل ستُعاد إلى سورية، كما طالب القوميون العرب، أم إنها أصبحت جزءاً غير قابل للتصرّف من الدولة الجديدة، كما أصرّ الموارنة، وأكّدت المادة الثانية من دستور 1926 التي تنصّ على أنه «لا يجوز التخلي عن أحد أقسام الأراضي اللبنانية أو التنازل عنه»؟

كانت معضلة رياض الصلح، بصفته زعيم الطائفة السنّية في لبنان في ثلاثينات القرن العشرين، كيف يوفّق بين قوميته العربية - وهي أساس وجوده منذ سنواته الأولى - والشعور الجديد بالوطنية اللبنانية الذي نما بصورة حتمية وتجذّر داخل الحدود الجديدة. فانصبّت جهوده في العقد التالي على استقطاب التأييد لاقتراح عدم وجود تنافر أو تناقض بين الوطنية اللبنانية والقومية العربية؛ وأن الوفاء لدولة لبنان الكبير الجديدة يمكن أن يتوافق مع الإيمان باستقلال العرب ووحدتهم؛ وأن الاستقلال اللبناني خطوة ضرورية نحو الغاية العربية الكبرى. غير أن أقل ما يقال إن هذه الفكرة لم تلقَ قبولاً لدى المتشددين في الجانبين (...).

في 20 كانون الثاني (يناير) 1936، (...) انتُخب المحامي اللبناني البارز إميل إده رئيساً للبنان، متغلباً على منافسه الماروني بشارة الخوري.

كان إميل إده على علاقة ودية برياض الصلح وغيره من الشخصيات البارزة في المعسكر المسلم والقومي العربـي، لكنه يمثّل كل ما يكرهونه في السياسة. فقد كان من المناصرين المخلصين للبنان كدولة مسيحية تحت حماية فرنسا؛ ومعارضاً شديداً للوحدة السورية والعربية (...).

كان المجتمع اللبناني في الثلاثينات، ولا يزال حتى اليوم، يدور حول عشرين عائلة تقريباً، تقوم مكانة كل منها على شهرتها في طائفتها؛ أو ثروتها أو ملكية الأراضي؛ أو وظائفها الدينية الموروثة؛ أو نشاطاتها في مجال الأعمال والتجارة والصيرفة والوساطة بين المورّدين الغربيين والأسواق العربية، كما هو حال النخب البرجوازية في الساحل اللبناني. وكانت أسماؤهم في تلك الفترة، كما اليوم، معروفة لدى الجميع (...).

ومن المعروف أن آل الصلح من مالكي الأراضي في جنوب لبنان، انتقلوا إلى بيروت في أواخر القرن التاسع عشر، واكتسبوا الاحترام في خدمة الإمبراطورية العثمانية. واكتسب رياض الصلح شهرة كبيرة من خلال السمعة العالمية التي حقّقها في النضال لمصلحة القضية العربية في جنيف وباريس؛ ومناصرته الطبقة العاملة والحركة النقابية الناشئة في لبنان؛ ونشاطاته القومية العربية في سورية وفلسطين، بل في شمال أفريقيا (...).

غير أن إنجازات رياض العالمية الكبيرة لم تكن كافية لخرق حصن التفوّق الماروني في بلده. ففي لبنان، صاغ دستور 1926، الذي أوحى به الفرنسيون، الإطارَ المؤسسي للحياة السياسية؛ ووضع رئيس الجمهورية الذي مُنح سلطات تنفيذية كاملة، في قلب النظام. وكان هذا الرئيس مارونياً دائماً، باستثناء أول شاغل للمنصب، شارل دباس (1926 - 1932)، الذي كان ينتمي إلى طائفة الروم الأرثوذكس. فباستطاعة الرئيس أن يسمّي الوزراء ويقيلهم، وأن يحلّ البرلمان، وأن يحكم عن طريق المراسيم إذا شاء. كانت سلطته مطلقة على الورق، لكنّه يخضع لإرادة المفوّض السامي الفرنسي من الناحية العملية.

أعلن دستور 1926، الذي صيغ على نسق دستور الجمهورية الثالثة في فرنسا لسنة 1875، لبنان الكبير جمهورية مستقلة عاصمتها بيروت. وفي اعتراف بالطوائف والمجموعات المتنوعة في البلاد، أقرّت المادة 95 أنه «بصورة موقتة... تُمثل الطوائف بصورة عادلة في الوظائف العامة وفي تشكيل الحكومة». وقد أبقت هذه المادة على النظام الطائفي الموروث من المتصرفية العثمانية، لكنها لم تفعل الكثير للحدّ من الهيمنة المارونية التي تدعمها فرنسا. ولم يبدأ المسلمون بانتزاع قدر من السلطة التنفيذية من الموارنة إلا عندما عُيّن رئيس وزراء سني في 1937، على الرغم من أن رئيس الوزراء، على غرار جميع الوزراء الآخرين، معرّض دائماً لخطر الإقالة الاعتباطية من قبل رئيس الجمهورية.

نتيجة لهذه المعطيات، كانت السياسة اللبنانية تقوم على الصراع بين القادة الموارنة المتنافسين ومناصري كل منهم، وهي منافسة استبعدت الطوائف الأخرى إلى حدٍّ كبير. لم يكن هناك صراع أشدّ من ذلك الذي دار بين إميل إده وبشارة الخوري (...).

في صباح 20 كانون الثاني (يناير) 1936، في جلسة استثنائية للبرلمان اللبناني، هزم إميل إده بشارة الخوري في السباق على رئاسة الجمهورية، على رغم الحملة الانتخابية القويّة التي أدارها الأخير وموّلها إلى حدٍّ كبير ابن عمة زوجته، هنري فرعون. منح الاقتراع الأول 14 صوتاً لإده و11 صوتاً لبشارة الخوري، ولكن بما أن إده لم يحصل على أكثرية الثلثين، أُجري اقتراع ثانٍ نال فيه إده الأكثرية المطلقة بحصوله على 15 صوتاً مقابل 10 لخوري. في هذه المنافسات، يستطيع كل زعيم الاتكال على مجموعة حرة من المؤيّدين البرلمانيين. عُرف أصدقاء إده باسم الكتلة الاتحادية أو كتلة إدّه، بينما شكّل أصدقاء خوري مجموعة باسم الكتلة الدستورية. وكان أعضاء المجموعتين من الموارنة إلى حدٍّ كبير ويتبعون النهج الكياني، أي أنهم كانوا ملتزمين بالكيان الجغرافي والسياسي للبنان الكبير (...).

مؤتمر الساحل

وفي 10 آذار (مارس) 1936، عقد مسلمون بارزون، من المدن الساحلية في لبنان، مؤتمراً في بيروت، باسم «مؤتمر الساحل»، للمطالبة بإعادة بيروت وطرابلس وصيدا، والأقضية الأربعة التي أُلحقت بلبنان في سنة 1920 إلى سورية - أي ما يسمى «بالأراضي المتنازع عليها». باختصار، دعا المؤتمر إلى تفكيك لبنان الكبير الذي أنشأته فرنسا. وكان ذلك تكراراً لمؤتمرين سابقين عقدهما قادة الساحل في سنتي 1928 و1933، مع الأهداف الاتحادية نفسها تقريباً. لم يحضر رياض الصلح اجتماع سنة 1936، إذ كان في طريقه آنذاك إلى فرنسا، تشغله المفاوضات بشأن المعاهدة التي يوشك الوطنيون السوريون على إجرائها مع الفرنسيين.

بيد أن ثمة سبباً أكثر أهميةً دفعه إلى عدم حضور المؤتمر. فقد أخذ يتوصل تدريجياً إلى أن لبنان الكبير أصبح أمراً واقعاً بعد مرور خمسة عشر عاماً على إنشائه، ولم يعد بالإمكان الاعتراض على حدوده بشكل واقعي. كان رياض سياسياً براغماتياً، ذا إحساس حادّ بما يمكن تحقيقه وما لا يمكن. عندما أُنشئ لبنان الكبير في العشرينات، عارضه رياض تماماً، مثل غيره من المسلمين. ولكن بعد سنوات، بدأت آراؤه بالتغيّر. وفي سنة 1928، نُقل عنه أنه يفضّل «العيش في كوخ داخل وطن لبناني مستقل، على أن يعيش في إمبراطورية عربية تحت حكم استعماري». وتوحي مثل هذه الملاحظة أن أولوياته أخذت تتبدّل. لم يتخلَّ بأي شكل من الأشكال عن غاية عمره بتحقيق الاستقلال والوحدة العربية، لكن أصبح الاستقلال اللبناني أولى الأولويات في حياته السياسية (...).

في لبنان، أخذت تحدث بعض التغيّرات التي جعلت صيغة رياض الصلح أكثر قبولاً في نهاية المطاف. فقد بدأ الشبان في البرجوازية السنّية والمسيحية، يكتشفون أن القواسم المشتركة بينهم أكثر مما كانوا يعتقدون. فهم ينتمون إلى العالم نفسه من الناحية الاجتماعية، بل إن بعض الزيجات المختلطة تحدث بينهم؛ وهو أمر لم يكن يُسمع به قطّ من قبل. وبدأ رجال الأعمال المسيحيون يدركون حماقة السعي لفصل لبنان عن الأراضي الداخلية العربية، حيث لديهم مصالح تجارية ومالية مهمة. ولم يعودوا يقبلون دون جدال بعلاقة التبعية مع فرنسا التي حرّض عليها آباؤهم، لأنهم اكتشفوا أنها تقيّد علاقاتهم التجارية مع البلدان الغربية الأخرى. بل إنهم بدأوا بالاستياء من ممارسات الانتداب الفرنسي، لا سيما الجشع المكشوف للشركات الامتيازية الفرنسية، التي تريد الحق الحصري في السيطرة على الأسواق السورية واللبنانية. وأدرك رجال الأعمال المسلمون، بدورهم، أن هناك إمكانية لاستغلال الصلات المتينة التي تربط اللبنانيين المسيحيين بأوروبا لمصلحتهم أيضاً. فبدؤوا ينظرون في التعاون مع المسيحيين في إطار «لبناني» لا سوري. وهكذا تطوّر في المعسكرين ميل إلى بناء الجسور فوق الانقسام الطائفي (...).

المعاهدة ومعارضوها

(وكان) إبرام المعاهدة الفرنسية اللبنانية مسألة سهلة. فقد بدأ الكونت دو مارتيل ووفد لبناني برئاسة الرئيس إميل إده محادثات في بيروت في 20 تشرين الأول (أكتوبر) 1936، من دون مشاركة أي من الوطنيين العرب. بالتالي، تم التوقيع على المعاهدة بالأحرف الأولى في 13 تشرين الثاني (نوفمبر)، وصدّق عليها البرلمان اللبناني في 17 من الشهر نفسه. وخلافاً للمعاهدة مع سورية، كانت المعاهدة اللبنانية قابلة للتجديد لمدة 25 سنة أخرى، ولم يحدّد وقت لبقاء القواعد الفرنسية في لبنان. عكست السرعة التي تمت فيها تسوية الأمور انسجام وجهات نظر الوطنيين اللبنانيين والغالبية في فرنسا التي رأت أن لبنان يجب أن يبقى مركزاً لنفوذ فرنسا، وقاعدة لقوات فرنسا المتوسطية في المستقبل المنظور. وكانت حكومة الجبهة الشعبية ومعارضوها اليمينيون مقتنعين جداً بذلك (...).

اجتمع إبرام المعاهدتين (الفرنسيتين مع سورية ولبنان)، والاضطرابات الطائفية التي تلتهما، واقتراح تشكيل اتحاد كونفيديرالي دعا إليه رياض الصلح، وتضافرت معاً لإحداث بعض التطور في الرأي العام المسلم في لبنان. فقد ركّز القوميون العرب حتى نهاية عام 1936 على قضية الأراضي المتنازع عليها، لكن بعد إبرام المعاهدتين مع سورية ولبنان، أدرك المسلمون أن هذه القضية لم تعد ذات أهمية ملحّة سواء في باريس أو في دمشق. بل إن اللبنانيين السنّة اضطروا إلى الاعتراف بمرارة أنه لم يعد في وسعهم الاعتماد على «أشقائهم» السوريين، في هذه القضية على الأقل. فرغبة من الكتلة الوطنية في حماية معاهدتها مع فرنسا، أرسلت إلى طرابلس وفداً يتكوّن من جميل مردم، وسعد الله الجابري، وعفيف الصلح، لتهدئة الأوضاع (...). وكانت النتيجة أن اللبنانيين المسلمين تقبّلوا تدريجياً وجود لبنان كدولة عربية بين غيرها من الدول (...).

في الثلاثينات، لم يألُ رياض جهداً للتمهيد لتسوية مع فرنسا عن طريق المفاوضات تؤدي إلى استقلال سورية. ورأى أن الحوار، لا النـزاع المسلح، هو السياسة الوحيدة التي يمكن أن تفضي إلى نتائج. فسعى عبر الاتصالات المباشرة بالسياسيين والصحافة في فرنسا، إلى إقناع الرأي العام الفرنسي أن الانتداب - وطريقة تطبيقه الفجة - أضرّ بالمصالح الفرنسية في المنطقة بدلاً من أن يُعززها. وقد منحته زياراته المتكررة إلى باريس فهماً معمّقاً لعالم السياسة الفرنسية المضطرب، حيث يتجادل اليسار واليمين، والمفكّرون الأحرار ورجال الدين، والليبراليون والإمبرياليون، ويتصارعون بأساليب تذكّر بالبرلمان العثماني القديم الذي عرفه والده في شبابه.

في الوقت نفسه، كان رياض الصلح رائداً في مفهوم التفاهم الإسلامي - المسيحي في لبنان بغية تعبئة المسيحيين لمصلحة قضية الاستقلال. لقد تعلّم في طفولته أن يفتخر بجهود جده، أحمد باشا، في مساعدة اللاجئين المسيحيين اليائسين وأنقاذهم من مذابح 1860، حيث كان متصرف عكا في ذلك الوقت. وشكّلت تلك الأعمال جزءاً أساسياً من تراث عائلة الصلح. ونتيجة ارتياد مدرسة لليسوعيين وتمضية المراحل الأولى من الشباب في بيئة إسطنبول العالمية، تعلّم رياض الأساليب الغربية وعرف شيئاً عن المعتقدات المسيحية، ومخاوف الأقلية المسيحية في الشرق العربـي. وكان رياض علمانياً في تفكيره، ولم تكن هناك أي إشارة إلى تعصّب إسلامي في تركيبته الشخصية، أو تعصّب في القومية العربية التي دعا الآن مواطنيه المسيحيين إلى الانضمام إليها.

حقّق رياض الصلح في هذه المرحلة المبكرة قدراً من التعاون الإسلامي - المسيحي في إطار لبناني. وهو تعاون يقوده بشكل أساسي تفاهم بين وجهاء الطوائف المختلفة، ويدعمه مالياً التعاون في المجتمع التجاري في بيروت بين المسلمين والمسيحيين الذين تزايدت مصالحهم التجارية المشتركة. من ناحية أخرى، أخذ يتكوّن بين المفكرين رابط من نوع آخر، بغضّ النظر عن خلفيتهم الطائفية، يقوم على التقدير المشترك لإحياء اللغة العربية في الصحافة، والتعليم العالي، والأدب والنشر. وقد جعل ذلك بيروت من أكثر المدن إثارةً للاهتمام، والعاصمة الفكرية للعالم العربي من دون منافس لمدة طويلة.

الجزء الثالث

كتاب باتريك سيل الجديد «رياض الصلح والنضال من أجل الاستقلال العربي» يتخذ من أحد أبرز زعماء الاستقلال وواضعي الميثاق الوطني عام 1943، نموذجاً للاستقلاليين العرب الذين عاشوا مراحل الانتقال الصعبة من العهد العثماني الى عهود الانتداب والاستعمار، وصولاً الى المشكلات التكوينية للدول العربية الحديثة المترافقة مع مأساة فلسطين.[5]

زعيم عروبي ثم لبناني - سوري ثم لبناني، لكن حياته التي انتهت بالاغتيال جسدت حجم المشكلات التي اهتم بها ولم تقعده، مشكلات محلية جداً، كأن يصالح عائلات وزعامات في منطقة محدودة من لبنان، لكنها تتسع الى الاقليم كله اهتماماً بمشكلة فلسطين منذ نذرها الأولى وبالصراع الدولي على المنطقة.

تنشر الكتاب الدار العربية للعلوم - ناشرون في بيروت، التي سمحت لـ «الحياة» بنشر مقاطع منه. وتقام حفلة لإطلاقه دعت اليها الوزيرة السابقة ليلى رياض الصلح في فندق «فور سيزونز» في بيروت الخميس 4 آذار (مارس) الجاري السادسة مساء.

نشرنا مقاطع في حلقتين وهنا حلقة ثالثة أخيرة:

شعر رياض الصلح في ربيع سنة 1943، قبل بضعة شهور من عيد ميلاده الخمسين، أن سنوات الجهد توشك أن تُثمر، وأن الوقت حان للسعي إلى السلطة عبر الانتخابات اللبنانية. كانت لحظة سعادة غامرة له، على رغم أنه لم يستطع تبديد شيء من القلق من أن تحطّم العراقيل الفرنسية طموحه. فهو لا يزال يذكر محاولته الأولى للوصول إلى البرلمان سنة 1937، عندما اضطر إلى الانسحاب المذل من الانتخابات صبيحة يوم الانتخابات، عندما اتضح أن الفرنسيين سيتلاعبون بالأصوات لإسقاطه (...).

وتساءل عما إذا كان يمكن إجراء انتخابات حُرّة حقاً، أم أن العادات الفرنسية القائمة على الرشوة والترهيب وتزوير الأصوات أصبحت عميقة الجذور بحيث تجعل أي تغيير حقيقي أمراً بعيد الاحتمال. في الفترة التي تسبق «الانتخابات» اللبنانية السابقة، كان من المعتاد إخضاع قطاع الخدمة المدنية بأكمله لإرهاب حقيقي. كان كل المسؤولين المشتبه بأنهم متعاطفون مع المعارضة، أو بفتور مشاعرهم تجاه الحكومة، يُصرفون بقسوة ويستبدل بهم عملاء انتخابيون للفريق الحاكم (...).

مع تطوّر الأوضاع، أصبح كثير من الأمور يتوقّف على تطوّر تفكير الجنرال الفرنسي كاترو، إضافة إلى التعليمات التي يتلقّاها من اللجنة الوطنية الفرنسية في الجزائر، ومن ديغول نفسه. في كانون الأول (ديسمبر) 1942، بدا كاترو ميّالاً إلى تقديم تنازلات للوطنيين. فقد أفاد الجنرال البريطاني سبيرز، على سبيل المثال، أن كاترو حرص على إظهار المودّة في اجتماع قصير مع رياض الصلح وبشارة الخوري. سألهما: «ماذا تريدان»؟ فأجاب رياض بابتسامة عريضة «كل شيء». ابتسم كاترو في المقابل وأشار بحركة من يده أنه لن تكون هناك صعوبة في ذلك. (...)

لكن رياض عاد خائب الأمل بعد مقابلة طويلة مع كاترو في أوائل آذار/مارس 1943، وهي المرّة الثانية التي يجري معه مباحثات حقيقية (...).

لكن توقّع العودة القريبة للحياة الدستورية أثار حماسة شديدة في كل أنحاء لبنان، وارتفاعاً حاداً في النشاط السياسي. فبدأت الأحزاب السياسية تحشد قواها تحضيراً للتحدّيات المقبلة والحصول على الدعم الفرنسي والبريطاني. وسرعان ما احتدمت الحملة الانتخابية في المحافظات الخمس، حيث تنافس المرشّحون للوصول إلى المناصب.

ولتهدئة مشاعر المسلمين الغاضبة (نتيجة مراسم أصدرها الرئيس أيوب تابت واعتبروها مجحفة)، اقترح كاترو قبول الصيغة التي طرحها رئيس الوزراء المصري مصطفى النحاس باشا، وتقوم على اعتماد نسبة أربعة إلى خمسة بين المسلمين والمسيحيين في المجلس، أي 29 مقعداً للمسيحيين و24 مقعداً للمسلمين. ووعد أيضاً بإجراء إحصاء عامّ بعد الانتخابات. وعندما لم يحظَ هذا الطرح بموافقة عامّة، تدخّل الجنرال سبيرز للتحكيم في المسألة. فنجحت صيغته التي تقوم على نسبة خمسة إلى ستة بين المسيحيين والمسلمين، أي 30 مقعداً للمسيحيين و25 مقعداً للمسلمين (السنّة والشيعة والدروز). وظلّت هذه الصيغة نافذة إلى أن عدّل الدستور اللبناني بعد اتفاق الطائف سنة 1989 (...).

صمّم رياض على دخول البرلمان، لكن أين يترشّح؟ (...)

وفي أوائل آب/أغسطس 1943، قرّر الترشّح في جنوب لبنان. فقد راقب الحملة الانتخابية هناك عن قُرب أسابيع عدة، ولاحظ أنه لم تقرّر أي من الشخصيات السنّية ذات المكانة الوطنية الترشّح هناك. فجاء ذلك لمصلحته. فللشيعة في الجنوب ستّة مقاعد تعكس وزنهم الديموغرافي، بينما يوجد مقعد واحد لكلّ من الروم الأرثوذكس والروم الكاثوليك والموارنة والسنَّة. وكان على رياض الفوز بذلك المقعد السنّي الذي شغله الأمير خالد شهاب، من حاصبيا، بعد انتخابات سنة 1937، وهو من أوثق الداعمين المسلمين لفرنسا في إنشاء لبنان الكبير (...).

وقرّر رياض، بدهائه السياسي المتميز، أن مصلحته تقتضي عدم الانضمام إلى لائحة عادل عسيران المعارِضة للفرنسيين في العلن. وحرصاً منه على طمأنة الفرنسيين، فضّل التحالف مع الوجيه الشيعي القوي أحمد الأسعد، الذي يثق به الفرنسيون. لكن كيف يمكن تحقيق هذا التحالف الذي يبدو خلافاً للطبيعة؟

مع ذلك أعلن عن لائحة رياض الصلح وأحمد الأسعد في الأسبوع الأول من آب/أغسطس بعد كثير من المحادثات التمهيدية. ووسط دهشة عامة، انضمّ عادل عسيران نفسه إلى تلك اللائحة مع ثلاثة من مؤيّديه، كاظم الخليل ورشيد بيضون وعلي عبدالله، اقتناعاً منهم في الظاهر بأن لا جدوى من محاربة تحالف أحمد الأسعد ورياض الصلح القوي. كما فضّل أحمد الأسعد بدوره هذا الائتلاف على التحالف مع نجيب عسيران ويوسف الزين.

قلق المستشار الفرنسي برونو من هذا الاصطفاف غير المتوقّع، وحاول يائساً تشكيل لائحة مقابِلة يرأسها يوسف الزين، لكنها أتت فاقدة المضمون والصدقية (...).

فازت اللائحة الموحّدة بأكثر من ثلاثة أرباع الأصوات (...).

وأبلى القادة المسلمون بلاء حسناً في الأماكن الأخرى من البلاد. فانتُخب عبد الله اليافي وصائب سلام في بيروت، وعبد الحميد كرامي في الشمال. وانتُخب الوجيه الشيعي صبري حمادة في البقاع والزعيم الدرزي كمال جنبلاط في جبل لبنان. وانضمّت إليهم شخصيات بارزة من الطوائف الأخرى، مثل الكاثوليكي سليم تقلا، والموارنة الثلاثة البارزين بشارة الخوري وإميل إدّه وكميل شمعون في جبل لبنان؛ والمصرفي الكاثوليكي هنري فرعون في البقاع؛ والأرثوذكسي حبيب أبي شهلا، والماروني ألفرد نقاش والبروتستانتي أيوب ثابت في بيروت.

لكن هذا الدخول الظافر لرياض الصلح والمسلمين الآخرين إلى البرلمان للمرة الأولى غيّر ميزان القوى السياسي والطائفي في السياسة اللبنانية إلى الأبد (...).

ثنائي الاستقلال والميثاق

مهدّت اللقاءات الأولية المعقّدة الطريق للقاء ثنائي تاريخي بين رياض الصلح والشيخ بشارة الخوري في 19 أيلول (سبتمبر) في منزل صديق مشترك في بلدة عاليه الجبلية الباردة، (حيث انتظر رضا وابنه رياض الصلح في الماضي محاكمتهما على نشاطاتهما المناهضة لتركيا). لا يوجد أي سجل عن مضمون اللقاء. فلم يكتب رياض شيئاً عنه، وورد ذكره بإيجاز في مذكّرات بشارة الخوري. وتبيّن في ما بعد أنهما توصّلا إلى اتفاق غير مكتوب يقضي بأن يعيّن بشارة الخوري، إذا انتُخب رئيساً، رياض الصلح رئيساً للوزراء. كما اتفقا على تقاسم السلطة بغية وضع برنامج سياسي متين يسعيان من خلاله إلى الاستقلال عن فرنسا (...).

وهكذا وضع المبدأ العريض لاستقلال لبنان على قاعدة العيش المشترَك بين المسيحيين والمسلمين. وتجسّد التفاهم بين الرجلَيْن بعد بضعة أيام في أوّل بيان يدلي به رياض الصلح أمام البرلمان بعد تولّيه منصب رئيس الوزراء، وهو برنامج الحكومة الذي عُرف في ما بعد بالميثاق الوطني. غير أن الغموض يلفّ كيفية عقد الاتفاق بين بشارة ورياض، وما تبادلاه من أحاديث في اللقاء الحاسم.

لا شك في أن التسوية السياسية بين الموارنة والمسلمين السنَّة، متجسّدة في الميثاق الوطني، هي من صنع هذين الرجلين. فقد تمكّن رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء معاً من تحقيق استقلال لبنان، ووضع حدٍّ لقمع النظام الاستعماري المستحكِم، بعد نضال مرير مع فرنسا. وقد تحقّقت شراكتهما معاً بفضل معطياتهما الاستثنائية. أدرك رياض هواجس المسيحيين وتعاطف شخصياً معهم منذ نعومة أظفاره، بينما تمتّع بشارة الخوري باستقلال فكري ليدرك أنه بحاجة إلى البحث عن الدعم خارج مجتمعه الماروني الضيق. فسمح له ذلك بإدراك فائدة تحالفه مع رياض الصلح، الزعيم السنّي الذي اكتسب نفوذاً عظيماً لدى المسلمين في لبنان والبلدان العربية. شكّل الميثاق نمطاً جديداً للعيش المشترك، ارتقت فيه الزعامة الإسلامية السنّية المدينية إلى موقع المشاركة الكاملة في السلطة مع الموارنة، الذين سيطروا في السابق على الساحة السياسية. فأدخل ذلك تحوّلاً جذرياً على تركيبة السلطة التي وضعها الفرنسيون (...).

منح تأييد رياض الصلح هذا «الحلّ اللبناني» ثقلاً سياسياً للتعاون المتنامي بين التجّار والمموّلين والوسطاء السياسيين المسيحيين والمسلمين. ففي النهاية، لم ينبثق الميثاق الوطني من فراغ، ولم يكن مجرّد تسوية أعدَّها رجلان طموحان فحسب. بل مثّل التقارب التدريجي على مدى سنوات بين عدد من الاتجاهات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، محلياً وعالمياً، وأهمّها تنامي إدراك النخب المسلمة والمسيحية في لبنان أن القواسم المشتركة بينهم تفوق كثيراً ما كانوا يرغبون في افتراضه. فهم ينتمون إلى العالم نفسه، على الصعيد الاجتماعي على الأقل.

لقد بدأوا يقتربون بعضهم من بعض منذ الثلاثينات، عندما أدركوا تدريجاً عدم وجود تناقض حقيقي بين ارتباطات السنَّة التجارية مع العالم العربي وارتباطات المسيحيين مع شركائهم الغربيين. بل يمكن جمع هاتين المجموعتين من العلاقات معاً لتحقيق المزيد من المنافع للطبقة الوسطى المشتركة. وسيتوقّف ازدهارها في المستقبل على نجاح تطوّر بيروت إلى مركزٍ تجاري ومصرفيّ، في موقع استراتيجي بين الأسواق العربية والغربية. لقد عبّر الميثاق الوطني، إلى حدٍّ كبير، عن هذه المصالح المالية المشترَكة المغرية (...).

في 21 أيلول، انتخب مجلس النواب اللبناني الشيخ بشارة الخوري رئيساً للجمهورية. وعند أداء القسَم، أشار بوضوح إلى السياسات التي يعتزم اتّباعها. وأعرب عن تقديره مبدأ التضامن العربي معلناً نيّته تدشين عهد جديد من الحرية والسيادة الوطنية. وفي اليوم التالي، عيّن رياض الصلح رئيساً للوزراء (...).

وحظي البيان الوزاري الذي ألقاه رياض الصلح في 7 تشرين الأول (اكتوبر) بترحيب البرلمان والبلد في شكل عام، وكرس سمعته انه مهندس الاستقلال اللبناني. كان خطاباً طويلاً ومكتوباً بعناية، وأعطاه رياض نبرة جدية بإعلانه منذ البداية أن «العهد الذي دخله لبنان اليوم، عهد دقيق خطير، لم يستقبل مثله من قبل». فشكّل ذلك تنبيهاً الى ان المعركة مع الفرنسيين توشك ان تبدأ. وقال ان الانتخابات جعلت الشعب اللبناني المصدر الحقيقي للسلطة للمرة الأولى منذ عشرين عاماً، وبالتالي مهدت الطريق للاستقلال الحقيقي (...).

كرر رياض لفظة «الاستقلال» ثلاثين مرة تقريباً في خطابه. لم يطلب الاستقلال ان ينتظر موافقة فرنسا عليه، أو أن تمنحه القوى الكبرى، بل أجمل الخطوات المحددة لتحقيقه وهذا ما ميز الخطاب.

كان مجلس النواب متلهفاً لسماع ما سيقوله رياض في شأن علاقة لبنان بالعالم العربي، لأنها طالما كانت مصدراً رئيساً للخلاف بين المسلمين والمسيحيين، ولم يخب ظنه. أعلن رياض ان موقع لبنان الجغرافي «ولغة قومه وثقافته وتاريخه وظروفه الاقتصادية تجعله يضع علاقاته بالدول العربية الشقيقة في طليعة اهتمامه». لكنه اضاف: «وستُقبل الحكومة على إقامة هذه العلاقات على أسس متينة تكفل احترام الدول العربية لاستقلال لبنان وسيادته التامة وسلامة حدوده الحاضرة، فلبنان وطن ذو وجه عربي يستسيغ الخير النافع من حضارة الغرب».

استُقبلت العبارة الأخيرة بالكثير من الترحيب في المجلس لأنها تجمل التسوية التاريخية بين المسلمين والمسيحيين وتقع في صلب الميثاق الوطني (...).

استشاط الفرنسيون غضباً من الخطاب. وبعد مرور خمسة أيام على إلقائه، اضطر جان هللو، المندوب العام، ومستشاراه الرئيسان، شاتنيو وبوغنير، الى تناول العشاء مع بشارة الخوري ورياض الصلح. لم يكن غضب الفرنسيين قد هدأ بعد ولم يكن العشاء ودياً. وعندما أثار بشارة مسألة التنازلات التي يتوقع من الفرنسيين تقديمها بغية تحقيق الاستقلال، رد هللو – بناء على أوامر ديغول التي نقلها شاتنيو العائد حديثاً من الجزائر – انه لا يمكن منح أي شيء الى ان ينتهي الانتداب بتوقيع معاهدة.

احتج رياض على الفور بأن الفرنسيين أنفسهم أعلنوا استقلال لبنان سنة 1941، قبل ورود أي حديث عن معاهدة لإنهاء الانتداب. لم يستطع هِللو إنكار الأمر، لكنه أصرّ على عدم انتقال السلطة خلال الحرب (...).

ازدادت العلاقات الفرنسية - اللبنانية سوءاً عندما كتب هللو، في 22 تشرين الأول (اكتوبر) رسالة الى بشارة الخوري تنص صراحة على ان فرنسا لن توافق على التعديلات الدستورية التي سيجريها رياض الصلح، لأن «التعهد الدولي» لا يمكن ان يُلغى بقرار من جانب واحد! وأكد ان الانتداب لا يزال قائماً قانونياً لأن عصبة الأمم لم تُعفِ فرنسا منه. وهدد بحدوث «عواقب وخيمة» إذا نفّذت التعديلات المقترحة. رد رياض على هذا التهديد غير اللائق بحزم بالطلب من ايف شاتنيو، نائب هللو، الحصول على صلاحية من رؤسائه لسحب الرسالة. وفي الوقت نفسه سلّمه رسالة رسمية تحتوي على ثلاثة مطالب محددة:

1- تحويل المندوبية العامة الى بعثة ديبلوماسية «تتوافق مع استقلال لبنان».

2- إناطة ممارسة كل مظاهر السيادة على الأراضي اللبنانية بالسلطات الدستورية اللبنانية فحسب.

3- تولي الحكومة اللبنانية إدارة كل المصالح والهيئات التي تديرها المندوبية العامة حالياً باسم لبنان. واتفاق سورية ولبنان على إدارة عائدات المصالح المشتركة في ما بينهما (...).

ظهر يوم الجمعة في 5 تشرين الثاني (نوفمبر)، دُعي الصحافيون في بيروت الى السفارة الفرنسية حيث سلّمهم م. غولمييه، رئيس الدائرة الصحافية في المندوبية، بياناً شديد اللهجة صادراً عن اللجنة الفرنسية في الجزائر. وقد نص البيان على انه لا يمكن إجراء تعديلات على الدستور من دون موافقة السلطات الفرنسية الصريحة ما دام الانتداب قائماً. وسلّم المسيو دافيد، من المندوبية في لبنان، الحكومة نسخة من البيان نفسه.

دعا رياض الوزراء الى الاجتماع على الفور. فقرروا ان إدخال تعديلات على الدستور يقع ضمن صلاحية الحكومة بموجب المادة 76 من الدستور نفسه. ثم وزّعت التعديلات المقترحة على النواب ظهر السبت في 6 تشرين الثاني، وحدد موعد جلسة مجلس النواب بعد ظهر الاثنين في 8 تشرين الثاني. غير ان المسيو دافيد نقل صباح الاثنين رسالة شفهية الى بشارة الخوري من هللو في الجزائر يطلب منه بجدية تأجيل النظر في التعديلات حتى عودته الى بيروت.

لكن مجلس النواب اللبناني اجتمع عند الثالثة والنصف بعد الظهر وأقرّ التعديلات الدستورية بإجماع ثمانية وأربعين نائباً (امتنع نائبان فقط عن التصويت وانسحب اثنان قبل إجراء التصويت). استُقبل رياض الصلح بحفاوة شديدة، وجرت الجلسة بانتظام تام، وأبقت الشرطة اللبنانية الحشود خارج البرلمان تحت السيطرة (...).

قبل فجر الخميس 11 تشرين الثاني، داهمت قوة مشتركة من البحرية الفرنسية والقوات السنغالية الاستعمارية وعملاء من الأمن العام منازل كل من رئيس الجمهورية اللبنانية بشارة الخوري، ورئيس وزرائه رياض الصلح، ووزيري الداخلية كميل شمعون والخارجية سليم تقلا واعتقلتهم. واعتُقل الوزير عادل عسيران في عاليه في وقت لاحق من ذلك اليوم. في الساعة 8 صباحاً، بثّت إذاعة بيروت خطاباً لهللو أعلن فيه ان الوقت قد حان لوضع حد «لنظام رياض الصلح الديكتاتوري» (...).

(وبعد إضراب شعبي مديد واتصالات عربية ودولية)، بثت ليل يوم الأحد في 21 تشرين الثاني، هيئة الإذاعة البريطانية خبر قرب الإفراج عن المعتقلين، فعمّ الفرح كل أنحاء لبنان. وبدأت حشود ضخمة، تقدر بعشرات الآلاف، تتحرك في المدينة. وكان قسم كبير منهم مسلحين. وتواصل إطلاق النار في الهواء بكثافة. واستمرت التظاهرات الواسعة حتى اليوم التالي. حملت الجماهير النواب على الأكتاف وتوجهت الى البرلمان، فمُزّق العلم اللبناني القديم ورُفع العلم الجديد. وتكرر المشهد نفسه عند السراي وبلدية بيروت. لزم الجنود الفرنسيون والسنغاليون ثكناتهم، فلم تقع أي أحداث عنيفة. واقتصرت أعمال التحدّي على تمزيق الأعلام الفرنسية والدَوس عليها.

صباح الاثنين 22 تشرين الثاني، توافد الناس الى منازل رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والوزراء الآخرين المعتقلين في انتظار وصولهم من قلعة راشيا حيث اعتقلوا. أفرج عن السجناء نحو الساعة الحادية عشرة صباحاً، وتوجهوا الى بيروت برفقة المندوب الفرنسي المسيو دافيد، وقائد الدرك اللبناني العقيد نوفل. وفي الثانية بعد الظهر، استقل بشارة الخوري ورياض الصلح، بطلا الاستقلال، السيارة جنباً الى جنب وجالا في شوارع بيروت وسط الجماهير المبتهجة. أراد المسيو دافيد أن يجلس الى جانب الرئيس في الرحلة من راشيا – على أمل استعادة بعض الاعتبار لمكانة فرنسا – لكن الرئيس حرص على صدّه، وأبلغه ان الغوغاء سيعدمونه بالتأكيد إذا شاهدوهما يدخلان بيروت معاً(...).

كانت لأحداث تشرين الثاني 1943 المثيرة أهمية كبرى في مستقبل لبنان. فقد وضعته على طريق الاستقلال الحقيقي، أو على الأقل الاستقلال الذي يستطيع ان يتوقع بلد صغير وضعيف الحصول عليه، وبالنظر الى موقعه الاستراتيجي ومواطن ضعفه الداخلية الكثيرة، وهي ما جعلت جيرانه والقوى الكبرى تعتبره ساحة تتقاتل فيها(...).

ولكن، يبدو ان انقلاب حسني الزعيم في دمشق في آذار (مارس) 1949 حفّز انطون سعادة (زعيم الحزب السوري القومي) على التفكير في الاستيلاء على السلطة في لبنان، ربما كخطوة أولى نحو الاتحاد مع سورية، وكان الكثير من السياسيين المعارضين في لبنان يسعون تقليدياً الى الحصول على دعم دمشق ضد حكومتهم، فسلك سعادة الآن الطريق الخاطئ نفسه. استقبله الديكتاتور السوري، وبحث معه خطط الانقلاب في لبنان. وقد أمل كل منهما في الاستفادة من الآخر(...).

وكانت الحكومة اللبنانية ترددت مدة ثلاثة أسابيع – من 30 آذار الى 23 نيسان (إبريل) - قبل الاعتراف بحكومة حسني الزعيم. فقد غضب بشارة الخوري ورياض الصلح من تجرؤ هذا الديكتاتور العسكري على سجن الرئيس القوتلي. وها هو الآن يستقبل أعضاء في المعارضة اللبنانية، ويبدي عداء واضحاً للدولة اللبنانية(...).

وما لبثت ان تصاعدت أزمة (في لبنان)، وأصبحت أخطر بكثير من مجرد تبادل لإطلاق النار بين حركتين شبه عسكريتين متنافستين (في لبنان) (الكتائب والقوميون). شن القوميون سلسلة من الهجمات المسلحة في وقت واحد، فاعتُبر ذلك محاولة لإسقاط الحكومة(...). بدأت العملية بسلسلة من الهجمات غير المنسقة على مراكز الدرك اللبناني قرب الحدود السورية وفي الجبال قرب بيروت (...).

وتجمّع أكثر من مئة حزبي في دمشق ونقلوا بالحافلات الى منطقة تبعد نحو عشرة كيلومترات من الحدود اللبنانية، حيث كان سعادة ومساعده العسكري، عساف كرم، في انتظارهم. ألقى فيهم سعادة خطاباً حماسياً، ووزّع عليهم الأسلحة والذخيرة. توجهت مجموعة الى راشيا، وأخرى الى مشغرة (...).

حوصرت (تحركات) القوميين في نهاية الأمر، واستسلمت للجيش(...) وبحلول 7 تموز (يوليو) كان قد قبض على نحو 900 عضو من حزب أنطون سعادة ومتعاطف معه (...).

في دمشق، دعا حسني الزعيم سعادة الى القصر الرئاسي، وبعدما استُقبل بلباقة، اعتُقل ثم نُقل تحت الحراسة الى الحدود اللبنانية في ليل 6 – 7 تموز (يوليو). وهناك سلّم الى الأمير فريد شهاب، المدير العام للأمن العام – «شرط» أن يقتل في أثناء رحلته الى بيروت. كانت شروط الزعيم تقضي بأن يُقتل سعادة عند «محاولته الهرب» (...).

في الصباح، اجتمعت الحكومة اللبنانية في جلسة استثنائية وقررت، مخطئة من دون شك، محاكمة سعادة بموجب حالة الطوارئ التي أعلنت في 14 أيار (مايو) 1948، عند بداية حرب فلسطين (...).

عند الساعة الثامنة مساءً في 7 تموز، أصدرت المحكمة العسكرية حكم الإعدام على سعادة بموجب المادة 79 من قانون القضاء العسكري. أرسل الملف إلى لجنة العفو التي أكّدت الحكم. بعد سماع دفاع المُدان، وقبل اتخاذ قرار في شأن مصير سعادة، دعا الرئيس بشارة الخوري إلى اجتماع حضره رياض الصلح والأمير فريد شهاب، إضافة إلى حبيب أبي شهلا وغبريال المر، وهما مسؤولان بارزان من الطائفة الأرثوذكسية نفسها التي ينتمي إليها سعادة. وفقاً لملاحظة دوّنها الأمير فريد شهاب، قال رياض الصلح إنه لا يحب الإعدام. ولاذ الرئيس الخوري بالصمت، لكن أبي شهلا والمر أيّدا إعدامه. لا شك في أنهما اعتبرا أن سعادة يشكّل خطراً على موقعهما المسيطر في طائفتهما. ظلّ هذا الجانب من ظروف إعدام سعادة مجهولاً لمدة تزيد على نصف قرن، ولم يكشف عنه إلا بعد نشر أوراق الأمير فريد شهاب سنة 2006(...).

في 9 آذار 1950، كان رياض الصلح هدفاً لمحاولة اغتيال في بيروت. فعندما خرج من سيارته في شارع فردان في وقت متأخر من بعد الظهر لحضور حفل استقبال أقامته عائلة الغلاييني على شرفه، أطلق رجل مختبئ خلف شجرة نخيل عليه ثلاث طلقات من مسافة قريبة. تقدّم رياض بشجاعة نحو المعتدي محاولاً القبض عليه، لكنه هرب مطلقاً بضع طلقات إضافية. أصيب ثلاثة أطفال في الحادث، إضافة إلى رجل كان يقف على مسافة قريبة. توفي اثنان من الأطفال في الطريق إلى المستشفى. اخترقت رصاصة كمّ سترة رياض من دون أن تجرحه (...).

رحلة رياض الأخيرة

في أيار 1951، بعد مرور ثلاثة أشهر على استقالة رياض الصلح من رئاسة الحكومة، زار ملك الأردن عبدالله بيروت، وأبدى رغبته في الاجتماع به. لكن رياض قرّر عدم الاجتماع ، لظهور دليل (في مصر) على تواطؤ الملك مع إسرائيل، وسلبية الفيلق العربي في حرب 1948. ولتجنّب عبدالله، غادر رياض بيروت وتوجّه إلى قرية تمرة في جنوب لبنان. وبعد أسبوع أو اثنين، أرسل الملك إلى رياض رسالة تدعوه إلى عمّان (...)

يوم الاثنين، 16 تموز، تناول رياض الصلح ومرافقوه الغداء في نادي عمان بدعوة من صاحبه اللبناني الأصل، قبل أن يبدأ رحلة العودة إلى بيروت. كان السفير الفرنسي في الأردن، دومرغاي Dumargay، جالساً إلى جوار رياض. وقد أرسل إلى باريس تقريراً ذكر فيه «أنه بدا منشغل البال طوال الغداء. وأبلغني أنه نادم لأنه لم يغادر عمان في الصباح بدلاً من قبول دعوة الغداء». بعد انتهاء المأدبة، قام رياض بزيارة أخيرة إلى القصر لوداع الملك، ثم عاد إلى فندق فيلادلفيا لاصطحاب رفاقه قبل التوجّه إلى المطار. كان يريد العودة إلى بيروت من طريق البر، لكن الملك أصرّ على أن يذهب جواً، واستأجر طائرة خاصة لنقله.

غادر رياض غرفته بعد ظهر ذلك اليوم ونزل إلى بهو الفندق، حيث كان الأردنيون ينتظرون لوداعه. فجأة، تقدّم رجل إلى الأمام ليصافحه. نزع رياض نظارته الشمسية، وتراجع ماداً إليه يده. وبعدما ذهب الرجل سأل: «هل تعرفونه»؟ لم يتمكّن أحد من تحديد هويته. انطلق الوفد بعد ذلك نحو المطار في سيارتين. جلس رياض في المقعد الخلفي للسيارة الأولى وإلى جانبه الدكتور البربير. وجلس باقر بك، الضابط المساعد من القصر الملكي، على المقعد الأمامي إلى جانب السائق. لم تكن هناك أي مرافقة أخرى. واستقلّ الصحافيان، شقير ومارون، السيارة الثانية مع حارس رياض الشخصي عبدالعزيز العرب.

عند الساعة 3:45 بعد الظهر تقريباً، مع بلوغ السيارتين تقاطع طرق قرب محطة السكة الحديد في عمان، انطلقت سيارة هدسون تسير بسرعة فائقة من طريق جانبي، فتجاوزت السيارة الثانية، واقتربت من السيارة الأولى. أثار ذلك على الفور شكوك عبدالعزيز العرب، فأمر السائق باللحاق بها. لكن قبل أن يستطيع التدخّل، تمكّنت سيارة الهدسون من مجاراة السيارة الأولى على الطريق المفتوح. شاهد شقير ورفاقه يداً تحمل مسدساً وهي تمتدّ خارج نافذة الهدسون وتصوَّب نحو سيارة رياض الصلح. وسُمع دوي ست طلقات. توقّفت سيارة رياض، بينما ابتعدت سيارة الهدسون بسرعة كبيرة. قفز شقير ومارون من سيارتهما لرؤية رياض والدكتور البربير، بينما انطلق عبدالعزيز العرب وباقر بك وراء سيارة الهدسون. لم تكن جراح الدكتور البربير خطرة، لكن رياض أصيب في قلبه. لا بد من أنه استدار لمواجهة قاتله. نقل الرجلان على عجل إلى المستشفى الإيطالي في عمان، لكن رياض فارق الحياة قبل وصولهما إلى هناك، ولم يكن يتجاوز السابعة والخمسين (...).

عمّمت الشرطة في ما بعد أسماء المهاجمين الثلاثة (وكانوا) أعضاء في الحزب القومي (...)

ووفقاً لعضو سابق في الحزب، فإن الأمر باغتيال رياض الصلح جاء مباشرة من جورج عبد المسيح، وهو من أتباع أنطون سعادة المتعصبين، وقد تعهّد بالانتقام له عند تولّيه رئاسة الحزب إثر إعدامه. ويُعتقد على نطاق واسع أن القتلة ما كانوا ليُقدموا على فعلتهم من دون أوامر شخصية منه. وسعى كبار أعضاء الحزب في ما بعد لكبح عبد المسيح، وأبلغوه أن الحزب لا يستطيع تحمل المزيد من الجرائم. لكن ذلك - إذا استطردنا في الرواية - لم يردع عبد المسيح عن إصدار الأوامر باغتيال العقيد عدنان المالكي سنة 1955.

حياته الشخصية

تزوج الصلح من فايزة الجبيري وأنجبا خمسة بنات وابن، رضا، الذي توفى رضيعاً.[6] ابنته الكبرى، عليا (1935-2000)، استمرت على درب أبيها في النضال من أجل الحرية وحماية لبنان. نشرت عليا التراثا للبناني الغني في الخارج حتى وفاتها في باريس.

لمياء الصلح، (و. 1938)، تزوجت الأمير مولاي عبد الله من المغرب، عم الملك محمد السادس.[7] أنجبا مولاي هشام، إسمايعل ولالا زينب.

منى الصلح كانت متزوجة من الأمير طلال بن عبد العزيز.[8][9] وهي والدة الوليد بن طلال، خالد بن طلال وريما بنت طلال.[8][10]

بهيجة الصلح تزوجت من سعيد الأسد الذي كان سفيراً للبنان في سويسرا وعضو سابق في البرلمان. أنجبا ولدين وبنت.

ابنته الصغرى ليلى الصلح عُينت ضمن أول وزيرتين في حكومة عمر كرامي.[11]

اغتياله

في 16 يوليو 1951 وبينما هو ذاهب لمطار ماركا في شمال شرق العاصمة الأردنية عمان بالأردن ليعود إلى بيروت بعد زيارة قام بها لعمّان أرداه عدد رجال للحزب السوري القومي الاجتماعي بإطلاق النار عليه في سيارته. دفن جثمانه في جوار مقام الأوزاعي في بيروت وتسمى الساحة القريبة منه الآن بساحة رياض الصلح.

المصادر

  1. ^ "Riad al-Solh commemorated with launch of biography". The Daily Star. 6 March 2010. Retrieved 12 July 2012. 
  2. ^ Mugraby, Mohammad (July 2008). "The Syndrome of One-Time Exceptions and the Drive to Establish the Proposed Hariri Court" (PDF). Mediterranean Politics. 13 (2): 171–193. Retrieved 15 March 2013. 
  3. ^ "مقاطع من كتاب باتريك سيل... رياض الصلح أنجز مع بشارة الخوري الاستقلال والميثاق واغتيل بعد سنوات في عمّان (1/3)". جريدة الحياة اللبنانية. 2010-03-02. 
  4. ^ "مقاطع من كتاب باتريك سيل... رياض الصلح أنجز مع بشارة الخوري الاستقلال والميثاق واغتيل بعد سنوات في عمّان (2/3)". جريدة الحياة اللبنانية. 2010-03-03. 
  5. ^ "مقاطع من كتاب باتريك سيل... رياض الصلح أنجز مع بشارة الخوري الاستقلال والميثاق واغتيل بعد سنوات في عمّان (3/3)". جريدة الحياة اللبنانية. 2010-03-04. 
  6. ^ خطأ استشهاد: وسم <ref> غير صحيح؛ لا نص تم توفيره للمراجع المسماة kec11june
  7. ^ Morocco Foreign Policy And Government Guide. International Business Publications. 30 January 2004. p. 84. ISBN 978-0-7397-6000-0. Retrieved 7 April 2013. 
  8. ^ أ ب Henderson, Simon (27 August 2010). "The Billionaire Prince". Foreign Policy. Retrieved 21 October 2012. 
  9. ^ Moubayed, Sami (1 February 2011). "Lebanon cabinet: A tightrope act". Lebanon Wire. Retrieved 7 April 2013. 
  10. ^ Mamoun Fandy (2007). (Un)civil War of Words: Media and Politics in the Arab World. Greenwood Publishing Group. p. 43. ISBN 978-0-275-99393-1. Retrieved 21 October 2012. 
  11. ^ "Leila Al Solh" (PDF). World Association of girl guides and girl scoutes. Retrieved 12 July 2012. 
سبقه
رئيس وزراء لبنان
1943–1945
تبعه
عبد الحميد كرامي
سبقه
سعدي المنلا
رئيس وزراء لبنان
1946–1951
تبعه
حسين العويني

خطأ لوا في وحدة:Authority_control على السطر 346: attempt to index field 'wikibase' (a nil value).