حزب البعث السوداني

الميلاد الثاني للحركة القومية.

الاعلان أدناه، الصادر عن مكتب الاعلام الخارجي في حزب البعث السوداني، والذي عثرت عليه في الانترنت، ويخص موقع حزب البعث في السودان.
http://baathsd.net/ 

تضمن الموقع مواد تعكس التوجهات الاساسية للمرحلة الجديدة فيه، والتي تتميز بالانفتاح الفكري والسياسي، وبالمراجعة النقدية لتجربته على الصعيدين السوداني وغيرالسوداني. وبما ان الحزب يعتبر موقعه على الانترنت احدى قنوات التفاعل مع المثقفين السودانيين والعرب فانه يرحب بجميع التعليقات والانتقادات.

واذا تابعنا الساحة السياسية السودانية بدقه، فسنجد ما يشير الى ان محتوى هذا الاعلان ليس مقطوع الصلة بالحقيقة تماما، فأمين سر البعث الآن، محمد علي جادين، مثلا، مفكر وكاتب معروف واهم مترجم للمؤلفات الانجليزية الحديثة عن السودان. كما ان هذه التوجهات المستجدة، أثارت مشاكل بين البعثيين السودانيين والقيادات البعثية في العراق وسورية. ونستطيع القول ان السودان، الذي يعيش حزمة من المشاكل والازمات تهد الجبال، واضح ان عددا كبيرا من مثقفيه الشماليين، اكرر الشماليين، وليس الجنوبيين، يشككون في عروبته، قد يكون موقع الميلاد الثاني للحركة القومية. كسوداني اجد نفسي فخورا بأن يتصدى بعثيو السودان لهذه المهمة الصعبة. (منقول بتصرف من موقع حزي البعث السوداني ) http://baathsd.net/

موجز تعريفي

+ من الجوانب غير المطروقة في الفكر السياسي السوداني البعد القومي العربي لدي مجموعة القراءه المعروفة ب "الابروفيين " خلال العشرينيات والثلاثينيات. تمثل هذا في الاهتمام بعلاقات السودان العربيه في اطار حديث بمقاييس تلك الفتره حيث ارتبط بأهتمام بالفكر الاشتراكي العالمي وبمفاهيم متطوره حول العلاقة مع الطائفية السياسيه ومع مصر تحت شعار وحدة وادي النيل وبالنشاط العملي.

      +   اول لقاء سوداني- بعثي تم بين وفد من الحركة الاتحادية برئاسة الازهري والاستاذ ميشيل عفلق في دمشق عام 1947 تحدث فيه عفلق عن التنوع ضمن مفهوم العروبه.
 +   المرحلة التمهيدية لنشوء التيار القومي الحديث في السودان خلال اواخر الخمسينيات واوائل الستينيات كانت تعبيرا عن حاجة موضوعيه اذ انبثقت بصورة عفوية ودون تنسيق او تعارف مسبق مجموعات طلابية في جامعة القاهره فرع الخرطوم وجامعة الخرطوم والمدارس الثانويه في وادي سيدنا وبورتسودان والنهضه في الابيض وغيرها. كذلك تجاوبت هذه المجموعات منذ البدايه عمليا مع كافة القضايا المطروحه واهمها النضال ضد الدكتاتورية الاولي ( 58 –64 ).
 +   التطور الحاسم لهذه المجموعات بدخول عنصر التنظيم والتخطيط السياسي والاساس الفكري في نشاطها جاء بتكوين اول خلية بعثية سودانيه عام 1960 – 1961 ضمت العناصر القيادية من الجامعتين بعد نقاشات مطولة مع مبعوث سوداني من قبل القيادة القومية للحزب.  وبحلول عام 1962 عبر هذا التطور عن نفسه في صدور تحليل سياسي شامل هو المحاولة الاولي لتطبيق المنهج والمنطلقات الفكرية العامه للحركة القومية بجناحيها البعثي والناصري علي الواقع المحلي مما وفر دليلا نظريا وموجها للعمل السياسي للتيار القومي بمجمله حافظا بذلك وحدته في " منظمات الاشتراكيين العرب " وذلك بعد نشوب الصراع بين الناصريه وحزب البعث العربي الاشتراكي خارج السودان. 
 +    كتنظيم وخط سياسي واطار فكري تبلورت منظمات الاشتراكيين العرب من خلال ندوتين تحضيرتين في نهاية عامي 64 و65 شارك فيهما خريجو التيار القومي وممثلون عن التنظيمات الطلابيه ادتا الي انعقاد المؤتمر الاول في يونيو 1966 الذي اقرت فيه الوثائق السياسية والفكرية والتنظيمية.  استندت وحدة المنظمات علي ترسيخ تقاليد اعطاء الاولوية لقضية تطوير الواقع السوداني من خلال رؤية فكرية تتبني الافكار الاساسية للحركة القوميه وعلي تحييد التيار القومي السوداني في الصراع بين جناحي الحركه بينما قررت الخلايا البعثية الاولي تجميد توسعها التنظيمي توطيدا لوحدة التيار القومي بالرغم من الانتشار المضطرد للتأثير البعثي في اوساط الاشتراكيين العرب.
 +    وراء هذا الانتشار الذي كشفت عنه مداولات المؤتمر الثاني لمنظمات الاشتراكيين العرب في منتصف عام 1968 كانت حاجة شباب قوميي السودان الي ادوات فكرية في مواجهة التيارين الماركسي والاسلامي ولفهم التعقيدات الخاصة للواقع السوداني، واخري تنظيمية – سياسيه لتفعيل النشاط الحركي، وهي ادوات كانت التجربة الناصريه تفتقر اليها. الي جانب ذلك كان هناك بروز عيوب الناصريه اثر هزيمة عام 1967 والنشاط الاستثنائي للعناصر البعثيه كما يظهر ،مثلا، في ان الوجوه التي طرحت سياسيا خلال الفترة الديموقراطية الثانيه ( الاساتذه شوقي ملاسي، بدر الدين مدثر، سعيد حمور ) كانت من بينها.  وتعمق تأثير هذه العوامل في تقريب البعث الي العناصر الاكثر فعالية في منظمات الاشتراكيين العرب بعد بداية حقبة الدكتاتورية المايويه بحيث جاء تحولهاالي حزب البعث ( السودان ) طبيعيا وصدر اول منشور بأسمه مع ذكري عيد الاستقلال اول عام 1976.   
 +   مع تصاعد النشاط السياسي للحزب، الحركة السياسية الوحيدة الباقية من بين الحركات العديدة التي نشأت بعد ثورة اكتوبر 64 ، توسع نفوذ الحزب في كافة الاوساط حتي وصل قمته في الدور الصداري الذي لعبه في النصف الثاني للثمانينيات ضد قوانين سبتمبر والدكتاتورية المايويه. وابرز ادلة ذلك استهداف النظام لحزب البعث بالذات بسلاح التكفير عبر محاكمة فكر البعث عام 1984 بنفس المواد التي ادت لاعدام الاستاذ محمود محمد طه. وواصل الحزب دوره السياسي ضد انقلاب الاسلاميين عام1989  بالمشاركة في تأسيس التجمع الوطني الديموقراطي وبدور قيادي في عملية ابريل العسكريه عام 1990 التي انتهت بأعدام 28 ضابطا.
 +    انغماس الحزب في النشاط العملي، مع الضغوط الامنية الدكتاتورية طوال حياته اضعف حيويته الفكريه وغلب مقتضيات المركزيه علي الديموقراطية في تكوينه الداخلي متضافرا مع تأثيرات الوضع المشابه في تجربة الحزب السلطوية العراقيه.  من هنا كان قصور الحزب في استباق ازمة البعث العربي الاشتراكي كحزب وسلطه وكجزء من الحركة اليسارية كما كشف عنها مصير النماذج التطبيقية في الوطن العربي وخارجه خلال الثمانيات ومن ثم قصور دوره في معالجتها.  وشكلت هذه العوامل المعوقات الرئيسية في وجه تيار الاصلاح الحزبي الذي ظل ينبه الي بوادر الازمة ويسعي لمعالجتها منذ الفترة الديموقراطية الثالثه.
 +     تصاعدت التفاعلات الحوارية والصراعية البعثية داخليا ابتداء من عام 1995 عندما توصل اعضاء قيادة الحزب القطرية في الداخل الي ضرورة استعادة الحزب لموقعه في التجمع الوطني الديموقراطي الذي كان قد تركه كرد فعل لموقف بعض قيادات التجمع من حرب الخليج الثانيه.  وكان هذا الرأي انعكاسا لتبلور تصورات متطورة  حول العلاقة بين ( السوداني ) و ( العربي ) اي بين ( المحلي ) و ( القومي )، والعلاقة بين القومي سودانيا والقومي عراقيا ومصريا  ويمنيا الخ.. الخ.. وكذلك لقناعة بضرورة استعادة التوازن بين المركزية والديموقراطيه وفتح حوار فكري داخلي لاستيعاب المتغيرات الكبيرة في التجارب القومية والاشتراكيه.
 +    في عام 1997 عقد اوسع اجتماع لكوادر الحزب منذ مؤتمره الاول تبني افكار وتوجهات تيار التجديد عبر الديموقراطيه وانتخب فيه محمد علي جادين، العضو الوحيد في قيادة الحزب القطرية المنتخبة عام 1976 الذي بقي في الداخل، كمسئول اول عن البعث – في- السودان مع التشديد علي ضرورة ابقاء باب الحوار مفتوحا مع الجميع. بأستعادة الحزب لعضويته في سكرتارية التجمع الداخليه ( محمد وداعة الله) وهيئة القياده ( محمد عتيق ) تنامت حيويته  السياسيه، وبصدور مجموعة من المؤلفات مثل تقييم التجربة الديموقراطية الثالثه، حوارات الهوية والوحده الوطنيه ( مركز الدراسات السودانيه ) والحوار القومي- القومي ( دار الطليعه – بيروت ) بدأ عطاؤه الفكري يستثير اهتمام المثقفين السودانيين والعرب فاتحا امامه طريق المساهمة في بناء سودان الغد الديموقراطي المتفاعل مع محيطه العربي والافريقي.


االامين العام لحزب البعث السودانى يكتب دراسة هامة عن التنوع الثقافى والوحدة

التنوع الثقافي والوحدة الوطنية: الهوية القومية في السودان بين العروبة والافريقية: هل هناك أسس للتكامل؟

محمد علي جادين هناك الان اتفاق عام وسط النخبة السياسية السودانية حول التعدد والتنوع الاثني والثقافي والديني في السودان. ويتجسد ذلك بشكل خاص في مقررات مؤتمر اسمرا 1995 التي تمثل موقف التجمع الوطني الديمقراطي بأطرافه الشمالية والجنوبية المختلفة واتفاقية الخرطوم للسلام 1997 التي تمثل موقف حكومة الانقاذ وحزب الجبهة الاسلامية القومية وبعض القوي الجنوبية المتحالفة معها. ويتضمن ذلك بالضرورة اعادة النظر في المكونات الاساسية المعتمدة في تحديد الهوية القومية للسودان وعملية الاندماج الوطني الجارية داخل الكيان السوداني الموحد بارتباطاته العربية والافريقية في ارتباطها بتسوية وطنية تاريخية ترتكز علي الديمقراطية والمساواة في حقوق المواطنة وواجباتها.. الخ. ويجد هذا التوجه مساندة ودعما اقليميا ودوليا ممثلا في مبادرة الايقاد وشركاء الايقاد والمبادرة المصرية الليبية المشتركة. ولكن رغم كل ذلك فان الموقف من هذه المسألة لا يزال يتسم بعدم الوضوح والتردد في تعيين حدود هذا التعدد والتنوع واستحقاقاته المباشرة ودوره العملي في الحياة الوطنية وبناء الدولة الوطنية الموحدة. وهذا الجانب يشكل اهم عوامل استمرار الحرب الاهلية وامتدادها للشمال وكذلك تدويل الازمة السودانية بشكل عام كما هو حادث الان، ودفعها في اتجاه تفكيك وحدة البلاد وتمزيقها علي اسس دينية وعرقية. ومع غياب الديمقراطية واتساع الازمة الوطنية الشاملة الجارية في البلاد، ادت تعقيدات الصراع السياسي الي تحويل قضايا الهوية من مجالها الثقافي الي المجال السياسي واستخدامها في الاثارة والتحريض والاستقطاب وتصوير السودان كمجموعات قبلية واثنية متصارعة، وبالتالي تهديد وحدة الكيان السوداني.. فهل يعكس ذلك صراعا اثنيا وثقافيا لا فكاك منه الا بتفكيك وحدة البلاد علي اسس عرقية ودينية؟ هل هو توجه لاثنية السياسة السودانية كما يقول د. حيدر ابراهيم؟ ام هو مجرد انعكاس متضخم للازمة الوطنية الشاملة الجارية في البلاد؟ وبجانب كل ذلك.. اين موقع القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية وقضايا بناء الدولة الوطنية؟ هل اصبحت تابعة لقضايا الهوية؟ ام ان العكس هو الصحيح؟ بالطبع لا يمكن التقليل من شأن مشكلة الهوية وموقعها في مجمل قضايا التطور الوطني.. ولكنها بالتأكيد ليست القضية الاساسية ولذلك فان مواجهتها لا يمكن ان تتم بمعزل عن قضايا التطور الوطني الاخري. وبهذا الفهم تتناول هذه الدراسة تطور مفهوم الهوية القومية لدي الحركة الوطنية في مراحلها الاولي واشكاليتها الراهنة، بتركيز علي الجنوب وامكانية اندماجه ومشاركته في بناء سودان ديمقراطي موحد وفاعل في محيطه العربي والافريقي والدولي، وضمن ذلك تتطرق الدراسة لبعض افكار الاكاديمي والمثقف السوداني الجنوبي القيادي د. فرانسيس دينق حول هذه المسألة والعوامل المؤثرة في المحافظة علي وحدة السودان او تفككه.

حركة الاستقلال الوطني ومشكلة الهوية

الاعتراف بواقع التعدد والتنوع الاثني والثقافي والديني يعني ان السودان ليس امة او قومية موحدة، حسب التعريف العلمي لمفهوم الامة والقومية، اي ان هويته مركبة من عدة قوميات بعضها مكتمل النمو وبعضها الاخر لا يزال في طوره القبلي لم يتبلور قوميا بعد. ومن هذا الفهم جاءت انتقادات البعض لمفهوم الهوية القومية في السودان لدي الحركة الوطنية في مرحلة النضال من اجل الاستقلال واتهامها بالتركيز علي العروبة والسلام والهوية العربية الشمالية وتجاهل المكونات الاخري، خاصة المكون الافريقي، وتجاهل حقائق التعدد والتنوع الاثني والثقافي والديني في البلاد. وفي العادة تربط هذه الانتقادات بخصائص استعلاء عرقي وثقافي كامنة في الثقافة العربية الاسلامية والهوية الشمالية بشكل عام ومنطقة الوسط بشكل خاص (راجع كتاب صراع الرؤي لفرانسيس دينق) فهل يمكن ان نلصق مثل هذه الاتهامات بخصائص ثابتة في اي ثقافة كانت؟ ام هي نتاج ظروف اقتصادية اجتماعية محددة وسيطرة فئات اجتماعية بعينها علي مجري الحركة الوطنية في تلك الفترة؟ وهل مفهوم الهوية والتعدد والتنوع هو مفهوم ثابت وسرمدي لا يتبدل ولا يتغير؟ ام انه خاضع للتطور مثله مثل كل المفاهيم الاخري؟ لقد ظهر مفهوم الوطنية والهوية الوطنية بمعناه الحديث مع بدايات الحركة الوطنية الحديثة (الاتحاد السوداني واللواء الابيض) في ظروف مواجهة الاستعمار البريطاني والنضال من اجل الاستقلال، ووقتها كان السودان دولة تعاني من ضعف عمليات الاندماج الوطني وفي بدايات احتكاكها بالحضارة الغربية وعملية التحديث. ولذلك جاء التركيز علي اللغة العربية والاسلام بحكم دورهما الاساسي في بناء الكيان السوداني وتعزيز وحدته الوطنية طوال الفترات السابقة للحكم الثنائي (راجع كتاب حوارات الهوية لعبد العزيز الصاوي) وذلك في ظروف كان هذا الكيان يعاني فيها من سيطرة القبيلة والطائفية. ويكفي هنا الاشارة الي موقف القوي المهيمنة التقليدية من ثورة 1924 بكل ما كانت تحمله من مفاهيم جديدة حول الهوية الوطنية وغيرها وتطور هذا المفهوم بعد ذلك في نشاط الجمعيات الادبية والفكرية بعد هزيمة الثورة وفي المدارس الفكرية التي تأسست في بداية الثلاثينات (ابو رو، ودمدني، الموردة.. الخ).. ومن ثم تبلورت السمات العامة لهذا المفهوم في حركة مؤتمر الخريجين، خاصة مذكرته للحاكم العام 1942 حول تقرير المصير والحكم الذاتي التي ركزت علي التعليم والتجارة والغاء السياسة الجنوبية وتوحيد شطري القطر.. الخ، وظهرت هذه السمات بعد ذلك في برامج وشعارات الاحزاب السياسية المختلفة، وكانت كلها تعادي القبلية والطائفية وتعتبرها مهددة للوحدة الوطنية والوعي الجديد وتدافع عن الوطنية السودانية بركائزها العربية الاسلامية. واستند هذا التوجه في خطوطه العامة علي العوامل الاساسية المؤثرة في بناء الكيان السوداني وتعزيز وحدته الوطنية، خاصة في المناطق الشمالية، كما حددها المجري العام لعمليات الاندماج الوطني الجارية في تلك المناطق منذ صعود السلطنات العربية الاسلامية في القرن الخامس عشر مرورا بالحكم التركي المصري ودولة المهدية حتي مجيء الحكم الثنائي. فالسودان بحدوده الراهنة، لم ينشأ مع الحكم الثنائي او حتي الحكم التركي المصري وانما تبلورت تركيبته التقريبية خلال فترة السلطنات الاسلامية في الوسط والشمال والغرب (سنار، الفور، تقلي، المسبعات) وذلك نتيجة تطورات اقتصادية اجتماعية وسياسية عديدة ( راجع كتابي تاريخ السودان الحديث للقدال وحوارات الهوية للصاوي). وسيادة الثقافة العربية الاسلامية في الشمال لم تأت نتيجة دعم ومساندة الحكم الثنائي، كما يقول فرانسيس دينق كتاب ديناميات الهوية وانما نتيجة تطورات داخلية عديدة، ويستند هذا التوجه ايضا الي ظروف كرد فعل لسياسات الادارة البريطانية في احياء القبلية والطائفية في الشمال ولسياساته الخاصة بفصل الجنوب وعزله عن الشمال (قانون المناطق المقفولة، محاربة اللغة العربية والاسلامية وحركة التجار الشماليين والادارة والتعليم في الجنوب.. الخ) وساعدت علي نمو هذا المفهوم وتطوره عوامل تاريخية واقتصادية واجتماعية عديدة تشمل نشوء طبقة وسطي (التجار، الجلابة، الافندية) في المدن والقري ومنتشرة في كل مناطق البلاد. وهناك ايضا ارتباط هذه الطبقة بالنشاط الحديث في المدارس ومكاتب الدولة والسوق وثقافتها العربية الاسلامية وهويتها الشمالية، ومن خلال كل ذلك لعبت دورها في نشر الوعي الجديد لمفهوم الوطنية السودانية. ولذلك سيطر هذا التوجه في نشاط الادباء والشعراء والمغنيين وبرزت تأثيراته في كل المدارس الفكرية والثقافية السائدة في تلك الفترة، وفي برامج الاحزاب السياسية رغم الخلافات الظاهرة في شعاراتها (السودان للسودانيين، وحدة وادي النيل، الكفاح المشترك) فكها كانت تركز علي وحدة الكيان السوداني وعلي دور اللغة العربية والاسلام في مكونات هويته الوطنية ووحدته وتماسكه، وتتجاهل المكونات الاخري نتيجة ظروف وعيها في تلك الفترة، لكن ذلك لم يمنعها من مقاومة السياسة الجنوبية الخاصة بعزل الجنوب عن الشمال او اهمال المناطق الاخري في الغرب والشرق وغيره رغم ارتباط الاحزاب الاساسية بطائفتي الختمية والانصار وتأثير ذلك سلبيا في توجهاتها الفكرية والسياسية. وفي نهاية الاربعينيات نجحت مقاومتها هذه في الغاء السياسة الجنوبية، عندما تراجعت عنها الادارة البريطانية في مؤتمر جوبا 1947 اعادت ربط الجنوب بالشمال في اطار السودان الموحد. وهذا المؤتمر جاء نتاجا لمقاومة حركة الخريجين لتلك السياسة واسباب اخري خاصة بالسياسة البريطانية بعد الحرب الثانية وبدخولها في ترتيبات الحكم الذاتي واستقلال السودان، وفي هذا الاطار تمثل العامل الحاسم في الموقف البريطاني، حيث اشار السكرتير الاداري الي صعوبات فصل الجنوب عن الشمال وربطه بشرق افريقيا. واكد ان شعب الجنوب شعب افريقي زنجي، لكن عوامل الجغرافيا والاقتصاد تفرض عليه الارتباط في مستقبله بالسودان الشمالي العربي والشرق اوسطي (كتاب ديناميات الهوية لدينق) وفي نفس العام ظهر تردد هذا الموقف في مذكرة رسمية كانت لا تزال تدور حول امكانية فصل الجنوب عن الشمال في النهاية بتحويل المسألة برمتها الي لجنة دولية في وقت مناسب وهكذا فرضت السياسة الجديدة بمشاركة شمالية محدودة ورغم تحفظات الجنوبيين المشاركين في المؤتمر ووافقوا في النهاية استنادا الي ضمانات بريطانية بحماية خصوصية الجنوب ومصالحه في مواجهة الشمال.

مؤتمر جوبا والهوية المزدوجة

استقبلت الحركة الوطنية نتائج المؤتمر باعتبارها انتصارا لتوجهاتها الاساسية وبالتجديد لمذكرة مؤتمر الخريجين للحاكم العام ومطالبتها بالغاء السياسات الجارية وتوحيد شطري البلاد. وكانت تري ان مجرد الغاء تلك السياسات واستبدالها بسياسة معاكسة كفيل بحل مشكلة الجنوب واندماجه في الشمال، وذلك من خلال فتح الطريق لتعريبه ونشر الاسلام واللغة العربية في ربوعه.. وهي نظرة تتماشي مع مفهومها لمشكلة الهوية القائمة علي التبسيط والتركيز علي دور هذين العاملين في بناء الكيان السوداني وتعزيز وحدته الوطنية (راجع كتاب السودان: الدولة المضطربة لبروفسور ودوارد). اما النخبة الجنوبية، فقد ركزت علي الدفاع عن خصوصية الجنوب، استنادا الي السلطة البريطانية في البداية وعلي التعامل مع الحكومات المركزية في الفترات اللاحقة، بهدف تعظيم مكاسبها الخاصة والمكاسب الاقليمية للجنوب بشكل عام مع تجاهل كامل لاهمية بناء حركة سياسية فاعلة ومتفاعلة مع رصيفتها الشمالية. كان المؤتمر حدثا هاما يفتح الطريق لاعادة ربط الجنوب بالشمال ومشاركته في بناء سودان موحد علي اسس ملائمة. وكان يمكن ان يساعد في تطوير مواقف الحركة الوطنية في الشمال حول قضايا الهوية والوحدة الوطنية في اتجاه توسيع مفهومها التبسيطي ليشمل الجنوب بتمايزاته التاريخية والثقافية والاثنية عن الشمال العربي المسلم في عمومه، ويستوعب تركيبة السودان المعقدة وهويته المزدوجة وخصوصية انتمائه ودوره العربي والافريقي وذلك بالبناء علي ما حققته من انجازات في هذا المجال في الفترات السابقة، خاصة في جوانب تركيز الانتماء الوطني وبناء تنظيمات سياسية وثقافية ونقابية وطنية في مواجهة الانتماءات لانشدادها لتركيبتها الاقليمية الجنوبية وتحولها في معظم الاحيان الي معبر حقيقي لتطلعات الجنوب (كتاب الدولة المضطربة لودوارد). الواقع ان القضية ليست في تخيير السودان بين عروبته وافريقيته، بقدر ما هي في التعامل مع حقائق الواقع كما هي، وفي التركيز علي المداخل التي توحد البلاد وتمكنها من القيام بدورها. فالسودان حسب د. فرانسيس يمثل افريقيا مصغرة وجسرا للتواصل بين القارة الافريقية والشرق الاوسط وهذا الوصف يعبر بشكل محدد عن خصوصية انتماء السودان عموما، والشمال بشكل خاص ودوره في محيطه العربي والافريقي. وبذلك يمكن القول بأن العروبة والافريقية اصبحتا مندمجتين بشكل كبير في شمال السودان ولم يعد من الممكن التمييز بينهما. وهو بذلك يكون الاكثر تمثيلا للقارة الافريقية بالمقارنة مع اي منطقة افريقية اخري بما في ذلك جنوب السودان (راجع بروفسور مدثر عبد الرحيم) ود. فرانسيس دينق نفسه يشير الي ان هذه الهوية المزدوجة تشكل عامل تدعيم وتعزيز للوحدة الوطنية ولدور السودان في المحيطين العربي والافريقي (كتابا ديناميات وافارقة عالمين) ويشير ايضا الي تداخل ثقافة الدينكا وديانتها مع ثقافات الشرق الاوســـــط والديانات السماوية الكبري في المنطقة وذلك يعني ان هناك الكثــــــير من المشتركات التي يمكن تنميتها وتطـــــويرها لمصلحة بناء سودان ديمقراطي موحد وفاعل في محيطه العربي والافريقي. وهنا نشير الي ان احتمال الاصل الشلكاوي للفونج يمثل مدخلا هاما في هذا الاتجاه.

وضع الجنوب

في الجانب الآخر يختلف الوضع في الجنوب وتنطبق عليه التعريفات ذات الطابع السوسيولوجي، المرتبط باوصاف الاثنية والقبلية اكثر من اوصاف القومية وشبه القومية، وذلك يعني انه لا يزال في طور التكوين والتبلور ولم يستكمل مقومات تكوينه القومي بعد (كتاب ازمة المصير للصاوي) ولكن ذلك لا يقلل من قيمته الانسانية وحقيقة خصوصيته واختلافاته التاريخية والثقافية عن الشمال. ورغم كل ذلك يمكن القول انه يتميز بهوية (اقليمية) موحدة (كتاب السودان لودوارد) هوية فوق قبلية، افرزتها عوامل عديدة شملت: السياسة البريطانية تجاه المنطقة حتي عام 1947 (السياسة الجنوبية) ودور المتعلمين في فترة ما بعد الاستقلال، تجربة الحرب الاهلية الاولي (54 ـ 73) والثانية (83 ـ 000)، تجربة الحكم الذاتي الاقليمي 72/1983 الخ بالاضافة الي التطورات السياسية والاجتماعية اللاحقة واتساع الفئات الرأسمالية الجنوبية النامية والتأثيرات السلبية والايجابية للعلاقة مع الشمال وغيرها. ويدخل في ذلك تأثيرات حركة تحرير شعب السودان التي اصبحت في فترات وجيزة تكتسب طابع المعبر الحقيقي عن وحدة وتطلعات الجنوب كهوية اقليمية موحدة رغم شعاراتها حول السودان الجديد وهي حقيقة يشير اليها ايضا فرانسيس دينق، رغم تركيز كتاباته حول الجنوب علي الدينكا بشكل خاص والقبائل النيلية بشكل عام، لكنه لا يتناولها بشكل مباشر مقارنة بالآخرين (المرحوم جوزيف قرنق والاكاديمي قبرائيل بادال الخ) وتماما كما هو الحال في الشمال، لا يمكن الحديث عن التنوع الاثني والثقافي في الجنوب بعمومية او وحدات قبلية معزولة بعضها عن بعضها وتجاهل عملية التفاعل والتمازج الجارية وسطها. وفي هذا الاطار تشير الوقائع الي وجود ثلاث مجموعات جنوبية كبيرة تمثل درجة من الانتماء فوق ـ القبلي. وهذا الوضع يساعد في فتح الطريق لتبلور كيان قومي او اكثر حول كبري القبائل الجنوبية (الدينكا) او حول تحالف بين المجموعة النيلية الكبري (الدينكا، النوير، الشلك) التي تشكل حوالي 60% من سكانه وذلك رغم عوامل الانقسامات القبلية والسياسية والشخصية، وتدعم مثل هذا التوجه تطورات ما بعد الاستقلال التي خلقت الاساس الموضوعي لوحدة المنطقة. ويعتمد ذلك بشكل رئيسي علي تطور مفاهيم طبقة المتعلمين حول هذه المسألة وعلي آفاق علاقة الجنوب بالشمال ومحيطه الافريقي المجاور وهي مفاهيم لا تزال تتراوح بين الانفصال والوحدة الفضفاضة مع الشمال وبين وحدة المنطقة وتجزئتها وبين البحث عن هوية اقليمية جهوية خاصة ومعاداة الثقافة العربية والهوية الشمالية. وهنا يلاحظ ضعف المساهمة الجنوبية في هذا المجال فيما عدا ما توصل المرحوم جوزيف قرنق (قيادي شيوعي اعدمه النميري) حول استحالة اندماج المجموعات (القومية، القبلية الجنوبية) مع القومية العربية الشمالية لتكوين قومية سودانية موحدة، وذلك لأن الاخيرة استكملت نموها وتبلورها القومي ولا يمكن اللحاق بها. لذلك يري ان الطريق الوحيد المفتوح امام هذه المجموعات هو تطور جماعاتها الكبيرة وتبلورها في عدد من (الوحدات القومية) في اطار سودان موحد، اذا ما توفرت ظروف ديمقراطية ملائمة (كتاب أزمة المصير للصاوي) وفي عام 1970 اقترح تحديد لغة او لغتين من لغات الجنوب لتكون لغة قومية للاقليم بكامله (كتاب الماركسية لعبد الله ابراهيم) وهو ينطلق هنا من النظرة الماركسية للمسألة القومية في تلك الفترة وتجربة الاتحاد السوفييتي في هذا المجال ويرجع ظاهرة التفاوت الاقتصادي الاجتماعي بين الجنوب والشمال الي السياسات البريطانية والقوي المهيمنة الشمالية، اي الي جذورها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويتعامل مع حقائق التنوع في الجنوب والشمال بحدودها وحجمها الحقيقي، بعكس ما نشهده حاليا من مبالغة وتضخيم لحقيقة التنوع وحجمه ومن نظرة تربط ظاهرة التفاوت الاقتصادي والاجتماعي بهيمنة (الوسط الشمالي والثقافة الشمالية) واسقاط اي امكانية لتعايش المجموعات المختلفة وتفاعلها وتطورها الطوعي في وحدات ثقافية كبيرة في اطار سودان موحد. وفي نفس الاتجاه يناقش المرحوم عبد الخالق محجوب، سكرتير الحزب الشيوعي السابق في كتابه (حول البرنامج) مقترحات حول تطور (ثقافات المجموعات/القومية ـ القبلية غير العربية) خاصة المجموعات الجنوبية (لاحظ تعبير المجموعات القومية ـ القبلية الذي يجمع بين مرحلتين في تطور المجتمعات) وذلك عن طريق تطوير ثقافاتها ولغاتها والتوسل بها في التعليم والنهضة الثقافية الشاملة باعتبارها جزءا من مكونات الثقافية السودانية العامة ويربط هذه المقترحات باستفتاء لاعادة تجديد وحدة الجنوب والشمال (هل يعني ذلك تقرير المصير؟ والواقع ان اعلان حزيران (يونيو) 1969، واتفاقية اديس ابابا 1972 يتضمنان ايضا اعلانا صريحا للهوية الاقليمية للجنوب مقابل الهوية العربية الشمالية، بسبب اختلافاته الثقافية التاريخية. ويلاحظ هنا عدم اهتمام (حركة تحرير جنوب السودان) وقتها بقضايا اللغة والثقافة المرتبطة بقضية الهوية ولذلك اهملت هذا الجانب في الاتفاقية وفي ممارساتها العملية بعد ذلك رغم ارتفاع صوتها في الدفاع عن خصوصية الجنوب وثقافاته الافريقية في مواجهة نزعات الهيمنة والاستعلاء الكامنة في الثقافة العربية الشمالية. ويبدو ان مفاوضات مشاكوس الجارية الآن لا تركز هي الاخري علي هذه الجوانب. المهم من خلال ذلك يمكن ان يلعب الجنوب، واي مجموعة اخري يفرزها التطور الواقعي، دوره في اعادة النظر في المكونات الاساسية المعتمدة في تحديد الهوية الوطنية وغيرها. ويرتبط ذلك بشرط اساسي يتمثل في توفر الديمقراطية في الدولة والمجتمع واعتبار المواطنة هي اساس الحقوق والواجبات. وضمن هذا الاطار يمكن الوصول الي تسوية وطنية تاريخية تفتح الطريق لبناء سودان ديمقراطي موحد وفاعل في محيطه العربي والافريقي. الخلاصة ناقشت الدراسة تطور مفهوم الوطنية عند الحركة الوطنية في مراحلها الاولي حتي السنوات الاولي للاستقلال، ودور هذا المفهوم مع ظروف اخري في وضع العلاقة الشمالية ـ الجنوبية في مجري المواجهة والاقتــــتال لأول مـــرة في تاريخها. وتطـــــرقت الي تطور هذا المفهوم في الفترة اللاحقة، في اتجاه مفهوم يعبر عن حقائق الواقع السوداني. وتعرضت الي ان مشكلة الهوية في الوقت الحالي تتمثل في توجهين متطرفين، متناقضين ومتشابهين في نفس الوقت. الأول يضع الدين في مواجهة الهوية الوطنية ويستند الي الاسلام واللغة العربية ومعاداة كـــــل الثقــــافات والاديان الاخري، ويحاول فرض مفهومـــــه هذا بالقوة والاكراه، وتمثله الجبهة الاسلامية القومية وحكومة الانقاذ والثاني يتركز وسط الحركة الجنوبية وبعض الدوائر الشمالية. وهو توجه معاكس للتوجه الأول ويضع الانتماء السوداني والافريقي في تناقض موهوم مع الانتماء العربي الاسلامي في الهوية السودانية. وهو ايضا توجه احادي يعمل علي نفي الهوية العربية الشمالية لمصلحة هوية افريقية مزعومة. وتري الدراسة انه لا سبيل الي مواجهة هذه المشكلة خارج اطار مواجهة الأزمة الوطنية الشاملة الجارية في البلاد، وفي مناقشتها لهذين التوجهين توصلت الي مفهوم واقعي موضوعي محدد للهوية الوطنية، يرتكز الي تكوين قومي مزدوج: هناك هوية عربية اسلامية غالبة في الشمال وهوية اقليمية في الجنوب وتنوع اثني وثقافي في اطار هاتين الهويتين والوطنية السودانية المشتركة. وينطلق هذا المفهوم من واقع تطوره خلال سنوات ما بعد الاستقلال، وترجع جذوره الي فترة السلطنات العربية الاسلامية، خاصة سلطنة سنار (4051 ـ 1281)، ففي هذه الفترة كان السودان يسير في اتجاه الوحدة والاندماج الوطني لاستكمال كينونته الوطنية بتكوينها المزدوج وتنوعها الثقافي الحالي تقريبا، اي قبل مجيء الحكم التركي المصري. وذلك يعني ان تكوين السودان بشكله الحديث قد بدأ منذ تلك الفترة. ومع ميلاد الحركة الوطنية الحديثة تطور هذا المفهوم علي اساس المواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات والمشاركة في تقرير مصير الوطن. وتلازم هذا التطور مع انحسار النظرة التي تربطه بالاسلام واللغة العربية فقط ليستوعب الجنوب وتعقيدات التركيبة السودانية وخصوصية انتمائها ودورها العربي والافريقي، وفي اطار هذا المفهوم الواسع يمكن استيعاب وتنمية ثقافاته وهويته الاقليمية ويمكن ايضا اخراج الاسلام والعروبة السودانية من مأزقها الراهن النابع عن السياسات الجارية تجاه الحرب الاهلية وقضايا الهوية والوحدة الوطنية. والمدخل الي ذلك يتمثل في التمييز بين الهوية القومية الشمالية من جهة والقوي السياسية والاجتماعية المهيمنة المرتبطة بهذه الهوية من جهة اخري، ومن ان الاسباب الجوهرية التي ادت الي ادخال البلاد في ازمتها الوطنية الشاملة الراهنة بما في ذلك مفاهيم الاستعلاء الثقافي وممارسة الاستبعاد والتهميش في الحياة الوطنية تتمثل في الطبيعة الفكرية والسياسة لهذه القوي المسيطرة وليس في مفهوم مختل للهوية بشكل محدد.. وامكانية اصلاح الاختلالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، الناتجة من ذلك ليس في نفي الهوية الشمالية او التقليل من شأنها، وليس في فرض الاخيرة بالقوة والاكراه علي المجموعات الاخري، بل في توفير الشروط الضرورية لتوسيع المشاركة في الحكم وبناء الدولة الوطنية. والسبيل الي ذلك يتمـــثل في استعادة الديمقراطية كشرط اساسي والمحـــافظة علي وحدة البلاد وتمكين الجميع من المشـــاركة في اعادة بناءها علي اسس وطيــــــدة وهـــــذا لن يتم خارج اطار تسوية وطنية تاريخية، تشارك فيها كل القوي السياسية والاجتماعية في الشمال والجنوب علي السواء. وفي اطار ذلك يمكن للسودان ان يلعب دورا اساسيا في محيطه العربي والافريقي، وفي العلاقات العربية، الافريقية وفي ضمان امن واستقرار المنطقة وذلك انطلاقا من ان امنها اما ان يكون عربيا وافريقيا مشتركا او لا يكون علي الاطلاق. كاتب وسياسي من السودان

محضر مختصر للقاء بين وفد الحركة الشعبية لتحرير السودان ووفد حزب البعث العربي الاشتراكي


علي هامش جلسات المؤتمر الثاني للتجمع الوطني الديموقراطي التقي الوفدان ظهر يوم الاحد 10 /9 / 2000. ضم وفد الحزب ( مع حفظ الالقاب ) محمد علي جادين ويحي الحسين ومحمد وداعة الله وسعيد حمور ومحمد سيد احمد عتيق .. ووفد الحركة الشعبية جون قرنق ومنصور خالد وياسر عرمان ونيال دينق وبازرعه واخرين. ياسر عرمان : افتتح اللقاء بقوله : علاقتنا قديمه ووصلت ذروتها عام 1990 بلقاء بيننا وبين الاخ تيسير مدثر في اديس ابابا حيث تم توجيه الدعوة لنا لزيارة الحزب والدولة في العراق الا ان احداث الكويت ثم الحصار حالت دون تنفيذها.. بعد ذلك استأنفنا الاتصال في مارس 2000 الماضي بمدينة اسمرا.. ننظر اليكم كجزء من قوي السودان الجديد .. نلتقي معكم في قضايا رئيسيه ونمثل جبهة واحدة مهما كانت الخلافات، ومواضيع الخلاف هي التي تحتاج الي اللقاءات المباشره..مثلا اسم حزبكم يخلق بلبلة خاصة حول هوية السودان.. ثم هناك موضوع ورد في "الهدف " يتحدث عن ما اسماه علاقات الحركة الشعبية مع امريكا.. ونستطيع ان نتفق علي برنامج عمل مشترك. جادين : اهتمامنا بالحركة بدأ منذ فترة طويله، ومنذ صدور المانيفستو عام 1983 وكتابات جون قرنق ومنصور خالد.. وفي عام 1985 التقينا في لندن مع جون لوك واخرين.. الاتفاق عام 1990 تعثر بسبب المتغيرات السياسيه خاصة حرب الخليج الثانيه.. ننظر للحركة من خلال العنصر الايجابي الابرز فيها وهو انها اول حركة ذات جذور جنوبيه تطرح فكرها ونفسها في اطار سودان موحد.. ودخول الحركة في التجمع خلق امكانية واسعة للتفاعل بينها وبين القوي السياسية الاخري.. مسألة الاسم في حزبنا هي مسألة تاريخيه وفيها تركيز علي الهوية العربية الشماليه، وهي لاتخص حزب البعث وحده: الانتماء العربي ظهر في الحركة الوطنية السودانيه منذ بداية ظهورها في حركة اللواء الابيض وثورة 1924، وفي حركة الخريجين في الثلاثينيات والاربعينيات وخاصة جمعية ابوروف المعروفة بأتجاهاتها القومية العربيه ثم الاحزاب الاتحادية بعد ذلك، فالاتحاديون توجههم قومي عربي ومع ارتباطات السودان العربيه، كذلك حزب الامه مع خصوصية ارتباطه بالثورة المهديه، حتي الحزب الشيوعي هو في التحليل النهائي حزب شمالي مرتبط بالهوية الشماليه، كل هذه الاحزاب قاعدتها شماليه ولم تنجح في خلق امتدادات حقيقيه في الجنوب… والاحزاب الجنوبيه حصرت نفسها في هويتها الاقليميه الجنوبيه.. الاسم " حزب البعث العربي الاشتراكي " لم يسبب لنا مشكله في السابق، بالعكس اذكر عند قيام الجبهة العربية الاشتراكيه في بداية الستينيات قابلها الطلاب الجنوبيون في جامعة الخرطوم بترحاب شديد منطلقين من قولهم لنا انكم اوضح من الاخرين في التعبيرعن الهوية العربية الشمالية دون تردد .. المشكلة الحقيقة ليست في الاسم وانما في المحتوي السياسي والاجتماعي للحركة السياسية المعينه وفي نظرتها للقضايا الوطنيه.. تمسكنا بالهوية العربية لم يمنعنا من التركيز علي القضايا السودانيه منذ البدايه.. الحرب الاهليه في الجنوب كانت عاملا مهما في تنمية وعينا بالتركيب القومي المزدوج للهوية السودانيه: هناك تمايز اساسي بين الجنوب والشمال، وهناك تنوع اثني وثقافي وديني داخل الشمال لكنه تنوع درجي " في الدرجه" وليس تنوعا نوعيا كالتمايز بين الجنوب والشمال.. هناك نظرة تطرح مسألة التنوع في السودان بشكل غير محدود، هذه النظره تتركز وسط المثقفين الجنوبيين بشكل رئيسي، ولكن هذا غير مفيد ولايعبر عن الواقع.. في الشمال تلعب اللغة العربية والاسلام دورا رئيسيا في تماسك ووحدة الهوية الشماليه أي الهوية عربية اسلاميه.. والعروبه في السودان هي واقع تاريخي وجغرافي وثقافي وبشري لايمكن نكرانه، والثقافات الوطنية الاخري، خاصة في الجنوب، هي ايضا واقع تاريخي وثقافي وبشري لايمكن نكرانه، والمطلوب ليس الغاء هذه الثقافات بل توفير الشروط الضرورية لتنميتها وتفاعلها مع بعضها في اطار الوطنية السودانيه المشتركه..هنا خصوصية السودان وخصوصية انتمائه العربي والافريقي.. الطيب صالح يقول ان السودان عربي وغير عربي وافريقي وغير افريقي، أي هو عربي افريقي.. هذا هو وعينا بمسألة الهوية السودانيه، هناك في داخلها تنوع وتمايز اساسي بين الشمال والجنوب، وهناك تنوع اخر داخل الشمال والجنوب كل علي حده. في الجنوب تكونت هوية اقليميه لاسباب سياسية تاريخيه. الحرب الاهليه وتجربة الحكم الذاتي في السبعينيات لعبت دورا هاما في ذلك .. في المستقبل قد تتبلور هذه الهوية الاقليميمة الجنوبيه حول القبائل النيليه او حول قبيلة الدينكا بأعتبارها اكبر المجموعات الاثنية هناك. في اعتقادنا ليس هناك صراع هويات في السودان .. ظهور هذه المسأله في السنوات الاخيره هو انعكاس للازمة الوطنية الشامله الجارية في بلادنا. هذه الازمه قديمه ونظام الجبهة هو الذي تسبب في استفحالها والوصول بها الي نهاياتها عندما ربط سياساته بالجهاد واستئصال المجموعات الثقافية والاثنية الاخري.. هناك فعلا اضطهاد اقتصادي اجتماعي وثقافي وهناك تجاهل للجنوب والمناطق المهمشة.. ولكن هذا الاضطهاد والتهميش وصل الان الي المركز واواسط السودان نفسه والسبب ليس الثقافة العربيه الاسلامية الشماليه بل هو القوي الاجتماعية المهيمنة والمسيطرة علي السلطه منذ الاستقلال وخاصة الانظمة العسكريه، وهذا يعني انه نتاج سياسات محدده وسيطرة قوي اجتماعية محدده، شمالية اساسا، لكن لها امتداداتها في الجنوب والغرب والشرق وغيره.. المهم ان نعيد الصراع الي مجاله الاقتصادي الاجتماعي، بذلك يمكننا معالجة مشكلة الهويه بموضوعيه. والمدخل لمعالجة هذه المشكله يتطلب اشاعة الديموقراطيه علي اساس المواطنه.. وفي هذه القضايا هناك مجال واسع للاتفاق والعمل المشترك.. نعتقد ان الحركة الوطنيه لم تبلور مشروعا وطنيا شاملا في فترة مابعد الاستقلال لاسباب تتعلق بتركيبتها ونشأتها وتطورها.. وهذا الحديث يشمل كل اطرافها .. التجمع الوطني طرح في الفترة الاخيره مشروعا وطنيا شاملا، صحيح انه غير مفصل ولكنه يفتح الطريق لبناء سودان ديموقراطي موحد ومستقل ومتفاعل مع محيطه العربي والافريقي والدولي، لذلك نحن نتممسك به كصيغة يمكن ان تستمر لفترة طويله قادمه بعد اسقاط النظام الحالي. اخيرا النظرة الاستعلائيه لازالت موجوده باشكال ودرجات متفاوته.. اما ما ذكرته عن المقال الوارد عن الحركة الشعبيه في " الهدف " فهو لايمثلنا وانما هو صادر عن مجموعة التكتل في حزبنا والتي لازالت تصر علي ان تحمل اسم حزب البعث وعلي تسمية صحيفتها بأسم " الهدف " والمقال الذي ذكرته لايمثلنا ولايعبر عنا. منصور خالد : هناك تطور ايجابي، ولكن من المفيد ان ننظر نقديا للماضي.. النظرة الاستعلائية موجوده في فكر كل النخب منذ ثورة 1924 .. والارضية الفكرية التي تنطلق منها عقلية الهيمنه والتهميش موجوده في تفكير النخبة السودانية طوال تاريخها.. هذه النخبة تنظر مثلا لاي حركة جنوبية بأعتبارها حركة انفصاليه، واطروحاتها الفكرية والسياسية تبعد المجموعات الوطنية غير العربيه وغير المرتبطة بثقافة الوسط، حتي مؤتمر الخريجين يتحدث نشيده عن الانتماء لامة العرب دون ان يذكر الانتماء الافريقي .. هذا السودان تكون عبر تفاعل طويل بين المجموعات الوطنية والمجموعات الوافده ومن خلال ذلك جاءت هوية السودان التي يجب ان نعمل جميعا علي بنائها كهوية مشتركة تجمع كل السودانيين. ياسر عرمان : هذا نقاش اولي، هناك مايجمعنا كما ان هناك مالانتفق عليه. من اخطائكم كحزب بعث في اعتقادي انكم بدأتم بالاهتمام بقضايا الوحدة العربيه قبل الوحدة الوطنيه السودانيه فلنبحث اولا في كيف نكون سودانيين قبل كل شئ.. كذلك مفهومكم للثقافة العربية الاسلاميه يحتاج لتفصيل اكثر. جادين: بالعكس نحن مهتمون بالقضايا الوطنية السودانيه طوال تاريخ حركتنا.. ظروف الواقع ساعدتنا علي ذلك… صحيح نحن نؤمن بالوحدة العربيه وهي جزء من شعاراتنا وشعارات حركة التحرر القومي العربيه في النصف الثاني من القرن العشرين..مع تراجع حركة التحرر القومي العربية والافريقيه تراجعت شعارات الوحدة في الفترة الاخيره، والان في عالم مابعد نهاية الحرب الباردة هناك ضرورة للتكتلات الكبيره..مثلا منصور خالد يقبل الوحدة العربيه كوحدة لها دور وظيفي في عالم التكتلات الكبيره. ويمكن ان نأخذ هذا الفهم ايضا لوحدة او وحدات افريقيه كبيره.. الظروف الراهنه كشفت لنا علاقات جديده مع ارتريا واثيوبيا والقرن الافريقي، علاقات لم نهتم بها في الفترة السابقه، لكنها الان تفرض نفسها.. السودان بتركيبه القومي المزدوج يمكنه المشاركة في كل هذه التوجهات الوحدويه دون أي تناقض.. ومع ذلك لم تكن مسألة الوجدة العربيه شاغلنا الرئيسي، اهتمامنا الاول كان بالقضايا الوطنيه: الديمقراطيه ووحدة الكيان السوداني والتنمية الاقتصادية والاجتماعيه. جون قرنق : مستعدون للعمل مع الجميع، بل نريد ان نعمل مع الجميع.. كان يجب ان نبدأ من مكان ما فبدأنا او انطلقنا من الجنوب.. هي بداية فرضت نفسها.. وضرورة ان يبدأ المرء من مكان ما تذكرني بالمقولة الفرنسيه : سئل الفرنسي عن سبب تحية الفرنسيين للمراة بتقبيل يدها فرد قائلا : " ياسيدي يجب ان نبدأ من مكان ما" .. لحزب البعث الحق في ان يسمي نفسه بالعربي لان له الحق في التعبير عن العروبه كواقع وكحقيقه.. لااعتقد ان هناك تصور لوحدة السودان له اساس واضح ومكتمل حتي الان.. السودان متعدد ومتنوع يحتاج لهوية مشتركه.. الوحدة الحالية وحدة مفروضه لمصلحة قوي السودان القديم، لذلك نحن طرحنا شعار سودان جديد يشترك فيه الجميع. نحن لسنا ضد العروبة والاسلام، كما اننا لسنا ضد الهويات الاخري.. من اجل بناء السودان الجديد مستعدون للعمل مع الجميع.. العروبة في السودان واقع ومن حقها ان تعبر عن نفسها ولامانع من العمل معها .. كذلك اذا جاء النوبة او البجه او غيرهم باسمائهم لانمانع من العمل معهم.. السودان له خصوصياته المتنوعة المتشابكه، وامامنا قضية كبيره يجب ان نتصدي لها : كيف يمكننا استقطاب وتعبئة كل الاقوام والجماعات حول سودانيتها؟ نظرتنا للسودان الجديد تنطلق من الهوية السودانيه واحترام التعدد والتنوع .. التجربة الامريكية تفيدنا كثيرا في ذلك، فالامريكيون عبارة عن مجموعات عرقية وثقافية كثيره، فهنالك مثلا ايرلنديون امريكان، وافارقة امريكيون، وامريكيون عرب الخ .. ولكن ترتبط كل تلك المجموعات بالهوية الامريكيه .. والمطلوب الان ليس مصالحة من اجل تقسيم كراسي الحكم او اقتسام كعكة السلطه كما كانوا يقولون عقب انتفاضتي 1964 و 1985 ، وانما اعادة هيكلة التركيب السياسي والاقتصادي. ياسر عرمان: دعونا نسمع عن رؤيتكم للتجمع وقضاياه والمطلوب من المؤتمر ومشكلة حزب الامه. جادين: هناك ضعف وبطء في اداء التجمع في الداخل والخارج، والعلاقة بينهما غير واضحه، وهناك ربكة ناجمة عن موضوع الحل السياسي الشامل وحزب الامه.. اذن فأن القضايا الهامة التي تستحق التركيز والاهتمام نوجزها في الاتي : ( 1) المحافظة علي التجمع موحدا ومتماسكا في اطار مواثيقه وبرامجه، وذلك لفترة طويلة قادمه بأعتباره اساس الوحدة الوطنيه السودانيه والمشروع الوطني المطروح. ( 2 ) الاهتمام بالداخل كأساس للعمل وان نتيح له مشاركة واسعة في اعمال هيئة قيادة التجمع، وفي هذا من المهم تحديد الوسائل. (3) تحديد المطلوب بالضبط من الحل السياسي الشامل وتحديد متطلباته دون ان يؤثر ذلك في نشاطنا في مجالات الخيارات الاخري.. نربطه باجراءات تهيئة المناخ والتنسيق بين المبادرتين. ( 4 ) بالنسبة لحزب الامه عودته للتجمع ضروريه لان الخلاف غير جوهري كما هو واضح ومعلن. المؤتمر حسم مسألة الهيكله وخيار الحل السياسي الشامل.. ابتعاد حزب الامه يصب في مصلحة النظام، واهماله يدفعه للمصالحة مع النظام، كما اننا سنفقد العناصر المؤيدة للتجمع داخل حزب الامه وهي كثيره ومؤثره في الساحة السياسيه. محمد وداعة الله : الحكومه في اضعف حالاتها.. الانتفاضة ممكنة وفرصها واسعة والمطلوب هو خلق اتصال منظم بين الداخل والخارج وتوفير الدعم المالي اللازم للداخل وان يكون ذلك الدعم مباشرا لتجمع الداخل ممثلا في السكرتاريه.

وثائق حزب البعث السوداني حول اتفاقية السلام

الموقعة بين الحكومة والحركة الشعبية

مقدمة :

1) اتفاقيات حسم الصراع في منطقة أب ياي وولايتي النيل الازرق وجنوب كردفان واتفاقية قسمة السلطة ، الموقعة بين الحكومة والحركة الشعبية في 26 مايو الماضي ، تمثل خطوة هامة في طريق انهاء الحرب الاهلية وتحقيق السلام ووضع بلادنا في مجرى تطور جديد يقود الي بناء سودان ديمقراطي موحد أو الي انفصال الجنوب وتكوين دولته المستقلة في نهاية الفترة الانتقالية (ست سنوات) وهذه الاتفاقيات والاتفاقيات اسابقة (اتفاق مشاكوس الاطاري 7/2002 ، الترتيبات الامنية والعسكرية 9/2003 ، وقسمة الثروة 2/2004) تشكل في مجموعها اتفاقية السلام النهائية وتبقي فقط اتفاقية وقف اطلاق النار وترتيبات تنفيذ الاتفاقية والرقابة الاقليمية والدولية ، وبذلك تنتهي الحرب الاهلية الممتدة وتبدأ مرحلة السلام والاستقرار ، وهذه الاتفاقيات تتجاوز مسألة الحرب والسلام لتتناول كافة جوانب الازمة السودانية (السلام ، الهوية والوحدة الوطنية ، نظام الحكم ، تقسيم الثروة ، العلاقات الخارجية الخ ...) وهي في الواقع تعمل لاحداث تغييرات اساسية في بنية النظام السياسي القائم وتقرر مصير البلاد (دولة موحدة أم دولتان) خلال الفترة الانتقالية ، ومع تأييدنا وترحيبنا في حزب البعث العربي الاشتراكي السوداني بأنهاء الحرب الاهلية وفتح الطريق لتحقيق السلام ، باعتباره قضية وطنية اساسية ومدخلا رئيسيا لمواجهة الازمة السودانية المزمنة ، فاننا نرى أن الجوانب المختلفة التي تناولتها الاتفاقيات المذكورة لا يمكن أن يقرر فيها طرفان فقط (الحكومة والحركة ) بعيدا عن القوى السياسية والاجتماعية الشمالية والجنوبية الاخرى ، وذلك لانها قضايا وطنية عامة يجب أن يشارك فيها كل القوى السياسية والاجتماعية الفاعلة في البلاد ومن هنا نرى أن استمرارها ونجاحها يتطلب تحويلها من اتفاقية ثنائية الي اتفاقية وطنية شاملة تخاطب كافة جوانب الازمة الوطنية وتشارك كافة القوى الفاعلة في مناقشتها واقرارها وتنفيذها ، وفي تقديرنا أن هذا التوجه الثنائي والجزئي يرجع الي ارتباط التسوية السياسية الجارية بمبادرة الايقاد وشركائها وباتفاق مشاكوس الاطاري 7/2002 بكل ما يحملان من اختلالات وتناقضات اشارت اليها قوى التجمع الوطني ومن ضمنها حزبنا حزب البعث السوداني في وقتها . ونتيجة لذلك شملت اتفاقيات نيفاشا تفاصيل كثيرة وتناقضات واختلالات عديدة فرضتها طبيعة اتفاق مشاكوس الاطاري وتناقضات مواقف الطرفين المتفاوضين ، فالاتفاقيات تنهي الحرب الاهلية في الجنوب وتتجاهل الحرب الجارية في دارفور ، تركز علي الجنوب وتتجاهل الاقاليم الاخرى تمنح الوحدة الوطنية اولوية في الفترة الانتقالية وتعمل عمليا على فصل الجنوب عن الشمال ، تؤكد المساواة في الحقوق والواجبات وتنشئ دولة بنظامين مختلفين (اسلامي في الشمال وعلماني في الجنوب) تعد باجراء مصالحة وطنية ومشاركة واسعة وفي الوقت نفسه تقيم شراكة سياسية مغلقه بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية الخ ... وهي اختلالات واضحة تحتاج الي معالجات سريعة .

اختلالات الاتفاقية : -

2) يمكن الاشارة الي بعض هذه التناقضات والاختلالات في الامثلة الاتية :

أ‌) نظام الحكم المتفق عليه في الفترة الانتقالية يقوم علي أسس معقدة وهياكل متفاوته في صلاحياتها ومستوياتها ، فالبناء الدستوري يقوم علي نظام رئاسي ودستور قومي ، في المركز ، ودستور علماني للاقليم الجنوبي ودساتير مشابهة للولايات الجنوبية ، دساتير (اسلامية) للولايات الشمالية ، حكم فيدرالي موسع لولايتي النيل الازرق وجنوب كردفان (وضع خاص) حكم ذاتي لمنطقة أب ياي تابع للرئاسة ووضعية خاصة للعاصمة القومية .. وهذا الوضع يعكس تناقضات واختلالات واضحة وعدم مساواة في صلاحيات الاقاليم المختلفة ، ويبرز ذلك ، بشكل جلي ، في تمتع الاقليم الجنوبي بوضعية اقليم موحد وصلاحيات كونفيدرالية كاملة ومشاركة فعالة في ادارة المركز وحرمان الاقاليم الشمالية من ذلك دون سبب محدد . وفي الوقت نفسه تتمتع ولايتي النيل الازرق وجنوب كردفان بصلاحيات واسعة بينما تمنح الولايات الشمالية الاخرى صلاحيات أدني مماثلة لوضعية الولايات الجنوبية (تتبع للاقليم الجنوبي) هذه الاختلالات والتناقضات تحتاج الي معالجة سريعة تراعي الشمول والعدالة والمساواة وتقوية المركز . وذلك عن طريق انشاء نظام فيدرالي متوازن وبصلاحيات متساوية في كل المستويات ، نظام يقوم علي سته اقاليم (الجنوب ، الاوسط ، الشرق ، الشمالية ، كردفان ، دارفور) والعاصمة القومية مع احتفاظ منطقة أب ياي بوضعها الخاص .

ب‌) هناك ايضا اختلال واضح في تركيبة المؤسسات التشريعية والتنفيذية الانتقالية من خلال الشراكة السياسية بين المؤتمر والحركة ، حيث يسيطر المؤتمر علي الولايات الشمالية والحركة علي الجنوب (70%) ويسيطر الطرفان علي الحكومة المركزية (52% للمؤتمر ، 28% للحركة) مع منح القوى السياسية الاخرى مشاركة صورية بسيطة (20%) وتشمل الشراكة رئاسة الجمهورية والحكومة المركزية واللجان الفنية والخدمة المدنية والاجهزة الامنية والعسكرية وغيرها ، من خلال نصوص الاتفاقية نفسها ، ويعني ذلك سيطرة هذه الشراكة علي مؤسسات الفترة الانتقالية بصورة مطلقة ، وبالتالي استحالة تغيير هذه الوضعية حتى الانتخابات وربما بعد ذلك ، فحتي لو فازت قوى المعارضة في الانتخابات المقبلة ، فانها ملزمة بتنفيذ هذه الاتفاقية كما هي (الفقرة 1 – 8 – 6 من اتفاقية قسمة السلطة) وكل ذلك يكون له تأثيرة المباشر في مجريات الفترة الانتقالية بعيدا عن مشاركة القوي الاخرى ، وهي قوى اساسة لا يمكن تجاهلها أو تجاوزها بأي حال ، واستمرار هذه اوضعية لا يخدم قضية السلام وانشاء نظام فيدرالي متوازن واقامة دولة موحدة ، ولذلك لا بد من من اعادة ترتيب المشاركة في مؤسسات الفترة الانتقالية بشكل يتناسب مع اهداف ومتطلبات المرحلة الانتقالية وتحدياتها ومع توازن القوى الواقعي بعيدا عن أوهام القوة والتسلط المرتبطة بظروف شاذة .

ت‌) اتفاقية قسمة السلطة تركز علي احترام حقوق الانسان واعلاناتها ومواثيقها العالمية وتقول بتضمينها في الدستور القومي الانتقالي وتتحدث عن مراجعة دستور 1998 واجراء مصالحة وطنية شاملة وانتخابات عامة في منتصف الفترة الانتقالية . وكل ذلك يبشر بامكانية تحول ديمقراطي واسع ، ينهي نظام الحزب الواحد والقوانين الاستثنائية القائم الان ويقيم دولة الديمقراطية والمواطنة والتعددية الفكرية والسياسية . وهو تحول مطلوب وضروري ، ولكن الاتفاقية تضع عقبات كثيرة في طريقه :

· الاتفاقية تضع نفسها فوق الدستور القومي الانتقالي وتجعل مراجعة دستور 1998 تحت سيطرة الحكومة والحركة وتربط اجازته بموافقة مؤسساتها التشريعية القائمة الان ، مع مشاركة رمزية للقوى السياسية والاجتماعية الاخرى (الفقره 2 – 12 قسمة السلطة) وهذا يعني ربط الدستور الانتقالي بتوجهات الطرفين المتفاوضين ويضاف الي ذلك أن دوائر نافذة في الحكومة تنظر لعملية المراجعة كتعديلات طفيفة في دستور 1998 وليس كوثيقة دستورية لبداية عهد جديد ، وانفراد هذه الدوائر بصياغة دساتير الولايات الشمالية ومشاركتها الفعاله في صياغة الدستور الانتقالي ، في اطار اتفاق مشاكوس ، يمكنها من المحافظة علي ركائزها في الشمال بشكل خاص ، والتحكم في مجري النشاط السياسي في البلاد بشكل عام .

· ان الاتفاقية تضع تحديد مواعيد الانتخابات العامة في ايدي الطرفين المتفاوضين (الفقرة 1 – 8 – 4 والفقرة 2 – 2 – 3 – 3) وتربط ذلك باعتبارات عديدة تشمل (اعادة التوطين والاستقرار والتأهيل والتوطين وانشاء المؤسسات وتعزيز اتفاقية السلام) ونشترط في المرشحين (توقير اتفاقية السلام والعمل علي اقرارها والالتزام بتنفيذها) كما تنص الفقرة 1 – 8 في قسمه السلطة . وهذا يعني ربط اجراء الانتخابات بموافقة الطرفين وحسب شروطهما وليس بوقت محدد . وبذلك يتحول الحديث عن حقوق الانسان والحريات العامة الي مجرد كلام لاتسنده توجهات حقيقية .

· في حديثها عن المصالحة الوطنية لا تربطها الاتفاقية بالحريات العامة ومحاسبة سلطة الانقاذ علي انتهاكات حقوق الانسان والفساد الاداري والمالي خلال سنوات حكمها كحد ادني من الشروط الضرورية لاي مصالحة ، ويعني ذلك طي صفحات الماضي دون مراجعة ومحاسبة علي هذه الانتهكات ورد الحقوق المسلوبة ورفع المظالم التي شملت الوطن بكامله . ويرى حزب البعث السوداني أن تقوم المصالحة علي مراجعة شاملة لتجربة الحكم الوطني منذ الاستقلال حتى الان بشكل عام وتجربة حكم الانقاذ بشكل خاص ، بالاستفادة الكاملة من تجربة جنوب افريقيا في هذا المجال ، ورغم الحديث الطويل عن حقوق الانسان ، تجنبت الاتفاقية اعلان موقف واضح من الالتزام بالديمقراطية والتعددية الفكرية والسياسية والثقافية ، ويجي مفهوم الشراكة ووجود نظامين مختلفين في الشمال والجنوب ليقضي علي كل امل في تحول ديمقراطي حقيقي . وكل ذلك يتناقض مع ما تبشرنا به الاتفاقية من انفتاح واسع ومؤشرات لاحداث تغييرات اساسية في بنية النظام القائم لمصلحة شعب السودان بمختلف احزابه واقاليمه واثنياته ، ويبدو أن ذلك يحتاج الي تحرك سياسي نشط ومتواصل تقوده قوى التجمع الوطني وحزب الامة وقوى المعارضة الاخرى خلال الفترة القادمة .

ث‌) ان اتفاقية قسمة الثروة تلتزم معايير جغرافية واقليمية في اعادة تقسيم الثروة (خاصة عائدات النفط) بين الشمال والجنوب ، وفي الوقت نفسه تتجاهل ضرورة التخطيط الاقتصادي الاجتماعي ودور الدولة والقطاع العام في احداث تنمية شاملة ومتوازنة ، وهي تركز ضمنيا علي اقتصاد السوق ودور القطاع الخاص والعلاقة مع مؤسسات التمويل الدولية انطلاقا من البرنامج الاقتصادي الحكومي الجاري تنفيذه الان . ومثل هذا النهج لن يساعد في تنمية الجنوب والمناطق المهمشة الاخرى ، وانما سيعمل علي توسيع وتعميق اوضاع التهميش في كافة الاقاليم لمصلحة مراكزها الحضرية وفئاتها الطفيلية والبيروقراطية . وما يجري في دارفور خير شاهد علي ذلك . ومن المهم هنا العمل علي ربط عمليات اعادة الاعمار والبناء بخطة اقتصادية اجتماعية عامة تراعي تنمية قدرات الاقتصاد الوطني بشكل عام والاستجابة لمتطلبات المناطق المتأثرة بالحرب والاقل نموا بشكل خاص وذلك بالاستفادة من كافة الخبرات الوطنية في هذا المجال ومن دروس تجاربنا في المراحل السابقة بدلا من ترك هذه المهام للخبرات الاجنبية ومؤسسات التمويل الدولية .

ج‌) الاتفاقية تتحدث عن أولوية الوحدة الوطنية . ولكنها عمليا تسير في طريق فصل الجنوب عن الشمال منذ الان ، ويتمثل ذلك في توجهها لانشاء دولة موحدة بنظامين مختلفين في الشمال والجنوب ، ووجود جيشين احدهما في الشمال والاخر في الجنوب ، ونظام مصرفي عالمي في الجنوب ونظام مصرفي (اسلامي) في الشمال وعملة في الشمال واخري في الجنوب ، ومنح حكومة الجنوب صلاحيات اقامة علاقات سياسية واقتصادية خارجية (الفقرة 18 جدول د) وتقسيم عائدات البترول علي اساس جغرافي (شمال / جنوب) بالاضافة الي اختلاف مناهج التعليم الاساس والثانوي وغيرها ، وكل ذلك يضع الاساس ، منذ الان ، لانفصال الجنوب ، والوضع الخاص لولايتي النيل الازرق وجنوب كردفان يسير في نفس الاتجاه ، وفي رأينا أن هذه الوضعية ترتبط بطبيعة اتفاق مشاكوس الاطاري وتناقضات الطرفين واصرار الحكومة علي مشروعها (الاسلاموي) وحصر المفاوضات في خيار وحيد ، هو تقسيم البلاد علي أسس دينية وعرقية ، وبالتالي رفض خيار الدولة المدنية الديمقراطية الموحدة ، وبذلك تضع القوى السياسية الاخري بشكل عام ، الشمالية ، بشكل خاص ، امام مسؤلية كبيرة تتطلب العمل الجاد من اجل تجاوز مخاطر الانفصال والعمل علي المحافظة علي وحدة الكيان السوداني بهويته المزدوجة وتنوعه الاثني والديني والثقافي وخصوصية انتمائة ودوره العربي والافريقي .

ح‌) دور الوسطاء والشركاء سوف يستمر خلال الفترة الانتقالية من خلال الرقابة الاقليمية والدولية وبرنامج اعادة الاعمار والبناء ، وهذا يشير الي أن الاتفاقية لها بعدها الاقليمي والدولي المحدد المتمثل في دول مبادرة الايقاد والشركاء الاساسيين (امريكا ، بريطانيا ، النرويج ، ايطاليا) والامم المتحدة ، ومع تقديرنا للدور الايجابي الذى قامت به هذه القوى في المرحلة السابقة (رغم الاختلالات المرتبطة بعملية السلام بشكل عام) فان المرحلة القادمة قد تعكس سلبيات اكثر واوسع ويشمل ذلك استبعاد الدور العربي والمصري واضعاف الدور الوطني في مواجهة تحديات الفترة الانتقالية . وهذا الاختلال يتطلب معالجة متوازنه في اتجاه تحويل الاتفاق النهائي الي اتفاق سوداني وتوسيع دور قوى الجوار الافريقي والعربي في عمليات الرقابة ومتطلبات حفظ الامن والاستقرار .

الآمال والمخاطر :

3) مع كل هذه التناقضات والاختلالات ، فان حزب البعث السوداني يرحب باتفاقية السلام بشكل عام ويرى انها تمثل خطوة هامة في طريق انهاء الحرب الاهلية وتحقيق السلام والاستقرار ويرى ايضا انها تتيح فرصة نادرة لمواجهة الازمة السودانية المزمنة والمستعصية بحلقاتها المتداخلة والمتشابكة : السلام ، تعزيز الوحدة الوطنية ، الديمقراطية والتنمية الشاملة والمتوازنة ، وبالتالي تفتح الطريق لبناء سودان ديمقراطي موحد وفاعل في محيطه العربي والافريقي فهي توقف الحرب الاهلية وتوفر الاساس لاعادة هيكلة البناء الوطني الموحد علي اسس جديدة تختلف عن الاسس الاقائمة منذ اعلان الاستقلال في مطلع 1956 بشكل عام وفي فترة حكم الانقاذ بشكل خاص ، أسس جديدة تراعي تقوية المركز والاستجابة لمتطلبات الاقاليم في الحكم اللامركزي والمشاركة والتنمية وتؤكد في الوقت نفسه وحدة البلاد في اطار تنوعها الاثني والديني والثقافي وهويتها الوطنية المزدوجة وحق المجموعات الوطنية المختلفة في المحافظة علي ثقافاتها وخصوصياتها . الاتفاقية تتيح فرصة نادرة لتحقيق هذه الامال وقد تكون آخر الفرص المتاحة للمحافظة علي وحدة الكيان السوداني وخصوصية انتمائة ودوره العربي والافريقي ، ولذلك علينا الامساك بهذه الاتفاقية وتركيز ايجابياتها وبذل الجهد المطلوب لاصلاح تناقضاتها واختلالاتها التي اشرنا الي بعضها في السطور السابقة ، ونجاحنا في ذلك يعني امكانية بناء سودان ديمقراطي موحد ، وفشلنا فيه يعني في حدوده الدنيا انفصال الجنوب وتكوين دولته المستقلة . وقد تتفاعل التناقضات والاختلالات المشار اليها لتؤدي الي فشل الفترة الانتقالية وعودة الصراعات والنزاعات بصورة اوسع في مناطق واقاليم عديدة ومن ثم فتح المجال للتدخلات الاجنبية وتفكيك البلاد الي دويلات علي اسس دينية وعرقية ، وهذه المخاطر ترتبط بتناقضات الطرفين المتفاوضين (التناقض بين المشروع الاسلاموي ومشروع السودان الجديد) واختلافاتهما حول تفسير بنود الاتفاقية وحتى عدم الالتزام بتفيذ التزاماتها ، ومخاطر المليشيات المنتشرة في الجنوب والشمال علي السواء ، واستمرار تفجر الوضع في دافور ، واحتمالات تفجر الاوضاع في الشرق ومناطق اخرى واتساع المعارضة السياسية والنقابية والاثنية والجهوية في مواجهة عجز الدولة في مجال الخدمات ومشاكل الناس ، وتفجر النزاعات في بلدان الجوار وانعكاسها علي الاوضاع الداخلية وخاصة في الجنوب والغرب الخ .. وهناك القوى المعادية للسلام واعادة هيكلة السلطة والثروة كما يعبر عنها منبر السلام العادل والصحف التابعة للحكومة وبعض الدوائر النافذة وسط النخبة الحاكمة والفئات المرتبطة بها ، وهناك ايضا الصراعات الدولية حول السودان بثرواته الراهنة والمتوقعه وموقعه الاستراتيجي في المنطقة ، ومايجري في دار فور يشير الي ذلك وقد تؤدي تطوراته الجارية الي تدخل دولي واسع من قبل امريكا والاتحاد الاوربي ومجلس الامن ، وهناك ايضا احتمالات تدخل اسرائيل بوجودها المؤثر في بعض دول الجوار واهتمامها القديم بالجنوب بشكل خاص والسودان بشكل عام . ويدخل في ذلك ايضا دور القوى الخارجية في عمليات اعادة الاعمار والبناء ومشاركتها في التخطيط والتمويل والتنفيذ في ظروف هيمنة القطب الواحد ومحاولات فرض شروط جديدة لتقسيم العمل الدولي وتمزيق وحدة بلدان العالم الثالث .

4) وكل ذلك يشير الي أن انهاء الحرب الاهلية وتحديات المرحلة الانتقالية القادمة سيفتح الطريق لبروز وضعية سياسية جديدة ، تتميز باستمرار الصراع السياسي والاجتماعي بين قوى السلام والديمقراطية والوحدة الوطنية والتنمية الشاملة والمتوازنة من جهة وقوى الحرب والديكتاتورية وتفكيك البلاد علي اسس دينية وعرقية من جهة اخرى ، والحلقة المركزية في هذا الصراع تتمثل في تحويل التسوية السياسية الجارية من تسوية ثنائية وجزئية الي تسوية وطنية شاملة تخاطب كافة جوانب الازمة السودانية وتشارك فيها كل القوى الفاعلة في البلاد ، وذلك لان مهام ترسيخ السلام واعادة بناء البلاد ومواجهة تحديات الازمة الوطنية الشاملة الجارية في البلاد لا يمكن تركها لطرفين (حزبين) فقط مهما كانت قدراتهما هي مسؤلية كل القوى السياسية والاجتماعية الشمالية والجنوبية علي السواء ، ولذلك لا مناص من مشاركة هذه القوى في مراجعة الاتفاقية النهائية ومناقشتها واقرارها من خلال مؤتمر دستوري وطني جامع ومن ثم المشاركة في تنفيذها في ارض الواقع . ومن خلال ذلك وحده يمكن ضمان نجاح عملية السلام واستمرار الفترة الانتقالية ووصولها الي بناء سودان ديمقراطي موحد وفاعل في محيطه الاقليمي والدولي . وبالتالي تجاوز احتمالات انفصال الجنوب أو تفكيك البلاد علي اسس دينية وعرقية ، وفي تقدير حزب البعث السوداني أن هناك امكانيات كبيرة لتحقيق ذلك ، فالحركة الشعبية عضو اساسي في التجمع الوطني وترتبط معه بمقررات ومواثيق عديدة ، وهي ايضا مواجهة بضرورة مشاركة القوى السياسية الجنوبية الاخرى في ادارة الاقليم الجنوبي وتوحيد صفوفه من أجل اعادة الاعمار والبناء ، والحكومة هي الاخرى ، ترتبط مع التجمع الوطني باعلان جده (12/2003) وبحوار ممتد مع حزب الامة القومي وبمفاوضات متطاولة مع حركات دارفور ، واتفاقية حسم الصراع في ولايتي النيل الازرق وجنوب كردفان تمنح هيئتيهما التشريعيتين حق مناقشة وتعديل الاتفاقية (الفقرة 3 المشورة الشعبية) وكل ذلك يعني انه لا مناص من منح نفس هذا الحق للقوى السياسية والاجتماعية الاخرى ، وخاصة التجمع الوطني الديمقراطي وحزب الامة ، بهدف مراجعة الاتفاق النهائي ومناقشته وتعديله واقراره من خلال مؤتمر دستوري جامع وذلك كضرورة تفرضها متطلبات انجاح هذه الاتفاقيات ووصولها الي اهدافها المعلنة ، ومع ذلك ، علي قوى التجمع الوطني المحافظة علي وحدتها وتماسكها بما في ذلك الحركة الشعبية لتحرير السودان ، مع العمل علي توسيع اطار التجمع ليشمل حزب الامة القومي وقوى المعارضة الاخرى ومواصلة نشاطها المشترك وسط الجماهير في كافة مواقعها من أجل الاهداف المباشرة التالية :

أ‌) العمل علي تحويل اتفاقيات السلام الي اتفاقية وطنية شاملة ومعالجة تناقضاتها واختلالاتها في اتجاه انشاء نظام فيدرالي متوازن يمنح الاقاليم الشمالية كامل حقوقها والمشاركة الفعالة في ادارة المركز وتحويل مؤسسات الدولة لمؤسسات قومية .

ب‌) التحول الديمقراطي الكامل بدءا باشاعة الحريات العامة والغاء القوانين الاستثنائية والمقيدة للحريات .

ت‌) العمل علي تعزيز الوحدة الوطنية بما في ذلك اضافة الكونفيدرالية كخيار في استفتاء شعب الجنوب في نهاية الفترة الانتقالية .

ث‌) العمل علي حل مشكلة دارفور علي اساس الاعتراف باسبابها ومشروعية مطالبها والاستجابة لتطلعاتها في ادارة شئونها وتنمية امكانياتها ومشاركتها العادلة في الادارة المركزية في اطار نظام فيدرالي متوازن يشمل الجنوب والاقاليم الشمالية جميعها .

ج‌) التركيز علي قضايا اعادة الاعمار والبناء في اطار برنامج انقاذ اقتصادي عام يراعي احتياجات الجنوب والمناطق المهمشة والاقل نموا ومتطلبات اصلاح اختلالات الاقتصاد الوطني ككل وخاصة في مجالات التعليم والخدمات والحاجات الاساسية للانسان .

ح‌) اجراء مصالحة وطنية ترتكز علي المحاسبة والمساءلة في انتهاكات حقوق الانسان والفساد المالي والاداري خلال السنوات السابقة .

خ‌) المشاركة السياسية المتوزانة في مؤسسات الفترة الانتقالية التشريعية والتنفيذية بدءا باللجان الفنية في الفترة التمهيدية .

وفي تقدير حزب البعث السوداني ان نجاحنا في تحقيق هذه الاهداف هو الطريق الوحيد لمعالجة اختلالات اتفاقية السلام وتجاوز سلبياتها وتحويلها الي اتفاقية تسوية وطنية شاملة قادرة علي مواجهة تحديات الازمة الجارية في بلادنا . وفي هذا الخصوص نرى أن وثيقة (الاجماع الوطني) التي اصدرها التجمع الوطني وحزب الامة في يوليو 2003 تشكل اساسا متينا لصياغة مشروع برنامج وطني متكامل لبناء سودان ديمقراطي موحد وفاعل في محيطه الاقليمي والدولي بمشاركة كافة احزابه واقاليمه وتنظيماته .


المكتب السياسي

حزب البعث السوداني

20 يونيو 2004 الخرطوم