تاريخ سيناء

هذا المقال يتضمن أسماءً أعجمية تتطلب حروفاً إضافية (پ چ ژ گ ڤ ڠ).
لمطالعة نسخة مبسطة، بدون حروف إضافية
Sinai Peninsula from Southeastern Mediterranean panorama STS040-152-180.jpg

شبه جزيرة سيناء وتقع على أرض مصر بين البحر المتوسط و خليج السويس و قناة السويس و البحر الأحمر و خليج العقبة. تربط أفريقيا ب آسيا عبر الحد المشترك مع فلسطين شرقا. ويحدها من الشرق فالق الوادي المتصدع الممتد من كينيا عبر القرن الأفريقي إلى جبال طوروس ب تركيا. وهذا الفالق يتسع بمقدار 1 بوصة سنويا. مساحة شبه جزيرة سيناء 60,088 كم2 ويسكنها 380,000 نسمة. و قاعدتها العريش , وتنقسم إلى العريش في الشمال و التيه في الوسط و الطور في الجنوب حيث الجبال العالية أهمها جبل موسى 2,285 متر و جبل القديسة كاترينا 2,638 متر (أعلى جبال في مصر) و في هذا الجبال في دير سانت كاترين و كنيسة غنية بالآثار والمخطوطات بناها جوستنيان عام 527 . وقد كانت نتيجة لموقع سيناء المتميز قيام حضارة عظيمة و تاريخ قديم .


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

تاريخ سيناء

تاريخ سيناء القديم

من الواضح أنه خلال الدولة القديمة كانت هناك صلة بين سيناء ووادي النيل ، ولعبت سيناء في ذلك التاريخ دورا مهما كما يتضح من نقوش وادي المغارة وسرابيط الخادم. فقد كانت سيناء بالفعل " منجما " للمواد الخام كالنحاس والفيروز الذي يستخرج المصريون القدماء ما يحتاجونه في الصناعة، كما كان سكان شمال سيناء وهم "الهروشاتيو" ( أي أسياد الرمال ) ، وجنوبها وهم " المونيتو " الذين ينسبون إلي الجنس السامي، كانوا يشتغلون بالزراعة حول الآبار والينابيع، فيزرعون النخيل والتين والزيتون وحدائق الكروم، كما يشتغلون بحرف الرعي علي العشب التناثر في الصحراء، ويرتادون أسواق وادي النيل فيبيعون فيه ما عندهم من أصواف وعسل وصمغ وفحم ويستبدلونه بالحبوب والملابس، كما كانت الحملات الحربية تخرج من الدلتا في بعض الأحيان لتأديب بعض البدو في سيناء نتيجة الغارات التي كانوا يشنونها عليهم.

وتدل آثار سيناء القديمة علي وجود طريق حربي قديم وهو طريق حورس الذي يقطع سيناء، وكان هذا الطريق يبدأ من القنطرة الحالية، ويتجه شمالاً فيمر علي تل الحي ثم بير رمانة بالقرب من المحمدية، ومن قطية يتجه إلي العريش، وتدل عليه بقايا القلاع القديمة كقلعة ثارو، ومكانها الآن " تل أبو سيفة " ، وحصن "بوتو" سيتي الذي أنشأه الملك سيتي الأول ، الذي يقع الآن في منطقة قطية.

ولم تقتصر أهمية سيناء من الناحية التاريخية في تلك الفترة علي ما تسجله تلك النقوش، ولكن ارتبط اسمها أيضا بحادث مهم آخر ، وهو أنها كانت مسرحا لحادث خروج بني إسرائيل The Exodus من مصر وتجولهم في صحراء سيناء.

وخلال العصرين اليوناني والروماني استمرت سيناء تلعب دورها التاريخي، فنشأت فيها العديد من المدن التي سارت علي نمط المدن اليونانية، والتي كان أشهرها هي مدينة البتراء Petra ، وهي مدينة حجرية حصينة في وادي موسى، كانت مركزا للحضارة النبطية التي نسبت إلي سكانها من الأنباط ، وهناك خلاف كبير حول أصل الأنباط ، والمرجح أنهم من أصول عربية نزحت من الحجاز ، لأن أسماء ملوكهم كانوا ذوي أسماء عربية كالحارث وعبادة ومالك. وقد استخدم النبطيون طرق التجارة، وعدنوا الفيروز في وادي المغارة والنحاس في وادي النصب، وكانوا يزورون الأماكن المقدسة في جبلي موسى وسربال، كما سكن رهبان من البتراء دير سانت كاترين في صدر العصر المسيحي، وكانت أبرشية فيران قبل بناء الدير تابعة لأبرشية البتراء .

كانت هناك حضارات مزدهرة في سيناء خلال فترات التاريخ القديم، فكانت سيناء بمثابة منجم المعادن الذي مد حضارة مصر القديمة بما تحتاجه، ولم تكن تلك صحراء خالية من العمران. كما اتضح وجود صلات وثيقة بين سيناء ووادي النيل طوال تلك الفترة، ولم يكن هناك انفصال تاريخي بينهما ، ويدل علي ذلك تلك الآثار المصرية الموجودة علي أرض سيناء.

تاريخ سيناء في العصر الإسلامي

وإذا ما انتقلنا إلي العصر الإسلامي نجد أن عمرو بن العاص حينما قدم إلي مصر سلك طريق حورس في شمال سيناء، فاستولي علي العريش ، وتقدمت قواته ففتحت بولوزيوم أو الفرما، وبعدها تقدم إلي بلبيس التي كانت نقطة مهمة علي الطريق الذي يقطع سيناء إلي الشام.

وكان المسلمين مشجعين لبعض العناصر البدوية في شبه جزيرة العرب للنزوح إلي سيناء والاستقرار بها مما شجع علي انتشار الإسلام بين سكانها ، وقد اعتبرتها بعض هذه العناصر نقطة وثوب إلي شمال إفريقيا فاستقر بعضها بمصر بينما نزح البعض الآخر إلي بلاد المغرب. فكانت سيناء أحد أهم المعابر البشرية خلال القرون الأولي من الفتح الإسلامي . وهذه الهجرات التي عبرت سيناء منذ الفتح الإسلامي أخذت تزداد علي سيناء خلال العصرين الأموي والعباسي ، ثم أخذت تقل بشكل ملحوظ منذ عصر الطولونيين ، نتيجة انهيار النفوذ العربي خلال العصر العباسي الثاني، وتزايد نفوذ عناصر أخري كالفرس والأتراك .

وخلال فترة الحروب الصليبية تعرضت سيناء لمحاولة الغزو من قبل الصليبين ، حيث قام بلدوين الأول حاكم بيت المقدس الصليبي بالتوغل في وادي عربة للسيطرة علي المنطقة الواقعة جنوبي البحر الميت، ثم شيد سنة 1115م حصن الشوبك ليكون مركزاً يمكن للصليبيين من السيطرة علي وادي عربة بأكمله . وفي العام التالي ( سنة 1116) خرج بلدوين في حملة أخري، وسار حتى أيلة علي ساحل خليج العقبة، وشيد في أيلة قلعة حصينة ليستطيع التحكم في الطريق البري للقوافل بين مصر و الشام .

وتمكن بلدوين من تشييد قلعة في جزيرة فرعون الواقعة في مواجهة أيلة في خليج العقبة. وبذلك تمكن الصليبيون من الإشراف علي شبه جزيرة سيناء التي أخذت تحرك في قلوبهم ذكريات ومشاعر دينية عزيزة عليهم ، لكن علي الرغم من ذلك فإن رهبان دير سانت كاترين رفضوا استضافة بلدوين خشية انتقام الفاطميين في القاهرة، مما جعل بلدوين ينصرف عائدا إلي بيت المقدس.

واستمر بلدوين في استراتيجيته الرامية إلي السيطرة علي شبه جزيرة سيناء الطرق المؤدية إليها ، فبني قلعة وادي موسى في عام 1117م ، وفي العام التالي خرج بلدوين بحملة عبر الطريق الشمالي الذي يمر بشمال سيناء ، ووصل إلي الفرما حيث أحرقها ، وفي أثناء عودته أصيب بمرض ، نتيجة تناوله لوجبة من السمك أدي إلي وفاته ، وحمل جثمانه إلي القدس ليدفن بها.

وقد تعرضت العريش لهجوم الصليبيين في عام 577هـ/ 1181م وقطعت أشجار نخيل سيناء وحمل الصليبيون جذوعها إلي بلادهم لاستخدامها في صناعة السفن المعروفة بـ" الجلاب " التي تصنع من جذوع النخيل ، وذلك ضمن خطة رينالد من شاتيون حاكم حصن الكرك الصليبي للسيطرة علي البحر الأحمر. إلا أن خطة رينالد في السيطرة علي سيناء والبحر الأحمر قد فشلت نتيجة الجهود التي قام بها الأيوبيون ، وخاصة صلاح الدين الأيوبي في وقف حملات رينالد في البحر الأحمر و التي وصلت حتى عدن، و إسطول حسام الدين لؤلؤ، الذي دمر الإسطول الصليبي.

ومن الملاحظ أنه خلال تلك الفترة ازدياد عمليات تهرب القوافل من دفع الرسوم والعوايد مستغلة الاضطراب الناتج عن الوجود الصليبي في الشام ، فكانت تلك القوافل تستخدم طرق التجارة بين مصر والشام غير المطروقة كالطريق "المدرية " ومعناه الطين اليابس ، وسمي بهذا الاسم لقربه من النيل ، كما استخدموا الطرق "البدرية أو الفوقانية " بعيدا عن الطريق الشمالي المعتاد هروباً من تهديد الصليبين ، وكانت القوافل تقطع هذا الطريق في ثمانية أيام ، كما كان هناك الطريق " البرية " الذي قطعه صلاح الدين الأيوبي أثناء هزيمة تل الصافية عام 573هـ/1177م.

وقد امتاز العصر الأيوبي بالاهتمام الملحوظ بتعمير سيناء نظرا لظروف الحروب الصليبية التي كانت تملي عليهم ضرورة تجديد القلاع والموانئ خوفا من هذا الخطر القريب، فقد قام صلاح الدين الأيوبي بتعمير وإصلاح ميناء الطور عام 580هـ/1184م ، فعمر المراكب والميناء، وبدأت تصله المراكب المحملة بالبضائع من اليمن ، وهجر أصحاب المراكب مينائي عيذاب و القصير ، وقد تبع ذلك أن صارت الغلال ترسل إلي الحجاز بصورة دورية ومنتظمة ، وشجع ذلك حركة التجارة في البحر الأحمر. وكان صلاح الدين الأيوبي قد تمكن من انتزاع ميناء إيلات من أيدي الصليبين في عام 566هـ/1170م ، ومن ثم صار البحر الأحمر تحت سيطرته . كما قام الصالح نجم الدين أيوب في نهاية العصر الأيوبي ببناء بلدة الصالحية في " أرض السباخ " ( امتداد سبخة البردويل ) عام 644هـ/ 1246م لتكون محطة علي الطريق الموصل إلي الشام.

وتغير مركز سيناء ابتداء من القرن الرابع عشر الميلادي ، فقد رأيناها منذ دخول الإسلام مجرد قنطرة تعبرها القبائل المختلفة من بلاد الحجاز والشام في طريقها إلي وادي النيل ، لكنها منذ ذلك التاريخ صارت منطقة تلجأ إليها القبائل، بعد أن توقف تقريباً سيل الهجرات العربية إلي مصر في عصر المماليك ، حيث تم عزل العناصر العربية سياسياً ولم يعد هناك ما يدعو الحكام الجدد أن يستعينوا بالقبائل العربية في الحكم حتي يشجعوا هجرتها إلي مصر .

ويعد العصر المملوكي بداية لمرحلة من الاستقرار في شبه جزيرة سيناء نتيجة لتوقف موجات الهجرة العربية ، والاهتمام الملحوظ بطريق الحج إلي مكة والمدينة ، فقام بيبرس البندقداري ( 658 – 676 هـ / 12601277م ) بتمهيد طريق العقبة بعد فتح أيلة ، فصار طريق السويس العقبة هو طريق الحج المصري. كما أمنوا الطريق إلي الشام من غارات العربان لتأمين طريق البريد بين مصر والشام.

وقد نمت العريش في العصر المملوكي ، فقال عنها القلقشندي أنها " مدينة ذات جامعين مفترق (أي أنهما بعيدين عن بعضهما البعض) وثمار وفواكه "، لكن أصابها التدهور في نهاية العصر المملوكي ، حيث يذكر النابلسي خلال رحلته إلي مصر في تلك الفترة بأن العريش فيها " قلعة وزاوية ، وبعض دور فناها خاوية". إلا أن السلطان المملوكي قانصوه الغوري ( 906 ـ 922هـ / 1501 ـ 1516م) قد اهتم بإنشاء القلاع في سيناء نظراً للأخطار التي كانت تحدق بدولته من ناحية الشرق وخاصة الخطر العثماني، ومن ثم انشأ قلعة نخل علي طريق الحج المصري وقلعة البغلة، ونقب العقبة.

وكان اهتمام الدولة المملوكية بسيناء يهدف إلي تأمين حدود مصر الشرقية من الأخطار المحدقة بها ناحية الشرق ، والتي كانت تتمثل حينذاك في بقايا الوجود الصليبي، بالإضافة إلي الخطر المغولي ، كما حاولت من وراء إنشاء القلاع وترميمها علي طريق الحج أن تظهر بمظهر الدولة التي تؤمن لرعاياها المسلمين آداء فريضتهم الدينية ، حيث أن مثل هذا العمل يظهر السلاطين في عيون رعاياهم بمظهر ديني يليق بالألقاب التي اتخذها بعضهم كلقب " خادم الحرمين الشريفين " .


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

تاريخ سيناء في العصر العثماني

وتنهار دولة المماليك علي يد السلطان العثماني سليم الأول ( 1512 ـ1520) في عام 1517م ، التي دخلت قواته مصر عبر سيناء ، فأولي المنشآت العسكرية في سيناء أهمية خاصة لأهميتها الاستراتيجية ، فبني قلعة العريش ، ورمم قلعة نخل . ومرت سيناء خلال العصر العثماني بفترة من الهدوء ، وإن كانت تقطعها بعض فترات الجفاف الذي كان يلجأ بسببه العربان إلي نهب القوافل وتهريب البضائع . لكن علي أية حال فقد راجت حركة التجارة بين مصر والشام ، ولاشك أن هذا الرواج كان له أثره علي سكان سيناء الذين يقومون بنقل التجارة بين البلدين ، حيث كان الطريق البري هو الطريق المفضل لنقل البضائع لرخص تكلفته من ناحية وسهولته من ناحية أخرى. فكان لاستخدام الطريق البري بين مصر والشام عدة نتائج علي سيناء ، أهمها زيادة الاعتماد علي جمال عربان سيناء مما كان يحقق دخلاً للعربان القائمين بحركة النقل في سيناء ، اهتمام الدولة بهذا الطريق وتأمينه مما كان يحقق أمن المسافرين والتجار. وكان طريق القوافل بين مصر والشام في العصر العثماني يبدأ من بركة الحاج فالخانقاه ، فبلبيس ، فغابة القرين ، فالصالحية ، فقطية، فالعريش، فخان يونس، فغزة. ِ

تاريخ سيناء في عهد الحملة الفرنسية

كانت الحملة الفرنسية علي مصر عام 1798 بقيادة نابليون بونابرت . وكانت بداية الاتصال بين الحملة وسيناء في إطار الأطماع التوسعية لنابليون عقب دخوله مصر ، فقد كان يطمح في فتح الشام ، ومن ثم كان لابد من استطلاع مناطق الحدود مع الشام ، فأرسل الجنرال لوگرانج Lagrange في 23 ديسمبر 1798 لاستطلاع ساحل سيناء الواقع علي البحر المتوسط ، كما أمره بإنشاء نقطة حصينة في قطية بالقرب من الحدود الشامية ، لكن علي ما يبدو أن لوگرانج تعرض لغارات من قبل العربان في سيناء ، لكن رغم هذه الغارات والمطر الشديد الذي واجهه هذا الجنرال فقد أتم ما أمره به قائده علي أكمل وجه ، وأبلغ بونابرت في 17 يناير 1799 أنه تم بناء النقطة الحصينة في قطية، فجعلها نابليون محطة عسكرية ونقطة تجمع واستراحة لقواته .

وخلال الاستعدادات الفرنسية للحملة علي سوريا بحثوا عن الجمال اللازمة لحمل المؤن والذخائر ، واستطاعوا الحصول علي عدد كبير من جمال قبيلة الترابين التي تعيش في سيناء، كما قاموا بجمع عدد كبير من الحمير والبغال من القاهرة والمناطق المحيطة بها.

وعلي الجانب الآخر كانت التقارير تصل إلي بونابرت ، حول تحركات جيوش المماليك الذين فروا إلي الشام والعثمانيين ، وتجمعهم بشكل متزايد في العريش ، داخل الحدود المصرية، حيث كان أحمد باشا الجزار يستعد للهجوم علي القوات الفرنسية في مصر.

ووصل عدد كبير من فرقة الجنرال رينيه Reynier إلي قطية في الأيام الأولي من شهر فبراير 1799 ، ثم غادرها في 11 فبراير متوجها إلي العريش بهدف الاستيلاء عليها بناء علي أوامر من بونابرت ، كما وصل كليبر بفرقته في اليوم نفسه حيث تولي قيادة القوات الفرنسية المتجهة إلي العريش ، وبعد يومين ونصف وصلت تلك القوات إلي المساعيد التي تبعد عن العريش بمسافة خمسة أميال ونصف الميل.

واستولت الدهشة علي رينيه عند وصوله أمام العريش بعد زحف شاق في 8 فبراير 1799، لأنه لم يجد معسكرا كبيرا للعدو فحسب ، بل وجد حصنا منيعا (قلعة العريش) ، وكان هذا المعسكر يتألف من 600 فارس من العرب والترك والمماليك، ونحو 1200 من المشاة الألبانيين الذين أرسلهم الجزار ، أما الحصن (القلعة) فيقع شمال غرب العريش ، فهو بناء حجري مربع يقوم علي أبراج مثمنة أسواره ترتفع 30 قدما ، كما كانت الممرات داخل المدينة محاطة بالبيوت الصغيرة، التي زادت من صعوبات رينيه.

وكانت بيوت العريش مبنية بالطوب النيئ ذات أسوار عالية ، وشوارعها عريضة ومستقيمة ، لكن في الحي القديم للمدينة كانت المسافات بين البيوت صغيرة والشوارع ضيقة، وهذا الوضع شكل عقبة كؤود أمام القوات الفرنسية ، وأي قوة تحاول الاستيلاء علي العريش عن طريق المغامرة في الدخول إلي داخل المدينة بشوارعها الضيقة ، فإنها ستتكبد خسائر فادحة ، وحينما وصل بونابرت إلي العريش في 17 يناير 1799 وجد المدينة لم تسقط بعد في أيدي قواته ، فلم يحسب نابليون حسابا للمسافة الصحراوية الطويلة التي سيقطعها في صحراء سيناء ، حتى أن عددا من جنود كليبر " أقدموا علي الانتحار" بسبب ما لاقوه من طول المسافة ووعورتها حتى العريش .

وكان أول عمل قام به رينيه هو الاستيلاء علي العريش التي دافع عنها أهلها، لكن مصيرهم كان حد السيف أو السنكي ، ثم وصلت قوات كليبر إلي العريش في 14 يناير 1799 فانضمت قواته إلي قوات رينيه. وعانت قوات رينيه من الجوع لأن العريش لم يكن لديها من الأقوات ما يمكن أن تقدمه للفرنسيين ، فهي لم تتعد في ذلك الوقت كونها بلدة صغيرة تقع بين البحر والصحراء ، لكن رغم هذا حاصر رينيه وكليبر الحصن وكان الأمل ضعيفا في تسليمه قبل أن يصل المدد من الجنود والمدفعية ، وفي ليلة 14 ـ 15 فبراير 1799 ، قاد رينيه أربع كتائب في هجوم مباغت علي المعسكر العثماني الذي كان تعداد قواته حوالي 1800 جندي ، وتمكن من مباغتة الجنود العثمانيين النيام فقتلوهم بالسلاح الأبيض، وكانوا يقتلون كل من يجدونه حتى وصل عدد القتلى ما بين 400 ـ 500 من المماليك وعدد من الكشاف، وأسر حوالي 900 رجل، بينما لم يفقد الفرنسيون سوي ثلاثة رجال.

وفي 18 فبراير 1799 وافق قائد الحصن إبراهيم نظام بك على تسليمه شريطة أن يسمح له وللحامية بمغادرة الحصن بسلاحهم، لكن رفض بونابرت هذا الشرط واقترح عليه تسليم الحصن أولاً بعدها سيعطيهم سلاحهم ومتاعهم معززين مكرمين ، بل وينقلهم إلي مصر حيث يمكنهم ركوب البحر لأي بلد شاءوا ، لكن القائد العثماني رفض هذا العرض لأنه يعلم تمام العلم أن مصر محاصرة ، ولما يأس نابليون من طول المفاوضات ، والحصار الذي طال أمده ، قرر ضرب المدافع بشكل متواصل وبكثافة علي الحصن ، فأحدثت ثغرة صغيرة في الأسوار ، ثم تسلل بعض الجنود الفرنسيين إلي أحد أبراج الحصن لكن بلغت خسائر الفرنسيين في ذلك اليوم حوالي 21 من رجال المدفعية و17 من رجال البنادق ، و350 من المشاة لكن في اليوم التالي اضطرت القوات المحاصرة إلي التسليم، بعد خروجهم حملوا الكثير منهم علي الانضمام إلي الجيش الفرنسي ، ووجد الفرنسيون في الحصن من المؤن ما يسد جوعهم.

وجاءت الأنباء إلي القاهرة تفيد باستيلاء الفرنسيين علي قلعة العريش ، و"طاف رجل من أتباع الشرطة ، ينادي في الأسواق أن الفرنساوية ملكوا قلعة العريش وأسروا عدة من المماليك ، وفي غدا يعملون شنكا ويضربون مدافع ، فإذا سمعتم ذلك فلا تفزعوا " .

وغادر جيش نابليون العريش في 12 فبراير ووصل الشيخ زويد بعد مسيرة يومين ، حيث قادهم دليلهم من العربان إلي طريق أبعد إلي الجنوب من الطريق الشمالي المعتاد ، وربما كان ذلك عن عمد بهدف توريطهم في الرمال ، حيث كانوا غير مستريحين للسير علي الكثبان الرملية، ولم يلاقوا بأية مقاومة من الجيش العثماني طوال هذه المسافة، حتى وصلوا إلي عكا وهناك توقفت جيوش نابليون لتضرب حصارا علي المدينة ، وتفشل في اقتحامها نتيجة لمناعة الأسوار من ناحية، والإمدادات التي يتلقاها الجزار من الأسطول البريطاني في البحر المتوسط .

وعاد نابليون وجنوده ثانية بعد فشل حصار عكا إلي العريش في 2 يونيو، وفشل مشروعه التوسعي، الذي كان يهدف من وراءه علي حد تعبير جارڤس Jarvis إسقاط القسطنطينية. ولم تكن خسارته في يافا وعكا كبيرة، لكن تحطمت معنويات جنده بسبب موت الكثير منهم بسبب الطاعون، وفي 3 يونيو 1799 غادر نابليون العريش إلي القاهرة تاركا حامية لقلعة العريش قوامها 500 جندي.

واستعدت القوات العثمانية للزحف برا علي مصر بعد فشل حملتها علي أبي قير ، ولما كان موقف الحملة في مصر قد بدأ يتأزم نتيجة عدم وجود حماية بحرية بعد تحطيم أسطولهم في معركة أبي قير البحرية، ونتيجة للثورات الشعبية المصرية التي باتت تواجهها الحملة بين الفينة والأخري ، مما اضطر كليبر إلي عقد مفاوضات مع سيدني سميث Sidney Smith للتوصل إلي طريقة ما تضمن له ولقواته الرجوع إلي فرنسا بسلام، فتم توقيع معاهدة العريش الأولي في 3 ديسمبر 1799. ولم تدم هذه المعاهدة طويلاً، حيث خرق العثمانيون هذه المعاهدة باجتياحهم للعريش في 30 ديسمبر من العام نفسه.

الكومودور سيدني سميث في خيمة الصدر الأعظم يوسف ضياء الدين پاشا الأعمى، بالعريش، 1799، والذي أفضى إلى توقيع اتفاقية العريش في 24 يناير 1800.

وبعد مفاوضات بين الجانبين الفرنسي والعثماني تم التوقيع علي معاهدة العريش في 24 يناير 1800 وقعها عن الجانب العثماني مصطفي رشيد أفندي الدفتردار، ومصطفي راسخ أفندي رئيس الكتاب نيابة عن الصدر الأعظم، وعن القائد العام للجيش الفرنسي كل من الجنرال ديزيه والمسيو ماتيو پوسييلگ Mathieu Poussielgue ، ولم يوقع عليها أحد من الحكومة الإنجليزية.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

تاريخ سيناء خلال القرن التاسع عشر

شبه جزيرة سيناء في عصر محمد علي

منذ الاقتحام العثماني لمصر عام 1516 حتى تولية محمد علي باشا ولاية مصر في يونيو 1805، لم تقترب الدولة العثمانية من شبه جزيرة سيناء بالإضافة أو الطرح أو الخصم باعتبارها جزءاً أصيلاً من مصر بشكل خاص، وفق ما جاء في كتابات الأولين - وأيضاً باعتبار أن الأراضي العثمانية مملوكة لها فجميع البلدان التي تحكمها الدولة العثمانية هي بلاد وأراضي ومواطنين عثمانيين بشك لعام، وإن كانت هناك حدود ادارية فاصلة بهدف التنظيم الاداري وتوزيع المهام لصيانة وحفظ النظام ولم يكن هناك ما يستوجب المساس بجزء من الإقليم الصمري من رفح شرقاً حتى السلوم غرباً على بعد مائة ميل غرب خط 27.

أسند إلى محمد علي باشا ادارة ولاية مصر بحدودها القديمة كما جاء في فرمان التولية 1841، كما أسندت إليه ادارة بعض المراكز على الساحل الشرقي لخليج العقبة وهي ضبا والوجه والمويلح والعقبة بهدف تأمين طريق الحج البري بين مصر والحجاز.

في حقيقة الأمر، فإن الفرمان لم يضف جديداً إلى ما سبق ذكره افي الفصل السابق - انما جاء ترسيم وتسكين محمد علي باشا في ولاية مصر، حيث إنه كان يمارس الادارة والحكم باعتبار أن حد مصر الشرقي خط مستقيم ممتد من رفع على نحو 28 ميلاً من العريش إلى جنوب قلعة الوجه، أي أن سيناء كلها وقلاع العقبة وضبا والمويلح والوجه ضمن الادارة المصرية بدليل أن التواجد المصري بأشكاله الادارية والتنظيمية والأمنية في سيناء قبل فرمان 1841. تسنى لمحمد علي باشا هذه الوضعية بعد أن نجح في القضاء على الحركة الوهابية عام 1818، واستولى على الحجاز وقلاعها بعد حروب طويلة وقاسية، وكلفت مصر غالياً. ولاشك في أن مركز محمد علي باشا منذ ذلك الحين قد عظم في نظر الدولة العثمانية فقد أنقذها من خطر الحركة الوهابية، وأعاد إليها نفوذها في بلاد العرب، بلاد المراكز الدينية التي تستمد الدولة العثمانية قيمتها ودورها ومكانتها من حكامها والسيطرة عليها.

وبالتالي فإن الفرمان لعام 1841 جاء إقراراً وترسيماً للأمر الواقع الذي تمارسه الادارة المصرية سواء على أرض مصر أم على الأراضي الحجازية. وبقى الجنود المصريون يحمون طريق الحج البري الذي يمر بطور سيناء والعقبة ومدائن صالح وقلاع الوجه والعقبة وضبا إلى أن استرجع السلطان عبد المجيد الحجاز واستخلصها للدولة العثمانية بعيداً عن الادارة المصرية بعد أن أهمل الطريق البري للحج وحل الطريق البحري بعد افتتاح قناة السويس.

كانت شبه جزيرة سيناء في عهد محمد علي باشا تتمتع بتنظيم اداري، حيث كانت مدينة الطور تابعة في الادارة لمحافظة السويس، أما قلعة نخل فقد كانت ملحقة بديوان المالية المصرية، أما العريش فقد كانت تابعة لديوان الشؤون الداخلية.

حرص والي مصر في ادارة شؤون سيناء، وأول ما قام به هو استتباب الأمن في شبه الجزيرة. إضافة غلى ذلك قامت الادارة المصرية باعداد سيناء لتكون طريقاً ممهداً للمواصلات بين مصر والشام حيث تمثلان ضلعا زاوية البحر المتوسط القائمة مما أنشأ علاقة خاصة بينهما، فلعل الشام هي أكثر ما ارتبط بمصر وتفاعل معها على امتداد بعدها الآسيوي، فثمة الجوار الجغرافي المباشر ثم الرؤية الاستراتيجية الجذرية عبر التاريخ.

قبل دخول ابراهمي باشا الشام 1831، فقد رمم آبار قطية، وبئر عبد، وبئر الشيخ زويد، كما أنشأ بين مصر وغزة بريداً منظماً على الجمال، طريق ابراهايم باشا إلى الشام عبر سيناء عن طريق مدينة القنطرة ثم قطية ثم بئر عبد، ثم بئر الدار ثم العريش والشيخ زويد فخان يونس، إضافة إلى تجهيز شبه جزيرة سيناء لجيش ابراهيم باشا المتجه إلى الشام، فقد أولت الادارة المصرية مشكلة الأمن الداخلي اهتماماً كبيراً لفرض النظام العام لاخضاع القبائل المتحاربة، وبالفعل في عام 1830 قامت أزمة شديدة في العريش بين القبائل، مما استوجب ارسال فرقتين من الجيش المصري وتم تأديب القبائل المعروف عنها السلب والنهب ونشر الفوضى حتى تم الصلح وفرض الأمن في شبه الجزيرة، أي أن للادارة المصرية اليد الثقيلة في سيناء من حيث فرض الأمن، والتنظيم الاداري،حيث اعيدت الترتيبات الادارية والأمنية التي أنشئت من قبل الادارة المصرية في القاهرة.

كما تمتعت شبه جزيرة سيناء في عهد محمد علي بشهرة كبيرة، وبدأ رجال العلم والمفكرون يوجهون اهتمامهم نحو تلك المنطقة، وهو ما يبدو من نتائج هذا الاهتمام عند دراسة حركة المسافرين في القرن التاسع عشر وتتبع البعثات العلمية في سيناء في القرن التاسع عشر.

كان محمد علي باشا رجل دولة وسياسياً بالفطرة، ويتمتع برؤية استراتيجية شاملة، كان رجلاً مؤثراً ليس في تاريخ مصر الخديث، وإما لعب دوراً في غاية الأهمية والتأثير على الدولة العثمانية وعلى النظام الأمني الأوروبي. ولكن يمكننا القول إن موقف الدول الكبرى ذده ولصالح الدولة العثمانية، كسر داخل وإلى مصر الكثير من الطموحات، وحجم آماله وآمال ورثته. لاشك في أن اتفاقية لندن 1840 وفرمان 1841، كان لهما أشد التأثير على مسيرة مصر سواء على مستوى الشأن الداخلي أم الشأن الخارجي.

كان بإمكان القوة الجديدة البازغة في مصر إنشاء دولة عربية قوية، وبإنكانها تأمين قوة تتصدى للمحاولات الأوروبية لاقتسام التركة العثمانية، وبإمكانها أن تؤثر على موازين القوة في البحر المتوسط والبحر الأحمر، وبإمكانها أن تفرط عقد النظام الأمني الأوروبي.

توفى محمد علي باشا في أغسطس عام 1849، وسبقه ابراهيم باشا 1848، فتولى عباس باشا الأول ولاية مصر، الذي أوقف الحركة الاصلاحية الداخلية. كان والياً مستبداً عدواً لكل حركة اصلاح، واتصفت سنوات حكمه بالجمود والتراجع. ولكنه اهتم بشبه جزيرة سيناء التي زارها وشرع في تحويلها إلى مصيف، رأى أهمية الاستفادة من مواردها الطبيعية فشرع في بناء حمامات كبريتية قرب الطور. مد عباس باشا الأول طريقا من مدينة الطور إلى قمة جبل موسى، وأيضاً من مدينة الطور إلى جبل طلحة غرب جبل موسى، ولكن أهملت هذه المشروعات بعد مقتله عام 1854.

وخلفه سعيد باشا، الذي أبدى اهتماماً بسيناء بإنشاء محجر للحجاج في مدينة الطور، وإن محجراً بدائياً غير مجهز ولائق لاستقبال الحجيج. تقلد الحكم في عام 1854 وتوفى 1863 وخلفه إسماعيل باشا. انتهج إسماعيل باشا منهج جده محمد علي باشا الكبير الذي يهدف إلى تحقيق عظمة مصر واستقلالها، وإن كان ينقصه الكثير من مقوماته الشخصية من حيث الحزم وبعد النظر، وبخاصة مع زيادة المصالح الأجنبية بعد أن منح الخديوي سعيد امتياز حفر قناة السويس 1854، وازدياد حركة الانشاء والعمران مما شكل ضغوطاً داخلية وخارجية شديدة التي بدأت بالتدخل السلمي والتدخل السياسي الرسمي 1878 أي إنشأ نظارة للاشراف المالي عام 1878 ودخول ناظرين وهما ولسون ودي يلنير والذي أعقبه تدخل واحتلال عسكري عام 1882.

كان الرجل يرغب بشدة في نقل مظاهر الحضارة الأوروبية إلى مصر، وكان يرغب في أن يكون لمصر شأن عظيم ودور على الساحة الدولية، ولكن كانت أخطاؤه أكبر من آماله وينقصه الكثير من بعد النظر والحكمة.

كان من أكثر انجازاته العظيمة افتتاح قناة السويس للربط بين البحر المتوسط والبحر الأحمر، مما جعل لمركز مصر الدولي ثقلاً. وإن منح امتياز حفر قناة السويس يعني بالتبعية الاهتمام بشبه جزيرة سيناء وبالفعل توافدت البعثات العلمية على سيناء، وأيضاً استوجب بناء مدينة في طريق العريش سميت القنطرة، وهي على بعد 35 كيلو متراً من الإسماعيلية و45 كيلو متراً من بورسعيد، وكانت مركزاً تجارياً يربط بين غزة والعريش والصالحية. تزايدت أهمية سيناء بعد افتتاح قناة السويس للملاحة العالمية، ولعبت دوراً مؤثرا ليس فقط في أهمية سيناء وإنما في تاريخ مصر الحديث.

وجاء خلفه الخديوي محمد توفيق، والذي اندلعت في عهده الثور العرابية، واحتلت إنجلترا مصر عام 1882. أولت ادارة الاحتلال أهمية كبرى لشبه جزيرة سيناء. كان من أولى أولياتها هو اجراء تعديلات ادارية في سيناء بما يتفق مع مصالحها ورؤيتها الاستراتيجية. ألحقت ادارة الاحتلال بلاد التيه بوزارة الحربية اداريا وماليا وعسكريا وكانت اتحت اشراف سردادر الجيش المصري وإمرة ادارة المخابرات بالقاهرة، أما منطقة الطور فقد ألحقت ادارية بادارة بلاد التيه برئاسة قومندان شبه جزيرة سيناء، واتخذو نخل مركزا لها حيث تتمع بموقع استراتيجي يحكم طرق المواصلات في سيناء.

أما منطقة العريش، ولأسباب خاصة بالتكوين الديموجافي وطبيعته، ألحقت بوزارة الداخلية، ولها محافظ يعين من القاهرة ويعاون رجال الشرطة.

وفي عام 1865 - كما ذكرنا - أدخل أول خط تلغراف في سيناء وهو خط العريش الذي يربط بين مصر والشام، كما أنشئ عام 1897 خط تلغراف آخر من السويس إلى الطور ثم إلى المحجر.

أي تم تنظيم شبه جزيرة سيناء واقتسامها بين الادارة المدنية والادارة العسكرية، وأصبحت كلها محافظة واحدة تخضع لنظام اداري، وقضائي واحد. وأضيفت نقاط بوليس في الطور والشط ونويبع ونخل والعريش ورفح والقصيمة، مشاش الكنتلة وثمد. كما خصصت الحكومة المصرية رواتب لشيوخ القبائل لاكتساب ولائهم، وللقضاء على ظاهرة النهب والسلب، كما فرضت النظام العام لاستتباب الامن والاستقرار بين القبائل في ربوع شبه جزيرة سيناء.

مما سبق عرضه يمكننا أن نستنتج بعض الملاحظات:

1- نجحت الدول الكبرى في فك ضلعي الزاوية المصرية-السورية باتفقاية 1840.

2- حصر مصر داخل حدودها الصمرية وراء شبه جزيرة سيناء.

3- ظهور أزمة ملء الفراغ، والسعي البريطاني للحل بإنشاء عازل حاجز يفصل بين مصر والشام.

4- استوعب أبناء محمد علي جيداً الدرس القاسي من اتفاقية لندن 1840 التعسفية التي هي دستور وآلية التدخل في المسألة المصرية.[1]

5- استوعب أبناء محمد علي الدرس من فرمان 1841، والقيود والالتزامات على مصر تجاه الدولة العثمانية المتهالكة.

6- عايشوا التناقض السياسي ما بين التبعية للدولة المركزية بما لها من قيود والتزامات قهرية، وبين الاحتلال العسكري والسياسي البريطاني بما يمثله من قوة قهر وانتهاك لحقوق وكرامة مصر والمصريين.

7- إحكام عزلة مصر عن بقية الوطن العربي وصناعة توجهات مصرية مختلفة، مع ربط مصر اقتصاديا بأوروبا.

8- لم تغفل الدولة العثمانية عن مصر، مارست سياسات تعسفية، لدعم العزلة المصرية، ولتقليص وتحجيم تطلعاتها القومية، ومحاولات تقليص مساحتها الاقليمية.

شبه جزيرة سيناء ساحة الصراع الدولي وأزمة فرمان 1892

ظلت مصر بمقتضى اتفاقية لندن 1840 - الضمانة الدولةي - وفرمان 1841 تعاني من قيود قصرية، وليس كما تدعي بعد الأدبيات بانه أصبح لمصر وضع دولي متمايز ومتميز ولها حقوق تتمتع بها بشكل خاص - إلا وراثة الحكم من أبناء محمد علي، وظلت مصر تتلقى فرمانات التولية دون إضافة أو تغيير لعباس الأول (1848-1854)، ثم محمد سعيد باشا (1854-1863)، ثم الخديوي إسماعيل 1863 - وعزل في 1879، ثم الخديوي توفيق 1879-1892، ثم الخديوي عباس الثاني 1892.

ظلت مصر من الوجهة القانونية ولاية عثمانية، وأن مواطنيها عثمانيون ولم يتمتعوا بهوية مصرية منفصلة، ومن ثم تجمع الضرائب لصالح الدولة العثمانية وتسك العملة باسم السلطان العثماني، لم يمنح أي خديوي - أي والي على مصر حق عقد اتفاقيات سياسية مع دول أجنبية، ما عدا بعض الاتفاقيات المالية والتجارية الخاصة بالادارة الداخلية المصرية. لم يكن مسموحا لخديوي مصر المساس بموضوع أرض الاقليم الصمري، ليست له قدرة على اعلان حرب أو عقد اتفاقية سلام وقد ترتب على ذلك وكنتيجة طبيعية لشكل العلاقة، فلم يكن لدى الخديوي حق تعيين الممثلين الدبلوماسيين، وإنما يمثل مصر في المحافل الدولية ممثل ومفاوض عثماني.

ومن ناحية أخرى هناك الغيرة التركية التقليدية من مصر، مما دعتها إلى فرض حظر على زيادة عدد أفراد الجيش المصري على 18.000 جندي، وهم جميعاً تحت الطلب العثماني، في أي لحظة لمشاركة مع الجيش العثماني في أي من الممتلكات العثمانية المترامية الأطراف. هذا الجيش المصري يسير تحت العلم العثماني، وكذلك لم يمنح الخديوي حق منح الترقيات لكبار رجال الجيش المصري، علاوة على ما تورده الحكومة المصرية للخزانة التركية سنويا دون وجه حق، مقابل دورها الديني والعسكري في حماية دار الإسلام رغم احتلال مصر من قبل الجيش البريطاني عام 1882.

إن وضعية مصر القانونية وفق معاهدة لندن 1840 هي ولاية عثمانية ليست لها صفة قومية، ووضعية مصر الفعلية فهي دولة ترزح تحت الاحتلال البريطاني وهي السلطة الفعلية ، ويتولى ادارتها خديوي ألباني سلسل أسرة محمد علي باشا.

انظر أيضا

المصادر

  1. ^ ألفت أحمد الخشاب (2008). تاريخ تطور حدود مصر الشرقية. دار الشروق.