حملة الإسكندرية 1807

(تم التحويل من حملة فريزر)
حملة الإسكندرية 1807
جزء من الحروب النابليونية وحملات محمد علي
مقاومة المصريين في رشيد لحملة فريزر

مقاومة المصريين في رشيد لحملة فريزر
التاريخمنتصف فبراير - 19 سبتمبر 1807
الموقعرشيد، مصر
النتيجة

نصر مصري

هزيمة القوات البريطانية واستيلاء محمد علي باشا على السلطة في مصر.
Territorial
changes
الإسكندرية وشمال مصر
المتحاربون
 المملكة المتحدة.  مصر
القادة والزعماء
الجنرال ألكسندر مكنزي-فريزر محمد علي باشا
عمر مكرم
القوة
2,500 نظامي غير معروفة
الإصابات والخسائر
900 غير معروفة

حملة الإسكندرية 1807 أو حملة فريزر، هي حملة بحرية قام بها البحرية الملكية والجيش البريطاني أثناء الحرب الإنگليزية التركية (1807–1809) كجزء من الحروب الناپليونية لاحتلال مدينة الإسكندرية المصرية من أجل تأمين قاعدة عمليات بريطانية ضد الدولة العثمانية في البحر المتوسط. وكانت الحملة جزء من استراتيجية أكبر ضد الفرنسيين المتحالفين مع السلطان العثماني سليم الثالث.[1]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

أسباب الحملة

ترجع اسباب تلك الحملة الى انتقاض العلاقات بين انجلترا وتركيا وما اعتراها من الجفاء والعداء لانحياز تركيا الى جانب فرنسا، فنقمت انجلترا من الحكومة التركية تلك السياسة واتفقت هي والروسيا على الكيد لها، وساءت العلاقات بين الدولتين حتى انتهت باعلان الحرب بينهما، ودخل الاسطول النجليزي بقيادة الأميرال دوكورث بوغاز الدردنيل واعتزمت انجلترا أن تضرب تركيا في مصر فتنال بذلك غرضين وهما اذلال تركيا من جهة وتحقيق اطماعها في مصر من جهة أخرى.


حالة مصر قبل الحملة

جردت انجلترا حملتها على مصر بقيادة الجنرال فريزر، وكانت على اتفاق مع محمد بك الألفي ان يؤيدها ويشد أزرها على أن تكفل للماليك الاستيلاء على حكومة البلاد. لكن مصر لم تستسلم لتلك الغزة، بل قاومتها بكل ما أوتيت من حول وقوة، وظهرت الأمة بذات الروح التي نهضت بها بازاء الحملة الفرنسية أي بروح المقاومة والبذل والتضحية والدفاع والمحاماة عن الذمار حتى انتهت الحملة بالخيبة والفشل.[2]

جاءت مصر أخبار الحملة الانجليزية قبل قدومها وعلم الناس بها من الرسائل الواردة من الأستانة، فأخذوا يعدون لمقاومتها كاستعدادهم لمقاومة الحملة الفرنسية التي تقدمتها بنحو عشر سنوات، وتولى السيد عمر مكرم زعامة المقاومة الشعبية بما عهد فيه من شجاعة وحزم واخلاص.

ذكر الجبرتي حالة الحرب قبيل مجئ الحملة فقال في حوادث ذي الحجة سنة 1221 (فبراير سنة 1807): "شرع أهل الاسكندرية في تحصين قلاعها وأبراجها، وكذلك أبو قير، وارسل كتخدا بك (نائب محمد علي باشا) من يتقيد ببناء قلعة بالبرلس، وحصل بمصر قلق ولغط، وغلت الأسعار في البضائع المجلوبة وعملوا جمعيات في بيت كتخدا بك وبيت السيد عمر النقيب واتفقوا على ارسال تلك المراسلات الى محمد علي باشا بالجهة القبيلة صحبة ديوان افندي (سكرتيره)".

أقبلت العمارة الانجليزية الى مياه الاسكندرية في شهر مارس سنة 1807، فارسل الساعة أخبار مجيئها الى القاهرة، وكان محمد علي باشا غائبا عنها يقاتل المماليك في الصعيد، فلما استفاضت اخبارها هاجت الخواطروقلق الناس، واجتمع ولاة الأمور يتشاورون فيما يجب عمله للدفاع عن البلاد.

قال الجبرتي: "فلما وصلت تلك المكاتبات اجمتع كتخدا بك وحسن باشا وبونابرته الخازندار وطاهر باشا والدفتردار والرزنامجي وباقي أعيانهم، وذلك من الغروب، وتشاوروا في ذلك، ثم أجمع رأيهم الى ارسال الخبر بذلك الى محمد علي باشا يطلبونه للحضور هو ومن بصحبته من العساكر ليستعدوا لما هو أولى وأحق بالاهتمام، ففعلوا ذلك وانصرفوا الى منازلهم بعد حصة من الليل، وأرسلوا تلك المكاتبة اليه في صبح يوم الجمعة صحبة هجانين، وشاع الخبر وكثر لغط الناس في ذلك".

جاءت الحملة الانجليزية على اتفاق سابق مع الألفي زعيم المماليك، لكن الأقدار قضت أن يموت الألفي قبل أن تهبط الحملة الى مصر، ولو أنها تقدمت في مجيئها أربعين يوما فجاءت والألفي على قيد الحياة وحوله تلك الألوف من المقاتلة لكان محتملا أن يتحول مجرى الحوادث في مصر، بيد أنها وصلت بعد موت الألفي وتشتت أنصاره وانقضاض جيشه، فكان ذلك من الأسباب التي هيأتها العناية الإلهية بجانب المقاومة التي أبدتها مصر لإخفاق هذه الحملة.


وصول الحملة إلى مصر

في أوائل مارس سنة 1807 أقبلت سفينة إنجليزية الى مياه الإسكندرية دون أن تخبر بأسباب حضورها، ولعلها كانت سفينة إستطلاع لتعرف الحالة في الثغر، فلما كان يوم 14 مارس جاءت سفينة حربية أخرى واستدعت القنصل الانجليزي فلبى الدعوة ومضى مسرعا لمقابلة من فيها، ولم يكد يعود الى الثغر حتى بادر بانفاذ عدة من السعاة يحملون رسائل الى جهات بعيدة، وقد ظن الاهالي أنها مرسلة الى الرعايا الانجليز لاستدعائهم الى الثغر، ولكن تبين بعد ذلك انها مرسلة الى البكوات المماليك في الصعيد لاخبارهم بقرب وصول الحملة البريطانية واستدعائهم الى الوجه البحري، فدلت هذه الرسائل على أن الحملة الانجليزية جاءت باتفاق سابق مع الالفي على ان يمدها المماليك بما لديهم من الرجال والعتاد.

قال الجبرتي في هذا الصدد: "وبعد موت الالفي بنحو الاربعين يوما وصلت نجدة الانكليز الى ثغر الاسكندرية وطلعوا اليها فبلغهم عند ذلك موت المذكور، فلم يسهل بهم الرجوع فارسلوا الى الجماعة المصريين (يريدالمماليك) ظانين أن فيهم أثر الهمة والنجدة يطلبونهم للحضور ويساعدهم الإنكليز على ردهم لمملكتهم".

وقال في موضع آخر ما خلاصته: "ان هذه الطائفة من الإنكليز ومن انضم اليهم وعدتهم على ما قيل ستة آلاف لم تأت الى الثغر طمعا في اخذ مصر (!) بل كان ورودهم ومجيئهم مساعدة ومعاونة للألفي على أخصامه باستدعائه لهم واستنجاده بهم، وسبب تأخرهم في المجي لما كان بينهم وبين العثماني من الصلح. فلما وقعت النقرة بينهم وبينه انتهزوا الفرصة وأرسلوا هذه الطائفة، وكان الألفي ينتظر حضورهم بالبحيرة، فلما طال عليه الانتظار وضاقت عليه البحيرة ارتحل بجيوشه مقبلا وقضى الله بموته باقليم الجيزة، وحضر الانكليز بعد ذلك الى الاسكندرية فوجدوه قد مات، فلم يسعهم الرجوع فأرسلوا الى الأمبارء القبليين يستدعونهم ليكونوا مساعدين لهم على عدوهم ويقولون لهم انما جئنا الى بلادكم باستعداء الألفي لمساعدته ومساعدتكم فوجدنا الألفي قد مات وهو شخص واحد منكم وأنتم جمع فلا يكون عندكم تأخير في الحضور فإنكم لا تجدون فرصة بعد هذه وتندمون بعد ذلك ان تلكأتم".

يتبين من لك أن الحملة الانجليزية على مصر سنة 1807 كانت باستعداء الألفي واتفاقه مع الانجليز على احتلال البلاد، وهذا يؤيد الحقيقة التي بسطناها في الجزء الثاني من "تاريخ الحركة القومية" وهي ان المماليك كانوا صنائع السياسة الانجليزية وظلوا صنائعها الى ان استراحت البلاد منهم، ولعلك لاحظت في رواية الجبرتي قوله ان الانجليز لم يأتوا الى الثغر طمعا في أخذ مصر الخ .. وهو قول من لم يدرك كنه السياسة الانجليزية، والجبرتي معذور في عدم ادراكه حقيقة مقاصدها، فلم يكن قد بلاها، ولا عرف أسرارها، وهو في انخداعه بها احق واولى بالمعذرة ممن توهموا سنة 1882 أي بعد نيف وسبعين عاما من هذه الحوادث ان الانجليز جاءوا مصر للدفاع عن عرش الخديوية المصرية، وكان عليهم أن يفهموا انهم انما جاءوا ليحتلوا البلاد ويبسطوا نفوذهم وسيطرتهم فيها.


احتلال الإسكندرية

View of Pompey's Pillar with Alexandria in the background in c.1850

في يوم 16 مارس عادت السفينة الانجليزية تتبعها بارجة كبرى وبعض السفن الاخرى وألقت مراسيها بالميناء الغربية، ونزلا منها ضابطان طلبا مقابلة محافظ الثغر في ذلك العصر، واسمه أمين أغا، وهو من ضباط الاستانة وكان متواطئا مع الانجليز ان يسلم لهم المدينة على رشوة من المال، قال المسيو مانجان في كتابه ان الانجليز قد اشتروا أمين أغا هذا بالمال. والذي أعطاه هذا المال هو قنصل إنجلترا فلما قابله الضابطان النازلان من العمارة الانجليزية اتفق معها على أن يسلم المدينة دون مقاومة، ثم لم يكد يطلع يوم 17 مارس حتى أقبلت العمارة الانجليزية مؤلفة من خمس وعشرين سفين بقيادة الأميرال لويس وسدت مدخل الميناء الغربية، وفي مساء ذلك اليوم أخذ جنود الحملة ينزلون إلى البر بشاطئ العجمي، ثم زحف الإنجليز الى الاسكندرية وعسكروا تحت أسوارها، وأرسلوا فصيلة منهم لاحتلال قلعة أبو قير شرق الاسكندرية، وانقضى يومان في مفاوضات صورية بينهم وبين أمين أغا محافظ المدينة انتهت بأن سلم نفسه كأسير حرب ومعه حامية المدينة وعددها نحو ثلثمائة مقاتل، ودخل الإنجليز الاسكندرية ليلة 21 مارس دون أن تطلق رصاصة واحدة.

هذا ما فعله أمين أغا محافظ الإسكندرية في ذلك العهد، ولعلك تذكر موقف السيد محمد كريم حاكم الاسكندرية الوطني حين مجئ حملة نابليون سنة 1798 ومبلغ شجاعته في مقاومتها وتقابل بين موقفه النبيل ومخزاة أمين أغا في استسلامه للحملة الانجليزية سنة 1807، وأمين أغا هو من ضباط الاستانة لأن الحكومة التركية كانت تعد الاسكندرية الى ذلك العهد تابعة لها مباشرة فكانت تعين حاكمها، وأما السيدمحمد كريم في عهد الحملة الفرنسية فكان حاكم المدينة الوطني. فقابل بين موقف الحاكم الوطني وشجاعته وجبن ضابط الاستانة ونذالته تجد الفرق بين الاثنين عظيما.

استولى الانجليز اذن على الاسكندرية دون حرب ولا قتال، لكن الجبرتي في ايراده أخبار تلك الحملة ذكر في يوميات شهر محرم سنة 1222 ورود أنباء من الإسكندرية بوقوع قتال "وضرب بالمدافع الهائلة من البحر وهدم جانب من البرج الكبير وكذلك الابراج الصغار، وكل ذلك لم يكن سوى اشاعات باطلة كانت ترسل الى القاهرة فيتناقلها الناس كما تروج الاشاعات الكاذبة اثناء الحروب ثم لا تلبث ان ينكشف بطلانها، والواقع أنه لم يحصل ضرب بالمدافع الهائلة ولا هدم جزء من البرج الكبير أو الأبراج الصغيرة، والجبرت يكان يذكر كل الاشاعات التي ترد أثناء وقوع الحوادث الخطيرة التي يدونها فقد ذكر أيضا أنهم "أشاعو ان الاسكندرية ممتنعة عن الانكليز وانهم طلعوا الى راس التين والعجمي فخرج عليهم اهل البلاد والعساكر وحاربوهم واجلوهم عن البر ونزلوا الى المراكب مهزومين وحرقوا منهم مركيبن وانه وصلت اليهم عمارة العثمانيين والفرنساوية وحاربوهم في البحر واحرقوا مراكبهم وقتلوا منهم مقتلة عظيمة ولم يبق منهم الا القليل".

ولم يكن شئ من ذلك صحيحا ولا قريبا من الواقع، بل كله مكذوب وكان مصدره الاشاعات الباطلة او كما يقول الجبرتي بعد ذلك، "واستمر الامر في هذا الخلط القبلي والبحري عدة أيام ولم يأت من الاسكندرية ساعة ولا خبر صحيح". وبعد أن أورد الجبرتي تلك الاشاعات ذكر انه "في 20 محرم وردت الأخبار الصحيحة بأخذ الاسكندرية واستيلاء الانكليز عليها يوم الخميس تاسع الشهر ودخلوها وملكوا الابراج يوم الاحد صبيحة النهار وسكن صاري عسكرهم بوكالة القنصل " فالجبرتي في ايراده (الأخبار الصحيحة) لم يذكر أنه حدثت حرب أو قتال ولا ضرب بالمدافع الهائلة ولا هدم للأبراج، وهذا يؤيد المصادر الصحيحة التي اتفقت روايتها على ان استيلاء الانكليز على الاسكندرية قد تم من غير مقاومة بفضل خيانة أمين أغا.

كانت الحملة الانجليزية مؤلفة من نيف و6000 مقاتل بقيادة الجنرال فريزر ويتألف هذا الجيش من فرقتين. الأولى بقيادة الجنرال ستوارت والأخرى بقيادة الجنرال ويكوب.

ولعلك تعجب كيف جازفت الانجليز بهذا العدد الضئيل في الحملة على مصر في حين أن نابليون بونابرت لم يقدم على غزوها الى بجيش مؤلف من 36000 من المقاتلة وعمارة من أعظم الأساطيل البحرية، ولكن هذه الدهشة لا تلبث أن تزول اذا علمت أن الانجليز كانوا يظنون أنهم لا يجدون في مصر مقاومة ذات شأن بسبب الاضطرابات التي مزقت شملها، وكانوا من جهة آخرى يعتمدون على قوات المماليك في مصر، ولذلك لم يصحبوا معهم قوة من الفرسان اكتفاء بما يظاهرهم به صنائعهم المماليك، وكانوا يعتقدون انهم لا يلبثون أن يطأوا أرض مصر حتى يسارع اليهم المماليك من انحاء البلاد لملاقاتهم والانضمام اليهم، فلما دخلوا الاسكندرية ولم يروا لهم اثرا ارسل اليهم القنصل الانجليزي يطلب من زعمائهم الحضور ليلتقون بمنقذيهم وحماتهم.

ولما بلغت القاهرة أنباء احتلال الاسكندرية أحدثت انزعاجا كبيرا بين الناس وخاصة لما علموا أن محافظ الثغر قد سلم المدينة بدون قتال، فأخذ زعماء الشعب يجتمعون ويتشاورون فاستقر رأيهم على أن يدعوا الشعب الى التطوع لصد الانجليز عن البلاد.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

موقف المماليك

وكان محمد علي لم يزل بالصعيد يقاتل قوات المماليك، فلما جاءته الأنباء الأولى عن الحملة توجس خيفة منها واعتزم العودة الى القاهرة، على أنه قابل الخبر برباطة جأش، وعمد الى الدهاء في كسر حدة المماليك ليضمن عدم انحيازهم الى صفوف الانجليز، ففاوض زعماءهم في ابرام الصلح معهم، وكانت شروطهم لقبول الصلح أن يترك لهم حكم الوجه القبلي، وقد وجد محمد علي أن الضرورة السياسية تقتضي المهادنة معهم حتى يدفع خطر الحملة الانجليزية، فقبل منهم هذا الشرط على أن يؤدوا له خراج الصعيد وعلى أن يكونوا الى جانبه في محاربة الانجليز، فرضى المماليك بهذا الشرط، ولو كان الألفي بك على قيد الحياة لما رضى به، ولكن خلفاءه لم يكونوا مرتبطين مع الانجليز بمثل الروابط والعهود التي قطعها الالفي على نفسه، فضلا عن أنهم خشوا اساءة سمعتهم واتهامهم بالخيانة اذا هم انضموا الى الانجليز اعداء مصر والاسلام فقبلوا ان يحالفوا محمد علي، ولم يكونوا صادقين في التحالف، بل كانوا يضمرون ان يتربصوا حتى تنكشف نتائج الحملة الانجليزية فان هي فازت انحازوا اليها وان اصابت الفشل فهم على تحالفهم مع محمد علي، وكذلك كان شأنهم في كل عهد ان يكونوا مع الغالب، على ان هذا الموقف في ذاته قد افاد قضية مصر لانه حرم الانجليز عضدا قويا كانوا يعتمدون عليه في حملتهم.

أخلى اذن محمد علي الصعيد، وسار بجنوده الى القاهرة فاحتل المماليك عواصم الوجه القبلي وتقدموا الى الجيزة.

معركة رشيد

كانت خطة الإنجليز في القتال أن يزحف المماليك على القاهرة فيحتلوها، وأن يحتل الانجليز بمعاونة أسطولهم ثغور مصر ويزحفوا الى الداخل ويبسطوا أيديهم على حكومة البلاد مستعينين بصنائعهم المماليك.

وقد تلقى الجنرال فريزر وهو بعد في الاسكندرية تقريرا من المستر بتروتشي قنصل إنجلترا في رشيد عن حالة مصر واحصاء ما بها من القوات، فأمعن النظر في هذا التقرير ودرس الموقف بمقدار ما بلغ اليه علمه، ثم اعتزم الزحف على رشيد لاحتلالها واتخاذها قاعدة حربية يتزود منها الجيش ومنها يزحف الى داخل البلاد، وعهد بهذه المهمة الى الجنرال ويكوب وانفذه اليها في قوة من 2000 جندي.

تحرك هذا الجيش من الاسكندرية يوم 29 مارس قاصدا رشيد، فكانت تحت اسوارها في اليوم التالي، وأخذ يتأهب لدخولها صبيحة يوم 31 مارس.

كان محافظ رشيد وقتئذ يدعى علي بك السلانكلي، وهو رجل شجاع ثاقب النظر يختلف كثيرا في أخلاقه عن أمين أغا حاكم الاسكندرية، وتحت أمره نحو سبعمائه جندي، فعزم على مقاومة الجيش الانجليزي معتمدا على قوة الحامية وعلى مشاركة الاهالي في الدفاع عن المدينة، ولاجل ان يبعث الحمية في نفوس جنوده ويحملهم على الاستبسال في القتال أمر بابعاد مراكب التعدية الى البر الشرقي للنيل حتى لا يجد رجال الحامية وسيلة الى الارتداد اذا حدثتهم نفوسهم أن يسلموا كما سلمت حامية الاسكندرية، فلما تم له نقل جميع المراكب وشعر الجنود والاهلون عند اقتراب الجيش الانجليزي أن البحر من ورائهم، والعدو من أمامهم، صحت عزيمتهم على المقاومة الى النهاية، وامر علي بك ان تتراجع الحامية الى داخل المدينة وان يعتصموا هم والاهلون بالمنازل مستعدين للضرب وألا يبدوا بحركة ما إلا عندما تصدر لهم الاشارة باطلاق النار.

فتقدم الإنجليز، ولما لم يجدوا أثرا للمقاومة خارج البلد اعتقدوا أن حاميتها قد اعتزمت اخلاءها وتسليمها محتذية بما فعله أمين أغا محافظ الاسكندرية، فدخلوا شوارع المدينة مطمئنين، وكانوا قد أعياهم السير في الرمال من الاسكندرية الى رشيد ، فانتشروا في الطرق والاسواق يرتادون أمكنة يلجأون اليها ويستريحون فيها، ولكنهم ما كادوا يجوسون خلال الديار وتشتمل المدينة عليهم، حتى أصدر علي بك أمره باطلاق النار، فاقتحمهم الرصاص من كل صوب، واخذ الأهلون يطلقون النار من النوافذ والسطوح، فدب الرعب في قلوبهم، وسقط الكثيرون منهم صرعى في الشوارع، فقتل الجنرال ويكوب برصاصة أردته، وقتل الكثير من ضباطه، فاستولى الذعر على نفوس الانجليز ولاذوا بالفرار، وانتهت الواقعة بهزيمة الجيش الانجليزي وارتداد الاحياء منه عن رشيد في حالة يأس وفشل، فتقهقروا الى الاسكندرية بطريق أبو قير وبلغ عدد القتلى منهم في هذه الواقعة نحو 170 قتيلا و250 من الجرحى وأسر المصريون منهم 120 أسيرا.

رواية الجبرتي عن معركة رشيد

ذكر الجبرتي عن واقعة رشيد ما يأتي:

"في يوم الجمعة رابع عشرين محرم سنة 1222 وردت أخبار من ثغر رشيد يذكرون بأن طائفة من الإنكليز وصلت الى رشيد في صبح يوم الثلاثاء حادي عشرينه (أي 31 مارس سنة 1807) ودخلوا الى البلاد وكان أهل البلدة ومن معهم من العساكر متنبهين ومستعدين بالأزقة والعطف وطيقان البيوت فلما حصلوا بداخل البلدة ضربوا عليهم من كل ناحية فألقوا ما بأيديهم من الأسلحة وطلبوا الأمان فلم يلتفوا لذلك وقبضوا عليهم وذبحوا منهم جملة كثيرة وأسروا الباقين وفرت طائفة الى ناحية دمنهور وكان كاشفها عندما بلغه ما حصل رشيد إطمأن خاطره ورجع الى ناحية دييه ومحالة الأمير وطلع بمن معه الى البر فصادف تلك الشرذمة فقتل بعضهم واخذ منهم أسرى وارسلوا السعاة الى مصر بالبشارة فضربوا مدافع وعملوا شنكا".

نصيب المصريين في المعركة

كان لأهالي رشيد النصيب الأوفر في هزيمة الجيش الإنجليزي، لأن حاميتها العسكرية كانت من القلة بحيث لا تستطيع ان تصد الجيش الزاحف، وقد سبق لنا القول أن اخبار الحملة الانجليزية قد استفاضت في مصر قبل مجيئها وعلم الناس بأمرها من الرسائل الواردة من الاستانة واخذت الثغور تستعد لمقاومتها، ولم يقبل الاهلون في رشيد او غيرها ان يطلبوا المدد من جنود القاهرة لما اشتهروا به وقتئذ من النهب والسلب اذ كان معظمهم من الأرناؤود والدلاة واخلاط السلطنة العثمانية، فآثار الأهالي أن يتولوا الدفاع عن المدينة بأنفسهم واحتملوا معظم العبء في المقاومة والقتال، قال الجبرتي في هذا الصدد: "وفي يوم الثلاثاء 7 محرم سنة 1222 (7 مارس سنة 1807) عملوا جمعية ببيت القاضي حضرها المشايخ والأعيان وذكروا انه لما وردت الأوامر بتحصين الثغور أرسل الباشا (محمد علي) سليمان أغا ومعه طائفة من العسكر وأرسل الى أهالي الثغور والمحافظين عليها مكاتبات بأنهم ان كانوا يحتاجون الى عساكر فيرسل لهم الباشا عساكر زيادة على الذين أرسلهم، فأجابوا بأن فيهم الكفاية ولا يجتاجون الى عساكر زيادة تأتيهم من مصر فانهم اذا كثروا في البلد يأتي منهم الفساد والافساد ، فعملوا هذه الجمعية لاثبات هذا القول".

يتبين من ذلك ان الاهالي ابوا أن يطلبوا النجدة من العسكر توقيا لما يقع منهم من الفساد وانهم وطنوا النفس على تحمل اعباء القتال بأنفسهم، ومما يؤيد تلك الحقيقة ان وقائع الحملة تدل على أن الحاميات العسكرية قد فر معظمها من الميدان ولم تواجه الجيش الانجليزي، فقد مر بك ما فعله أمين أغا حاكم الإسكندرية وحامية المدينة من التسليم وكذلك فعلت حامية دمنهور فانها لما بلغتها أخبار احتلال الإنجليز الإسكندرية أخلت دمنهور وانسحبت الى قوة، وحاول الدمنهوريين أن يثنوهم عن عزمهم وحرضوهم على البقاء بالمدينة لمقاومة الإنجليزي، فأبوا إلا الهرب وأرسل الأهالي الى السيد عمر مكرم ينبؤونه بفرارهم، قال الجبرتي في هذا الصدد:

"وفي 17 محرم سنة 1222 ورد مكتوب من أهالي دمنهور خطابا الى السيد عمر النقيب مضمونه أنه لما دخلت المراكب الإنكليزية الى الإسكندرية هرب من كان بها من العساكر وحضروا الى دمهور فعندما شاهدهم الكاشف (الحاكم) الكائن بدمنهور ومن معه من العسكر انزعجوا انزعاجا شديدا وعزموا على الخروج من دمنهور، فخاطبهم أكابر الناحية (الأعيان) قائلين لهم كيف تتركونا وتذهبون ولم تروا منا خلافا وقد كنا فيما تقدم من حروب الألفي من أعظم المساعدين لكم فكيف لا يساعد الآن بعضنا بعضا في حروب الإنكليز، فلم يستمعوا لقولهم لشدة ما داخلهم من الخوف وعبوا متاعهم وأخرج الكاشف اثقاله وجبخانته ومدافته وتركها وعدى وذهب الى فوه من ليلته ثم أرسل ثاني يوم في أخذ الاثقال، فهذا ما حصل أخبرناكم به".

ينتج مما تقدم ان النصر في معركة رشيد يرجع الى الأهالي وأنهم هم الذين احتملوا معظم أعباء الجهاد وأبلوا أحسن في الدفاع عن المدينة.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

نتائج واقعة رشيد

كان لموقعة رشيد تأثير كبير في تطور الأحوال، لأن هذا النصر المبين قد ملأ قلوب المصريين حماسة وفخرا، وضعضع الهيبة التي كانت للإنجليز في نفوس الناس، تلك الهيبة التي جاءت من انتصاراتهم السابقة على الجيش الفرنسي في مصر وعلى الأساطيل الفرنسية فوق ظهر البحار، فلا غرو أن يبعث هذا النصر الى نفوس الشعب روح الثقة، ويحفزه إلى الإستمرار في المقاومة. ولقد كان لهذه الواقعة في نفوس المماليك تأثير بالغ فانها كانت لهم صدمة شديدة أضعفت أملهم في نجاح الحملة الإنجليزية وجعلتهم ينكمشون في معاقلهم بالوجه القبلي، وبالتالي جعلت الجيش الإنجليزي لا يتوقع المعاونة التي كانت ينتظرها منهم، فكل هذه الاعتبارات جعلت لواقعة رشيد من الأهمية شأنا بالغا في قيمته وخطره.

وقد بادر علي بك حاكم رشيد بعد الموقعة الى انفاذ الأسرى الإنجليزي الى القاهرة ومعهم رؤوس قتلاهم ليكون ذلك اعلانا للنصر الذي نالته رشيد ثم ليبعث هذا المنظر في نفوس الجنود والشعب روح الأمل والثقة، وكان يوم حضروهم يوما مشهودا.

قال الجبرتي في وصفه ما خلاصته:

"فلما كان يوم الأحد 26 محرم سنة 1222 (أبريل سنة 1807) أشيع وصول رؤوس القتلى ومن معهم من الاسرى الى بولاق فهرع الناس الى الذهاب للفرجة ووصل الكثير منهم الى ساحل بولاق وركب ايضا كبار العسكر ومعهم طوائفهم لملاقاتهم فطلعوا بهم الى البر وصحبتهم جماعة العسكر المتسفرين معهم فأتوا بهم من خارج مصر ودخلوا من باب النصر وشقوا بهم من وسط المدينة وفيهم فسيال (ضابط) كبير وآخر كبير في السن وهما راكبان على حمارين والبقية مشاة في وسط العسكر ورؤوس القتلى معهم على نبابيت وعدتها أربعة عشر رأسا ، والأحياء خمسة وعشرون، ولم يزالوا سائرين بهم الى بركة الأزبكية وضربوا عند وصولهم شنكا ومدافع وطلعوا بالأحياء مع فسيالهم الى القلعة وفي يوم الاثنين وصل ايضا جملة من الرؤوس والاسرى الى بولاق فطلعوا بهم على الرسم المذكور وعدتهم مائة وواحد وعشرون رأسا، وثلاثة عشرة أسيرا وفيهم جرحى".

المقاومة الشعبية

تكلمنا عن نصيب اهل رشيد في المعركة التي دارت رحاها في شوارعها وفيما حاق بالجيش الإنجليزي من الهزيمة، ولقد بدت على سكان القاهرة تلك الروح التي تجلت في اهل رشيد، فمنذ أن وردت انباء المعركة الأولى استنفر الشيوخ وفي مقدمتهم السيد عمر مكرم اهل القاهرة الى التطوع للقتال، وخطب المساجد في حيث الناس على الجهاد، فاستجابوا للدعوة راضين، وأقبلوا على التطوع مختارين.

عمر مكرم

أخذ المتطوعون يذهبون في صبيحة كل يوم الى أطراف المدينة يعملون في حفر الخنادق واقامة الاستحكامات شمالي القاهرة لصد الانجليز اذا جاءوا بطريق شبرا، وبادروا الى العمل في ذلك وسارعوا الى الاستعداد للقتال وعلى رأسهم السيد عمر مكرم، وكان الفقراء يعملون متطوعين نصف النهار ثم يعودون الى اعمال معاشهم عند الظهر.

وظهرت العاصمة بتلك الروح التي تجلت فيها قبيل معركة الأهرام سنة 1897 وفي خلال ثورة الشعب على خورشيد باشا سنة 1805، قال المسيو مانجان في هذا الصدد يصف ما شاهده:

"كان السيد عمر مكرم يذهب في صبيحة كل يوم تتبعه الجماهير الى حيث يشتغل العمال في اقامة الاستحكامات ، وكثيار ما يبقى هناك النهار كله في خيمة اعدت له، وكان حضوره يثير الحماسة والشجاعة في نفوس الناس جميعا، وقد بذل كل انسان ما في وسعه لاقامة الاستحاكمات.

وقال الجبرتي يصف عمل السيد عمر مكرم:

"وفي – يوم 26 محرم – نبه السيد عمر النقيب على الناس وامرهم بحمل السلاح والتأهب للجهاد في الإنكليز حتى مجاوري الأزهر وأمرهم بترك حضور الدروس وكذلك أمر المشايخ المدرسين بترك القاء الدروس".

فتأمل دعوة الجهاد التي بثها السيد عمر مكرم والروح التي نفخا في طبقات الشعب، فانك لترى هذا الموقف مماثلا لموقفه عندما دعا الشعب الى التطوع لقتال الفرنسيين قبل معركة الاهرام، ثم تأمل في دعوته الأزهريين الى المشاركة في القتال، تجد أنه لا ينظر اليهم كرجال علم ودين فحسب بل رجال جهاد وقتال ودفاع عن الذمار ايضا، فعملهم في ذلك العصر كان أعم وأعظم من عملهم اليوم.

وقال الجبرتي في موضع آخر يصف اجتماع زعماء الشعب ورجال الحكومة للتشاور فيما يجب عمله:

"وفي يوم الثلاثاء حصلت جمعية بيت القاضي وحضر حسن باشا وعمر بك والدفتردار وكتخدا بك والسيد عمر النقيب والشيخ الشرقاوي والشيخ الأمير وباقي المشايخ فتكلموا في شأن حادثة الإنكليز والاستعداد لحربهم وقتلهم وطردهم فانهم اعداء الدين والملة ويجب أن يكون الناس والعسكر على حال الألفة والشفقة والاتحاد وأن تمتنع العساكر عن التعرض للناس بالايذاء كما هو شأنهم وان يساعد بعضهم بعضا على دفع العدو، ثم تشاوروا في تحصين المدينة وحفر خنادق، فقال بعضهم ان الانكليز لا يأتون الا من البر الغربي والنيل حاجز بين الفريقين، وان الفرنساوية كانوا أعلم بأمر الحروب وأنهم لم يحفروا الا الخندق المتصل من باب الحديد الى البحر (النيل) فينبغي الاعتناء باصلاحه ولو لم يكن كوضعهم واتقانهم واتفقوا على ذلك".

وقال في موضع آخر: "وفي يوم الأربعاء 29 محرم ركب السيد عمر النقيب والقاضي والأعيان المتقدم ذكرهم ونزلوا الى ناحية بولاق لترتيب أمر الخندق المذكور وصحبتهم قنصل الفرنساوية وهو الذي أشار عليهم بذلك، وصحبتهم الجمع الكثير من الناس والأتباع والكل بالأسلحة".

وقال عن اشتراك طبقات الشعب في حفر الخندق المذكور واقامة الاستحكامات بما بلغ اليه جهد كل مطيق: "وشرعوا في حفر الخندق المذكور ووزعوا حفره على مياسير الناس واهل الوكائل والخانات والتجار وأرباب الحرف والروزنامجي وجعلوا على البعض أجرة مائة رجل من الفعلة وعلى البعض أجرة خمسين وعشرين وكذلك أهل بولاق ونصارى ديوان المكس (الجمرك) والنصارى والأروام والشوام والأقباط واشتروا المقاطع والغلقان والفوس والقزم وآلات الحفر وشرعوا في بناء حائط مستدير بأسفل تل قلعة السبتية".

وقد حدثت كل هذا الاستعدادات ومحمد علي باشا لم يزل غائبا بالصعيد، وهذا يدلك على ان الشعب كان متطوعا من تلقاء نفسه للقتال عازما على الحرب والمقاومة كما كان شأنه عند مجئ الحملة الفرنسية، أما قنصل فرنسا الذي أشار اليه الجبرتي فهو فهو المسيو دروفتي وكان في الاسكندرية عندما جاءت العمارة الانجليزية، فغادر الثغر مخافة أن يقع أسيرا في يد الانجليز لما كان بين إنجلترا وفرنسا الذي أشار اليه الجبرتي فهو المسيو دروفتي وكان في الإسكندرية عندما جاءت العمارة الإنجليزية، فغادر الثغر مخافة أن يقع أسيرا في يد الإنجليزي لما كان بين إنجلترا وفرنسا من العداء المستحكم في ذلك الحين، فرحل من الإسكندرية إلى رشيد ومنها انحدر الى القاهرة فاشترك في تنظيم وسائل الدفاع عنها.

ولم يقتصر تطوع سكان القاهرة على الدفاع عن العاصمة بل هبوا لنجدة اخوانهم اهل رشيد، وذلك انه على الرغم من ردهم الجيش الانجليزي الأول فانهم استهدفوا لزحف الجيش الانجليزي الثاني الذي جاء ليمحوا أثر الواقعة الأولى، فضرب الحصار على رشيد، وركب المدافع على آكام أبي مندور التي تتسلط عليها، واخذ يضربها بالمدافع تمهيدا للهجوم عليها وفتحها عنوة، وقد تهدم كثير من بيوتها ومات كثير من أهلها من ضرب المدافع وتساقط القنابل، فأرسل السيد حسن كريت نقيب أشراف رشيد الرسائل الى السيد عمر مكرم يستنجده ويطلب اليه امداد المدينة بالرجال والعتاد. فقرأ السيد عمر الرسالة الأولى على الناس وحصنهم على التطوع لنجدة رشيد، فاستجابوا وتطوعوا وحملوا السلاح وازمعوا السفر لنجدة اخوانهم، وبالرغم من أن كتخدا بك لم يأذن لهم بالسفر حتى يحضر محمد علي باشا من الصعيد فان كثيرين منهم لم يعبأوا بهذا المنع وارتحلوا لنجدة أهل رشيد في صد الجيش الانجليزي.

وتطوع كذلك أهالي البحيرة والبلاد المجاورة لرشيد واقبلوا عليها يدافعون عنها، فكان ذلك مظهرا جليلا من مظاهر التضامن القومي والاشتراك في حمل اعباء الجهاد، واتحاد الكلمة في ساعة الخطر، وفداء كل موضع في البلاد بكل فرد من اهل البلاد.

قال الجبرتي: "وفي يوم الخميس غاية محرم ورد مكتوب من السيد حسن كريت نقيب اشراف رشيد والمشار اليه بها (أي كبير أعوانها) يذكر فيه ان الانكليز لما اوقع بهم رشيد ورجعوا في هزيمتهم الى الاسكندرية استعدوا وحضروا الى ناحية الحماد قبلي رشيد ومعهم المدافع الهائلة والعدد ونصبوا متاريسهم من ساحل البحر (النيل) الى الجبل عرضا، وذلك ليلة الثلاثاء ثامن عشرينه، فهذا ما حصل اخبرناكم ونرجو الاسعاف والامداد بالرجال والجباجنة والعدة والعدد وعدم التأني والاهمال، فلما وصل هذا الجواب قرأه السيد عمر النقيب على الناس وحثهم على التأهب والخروج للجهاد. فامتثلوا ولبسوا الأسلحة، وجمع اليه طائفة المغاربة واتراك خان الخليلي وكثيرا من العدوية والأسيوطية واولاد البلد، وركب في صبحها الى كتخدا بك واستاذنه في الذهاب فلم يرض وقال حتى يأتي أفندينا الباشا (محمد علي) ويرى رأيه في ذلك، فسافر من سافر ، وبقى من بقى".

وقال في موضع آخر: "وفي يوم السبت ثاني صفر (11 أبريل سنة 1807) وردت مكاتبة أيضا من ثغر رشيد وعليها امضاء علي بك السلانكلي حاكم الثغر وطاهر باشا واحمد أغا المعروف ببونابرت بمعنى مكتوب السيد حسن السابق ويذكرون فيه ان الانكليز ملكوا ايضا كوم الافراح وابو منضور ويستعجلون النجدة، وفي خامس صفر وردت مكاتبة من رشيد عليها امضاء السيد حسن كريت يخبر فيها بان الانكليز محتاطون بالثغر ومتحلقون حوله ويضربون البلد بالمدافع والقنابل، وقد تهدم الكثير من الدور والابنية ومات كثير من الناس، وقد أرسلنا لكم من قبل تاريخه نطلب الاعانة والنجدة فلم تسعفونا بارسال شي، وما عرفنا لاي شيء هذا الحال، وما هذا الاهمال ، فالله الله في الاسعاف، فقد ضاق الخناق وبلغت القولب الحناجر من توقع المكروه وملازمة المرابطة والسهر على المتاريس ونحو ذلك من الكلام وهي خطاب للسيد عمر النقيب والمشايخ ومؤرخة في ثاني صفر 22".

معركة الحماد

كانت واقعة رشيد ضربة شديدة أصابت الجيش الانجليزي، فأراد الجنرال فريزر أن يمحو اثر الهزيمة التي حاقت به في تلك الواقعة، واعتزم تجريد جيش آخر يستأنف الزحف على رشيد وعهد بقيادته الى الجنرال ستوارت.

وفي غضون ذلك وصل محمد علي باشا الى القاهرة عائدا من الصعيد فبلغها ليلة 12 أبريل سنة 1807 (3 صفر سنة 1222) فأطلع على الأنباء الواردة عن هزيمة الانجليز في رشيد، فاطمأن نفسا وألفى الحالة اقل خطورة مما كان يتوقع، على أنه لم يركن الى ما حدث في تلك الموقعة ورأى بثاقب نظره أن الإنجليز قد يستأنفون القتال والزحف ليستردوا هيبتهم الضائعة، فبادر الى تجريد جيش أنفذه لمحاربتهم وصدهم عن التقدم، واتم عمل الاستحكامات التي بدء بها قبل حضوره، وواصل العمل في حفر الخنادق بين باب الحديد وبولاق لاقامة حط الدفاع عن القاهرة من الشمال وشق أخاديد أمام الخنادق تتصل بالنيل لتمتلئ بالمياه وتعرقل تقدم الجيش الانجليزي، واغرق عدة من المراكب بين جزيرة بولاق والشاطئ لمنع مرور السفن الانجليزي في النيل اذا جاءت من رشيد، ونصب البطاريات من المدافع في شبرا وامبابة وجزيرة بولاق، واشترك العلماء والشعب في العمل بحماسة وغيرة وحمية.

واخذ يدبر المال اللازم لنفقات الجيش، وعاونه السيد عمر مكرم والعلماء في جمع ما يستطاع تدبيره من المال فجمعوا تسعمائة كيس من سكان العاصمة خصصوها لنفقات الزحف. وتم تجهيز الحملة فكانت مؤلفة من أربعة آلاف مقاتل من المشاة وخمسمائة وألف من الفرسان، وسارت قاصدة الى رشيد بقيادة طبوز أوغلي.

أما جيش الجنرال ستوارت فكان عدده نحو أربعة آلاف مقاتل مجهزين بالمدافع والاسلحة والذخائر.

تحرك هذا الجيش من الاسكدرية يوم 3 أبريل زاحفا على رشيد، ولما صار على مقربة منها أنفذ الجنرال ستوارت كتيبة منه احتلت الحماد الت يتقع جنوبي رشيد بين النيل وبحيرة ادكو، وكان الغرض من احتلالها تطويق رشيد، ومنع وصول المدد اليها من الجنوب وحماية ساقة الجيش الانجليزي.

واحتل الانجليز ايضا آكام أبي مندور، وركبوا عليها المدافع ليضربوا رشيد بالقنابل وعسكر معظم الجيش غربي رشيد وجنوبيها واخذ يحاصرها (7 أبريل) ويضربها بالمدافع.

وكان الانجليز يظنون أن ضرب المدينة بالمدافع يلقي الرعب في نفوس الحامية والاهالي، ويضطرهم الى التسليم، وقد أنذروهم غير مرة بأن يسلموا المدينة، ولكنهم رفضوا، وكان انتصارهم السابق في واقعة رشيد قد بعث في نفوسهم الحمية والحماسة، فصمموا على الاستبسال في الدفاع عن مدينتهم، وبالرغم مما أحدثته القنابل من تخريب البيوت وقتل العدد الكثير من السكان فانهم صبروا واحتملوا هذه الشدائد بشجاعة ورباطة جأش، وكانوا يخرجون من المدينة من آن لآخر لمناوشة القوات الانجليزية، واستمر الضرب الحصار نحو اثنى عشر يوما دون ان يفوز الانجليز بطائل.

وكانت الجنرال ستوارت في رسالة له الى الجنرال فريزر يقول:

"ان ما أنبأتموني به من قرب حضور المماليك جعلني أتريث في الهجوم على رشيد، لقد ألحقنا بالمدينة أضرارا كبيرة وقد بلغ ما أطلقناه عليها من المدافع البعيدة المدى 300 قنبلة، على أنه قد تبين لنا أن الاعداء لا يكترثون بالمصائب التي تنزل بهم، ان قواتهم لا تزيد على ما بلغنا على 300 من الفرسان، و800 من الأرناءوط وألف من الأهالي المسلحين، ولكن نظرا لسعة خطوط دفاعهم وطبيعة مواقعهم لم أر من الحكمة أن أتعجل لاقتحام المدينة، وان نجاحنا معلق على نجدة المماليك، فاذا جاءوا الينا امكننا ان نرسل الى البر الشرقي من النيل قوة تشترك في القتال، أما الآن فيستحيل علينا ذلك لان العدو متفوق علينا في قوة الفرسان، وليس لدينا مثل هذه القوة التي لها عمل كبير في الجهات المنبسطة كجهات الدلتا، وفي انتظار تلك النجدة يتبين لنا مبلغ أهمية موقعنا في الحماد فإننا نتوقع ان يهاجمنا الأعداء فيها، وسنبذل كل جهودنا لاستبقائها في يدنا".

كان الانجليز ينتظرون اذن ان ينجدهم المماليك، ولكن هؤلاء اخذوا يسوفون ويماطلون في الوفاء بعهدهم، ويرقبون تطور الحوادث، ثم تخلوا عن حلفائهم لما رأوا من حرج مركزهم.

وفي غضون ذلك اخذ الاهالي يناوشون مواقع الانجليز في الحماد، فانفذ اليها الجنرال ستوارت مددا من الجنود، وركب المصريون أيضا مدفعين على الشاطئ الشرقي وأخذوا يلقون القنابل على ميمنة الجيش الانجليزي بالبر الغربي، فاجتاز الماجور ماكدونالد النهر عند مسجد أبي مندور (16 أبريل) ومعه قوة من 250 جنديا واستولى على موقع المصريين وعلى المدفعين، ثم تلقى المصريون مددا فعاد ماكدونالد أدراجه الى البر الغربي.

واستمر الضرب والحصار الى أن جاء المدد الذي أرسله محمد علي باشا بقيادة طبوزاوغلي، فتغير الموقف الحربي تغير جوهريا.

كان هذا المدد مؤلفا من فرقتين، الأولى يقودها طبوزاوغلي نفسه بالبر الشرقي للنيل، والأخرى بقيادة حسن باشا بالبر الغربي، وكانت الفرقتان تيسر كلتاهما حذاء الأخرى على الشاطئين، فلما جاءتا على مقربة ن رشيد عسكرت فرقة حسن باشا بالبر الغربي تجاه الحماد، وعسكرت الأخرى في برنبال بالشاطئ الشرقي وكان جنود الفرقين بشاهد بعضهم بعضا.

ففي صبيحة 20 أبريل تقدمت طلائع الجيش المصري من الفرسان (من فرقة حسن باشا) نحو مواقع الإنجليز في الحماد، والتقت بكتيبة منهم وسط المزارع، فاراد هؤلاء الارتداد الى القرية، ولكنهم لم يحكموا انسحابهم واحاط بهم فرسان الجيش المصري فقتلوا بعضهم وأسروا آخرين.

فلما علم الجنرال ستوارت بهذا الاصطدام الأول أنفذ الكولونيل ماكلود ومعه عدد من الجنود والمدافع الى الحماد لتثبيت مركز الانجليز فيها، وعهد اليه بقيادة القوة المرابطة بها.

كان موقع هذه القرية على جانب كبير من الاهمية، وعليها يدور محور القتال لانها واقعة في البرزخ بين النيل وبحيرة إدكو، وفي شماليها ترعة كانت في ذلك الحين جافة تصل من النيل الى قرب البحيرة، فلو أن الانجليز أحكموا الدفاع عن موقعهم بها لأمكنهم أن يسدوا الطريق أمام الجيش المصري فلا يستطيع اجتياز ذلك البرزخ ولا الوصول الى رشيد ليمدها بالنجدة.

رتب الكولنل مواقع جنوده ليدافع بهم هن هذا البرزخ، وكان عددهم ثمانمائة مقاتل ترتكز ميسرتهم الى النيل بقيادة الماجور وجسلند، وميمنتهم قرب بحيرة ادكو بقيادة الكابتن تارلتون، والقلب في قرية الحماد بقيادة الماجور مور، أما جمهورة الجيش الانجليزي فرابطت حول رشيد لحصارها.

وانقضى يوم 20 أبريل وموقع الإنجليز في الحماد لم يستهدف في الظاهر للخطر، وكان الكولونل ماكلود مطمئنا الى مركزه، لكن الجنرال ستوارت لاحظ حتما قتش خط الدفاع في الحماد (ليلة 21 أبريل) انه لا يحتمل في بعض جهاته ضغط قوات الجيش المصري اذا تكاثر عددها، فعهد الى الكولنل ماكلود أن يستبسل في الدفاع عن مواقعه قدر ما يستطيع، وفي حالة تكاثر قوات الفرسان المصريين فعليه أن يرتد الى شاطئ البحيرة، فاذا لم يستطيع ذلك فليتراجع الى مواقع الجيش الإنكليزي الذي كان يحاصر رشيد.

وأدرك الجنرال ستوارت أن القوات المصرية بعد ان جاءها المدد صارت اكثر عددا من الجيش الإنجليزي، فارتأى أن يسنتظر الى اليوم التالي (21 أبريل) واعتزم اذا لم تصله النجدة من المماليك ان ينسحب من الحماد ويرفع الحصار عن رشيد ويتراجع الى الاسكندرية.

أما طبوزاوغلي، قائد الجيش المصري، فانه كان الى ذلك الوقت مرابطا في برنبال بالبر الشرقي، مترددا في اي طريق يسلكه، هل يذهب رأسا لنجدة رشيد ليرفع الحصار عنها، أم يهاجم أولا موقع الإنجليز في الحماد، الى أن تشجع بالنصر الذي ناله فرسان حسن باشا بالبر الغربي في الاصطدام الأول، فاعتزم اتباع الخطة الأخيرة، فعبر النيل ليلا بجنوده، واقلتهم المراكب الى العدوة اليسرى، وانضموا الى فرقة حسن باشا تأهبا لمهاجمة الحماد في صبيحة العد (21 أبريل).

وفي الصباح شاهد الكولنل ماكلود قوات الجيش المصري قد تكاثر عددها، وامتلأ السهل برجالها، فأرسل من فوره الى الجنرال ستوارت ينبئه الخبر ويطلب اليه ان يقره على الانسحاب الى مواقع الجيش الانجليزي حول رشيد، فبعث اليه ستورات يقره على خطته، ويمدع بفصيلة من الجند، ولكن الرسول لم يصل الى الحماد وكذلك لم يجيء المدد، لأن فرسان الجيش المصري قد انسابوا في السهل وقطعوا المواصلات بين الحماد ورشيد، فاعتزم ماكلود الانسحاب من خط دفاعه، ولكنه لم يحكم خطته، وتفرقت قواته ، فتمكن فرسان الجيش المصري من الانقضاض عليها واحدة اثر اخرى في الوقت الذي احتل فيه المشاة الصريون قرية الحماد.

تعقب الفرسان القوات الثلاث، فأحاطوا بقوة القلب وكان معها الكولونل ماكلود، وانهال عليها الرصاص، من كل صوب فقتل معظم رجالها وقتل من بينهم الكولونل ماكلود نفسه.

وأحاطوا كذلك بالميمنة فقتل قائدها ترلتون ومعظم جنودها، ولم ينج من القتل سوى خمسين وقعوا في الاسر.

اما الميسرة فقد قاومت قليلا واحاط بها الفرسان من كل جانب، فلم ير قائدها الماجور وجلسند بدا من التسليم، فسلم هو والبقية الباقية من الانجليز، وكان ذلك ختام المعركة.

بدأت الواقعة الساعة السابعة صباحا. واستمرت ثلاث ساعات حمى فيها وطيس القتال، وانتهت بهزيمة الجيش الانجليزي المرابط في الحماد، ولم ينج منه احد، فمن لم يدركه القتل لم يسلم من الأسر، وبلغت خسارته نحو 416 من القتلى و400 أسير.

كان الجنرال ستوارت مرابطا اثناء الواقعة جنوبي رشيد ومعه بقية الجيش الانجليز، فلما ادرك عظمة النكبة التي حلت بقواته في الحماد سارع الى رفع الحصار عن رشيد وبادر الى الانسحاب قبل ان ينقض عليه الجيش المصري، فأتلف مدافعه التي لم يستطع حملها وتراجع الى طريق أبو قير يجر أذيال الخيبة والهزيمة.

وبالرغم من كتمانه تدابير الانسحاب فان اهالي رشيد والبلاد المجاورة تعقبوه في انسحابه الى ان وصل الى بحيرة ادكو وجرت مناوشات على شاطئ البحيرة بينه وبين المصريين انتهت بارتداد هؤلاء ومواصلة الانجليز الانسحاب حتى بلغو أبو قير ومن هناك استقلوا السفن الى الاسكندرية.

رواية الجبرتي عن معركة الحماد

قال الجبرتي عن معركة الحماد ما يلي:

"في يوم الخميس 14 صفر حضر شخصان من السعاة وأخبرا بالنصر على الانجليز وهزيمتهم، وذلك انه اجتمع الجم الكبير من اهالي البحيرة وغيرها واهالي رشيد ومن معهم من المتطوعة والعساكر ، وأهل دمنهور ، وصادف وصول كتخدا بك واسماعيل كاشف الطوبجي الى تلك الناحية، فكان بين الفريقين مقتلة كبيرة واسروا من الانكليز طائفة وقطعوا منهم عدة رءوس، فخلع الباشا (محمد علي) على الساعيين جوختين، وفي اثر ذلك وصل ايضا شخصان من الأتراك بمكاتبات بتحقيق ذلك الخبر، وبالغا في الاخبار وان الانكليز انجلوا عن متاريس رشيد وابي مندور والحماد، ولم يزل المقاتلون من اهل القرى خلفهم الى ان توسطوا البرية وغنموا جبخانتهم وأسلحتهم ومدافعهم ومهراسين عظيمين".

وقال في موضع آخر يصف تطوع المصريين في القتال بعد معركة رشيد الاولى ونصيبهم في معركة الحماد وما ابلو فيها من البلاء الحسن، وكيف غمط حقهم بعد ذلك ولم يعرف فضلهم في الجهاد والفوز:

"وكذلك اهل البلاد قويت همتهم وتأهبوا للبروز والمحاربة، واشتروا الاسلحة ونادوا على بعضهم الجهاد، وكثر المتطوعون ونصبوا لهم بيارق واعلام، وجمعوا من بعضهم دراهم وصرفوا على من انضم اليهم من الفقراء، وخرجوا في مواكب وطبول وزمور، فلما وصلوا الى متاريس الانكليز دهموهم من كل ناحية على غير قوانين حروبهم وترتيبهم، وصدقوا في الحملة عليهم، والقوا انفسهم في النيران ولم يبالوا برميهم، وهجموا عليهم واختلطوا بهم، وأدهشوهم بالتكبير والصباح حتى ابطلوا رميهم ونيرانهم، فألقوا سلاحهم، وطلبوا الامان فلم يلتفتوا لذلك، وقبضوا عليهم وذبحوا الكثير منهم وحضروا بالاسرى والرءوس على الصورة المذكورة وفر الباقون الى من بقى بالاسكندرية، وليت العامة شكروا على ذلك او نسب اليهم فضل، بل نسب كل ذلك للباشا وعساكره، وجوزيت العامة بضد الجزاء بعد ذلك".

تأثير معركة الحماد في الموقف الحربي

كانت معركة الحماد هزيمة ساحقة للانجليز، فملأت نفوس المصريين عزما وفخرا وثقة، وأسقطت هيبة الجيش الانجليزي وخاصة لما جمع كتخدا بك اسراهم وشحنهم في المراكب الى القاهرة ليتحقق الناس عظم النصر الذي ادركه الجيش المصري.

وصل اولئك الاسرى الى بولاق يوم 2 صفر 1222 (29 أبريل سنة 1807) فسيقوا من بولاق الى الازبكية ومنها الى القلعة، وعددهم 480 أسيرا وفي مقدمتهم من قواد الجيش الانجليزي الماجور مور، والماجور وجلسند، وكان يوم حضورهم يوما مشهود احتشدت فيه الجماهير من سكان العاصمة على جوانب الشوارع والطرقات لرؤية منظر الاسرى، وطيف برءوس القتلى الانجليز ليراها الناس على الطريقة التي كانت مألوفة في ذلك العصر فبلغ عددها 450 رأسها.

أما الجنرال فريزر فقد اسقط في يده بعد هزيمتي رشيد والحماد ورأى من العبث ان يعاود القتال، فامتنع بالاسكندرية واخذ في تحصينها، وبعث بالرسل الى زعماء المماليك يذكرهم بوعود الالفي ويناشدهم العهود ويحرضهم على امداده ومعاضدته ليواصل القتال ويعيدهم الى دست الأحكام، ولكن المماليك لما علموا بما حل بالانجليز من الهزيمة صموا آذانهم عن الاستجابة لطلب الجنرال فريزر وظلوا بعيدين عن غمرات القتال.

ولكي يأمن الجنرال فريزر على نفسه قطع سد ابو قير لتطغى مياه بحيرة ابو قير على مريوط وتحيط المياه بالاسكندرية من جميع الجهات، وهذه هي المرة الثانية التي قطع فيها الانجليز هذا السد، وكانت المرة الأولى سنة 1801 حينما حاربوا الجنرال منو فارادوا ان يحصروه في الاسكندرية فقطعوا السد.

ولا يخفى ان قطع السد يتلف ترعة الاسكندرية فيمنع وصول مياهها الى الثغر ويخرب بلادا كثيرة في جهات مريوط، فالانجليز قد تسببوا في هذا الخراب مرتين.

واخذ محمد علي يعد العدة للزحف على الاسكندرية واجلاء الانجليز عنها، ولم يكد يبدأ في انفاذ عزمه حتى جاءه بالقاهرة رسول من قبل الجنرال فريزر يحمل رسالة منه، فظن ان هذه الرسالة خاصة بالاسرى الانجليز الذين في القلعة، ففضها فاذا فيها طلب الجنرال فريزر المفاوضة في الصلح على ان يجلو الجيش عن الاسكندرية، ولم يكن محمد علي يتوقع الجلاء عن البلاد بهذه السهولة وهم الذين يتطلعون منذ سنوات عدة الى احتلالها وبسط نفوذهم عليها ويبذلون الجهود والوسائل لتحقيق أطماعهم فيها، فلم يغب عن محمد علي ما بذله الانجليز من عهد الحملة الفرنسية لاحتلال مصر ولا مساعيهم لدى الباب العالي ودسائسهم المستمرة لتولية صنائعهم المماليك حكم البلاد وخاصة محمد بك الالفي، ولا تجريدهم تلك الحملة في هذا الغرض، كل هذا لم يفت نظر محمد علي الثاقب، ولذلك لم يكد يصدق هذه الرسالة ، وحاول كتمان ذهوله منها وابتهاجه لها، وأجاب الرسول بأنه ذاهب بجيشه الى دمهور ، وهناك سيبعث بجوابه الى الجنرال فريزر.

والواقع ان انجلترا عزمت وقتئذ على العدول عن غزو مصر، ولم يكن ذلك منها تورعها ولا عدولا عن تحقيق اطماعها الاستعمارية في وادي النيل، بل لان الحالة السياسية في أوروبا كانت لا تمكنها من متابعة حملتها على مصر، وذلك ان الصراع بينها وبين نابليون استجر وبلغ مبلغه في ذلك العهد، وكان نابليون اذ ذاك في اوج قوته ومجده، وقد دان له معظم القارة الاوروبية، وعقد مع قيصر روسيا صلح (تلسيت ) الشهير، ذلك الصلح الذي وطد مركزه في أوروبا وضمن له صداقة القيصر، فاستطاع ان يتفرغ لتوجيه قواته لسحق إنجلترا، فرأت هذه ان تجمع قواها لتدافع عن جزيرتها، وآثرت ألا تغامر بجيوشها في حملات بعيدة وهي في حاجة اليها، ورأت من جهة أخرى بعدما أصاب جنودها من الهزيمة والخذلان في رشيد والحماد ان الحملة على مصر ليست مرجوة العواقب، من أجل ذلك عدلت عن متابعة حملتها وارسلت تستدعي جيشها من الاسكندرية، وأمرت الجنرال فريزر بالاقلاع بجنوده الى صقلية ، ولا يعني هذا انها تخلت عن مطامعها في مصر، بل رأت ان ترجئ تحقيقها الى ان تسنح فرصة أخرى، وكذلك ظلت تضمر الشر لمصر وترقب الفرص الى ان كشرت عن نابها اثناء اشتداد الصراع بين مصر وتركيا سنة 1839 فتدخلت في المسألة المصرية، وألبت الدول الاوروبية على مصر وحرمتها ثمرة انتصاراتها على الأتراك ، كما سيجئ بيانه، وظلت بعد ذلك تتحين الفرص لاحتلال البلاد حتى سنحت لها الفرصة سنة 1882 أثناء الثورة العرابية.

انتهاء الحملة

اعتزم محمد علي السفر الى دمنهور وسار بجيشه من معسكره في امبابة الى الرحمانية، ومنها الى دمنهور ويوم 12 أغسطس سنة 1807 (7 جمادة الثانية)، وكان جيشه مؤلفا من ثلاثة آلاف من المشاة وألف من الفرسان مجهزين بمدفعية قوية.

ولما بلغ دمنهور التقى بالجنرال شربوك الانجليزي الذي فوضه الجنرال فريزر في الاتفاق على الصلح، وهناك أبرم الطرفان المعاهدة، وهي تفضي بجلاء الجنود الانجليزية عن الاسكندرية في مقابل استرجاعهم أسراهم وجرحاهم، فبادر محمد علي بانفاذ أمره الى القاهرة ليحمل الأسرى الانجليز على الفور، وأخذ الجنرال فريزر بعد معدات الجلاء وبتسلم الأسرى، وفي اليوم التاسع عشر من سبتمبر، تم جلاء الانجليز عن المدينة، وتسلم الاسكندرية طبوز أوغلي نيابة عن محمد علي ثم أقلعت السفينة البريطانية ذاهبة بجنود الحملة الى صقلية.

قال الجبرتي: "وفي يوم الاربعاء 13 رجب سنة 1222 وصل المبشرون بنزول الانكليز من ثغر الاسكندرية الى المراكب ودخل اليها كتخدا بك (طبوزأوغلي) ونزل بدار الشيخ المسيري" وبذلك طويت صحيفة الاحتلال البريطاني الثاني، فكانت مدته ستة أشهر.

فتأمل في هذا التاريخ، سبتمبر سنة 1807، وارجع معي بفكر الى أكثر من مائة سنة خلت، واعلن بأن انجلترا ما فتئت خلال هذه الاعوام الطوال ترقب فريستها وتتحين الفرص لتحقيق مطامعها القديمة في بلادنا العزيزة، وما زالت تدبر الذرائع وتخلق الحوادث وتنصب الشباك حتى استطاعت بعد خمس وسبعين سنة من جلائها عن البلاد ان تحتها سنة 1882، ومن غرائب القدر ان يكون جلاء الانجليز في الاحتلال الثاني كان في شهر سبتمبر سنة 1807 ودخولهم القاهرة في الاحتلال الثالث كان في شهر سبتمبر سنة 1882، فما أعظم الفرق بين التاريخي، فالأول يذكرنا بيوم يؤدد وفخار، والثاني يثير في نفوسنا لوعة الاسى والاحزان!

كانت الاسكندرية خلال السنوات السبع الماضية في عزلة عن القطر المصري بعيدة عن نفوذ محمد علي، ذلك أن الباب العالي كان يعتبرها تابعة مباشرة لحكمه ولم يكن الولاة ظل من النفوذ فيها، فبقيت على هذه الحال الى أن جلا الانجليز عن البلاد وسار محمد علي اليها، فكان هذا الجلاء فرصة سعيدة لبسط نفوذ الحكومة المصرية على ربوعها، ودخلها محمد علي لأول مرة بعد جلاء الانجليز وكان يوما مشهودا أطلقت فيه مدافع القلاع والأبراج ابتهاجا بانضمام الاسكندرية الى جامعة الوطن.

ما بعد الحملة

ظل محمد علي في الاسكندرية الى ان غادرها وسار برا الى رشيد يصحبه حسن باشا، ومن هناك انحدر في النيل الى القاهرة، وفي طريقه اليها انقلب به مركبه أمام (وردان) فاجتاز النهر سباحة وواصل سفره راكبا جواده، فكبا به الجواد على غير عادته وسقط على الارض فتطيرت حاشية الباشا من الحادثتين، ثم وصل محمد علي الى القاهرة وبلغها في شهر أكتوبر سنة 1807.

قال الجبرتي في هذا الصدد: "في ثالث شعبان سنة 1222 (6 أكتوبر سنة 1807) وصل الباشا الى ساحل بولاق، فضربوا لقدومه مدافع من القلعة، وعملوا له شنكا ثلاثة أيام، واتفق أن الباشا في حال رجوعه من الاسكندرية نزل في سفينة صغيرة وصحبته حسن باشا طاهر وسليمان أغا الوكيل سابقا فانقلبت بهم وأشرف ثلاثتهم على الغرق وتعلق بعضهم بحرف السفينة فلحقتهم مركب أخرى أنقذتهم من الغرق وطلعوا سالمين وكان ذلك عند زفيته".

ولما بلغت أنباء الجلاء عن الاسكندرية الى الأستانة ابتهج السلطان محمود ابتهاجا عظيما لما كان بين تركيا وإنجلترا من العداء في ذلك الحين، فأرسل رسولا الى محمد علي يظهر له ابتهاجا ويهدي اليه سيفا ثمينا وخلعة، وكذلك أنعم على ابراهيم بك وطوسون بك وحسن باشا وطاهر باشا والسيد عمر مكرم وعابدين بك وعمر بك وصالح قوش بالرتب والخلع الثمينة.

وأعادت الحكومة التركية ابراهيم بك (باشا) الى مصر وكان بالاستانة رهينة حتى يؤدي محمد علي الأربعة الآلاف كيس التي التزم بأدائها، فأطلقت الحكومة سراحه اعرابا على بانتصار الجيش المصري.

وصفوة القول أن أخفاق الحملة البريطانية سنة 1807 وهزائم الإنجليز في رشيد والحماد هي صفحات مجد وفخار لمصر والمصريين.

الأسلحة والسفن المستخدمة في الحملة

المراجع

  • كتاب أحوال مصر . بقلم أحمد محمد عوف
  • THE 35th FOOT PROJECT تاريخ الفصيلة 35 للجيش الملكي البريطاني
  • Alsager Pollock, Arthur William, (ed.), The United Service Magazine, Notes of an Expedition to Alexandria of the year 1807, H. Colburn [etc.], 1837
  • Scott, Walter, The Life of Napoleon Buonaparte, Emperor of the French: With a Preliminary View of the French Revolution, vol.II, Carey, Lea & Carey, Philadelphia, 1827
  • The Monthly Magazine; or British Register, Vol.XXIII, Part I for 1807, July 1, Richard Phillips, London
  • The Literary Panorama, Vol.II, Letter from Major General [Mackenzie-]Fraser to Viscount Castlereagh, London, Charles Taylor, 1807
  • Manley, Deborah & Ree, Peta, Henry Salt: Artist, Traveller, Diplomat, Egyptologist, Libri Publications Ltd., 2001
  • Olson, James Stuart & Shadle, Robert, Historical Dictionary of the British Empire, Robert T. Harrison, Alexandria, British occupation of (1807), Greenwood Publishing Group, 1996
  • Hart, H.G., Captain 49th Regiment, The New Annual Army Lists for 1848, Ninth annual volume, containing the dates of Commissions, and statement of the war services and wounds of nearly every officer in the Army, Ordnance and Marines, John Murray, London, 1848 (includes Militia List, and Imperial Yeomanry List)
  • Russell, William & Jones, William, The History of Modern Europe: With a View of the Progress of Society from the Rise of the Modern Kingdoms to the Peace of Paris, in 1763, Vol.III, Harper & brothers, New York, 1839
  • Bell, James, A System of Geography, Popular and Scientific: Or A Physical, Political, and Statistical Account of the World and Its Various Divisions, Vol.III, Archibald Fullarton and Co., Glasgow, 1832
  • Hassan, Hassan & Fernea, Robert, In the House of Muhammad Ali: A Family Album, 1805-1952, American University in Cairo Press, 2000
  • Lane, Edward William & Thompson, Jason, Description of Egypt: Notes and Views in Egypt and Nubia, Made During the Years 1825, -26, -27, and -28 ..., American University in Cairo Press, 2000
  • James, William, Naval history of Great Britain, Vol. IV, [2]
  • Yeo, Richard R., The Edinburgh Encyclopaedia, Routledge, 1999

المصادر

  1. ^ p.25, Olson, Shadle
  2. ^ الرافعي, عبد الرحمن (2009). عصر محمد علي. القاهرة، مصر: دار المعارف.
  3. ^ commanding the naval part of an expedition [1] Sir Benjamin Hallowell (1761 - 1834)
  4. ^ p.287, Hart