النوبة

منطقة النوبة في العصر الحديث.

النوبة هي المنطقة الواقعة في جنوب مصر على طول نهر النيل حتى شمال السودان. تقع معظم النوبة في السودان ويقع ما يوازي 25% منها في مصر.

في العصور القديمة كانت النوبة مملكة مستقلة. وكان وادى الخوىّ، جنوب الشلال الثالث عبارة عن حوض قديم للنيل طوله حوالى 123 كم إلى الشرق من مجرى النيل الحالى. فمنذ الألفية الرابعة ق.م. كان حوضاً زراعياً غنياً ادي لظهور الجنمعات النيوليتية. اكتشف به جبانات كانت تجسيداً على الأرض للتنظيم الاجتماعي لمجتمعاتها إبان الألفية الثالثة ق.م.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

التسمية

يطلق عليها بلاد الذهب فاسم النوبة مشتق من لفظ‏ (‏نوب‏)‏ الذي يعني باللغة المصرية القديمة الذهب‏، كما اشتهرت بمناجم الذهب التي كانت تسمي نوبرية‏.‏ وفي المعجم نجد أن كلمة نوب تعني‏:‏ جيل من الناس يعيش في بلاد تسمي باسمهم وتقع في الجزء الجنوبي من بلاد مصر‏.‏

وفي معنى آخر تنسب التسمية إلى نباتا ابن النبي إسماعيل عليه السلام وحيث حكمهم لبلاد وادي النيل وأفريقيا قد اختلطوا بالقبائل المحلية ومع مرور الزمن الكثير من القبائل الأفريقية التي كانت تحت حكم النبط أخذت نفس العنوان والملاحظ الآن انه يوجد عشرات القبائل المختلفة الأعراق تحت نفس العنوان مع اختلاف الألسن وظل نفس العنوان وهو النوبت ( النوبة).


التاريخ

العصر الفرعوني

النوبة بالهيروغليفية
N17 Aa32 X1
N18
[1]
Ta-seti
T3-stj
Curved land[1]
O34
X1
Aa32 N18
N25
A1
Z2
[2]
Setiu
Stjw
Curved land of the Nubians[2]
N35 H z
t
N25

G21 H s M17 M17 G43 A13

N35
G21
H s Z4 T14 A2

Nehset / Nehsyu / Nehsi
Nḥst / Nḥsyw / Nḥsj
Nubia / Nubians
Nubia NASA-WW places german.jpg
النوبة

كان قدماء المصريين يطلقون علي بلاد النوبة بلاد كوش Kush التي تقع من جنوب أسوان وحتي الخرطوم حيث يعيش شعب النوبة ، وحيث قامت ممالك إمتد نفوذها علي وادي النيل بمصر حتي البحر الأبيض المتوسط شمالا . ويرجع تاريخ النوبة للعصر الحجري في عصر ما قبل التاريخ. ففي منطقة الخرطوم وجدت آثار حجرية ترجع لجنس زنجي يختلف عن أي جنس زنجي موجود حاليا .وفي منطقة الشخيناب شمال الخرطوم وجدت آثار ترجع للعصر الحجري الحديث من بينها الفخار والخزف. وكان النوبيون الأوائل يستأنسون الحيوانات.

وفي شمال وادي حلفا بمنطقة خور موسى وجدت آثار تدل علي أن الإنسان في هذه الفترة كان يعيش علي الصيد وجمع الثمار وصيد الأسماك .وكانت الصحراء هناك سافانا أصابها الجفاف في فترة لاحقة. حيث كان النوبيون يمارسون الزراعة. وقد قامت حضارة منذ 10 آلاف سنة في منطقة خور بهان شرقي مدينة أسوان بمصر (الصحراء الآن)، وكان مركزها في مناطق القسطل ووادي العلاقي حيث كان الأفراد يعتمدون في حياتهم على تربية الماشية إلا أن بعض المجموعات نزحت ولأسباب غير معروفة جنوبا وتمركزت في المناطق المجاورة للشلال الثاني حيث اكتسب أفرادها بعض المهارات الزراعية البسيطة نتيجة لاستغلالهم الجروف الطينية والقنوات الموسمية الجافة المتخلفة عن الفيضان في استنبات بعض المحاصيل البسيطة، مما أسهم في استقرارهم هناك و قيام مجتمعات زراعية غنية على مستوى عال من التنظيم في منطقة القسطل. وهذا يتضح من التقاليد في المناطق الشمالية من النوبة.

وكانت متبعة في دفن الموتى وثراء موجودات المدافن مما يدعو إلى الاعتقاد بوجود ممالك قوية لبس ملوكها التاج الأبيض واتخذوا صقر حورس الشهير رمزا لهم قبل زمن طويل من ملوك الفراعنة في مصر العليا لأن التاج الأبيض وشعار حورس اتخذا فيما بعد رمزا للممالك المصرية التي نشأت في مصر لاحقا ، مما أدى إلى الاعتقاد بان هذا التقليد منشؤه ممالك مصر الفرعونية. ولكن في الواقع فإن وادي النيل الأعلى لم يكن قد عرف بعد الكيانات البشرية المتطورة في تلك الحقبة البعيدة من التاريخ عندما نشأت حضارة المجموعة الأولى كما يبدو من آثارها المنتشرة في المنطقة عندما إحتلت جزءا من وادي النيل امتد من جبل السلسلة (في مصر العليا) شمالا وحتى بطن الحجر عند الشلال الثاني في الجنوب.

وكان قدماء المصريون يسمون النوبة آنذاك تا سيتي أي ارض الأقواس نسبة لمهارتهم في الرماية، وكانت بينهم نزاعات حدودية انتهت باحتلال النوبة للأجزاء الجنوبية من مصر العليا لفترة من الوقت . وساعد انتقال الخبرات النوبية إلى مصر على استقرار المجتمعات البشرية في شمال الوادي وتطورها مما كان له الفضل في قيام الممالك المصرية القديمة لاحقا.

وأهم ما يميز المجموعة الحضارية الأولى أنواع الفخار المميز ذو اللون الوردي والأواني المزركشة بالنقوش، وقد عثر على بعض الأنواع المشابهة لهذا الفخار في مناطق متفرقة من شمال السودان حتى أم درمان. كما تميزت هذه الحقبة بطريقتها المميزة في دفن الموتى حيث كان الميت يدفن في حفرة بيضاوية الشكل على جانبه الأيمن متخذا شكل الجنين ومتجها جهة الغرب.

ومع بدايات توحيد ممالك مصر العليا في مملكة واحدة متحدة واجهت النوبة قوة لا تقهر في الشمال بدأت تهدد وجودها واستقرارها. وبازدياد نفوذ وهيبة المملكة المصرية المتحدة اتجهت أطماعها جنوبا صوب النوبة ، في الوقت الذي بدأت فيه المجموعة الأولى تفقد قوتها العسكرية والاقتصادية مما جعلها عاجزة عن تأمين حدودها الشمالية التي بدأت تتقلص تدريجيا نحو الجنوب ، وقد بدا علامات الضعف والتدهور واضحة في آثار هذه الفترة مما دفع بعض العلماء إلى الاعتقاد بوجود مجموعة أخري تعرف باسم " المجموعة الحضارية الثانية " تلت المجموعة الأولى وكانت أضعف منها نسبيا.

Das Anglo-Ägyptische Kondominium (dunkelrot

وبحلول عام 2900 ق.م أصبحت النوبة السفلى بكاملها تحت السيطرة المصرية وخلت تماما من سكانها بعد تراجعهم جنوبا إلى منطقة النوبة العليا ليختلطوا بحضارة كرمة الوليدة ، وظلت النوبة السفلى بعد ذلك مهجورة لعقود طويلة وانقطعت أخبارها خاصة بعد تعرض آثارها ومدافنها الملوكية للحرق والتدمير من قبل جيوش المملكة المصرية . في نفس الوقت الذي كانت تشهد فيه منطقة أخرى من النوبة ميلاد حضارة جديدة ظهرت بوادرها في منطقة مملكة كرمة 3000 ق.م. – 2400 ق.م. )(مادة). وسيطرت مصر مابين 1950 ق.م وحتي 1700 ق.م. حيث كانت النوبة على امتداد تاريخها الطويل عرضة للاعتداءات المصرية على أطرافها الشمالية . وكان من أهم أسباب هذه الاعتداءات الرغبة في تامين الحدود الجنوبية و تأمين طرق التجارة التي كانت تربط مصر بإفريقيا عبر بلاد النوبة، بالإضافة إلى الأطماع المصرية في ثروات المنطقة المختلفة.

لهذا تعددت المناوشات المصرية على حدود النوبة منذ عهود ما قبل الأسر في مصر، واستمرت على امتداد التاريخ النوبي، وكانت تنتهي في أحيان كثيرة باحتلال أجزاء منها، خاصة منطقة النوبة السفلى.

وأول محاولة فعلية لاحتلال النوبة كانت في عهد الأسرة المصرية الثانية عشر عندما غزا المصريون النوبة حتى منطقة سمنة وبنوا فيها العديد من الحصون والقلاع لتأمين حدودهم الجنوبية. ومنذ ذلك التاريخ خضعت النوبة للنفوذ المصري لما يقرب من 250 عاما تمكنت خلالها من الاحتفاظ بخصائصها وهويتها الثقافية. وانتهت هذه السيطرة الأولي عندما تفككت المملكة المصريةالوسطى,وضعفت قوتها مما شجع مملكة كرمة على مد نفوذها شمالها وضم كل منطقة النوبة السفلى في عام 1700 ق.م. وكان عصر السيطرة المصرية الثانية منذ 1550 ق.م. وحتي 1100 ق.م. بعد طرد الهكسوس على يد أحمس مؤسس الأسرة الثامنة عشر حيث تجددت الأطماع المصرية في بلاد النوبة، وتوالت المحاولات لغزو أطرافها الشمالية ، إلى أن تم إخضاع النوبة بكاملها حتى الشلال الرابع في عهد " تحتمس الثالث " وظل حتي 550 م. وعرف بحضارة إكس. عندما بدأت الثقافة النوبية في التغير اثر دخول مجموعات بشرية جديدة لوادي النيل حيث دفن الملوك في مدافن ضخمة مع قرابين من الرعايا والأحصنة والحمير والجمال وغيرها من الحيوانات . وأخبارهم غامضة لا يعرف عنها إلا القليل.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ممالك النوبة

بلاد النوبة وشلالات النيل مابين اسوان والخرطوم

وقامت مملكتان في منطقة النوبة هذا العصر وهما مملكة البليمي (عند الإغريق) وهم قبائل سكنت شرق النيل وحتى البحر الأحمر وكان العرب يطلقون عليهم البدجا ومملكة النوباديين وهم القبائل المعروفة بالنوبة الآن. وقد سيطر النوباديين على معظم مصر والنوبة السفلى لدى تفكك الدولة الرومانية ، لكنهم اخرجوا منها فاكتفوا بالسيطرة على النوبة السفلى جنوب أسوان. وتمتيزت البليمي بنوع من الفخار ، وتوجد آثارهم الآن في منطقة كلابشة. بعد انهيار مملكة مروي عام 300 م قامت مملكة النوباديين عام 375 م قرب الحدود السودانية المصرية.

استمر النوباديين في عبادة الآلهة المصرية القديمة، كما استخدموا الرموز الفرعونية في الكتابة. واتحد النوباديين مع البليمي لمقاومة الغزو المسيحي القادم من الشمال .ووجدت آثار ثراء دلت عليه موجودات معابدهم في القسطل وبلانة والمتألفة من المجوهرات والسيوف الأفريقية والتيجان والأسلحة. وكان المعبود الأول في النوبة هو الإله ابيدماك وهو مصور في آثارهم برأس أسد. وكانت الصناعة الأساسية في مروي هي صناعة الحديد، وقد دلت الحفريات على الأفران التي كانت مستخدمة في صهر الحديد.

العصر الروماني

بدأ الاحتكاك بالرومان عندما احتل قيصر مصر بعد هزيمة كليوباترا في العام 30 بعد الميلا، عندما أرسل قائده بترونيوس لمنطقة النوبة بهدف السيطرة على مناجم الذهب في عام 24 ميلادي، إلا أن الملكة النوبية أماني ري ناس تصدت له وتمكنت من إلحاق هزائم متلاحقة بجيشة في أسوان والفنتين. ولكن تفوق الجيوش الرومانية لم يمكنها من الصمود طويلا، فانسحبت إلى الجنوب ليحتل الرومان النوبة السفلى بينما ظلت النوبة العليا تحت سيطرة مملكة مروي . كره النوبيون الرومان، ووجد تمثال لراس القيصر اوغسطس مدفونا تحت عتبة احد المعابد بعد عقد اتفاق مع الرومان في مصر أمكن للنوبة الاستمرار في مناطق أسوان، مما أدى إلى تسهيل التجارة وانتقال الثقافة والفنون النوبية لمصر. (أنظر: مروي. نباتة. كرمة.) وفي النوبة تطورت عبادة الإله آمون إلي أشكال آمون التشبهية بالإنسان وبرأس الكبش في المعابد النوبية ولاسيما في مملكة مروي (مادة) حيث ظهر التمثيل التشبيهى الإنسانى لآمون في الآثار الكوشيَّة حتى نهاية مملكة مروى نتيجة إقتباس هذا الشكل من التصوير الإيقونى له في طيبة بمصر ولاسيما عندما كانت كوش خاضعة للملكة الحديثة المصرية. وظهرت هذه الصورة البشرية للإله آمون في الأيقونات المروية المتأخرة.

وتؤكد هذه الصور حرص المصريين علي أن يوجدوا بكوش في جبل البركل عبادة روح (كا) آمون الطيبى، وأنهم إعتبروا آمون النباتي واحداً من الأشكال التعبدية لآمون طيبة بوصفه إله الدولة في مصر. وعد آمون في النوبة كاءً (روح) لآمون في طيبة إنما تدعم الفكرة القائلة بأن عبادته كانت تواصلاً منطقياً لعبادة آمون في مصر. وفي النوبة ظهرت أيقونات Icons لآمون الكبشى الرأس ولاسيما في أيقونات المعبد الرسمى مما يدل أنه أصبح إلها رسميا في عبادات النوبة . لهذا ظهرت تماثيله في شكل آمون الكبشى الرأس مع قرص الشمس والصل على الرأس في أبى سمبل و المعابد السودانية القديمة.وكان آمون في مصر قبل ظهور الأسرة 18 بها ،مرتبطاً بالأوزة أو الحيَّة لكن ليس بالكبش أبداً. الكشف في مقابر كرمة عن قرابين حملان، ونعاج، وكباش متوجة بموضوعات كروية أو بريش نعام بدأت تشير إلى أن تلك الحيوانات قد تكون ألهمت الشكل الكبشي الجديد لآمون . فقبل الإحتلال المصرى ظهرت عبادة محلية للكبش في النوبة ولاسيما في كرمة (مادة) .وظهور آمون كبشى الرأس يرمز لإتحاد آله مصر آمون مع إله كوش الكبش .وهذا الإتحاد أدي إلى خلق أشكال جديدة لآمون.

فظهرت في الإيقونات الرسمية والتماثيل منذ حكم الرعامسة في شكل آمون كبشى الرأس في كل من كوش ومصر. وتطورت عبادة آمون بعد دخولها للنوبة. ففي معبد أبوسمبل يلاحظ صل ضخم امام آمون .وهذاالشكل لم يلاحظ في المعابد المصرية . وأصبح الصل الضخم سمة نوبية مميزة لآمون في البيئة السودانية . و ظل آمون الكبشي معبودا محليا للنوبة ، بينما ظل آمون البشري معبودا بمصر الفرعونية .وعبادة آمون في النوبة تمَّ تطويرها عبر إستعارة العديد من الأفكار والسمات الإيقونية من الثيولوجيا المصرية؛ لكنه على كل ومع مرور الوقت تمَّ نسيان الأصل المصرى لآمون، وإختفت الكثير من أشكاله المصرية ووضع العديد من الصور الإيقونية الجديدة لآمون كوش (مادة) الكبشي في المعابد والبيئة السودانيَّة القديمة.

والتشابه القوى بين صور آمون في مصر والنوبة كانت سبباً للتاثير المتبادل وللإحلال المتبادل القادم من الجانبين. مارس آمون الكوشى تأثيراً على عبادة آمون في مصر. أتاح الخلق الجديد إمكان تركيب نظاماً ميثولوجياً جديداً عكس نزعات تطور الدولة السودانية القديمة. ومن ثم نجد أن العبادة بالنوبة كانت مرتبطة بتطور العبادات الفرعونية بمصر .لهذا مرت بمراحل مختلفة. ففي عهد أمنوحتب الأول أعاد إحتلال النوبة السفلي وشيد هياكل بالقلاع المصرية للإله حورس Horus ولما توسع بعد الشلال الثاني أوجد معبودا جديدا سماه حورس سيد النوبة. وأيام حكم حتشبسوت وتحتمس الثالث وأمنحوتب الثاني أدخلت معابد جديدة بالقلاع وخارجها ومن بينها المعبد المزدوج لآمون – رع ،و رع – حارختي . وتم إدماج حورس سيد النوبة مع آمون – رع. وغيرها من الآلهة الإندماجية التي صورت مراحلها علي المعابد المصورة، وفي عهد رمسيس الثاني انتشرت صور لعبادة الملك وبجواره الآلهة الثلاثة الرسمية آمون – رع، ورع - حاراختى، وبتاح - تاتجينان، مع إنتشار الأشكال المقدسة للحاكم. ففى أواخر الأسرة 18 وأسرة 19، اعتبر آمون-رع في النوبة بجنوب الشلال الثانى معبوداً رئيساً، حيث صورت آلهة مصر وآمون في المقدمة و يتبعه آلهة حورس في النوبة. وتعتبر الأربع مدن الكوشية الرئيسية القديمة مدنا حضارية حيث كان يمارس بها الطقوس الدينية.

العصر المسيحي

تجمع الروايات التاريخية أن المسيحية دخلت بلاد النوبة عن طريق مصر وأنها دخلتها قبل وصول البعثات التبشيرية الرسمية في منتصف القرن السادس، ويقال أنها دخلت على يد مبشرين مصريين في القرن الأول والثاني الميلاد. لجأ مسيحو مصر إلى النوبة هرباً من اضطهاد قلديانوس، وبسبب الخلاف المذهبي الذي حدث بعد إعتناق البيزنطيون المسيحية والذي أدى لحدوث اضطهادات جديدة للمسيحيين المصريين هربت أعداد منهم لجنوب مصر والواحة الخارجة وكانت هذه المناطق تتعرض لهجمات النوبيين.

كانت اللغة النوبية في آواخر القرن العاشر تكتب وهي النوبية القديمة، وكانت لها علاقة باللغة المحسية الحديثة والتي يتحدث بها سكان منطقة ما بين الشلال الثاني والشلال الثالث. الحروف المستخدمة كانت الحروف اليونانية بالشكل القبطي، وظلت الحروف اليونانية مستخدمة في بلاد النوبة حتى 1180.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الفتح العربي

بعد الفتح الإسلامي لمصر سنة 640 دخلت قبائل عربية مصر بتشجيع من الحكام العرب ومنها قبائل استقرت في النوبة. حاول العرب فتح النوبة في عهد عمرو بن العاص لكنهم فشلوا. وكان أول غزوة عربية على النوبة عام 640، وعام 651-652 نجح القائد العربي عبد الله بن أبي سرح في الوصول لعاصمة النوبة ولم يستقر فيها العرب بسبب قلة أهميتها الاقتصادية النسبية وبسبب المقاومة النوبية التي إستماتت في الدفاع عن النوبة.

العصر الفاطمي والأيوبي

النوبة في العصور الوسطى

في منتصف القرن العاشر توترت العلاقات بين مصر والنوبة وغزا النوبيون مصر سنة 962 في عصر الدولة الإخشيدية بعدما إستغلوا الفوضى والاضطرابات التي كانت سائدة في مصر وقتها وتوغلو داخل مصر حتى مدينة أخميم وسيطرو على الصعيد حتى شمال إدفو وظلوا محتلين الصعيد إلى ما بعد الحكم الفاطمي سنة 969.

سنة 1171 مع نهاية الحكم الفاطمي، هجم النوبيون على أسوان وتقدموا حتى مصر العليا، فأرسل لهم سلطان مصر الجديد صلاح الدين الأيوبي جيش بقيادة شقيقه شمس الدين توران شاه فإنتصر عليهم وأجبرهم على التقهقر للجنوب حتى قصر أبريم، الذي هاجمه ووقع في يديه ووضع فيه حامية تحت قيادة ابراهيم الكردي وظلت الأوضاع مستقرة لحوالي قرن.

العصر المملوكي

في عصر الدولة المملوكية، داود ملط دنقة الذي إستولى على الحكم من الوريث الشرعي إبن شقيقة والده الملك شكندا عام 1272، إنتهز فرصة إنشغال سلطان مصر الظاهر بيبرس في كيليكيا فهجم على أسوان وأسر عدد من المصريين وشن غارة على ميناء عيذاب على البحر الأحمر وإعتدى على السكان وظل يهدد مصالح مصر التجارية. الملك المخلوع شكنده ذهب لمصر وطلب من بيبرس مساعدته ضد داود مغتصب عرشه فأرسل بيبرس على النوبة حملة كبيرة بقيادة الأميرين شمس الدين أقسنقر الفارقاني وعز الدين الأفرم سنة 1276 لإسترداد حكم شكنده وتسليمه كل الأراضي النوبية التي إستولى عليها داود الذي هرب إلى علوه بعد هجوم المصريين على قلعة الدر وظلت الحملة تتوغل إلى أن عاد الملك شكنده لعرشه. عقد شكنده اتفاقاً مع سلطان مصر ينص على طاعته له وإرساله هدايا وعبيد وجواري وجمال وأبقار وأن يكون نصف دخل النوبة للملك الظاهر وأن يصادر ثروات الملك داود ويرسلها لمصر وأن يدفع سنويأً دينار على كل بالغ من رعاياه مقابل غلة وحبوب من مصر. بعد فترة أسر ملك علوة داود الهارب وأرسله إلى القاهرة فسجن في قلعة الجبل، وظل هناك حتى وفاته. بهذا نجح الظاهر بيبرس في السيطرة على لانوبة وأصبحت مصر مسيطرة على المنطقة الواقعة بين أقصى بلاد النوبة حتى شط الفرات.

سنة 1288 في عهد السلطان قلاوون أصبح سمامون ملكاً على بلاد النوبة بمشاركة أمير مصري لكن بعد 6 سنوات إنسحب الجيش المصري من النوبة فتمرد سمامون وإستحوذ على الحكم وإعتدى على سنجر المقدسي رسول السلطان قلاوون في علوة فإضطر الجيش المصري للعودة مرة أخرى وهرب سمامون.

نهاية ممالك النوبو

محمد منير مغني مصري من أصل نوبي.

فى القرن الرابع عشر تدهورت الأحوال في منطقة دنقلة، وإنهزم آخر ملوك مملكة دنقلة طودانبيس عام 1323، وبدأ الإسلام في الإنتشار فيها وأصبحت النوبة تحت السيطرة المصرية الكاملة. في القرن السادس عشر أصبحت جنوب النوبة تحت سيطرة مملكة سنار وشمال النوبة تحت سيطرة مصر. في عهد محمد علي باشا في القرن التاسع عشر أصبحت النوبة بالكامل تحت سيطرة مصر حتى اتفاقية السودان (1899) حيث كانت السودان خاضعة للاستعمار البريطاني وأصبح حاكم عموم السودان البريطاني هو الحاكم الفعلي للسودان.

بعد ثورة 23 يوليو 1952، إنفصلت السودان رسمياً عن مصر وبُني السد العالي وتكونت بحيرة ناصر وراء السد في مناطق النوبة، فتم تهجير أهالي النوبة لمناطق أخرى شمال السد العالي.

الديموغرافيا

الشعب النوبي

زفاف نوبي بالقرب من أسوان، مصر

النوبيون، هم قبائل تسكن المنطقة الواقعة في شمال السودان وجنوب مصر. ينقسم النوبيين الحاليين إلى الكنوز، والفديجا، وأيضا نوبيين جبال النوبة. وكان أهل قرية الجنينة والشباك وهي من أهم القرى النوبية التي شاركت في حل العديد من المشاكل بين البلاد وبين المجتمعات وذلك كان يحدث قديماً قبل الهجرة كما كانت الجنينة والشباك تتحدث اللغة النوبية وكانو مشهورين بالشعر النوبي شعر العشق والمدح وشعر الفروسية كثير من أنواع الشعر الأخرى.

التجمعات السكانية

خريطة قرى النوبة القديمة.
خريطة قرى النوبة الجديدة.

داخل التقسيم الاداري المصري

يتتنوع النوبين إلى ما بين الكنوز (الماتوكيين) والفاديگكا، ومنطقة أسوان:

  • مناطق الماتوكيين:

غرب سهيل، كرور، دهميت، امبركاب، كلابشة، مرواو، ماريا، جرف حسين، كشتمنة شرق، كشتمنة غرب، الدكة، أبوهور، العلاقي، غرب أسوان، جزيرة سهيل، قورتة، المضيق، دابود، قرية قرشة، الشلال، جزر ما بين السدين، جزيرة أسوان، جزء من المضيق، وادي العرب، كروسكو، أبو حنضل، سنقاري، السبوع، شاترومة، المالكي، من ناحية الشرق لطريق أسوان والسكة الحديد.

  • مناطق الفاديگكا:

بلانة، قته - عنيبة - مصمص أبو حنضل - كرسكو - أبو سمبل - الديوان - أرمنا - قسطل - أدندان - توماس وعافية - ابريم - الجنينة والشبا - توشكى - الدر - مصمص - وغيرها. وتعد منطقة الكرور عاصمة النوبة الأولى عبر التاريخ.

الديوان، الدر، تنقالة، إبريم، قتة، الجنينة، الشباك، مصمص، عنيبة، أرمنا، توشكى غرب، توشكى شرق، أبو سمبل، قسطل، بلانة أول، بلانة ثاني، بلانة ثالث، أدندان، توماس، عافية، من ناحية الشرق لطريق أسوان والسكة الحديدة.

  • منطقة أسوان:

غرب أسوان، الشلال، الجزيرة، عزبة العسكر، جزيرة أسوان، تنقار، جبل تقوق، بربر، نجع المحطة، عزبة المنشية، جزيرة سهيل، غرب سهيل، جزيرة هيسا، منشية النوبة، البيجة، عزبة الحدود، الكرور، أراشكول، المسي تود، الحصايا، جزيرة عواض، الشيخ هارون، السيل، الخزان

داخل التقسيم الاداري السوداني

وتسمى أيضا حلفا القديمة وتقع في اقصى شمال السودان بالولاية الشمالية من المدن القديمة التي لايعرف لها تاريخ محدد، وهي مركز القوات الإنجليزية في السودان في فترة الاحتلال.

كانت تزخر بالعديد من الآثار النوبية والفرعونية الهامة إلا أن تم اغراقها في مياه بحيرة السد العالي وتم نقل أهم أثارها إلى متحف السودان القومى وهي معابد بوهين وسمنة شرق وسمنة غرب وكاتدرائية فرس. وتمتد حدودها الادارية جنوبا حتى قرى دال وسركمتو في أقصى شمال السكوت. [3]

مسمى نوبى ينطق (بكسر السين وضم الواو)، لمنطقة كبيرة تقع جنوب وادى حلفا وتمتد إلى مناطق المحس جنوبا به العديد من المعالم التاريخية القديمة والحديثة نسبيا وبه بعض الآثار الإسلامية، المدينة الوحيدة هي مدينة عبرى ويوجد بالمنطقة أيضا مسجدى سيدى عكاشة وقبة الشيخ إدريس، ويتكلم سكان تلك المناطق اللغة النوبية المطابقة تقريبا لسكان حلفا.

اللغات

يتحدث أهل النوبة اللغة النوبية بالإضافة إلى القليل من اللغة العربية الغير جيدة والإنجليزية بالنسبة للجيل القديم أما الآن فيتحدث الجيل الحالى العربية بطلاقة مع لغات أخرى كالإنجليزية والفرنسية والإيطالية بحكم أختلاطهم بالسائحين والزوار الأجانب .حيث يمتازون بالذكاء الحاد وسرعة البديهة بالإضافة لشهرتهم بالأمانة والإخلاص والوفاء. وتنقسم اللغة النوبية إلى لهجة ماتوكية كنزية ولهجة فادكية فاجيكة.

الثقافة

"حكايات من النوبة"، تأليف جمال محمد أحمد. انقر على الصورة لمطالعة الكتاب بأكمله.

2014 عام الثقافة النوبية

في 29 ديسمبر 2013، أعلن المجلس الأعلى للثقافة 2014 عام للثقافة النوبية.[4] وفي 18 يناير 2014، نظم بيت السناري بالتعاون مع ائتلاف شباب النوبة وجمعية نوبة الخير وشبكة المصدر الإخبارية، يومًا مفتوحًا للتراث والفنون والحرف النوبية تحت عنوان«اليوم النوبي»، احتفالا بعام الثقافة النوبية 2014، الثلاثاء المقبل في الثالثة عصرًا. ويتضمن اليوم معرضًا لمجموعة من العارضين من شباب النوبة لمجموعة من المشغولات اليدوية التراثية وبعض الأكلات النوبية المشهورة مع تقديم بعض المشروبات النوبية المشهورة خلال المعرض، يليه عرض للزي النوبي التقليدي. ويشتمل اليوم على مجموعة من ورش العمل يتم فيها إطلاع المشاركين على المشغولات والحرف اليدوية لبلاد النوبة كالمشغولات الجلدية والحلي النوبية والحنة النوبية.[5]

ويقام على هامش اليوم معرض للصور من بلاد النوبة وحفل فني يتضمن العديد من الفقرات من التراث النوبي، منها الشعر والغناء وعرائس الماريونت والمسرح وعرض غنائي للأغاني التراثية النوبية، بالإضافة إلى ندوة للأثري بسام الشماع يتحدث فيها عن تاريخ النوبة وحضارتها.

مشكلات النوبة

التهجير

طابع بريدي مصري بمناسبة تهجير أهالي النوبة، 1964.

كانت النوبة تمتد بطول ‏350‏ كيلومتر من الشلال الأول وحتي الشلال الثاني جنوب أسوان بطول نهر النيل من قرية دابود في الشمال وحتي قرية أدندان عند خط عرض ‏22‏ درجة عند وادي حلفا‏. وقد تم تهجير النوبيين الذين يعيشون في هذه القري وكان عددهم ‏17699‏ أسرة مع بناء السد العالي‏.‏

وكانت النوبة القديمة تضم ثلاثة فروع‏، ففي الشمال كان يقيم الكنوز ويقيمون حاليا في قري البر الغربي ومازالوا محتفظين بالطابع النوبي في العادات والتقاليد وشكل البيوت القديمة وفي الوسط كان يقيم العرب الذين ينحدرون من أصول عربية وفي الجنوب يقيم‏ (‏الفدجة‏)‏ ويقيم أغلبهم حاليا في مركز نصر النوبة في قري علي شكل نصف دائري من قرية بلانة حتي كلابشة‏.

مشكلات قبلية

اشتباكات 2012

في 17 ديسمبر 2012 اندلعت اشتباكات بالأسلحة البيضاء والطوب والعصى وإطلاق نار عشوائي، في منطقة كسر الحجر بمدينة أسوان بين النوبيين وقبيلة بني هلال لخلافات بينهما، وإصابة أعداد من الطرفين وتم خطف أحد أبناء النوبة من منطقة جبل تقوق.[6]

وتم إغلاق المحلات التجارية وإغلاق الشارع الرئيسي أمام محكمة أسوان ونيابات أسوان وعلى بعد أمتار من مديرية الأمن، وسط انتقادات من الشارع الأسواني للتخاذل الأمني الذي لم يصل حتى الآن، في حين يتم الآن التجهيز من جانب الطرفين للدفاع عن أنفسهم واستعادة النوبي المخطوف.

اشتباكات 2014

قتلى اشتباكات بنو هلال والدابودية في أسوان، مارس 2014.

في 4 مارس 2014 إندلعت اشتباكات بين قبيلتي بنو هلال والدابودية، بمنطقة السيل الريفي[7]، محافظة أسوان، تسبب في مقتل 23 شخص وإصابة العشرات.

حسب ما نشرته وكالة أنباء إسوشتيدپرس إن الخلاف بدأ لأسباب سياسية حيث اتهم بعض أبناء قبيلة النوبية عدداً من الطلبة المنتمين لقبيلة الهلالية ذات الأصول العربية بمحاولة زعزعة استقرار المنطقة. جاء ذلك بعدما قام عدد من الطلاب برسم گرافيتي على الجدران يهين المرشح الرئاسي المحتمل عبد الفتاح السيسي. وحسب المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة العقيدة أحمد علي أن الجيش تدخل لمحاولة احتواء الصراع بين القبيلتين. وأضاف علي أن هناك مؤشرات على أن الإخوان المسلمين تورطوا في تأجيج الصراع. وكان السيسي قد زار أسوان قبيل ساعات من الاشتباكات والتقى وفدا من أبناء قبائل النوبية الذين وعدوه بدعمه في الانتخابات.

ومن جانب آخر ذكرت سي إن إن، مصادر أمنية قد أشارت، شريطة عدم الكشف عن هويتها، إلى أن الاشتباكات اندلعت بين قبيلتي بني هلال والدابودية، بسبب معاكسة فتاة.[8]

تم إعلان حالة الطوارئ داخل المستشفيات تحسباً لتجدد الاشتباكات بين القبيلتين. وقامت قوات الجيش والشرطة بفرض إجراءات أمنية مشددة بمنطقة الاشتباكات، لتهدئة الأوضاع.[9]

وأعلنت سكك حديد مصر وقف حركة القطارات من أسوان وحتى السد العالي نتيجة تواصل الاشتباكات. كما أغلقت عشرات المدارس في أسوان ابوابها وتم تعليق الدراسة فيها بعد قرار من المحافظ حتى استتباب الامن. وأعلنت جامعة أسوان أيضاً وقف الدراسة فيها لمدة يومين.

طالبت حركة عائدون النوبية، بإقالة اللواء محمد ابراهيم، وزير الداخلية، على خلفية الاشتباكات.[10]

القرار 444

القرار 444، الحدود الجنوبية.

القرار 444 هو القرار الجمهوري الذي أصدره الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في ديسمبر 2014، بشأن تحديد المناطق المتاخمة لحدود جمهورية مصر العربية والقواعد المنظمة لها، وذلك بناءً على ما عرضه القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع والإنتاج الحربي وصدق عليه مجلس النواب المصري في يناير 2016.


في 22 يناير 2016، صدق مجلس النواب المصري دون نقاش على القرار، والذي يعتبره النوبيون يمثل حظراً على تواجدهم في مناطقهم الأصلية. وفي الوقت نفسه، وافق البرلمان السوداني على إغراق النوبة العليا ببناء سدي كجبار ودال. جرى التصديق على القرار في البرلمان السوداني في حضور ممثلين عن النوبيين.

يمنع القرار 444 عودة قرى نوبية في أماكنها الأصلية التاريخية بل يمنع دخول النوبيين لمناطقهم بعد السيطرة عليها من الجيش المصري وتحويلها إلى مناطق عسكرية.[11]

وتشمل المنطقة المتاخمة للحدود الجنوبية لمصر، بحيث يكون الحد الشمالي للمنطقة الأولى الممنوعة، من الخط الوهمي الممتد من نصب السيالة- جبل سري- بئر دبس- بئر مساحة وحتى جبل كامل، والحد الجنوبي، من الخط الوهمي الممتد من جبل منصوري حتى ن (528) على امتداد خط عرض (22)، والحد الشرقي، من نصب السيالة- جبل منصوري، والحد الغربي، من جبل كامل- ن (528)، بينما يكون الحد الشمالي للمنطقة الثانية المحظورة من الخط الوهمي الممتد من شرم مدفع- جبل نقروب- جبل حلوة- العلاني، والحد الجنوبي من الخط الوهمي الممتد من رأس حدربة- جبل منصوري، والحد الشرقي، من شرم مدفع حتى رأس حدربة على ساحل البحر الأحمر، والغربي من الخط الوهمي الممتد من العلاني- وادي حميد- نصب السيالة- جبل منصوري.

اسكتشاف النوبة

بعثة إرنست بدگ

لم يتبدل الوضع حتى في السنوات الأخيرة للقرن التاسع عشر، عندما بدء في عام 1899 في بناء خزان أسوان في الشلال (الجندل الأول)، والذي كان سيرفع منسوب النيل في البحيرة الناشئة إلى 107 متر. هكذا غطت المياه جزءاً من النوبة السفلى يبلغ طوله حوالي المئتى كيلومتر (حتى جرف حسين).

حقيقة أنه بفترة قصيرة سابقة، قام بدگ في عام 1897 برحلته الأولى إلى السودان Budge,1907 إلا أن مذكراته لم تتعد ملاحظات عابر سبيل قد تكون ذات فائدة لمن يهتم بالوضع في البلاد في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر. والباب المكرس لآثار نبته لا يحمل الكثير حيث يورد بدج آراء وتقييمات الرحالة الذين شاهدوا تلك الآثار فيما قبل، وإلى حد بعيد يفرض على القارئ الاكتفاء بما يورده من وصف سطحي في الأساس .فقط المتخصص المهتم بدراسة أو ترميم أي من المعابد أو الأهرام يمكنه أن يجد في كتاب بدج تفاصيل متفرقة غير متوفرة في مصادر أخرى .إن مجمل المادة التوضيحية، باستثناء صور فوتوغرافية قليلة، مأخوذة من أعمال أخرى، في الأساس من أطلس لبسيوس. كشف بدج في جبل البركل عن واحد من الأهرام، إلا أن الحفر أجرى بطريقة غير مجربة وكذلك التقرير الذى كتب عن العمل. عندما اصطدم بالمياه الجوفية أوقف العمل.

خلال رحلته الثانية في عام 1898 قام بدج بزيارة مروى، وخلال رحلته الثالثة في عام 1903 زار سوبا، وودبانقا، والنقعة، والمصورات الصفراء وغيرها. عندها كشف عن بعض الأهرام بهدف توفير إمكانية " مشاهدة الرحالة لها." حفرياته هذه هي الأخرى غير ذات أهمية مثلها مثل حفرياته التي أجراها في نبته. يعطى بدج وصفاً لأهرام الجبانتين الشمالية والجنوبية في مروى. وإذا كان لهذا الوصف أهمية قبل نشر تقرير بعثة ريزنر، من حيث كونه يمثل إضافة إلى أعمال لبسيوس، فانه حالياً شأنه شأن أعمال بدج الأخرى يمثل أهمية تدوينية لا أكثر.


فقط عندما اتخذ القرار بتعلية خزان أسوان إلى سبعة أمتار أخرى، وهو ما كان يعنى إغراق وادي النيل حتى كورسكو، بدأت مصلحة الآثار المصرية، التي كان يترأسها حينها ج.ماسبيرو، في إجراء المسح المنتظم للنوبة الشمالية . بدأت أعمال التشييد في عام .1907 في عامي 1904-1905 أجرى ماسبيرو رحلتين تخصصيتين للتعرف على الآثار في المنطقة المهددة بالغرق .في الرحلة الأولى وصل حتى أبوسمبل، وفي الثانية حتى المحرقة .رافقه أ .فايجل الذى عُين مفتشاً أولاً لمصلحة الآثار المصرية. في عام 1906 كُلف فايجل بإجراء مسح شامل للمنطقة المهددة وذلك بهدف تحديد تكلفة أعمال صيانة الآثار والإشارة إلى المواقع المستقبلية للتنقيب.

بعثة أرثر ڤايجل

كان تقرير ڤايجل بمثابة الوصف الآثارى الأول للنوبة الشمالية الذى يستجيب لمتطلبات العلم، مع أنه كان متسرعاً كما يعترف بذلك فايجل نفسه، مشيراً في مقدمته" التقرير الحالي لا يدعى الكمال .انه مجرد وصف مبدئي لآثار الماضي ومخلفاته، التي يتوجب دراستها لاحقاً ."جمع فايجل خلال رحلته التي دامت شهرين مادة هائلة. أعطى وصفاً موجزاً لمعابد النوبة الشماليَّة والرسوم التي تزينها، ووصف الحصون والجبانات البادية على السطح، وقام برسم شقوف الفخار التي تم الكشف عنها في المنطقة، كما أنه قام بنسخ النقوش الصخرية دون أن يدعى الدقة الباليوجرافية في ذلك. وقام بالتقاط كم هائل من الصور الفوتوغرافية. أصبح التقرير سبقاً لموجز تاريخ النوبة الشمالية من عصر المملكة القديمة حتى القرن السادس الميلادي، وكذلك وصفاً متخصصاً لمدافن المجموعة الثالثةC-Group التي لم تك قد عرفت بعد بذلك الاسم. أطلق فايجل على تلك المدافن تسمية pan-graves مدافن مماثلة كان قد تم الكشف عنها قبل فترة وجيزة من قبل فلندرز بيترى وميسوم في مصر العليا. لازال عمل فايجل محتفظاً بقيمته اليوم، إنه بحق أول استعراض منتظم لآثار المنطقة التي استخف بها حتى تلك الفترة. الكثير مما نسخه وصوره فايجل أصبح في الوقت الراهن بعيداً عن منال العلم.

بعثة س. فيرث

خلال عدة سنوات لاحقة واصل د. ريزنر عمل فايجل- 1907/1908 -Reisner,1910 ومن ثم- مساعده س. فيرث Firth,1912. توجب دراسة وبقدر المستطاع التنقيب في كل المواقع الأثرية بين الشلال ووادي السبوع؛ في المناطق الأقل إثارة افترض الاكتفاء بالمسح أو بإجراء المجسات التجريبية. أجريت الأعمال بصورة محكمة، وهو أمر يعود الفضل فيه لريزنر- أحد مؤسسي المنهجية الحديثة في البحث الآثارى. تمت في السنة الأولى دراسة رقعة تمتد 50 كيلومتر على ضفتي النيل بين الشلال وتافا. هنا تم الكشف عن 58 جبانة، وحفر العديد منها ووصفت المقابر وصفاً دقيقاً. على أساس تحليل المادة المكتشفة- المواد الجنائزية، الفخار في المقام الأول، طرح ريزنر جدولاً كرونولوجياً لا زال، مع تعديلات طفيفة متفرقة، يستخدم حتى الآن لدراسة تاريخ النوبة الشمالية:

1- الفترة ما قبل الأسرية: المبكرة، والوسطى، والمتأخرة (كما هو الحال في مصر)

2- الفترة الأسرية المبكرة (الأسر من الأولى حتى الرابعة)، تقريباً ثقافة المجموعة الأولى A-Group

3- المملكة القديمة (الأسرتين الخامسة والسادسة)، تقريباً ثقافة المجموعة الثانية B-Group

4- المملكة الوسطى (الأسر من السابعة حتى السادسة عشرة)، تقريباً ثقافة المجموعة الثالثة C-Group

5- المملكة الحديثة (الأسر السابعة عشرة حتى العشرين)، ثقافة المجموعة الرابعة D-Group؛ لا تختلف مخلفاتها عن المملكة المصرية الحديثة.

6- الفترة المتأخرة (الأسر العشرين حتى الثلاثين).

7- الفترة البطلمية- الرومانية.

8- الفترة البيزنطية (تشمل ثقافة المجموعة المجهولة X-Group، أي النوباديين، الذين سميوا سابقاً البليميين).

9- الفترة القبطية.

مثل هذا التسلسل إلى فترات مفهوم. كما هو معروف، لا توجد في الأجزاء الشمالية للمنطقة ما بين الجندلين الأول والثاني، أي" الدوديكاسخيونس "الإقليم الثاني عشر لمصر الرومانية، فعلياً أية آثار للفترة النبتية المرَّوية، في حين تتمثل بصورة جيدة آثار عصر السيادة البطلمية والرومانية.

بعد الوصف المفصل للجبانات ولمدافن متفرقة يقدم ريزنر في الفصول الثلاثة الختامية موجزاً لملاحظاته: في الفصل الأول منها يتتبع أشكال المقابر، وفي الثاني- أنماط الدفن، وفي الثالث يُدّعم الجدول الكرونولوجى المقترح من جانبه. في العام اللاحق تقدم فيرث أبعد إلى الجنوب- حتى كاشتامانى، إلى الشمال من دكة، لتشمل حفرياته أكثر من ثلاثين جبانة. توجد في هذا الجزء قلعة ايكور (كور) التي يرجع تاريخها إلى المملكة الوسطى، والتي درس فيرث تحصيناتها، إلى جانب سلسلة من مواقع الإقامة بين جرف حسين وكشتامانى. أكدَّ فيرث على صحة فرضيات ريزنر الكرونولوجية. مثله مثل غالبية العلماء، افترض فيرث أن ثقافة المجموعة الثالثة جُلبّت من الخارج من قبل قبائل وافدة، ولا تمثل تطوراً طبيعياً لثقافة المجموعة الثانية. الجدير بالذكر أن هذه الفرضية ظلت معتمدة لفترة طويلة وعدت مقبولة بصورة عامة.

أجريت أعمال التنقيب في العامين التاليين بوتيرة أسرع، ذلك لقرب موعد غرق المنطقة تحت مياه البحيرة الناشئة. في النتيجة شملت الحفريات نصف النوبة الشمالية. تم النجاح في تنظيف 44 جبانة أخرى والعثور في اكميندى على آثار موقع إقامة ضخم يرجع تاريخه للفترة المسيحية المبكرة. في القطاع الأخير- من دكة حتى وادي السبوع، تم الكشف عن أولى المدافن المرَّوية التي يعود تاريخها للعصر الإغريقي- الروماني. كما تم التأكيد عليه فيما بعد فإن سلطة ملوك مروى امتدت في الدوديكاسخيونس فقط بصورة متقطعة لفترات زمنية قصيرة نسبياً.

بعثة جون گارستانچ

في عام 1908 نقب د. جارستانج جبانات دكة، وكوبان، وكشتامانى. إلا أن تقييم النتائج التي تحصل عليها ممكن فقط على أساس تقرير موجز قصير Garstang,1908 أيضاً كان وصف رحلة برستد التي قام بها للنوبة الشمالية بعيداً عن إضافة جديد يذكر Breasted,1906 and 1909.

وفي حين كان ريزنر وفيرث يقومان بحفر ودراسة المواقع الأثرية، عملت مجموعة من العلماء برئاسة ج. ماسبيرو في دراسة وترميم ووصف معابد النوبة الشمالية العديدة الواقعة بين أسوان وأبى سمبل. نتيجة هذا الجهد المشترك على مدى ثلاثين عاماً (1909-1938) ظهرت سلسلة من خمسة عشر مجلداً" معابد النوبة الغارقة "والتي تحوى مادة هائلة ذات طبيعة متنوعة لا زالت لم تستخدم كلياً حتى اليوم. لقد احتلت المعابد موقعاً بارزاً في حياة البلاد الاقتصادية؛ تحتوى النقوش والرسوم التي غطت جدران النخس والصالات والمقادس على معلومات تاريخية لا حصر لها.

إنه بفضل النقوش في معبد دكة نعرف أن أركامانى كان معاصراً لبطليموس الرابع، لا بطليموس الثاني، كما ساد الاعتقاد في السابق على أساس كلمات ديودور. في بعض المعابد تم الاحتفاظ بنقوش ملوك مروى وأسماءهم، على سبيل المثال أدخير أمانى في ديبود. ويشير الخرطوشان الحاملان لأسمى بطليموس السابع والثامن في معبد ديبود إلى أنهما تحديداً، لا ملوك مروى، سيطرا على هذه المنطقة في القرن الثاني ق.م. احتفظت جدران معبد كلابشة بالنقش المعروف لملك النوباديين سيلكو "القرن السادس"، وأخيراً فإن المخربشات العديدة- الهيروغليفية، والديموطيقية ، والمرَّوية، والإغريقية- كثيراً ما تمثل مصدراً لمعلومات لا توجد في أي مكان. من الصعوبة عدم تقييم هذه النصوص أيضاً بالنسبة لدراسة ديانة كوش، بخاصة في عصر نبتة- مروى.

بعثة جامعة پنسلڤانيا

في وقت متزامن مع بعثة مصلحة الآثار المصرية بدأ عمل بعثة جامعة بنسلفانيا والتي اشترك فيها عالم الآثار الشهير ل. وولى ، وفي نشر تقاريرها- ف. جريفيث .ركزت هذه البعثة أعمالها في ثلاثة مواقع : أريكا ، وكارانوج وبوهين Randall-MacIver,1911 بالإضافة تمت دراسة المعابد المسيحية المبكرة Milcham,1910 بدأت أعمال التنقيب في أريكا في عام 1907 واستمرت حتى عام.1910 علينا الاعتراف، أنه لم يتم الكشف في النوبة الشمالية في وقت واحد مثل هذا الكم من آثار العصر المروى. نشأت مواقع الإقامة في اريكا، وبوهين، وكارانوج، حيث وجد فيما يبدو مركز لدارى ضخم، في عصر ازدهار الثقافة المرَّوية. الحقيقة أنه من المبرر في تلك الفترة نظراً لقلة التجربة والخبرة ولشح المعرفة أن عدت تلك الآثار منتمية للبليميين.

كشف علماء الآثار في أريكا "حصن" أحد الزعماء القبليين أرجعوا تاريخه لأزمان الأسرة الثامنة عشرة. اللافت للانتباه التشابه الكبير لبعض أجزاء هذا المبنى بمعمار قبائل وسط أفريقيا وجنوبها. يؤكد المؤلفون على دلالة السكان المحليين، وأشاروا في الفصل التمهيدي، إلى أن المجلد الحالي الذى ينشرونه ينتمي في الأغلب إلى أفريقيا أكثر منه إلى مصر، رغم أنه ولقرب الأخيرة لا يجوز نفي تأثيرها ونفوذها المباشر" الاستعمار "كما يكتبون. كتالوج الفخار المنشور، الذى وجد على السطح في جبانات الجزيرة وشبلول، وكذلك وصفه، كان بالفعل بمثابة تأسيس لدراسة المصنوعات الفخارية المروية التي تدل على مستوى عال من المهارة والذوق الرفيع وهى ما يثير الإعجاب اليوم. اكتسبت الحفريات في كارانوج أهمية أكبر، حيث تم الكشف في موقع الإقامة وفي الجبانة وكلاهما يرجع للعصر المروى، عن العديد من المواد الصنعية، أدوات للزينة وفخار.

سمح التحليل الدقيق لتلك المكتشفات مع مقارنتها بأشكال الدفن بالتوصل إلى سلسلة من التدقيقات والضبط الهامة لتحديد التواريخ . كرس فصل خاص للمسائل المتعلقة بالكرونولوجيا. بمقارنة ما جمعوه من مواد مع إفادات الكتاب الإغريق والرومان والابيجرافيا الرومانية، يعطى المؤلفون ملحقاً للمجلد الثالث موجز تاريخ الحاميات الرومانية في حدود مصر الجنوبية، سابقين بذلك عمل لوكيه Lesquier,1918 . يعطى"حصن" كارانوج والمنازل المجاورة له مادة دسمة عن خصائص مركز إداري حدودي للمملكة المرَّوية. استنتاجات المؤلفين وتعميماتهم تحتاج حالياً إلى سلسلة من الإضافات والتدقيقات الأساسية، في المقام الأول فيما يتعلق بخطأ التواريخ التي يقترحونها. فكما أشرنا فإنهم نسبوا كارانوج للبليميين.

أضافت الحفريات في بوهين الكثير بالنسبة للمعلومات المتوفرة في تلك الفترة والتي كانت تعتمد أساساً على حوليات الفراعنة ونقوش الوجهاء المصريين، التي أوردت معلومات عن النوبة الشمالية عندما كانت خاضعة لمصر، أي في عصر المملكتين الوسطى والحديثة. تم الكشف عن معابد، بخاصة المعبد الذى شيدته الملكة حتشبسوت، وعن تحصينات وجبانات يرجع تاريخها لفترة الأسر الثانية عشرة- السابعة عشرة، والتي تشير إلى حياة المصريين الذين أرسلوا إلى هنا. لم يتم الكشف عن الكثير من المسلات، لكن التي وجدت تحمل أسماء وألقاب بعض الإداريين المهمين، وهو ما ساعد في تبيان النظام الإداري الذى اختطه الغزاة. هنا وجد في تلك الفترة واحد من المراكز الإدارية.

فيما يتعلق بمواقع الإقامة في العصر المروى فإنها لم تك غنية بصورة بادية. لذلك اكتفت البعثة بالتنقيب فقط في منزلين وحفر مجسات تجريبية. الشئ نفسه يمكن قوله عن المقادس والمقابر غير الكبيرة الموجودة بالقرب. يلاحظ أن د. رندال و ماك ايفر تجاوزا الخطأ السابق واستنتجا بأنها خاصة بكوشيين لا بليميين.

هكذا يمكن القول بأنه في العقود الأولى للقرن العشرين جرت عمليات استكشاف نشطة في النوبة الشمالية، حيث ظلت مياه النيل في ارتفاع من عام إلى عام مع تعلية خزان أسوان. إلا أن الوضع إلى الجنوب من الجندل الثاني ظل على ما هو عليه دون تبدل يذكر اذا ما استثنينا أعمال بدج في مروى التي لا يصح عدها عملاً جاداً.

عودة البعثات

في الأعوام 1903- 1908 قام كروفوت بسلسلة من الزيارات إلى "جزيرة مروى" وترك وصفاً متسرعاً للمدن القديمة التي زارها (مروى، والبعصة، وسوبا، وجبل قيلي وغيرها) Crawfoot,1911. وقد تضمن ذلك الوصف ملاحظات صحيحة عن طبيعة المنطقة، وعن نشاطات السكان في القدم، وعن طرق القوافل وما إلى ذلك. وأُلحق وصف كروفوت بصور فوتوغرافية وخرائط. على أساس المعلومات التي قام بجمعها بذل كراوفوت محاولة لإعادة تركيب تاريخ مملكة مروى، في الأساس إقليمها الأوسط. لكنه لم ينجح لا في طرح تواتر الأحداث ولا في إبراز خصائص الثقافة المروية، إذ لا زالت المعطيات التي امتلكها محدودة، ومع ذلك فإن عمله لم يفقد أهميته حتى الآن.

بدءاً من 1909/1910 شرعت البعثة التي يترأسها عالم الآثار جارستانج في العمل في مروى، واستمر العمل حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى. للأسف فإن النتائج لم تنشر بصورة كاملة حتى اليوم، ولم تر النور سوى تقارير مبدئية عن تلك الأعمال.

في الموسم الأول لتلك البعثة تم تنظيف معابد امون، وايزيس، وأبادماك- اله الحرب برأس أسد، بالإضافة إلى جبانات. في السنوات اللاحقة انحصر نشاط البعثة في مباني العبادة والقصور. الناس العاديين لم يتم الاهتمام بتقصي آثارهم، ولا نعرف حتى الآن نوعية التركيب السكاني لعاصمة المملكة المروية، ما هو نوع نشاطاتهم، ما هو نمط حياتهم اليومية. الحقيقة أنه تم الكشف في أطراف المدينة عن كميات كبيرة من بقايا خام الحديد: أفران، أكوام خَبَث. هكذا أصبح جلياً أحد أسباب ازدهار مروى: نشأ هنا أهم مركز للتعدين الذى امتد تأثيره بعيداً إلى الجنوب والجنوب الغربي والجنوب الشرقي. التقرير المبدئي الذى كتبه جارستانج تصدره موجز لتاريخ مدينة مروى اعتمد في الأساس على أعمال الكتاب الإغريق والرومان.

وأرفق بالتقرير فصل كتبه أ. سايس عن تحليل رموز الكتابة المروية كما اقترحه جريفيث، كما شمل التقرير النقوش التي تم العثور عليها خلال التنقيب. نعرف عن الأربعة مواسم اللاحقة من التقارير القصيرة التي تعطى تصوراً عاماً عن "المدينة الملكية" التي يبلغ امتدادها ثلاثمائة كيلومتر طولاً. هنا تم الكشف، إلى جانب المعابد المذكورة، عن مبانٍ أخرى للعبادة، على سبيل المثال "معبد كلاسيكي"، وحمام يشبهان ما تم العثور عليه في بيرين باليونان، وكذلك حمام آخر "ملكي" أحدث وأشبه بالحمامات الرومانية، وأطلال مبنى يحتمل أنه كان مرصداً.

العديد من شقوف الأواني الهلنستية والرومانية، كان من بينها المستورد، تسمح بتحديد مجموعات المصنوعات الفخارية وتساعد في توضيح تواتر التغير في الأسلوب والتقنية، ومن ثمَّ الجدولة الكرونولوجية. تعكس تقنية البناء سمات العصر. المميز أن عصر الازدهار يتوافق مع العصر الهلينستى، أي أنه بدأ تقريباً من عهد أركامانى الذى تم في عصره القضاء على بعض بقايا التركيبات العشائرية البدائية، بخاصة المتعلقة باغتيال الملك الطقوسي. بدءاً من القرن الأول الميلادي تأخذ في الظهور الملامح الأولى لبداية الانهيار والتي تصبح أكثر وضوحاً مع مرور الوقت .

نجحت البعثة في الكشف عن آثار مدهشة للفن المنظور- تماثيل ، جزئيات من أيقونات لم يتم نشرها حتى الآن. كما لم تنشر المواد التي عثر عليها في المرصد، وهى مادة هامة لتاريخ الثقافة المرَّوية وعلاقتها بالعلم في القدم. يرجع جارستانج تأسيس المدينة إلى القرن السابع ق.م. عندما حكم، في اعتقاده، الملك أسبالتا. لكنه يبدو أن الإقامة نشأت هناك في وقت أسبق. كما أن جارستانج يعتقد بأن بترونى وصل بجيشه في عام 23 ق.م. إلى مروى وأن الحامية الرومانية بقيت هناك لمدة 10- 12 سنة. وجهة النظر هذه لا تجد ما يدعمها من الوقائع ولم تجد تقبلاً من قبل العلماء الآخرين.

الكثير من الأوعية المليئة بالرماد، ورماد الأموات المدفونين، وحطام المباني تبقى معياراً يشير إلى أنه حتى في مجال محافظ من مجالات الأيدولوجيا، كالدين، انتشرت تأثيرات العالم الهلينستى التي شملت الطبقات الحاكمة. بعض المنازل المتفرقة التي تم الكشف عنها خلال أعمال التنقيب تنتمي على ما يبدو لفئات ذات ثراء، وبنيت بتخطيط مميز لبلدان الشرق: فناء مع غرف للمعيشة تحيط به ويدور حولها سور. لدى الحفر السريع في بعض منازل الحرفيين عُثر على آثار دالة على نشاطهم، الفخار بصورة رئيسة. على بعد كيلومترين أو ثلاثة من المدينة، يحتمل أن تكون تلك قرية بأطراف المدينة، كشف عن مسلة كبيرة خاصة بالملكة أمانى رينا والأمير أكينيداد، التي جهز سايس نشرها المبدئي.

على أساس المادة التي تحصل عليها قام جارستانج بتركيب التسلسل التاريخى التالي لتاريخ مروى: الفترة المروية المبكرة 650-400 (؟) ق.م.؛ الفترة المروية المتوسطة 300 ق.م.؛ الفترة المروية المتأخرة العام الأول ق.م.- 350 م. إلا أن هذا التصنيف المرحلي لكونه اصطناعياً لم يصمد طويلاً.

بعثة جامعة أكسفورد

تقريباً في الفترة نفسها- في الأعوام 1910-1913- بدأت أعمال بعثة جامعة أكسفورد برئاسة جريفيث في النوبة الشمالية بمدينه فرس التي كانت أحد المراكز الرئيسة في المنطقة، وأيضاً بدأت البعثة العمل في عاصمة كوش القديمة نبتة بين الجندلين الثالث والرابع. فقط بعد مرور ثمان سنوات على انتهاء العمل بدء في نشر تقارير قصيرة، بعد ما أصبحت نتائج حفريات ريزنر في جبل البركل وفي أماكن أخرى معروفة. بالتالي تيسرت لجريفث فرصة الاستفادة من استنتاجات ريزنر الأولية والتي كانت قد وجدت طريقها حينها إلى صفحات المجلات المتخصصة ونشرات المتاحف.

اذا كان علماء الآثار الإنجليز قد عملوا عامين في فرس، وقاموا بدراسة هذه المدينة دراسة شاملة، حيث جذبت اهتمامهم بصورة خاصة القلعة التى يعود تاريخها إلى الفترة المسيحية، فإنهم، في نبتة الأوسع امتداداً، حصروا جهدهم في إجراء المسح للمدينة التى استمر عملهم فيها لعام واحد. ورغم أن القليل تم تنفيذه هنا، فانه نشر بصورة مضغوطة للغاية.

فالفصل التمهيدي الذى يمثل مقدمة للتقرير اتسم بطابع اقتباسي، مردداً استنتاجات كل من ريزنر جريفيث، ومن ثمَّ يطرح بإيجاز التاريخ البراجماتي للأسرة الخامسة والعشرين، معتمداً على حوليات بيَّا والمصادر الأخرى المعروفة حينها. ويستمر لإعطاء وصف منطقة موقع أطلال نبتة ويعدد النصوص المصرية التى ورَّد فيها ذكر للمدينة. فيما يتعلق بالعمل الفعلي للبعثة فان النتائج المتحصل عليها وصفت، كما أشرنا، بصورة مقتضبة. تم تنظيف المعبد في صنم حيث كشف عن تفاصيل معمارية كثيرة، وعن " كنز"، بالأصح، مخازن لحفظ المعادن والأسلحة الفائضة، وأيضاً عن جبانة غير مخصصة للملوك وأسرهم هي الوحيدة من نوعها المدروسة حتى الآن من جبانات منطقة المدينة. استخدمت الجبانة بدءاً من أزمان بيَّا تقريباً حتى منتصف القرن السادس ق.م. عندما كانت نبتة عاصمة لكوش. بالنسبة للفترة اللاحقة- المروية- فإنه تم الكشف عن بعض المقابر المتفرقة.

إجمالا تمت دراسة 1500 مقبرة، كان معظمها للأسف قد تعرض للنهب في أزمان سابقة. الغالبية العظمى منها، كما تشير إلى ذلك الجعارين التى نقشت عليها أسماء الفراعنة، يرجع تاريخها إلى الأسرتين الخامسة والعشرين والسادسة والعشرين. أعطى التقرير وصفاً لخصائص بعض المقابر وأجريت محاولة لتصنيفها. وتم أيضاً وصف المواد المكتشفة: الأواني- الحجرية والبرنزية والطينية، والأدوات، والأسلحة، وأدوات الزينة. فُسرَّ اختلاف المقابر بكونها تنتمي إلى مجموعتين قبليتين لشعب واحد. عدم وجود جرد للمحتويات الجنائزية في المقابر يعيق إمكانية تحديد العلاقة المتداخلة من حيث الثروة بين المجموعات، وهو أمر كان ستكون له أهمية لتفسير التركيب الاجتماعي للسكان. المؤسف أكثر أنه، كما أشرنا، فإن جبانة صنم هي الوحيدة المدروسة حتى الآن من العصر النبتي في هذه المنطقة.

أعطت أعمال الحفر في فرس، إلى جانب آثار العصر المسيحي مدافن خاصة بالمجموعة الثالثة، وتحصينات يرجع تاريخها للمملكة الوسطى بالإضافة إلى سلسلة من آثار المملكة الحديثة، التى تميز مرحلة السيادة المصرية على كوش.

بعثات النوبة الشمالية

مثيرة وهامة الاستنتاجات التى توصلت اليها بعثة أكاديمية العلوم النمساوية التى ترأسها ج. يونكر نتيجة عملها في النوبة الشمالية في الأعوام 1910-1912. لم يختلف يونكر عن سابقيه فتأخر نشر نتائج بعثته مما سمح له بالإطلاع على أعمال ريزنر ليتوصل إلى تعميمات أكثر اتساعاً، في المقام الأول فيما يتعلق بثقافة المجموعة الثالثة، التى تؤلف في نظر يونكر ثقافة محلية مثلها مثل ثقافة كرمة الأبعد جنوباً. الانفصام الأول الذى أصاب الثقافة المصرية النوبية المشتركة وقع، في قراءة يونكر، في منتصف الفترة ما قبل الأسرية. في عصر المملكة الوسطى تضح معالم أقاليم امتداد الثقافة المصرية التى تتوافق من حيث الزمن مع تنامي تأثير ثقافة المجموعة الثالثة. هذه الاستنتاجات توصل إليها يونكر بداية بفضل النتائج التى تحصل عليها بفعل التنقيب في جبانة الكبانية، وفي العام التالي أكدت نتائج التنقيب في كل من ارمينا وتوشكه، بخاصة المواد الأنثروبولوجية على صحة استنتاجات يونكر.

في السنة نفسها التى أنهى فيها يونكر أبحاثه في النوبة الشمالية بدأ العلماء الألمان بقيادة ج. شتايندورف عملهم في عنيبة (ميام في المصرية القديمة) إلى الجنوب من توشكه. انقطعت أعمال هذه البعثة نتيجة اندلاع الحرب العالمية الأولى، لتباشر عملها مجدداً فقط في موسم 1930/1931 تم نشر التقرير التفصيلي في الأعوام 1935- 1937. ومن ثمَّ فإن شتايندورف تمتع بفرصة الإطلاع على النتائج المتحصل عليها من الأعمال السابقة وان يبنى رأيه عليها.

لم تكشف البعثة التى ترأسها شتايندورف عن آثار من العصرين النبتي والمروي، لكنها كانت ذات أهمية بالنسبة لدراسة تاريخ كوش في الأزمان الأسبق. تم تثبيت تسلسل أحداث تاريخ كوش وفق الجدول الكرونولوجى الذى وضعه ريزنر. أضاف اليه شتايندورف بعض التعديلات المصطلحاتية التى لم ترد من قبل في الأعمال العلمية. على سبيل المثال سمى ثقافة المجموعتين الأولى والثانية بمصطلح جديد هو "النوبية العتيقة"، والتي، وفق تحديده، تنتهي بالأسرة المصرية السادسة.

المرحلة التالية "النوبية القروسطية" تشمل عصر المملكة الوسطى والمرحلة الانتقالية الثانية (فترة الانحطاط الثاني لمصر)- المتميزة بسيادة ثقافة المجموعة الثالثة. وتم في عنيبة للمرة الأولى دراسة موقع الإقامة الضخم الخاص بهذه الثقافة، ولذلك تمكن شتايندورف من اكتشاف سيادة عناصر محلية في تلك الثقافة . إجمالا حدد شتايندورف تلك الثقافة بوصفها Hochstand nubischen Eigenlebens رغم أنها كانت أدنى من الثقافة المصرية المعاصرة لها. إذا كان التقرير الأول، الذى بدأ بموجز عام لتاريخ النوبة الشمالية منذ أقدم الأزمان حتى نهاية المملكة الحديثة، قد كُرَّس لوصف الجبانات ومواقع الإقامة المحلية، فإن التقرير الثاني كان وصفاً للآثار المصرية، واحتوى على العديد من المواد الخاصة بالتوسع المصري في كوش والعلاقات المتبادلة بين البلدين. وقد جعل الوصف التفصيلي وحصر المكتشفات الدقيق المفهرس هذا العمل المطبوع أحد أهم المصادر.

موقف الدولة المصرية من النوبة

الملك فؤاد في زيارته للنوبة.


شخصيات نوبية بارزة

المصادر

  • من موسوعة حضارة العالم أنشأها أحمد محمد عوف.
  • E.A.W.Budge 1907, The Egyptian Sudan,vol.I. London
  • A.E.P.Weigall 1907, A Report on the Antiquities of Lower Nubia (the First Cataract to the Sudan Frontier) and their Condition in 1906-1907. Oxford.
  • G.A.Reisner 1910, The Archaeological Survey of Nubia. Report for 1907-1908, vol.I. Archaeological Report. Cairo.
  • C.M.Firth 1912, The Archaeological Survey of Nubia. Report for 1908/09. Cairo
  • J.Garstang 1908, Excavations at Hierakonpolis, at Esna and in Nubia, Annales du Service des antiquités de l’Egypte 8.
  • J.H.Breasted 1908, The Monuments of Sudanese Nubia. American Journal of Semitic Languages and literatures 25.
  • J.H.Breasted 1909, A History of Egypt. London.
  • D.M.Randall-MacIver 1911, Buhen, vols. I-II. Philadelphia.
  • G.S.Milcham 1910, Churches in Lower Nubia. Philadelphia.
  • J.Lesquier 1918, L’armée romaine d’Egypte d’Auguste à Dioclétien. Le Caire.
  • J.W.Crowfoot 1911, The Island of Meroe. London.

انظر أيضاً

مرئيات

<embed width="480" height="385" quality="high" bgcolor="#000000" name="main" id="main" >http://media.marefa.org/modules/vPlayer/vPlayer.swf?f=http://media.marefa.org/modules/vPlayer/vPlayercfg.php?id=21218a51b1e1f1b0ba2" allowscriptaccess="always" allowfullscreen="false" type="application/x-shockwave-flash"/>

المصادر

الهوامش

  1. ^ أ ب Elmar Edel: Zu den Inschriften auf den Jahreszeitenreliefs der "Weltkammer" aus dem Sonnenheiligtum des Niuserre, Teil 2. In: Nachrichten der Akademie der Wissenschaften in Göttingen, Nr. 5. Vandenhoeck & Ruprecht, Göttingen 1964, p. 118–119.
  2. ^ أ ب Christian Leitz et al.: Lexikon der ägyptischen Götter und Götterbezeichnungen, Bd. 6: H̱-s. Peeters, Leuven 2002, ISBN 90-429-1151-4, p. 697.
  3. ^ ويكيبديا
  4. ^ "المجلس الأعلى للثقافة يعلن عام 2014 عامًا للثقافة النوبية.. ويشكل ملتقي لشباب النوبة". جريدة الأهرام. 2013-12-29. Retrieved 2014-01-24. 
  5. ^ "بيت السناري ينظم «اليوم النوبي» بمناسبة الاحتفال بعام الثقافة النوبية 2014". جريدة الشرق الأوسط. 2014-01-18. Retrieved 2014-01-24. 
  6. ^ "إطلاق نار بين النوبيين وقبيلة بني هلال.. واختطاف نوبي من جبل تقوق". بوابة الوطن. 2012-12-17. Retrieved 2012-12-17. 
  7. ^ "نشطاء يتداولون صورة توضح بشاعة مجزرة "الهلايل والدابودية" بأسوان". جريدة اليوم السابع. 2014-04-05. Retrieved 2014-04-06. 
  8. ^ "مصر.. 23 قتيلاً حتى الآن باشتباكات قبلية وانتشار للجيش بأسوان". سي إن إن. 2014-04-05. Retrieved 2014-04-06. 
  9. ^ "23 قتيلا و31 مصابا في اشتباكات "بني هلال" و"أبناء دابود" بأسوان". أخبار مصر. 2014-04-05. Retrieved 2014-04-06. 
  10. ^ "http://www.almasryalyoum.com/news/details/423212". جريدة المصري اليوم. 2014-04-05. Retrieved 2014-04-06.  External link in |title= (help)
  11. ^ القرار 444، حمدي سليمان

المراجع

  • Thelwall, Robin (1978) 'Lexicostatistical relations between Nubian, Daju and Dinka', Études nubiennes: colloque de Chantilly, 2–6 juillet 1975, 265–286.
  • Black Pharaohs - National Geographic Feb 2008
  • Thelwall, Robin (1982) 'Linguistic Aspects of Greater Nubian History', in Ehret, C. & Posnansky, M. (eds.) The Archeological and Linguistic Reconstruction of African History. Berkeley/Los Angeles, 39–56.
  • Bulliet et al. (2001) 'Nubia,' The Earth and Its Peoples, pp. 70–71, Houghton Mifflin Company, Boston.

وصلات خارجية