الإسلام في اليونان

كوسم سلطان (ح. 1589 - 1651). كانت إمرأة يونانية من تينوس استعبدها الجنود العثمانيون. واعتنقت الإسلام وتعتبر أقوى إمرأة في تاريخ الدولة العثمانية.[1]

الإسلام في اليونان يمثله عدد من جاليات المهاجرين. يعود وجود المسلمين في اليونان لعام 654، وتعاظم خلال الحقبة العثمانية ليتقلص إثر الحروب اليونانية-التركية (1919-1922)، بعد عمليات تبادل السكان؛ حيث غادر اليونان حوالي 450 ألف مسلم إلى تركيا.

يقدر عدد المسلمين من حاملي الجنسية اليونانية والمقيمين في عام 2008 بحوالي 350 ألفًا، أو 3.1% من مجموع سكان البلاد البالغ 11 مليون نسمة. يوجد اليوم في اليونان خمس مجموعات سكانية مسلمة: أتراك، وبوماك، وألبان، وأتراك رودوس وكوس إلى جانب الغجر الروما المسلمين، إضافة إلى المهاجرين.

تعترف اليونان بالإسلام كدين وأبقت على بعض عناصر "نظام الملة" العثماني الذي يعطي الأقليات شرعية سياسية وقانونية. وتعيّن الدولة مفتي المسلمين ما جعل اختيارهم محل خلاف بين المسلمين والسلطة،؛فأصبح هناك مفتون قانونيون وآخرون لا تترتب على أفعالهم أية نتائج قانونية. وعلى الصعيد السياسي يخشى المسلمون من صعود الحزب اليميني "الفجر الذهبي" -تتأسس أيديولوجيته على كره المهاجرين- الذي حصل في الانتخابات الأخيرة على 6.9% من أصوات الناخبين (18 مقعدًا في البرلمان). إن التعددية التي يمتاز بها مسلمو اليونان مكّنتهم من الحفاظ على وجودهم، مع العلم بأن استقرار أوضاعهم رهين النزاع السياسي اليوناني-التركي، وانعكاساته على الداخل اليوناني. ويجد المسلمون في انضمام اليونان إلى الاتحاد الأوروبي ومؤسساته، ضمانة لحماية حقوقهم ولو نظريًا، ويخشون أن لا تساهم المؤسسات الأوروبية فعليًا في تحسين أوضاعهم فضلاً عن حمايتهم.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

التاريخ

"الشباب اليونانيون في المسجد" (جان-ليون جيروم، زيت على كنڤاة، 1865)؛ هذه اللوحة الزيتية تصور مسلمين يونانيين في صلاة بمسجد).

يرتبط وجود المسلمين في اليونان تاريخيًا بقدوم جيوش المسلمين إلى جزيرة رودوس أول مرة عام 654 ثم عام 658، ويُعتبر هذا هو أول لقاء بين المسلمين وأوروپا. وفتح الأندلسيون الأمويون عام 827 جزيرة كريت التي كان أغلب سكانها في القرن العاشر الميلادي من المسلمين. وكتب ابن جُبير حوالي عام 1185: "أخضع الملوك المسيحيون المستبدون مسلمي الجزيرة إلى ضغوط مستمرة حتى جعلوهم يتحولون إلى المسيحية أو يهربون من الجزيرة". حدث ذلك بعد أن استعاد البيزنطيون الجزيرة عام 961 وطردوا المسلمين منها. وتؤكد مصادر التاريخ غزو الفاطميين لجزيرة "سيكلاديز" عام 1030، لكن قبل قدوم العثمانيين لم يكن الإسلام يلعب دورًا في حياة سكان تلك الجزيرة.

سجّل الإسلام انتشارًا واسعًا في كل مدن اليونان خلال حقبة حكم العثمانيين حيث تعايشت مختلف الديانات بما فيها اليهود الذين طُردوا من الأندلس الإسبانية فوجدوا في اليونان ملجأ تحت حكم الإمبراطورية العثمانية الإسلامية. وبعد استقلال اليونان عن الدولة العثمانية عام 1830، شرع المسلمون في مغادرة البلاد، ولم يكن لمن بقي منهم للعيش فيها أية حماية مؤسسية.

بعد ضم اليونان مدينة "سولون" (تسالونيك) عام 1881، أصبح عدد المسلمين حوالي 40 ألفًا، مُنحوا من خلال ما يُعرف بـاتفاق "تساري غراد" وضعًا قانونيًا يحمي حقوقهم الأساسية كأقلية، وذلك على الأقل نظريًا.

في الواقع، وكما تقول كتابات كونستانتين تسيتساليكيس، إن نظام الملة العثماني (وهو نظام فيه استقلالية للمؤسسات المجتمعية-الإثنية والدينية عن المؤسسات الرسمية للدولة) تمت المحافظة عليه، وتمكنت دار الإفتاء المحلية من الحصول على شبه نظام قضائي يمكّنها من النظر في القضايا التي تتعلق بالأحوال الشخصية للمسلمين. اعترف القانون اليوناني بالمدارس الإسلامية وأوقاف المسلمين التي تشرف عليها مجالس الجماعات المسلمة المحلية.

وبانتهاء حروب البلقان (1912-1913)، وضم المناطق اليونانية الجديدة (التي كانت تابعة للإمبراطورية العثمانية بعد استقلال اليونان)، تمتع سكان تلك المناطق من المسلمين الذين قرروا البقاء فيها بنفس وضع إخوانهم من المسلمين الآخرين ومُنحوا الجنسية اليونانية.

وعلى إثر الحروب اليونانية-التركية (1919-1922)، التي أفضت إلى اتفاقيات لوزان للسلام عام 1923، تمت عمليات تبادل للسكان؛ فغادر على إثرها حوالي 450 ألف مسلم اليونان ليذهبوا إلى تركيا، باستثناء سكان منطقتي "تراكيا" الذين كان عددهم يبلغ 92 ألفًا (كان هؤلاء من المسلمين الذين يتكلمون التركية والبلغارية "البوماك" والذين يحملون الجنسية اليونانية)، و"إيبير" التي بقي فيها 26 ألف مسلم يتحدثون اللغة الألبانية، وأُجبر هؤلاء عام 1945، أثناء الاحتلال الألماني لمناطقهم، على المغادرة إلى ألبانيا. وفي العام 1947 ضمت اليونان جزر دوديكانيز التي كان يسكنها حوالي 12 ألف مسلم من الذين يتحدثون اللغتين اليونانية والتركية، ومُنحوا الجنسية اليونانية.

مسلمون يصلون في مسجد في تراقيا.

أول المهاجرين المسلمين في العصر الحديث، ومعظمهم من مصر، وصلوا في مطلع عقد 1950 من مصر، ويتركزون في المركزين الحضريين للبلد، أثينا وسالونيك. منذ عام 1990، كان هناك زيادة في عدد المهاجرين المسلمين الغير شرعيين من مختلف بلدان الشرق الأوسط، شمال أفريقيا، بالإضافة للمهاجرين من أفغانستان، پاكستان، الهند، بنگلادش والصومال. ومع ذلك، فهناك أعداد كبيرة من الجالية الإسلامية المهاجرة أتت من البلقان، وخاصة من ألبانيا والجاليات الألبانية في جمهورية مقدونيا، والجمهوريات اليوغسلاڤية الأخرى السابقة. منذ انهيار الشيوعية في شرق أوروپا في أوائل التسعينيات، بدأ العمال الألبان في الهجرة إلى اليونان، مشتغلين بالوظائف منخفضة الأجر بحثاً عن فرصة اقتصادية، وأحضروا عائلاتهم للإقامة في مدن مثل أثينا وسالونيك. حسب التعداد الرسمي لعام 2001، يصل عدد المواطنين الألبان [1] المقيمين في اليونان إلى 443.550 شخص؛ ولا يشمل هذا المقيمين الغير موثقين والألبان القادمين من مقدونيا.


صعود حزب الفجر الذهبي

يقض صعود الحزب اليميني المسمى الفجر الذهبي، مضاجع المسلمين في اليونان، وبالأخص المهاجرين منهم. ويرى باناگيوتيس سوتيريس أستاذ الفلسفة السياسية والاجتماعية، في مقال له منشور بصحيفة لوموند ديپلوماتيك في عددها الصادر في أكتوبر 2013، أن "حزب الفجر الذهبي له جذور نازية، وتتأسس أيديولوجيته على كره المهاجرين ومعارضة مشاريع اليسار السياسي في هذا المجال".

وقد واصل عناصر حركة الفجر الذهبي خلال العقد الأول من الألفية الجديدة ترسيخ وضعهم في المشهد اليوناني عن طريق تنفيذ "هجمات عنصرية" ضد المهاجرين وبخاصة منهم غير الشرعيين وطالبي اللجوء من بينهم. وأخذوا يركزون في النصف الثاني من العقد الماضي -ومع ظهور بدايات الأزمة المالية- على تعزيز وجودهم في بعض أحياء أثينا؛ حيث أسسوا "لجانًا مدنية"، وقدموا أنفسهم على أنهم "مواطنون غاضبون" يطالبون بحلول عاجلة لمشاكلهم.

يدعي أتباع "الفجر الذهبي" أن المهاجرين هم السبب المباشر لما تعيشه اليونان عمومًا والعاصمة أثينا خصوصًا من مشاكل. وثبت تعامل ما تسمى بـ"اللجان المدنية" مع الشرطة المحلية، التي رفضت في عديد من المرات التدخل في منع أو التحقيق في بعض القضايا المتعلقة "بهجمات عنصرية" وأغمضت عيونها عن نشاطات حركة الفجر الذهبي غير الشرعية. واستطاع الجناح السياسي للحركة خلال الانتخابات الأخيرة، الحصول على 6.9% من أصوات الناخبين، أو 18 مقعدًا في البرلمان مستفيدا الوضع الاقتصادي المتردي الذي تعيشه البلاد. ولم يقتصر الأمر على ذلك فحسب، بل إن استطلاعات الرأي وتحليل نتائج الانتخابات أظهرت أن شعبية هذا الحزب في تزايد، وكانت نسبة دعمهم الشعبي فيما قبل لا تتجاوز 1%. وعلى العموم لاقت أفكار حزب الفجر الذهبي وأيديولوجيته ورسالته انتشارًا تخطى حدود اليونان لينتقل إلى بعض الدول البلقانية الأخرى؛ وذلك بسبب قرب الأوضاع فيها من تلك التي بنى عليها أنصار فكر الفجر الذهبي أيديولوجيتهم.

أما الاعتداءات المتكررة التي تستهدف المهاجرين فلا تجد اهتمامًا لدى دوائر الشرطة والقضاء؛ فحزب الفجر الذهبي، ووفقًا للعديد من المصادر الداخلية والخارجية، يلقى دعمًا كبيرًا من رجال الشرطة؛ حيث أظهرت نتائج الانتخابات الأخيرة، أنه في بعض أحياء العاصمة، بلغت نسبة تصويت رجال الشرطة حد 50% لصالح هذا الحزب. وأصبحت عمليات الاعتداءات بالسكاكين والدراجات النارية في بعض أحياء العاصمة عملاً يوميًا يستهدف المهاجرين الذين باتوا يخشون من خروجهم إلى شوارع العاصمة فرادى، في حين سجلت منظمة "هيومن رايتس ووتش" في تقرير تحت عنوان "كراهية في الشوارع" أن السلطات اليونانية، وكذلك الاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي، لا يكترثون كثيرًا لتفاقم ظاهرة العنف ضد المهاجرين خاصة وأن اليونان تُعتبر بوابة مرور لأغلب اللاجئين (80%) إلى دول الاتحاد الأوروبي.

إن تزايد أعمال عنف عناصر الفجر الذهبي كمًا وكيفًا واستهدافها جماعات مجتمعية وأقليات إثنية أخرى إلى جانب النشطاء اليساريين، أدى إلى استفاقة أجهزة الدولة ومنظمات المجتمع المدني التي بدأت تعمل على محاصرة هذا الخطر؛ ما ترك ارتياحًا لدى المهاجرين المسلمين، وإن في غياب ضمانات حقيقية وملموسة بأنهم لن يتعرضوا مجددًا إلى حملات كراهية تستهدفهم وتعرّضهم للخطر.

الديموغرافيا

يوجد اليوم في اليونان خمس مجموعات سكانية مسلمة تتوزع على النحو التالي: أتراك غرب منطقة تراقيا، وبوماك رودوب اليونانية، وألبان شمال غرب اليونان، وأتراك رودوس وكوس إلى جانب الغجر الروما المسلمين.

في الأعوام الأخيرة (خاصة بعد 1990) تشكلت أقلية أخرى مهمة تتألف أساسًا من المهاجرين الذين قدموا إلى اليونان بحثًا عن حياة أفضل وعن فرص عمل أو لجوء في هذا البلد العضو في الاتحاد الأوروپي، وبعض المهاجرين الذين يتخذون من اليونان بلد عبور إلى البلدان الأوروبية الأكثر غنى.

وفقًا للقانون اليوناني المتعلق بإجراء الإحصاء السكاني لعام 1951، لا نجد ذكرًا لتصنيف السكان الديني أو القومي أو اللغوي، لهذا يصعب تحديد أعداد المسلمين بدقة، ولكن وفقًا للمعطيات المتوفرة فإن عدد المسلمين في اليونان (حاملي الجنسية اليونانية والمقيمين) في عام 2008 يُقدر بحوالي 350 ألفًا، أو 3.1% من مجموع سكان البلاد البالغ 11 مليون نسمة.

أما المهاجرون فيتوزعون -بحسب الإحصاءات غير الرسمية التي قدمها زعماء الجماعات المسلمة من المهاجرين- على النحو التالي: الجماعة الأفغانية 20 ألف نسمة، السوريون 15 ألفًا، في حين تقدر أعداد الجاليات المصرية والعراقية وغيرها بحوالي 40 ألف نسمة. ويعمل أغلب المهاجرين في قطاعات الفلاحة والصناعة والبناء في ظروف مهنية صعبة ولا يتمتعون بحماية حقوقية أو اجتماعية.

اللغة والثقافة

يتحدث المسلمون الحاملون للجنسية اليونانية اللغة التركية في أغلبهم ويُظهرون انتماء للقومية التركية، في حين أن حوالي 20 ألفا من مسلمي اليونان "البوماك" يتكلمون اللغة البوماكية (وهي لهجة بلغارية) ويسعون إلى إظهار هويتهم البوماكية، كما يحرصون أيضًا على انتمائهم إلى الثقافة والهوية التركية في الوقت ذاته.

يمثل البوماك فعليًا مجموعة منغلقة على ذاتها تعيش في عزلة، حتى إن السلطات اليونانية لم تكن إلى حدود عام 1995 قادرة على دخول مناطقهم التي كانت ممتنعة عن تنفيذ استراتيجية الدولة اليونانية وفرض سيطرتها عليها، قبل أن تتحول مناطق البوماك إلى منطقة عسكرية خاضعة للقوات العسكرية؛ حيث أعلنت الحكومة اليونانية ذلك الجزء من "رودوس" منطقة عسكرية مغلقة ومنعت المدنيين الآخرين من دخولها، في حين كان سكان تلك المنطقة الأصليون يحملون بطاقات هوية خاصة بهم تسمح لهم بالتنقل للعمل إلى حدود 30 كم بعيدًا عن محال سكناهم، وفي حال ذهابهم لمسافات أبعد، فإنهم كانوا يحتاجون إلى أذون خاصة. بعض هذه التحديدات والاشتراطات لا تزال قائمة إلى يومنا هذا، والهدف من ورائها هو التضييق على السكان البوماك لحملهم على الهجرة إلى تركيا. ويتحدث حوالي 5 آلاف مسلم في اليونان اللغة الغجرية (وهم يُعرفون أنفسهم وفقًا لهويتهم الإثنية الغجرية)، مع أن أغلب المسلمين الغجر يجيدون اللغة التركية إلى جانب لغتهم الأم.

الوضع القانوني

الدين الغالب في اليونان، وفقًا لدستور الدولة (البند الثالث)، هو الأرثوذكسية اليونانية، ويُعترف رسميًا بالإسلام كدين.

أما ما يجعل اليونان حالة خاصة ومثيرة للاهتمام عندما يتعلق الأمر بوضع المسلمين؛ فهو بقاء بعض عناصر نظام الملة الموروث عن الدولة الإسلامية العثمانية على قيد الحياة، وهو نظام يسمح للأقليات المختلفة أو المنقسمة دينيًا بحصولها على مشروعية سياسية وقانونية. وهكذا فإن وضع الإسلام في اليونان يحافظ على العناصر العثمانية التقليدية داخل خارطة قوانين الدولة اليونانية العصرية.[2]

نظام الملة الجديد هذا يخص فقط الأقلية التركية المسلمة المقيمة في تراكيا، ويُطبق في بعض المؤسسات المحلية التابعة للأقلية المسلمة، والتي لا تجد أي اعتراف بها من قبل المؤسسات الرسمية للدولة. ويمثل وجود نظام الملة استثناء في النظام القانوني اليوناني الموصوف بالموحد والمتماسك، وهو أيضًا، من وجهة نظر قانونية، يُعتبر نموذجًا لتعدد الأنظمة القانونية في اليونان. كما أن اتفاق لوزان لعام 1923، سمح بأن يكون للمسلمين في اليونان مؤسساتهم الخاصة مثل الأوقاف ومكتب المفتي وبعض المؤسسات التعليمية والمحاكم الشرعية التي لا تزال تنشط إلى اليوم. ويُدير مؤسسات الأوقاف في تراقيا ودوديكانيز لجان محلية تعمل تحت إشراف السلطات المحلية والحكومية.

قانون الأوقاف الجديد في تراقيا (رقم 3647/ لسنة 2008)، الذي يُنظم انتخاب تلك اللجان المحلية المشرفة على إدارة الأوقاف لا يزال غير مفعل، في حين يمكن أداء اليمين الشرعية وفقًا لتعاليم الشريعة الإسلامية، أمام المحاكم وداخل البرلمان وفي صفوف الجيش إذا تقدم المسلمون بطلب ذلك. ويحدد قانون 1994 حصة 0.5% لتسمية موظفين مسلمين في القطاع العام، إلا أنه حتى هذا النظام لا يزال غير مفعل أيضًا.

انتخاب وصلاحيات المفتي

تم الاعتراف بصلاحيات المفتي في اليونان أول مرة عام 1881، ثم تأكد ذلك الاعتراف في عام 1913، أما اتفاق لوزان فلم يتعرض لتنظيم عمل المفتي وتحديد صلاحياته، ولا يزال القانون رقم 2345 لسنة 1920 هو المنظم لمؤسسة المفتي. وقبل عملية تبادل السكان بين اليونان وتركيا، كان في اليونان 35 مُفتيًا، أما بعد عام 1923 فقد تقلص العدد إلى 6 مفتين ينشطون في مناطق "إيبير"، ومفتٍ واحد يعمل في منطقة "سولون" (ويهتم بشؤون المسلمين الشركس)، إلى جانب أربعة مفتين في "تراكيا". ظل بعد عام 1945، ثلاثة مفتين فقط في "تراقيا" (في مدن كوموتينيا وكسانتيا وديديموتيهو)، ويوجد مفتٍ في "رودوس" رغم عدم الاعتراف الرسمي به.

مع مرور الوقت بات مفتيّو اليونان يتمتعون بوزن سياسي، فهم زعماء داخل جماعاتهم المحلية والمتحدثون الرسميون باسم المسلمين مع السلطات اليونانية، وقد كان المفتون المحليون، وخاصة مُفتييْ "كوموتينيا" و"كسانتيا"، يلعبون أدوارًا رئيسية في حل الخلافات السياسية بين اليونان وتركيا، والمتعلقة أساسًا بأوضاع الأقلية المسلمة في "تراكيا". وفي هذا السياق فإن لطريقة انتخابهم أهمية خاصة، ومع أن قانون عام 1920 يُنظم عملية انتخاب المفتين، إلا أن الطريقة التي لا تزال متبعة تعتمد على تسمية المفتين عن طريق التوافق بين عدد من زعامات الأقليات وممثلي السلطات اليونانية.

مع ذلك، وبعد أن اختفت مقاومة الزعماء المحافظين القوميين الأتراك إلى الأبد، عاد الجدل حول قضية انتخاب المفتي أو تعيينه إلى السطح، وكان جدلاً عقيمًا ومتوترًا، عندها قررت السلطات اليونانية تغيير القانون المتعلق بمؤسسة المفتي، وأصبح المفتي، وفقًا لقانون 1920 لسنة 1991 يُعين مباشرة من قبل السلطات اليونانية.

على إثر تعيين المفتين الجدد بداية عام 1990، كانت ردة الفعل القوية التي سجلتها الفئة المثقفة من المسلمين حول تعيين مُفتيي كوموتينيا وكسانتيا تتهم السلطات بمخالفة الإجراءات القانونية التي صاحبت تلك التعيينات. وهكذا واجه المفتون المعينون اتهامات انتهت بهم إلى المثول أمام المحاكم اليونانية، وهو ما استدعى صدور قرار عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان وتأكيدها على حق المسلمين في اختيار ممثليهم الدينيين.

منذ ذلك الحين أصبحنا نشهد وجود مفتيين اثنين في تراقيا يُنتخبان من طرف الأقلية المسلمة، إلى جانب مفتيين آخرين معينين من طرف الدولة اليونانية، واللذين تترتب على أعمالهما آثار قانونية.

وزاد الوضع تأزمًا وتعقيدًا عندما نصّب مفتيو تراقيا أنفسهم، باستثناء مفتي رودوس، قضاة يحكمون وفقًا للأحكام الإسلامية الشرعية المتعلقة بأحكام الأسرة والميراث. هؤلاء المفتون أيضًا يتصدون لتسمية وتعيين الأئمة والمشرفين على المشاريع الوقفية وجمع أموال الزكاة، ويصدرون الفتاوى كلما دعت الحاجة إلى ذلك، وربما هذا ما يُفسر عدم وجود منظمة أو جمعية إسلامية موحدة ووحيدة تمثل المسلمين على مستوى الدولة.

المشاركة في الحياة السياسية

كتب الدكتور كونستانتين تسيتساليكيس، أحد أهم المتابعين المتخصصين لأوضاع المسلمين في اليونان، أن أفراد الأقلية المسلمة في "تراكيا" يشاركون بانتظام في الحياة السياسية للدولة، ويتم اختيار ممثلين عنهم في البرلمان من خلال الأحزاب السياسية الكبرى. وانتُخب عام 2007 عضوان في البرلمان ليمثلا الأقلية المسلمة في "تراكيا"، وكان كلا العضوين المنتخبين ينشطان في حزب پاسوك المعارض. كما أدرجت أسماء ممثلين عن الأقلية المسلمة على القوائم الانتخابية لانتخابات البرلمان الأوروبي في يونيو 2009، ولكن دون أن يكونوا مرشحين فعليين لخوض الانتخابات.

سجل في هذا السياق حصول المسلمين في انتخابات عام 2002 على حوالي 250 وظيفة تمثيلية في الإدارات والمؤسسات المحلية (البلديات والولايات والمجالس المحلية)، كما تم انتخاب مسلم لشغل وظيفة نائب حاكم "رودوب". هذا في حين يلعب المسلمون، في منطقة "تراكيا" خاصة، دورًا نشطًا في الحياة السياسية المحلية، أما على مستويات السلطة العليا فإن دور المسلمين وتمثيليتهم فيها ضعيفة أو تكاد تكون منعدمة.

إلى جانب المؤسسات الدينية، أسس مسلمو اليونان بعض الجمعيات والمنظمات غير الحكومية التي يعملون من خلالها على الدفاع عن حقوقهم المدنية والمواطنية وضد مختلف أشكال التمييز التي تستهدفهم، ومن أهم تلك المنظمات التي تعمل على حماية حقوق الأقلية المسلمة "حركة الأقلية التركية لحقوق الإنسان والأقليات". إلى جانب هذه الجمعية، توجد جمعيتان مدنيتان أخريان تقودهما ثلة من السياسيين والمثقفين المنتمين إلى الأقلية التركية، وهما: جمعية خريجي الجامعات في تراكيا، واتحاد أتراك "كسانتيا"، وتواجه الجمعيات التي يتضمن اسمها وصف "التركية" مشاكل قانونية؛ حيث تمنعها المحاكم اليونانية من النشاط وفقًا للقانون المؤرخ في عام 1983، وتعتبر الأحكام القضائية الصادرة في هذا الشأن: "أن على مثل هذه الجمعيات التعريف بنفسها على أساس ديني لا قومي إثني"، وقد رفعت جمعية اتحاد أتراك تراقيا قضية في هذا الغرض أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، وبالرغم من أن محكمة ستراسبورغ أدانت منع المحاكم اليونانية نشاط مثل هذه الجمعيات إلا أن حكمها لم يجد طريقه إلى التنفيذ، ولا تزال المحكمة المدنية في كسانتيا تقدم نفس التبريرات سالفة الذكر وتأمر بحل اتحاد أتراك كسانتيا.

نلاحظ أيضًا على هذا المستوى، أن الحياة الاجتماعية والسياسية اليونانية بدأت تشهد في السنوات الأخيرة بروز تنظيمات وجمعيات أسسها المهاجرون في أثينا، مثل الجمعية الثقافية اليونانية-الباكستانية. ويشير ارتفاع عدد طلبات تسجيل الجمعيات والمنظمات غير الحكومية التي تؤسسها الجماعات الأقلية المسلمة في اليونان إلى محاولات هؤلاء، عن طريق النشاط الجمعياتي، تحقيق أهدافهم وحماية حقوقهم المدنية والاجتماعية التي لا يستطيعون تحقيقها من خلال النظام السياسي القائم.

مساجد اليونان

يبلغ عدد المساجد في تراقيا حوالي 300 مسجد، ويوجد في مدينة كوس مسجدان، وفي رودوس مسجد واحد، بينما تبقى أثينا العاصمة الوحيدة من بين عواصم كل بلدان أوروپا التي تخلو من وجود مسجد جامع، وإن كان فيها أكثر من 80 مصلّى للمهاجرين موزعة في أرجائها وضواحيها.

وأفصحت قضية بناء مسجد في العاصمة عن مدى التعقيد الذي يشوب العلاقة بين مسلمي اليونان والمجتمع الذي يعيشون فيه والدولة كسلطة، وإن كانت هذه المشكلة قد حُلّت بقرار اتخذه البرلمان اليوناني عام 2008 لمصلحة بناء المسجد ورُفضت أية دعوى ضد هذا القرار. ومن هذه التعقيدات أن الحزب اليميني الفجر الذهبي قد أعلن عن عزمه جمع 100 ألف يوناني للعمل على منع بناء المسجد؛ ما أثار قلق وغضب الجماعات المسلمة في منطقة البلقان. ولكن من جهة أخرى أعلنت الخارجية اليونانية أن الدولة ستتكفل بتمويل هذا المشروع، وسيدخل ضمن ممتلكاتها الخاصة.



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

انظر أيضاً


التاريخ

معرض الصور

الهامش

  1. ^ Bator, Robert, - Rothero, Chris (2000). Daily Life in Ancient and Modern Istanbul. Twenty-First Century Books. p. 42. ISBN 0-8225-3217-4. When such a son became sultan, his slave mother would become the most powerful woman in the Ottoman Empire. The Greek slave Kosem earned this distinctionCS1 maint: multiple names: authors list (link)
  2. ^ المسلمون في اليونان، التعددية والحفاظ على الهوية

للاستزادة

  • Antoniou, Dimitris A. (2003). "Muslim Immigrants in Greece: Religious Organization and Local Responses". Immigrants and Minorities. 22 (2–3): 155–174. doi:10.1080/0261928042000244808. Unknown parameter |month= ignored (help); Cite has empty unknown parameters: |quotes=, |laysummary=, and |coauthors= (help)
  • D. Christopoulos and M. Pavlou (eds). "The Greece of migration." Kritiki Centre for the Research of Minority Groups (KEMO), Athens, pp. 267–302.[2]
  • K. Tsitselikis. “Religious freedom of immigrants: The case of the Muslims”, (in Greek), 2004.
  • K. Tsitselikis. "The legal status of Islam in Greece," 44/3 Die Welt des Islams, pp. 402–431, 2004.

وصلات خارجية