تاريخ اليهود في مصر

يهود مصرهم الطائفة اليهودية التي سكنت مصر، وقد كانت من أكبر الطوائف اليهودية في العالم العربي وأكثرهم نفوذا وانفتاحا ومشاركة في مختلف المجالات في المجتمع المصري الحديث. وهم يشكلون أقدم مجتمع يهودي حيث يعود تاريخ وجود اليهود في مصر إلى بداية أول أسرة يهودية، وهي أسرة يعقوب بن إسحاق وهجرتها بعد وصول النبي يوسف إلى منصب هام في حكم مصر ولحاق إخوته به أثر المجاعة التي عمت الشرق الأوسط. وبرغم عدم وجود إحصاء دقيق، فإن عدد السكان اليهود في مصر قدر بأقل من مئة في عام 2004.[1] بعدما كان بين 75-80 ألف في عام 1922.[2] كانت التركيبة الأساسية للسكان اليهود في مصر تتكون من اليهود الناطقين بالعربية وهم الربانيون القراؤون، والذين انضم إليهم السفارديم بعد طردهم من إسبانيا. بعد افتتاح قناة السويس، ازدهرت التجارة في مصر، مما جذب إليها في الاشكناز الذين بدأوا في الوصول إلى مصر في أعقاب المذابح التي دبرت لليهود في أوروبا في الجزء الأخير من القرن التاسع عشر، حيث وجدوا الملاذ الآمن في مصر ليشكلوا النخبة التجارية والثقافية للمجتمع الحديث. والذين واقتصرت إقامتهم في القاهرة على منطقة "درب البرابرة". ولكن الأوضاع ساءت لليهود المصريين منذ أواخر أربعينيات القرن العشرين بعد حرب 1948، وازدادت الأمور سوءاً بعد فضيحة لافون وحرب 1956.

كانت مصر هي الوطن الأول الذي نشأت فيه اليهودية، وبالتالي فإن الوجود اليهودي بمصر هو الأقدم في العالم حتى لو قورن بفلسطين، ذلك أن الوصايا العشر التي تعد البداية الفعلية لليهودية نزلت بشبه سيناء، التي تعد جزء من مصر منذ عهد الأسرات الفرعونية الأولى والدلائل الأثرية الفرعونية بسيناء تؤكد على مصريتها.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

العصور القديمة

رغم الخروج اليهودي من مصر، بما فيه الخروج من سيناء، فإن العلاقة بين اليهود بعد هزيمتهم للكنعانيين وإستيطانهم مكانهم بفلسطين، لم تنقطع تماما، فيرد ذكر مصر وبعض حكامها في التاناخ (المعروف في المسيحية بالعهد القديم أو التوراة والمزامير والأمثال وكتب الأنبياء)، وقد تراوحت العلاقة بين علاقات طيبة إلى عدائية، فنجد على سبيل المثال ذكر لزواج الملك سليمان، ثاني ملوك بني إسرائيل، من إبنة فرعون مصر - أي حاكم مصر - كتاب الملوك الأول، الفصل الثالث، الآيتان 1 و 2. مثلما أيضا نجد أيضا تحالفات أقامها بعض الملوك من نسل داود، س، مع حكام مصر، تلك التحالفات التي أدانها أنبياء بني إسرائيل في التاناخ. وعلى الجانب الأخر نجد أيضا علاقات عدائية أحيانا أخرى كما في النص الذي أمر بنقشه الملك مرينبتاح بن رمسيس الثاني، والذي يخلد فيه إنتصاره على إسرائيل بقوله: وإسرائيل هزمتها لم يعد لساكنيها من وجود.

وفي أوقات الأزمات التي بدأ يتعرض لها اليهود من سكان المملكة الجنوبية، والتي حكمها الملوك من نسل داود، مع نهايتها، بدأ سكانها في النزوح لمصر، برغم نهي التوراة الصريح لهم بالعودة لمصر. وبرغم تحذير النبي إرميا من النزوح لمصر، كتاب إرميا الفصول 41 و42 و43 و44 . وإن كان هذا النزوح لا يمنع أن تكون هناك جاليات يهودية سابقة على نزوح اليهود في عهد إرميا، ذلك إن العلاقات التجارية كانت قائمة بين مصر واليهود المقيمين بفلسطين، كما ذكر في التاناخ إستيراد سليمان، بواسطة تجاره، لخيول ومركبات مصرية، كتاب الملوك الأول، الفصل العاشر، الآيات 28 و29. وكان نزوح اليهود في عهد إرميا النبي، معاصرا لحكم الملك المصري إبريس من ملوك الأسرة السادسة والعشرين الفرعونية. كما أن بعض اليهود عملوا كمرتزقة في جيوش الأسرة السادسة والعشرين الفرعونية، فأقام لهم أحد ملوكها مستعمرة في جزيرة الفنتين - فيلة - في جنوب مصر وسمح لهم بإقامة معبد هناك، وتواجد اليهود في مدينة أسوان، وقد إغلق المعبد في العصر الفارسي بأمر من الملك داريوس توددا للكهنة المصريين للإله خنوم المقيمين بالجزيرة، حيث شكل وجود المعبد اليهودي بالقرب منهم شوكة في أعينهم على حد تعبير أودلف أرمان (عالم المصريات الشهير)، كما إختفت المستعمرة و الوجود اليهودي في بدايات القرن الرابع قبل الميلادي.

أما عن اليهود النازحين، الناجين من السبي البابلي، والقادمين في عصر النبي إرميا، فقد إستقروا أولا في مدينة تحفنحيس الواقعة على مشارف دلتا النيل، ومنها تفرقوا في أنحاء مصر المختلفة فمنهم من إستقر بمنف وتانيس ومنهم من أقام بالدلتا والصعيد.

تحتوي برديات جزيرة فيلة، على العديد من الوثائق القانونية والرسائل المكتوبة بالآرامية التي تصف بإسهاب حياة مجتمع الجنود اليهود المتمركزين كجزء من الحامية الحدودية في مصر في عهد الإمبراطورية الأخمينية.[3]. في حوالي عام 650 قبل الميلاد، خلال عهد منسي، شارك الجنود اليهود في حملة إبسماتيك الأول على النوبة. تأثر نظامهم الديني بفترة تواجدهم في بابل حيث تعددت آلهتهم،[4] فعبدوا الإله المحلي خنوم. في معابدهم الخاصة، جنبا إلى جنب إلههم.


البطلمي والروماني (400 ق.م - 641 م)

انظر أيضاً: Leontopolis, Alabarch, فيلون, و Elephantine

يعد العصر البطلمي العصر الذهبي الأول لليهود بمصر، سواء من حيث المكانة أو الأعداد، فقد تزايد نزوح اليهود من فلسطين إلى مصر خاصة مع إضطراب الأحوال في فلسطين في عصر المكابيين[5] وإنتشار أولئك النازحين في كافة أنحاء مصر ونزولهم للإقامة حتى بالمناطق الريفية بدلتا النيل وواديه. كما إن الملك البطلمي بطليموس الأول، الذي أكمل بناء مدينة الأسكندرية وإتخاذها عاصمة وبقيت كذلك حتى دخول المسلمون لمصر، قد إستقدم بعض اليهود ليسكنوا المدينة، كما عمل الكثير من اليهود كمرتزقة في جيوش البطالمة. كما إتسم حكم البطالمة بالتسامح الديني، وفي عهدهم تمت الترجمة السبعينية للتاناخ ( العهد القديم ) والتي تعد الترجمة المقبولة في بعض الكنائس كالأرثوذكسية المصرية والكنيسة الكاثوليكية. وقد قدر عدد اليهود في مصر في العصر البطلمي بمليون نسمة، وهو تقدير وإن كان يلقى قبول البعض فإنه أيضا يلقى تشكيك البعض الأخر وهم الغالبية، وإن كان في نهاية المطاف دليل على حجم الجالية الكبير، و دورها المتنامي في المجتمع المصري آنذاك وتغلغلها في كافة أنحاء مصر من الأسكندرية وحتى أسوان، على إنه يلاحظ أن العدد المذكور كان يضم ايضا منطقة المدن الخمس التي تماثل ما يعرف ببرقة أو شرق ليبيا، التي كانت جزء من مصر في هذا العصر. وكان مما تمتع به اليهود في العصر البطلمي حرية تنظيم حياتهم بما يوافق قوانينهم، فكان لهم بالأسكندرية رئيس خاص بهم، فضلا عن مجلس للشيوخ ومحاكم خاصة تطبق قوانينهم.

رحب اليهود بدخول الرومان لمصر في عهد أخر ملوك البطالمة، الملكة كليوبترا السابعة، و قد كافىء أكتافيوس، الذي عرف فيما بعد بإسم أغسطس، اليهود على تأييدهم إياه، بأن أبقى لهم حقهم في مجلس للشيوخ و أكد على إحترام جميع حقوقهم التي كانت لهم في العصر البطلمي. في حين حرم سكان الأسكندرية الذين رفضوا الإحتلال الروماني لمصر، من حقهم في وجود مجلس لهم، بما جعل العلاقة بين اليهود و سكان الأسكندرية متوترة طوال العهد الروماني، و وصلت لحد الصدمات المسلحة الدموية في بعض الأحيان، و رفع أحيانا كل طرف شكواه للعاصمة الرومانية روما.

على إن اليهود لم يحافظوا على المزايا التي تمتعوا بها طوال العهد الروماني بمصر، و ذلك لثوراتهم المتعددة على إمتداد القرنين الأول والثاني للميلاد. وكانت أكبر ثوراتهم في عهد الإمبراطور تراجان عام 115 للميلاد واستمرت لفترة وجيزة من عهد الإمبراطور هادريان، فبالرغم من إنها أخمدت بسرعة في الأسكندرية إلا إنها ظلت مشتعلة لثلاث أعوام في صعيد مصر من نهاية الدلتا إلى إقليم طيبة بصعيد مصر، و ظل صعيد مصر ميدانا لحرب عصابات خلال تلك الأعوام الثلاثة. وقد ظل المصريين في بعض مناطق مصر الوسطى، يتذكرون أحداث تلك الثورة بالرغم مرور مائة عام على إشتعالها، وظل المصريين في تلك المناطق يذكرون الرومان بصدقاتهم عندما حاربوا معهم جنبا إلى جنب ضد اليهود، وظلت ذكرى إخماد تلك الثورة إحتفالا للمصريين بالرغم من مرور مائة عام على حدوثها، فقد كانت ثورة مدمرة دمرت فيها طرق وأحرقت فيها بيوت وخربت فيها ممتلكات.

كانت نتيجة ثورات اليهود، أن قلص الرومان إمتيازتهم، ففي عام 70 للميلاد، وبالرغم من عدم إشتراك يهود مصر في الثورة التي حدثت في فلسطين، فإن السلطات الرومانية أغلقت معبد اليهود بمنف، كما ألزم اليهود بدفع ضريبة قيمتها درخمتان عن كل ذكر بالغ، والتي كانوا يقدمونها من قبل للمعبد الرئيسي ببيت المقدس، وذلك لبناء معبد للإله الروماني جوبيتر الذي أحرق اليهود معبده في ثورتهم تلك ببيت المقدس. وقد إستمر الرومان في جباية تلك الضريبة حتى بعد إنتهاء بناء المعبد وذلك حتى القرن الثاني للميلاد.

على إن الرومان لم يحاولوا رغم ذلك أن يرغموا اليهود بمصر على التحول عن عاداتهم، فأبقي لهم حق العيش حسب معتقداتهم وعادتهم، وسمح لهم بختان مواليدهم، وهو الأمر الذي حرم منه المصريين فيما عدا الذين يسلكون سلك الكهنوت.

أما عن أعداد اليهود في ذلك العصر، فيلاحظ ضخامتها بالمقارنة بالعصور التالية مع إنتشار المسيحية والإسلام، حيث وصل عدد اليهود في دول حوض البحر المتوسط في العصر الروماني إلى ما لا يقل عن عشرة بالمائة من السكان. وذكر العهد الجديد الكثير من تلك التجمعات، وأورد فيلون السكندري اليهودي أن تعداد يهود الأسكندرية في حياته كان مليونا، وهو رقم مبالغ فيه ولا شك، وربما كان العدد الصحيح هو مائة ألف نسمة، حيث أن عدد سكان الإسكندرية بأكملها كان يقدر بنصف مليون فقط، وكان الحي اليهودي هو أحد الأحياء الخمسة بالمدينة. على إنه يجب الأخذ في الإعتبار بأن اليهود في العصرين البطلمي والروماني عرف عنهم نشاطهم التبشيري المحموم، والذي أشار إليه الإنجيل، بما يعني أن هناك فارق بين اليهودي في العصرين الإغريقي و الروماني و ما سيليهما من عصور، وبين بني إسرائيل الأصليين.

وصف فيلون

وإذا جاز لنا أن نصدق فيلو(9) فيما يقوله عن سكان المدينة، فقد كان أربعون في المائة منهم من اليهود، وكانت كثرة يهود الإسكندرية تعمل في الصناعة والتجارة، وتعيش في فقر مدقع(10)، وكان كثيرون منهم تجاراً، وعدد قليل منهم مرابين، وبلغ بعضهم من الثراء درجة استطاعوا بها أن يحصلوا على مناصب يُحسدون عليها في الحكومة؛ وبعد أن كانوا في أول الأمر لا يشغلون إلا خُمس مساحة المدينة أصبحوا في الوقت الذي نتحدّث عنه يُشغلون خمسيها. وكانوا يحاكمون بمقتضى قوانينهم الخاصة على أيدي كبرائهم، وأيدت روما الامتيازات التي منحها إياهم البطالمة والتي يحق لهم بمقتضاها أن يتجاهلوا أي قانون يتعارض مع أوامر دينهم. وكانوا يفخرون بكنيسهم المركزي الفخم وهو باسقاً ذات عُمَد، بلغ من الاتساع حداً كان لابد معه من استخدام نظام للإشارات يضمن بها استجابة المصلين الذين لا يستطيعون- لبعدهم عن المحراب- أن يسمعوا صوت الحاخام(11). ويُستفاد من أقوال يوسفوس أن الحياة الأخلاقية ليهود الإسكندرية كانت مضرب المثل في الاستقامة إذا قيست إلى حياة السكان "الوثنيين" الشهوانية الطليقة(12). وكانت لهم ثقافة ذهنية نشيطة، كما كان لهم حظ كبير من الدراسات الفلسفية والتاريخية والعلمية في ذلك الوقت. وكانت المدينة تضطرب من حين إلى حين بالعداء العنصري؛ وشاهد ذلك أننا نجد في النُبذة التي كتبها يوسفوس ضد أبيوق (وهو زعيم معادٍ للساميّة) جميع الأسباب، والحجج، والخرافات التي تعكّر العلاقات بين اليهود وغيرهم من أصحاب الأديان الأخرى في هذه الأيام. وقد حدث في عام 38م. أن هاجم الغوغاء من اليونان معابد اليهود وأصرّوا على أن يضعوا في كل منها تمثالاً لكاليگولا ليتخذوه إلهاً. كذلك حرّم أفليوس فلاكس حاكم المدينة الروماني اليهود من حق المواطنة الإسكندرية وأمر من كانوا يعيشون منهم خارج القسم اليهودي الأصلي أن يعودوا إليه في خلال بضعة أيام من صدور الأمر، فلما انقضى الأجل المحدد لهذه العودة أحرق الغوغاء اليونان أربعمائة من بيوت اليهود، وقتلوا من كان منهم خارج ذلك الحي؛ وقبض على ثمانية وثلاثين من أعضاء الجروزيا (مجلس الشيوخ اليهودي، وجلدوا علناً في إحدى دور التمثيل، وطُرِد آلاف من اليهود من بيوتهم أو من أعمالهم أو حُرموا ما كانوا يدخرونه من أموالهم. وعَرَضَ الحاكم الذي خَلَفَ فلاكس أمرهم على الإمبراطور، وسافر إلى روما (عام 40م) وفدان مستقلان- أحدهما يتألّف من خمسة من اليونان والآخر من خمسة من اليهود- ليعرض كل منهما قضيته على كلجيولا، ولكن الإمبراطور قضى نحبه قبل أن يصدر حكمه، فلمّا جلس كلوديوس على العرش أعاد إلى يهود الإسكندرية ما كان لهم من حقوق، وأكّد لهم مواطنيتهم في المدينة، وأصدر أمراً مشدداً إلى الطائفتين المتنازعتين ألا تعكّرا صفو السلام.

ثورة اليهود

على إن اليهود لم يحافظوا على المزايا التي تمتعوا بها طوال العهد الروماني بمصر، وذلك لثوراتهم المتعددة على امتداد القرنين الأول والثاني للميلاد. وكانت أكبر ثوراتهم في عهد الإمبراطور ترجان عام 115 للميلاد واستمرت لفترة وجيزة من عهد الإمبراطور هدريان، فبالرغم من أنها أخمدت بسرعة في الأسكندرية إلا إنها ظلت مشتعلة لثلاث أعوام في صعيد مصر من نهاية الدلتا إلى إقليم طيبة بصعيد مصر، وظل صعيد مصر ميدانًا لحرب عصابات خلال تلك الأعوام الثلاثة. وقد ظل المصريين في بعض مناطق مصر الوسطى، يتذكرون أحداث تلك الثورة رغم مرور مائة عام على اشتعالها. وظل المصريين في تلك المناطق يذكرون الرومان بصدقاتهم عندما حاربوا معهم جنبًا إلى جنب ضد اليهود، وظلت ذكرى إخماد تلك الثورة احتفالاً للمصريين بالرغم من مرور مائة عام على حدوثها، فقد كانت ثورة مدمرة دمرت فيها طرق وأحرقت فيها بيوت وخربت فيها ممتلكات.

كانت نتيجة ثورات اليهود، أن قلص الرومان امتيازتهم، ففي عام 70 للميلاد، وبالرغم من عدم اشتراك يهود مصر في الثورة التي حدثت في فلسطين، فإن السلطات الرومانية أغلقت معبد اليهود بمنف، كما ألزم اليهود بدفع ضريبة قيمتها درخمتان عن كل ذكر بالغ، والتي كانوا يقدمونها من قبل للمعبد الرئيسي ببيت المقدس، وذلك لبناء معبد للإله الروماني جوبيتر الذي أحرق اليهود معبده في ثورتهم تلك ببيت المقدس. وقد استمر الرومان في جباية تلك الضريبة حتى بعد انتهاء بناء المعبد وذلك حتى القرن الثاني للميلاد.

على إن الرومان لم يحاولوا رغم ذلك أن يرغموا اليهود بمصر على التحول عن عاداتهم، فأبقي لهم حق العيش حسب معتقداتهم وعادتهم، وسمح لهم بختان مواليدهم، وهو الأمر الذي حرم منه المصريين فيما عدا الذين يسلكون سلك الكهنوت.


أعداد اليهود

أما عن أعداد اليهود في ذلك العصر، فيلاحظ ضخامتها بالمقارنة بالعصور التالية مع انتشار المسيحية والإسلام، حيث وصل عدد اليهود في دول حوض البحر المتوسط في العصر الروماني إلى ما لا يقل عن عشرة بالمائة من السكان. وذكر العهد الجديد الكثير من تلك التجمعات، وأورد فيلون السكندري اليهودي أن تعداد يهود الأسكندرية في حياته كان "مليون نسمة" وكان الحي اليهودي هو أحد الأحياء الخمسة بالمدينة.[بحاجة لمصدر] على إنه يجب الأخذ في الاعتبار بأن اليهود في العصرين البطلمي والروماني عرف عنهم نشاطهم التبشيري المحموم، والذي أشار إليه الإنجيل، بما يعني أن هناك فارق بين اليهودي في العصرين الإغريقي والروماني وما سيليهما من عصور، وبين بني إسرائيل الأصليين.

الحكم العربي (641 - 1250)

وجد الفتح العربي لمصر الدعم ليس فقط من الأقباط، ولكن من اليهود كذلك، كل الساخطين على الإدارة الفاسدة للبطريرك سايروس السكندري.[6]

لم يكن لدي اليهود سبب ليشعروا بالامتنان تجاه الحكام السابقين لمصر. ففي عام 629 طرد الامبراطور هرقل اليهود من القدس، وأعقب ذلك مذبحة لليهود في جميع أنحاء الإمبراطورية وفي مصر. وقد سمح عمرو بن العاص لليهود بالبقاء في الإسكندرية عندما فتح مصر.

ازدهرت ثروات اليهود في مصر عهد الدولة الطولونية.

الحكم الفاطمي (969 - 1169)

كان عصر الفاطميين من أزهي فترات اليهود في مصر، باستثناء الجزء الأخير من حكم "الحاكم بأمر الله". معظم المدارس التلمودية التي تأسست في مصر، كانت في هذه الفترة. وقد ارتفع شأن بعض اليهود في هذه الفترة، حتى أن يعقوب بن كلس تولى الوزارة في تلك الحقبة.

طبق الخليفه الحاكم بأمر الله (996-1020) العهدة العمرية، مضطراً اليهود على ارتداء أجراس وأن يحملوا صورة خشبية للعجل في الأماكن العامة. كما حدد إقامتهم في أحد شوارع المدينة. وعندما سمع الحاكم أنهم يسخرون منه، قام بحرق حيهم بأكمله.

الحكم الأيوبي (1169 - 1250)

عاش اليهود في سلام في عصر صلاح الدين الأيوبي (1169-1193). في عام 1166 رحل موسى بن ميمون إلى مصر واستقروا في الفسطاط، حيث حاز شهرة كبيرة كطبيب. في الفسطاط، كتب المشناه (1180) ودلالة الحائرين وكلاهما لاقى معارضة من علماء اليهود.

اليهود في عصر المماليك (1250-1517)

أثناء دولة المماليك البحرية (1250-1390) ساهم اليهود في بعض الأحيان بشكل كبير في صيانة المعدات العسكرية، وتعرضوا لمضايقات من قبل قضاة وعلماء المسلمين في تلك الفترة. فقد ذكر المقريزي أن الظاهر بيبرس (1260-1277) ضاعف ضريبة "أهل الذمة".

أما تحت حكم المماليك البرجية، هاجم الفرنجة الإسكندرية مرة أخرى عام 1416، وضعت قوانين أشد صرامة ضد اليهود، وذلك بسبب ظهور وباء الطاعون الذي أهلك أعدادا كبيرة من السكان عام 1438. فأجبر اليهود في القاهرة على دفع 75،000 قطعة ذهبية.

المماليك (1250 - 1517)

الحكم التركي (1517 - 1922)

العصور الحديثة (منذ 1917)

الثوار المصريون سنة 1919 يحملون العلم المصري وعليه الهلال والصليب ونجمة داود.
محكمة حاخامخانة الإسكندرية.


الحالة الاقتصادية

شهادة فقر لأحد اليهود المصريين عام 1931.

ظلت الفكرة القائلة "إن اليهود في مصر كانوا من أغنى أغنياء البلد وليس من بينهم فقير" تروج للعديد من السنين بل ما زال يروج لها حتى الآن ليكون الغرض الرئيسي من ورائها أن يقتنع الجميع أن اليهود كانت لهم مصالح شخصية وخاصة مع إسرائيل لذا قام من تواجدوا في مصر آن ذاك بمحاولات عديدة لاحتلال البلاد اقتصاديا ولم تصلنا أي صورة عن طبيعة اليهود في مصر والتي كانت لا تختلف عن باقى المجتمع الذي كان يتكون من فقراء ومتوسطى الدخل واغنياء، فحارة اليهود ما زالت شاهدا على أن هناك يهودا كانوا فقراء مثلهم مثل أي مصرى في ذاك الوقت ولعل ما ذكره كتاب جاك حسون "تاريخ يهود النيل" والذي قام بترجمته محامى العمال في مصر يوسف درويش المصري اليهودى دليل موثق على وجود فقراء يهود كثيرين ولعل أبرز ما جاء في الكتاب كان رصد لحياة الباعة الجائلين اليهود الذين كانوا يتنقلون بين القرى المختلفة والبعيدة لبيع بضاعتهم وأكد أن اليهودي الذي كان يرغب في أن يصلى في بلد ليس بها معبد كان يؤدى صلاته في الجامع دون أي اعتراض من قبل المسلمين.

كما ذكرت مصادر وكتب عديدة على وجود بيوت الأوديش وهو مجمع سكني للفقراء كانت في حارة اليهود تحمل العائلات اليهودية الفقيرة حيث كان الدور الواحد يحمل غرفا كثيرة، كل غرفة تسكن عائلة.

الحالة الاجتماعية

محمد نجيب يهنئ رئيس الطائفة اليهودية في مصر في يوم كيپور، 25 أكتوبر 1952.

وعن احتفالات المصريين اليهود بأعيادهم الرسمية وباعتبار الدين اليهودي ديانة سماوية يعترف بها في البلاد كان من المفترض أن تعامل احتفالاتهم كما تعامل احتفالات المسلمين والمسيحيين، وهو بالفعل ما وجدناه ظاهرا في أيام العائلة الملكية، حيث كانت تتم تهنئتهم بأعيادهم تهنئة رسمية من الدولة ،تماما كما يتم مع المسلمين والمسيحيين، كما أن هناك صورة نادرة استطعنا الحصول عليها يظهر فيها الرئيس السابق محمد نجيب وهو أول رئيس لمصر بعد زوال حقبة العصر الملكى، وهو يهنئ اليهود بالعام العبرى الجديد، وكان يعتبرهم جزءًا لا يتجزأ من النسيج المصري، كما طمأنهم بأنه لا مساس بهم ولا علاقة لهم بما يحدث في إسرائيل، كما قام بشكرهم على استضافته وأعرب عن سعادته بمباركتهم له منهيا خطابة قائلا: "والذي أحب أن أؤكده أن جميع أبناء مصر، على اختلاف أديانهم ومذاهبهم، إنما هم جميعًا إخوة في الوطن، لا فارق بين يهودي ومسلم ومسيحي، فالدين لله والوطن للجميع، وليحيا الاتحاد والنظام والعمل" كان ذلك تحديدا في عام 1952 وقد دون هذه الكلمات بخط يده في في دفتر التشريفات الخاص بالمعبد، وللعلم، فإن الطائفة اليهودية كانت تسمى بالطائفة الإسرائيلية نسبة إلى سيدنا يعقوب الذي لقب بـ "إسرائيل" ولكن بعد قيام دولة إسرائيل بدأ اليهود في تغير مسمى الطائفه الإسرائيلية إلى الطائفة اليهودية.

القادة الدينيون في مصر في استقبال الملك فاروق الأول بمحطة سراي القبة 1946: يمين الصورة الأنبا بوساب بطريرك الأقباط، الشيخ حسنين محمد مخلوف مفتي الديار المصرية، يسار الصورة سيادة ناحوم أفندي الحاخام الأكبر.


النشاط الصيهوني

كانت الأهرام من أولى الصحف التي رصدت النشاط الصهيوني المتنامي بين يهود مصر، خلافاً للمزاعم القائلة بأن اليهود المصريين لم يشتركوا في الحركة. في الفترة محل المراجعة، لاحظت الصحيفة أن اليهود المصريون قاموا بارسال وفد برئاسة موسى قطاوي، للمؤتمر الصهيوني الذي عقد في لندن عام 1918. أعضاء الوفد، تم انتخابهم في اجتماع عقد بالإسكندرية، حيث "سيتم التصويت، في المؤتمر المنعقد في لندن، عن تطلعات اليهود في مصر فيما يخص فلسطين". بالإضافة إلى ذلك، قبل شهرين، بدأت الصهاينة المصريون في الإسكندرية بنشر صحيفة أسبوعية باللغة الفرنسية. أولى إصدارتها، كان اعلان النوايا. الوطن القومي، كما كتبت الصحيفة، ليمثل نقطة محورية لاحياء اللغة والتقاليد العبرية واستعادة مجد الأراضي المقدسة. كانت مصر ذات أهمية للحركة، "لأن في مصر هناك عدد كبير من الأشخاص وسيكون من الممكن عقد دراسة، من مصر، لآمال وتطلعات الصهاينة في فلسطين ولخلق اتصالات وعلاقات بقادتهم". ولأغراض أخرى، دعا الصهاينة "باستيطان فلسطين". [7]


كان في مصر نشاطات صهيونية تحت مباركة الحكومة المصرية حيث كان لا مانع مع الدولة في أي نشاطات صهيونية تمارس قبل 1948، كما أن التاريخ يذكر الاستقبال الرسمى الذي تم لتيودور هرتزل مؤسس الأيدلوجية الصهيونية في البلاد عام 1904، كما أن الخطوة الأولى للحركة الصهيونية في مصر كانت في نهاية القرن 18 تحديداً عام 1897 حينما قام جوزيف ماركو باروخ بتأسيس أول جمعية صهيونية من مجموعة اليهود الأشكيناز القادمين من أوروبا، أطلق عليها جمعية باركوخيا الصهيونية.

ونشطت تلك الجمعية في الدعوة للحركة الصهيونية وامتدت فروعها إلى الإسكندرية وبورسعيد وطنطا والمنصورة دون أي اعتراض من الحكومة المصرية وقتها بل توالت بعدها إنشاء الجمعيات الصهيونية خصوصا بعد زيارة تيودور هرتزل لمصر 1904، والتي تأسيت بعدها جمعية " بن صهيون " وهى من اخطر الجمعيات الصهيونية التي تم تأسيسها في الإسكندرية 1908 كما أعلنت تبنيها لبرنامج المؤتمر الصهيونى الذي عقد في بازل بسويسرا 1897 والذي تقرر فيه تأسيس إسرائيل، وفى عام 1917 وصل عدد الجمعيات الصهيونية إلى 14 جمعية.

وفى النهاية نجحت كل تلك المنظمات بالفعل في إقناع المصريين بأنه لا فرق بين إنتمائهم للوطن والحركة الصهيونية، كما يذكر الجميع ما حدث عند زيارة " حاييم وايزمان " مصر على رأس بعثة صهيونية كانت مسافرة إلى فلسطين 1918 حيث تم استقباله إستقبال حافل ورسمي من قبل أعضاء المنظمة الصهيونية في مصر كما استقبله أيضا شيخ الأزهر محمد أبو الفضل الجيزاوى وقتها وتبرع بـ100 جنيه مصرى للمنظمة الصهيونية أن ذاك.

وأخيرا كانت منظمة جاك موصيري أحد أكبر العائلات اليهودية الذي دعى للفكر الصهيونى ودفع ثمنه عائلات يهودية مصرية أخرى كما ذكرنا في الحلقة السابقه والذي قام بتأسيسها عام 1917 وأصدر وقتها جريدة إسرائيل لتعبر عنه باللغات العربية والعبرية والإنجليزية، كل ما ذكرناه حدث بمباركة من الحكومة المصرية التي لمن تستشعر خطورة هذا الفكر وتلك المنظمات سوي بعد فوات الأوان رغم قيام الكثير من شباب اليهود أن ذاك بمناهضة الفكر الصهيونى الذي تم حظر جميع نشاطاته في نهاية الأربعينيات بعدما ظهرت النكبة في فلسطين وبدأ الجميع يشعر بأن الفكر الصهيونى خطر على الأمة.[8]

هنا استوقفنا لحظات الحديث عن الفكر الصهيونى وعلاقة اليهود به حيث وصلنا من التاريخ الفضيحه الشهيرة التي لقبة بفضيحة لافون والكثير من النشاطات الإجرامية لمنظمات الصهاينة في مصر ولم يصلنا أي شيء عن الحملة الكبيرة التي قامت لمناهضة الصهيونية وشارك فيها اليهود المصريون آن ذاك وكان من أبرزهم قطاوى باشا كما أن للشيوعين المصريين اليهود دور هام، حيث شكلوا جماعة مناهضة للصهيونية، كان من أبرز أعضائها يوسف درويش، وشحاتة هارون، وريمون دويك وغيرهم.

كان الرفض الشعبى للحركة الصهيونية في مصر هو الذي أدى بالحكومة المصرية وقتها إلى حظر النشاط الصهيونى عقب النكبة كما أصدر الطلبة اليهود خلال "يوم الشهداء" 3 مارس 1946 رفضوا فيه جميع المنظمات الصهيونية وأكدوا في الوقت ذاته وجود الطلاب اليهود في معركة الشعب المصرى على اختلاف عقائده ودياناته، وقع البيان طالب الطب فرج نسيم وطالب الآداب ليون كراومر وطالب الهندسة روبير شاؤول يوسف والذي كان نصه " تحت خرافة الوطن المقدس وأرض الآباء والأجداد غررت الصهيونية بملايين العمال والفلاحين اليهود، بهذه النداءات المعسولة، وصورت الصهيونية أن اليهود سيضطهدون، ولن تنقذهم غير أرض الميعاد كما يدعون وليس هذا التضليل إلا تنفيذًا لخطة الاستعمار المدبرة، ها نحن المثقفين اليهود، تبينا لعبته وأدركنا خطره وخطر الصهيونية، لن نسمح بأن تفرق صفوفنا نحن المصريين، ولنكن يدًا واحدة مسلمين ومسيحيين ويهودًا، يدًا قوية تدك صرح الاستعمار، نكافح مع المناضلين العرب للتحرر من الاستعمار وذنبه الصهيونية، حتى تسقط الصهيونية وتبقى فلسطين حرة، ها نحن اليهود المصريين ننزل إلى الميدان مع زملائنا العمال والطلبة لنعلن احتجاجنا وسخطنا على الاستعمار والصهيونية، عاشت مصر حرة.. عاشت فلسطين حرة ".

فلم يكن غريبا وقتها أن يكون سكرتير سعد زغلول يهوديا صاحب أحد الجمعيات الصهيونية التي لم تكن تمنعها الحكومة آن ذاك، ناهيك عما وجدته في الصور الأرشيفية عن رخص القيادة التي كانت لأشخاص من الطائفة الإسرائيلية والمستشفى الإسرائيلية الخاصة بهم والتي تم تحويلها فيما بعد، وطلبات من داخل وزارة الداخلية وهى كلها تنص على شيء واحد: "اليهودى هو مواطن مصرى لا خلل في ذلك"، كما وجدنا العديد من الصور التي تشكل حياتهم اليومية التي كان من الصعب أن تميزهم عن غيرهم فاليهودى ليس له شكل خاص كما صورته لنا السينما المصرية عقب ثورة 52 وهو ما سنتحدث عنه في الحلقه القادمة مع المخرج أمير رمسيس تلميذ يوسف شاهين، وصاحب فيلم "عن يهود مصر" كما سيكون لنا لقاء مع ماجدة هارون رئيسة الطائفة اليهوديه الحالية.


الصحافة

صحيفة "إسرائيل" الصادرة بالقاهرة لصاحبها ألبرت موصيري. عدد 18 نوفمبر 1932.[9]
صحيفة "الحقيقة" اليهودية الصادرة بالقاهرة، عدد 18 أبريل 1924.

اختلفت توجهات اليهود في مصر بين يهود وطنيين رفضوا محاولات جذبهم إلى الفكر الصهيوني وآخرين سخّروا صحفاً للدعاية له ولحق اليهود في وطن قومي في فلسطين، فضلاً عن حث يهود مصر على الهجرة إليها.

قبل 140 عاماً، بدأ "يعقوب صنوع" رحلة الصحافة اليهودية في مصر بجريدة "أبو نضارة" عام 1877، ومنذ عددها الأول اختارت الصحيفة الساخرة انتقاد الخديوي والاحتلال البريطاني. بعد ذلك، كثرت إصدارات يهود مصر بين صحف ومجلات اختلفت أيديولوجياتها وهوياتها، ووصلت إلى قرابة الـ30 إصداراً خلال 78 عاماً، وكان آخرها جريدة "الصراحة" الصادرة عام 1950.[9]

ولكن اللافت أن سياسة معظم صحف اليهود السياسية كانت إما مؤيدة للصهيونية أو تقف منها موقف الحياد. أوضح أستاذ التاريخ الحديث عاصم الدسوقي أن التجارب الصحافية اليهودية التي لم تدعم الصهيونية ولم تدع للهجرة، ظهرت في البداية كتجارب فنية أو أدبية أو خدمية، لكنها أيضاً لم تظهر موقفاً عدائياً تجاه الصهيونية ودعوات الهجرة، بل على العكس، فقد تحوّل عدد منها إلى نشر أخبار عن اليهود وحقهم في وطن بديل.

ولكن، كما لفت الدسوقي، ظهرت تجارب قليلة مختلفة مثل تجربة "التسعيرة" التي أصدرها إبراهيم يعقوب مزراحي، عام 1944، وكانت خدمية ساخرة، وانشغلت في البداية بالتنديد بالصهيونية وطلبت من يهود مصر ألا يتدخلوا أو يساهموا في الترويج للهجرة إلى فلسطين.

يمكن عرض واقع صحف يهود مصر المؤيدة للصهيونية من خلال كتاب "يهود مصر... صحفهم ومجلاتهم" للدكتورة سهام نصار.

"الحقيقة"

في الأول من مارس عام 1889 أصدر فراج مزراحي، صحفية "الحقيقة" في الإسكندرية، وكانت أسبوعية تصدر صباح كل خميس. "الحقيقة" كانت أدبية وابتعدت في البداية عن الخوض في المسائل السياسية. وبعد الأعداد الأولى نشرت حتى العدد العشرين قصة مسلسلة تحت عنوان "السلسبيل في أسرار بني إسرائيل"، تحدثت فيه عن اضطهاد اليهود والعنف ضدهم، وحتمية العودة إلى القدس، فضلاً عن نشر أخبار اليهود في العالم، بهدف تعريف يهود مصر بأحوالهم.

نشرت الصحيفة قصصاً تشجع على الهجرة إلى القدس لإعادة بنائها وزراعتها. كما نشرت في أحد أعدادها نبأ تكوين جمعية في القدس أسسها اليهود لتعميم اللغة العبرية بينهم. وتوقفت بداية العام 1890.

1948

فتيات يهوديات مصريات في الإسكندرية أثناء حفل بات متسڤا، 1940.
كورس "رابين موشى كوهن" للطائفة اليهودية المصرية بالإسكندرية في كنيس صموئيل منشه، بالإسكندرية.

ترصد الدراسات بالأرقام الهجرة اليهودية من مصر في أعقاب حرب 1948 وحتى عام 1952 وظلت مصر الدولة في عهدها الملكي حريصة على صلتها الودية بمواطنيها اليهود، وحتى في بداية حركة يوليو قام الرئيس محمد نجيب خلال يوم كيبور الذي حل في 25 أكتوبر 1952 بزيارة اليهود القرائين وهنأهم بالعيد، ومازالت تهنئته محفوظة بسجل المعبد اليهودي بالعباسية حتى يومنا هذا، لكن بعد تهميش نجيب ووضعه رهن الإقامة الجبرية، واستيلاء عبد الناصر على مقاليد السلطة تغير الحال إلى النقيض.[10]

وفي عصر جمال عبد الناصر زاد الصراع بين مصر وإسرائيل زيادة شديدة، وبداية من قيام دولة إسرائيل ودعوتها لليهود من جميع أنحاء العالم للهجرة إليها، بدأ المسلمون في حرق محلات يهودية شهيرة لانهم كانوا من اغنياء مصر في ذلك الوقت مثل شيكوريل وعدس و غيرها. بدأ يهود مصر يتحولون إلى إسرائيل، وزيادة انتمائهم إليها عن مصر، وقد تم كشف العديد من شبكات التجسس الإسرائيلية، التي كان أعضائها من يهود مصر، وبعد احتلال إسرائيل لسيناء وبدأت إسرائيل استخدام بعضهم للتجسس علي نطاق واسع. وبعد انتصار مصر في حرب أكتوبر 1973، في الثمانينيات تم رصد بعض محاولات النزوح لمصر من قبل عدد قليل جدًا من العائلات، ولكن طبقًا للدستور المصري، بحصول هؤلاء اليهود علي الجنسية الإسرائيلية فإنه تم تجريدهم من الجنسية المصرية نهائيًا، وتم رفض طلبات النزوح وترحيل اليهود من الحدود المصرية.[11]

تصريح عمل لأحد اليهود المصريين عام 1958.

بعد 2000

كانت آخر إحصائية لتعداد اليهود في مصر كانت عام 2003 وكان عددهم لا يتجاوز 5680،[12] يعيشون في القاهرة والإسكندرية والفيوم وهم آخر من تبقى من الطائفة التي كان عددها وقت قيام إسرائيل عام 1948 نحو 988 ألف نسمة، وكانوا أعضاء فاعلين في المجتمع المصري ويعيشون في تناغم مع بقية الطوائف المصرية، رغم أن قيام إسرائيل جعلت انتماء بعضهم يتحول إليها أكثر من الوطن الذي يعيشون عليها[بحاجة لمصدر].

بعد ثورة 25 يناير

في حوار له على قناة دريم الفضائية في 27 ديسمبر 2012، وجه عصام العريان نائب رئيس حزب الحرية والعدالة[13] الدعوة لليهود المصريين للعودة مرة أخرى، متسائلا عن سبب طرد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر لهم، وأضاف إن "مصر أولى بكم من دولة ملوثة بالاحتلال".[14]

تنظيم المجتمع اليهودي

يوسف أصلان قطاوي، أول عضو برلمان يهودي مصري عام 1914، ووزير مالية مصر في عهد الملك فؤاد.

انقسم المجتمع اليهودي المصري إلى ثلاثة أقسام مختلفة:

1- اليهود المصريون من أبناء البلد وكان عددهم عندما قامت إسرائيل عام 1948 988 ألف نسمة.

2- اليهود المتمصرون وهم من أصل أجنبي هاجروا إلى مصر وتخلوا عن جنسيتهم الأصلية وتجنسوا بالجنسية المصرية، وقد كان عددهم في نفس الفترة 756 ألف نسمة.

3- اليهود الأجانب أي يهود من جنسيات مختلفة اختاروا الحياة في مصر ولكنهم احتفظوا بجنسيتهم الأصلية وقد كان عددهم خلال نفس الفترة حوالي 400 ألف نسمة.

وقد أدى ذلك الاختلاف إلى ثراء الحياة في المجتمع اليهودي المصري فقد كانت توجد مذاهب متعددة من الدين اليهودي وأفكار مختلفة ومدارس متعددة الثقافات وأنشئت معابد كثيرة لكل مذهب.

أعمال اليهود المصريين

سياسياً كان يهود مصر يتقلدون الوظائف العامة والخطيرة دون تمييز، بل استعان بهم الخديوي إسماعيل في الحصول على القروض من بيوت المال الأوروبية التي سيطر عليها اليهود الأوربيون.

ويعد يوسف أصلان قطاوي أول يهودي مصري يعين بالبرلمان عام 1914 ثم وزيرا للمالية عام 1924 في عهد الملك فؤاد.

على الصعيد الاقتصادي، أسس اليهود وساهموا في تأسيس عدد 103 شركة من مجموع الشركات الاقتصادية العاملة في مصر والبالغ عددها 308 شركة خلال أربعينات القرن العشرين، وهي السنوات التي بلغ فيها العداء لليهود ذروته في جميع البلاد الأوروبية، مما يدل علي أنهم كانوا ينعمون في مصر بما لم ينعموا به في أي بلد آخر من بلاد العالم.

وفي المجال الثقافي، تأسس عام 1935 النادي الصهيوني والاتحاد العالمي للشبيبة الإسرائيلية؛ ومثلا محور التواجد الثقافي في مصر، والذي كان يستهدف إحياء اللغة العبرية ونشر المبادئ الصهيونية، كما تأسس عدد آخر من الجمعيات والنوادي والمحافل الإسرائيلية أو الصهيونية في مصر طوال حقبة الثلاثينيات.[15]

وفي النشاط الرياضي، مثّل بعضهم مصر في بعض المسابقات الرياضية الدولية، مثل سلفاتور شيكوريل الذي كان بطل مصر في لعبة الشيش (سيف المبارزة) والذي مثل مصر في دورة الألعاب الأولمبية عام 1928، وحصل فريق نادي المكابي اليهودي على بطولة مصر في كرة السلة، كما حقق إيزاك أميل بطولة مصر في الملاكمة، أما كوهين نجار فكان صاحب البطولات في لعبة التنس.

ولم يكن أحد يعلم حتى ذلك الوقت أن النشاط الرياضي اليهودي في مصر كان يخفي ورائه نشاطا سياسيا معاديا، فقد ساهمت فرق الكشافة والجوالة اليهودية وبقية الأندية اليهودية في مصر في جمع التبرعات بهدف شراء الأراضي في فلسطين لاستيعاب المهاجرين اليهود في المستعمرات التي تقام عليها،

كما أُرسلت هذه الأندية اللجان والفرق إلى إسرائيل لاستقبال اليهود المهاجرين إليها. وتركزت في مصر بقوة الصحف ومراكز الإعلام الصهيوني، ففي عام 1919 أسس د.ألبرت موصيري مجلة "إسرائيل" بثلاث لغات (الفرنسية والعبرية والعربية)، وكانت صهيونية الاتجاهات والميول بشكل واضح حتى توقفت عن الصدور باللغة العبرية عام 1934،

فأصدر يعقوب مالكي رئيس تحرير النسخة العربية منها صحيفة جديدة باسم "الشمس" لتعبر عن وجهة نظر الطائفة اليهودية في مجريات الأحداث في الشارع المصري، وكانت تحاول التوفيق بين المشروع الصهيوني وتطلعات وأهداف الحركة الوطنية في مصر في محاولة لإيجاد نقطة التقاء بين التيارين.

وفي الفن لمع الكثير من اليهود المصريين مثل يعقوب صنوع، كاميليا، داوود حسني، راقية ونجمة ابراهيم، توجو مزراحي، ليلي مراد، منير مراد، و[[نجوى سالم]. وعلى الرغم من التسامح الواضح الذي استقبل به المصريون فنانيهم من أبناء الطائفة اليهودية، فإن بعضهم ضاق بهذا التسامح واختار أن يكون إسرائيليا بعد أن نزع عن نفسه رداء المصرية الذي كان يتقمصه منذ مولده علي أرض مصر.

فنجد راقية إبراهيم – واسمها الحقيقي راشيل ليفي - والتي كانت نجمة السينما الأولي في مصر تهاجر إلي أمريكا لتعمل في الوفد الإسرائيلي بالأمم المتحدة، ثم تفتتح متجراً لبيع التحف الشرقية التي تستوردها من إسرائيل والهند، رغم أنها في مصر كانت تنعم بالشهرة والمال والمجد بعد أن كانت مجرد خياطة في حي السكاكيني الفقير.

أما كاميليا – واسمها الحقيقي ليليان ليفي كوهين- فقد احتار بشأنها مؤرخو الفن حول كونها مسيحية أم يهودية، وبريطانية أم مصرية، وكونها جاسوسة وعميلة للموساد الإسرائيلي.

ويذكر أن اسحق هاليفي محرر الشئون العربية في إذاعة إسرائيل هو نفسه بديع داوود حسني ابن الموسيقار المصري الشهير داوود حسني وقد غير بديع اسمه بعد هجرته لإسرائيل وأصبح اسحق هاليفي الذي يظهر كثيرا على شاشة محطة الجزيرة القطرية كمحلل سياسي.

وفي الغناء، سطع نجم ليلى مراد المولودة في الظاهر بالعباسية في فبراير 1917، لأب يهودي مصري هو إبراهيم زكي مردخاي المطرب والملحن الشهير في العشرينيات، وأم يهودية بولندية هي جميلة "سالمون" التي أنجبت مراد وإبراهيم وملك ومنير وسميحة، وكانت ليلى كبرى البنات، وتزوجت ليلى الفنان أنور وجدي عام 1945، ثم انفصلت عنه وعادت إليه ثلاث مرات، ورغم ذلك فقد ظلت الشائعات تلاحقها طوال عمرها بسبب جذورها اليهودية، وكان أخطرها شائعة تبرعها بمبلغ 50 ألف جنيه لإسرائيل عام 1952، حيث نشرت جريدة الأهرام القاهرية حينئذ خبراً "اتضح كذبه" من مراسلها في دمشق في 12 أيلول (سبتمبر) عام 1952، جاء فيه "أن الحكومة السورية قررت منع أغاني ليلى مراد وأفلامها في سوريا، لأنها تبرعت لإسرائيل بملغ 50 ألف جنيه" وأثار الخبر حينها زوبعة واسعة، مما استدعى التحقيق معها قضائيا، وأفضى التحقيق إلى براءتها من هذه التهمة، بل ومنحها شهادة تقدير من القيادة العامة للقوات المسلحة المصرية في تشرين الأول (أكتوبر) عام 1952. وتزوجت ليلى بعد ذلك الرائد المصري "محمد وجيه أباظة"، ضابط مجلس قيادة الثورة وسليل الأسرة الأباظية العريقة، والذي كان مكلفاً بالتحقيق معها فيما نُسب إليها، وقد أنجبت منه ابنها أشرف، ثم طُلقت منه وتزوجت من بعده المخرج المعروف فطين عبدالوهاب، حيث أنجبت ابنها المخرج زكي فطين عبدالوهاب، ثم طُلقت منه عام 1969، كما لمع شقيقها منير مراد، ملحناً وممثلاً متميزاً وتزوج الفنانة سهير البابلي، وقد أمضى بقية عمره القصير مغترباً ووحيداً في باريس. وأخيراً ما زالت مصر تحتفل حتى الآن بذكرى الفنان اليهودي المصري الشهير داود حسني، واسمه الحقيقي "دافيد حاييم ليفي" في العاشر من شهر كانون الأول (ديسمبر) من كل عام، باعتباره أحد أعمدة التلحين والغناء المصري الذين ساهموا في تطويره بشكل يؤكده كل دارس لتاريخ تطور الغناء في مصر .

ومع الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، ترقب الجميع موقف ليلي مراد ومع من ستكون، لتختار أن تكون مع مصر وفلسطين، وظهرت في فيلم شادية الوادي الذي يستعرض قضية فلسطين؛ ولم تكتف بذلك فأنتجت فيلم الحياة حب لتؤكد موقفها من القضية الفلسطينية، حيث قامت بدور ممرضة لرعاية الضباط الجرحى العائدين من حرب فلسطين، لتؤكد أنها مصرية عربية قبل أن تكون يهودية.

انظر أيضاً

التاريخ القديم

التاريخ الحديث

مؤسسات

الثقافة العامة

المصادر

  1. ^ Jewish Virtual Library
  2. ^ The 1947 census gives 65,639, possibly too low. See Joel Beinin, The Dispersion of Egyptian Jewry: Culture, Politics, and the Formation of a Modern DiasporaIntrod.
  3. ^ Ibrahim M. Omer, "Briefly Investigating the Origin of the Ancient Jewish Community at Elephantine: A Review."
  4. ^ A. van Hoonacker, Une Communité Judéo-Araméenne à Éléphantine, en Egypte, aux vi et v siècles avant J.-C, London 1915 cited, Arnold Toynbee, A Study of History, vol.5, (1939) 1964 p125 n.1
  5. ^ انظر سفر المكابيين الأول والثاني
  6. ^ Steven Runciman, A History of the Crusades 1951 vol.1 pp.18-19
  7. ^ يونان لبيب رزق (1998-12-31). "A Diwan of contemporary life (266)". الأهرام ويكلي. 
  8. ^ "الخروج الثاني "4".. المنظمات الصهيونية.. سكرتير سعد زغلول أحد مؤسسيها.. وشيخ الأزهر تبرع لها.. وشباب اليهود وقفوا ضدها.. والحكومات المصرية باركت إنشاءها". البوابة نيوز. 2015-05-15. Retrieved 2018-02-02. 
  9. ^ أ ب هيثم عبد الشافي (2017-07-28). "الصحافة اليهودية في مصر... في السياسة الغلبة للصهيونيين". رصيف 22. 
  10. ^ يهود مصر، إيلاف
  11. ^ عن يهود مصر في العصر الحديث، وخاصة مساهمتهم في الثقافة العربية، راجع: Reuven Snir, “Arabness, Egyptianess, Zionism, and Cosmopolitanism: The Arabic Cultural and Journalistic Activities of Egyptian Jews in the 19th and 20th Centuries,” Orientalia Suecana 55 (2006), pp. 133-164
  12. ^ المصدر يافا باحثة فلسطينية
  13. ^ [1]| May 11, 2011]
  14. ^ "العريان يدعو يهود مصر للعودة.. ويستنكر طرد "ناصر" لهم". جريدة أخبار اليوم. 2012-12-27. Retrieved 2012-12-28. 
  15. ^ الاعلامي الاسرائيلي الشهير اسحق هاليفي هو نفسه المواطن المصري بديع داوود حسني , ابن الفنان داوود حسني، منتديات العراق
  • This article incorporates text from the 1901–1906 Jewish Encyclopedia, a publication now in the public domain.
  • The Works of Josephus, Complete and Unabridged, New Updated Edition (Translated by William Whiston, A.M.) Peabody Massachusetts:Hendrickson Publishers, 1987 (Fifth Printing:Jan.1991): Antiquities of the Jews, Book 12, chapters 1 and 2, pp. 308–9. Earlier edition available at: http://www.scribd.com/doc/27097614/Josephus-COMPLETE-WORKS
  • Gudrun Krämer, The Jews in Modern Egypt, 1914–1952, Seattle: University of Washington Press, 1989
  • Mourad El-Kodsi, The Karaite Jews of Egypt, 1882–1986, Lyons, NY: Wilprint, 1987.

وصلات خارجية