فريدريش فون شيلر

(تم التحويل من فريدريك شيلر)
فريدريش فون شيلر

يوهان كريستوف فريدريش فون شيلر Johann Christoph Friedrich von Schiller ( ولد في مارباخ 1759- ومات في فايمار1805) هو شاعر ومسرحي كلاسيكي ألماني. يعتبر هو وجوته مؤسسي الحركة الكلاسيكية في الأدب الألماني, ويعتبر من الشخصيات الرئيسية في التاريخ الأدبى الألماني.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

نشأته

ولد شيلر في 10 نوفمبر 1759 في مارباخ الواقعة علي نهر النيكار في الجنوب الألماني. وكان والده ضابطا و طبيبا في جيش الدوق كارل أويجين في شتوتجارت. وكانت لدى والدته نزعة متدينة. فزرعت في نفس شيللر حب الدين و الأخلاق و المثل العليا.

وقد التحق شيللر في طفولته و صباه بمدرسة القرية في لورش, ثم بالمدرسة اللاتينية في لودڤيگسبورگ. وبعد أن أنهي دراسته فيهما أراد أن يدرس اللاهوت, ولكن آماله تلك فشلت بسبب الدوق كارل اويگن الذى فرض على شيلر الدخول إلى الأكاديمية العسكرية.

وكان الدوق كارل أويجين قد أسس مدرسة عسكرية تكون مهمتها تخريج الضباط والجنود و القادة في جيش الدوقية.

ممشى الأفكار (ألمانيا) – بني في 2006 لتخليد اختراع يوهانس گوتنبرگ، ح. 1445، لحروف الطباعة المتحركة.

والتحق بها شيلر عام 1773 واختار في البداية أن يدرس القانون ، ولكنه تحول في عام 1775 إلى دراسة الطب. وقد بدأ شيلر يكتب في هذه الفترة محاولات شعرية و مسرحية تحت تأثير فريدريش گوتليب كلوبشتوك وگوتهولد إفرايم ليسنگ، وقد نشر من هذه المحاولات الأولي في الكتابة قصيدة المساء Der Abend .

شيللر


البداية

وبدأ شيلر في عام 1777 في مسرحيته الأولي اللصوص Die Raüber تحت تأثير أفكار عصر التنوير. وفي هذه المسرحية يتجسد الرفض المطلق للسلطة المطلقة, والنزوع نحو الحرية الاإنساني من الاضطهاد والظلم الاجتماعي. وبذلك أصبح شيللر من الممثلين الأساسيين لأفكار حركة العاصفة و الاندفاع "روحي ظامئة إلى الحرية".

وكان العرض المسرحي الأول لمسرحية شيللر اللصوص في 13 يناير 1782فى مانهايم, والذي نجح نجاحا أسطوريا جعلت من شيلر بين ليلة و ضحاها من ألمع الشخصيات الأدبية في ألمانيا. وحين فرض الدوق كارل أويجين قرارا بمنع كتابات شيلر لما فيها من التحريض عبي الطغيان و الاستبداد والدعوة إلي الحرية, قرر شيلر الهروب مع صديق صانع آلات الكمان شترايشر إلي مانهايم.

وهناك بدأ شيلر كتابة مسرحية جديدة هي فييسكو والتي اكتملت و عرضت في عام 1984. وأصابت شيلر في هذه الفترة أزمة مالية و نفسية, والتي نجح في اجتيازها وذلك بفض عمله في صحيفة تاليا. وتوالت بعد ذلك أعماله الدرامية, فكتب دسيسة وحب التي ينقد فيها زيف المجتمع و قسوته. وكانت دوقية فايمار في ذلك الوقت عاصمة للأدب في ألمانيا ففيها جوته وهردر و فيلاند, وكان الدوق كارل أوجوست فون زاكسن-فايمار محبا للفن والمسرح, فازدهرت الحياة الفنية و الأدبية في دوقيته.

شيلر في ڤايمار

تمثال جوته وشيلر في ڤايمار.

وكان شيلر وسط الأزمات المادية التي تلاحقه، يريد أن يستقر ماديا ليتفرغ لأعماله، فارتحل إلي فايمار بعد أن دعاه الدوق إلي المجىء إليها في عام 1784. وفي فايمار التقي شيلر بجوته, الذي ربطت بينهما صداقة عميقة، كانت من أشهر الصداقات في التاريخ الأدبي. وقد تأثر شيلر بأفكار جوته كما تأثر جوته بأفكار شيلر.

تمثال شيلر

وفي فايمار وجد شيللر المكان الذي كان يتمناه، فهناك الصداقات الأدبية و الأحاديث مع نبلاء الأسرة الملكية. وفي هذه الفترة كتب شيلر واحدة من أروع قصائده, التي لحنها بيتهوفن فيما بعد في سيمفونيته الناقصة، والمسماة ب"إلى السعادة". وفيها يمجد شيلر الرغبة الإنسانية الجارفة نحو السعادة, رغم الآلام التي تكبل روح الإنسان.

الاهتمام بالتاريخ

وفي تلت الفترة ازداد اهتمام شيلر بالتاريخ, الذي يعتيه المنبع الحقيقي للتجارب الإنسانية. ومن كتابات شيلر التاريخية: تاريخ سقوط الأراضي الواطئة من الاحتلال الإسباني. وقد أصبح شيلر أستاذا للتاريخ في جامعة ينا عام 1987, وذلك بتوصية خاصة من جوته. وكانت محاضرته الأولي بعنوان"ما المعنى والهدف من دراسة التاريخ العالمي؟" .

الاهتمام بالفلسفة

كما اهتم شيلر بالفلسفة, وتأثر بفلسفة كانت ، وكانت له أيضا كتابات فلسفية حول الفن والأدب.ومن هذه الكتابات الفلسفية:"عن الشعر الحساس و الشعر الفطري". وكتب شيللر المسرحيات التاريخية التي تعكس اهتمامه العميق و المتجذر بالتاريخ.

فكتب الثلاثية المسرحية فالنشتاين التي تدور حول شخصية فالنشتاين أحد القواد العسكريين, في حرب الثلاثين عاما. وكتب في سنة 1800 مسرحية ماريا ستيوارت حول ملكة إستكلندا ماريا ستيوارت و صرعها مع أختها ملكة إنجلترا إليزابيث. وكتب في سنة 1801 مسرحية عذراء أورليان حول كفاح جان دارك الفرنسة. ثم كانت آخر أعماله فلهلم تل حول شخصية أحد الثوار في سويسرا.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

شيلر في سني تطويقه 1759-1787

ولد يوهان كريستوف فريدريش شيلر في 10 نوفمبر 1759 بمدينة مارباخ في فورتمبرج. وكانت أمه ابنة صاحب فندق الأسد، وأبوه جراحاً-ثم ضابط برتبة الكابتن-في جيش الدوق كارل أويجين؛ وكان يتنقل مع فوجه، ولكن زوجته أقامت أكثر الوقت في لورش أولود فجزبرج. وفي هاتين المدينتين تلقى فريدريش تعليمه. وقد نذره أبواه للقسوسية، ولكن الدوق أقنعهما بأن يبعثا به وهو في الرابعة عشرة إلى كارلشولي (مدرسة كارل) في لود فجزبرج (ثم في شتوتجارت)، حيث يعد أبناء الضباط لمهنة المحاماة أو الطب أو الجندية. وكان نظام المدرسة نظاماً عسكرياً صارماً، والدراسات مجافية لطبيعة غلام فيه حساسية مرهفة تقرب من حساسية الفتيات. وكان رد فعل شيلر أن تشرب كل ما وجد إليه سبيلاً من الأفكار الثورية، ثم صبها (1770-1789) في مسرحية "اللصوص" التي فاقت جوتز فون برليشنجن تعبيراً عن الحركة الزوبعية.

وفي 1780 تخرج شيلر في الطب، وأصبح جراحاً لفوج في شتوتجارت. وكان راتبه ضئيلاً، وسكن حجرة واحدة مع الملازم كايف. وكانا يجهزان طعامهما وأكثره من السجق والبطاطس والخس، ثم أن النبيذ في المناسبات السارة. وقد شق على نفسه ليكون رجلاً له كل حس الجندي بالمعركة والجعة والمواخير، وزار المومسات اللاتي يختلفن إلى المعسكر(67)؛ ولكنه لم يكن يسيغ الابتذال والسوقية، فالنساء في نظرته المثالية أسرار غامضة مقدسة يجب أن يدنو منها الرجل في إجلاله ورعدة. وكانت صاحبة الدار واسمها لويزة فيشر أرملة في الثلاثين، ولكنها إذا عزفت على الهاربسيكورد "فارقت روحي جسدي الترابي الفاني"(68)، وتمنى لو "أنني التصقت إلى الأبد بشفتيك"... لا تشرب أنفاسك"(69). وهي طريقة مبتكرة في الانتحار.

وحاول عبثاً أن يجد ناشراً لمسرحية "اللصوص"، فلما أن أخفق، وفر واقترض ثم طبعها على نفقته (1781). وقد أدهش نجاحها الناس حتى مؤلفها ذا الاثنين والعشرين ربيعاً. وفي رأي كارليل أنها بدأت "عصراً في الأدب العالمي"(70)، ولكن ألمانيا الوقور صدمها أن المسرحية لم تترك ناحية من نواحي الحضارة الراهنة إلا إدانتها. وذكرت المقدمة التي صدر بها شيلر تمثيلته أنها تبين عظمة الضمير وأذى التمرد.

وخلاصة التمثيلية أن كارل مور، وهو الابن البكر للكونت المسن مكسمليان فون مور، يخصه أبوه بحبه لما اتسم به من مثالية وسماحة خلق؛ ومن ثم يحسده ويبغضه أخوه فرانتن. ويرحل كارل ويدخل جامعة ليبزج، ويتشرب مشاعر التمرد التي تضطرب بها صدور شباب أوربا الغربية. فلما ألح الدائنون في مطالبته بالدين، راح يندد بعباد المال القساة الذين "يلعنون الصدوقي الذي يقصر في الحضور إلى الكنيسة بانتظام، ومع أن تقواهم لا تخرج عن عد مكاسبهم، المجلوبة بالربا، على مذبح الكنيسة ذاته"(71).

ثم يفقد كل إيمان بالنظام الاجتماعي القائم، وينضم إلى عصابة من اللصوص، ويصبح زعيماً لها، ويقسم يمين الولاء لها حتى الموت، ثم يهدي ضميره بلعب دور روبن هود. ويصفه أحد أفراد العصابة بهذه العبارات: "إنه لا يقتل كما نقتل طمعاً في شيء يسلبه، أما المال... فيبدو أنه لا يعبأ به مثقال ذرة، فثلث الغنيمة الذي هو حق خالص له يعطيه لليتامى، أو ليعين به شباب الكلية المبشرين بمستقبل مرموق. أما إذا وقع في براثنه عين من أعيان الريف الذين يسومون فلاحيهم سوء العذاب كأنهم الأنعام، أو وغد يرفل في فاخر الثياب ممن يعوجون القضاء ليخدم مآربهم... أو أي رجل من هذا النوع-عندها يا بني يتجلى على فطرته ثائراً هادراً كأنه شيطان رجيم"(72).

ويندد كارل برجال الدين لأنهم يتملقون السلطان ويعبدون صنم المال سراً، "وخيرهم لا يتردد في أن يخون الثالوث الأقدس كله في سبيل عشرة شواقل"(73).

ويدبر فرانتس في غضون هذا إبلاغ الكونت في رسالة كاذبة أن كارل مات. ويصبح فرانتس الوريث لثروة أبيه، ويتقدم لخطبة إميليا التي تحب كارل حياً أو ميتاً. ويدس فرانتس السم لأبيه، ويهدئ وخز ضميره بالإلحاد: "لم يثبت بعد أن فوق هذه الأرض عيناً ترقب كل ما يجري عليها... ليس هناك إله(74). ويسمع كارل بجرائم أخيه، فيقود عصابته إلى قلعة الأب ويضرب حصاراً على فرانتس، فيتضرع هذا إلى الله مستمياً في التماس العون، فإذا لم يصله عون قتل نفسه. وتقدم أميليا نفسها لكارل شريطة أن يقلع عن حياة اللصوصية؛ وهو تواق إلى هذا، غير أن أتباعه يذكرونه بتعهده البقاء معهم حتى الموت. فيحترم تعهده، وينصرف عن أميليا؛ ولكنها تتوسل إليه أن يقتلها، فيستجيب لها، وبعد أن يرتب أن ينال عامل فقير المكافأة المرصودة للقبض عليه، يستسلم للقانون وللمشنقة.

وهذا كله بالطبع هراء. فالشخوص والأحداث يستحيل تصديقها، والأسلوب منمق طنان، والخطب لا تطاق، والفكرة عن المرأة مثالية على نحو رومانسي. ولكنه هراء قوي. ذلك أن فينا كلنا تقريباً تعاطفاً خفياً مع أولئك الذين يتحدون القانون؛ فنحن أيضاً نحس أنفسنا أحياناً وقد ضيقت علينا الخناق وأرهقتنا آلاف القوانين والأوامر التي تكبلنا أو تغرمنا وقد طال اعتيادنا على المنافع التي وهبنا إياها القانون حتى أننا لنأخذه قضايا مسلمة؛ ونحن لا نشعر بتعاطف طبيعي مع الشرطة حتى نقع ضحية من ضحايا التمرد على القانون. ومن ثم وجدت التمثيلية المطبوعة قراء متحمسين واستحساناً حاراً، ولم تمنع شكاوي الوعاظ والمشرعين، الذين زعموا أن شيلر مجد الجريمة، أحد النقاد من أن يحييه لأنه يعد بأن يصبح شكسبيراً "ألمانيا"(75)، ولا منعت المخرجين من أن يقترحوا إخراج المسرحية.

وعرض البارون ڤولفگانگ هربرت فون دالبرگ أن يقدمها على المسرح القومي بمانهايم إذا وضع لها شيلر نهاية أسعد. ففعل: واقتضى التعديل أن يتزوج مور أميليا بدلاً من أن يقتلها. وتسلل شيلر من شتوتجارت دون أن يستأذن الدوق كارل أو بجين قائده الحربي ليحضر العرض الأول للمسرحية في 13 يناير 1782. وأقبل الناس من فورمز ودارمشتات وفرانكفورت وغيرها من المدن ليشهدوا التمثيل. ولعب أوجست افلاند دور كارل، وكان من ألمع ممثلي الجيل؛ وأبدى النظارة استحسانهم بالصياح والتشيج، ولم تلق مسرحية ألمانية أخرى من قبل مثل هذا الاحتفاء(76)، وكانت قمة في الحركة الزوبعية. وبعد المسرحية كرم الممثلون شيلر وتودد إليه ناشر من مانهايم، وشق عليه أن يعود إلى شتوتجارت ويستأنف حياته جراحاً للفوج. وفي شهر مايو تسلل ثانية إلى مانهايم لشهد عرضاً آخر لمسرحية ثانية. فلما أن عاد ثانية إلى فوجه، وبخه الدوق وحظر عليه تأليف المزيد من التمثيليات.

ولم يقو على تقبل هذا الحظر. ففي 22 سبتمبر 1782 هرب إلى مانهايم في صحبة صديق يدعى أندرياس سترايشر. وهناك قدم لدالبرج تمثيلية جديدة سماها "مؤامرة فييسكو في جنوه". وقرأها على الممثلين، فحكموا أنها هابطة مؤسفاً عن مستوى "اللصوص"، وقال والبرج أنه قد يخرج المسرحية إذا راجعها شيلر؛ فعكف شيلر أسابيع على هذه المهمة، ولكن دالبرج رفض حصيلة هذا الجهد. ووجد شيلر نفسه لا يملك فلساً. وأنفق سترايشر على إعاشته النقود التي ادخرها ليدرس الموسيقى في همبورج. فلما نفدت، رحب شيلر بدعوة للإقامة في باورباخ في كوخ تملكه السيدة هنرييتا فون فولتسوجن. وهناك كتب تمثيليته ثالثة سماها "الدسيسة والحب". ووقع في غرام الآنسة لوته فون فولتسوجن البالغة من العمر ستة عشر ربيعاً. ولكنها آثرت عليه منافساً في حبها. وظفرت "فييسكو" التي نشرت في غضون هذا بتوزيع جيد. وندم دالبرج، وأرسل إلى شيلر دعوة ليكون كاتب التمثيليات المقيم لمسرح مانهايم براتب قدره ثلاثمائة فلورن في العام. فوافق (يوليو 1783).

ونعم شيلر بعام من السعادة القلقة رغم كثرة ديونه التي عجز عن سدادها ورغم ما أصيب به مرة من مرض خطير. وعرضت فييسكو على المسرح أول مرة في 11 يناير 1784، وقد أفسدها ما أصر عليه دالبرج من نهاية سعيدة لا يمكن تصديقها، ولم تثر المسرحية أي حماسة من النظارة. بيد أن "الدسيسة والحب "كانت أفضل بناء، وأقل خطباً، وأظهرت حساً متزايداً بالمسرح؛ وقد رأى فيها البعض، من وجهة النظر المسرحية، أفضل المآسي الألمانية قاطبة(77). وبعد أن فرغ الممثلون من العرض الأول (15 أبريل 1784) ضج النظارة بتصفيق صاخب حمل شيلر على أن يقوم من مقعده في إحدى المقصورات وينحني للجمهور.

كانت سعادته مفرطة قصيرة الأجل. ذلك أنه لم يكن بطبيعته صالحاً للتعامل مع الممثلين، الذين كانوا على شاكلته تقريباً في عصبيتهم؛ فقد قسا في الحكم على آدائهم، ولا مهم على عدم حفظ أدوارهم حفظاً دقيقاً(78). ولم يستطع أن يكمل تمثيلية ثالثة سماها "دون كارلوس" في الزمن المشروط. فلما أن قارب عقده "كاتباً للمسرح" الانتهاء في سبتمبر 1784 رفض دالبرج تجديده. ولم يكن شيلر قد ادخر شيئاً، فعاد من جديد يواجه الإملاق والدائنين الذين فرغ صبرهم.

في هذه الفترة أو نحوها نشر بعض "الرسائل الفلسفية" التي تدل على أن الشكوك الدينية قد أضيفت إلى مشكلاته الاقتصادية. فهو لم يستطع تقبل اللاهوت القديم، ومع ذلك اشمأزت روحه الشاعرة من الإلحاد المادي، كذلك الذي عبر عنه دولباخ في كتابه "مذهب الطبيعة" (1770). ولم يعد قادراً الآن على أن يصلي، ولكنه كان يحسد القادرين على الصلاة؛ وقد وصف في إحساس بالخسارة الفادحة ذلك العزاء الذي يهبه الدين لآلاف النفوس في ظروف الألم والحزن والاحتضار(79). على أنه احتفظ بإيمانه بحرية الإرادة، وبالخلود، وبإله مجهول، بانياً هذا كله، كما بناه كانط، على الوجدان الأخلاقي. وقد أعرب في عبارة لا تنسى عن مبدأ المسيح الأخلاقي "حين أبغض انتزع شيئاً من نفسي، أما حين أحب فإنني أزيد ثراء بما أحب. والصفح معناه أن أتلقى ثروة فقدت. وكراهة البشر إنما هي انتحار بطيء"(80).

وسط هذه الظروف المعقدة جمل كرستيان جوتفريد كورنر حياة شيلر بصداقة من أروع الصداقات في تاريخ الأدب. ففي يونيو 1784 أرسل إلى شيلر من ليبزج رسالة تنم على الإعجاب الحار، مشفوعة بصور له، ولخطيبته مناشتوك، وأختها دوراً، وخطيب دوراً لودفج هوبر، ومحفظة جيب طرزتها منا. أما كورنر هذا فقد ولد في 1756 (قبل مولد شيلر بثلاثة أعوام) لراعي كنيسة القديس توماس التي قاد فيها باخ قبل جيل الكثير من الموسيقى الخالدة. وقد نال الشاب إجازته في القانون وهو في الحادية والعشرين، وكان الآن مستشاراً لمجلس الكنيسة الأعلى في درسدن. وآخر شيلر رده حتى 7 ديسمبر، إذ كان مرهقاً بمتاعبه وهمومه. ورد عليه كورنر يقول "نحن نقدم لك صداقتنا دون تحفظ، فاحضر إلينا بأسرع ما تستطيع"(81).

وتردد شيلر. وكان قد كون صداقات في مانهايم، ووقع في غرام العديدات، لا سيما (1784) شارلوته فون كالب، التي تزوجت قبل ذلك بعام واحد. وفي دارمشتات، في ديسمبر 1784، التقى بالدوق كارل أوجست أمير ساكسي-فايمار، وقرأ عليه الفصل الأول من "دون كارلوس، ونال لقب Rat أو المستشار الفخري، ولكن لم يصله أي عرض بمكان في سماء فايمار. ومن ثم فقد قرر أن يقبل دعوة كرونر لليبزج. وعليه، ففي 10 فبراير 1785 أرسل إلى المعجب الذي لم يعرفه به نداء عاطفياً يظهره ريباً من نقطة الانهيار.

"في الوقت الذي في نصف سكان مانهايم إلى المسرح... أطير إليكم أيها الأصدقاء الأعزاء... فمنذ أن تلقيت خطابكم الأخير لم تبرحني قط الفكرة بأننا مخلوقون بعضنا لبعض، لا تسيئوا الظن بصداقتي إذ تبدو متعجلة بعض الشيء. فالطبيعة تطرح الكلفة في رضاها عن بعض الكائنات. والنفوس النبيلة ترتبط بخيط رقيق كثيراً ما يتبين أنه طويل البقاء.

"فإذا ما التمستم العذر لرجل تدفئ قلبه أفكار عظيمة ولكنه لم ينجز غير أفعال صغيرة؛ رجل لا يستطيع إلى الآن إلا أن يحدس من حماقاته أن الطبيعة رصدته لشيء ما، ويطالب بالحب الذي لا حدود له، وهو مع ذلك يجهل ما في وسعه أن يقدمه رداً على هذا الحب؛ ولكنه رجل يستطيع أن يحب شيئاً ما يتجاوز شخصه، ولا يعذبه شيء كرؤيته نفسه بعيداً كل البعد من أن يكون ما يشتهي أن يكونه؛ أقول إذا تطلع رجل هذه طبيعته إلى صداقتكم فإن صداقتنا ستكون أبدية، لأنني أنا ذلك الرجل. فلعلكم ستحبون شيلر، حتى إن كان تقديركم للشاعر قد تضاءل".

وقد توقف عن إكمال هذا الخطاب، ولكنه استأنفه في 22 فبراير: "لا أستطيع المقام بعد اليوم في مانهايم... فلا بد لي من زيارة لايبزج والتعرف إليكم. إن نفسي متعطشة لغذاء جديد-لناس أفضل-للصداقة، والمودة، والمحبة. لا بدأن أكون قريباً منكم، وبفضل حديثكم وصحبتكم ستنتعش روحي الجريحة... يجب أن تهبوني حياة جديدة، وسأصبح خيراً مما كنت في أي وقت مضى. سأكون سعيداً-إنني لم أنعم بالسعادة قط إلى الآن.. أتراكم ترحبون بمقدمي؟"(82).

ورد كورنر في 3 مارس يقول "سنستقبلك بأذرع مفتوحة" ثم نقد ج. ي. جوشن الناشر الليبزجي بعض المال ليرسل إلى شيلر مقدم أتعابه عن مقالات مستقبله(83). فلما أن وصل الشاعر إلى ليبزج (17 مارس 1785 كان كورنر غائباً في درسدن، ولكن خطيبته، وأختها، وهوبر، أدفأوا شيلر بالطعام والحفاوة البالغة. وأحبه جوشن لتوه، وكتب يقول "لا أستطيع أن أصف لك مبلغ عرفان شيلر واستجابته حين تبذل له النصيحة الناقدة، ومبلغ جهاده في سبيل تطوره الخلقي"(84).

والتقى كورنر بشيلر أول مرة في ليبزج في أول يوليو، ثم قفل إلى درسدن. وكتب إليه شيلر يقول "لقد جمعت السماء بيننا بطريقة عجيبة، وصداقتنا معجزة." ولكنه أردف أنه أشرف على الإفلاس من جديد(85). فبعث إليه كورنر بالمال، والطمأنينة، والنصيحة:

"إن كنت في حاجة إلى المزيد فاكتب لي وسأرسل لك أي مبلغ برجوع البريد. أنني لو كنت ذا ثراء طائل، وكان في استطاعتي... أن أرفعك فوق العوز والحاجة لضروريات الحياة في يوم من الأيام، لما جرؤت على أن أفعل هذا، فأنا عليم بأنك قادر على كسب ما يفي بكل حاجاتك بمجرد أن تشرع في العمل. ولكن اسمح لي-على الأقل سنة واحدة-بأن أعفيك من ضرورة العمل. في استطاعتي أن أدبر هذا دون إعسار، وفي استطاعتك أن ترد لي المال إن شئت حين تسمح بذلك ظروفك"(86). وزاد من قدر هذا الجود أن كورنر كان يجهز نفسه للزواج. وزف العروسان بدرسدن في 7 أغسطس 1785. وفي سبتمبر لحق بهما شيلر وعاش معهما، أو على حسابهما، حتى 20 يوليو 1787. في هذه الفترة أو نحوها-ربما وسط سعادة العروسين-كتب أشهر قصائده "أغنية للفرح" التي أصبحت تاج السمفونية التاسعة. وكلنا يعرف ميلودية بيتهوفن المؤثرة، ولكن القليلين منا، خارج ألمانيا، من يعرفون كلمات شيلر. وقد بدأت بنداء للمحبة الشاملة، وانتهت بدعوة للثورة:


أيتها الفرحة المنبثقة من لهب سماوي يا ابنة الفردوس، إننا نقبل إلى هيكلك ملتهبين بتلك النار المقدسة. أنت صاحبة التعاويذ التي وحدت من باعت التقاليد الرهيبة بينهم، كل الناس يصبحون أخوة حيث يمتد جناحاك الرفيقان.

الكورس: نحن نجمع الملايين بين أحضاننا، ونرسل قبلتنا إلى الدنيا بأسرها! أيها الأخوة، إن وراء السماء المرصعة بالنجوم يسكن أب محب من جرب النعم المقيم في صداقة الأصدقاء، ومن ظفر بعذرية محبوبة ليشاركنا في ابتهاجنا. ومن سبى قلباً يملكه دون الناس أجمعين-ومن أخفق، فلينصرف عن جماعتنا باكياً.

الكورس: كل ساكن للكون الكبير يقدم الإجلال للمحبة وهي تتقدم إلى طريق النجوم حيث يملك الإله المجهول. إن القلوب الباسلة الرازحة تحت الآلام تمد يد العون حيثما يبكي الأبرياء. والعهد الذي لا يخذل أبداً والوفاء للصديق والعدو! وتحدي الملوك، والروح الجريئة، وإن كلفتنا المال والدم أيها الأخوة، التيجان لأشرف مستحقيها والموت لكل سلالة الكذابين!

الكورس: اقفل الدائرة المقدسة وأقسم بالخمرة الذهبية! أقسم بالوفاء بهذه العهود المقدسة أقسم برب الفلك. وظل كورنر يعون شيلر عامين أملاً في أن يصوغ الشاعر في شكل لائق تلك المسرحية التي قصد بها تصوير الصراع بين فليب الثاني وابنه كارلوس. ولكن شيلر طال توانيه وتسويفه للتمثيلية حتى فقد المزاج التي بدأها به، ولعل ازدياد إطلاعه على التاريخ غير نظرته إلى فليب؛ ومهما يكن الأمر، فقد غير الحبكة حتى افتقدت الوحدة والتسلسل. "وفي غضون هذا (فبراير 1787) وقع في غرام هنرييتا فون أرنيم، واستهلكت الخطابات الغرامية مداد قلمه، بينما كانت هي تتصيد خطيباً أغنى منه. وأقنع كورنر شيلر بأن يعتكف في إحدى الضواحي حتى يفرغ من مسرحيته. وأخيراً تمت (يونيو 1787)، وعرض مسرح همبورج أن يخرجها. وانتعشت معنوية شيلر وكبرياؤه، فلعله الآن يرى جديراً بالانضمام إلى كوكبة الأدباء المتألقة حول الدوق كارل أوجست، أما كورنر الذي تنفس الصعداء فقد وافقه على أنه ليس للشاعر مستقبل في درسدن. ثم إن شارلوته فون كالب كانت في فايمار، بغير زوج، تغريه بالمجيء. وعليه، ففي 20 يوليو، وبعد الكثير من عبارات الوداع، ركب شيلر منطلقاً من درسدن إلى حياة جديدة. فوصل فايمار في الغد، وهكذا اكتمل عقد الزمرة العظمى.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

النهاية

شيلر على فراش موته — رسم بريشة فنان الپورتريه فرديناند ياگمان، 1805

وقد مات شيلر في عام 1805 بعد صراع طويل مع المرض لم يتوقف خلاله عن الكتابة والإبداع الشعري والمسرحي.

أعماله

مسرحيات

Schiller commemoration in لنكولن پارك، شيكاغو
  1. اللصوص (1781)
  2. دسيسة وحب (1783)
  3. فيسكو (1784)
  4. دون كارلوس (1788)
  5. فالنشتاين (ثلاثية مسرحية 1799)
  6. ماريا ستيوارت (1800)
  7. عذراء أورليان (1801)
  8. توراندوت (1801)
  9. عروس مسينا (1803)
  10. ڤلهلم تل (1805)
  11. دمتريوس (لم تكتمل)

تاريخ

  • Geschichte des Abfalls der vereinigten Niederlande von der spanischen Regierung أو تاريخ ثورة الأراضي الواطئة المتحدة ضد الحكم الاسباني
  • Geschichte des dreißigjährigen Kriegs أو تاريخ لحرب الثلاثين عاما
  • Über Völkerwanderung, Kreuzzüge und Mittelalter أو في الغزوات البربرية، الحملات الصليبية والعصور الوسطى
  • ما هو التاريخ الكوني ولماذا يدرس؟ (محاضرة افتتاحية في 26 مايو 1789)

ترجمة

نثر

  • Der Geisterseher or The Ghost-Seer (unfinished novel) (started in 1786 and published periodically. Published as book in 1789)
  • Über die ästhetische Erziehung des Menschen in einer Reihe von Briefen (On the Aesthetic Education of Man in a series of Letters), 1794
  • Der Verbrecher aus verlorener Ehre (Dishonoured Irreclaimable), 1786

قصائد

كتابات فلسفية

  • Philosophy of Physiology (1779)

On the relation of the animal nature of man and his spiritual (1780) About the contemporary German theater (1782) A walk under the lime trees (1782) The theater as a moral institution considered (1784) Philosophical Letters (1786) About the reason of the tragic pleasure in objects (1792) About the tragic art (1792) Augustenburger Letters (1793) On Grace and Dignity (1793) Callias-Letters (1793) On the Aesthetic Education of Man (1795) On Naive and Sentimental Poetry (1795) About the amateurism (1799, together with Johann Wolfgang von Goethe) On the Sublime (1801)

الهامش

طابع بريد من ألمانيا الشرقية يصور شيلر
  1. ^ خطأ استشهاد: وسم <ref> غير صحيح؛ لا نص تم توفيره للمراجع المسماة Ode

انظر أيضا

وصلات خارجية

Wikiquote-logo.svg اقرأ اقتباسات ذات علاقة بفريدريش فون شيلر، في معرفة الاقتباس.
Wikisource
German Wikisource has original text related to this article:
اقرأ نصاً ذا علاقة في

Friedrich Schiller


قالب:Commonspar

قالب:Works by Schiller