جريدة التقدم

جريدة التقدم عمومية صدرت في مطلع عام 1874 لصاحب امتيازاها يوسف الشلفون. فكانت أولا نصف أسبوعية في صفحتين متوسطتي الحجم. حقا ان مجموعة الفترة الأولى من التقدم (74-1787) تكاد تكون مفقودة تمام وأن الباحثين اعتمدوا أساسا على أعداد منفردة متناثرة، لكن المعلومات الجانبية والاشارات الواردة في تضاعف كتب المعاصرين لها، تسمح لنا اليوم بتقديم صورة جلية عن الجريدة، فقد أكد جرجي زيدان مثلا "أنها صدرت بعد تعطيل جريدة "النجاح" لمؤسسيها لويس صابونجي ويوسف الشلفون بسبب شدة لهجتها ضد الأتراك". ومن أن "التقدم" كانت خير خلف لأعظم سلف في مواقفها السلبية.[1]

بيد أن "التقدم" انحط شأنها فعطلها صاحبها في السنة الرابعة، مما حذا بالقس لويس صابونجي إلى نظم هذا البيت المشهور فيها:

ان التقدم دائما يتأخر ما زال للشلفون اسم يذكر.

ولكن صابونجي كان محقا تماما لو أنه أضاف بأن الجريدة ستسقط في الهاوية لو أنها ارتبطت بذكره. كل ما في الأمر أن تدهور التقدم لم يكن بسبب التراجع الذي أبداه الشلفون في مطلع 1874 على أرضية الراديكالية، بقدر ما كان ناجما عن اشتغاله بأمور الطباعة والنشر التي كانت تستنزف منه الوقت الضروري للقيام بمهم التحرير الجدية، فضلا عن الزامه بنهج الاعتدال وعدم المواجهة في علاقاته مع السلطات العثمانية . صفوة القول: كانت "التقدم" في مسيس الحاجة الى ملاح جديد يقود دفتها. فلويس صابونجي الذي نجا بأعجوبة من محاولة لاغتياله من قبل الرجعية فيما مضى. كان قد عاد لتوه الى بيروت من رحلة حول الكرة الأرضية استغرقت سنتين وسبعة أشهر – لم يكن المرشح المؤهل لادارة تحرير الجريدة، ولاسيما أنه قد اتختار حينئذ الكنيسة الكاثوليكية دريئة لهجماته وانتقاداته. أضف الى ذلك كله أن المدير الجديد يجب أن يتحى بصفات مميزة في الأسلوب والبلاغة، ووضوح الرؤية ونفاذ البصيرة، والاتزان والرجاحة، وعدم الخلط بين الإقدام والشجاعة وحب المغامرة والاقدام. وهكذا، اصبح أديب اسحاق ذلك الملاح البارع الذي قاد دفة "التقدم" بدءا من صيف عام 1874.

تسلم أديب إسحاق ادارة تحرير الجريدة يساعده في ذلك مباشرة يوسف الشلفون ولويس صابونجي ، وسليم نقاش والشيخ إسكندر العازار، ثم تعاقب على ادارتها كل من جرجس ميخائيل نحاس، ونجيب ابراهيم طراد، واسكندر بن جرجس طاسو. كان إسحاق يتخطى في انتقاداته الحدود القصوى المسموح بها في الواقع التركي المعاش، داعيا الى الاصلاح الجذري والتقدم الأصيل ، وعلى هذه الأرضية كان يوجه نقدا لاذعا للحافظين والمتخاذلين من الرعيل الأول، الذين اتصفوا بالتردد في المواقف ومناصرتهم لأنصاف الحلول. ويمكن اعتبار النضال الذي خاضته "التقدم" دون هوادة ذد الصحافة الصفراء، أشبه بشهادة واقعية حية عن الدور الكبير في ميدان الفكر السياسي – الاجتماعي التقدمي. وقد أشار المؤرخ الكبير فيليب الطرزي في موسوعته عن تاريخ الصحافة العربية الى هذا الواقع بقوله: ان "التقدم" في عهد أديب إسحاق خاضت غمار مناقشات طويلة مع جريدة "البشير" للآباء اليسوعيين لاختلافهما في المبادئ على قضية التعليم الإلزامي . كان المجال مبدئيا لدرجة لم تر صحائف ذلك الزمان نظيرا له، بحيث أن اليسوعيين لم يغفروا له ذلك حتى بعد مماته، وكان كريمسكي، الذي اعتمد على المصادر المتوفرة نسبيا في أواخر القرن الماضي، ميالا للاعقتاد بأن أديب إسحاق "كان يطلق العنوان لقلمه دون حذر.. كانت قوة انتقاده تزداد حدة ومرارة لأنه اتخذ أسلوبا جديدا في الانشاء لم يتوفر لغيره عصرئذ". وأكد المستشرق الألماني الماركسي أ. روثمان "أن اسحاق كان من قادة حركة النهضة العريبة" الذين دعوا الى "تحرير الأقطار العربية من سيطرة الأتراك والذي اضطر مرارا لمغادرة سورية بسبب الانتقاد اللاذع الذي كان يوجهه الى صفحات جرائده للحكم التركي".

لقد أبدى كريمسكي ملاحظة قيمة بشأن العلاقة بين أديب وجريدة "التقدم". ولكنه توصل – للأسف – الى استنتاج بعيد عن الحقيقة، قال: "كانت الجريدة بعيدة جدا عن اقبال الناس عليها بسبب أسلوبها الشديد اللهجة، علما أن الجميع كانوا يجلونها، ويضمنهم المسيحيون في بيروت. ولكنا لن نحيد عن جادة الصواب اذا قلنا أن "التقدم" بالذات هي التي مهدت الطريق لظهور جريدة إسلامية معارضة في بيروت. فالقسم الأعظم من السكان المسلمين في سورية يظهرون عداء سافرا حتى ازاء المبشرين الأكثر اعتدالا الداعين الى التقدم والرقي على النمط الأوربي. لقد تحمل العنصر الرجعي من مسلمي سورية بشق الأنفس الصحافة الوطنية المتركزة أساسا في يد النصارى العرب بداء من سنة 1858 تاريخ صدور "حديقة الأخبار" لصاحبها خليل الخوري، وطفح كيل الصبر فتوحدت العناصر الرجعية المحافظة لتصدر سنة 1875 جريدة خاصة بها، ترد الصاع صاعين – كما يقولون – لكل بدع المشركين الآتية من الغرب".

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ثمرات الفنون

الجريدة المقصودة أعلاه هي "ثمرات الفنون"، كانت أسبوعية علمية، صدر العدد الأول منها في بيروت بتاريخ 20/4/1875، ولكن ظهور الصحيفة حدث في ظروف مغايرة تماما لما ذكره كريمسكي هي باكورة الجرائد الإسلامية في البلاد السورية. أنشأتها "جمعية الفنون"المؤلفة من بعض أدباء وأعيان الطائفة السنية، التي حاولت التشبه بالجمعية السورية الأولى التي كانت من المسيحيين طرا. رغم تأخر الفنون فكريا وثقافيا أكثر من ربع قرن من الزمان.

ان واقع كون "ثمرات الفنون" في بداية عهدها شركة مساهمة مؤلفة من اثني عشر سهما ، وقيمة كل سهم ألفان وخمسمئة غرش، يتطلع المساهمون فيها الى الربح والمنفعة الشخصية، وهذا يدل دلالة قاطعة على الطبيعة البرجوازية لأصحاب الأسهم. وبالتالي على التحالف القائمة بينهم وبين رجالات النهضة المحافظين ، ذلك التحالف الذي وجد انعكاسا له في العدد الأول من "ثمرات الفنون" لسان حال رجال الدين – المساهمين من الطائفة السنية العاملين تحت رئاسة الحاج سعد ابن السيد عبد الفتاح حمادة، والذي شارك في اعداده رهط من أدباء المسلمين فضلا عن بعض الأدباء المسيحيين ذوي الاتصال الوثيق بالشيخ يوسف الأسير، نذكر منهم اسحاق عوني واسكندر طراد وابراهيم الأحدب وغيرهم. وحبذا لو اقتصر الأمر على ذلك، فكريمسكي الذي اعتمد على شهادة أوردها سليم سركيس صديق أديب عن توليه لتحرير "ثمرات الفنون" علق على ذلك بقوله: "ان الركض وراء الشهرة الأدبية دفع إسحاق للعمل في تحرير "ثمرات الفنون"، ولكنه خفف من وقع هذا الانطباع في هامش الصفحة ذاتها بقوله: "لكن عمله في التحرير لم يستمر طويلا، اذ غادر الى بيروت عاجلا".

ومن الحقائق المسلم بها أن أديب إسحاق كان خلال حياته القصيرة جدا، زاهدا بالمال ومتاع الدنيا، ومن غير المعقول أبدا أن يقايض بين مبادئه وبين آية مكافأة مالية مهما عظمت ليشتغل في جريدة نزلت الى الميدان وكل ديدنها "توجيه الضربة القاسية الى مطالب وبدع المشركين". كان حريا بكريمسكي أن يتخذ عبرة من مشاركة إسحاق وغيره من الرواد المسيحيين في هذا الموضوع ذي الطابع التنويري في الأوساط الإسلامية، فيقدره تقديرا موضوعيا بعيدا عن التقييمات الذاتية. كما فعل. ومن الجدير بالذكر هنا تلك الشهادة القيمة التي أوردها فيليب الطرزي (ونقلها عنه يوسف سركيس في موسوعته)، والتي مفادها أن أديب إسحاق لم يكن صحفيا عاديا في "ثمرات الفنون" لسان حال الطائفة السنية، بل تسلم ادارة تحريرها في أول عهدها".

ان افتراضنا بشأن تشجيع الرواد المسيحيين، ولاسيما أديب إسحاق الهادف الى اصدار جريدة "ثمرات الفنون" ليس نابعا من فراغ، بل له جذوره في أرضية الواقع. فمصادر تاريخ الصحافة العربية تؤكد أن الأجواء التي سادت حول "جمعية الفنون" ولسان حالها "ثمرات الفنون" في أول عهدها كانت مغايرة تماما للمناخ السائد مستقبلا. فبعد الوفاة المبكرة للحاج سعد حمادة (1878) تسلم عبد القادر القباني كرسي الرئاسة الشاغر. وهو رجل لم يشتهر في حياته اللهم الا في مجال التعصب الديني وسوى أنه كان صاحب امتياز الجريد’. ولكن القباني كان يفاخر دائما بأن نسبه يتصل بالامام زين العابدين، وأن أصل عائلته من بلاد الحجاز، انتقلت الى العراق ثم جاء بعض أجداده الى سورية لمحاربة الغزاة الصليبيين، فسكنوا أولا في جبيل ثم تحولوا الى بيروت. ادخل القباني "جمعية الفنون" في خبر كان، واغتصب ادارة التحرير من الشيخ يوسف الاسير، وجعل قبلته خدمة أفكار "الجامعة الاسلامية" و"الأمة الاسلامية" و"الجامعة العثمانية"، فكانت جريدته تدعو لطاعة أمير المؤمنين والالتفاف حول عرش الخيفة التركي. وهذا يعني أن "ثمرات الفنون" قبل الفترة القبانية، خدمت فكرا مناوئا لأهداف "الجامعة الاسلامية" و"الجامعة العثمانية"، أي الفكر النهضوي السوري – القومي ولو كان في حدوده الدنيا المحافظة المعتدلة. وبناء على ذلك نستنتج أن تسلم اسحاق لادارة التحرير كان يعني خطوة أولى على طريق استقطاب الطوائف الاسلامية حول حركة النهضة الثقافية القومية.

ينبغي التذكير في هذا السياق أن جريدة "التقدم" امتازت على أيام أديب بالاستقلالية في الأمور المرهونة بالطبع بمدى استقلالية الأفكار الحرة التي نادى وعمل بهديها أديب اسحاق ورفاقه وأنصاره. وبالفعل، اذا كانت الجرائد النهضوية تتلقى دعما ماديا من الأوساط البرجوازية في بيروت (عضد آل المدور مثلا "حديقة الأخبار") والجهات الرسمية (كان الوالي والمتصرف يدعمان بأموالهما آل الخوري، بينما آزر الوالي وخديوي مصر البستانيين)، فان أديب اسحاق وأنصاره كانوا بعيدون كل البعد عن الاستجداء والاستعطاف لإدراكهم حق الادراك "أن الناس عبيد الاحسان" – كما يقول المثل، ولذلك كانوا من الفرسان الأحرار في مبادئهم السياسية وأفكارهم الاجتماعية.

ان تزايد رغبة الجمهور في التمثيل ببيروت وطموح رواد النهضة السوريين – وهم أسبق المشارقة الى اقتباس فن التمثيل – لاشاعة هذا الفن التنويري دفع نخبة من الأدباء النوابغ والممثلين الى تقديم عروض مسرحية ، وقلما استخدموا هذا الفن للارتزاق والكسب. ولكن عندما كانت تنزل بهم الضائقة المالية، كانوا يستخدمون بعضا لمال للحفاظ على جرائدهم. فكانوا يمولون عن هذا الطريق ليس فقط نشاط "جمعية زهرة الآداب" ولسان حالها جريدة "التقدم" ، بل ويدعمون مطبعة الشفلون التقدمية وأعمال النشر وانشاء المدارس وغيرها من المشاريع والتدابير الثقافية. وللعلم نقول أن معظم أعباء النشاط المسرحي تأليفا وترجمة وتمثيلا كانت تقع على عاتق أديب اسحاق وسليم نقاش، الذين تعاونا في اقتباس روايات ومسرحيات الأدب الفرنسي الكلاسيكي، ولاسيما مسرحيات كورنيل، وراسين ومواءمتها مع مقتضيات الزمان والمكان في الواقع العربي.

ان فقدان المعلومات عن الوثائق البرمجية والأهداف والمطالب التي توختها "جمعية زهرة الآداب" ، ولسيما غياب أعداد "التقدم" في طورها الأول ، يجعلنا مضطرين للجوء الى المعطيات الجانبية الثانوية.


المصادر

  1. ^ نجاريان, يغيا (2005). النهضة القومية-الثقافية العربية. دمشق، سوريا: أكاديمية العلوم الأرمنية - الدار الوطنية الجديدة.