شارل بودلير

شارل بودلير
الأدب الفرنسي
بالتصنيف
تاريخ الأدب الفرنسي

العصور الوسطى
القرن السادس عشر - القرن السابع عشر
القرن الثامن عشر -القرن التاسع عشر
القرن العشرون - المعاصر

كتـّاب الفرنسية

قائمة زمنية
كتـّاب حسب تصنيفهم
روائيون - كتاب مسرحيات
شعراء - كتاب مقالات
كتاب القصة القصيرة

بوابة فرنسا
بوابة الأدب
 ع  ن  ت

شارل پيير بودلير (Charles Pierre Baudelaire؛ UK /ˈbdəlɛər/, الأمريكي /ˌbd(ə)ˈlɛər/؛[1] بالفرنسية: [ʃaʁl bodlɛʁ]  (Speaker Icon.svg استمع)؛ 1821-1867) هو شاعر وناقد فني فرنسي. ويعتبر بودلير من أبرز شعراء القرن التاسع عشر ومن رموز الحداثة في العالم. وكان شعر بودلير متقدماً عن شعر زمنه فلم يُفهم جيداً إلا بعد وفاته.

بدأ بودلير كتابة قصائده النثرية عام 1857 عقب نشر ديوانه ازهار الشر ، مدفوعا بالرغبة في شكل شعري يمكنه استيعاب العديد من تناقضات الحياة اليومية في المدن الكبري حتي يقتنص في شباكه الوجه النسبي الهارب للجمال ، وجد بودلير ضالته فيما كتبه ألوسيوس برتران من پالادات نثرية مستوحاة من ترجمات البالادات الاسكتلندية والالمانية الي الفرنسية. والبالاد هو النص الذي يشبه الموال القصصي في العربية وهو الشكل الذي استوحاه وردزورث وكولردج في ثورتهما علي جمود الكلاسيكية.

وفي عام 1861 بدأ بودلير في محاولة لتدقيق اقتراحه الجمالي وتنفيذه فكتب هذه القصائد التي تمثل المدينة اهم ملامحها ، وتعتبر معينا لا ينضب من النماذج والاحلام.


وكان الشاعر شارل بودلير يري ان الحياة الباريسية غنية بالموضوعات الشعرية الرائعة وهي القصائد التي اضيفت الي ازهار الشر في طبعته الثانية عام 1861 تحت عنوان لوحات باريسية.

لم ينشر ديوان سأم باريس في حياة بودلير ، وهو الديوان الذي لم يتحمس له غوستاف لانسون وسانت ـ بيف ، هذا الديوان الذي اثر تأثيرا عارما في الاجيال اللاحقة.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

حياته المبكرة

وُلد بودلير في پاريس، فرنسا، في 9 أبريل 1831، وعُمد بعد شهرين في كنيسة سان-سولپيس للروم الكاثوليك.[2] كان والده فرانسوا بودلير، من كبار الموظفين المدنيين وفنان هاوي، وكان أكبر 34 سنة من والدة بودلير، كارولين. توفي فرانسوا عندما كان بودلير لا يزال طفلاً، عام 1827. في العام التالي، تزوجت كارولين من الكولونيل جاك أوپيك، الذي أصبح لاحقاً سفيراً لفرنسا لدى عدد من الدول الشهيرة. عادة ما يرى كتاب سيرة بودلير هذا الوقت بأنه لحظة حرجة، معتبرين أن العثور على نفسه لم يعد يتركز على عاطفة تجاه والدته التي تركته مصدوماً، ومما يمهد إلى ما لشرح التجاوزات الظاهرة في وقت لاحق في حياته. لاحقاً صرح بودلير في رسالة أرسلها لوالدته، "كان في طفولتي فترة من الحب العاطفي تجاهك".[3] كان بودلير دائماً ما يتوسل إلى والدته من أجل المال طوال حياته المهنية، وكثيرًا ما كان يعدها بأن هناك عقد نشر مربح أو لجنة صحفية كان قاب قوسين أو أدنى.

درس بودلير في ليون، حيث استقل بحياته. في الرابعة عشر، وصفه زميل في الصف بأنه "أكثر دقة وأكثر تميزًا من أي من زملائنا التلاميذ ... نحن ملتزمون تجاه بعضنا البعض ... من خلال الأذواق المشتركة والتعاطف، والحب المبكر للأعمال الجميلة في الأدب".[4] كان بودلير غير منتظم في دراسته، في بعض الأحيان دؤوب، في أوقات أخرى عرضة "الكسل". في وقت لاحق، حضر في ليسيه لويس-لو-گران في باريس، حيث درس القانون، التخصص الشهير لأي شخص لم يقرر بعد اختيار مهنة محددة. بدأ علاقاته بالعاهرات، وربما أصيب في تلك الفترة بالسيلان أو الزهري. كما بدأ في الاستدانة، وكان ينفق معظمها على الملابس. بعد حصوله على الليسانس عام 1839، أخبر أخيه "لا أشعر أن لدي موهبة في أي شيء". كان زوج والدته يخطط ليجعله محامياً أو دبلوماسياً، لكن بدلاً من ذلك قرر بودليك العمل الأدبي. علقت والدته لاحقاً: "يا إلهي، إنه لأمر محزن، إذا كان تشارلز قد سمح لنفسه أن يسترشد بزوج والدته، لكانت مسيرته مختلفة جداً .... لم يكن ليترك علامة في الأدب، هذا صحيح، لكن كنا سنصبح أكثر سعادة، ثلاثتنا".[5]

پورتريه لبودلير، رسمه إميل دروي عام 1844.

أرسله زوج والدته في رحلة إلى كلكتا، الهند، عام 1841 أملاً في أن يقلع عن عاداته المستهترة. أمدته الرحلة بانطباعات قوية عن البحر، والإبحار، والموانئ الغريبة، التي استخدمها فيما بعد في شعره.[6] (لاحقاً بالغ بودلير في وصف رحلته ليخلق أسطورة عن رحلاته وتجاربه الشبابية، بما في ذلك "ركوب الأفيال".".) لدى عودته إلى حانات باريس، بدأ في تأليف بعض القصائد مثل "أزهار الشر" Les Fleurs du Mal. عندما بلغ 21 عام، حصل على ميراث كبير لكنه أهدر الكثير منه خلال بضع سنوات. حصلت عائلته على قرار بوضع ممتلكاته تحت الوصاية،[7] الأمر الذي أشعره بالمرارة، في وقت ما بحجة أن السماح له بالفشل مالياً كان من شأنه أن يكون الوسيلة الوحيدة المؤكدة لتعليمه الحفاظ على شؤونه المالية.

اشتهر بودلير في الدوائر الفنية على أنه كرجل من الطراز الأول وأنه ينفق ببذخ، وأنه بدد الكثير من ميراثه في فترة زمنيه قصيرة. أثناء ذلك لاوقت، أصبحت جين دوڤال عشيقته. رفضتها عائلته. وكانت والدته تصفها "بڤينوس السوداء" التي "تعذبه بكل وسيلة" وتستغل كل فرصة لاستنزاف أمواله.[8] وفي تلك الفترة حاول بودلير الانتحار.

شارك في ثورات 1848 وكتب في إحدى الجرائد الثورية. ومع ذلك، فقد تبدد اهتمامه بالسياسة، كما أشار لاحقاً في إحدى كتاباته.

في أوائل عقد 1850، عانى بودلير من حالة صحية سيئة، وضغوط الديون، ودخلاً غير منتظم من الأدب. وانتقل من نزل إلى آخر هرباً من الديانة. تولى الكثير من المشروعات والتي لم يتمكن من إكمالها، على الرغم من إنهائه لترجمات قصص إدگار آلن پو.

لدى وفاة زوج والدته عام 1857، لم يرد ذكره في الوصية، لكنه شعر اطمأن لإحساسه بأن الاختلاف بينه وبين والدته قد يزول. عندما بلغ 36 عام كتب لها: "أعتقد أنني أنتمي لك بكل كياني، وأنني أنتمي لك أنت فقط".[9]


أعمال منشورة

كانت أول أعمال بودلير المنشورة هي مراجعة فنية بعنوان "صالون 1845"، والتي لفتت الأنظار على الفور لجرأتها. كان لدى بودلير الكثير من الآراء الفنية الجديدة في ذلك الوقت، ومنها دفاعه عن ديلاكروا، وتبدو بعض آرائه متناغمة بشكل رائع مع النظريات المستقبلية للرسامين الانطباعيين.

عام 1846، كتب بودلير ثاني مراجعات الصالون، مكتسباً مصداقية إضافية كمدافع وناقض للرومانسية. دعمه لديلاكروا كفنان رومانسي رائد أكسبه شهرة واسعة.[10] في العام التالي نُشرت رواية بودلير التي تحمل اسم لا فانفارلو.

أزهار الشر

الطبعة الأولى من أزهار الشر.
ديوان أزهار الشر، مترجم للعربية. للقراءة، اضغط على الصورة.


«إن الكتاب الصغير، أزهار الشر الذي لا يزيد عن ثلاثمئة صفحة، يفوق في القيمة، بالمعيار الأدبي، أكثر الأعمال ضخامةً وشُهرة. لقد تُرجم إلى غالبية اللغات الأوروبية. وهي حقيقة سأتوقف عندها برهةً، لأنها - في ما أعتقد - بلا سابقة في تاريخ الأدب الفرنسي». ذلك ما كتبه الشاعر بول فاليري عن «أزهار الشَّر»، ديوان بودلير الشهير الذي صدر في 25 حزيران (يونيو) 1857، في 1100 نسخة، بسعر ثلاثة فرنكات للنسخة.

ولكن، كيف كان لمعاصريه - شعراء ونقاداً وصحافيين - أن يدركوا أن هذا الديوان الصغير، للشاعر الذي لم يتجاوز عُمر الشباب، سيكون ألمع ما أنتجه القرن شعرياً، بما انطوى عليه من فتوحات لا تُستنفَد؟

لن يدرك ذلك سوى ڤيكتور هوگو - ببصيرته الخارقة - حين كتب له: «إنك تخلق رعشةً جديدةً في الشعر الفرنسي».

وقبل مرور أسبوعين على صدور الديوان، يتم تقديم بودلير وناشرَيه إلى المحاكمة بتهمة انتهاك الأخلاق العامة. وتطالب النيابة العامة بحذف 10 قصائد، ست منها بحجة إهانة الأخلاق العامة، وأربع بحجة إهانة الأخلاق المسيحية.

فعلاً، كان الديوان «الصغير» - بمصطلح فاليري - قفزةً خارج السياق، لا السياق الشعري الفرنسي وحده، بل «الأوروبي» كله، الذي كان محكوماً بهيمنة «الرومنطيقية»، وظلال القامات الكبرى لشعرائها. ولا بد أن بودلير أدرك ذلك مبكراً: أن «شعراء مشهورين تقاسموا في ما بينهم منذ أمدٍ بعيد أكثر الأقاليم ازدهاراً في المجال الشعري»، مستنداً - في إدراكه - إلى ما رصده سانت - بيف (الناقد المرموق للمرحلة): «كل شيءٍ تم الاستيلاء عليه في مجال الشعر. استولى لامارتين على الفضاءات. واستولى فيكتور هوغو على الأرض، وما هو أكثر من الأرض. ولابراد استولى على الغابات. واستولى موسِّيه على العاطفة والعربدة الباهرة. واستولى آخرون على البيت، والحياة الزراعية... إلخ».

لكنه - مبكراً، أيضاً، في 1838 - كان يراقب هذا الازدهار بعين يقظة، ويقرأ كل ما كُتب خلال العقدين الأخيرين، فيكتب إلى أمه في 3 آب (أغسطس) 1838: «لم أقرأ سوى أعمال حديثة، لكن من تلك الأعمال التي يتحدثون عنها في كل مكان، ولها سمعة، ويقرأها كل الناس، آه حسناً، كل ذلك زائف، مبالغٌ فيه، ومهووس، ومفتعَل. إنني متقزز من كل ذلك: ليس هناك سوى مسرحيات وأشعار فيكتور هوغو وكتاب لسانت - بيف (شهوة) التي أمتعتني. إنني قرفان تماماً من الأدب، وفي الحقيقة، فمنذ عرفت القراءة، لم أعثر بعد على عمل يمتعني تماماً، ويمكن أن أحبه من أوله إلى آخره».

فما الذي تبقَّى له؟ سيكتب بودلير في أحد مشروعات مقدمة «أزهار الشر»: «لقد تقاسم شعراء مشهورون في ما بينهم - منذ أمدٍ بعيد - أكثر الأقاليم ازدهاراً في المجال الشعري. لقد بدا لي ذلك ساراً، بل أكثر إمتاعاً لأن المهمة كانت أصعب، وهي استنباط الجمال من الشر»: «الوعي في الشَّر»، «لأنَّنِي أُرِيدُ البَحثَ عَن خُلاَصَةِ الشَّر»، كما يقول في قصيدة له.

إنه «الوعي». الوعي بدور «الوعي» في الإبداع، بالخروج - أيضاً - على السياق الرومنطيقي الذي يُحِل «الوحي» والإلهام أداة للإبداع، طالما اعتبروا «الشعور» والعاطفة مركز ومنطلق الإبداع. و «الوعي» هو ما يخرجه عن السياق السائد، ويكتشف له بؤرته الشعرية الفريدة: «استنباط الجمال من الشر»، بؤرة لم يكن الوعي «العام» بقادر على استيعابها، آنذاك، وتمثلها. وهو ما أفضى به إلى المحاكمة، في الشهر التالي مباشرة لصدور الديوان الفريد، بعد التحريض عليه من جريدة «لو فيغارو» المحافظة.

غلاف Les Épaves، رسم صديق بودلير فيلنسين روپ.

هنا، يصبح الوعي فاعلاً أساسياً مُدرَكاً - ربما للمرة الأولى في التاريخ الشعري - في التأسيس للتجربة الشعرية وتحقيقها. فهو ما يحدد منطلَق التجربة، ويراعي تحققها خطوةً خطوة، وصولاً إلى الصوغ النهائي للديوان (ليس الديوان - «أزهار الشر» - في وعي بودلير، تجميعاً لما كُتب في السابق من قصائد منفردة، بل «بنية» فنية محسوبة بدقة، بعدد القصائد - مئة قصيدة، وتوزيعها على أقسام محددة، ذات خيط «سُري» سِري). وأكثر ما أزعج بودلير في الحكم بحذف ست من قصائد الديوان، هو إرباك هذه البنية «المحسوبة»، والتشويش على التجربة الشعرية. فنسق ترتيب القصائد يحدد الشكل الخاص للديوان، ويؤسس المعنى الذي سيستمده القارئ، فيما يؤدي الحذف إلى تغيير الشكل والمعنى معاً. بل وصل الأمر إلى حد تحديده القصائد المطلوب كتابتها لتحقيق بنية العمل - الديوان، واختيار عناوين للقصائد، ورصد بعض الملاحظات التي ستدخل بنية القصيدة (نكتشف ذلك من مخطوطاته).[11]

كتابٌ ذو بداية ونهاية، وأقسامه تم اختيارها قصدياً واحداً وراء الآخر، في إطار محدد. كتابٌ تتحد فيه القصائد أحياناً في «دوائر»، فيما تتخذ عناصر أخرى قيمةً ترجع إلى الترابط أو التضاد، مثلما في التجاور البسيط. وهذا «المعمار السري» يفسر لنا اعتبار إيڤ بونفوا: «أزهار الشر» هو «سيد الكتب في شعرنا».

وكان لا بد لهذا الوعي - في المقابل - من اكتشاف «الحداثة»، ليتحقق اكتمال التجربة المؤسسة، شعرياً وثقافياً.

في مشروع خاتمة لديوان «أزهار الشر»، يخاطب بودلير مدينته باريس: «إِنَّنِي استَخلَصتُ مِن كُلِّ شَيءٍ الجَوهَر/ أعطَيتِنِي طِينَكِ فَصَنَعتُ مِنهُ الذَّهَب».

وفي موضع آخر، يكرر الفكرة بطريقة شبه كاملة: «عَجَنتُ الطِّينَ وَصَنَعتُ مِنهُ الذَّهَب». ولم يكن هذا «الطين» سوى ركام المدينة، المادي والإنساني، أطلالها الحجرية والبشرية. حانات القاع، والمقابر، والدعارة، والمسوخ، والمقعدون، والموتى. فالمدينة تمارس على المتجول فيها فعلاً يتخذ شكل الصدمة.

واختيار المدينة هذا هو - بالتأكيد - أحد مفاتيح الحداثة البودليرية. وهو ما سيؤكده ت. إس. إليوت بعد قرابة قرن: «أعتقد أنني قد تعلمتُ من بودلير (...) المظاهر الشائنة للمدينة الحديثة بالذات، وإمكان انصهار الواقعية الأكثر قذارةً فيها والرؤى الخارقة، إمكان تجاور المبتذل والخيالي. منه، كما من لافورغ، تعلمت أن المادة التي توفرتُ عليها، والتجربة التي توفرتُ عليها، كمراهق، في مدينة صناعية بالولايات المتحدة، كان يمكن أن تكون مادةً شعرية، وأن منبع الشعر الجديد كان يمكن أن يكون اكتشافًا فيما يمكن اعتباره حتى الآن كواقع عصي، عقيم، لا شعري بصورة لاَ تُرَد».

مدينةٌ موسومةٌ بالشيخوخة. فمن «الشيوخ السبعة» إلى «العجائز القصيرات»، يُضاعف الديوان من إشارات الوهن التي تسِم «الثنايا الآثمة» لـ «العاصمة العتيقة»، شأن جباه سكانها. والمفارقة أن هذا الوعي بالشيخوخة هو - بالفعل - أحد مفاتيح جِدَّة الديوان. ففي قصيدة «بياتريس»، بعدما تذكر بودلير تهكم الشياطين المفعم بالسخرية، يستحضر رد الفعل الذي يمكن أن يقوم به، رد فعل الشعراء الرومانطيقيين، أسلافه، القائم على كِبرِيَاء «بِارتِفَاعِ الجِبَال/ يُشرِفُ عَلَى الغَيمَةِ وَصُرَاخِ الشَّيَاطِين»، إلى «أن أُدِيرَ رَأسِيَ السَّامِيَةَ بِبَسَاطَة». وهذا السمو هو بالتحديد ما فقده العجائز، «أنقَاض إِنسَانِيَّةٍ نَاضِجَة مِن أجلِ الأبَدِيَّة»، تلك «الأطلال» التي قال عنها أنها «عائلته». وفجأةً، مع هذا الفقدان لـ «وهم» السمو، ينفتح الفصل الأليم للاغتراب والتعاسة.

فالقارئ مدعُو - في الديوان - إلى مسرح حزن أو جفاف داخلي، إلى رسم صورة موضوعيةٍ متشيئة، إلى حد عدم القدرة على الإشارة - في بعض الأحيان - إلّا إلى العناصر غير الذاتية. وقصائد السأم تصور بالأساس حالة روح معذَّبة في إحساسها بنفسها، وذلك من خلال العلاقة بين هذه الروح والآخر، التي يمكن خلالها أن نرى - بطريقة أكثر وضوحًا - شارات الاغتراب.

وفي ظل هذا الاغتراب، يتحقق - في «أزهار الشر» - الارتباط بين الحب والألم، المتعارض مع المفهوم المسيحي، ومع مثالية أي فيكتور هوعو. وهو المسؤول عن الصور التي صدمت كثيراً بعض معاصريه. والتعارض، الذي يجعل من الكراهية الرفيق اللصيق للحب، الذي يقود العاشق إلى الإحساس بعاطفته كعبء لاَ يُحتَمل، يُغذِّي رغبةً لاَ تتحقق إلّا في تخيل عِقاب قاس بصورة سادية. «أكرَهُكِ بِقَدرِ مَا أُحِبُّك!»، يعلن الشاعر: «هَكَذَا أُرِيدُ، ذَاتَ لَيلَة،/ عِندَمَا تَدُقُّ سَاعَةُ الشَّهوَة،/ أن أزحَفَ بِلاَ صَوتٍ، كَجَبَان،/ نَحوَ كُنُوزِ جَسَدِك،/ لأُهَذِّبَ جَسَدَكِ المُبتَهِج،/ لأجرَحَ صَدرَكِ المُتَسَامِح،/ وَأرتَكِبَ فِي خَصرِكِ المَذهُول/ جُرحًا كَبِيرًا وَغَائِرًا،/ وَعَبرَ هَذِهِ الشِّفَاهِ الجَدِيدَة،/ الأكثَر صَخَبًا وَجَمَالاً،/ أيَّتُهَا العُذُوبَةُ المُدَوِّخَة! / أبُثَّ فِيكِ سُمِّي، يَا أُختِي!»

فـ «السُّم» رمزٌ للسأم أو للكآبة، والرغبة لاَ تنكشف إلاَّ في نزوع تدميري هو - بالتحديد - أحد أشكال الألم. وخارج القسوة، تكشف قصيدة «إلى تلك المبتهجة للغاية» مُقوماً آخر للروح البودليرية: السخط، لا كتعبير متفاقم عن استثارة مُعذَّبَة، بل شارة يأس ميتافيزيقي. ولا تنفد الدلالات، ولا تكتمل الإحاطة. ويظل «أزهار الشر» تجربة شعرية عصية، لا تنفد، ولا تُستنفد. لا تستهلكه القراءات والزمن، ولا تلمسه عوامل التعرية الإبداعية والثقافية... شاهداً على قدرة الوعي والخيال الإنساني، في أقصى تجلياتها.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

السنوات الأخيرة

شارل بودلير، تصوير نادار، 1855
أپولوني سباستييه، ملهمته وإحدى عشيقاته، رسم ڤنسان ڤيدال.

بعد ذلك عمل بودلير على ترجمة وتعديل رواية اعترافات آكل الأفيون الإنگليزي تأليف توماس دى كوينسي.[12] ومن الأعمال الأخرى التي أنتجها في السنوات التالية Petits Poèmes en prose (قصائد نثرية صغيرة)؛ سلسلة مراجعات فنية نشرت في Pays, Exposition universelle (Country, World Fair)؛ دراسات عن گوستاڤ فلوبير (في L'Artiste، 18 أكتوبر 1857)؛ عن تيوفيل گوتييه (Revue contemporaine، سبتمبر 1858)؛ ساهم بمختلف الممقالات في Eugene Crepet's Poètes francais؛ Les Paradis artificiels: opium et haschisch (الشعراء الفرنسيون الجنان الاصطناعية: الأفيون والحشيش) (1860)؛ وUn Dernier Chapitre de l'histoire des oeuvres de Balzac (الفصل الأخير من تاريخ أعمال بلزاك) (1880)، كان في الأصل مقال نُشر في "Comment on paye ses dettes quand on a du génie" ("كيف يدفع المرء ديونه عندما يكون عبقرياً")، والتي تحول نقده فيها تجاه أصدقائه اونوريه دى بلزاك، تيوفيل گوتييه، وجيرار دى نرڤال.[13]

شاهد قبر شارل بودلير، مون‌پارناس.

بحلول 1859، بسبب مرضه، استعماله الطويل للوندوم، وضغوط الحياة، وتأثره بالفقر فقد بودلير شبابه بشكل ملحوظ. لكن في النهاية، تراجعت والدته وسمحته له بالعيش معها لفترة في هونفلور. كان بودلير منتجاً وعاش في سلام في هذه البلدة الساحلية، وتعتبر قصيدة الرحلة Le Voyage، من الأمثلة على جهوده في ذلك الوقت.[14] عام 1860، أصبح مؤيداً متحمساً لريتشارد ڤاگنر.


وزادت الصعوبات المالية مرة أخرى، وخاصة بعد إفلاس دار النشر التي يملكها عام 1861. وفي عام 1864، ترك باريس إلى بلجيكا، أملاً في بيع حقوق نشر أعماله، وكذلك لإلقاء المحاضرات.[15] علاقاته الطويلة من جان دوڤال استمرت ما بين صعود وهبو، وساعدها بودلير كي تنهي حياته. علاقة بودلير مع الممثلة مارلي دوبرون والمومس أپولوني سباستييه، وعلى الرغم من كونها مصدراً للكثير من الإلهام، إلا أنها لم تشعره أبداً بالرضا التام. كان يدخن الأفيون، وفي بروكسل بدأ احتساء الكحول بإفراط. أصيب بودلير بجلطة حادة عام 1866 وبعدها أصيب بالشلل. بعد معاناة من فقدان القدرة على الكلام استمرت لأكثر من عام، حصل على الطقوس الأخيرة في الكنيسة الكاثوليكية.[16] قضى بودلير العامين الأخيرين من حياته شبه مشلولاً في "مصحات" في بروكسل وباريس، حيث توفي في 31 أغسطس 1867. دُفن بودلير في مقبرة مونپارناس، پاريس.

نُشرت الكثير من أعماله بعد وفاته. ودفعت والدته ديونه بالكامل، وشعرت أخيراً ببعض الراحة من شهرت بودلير. "أرى ابني، بجميع أخطائه، متمتعاً بمكانة أدبية". وعاشت بعده أربع سنوات.

الشعر

اقرأ نصاً ذا علاقة في

شارل بودلير


مختارات من شعره، ولقراءة القائمة كاملة[17]، اضغط هنا:


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

تأثيره

پورتريه بريشة گوستاڤ كوربيه، 1848.


أعماله

بودلير، Bibliothèque de la Pléiade, Œuvres complètes (أعمال كاملة)، الجزء الأول.
  • صالون 1845، 1845
  • صالون 1846، 1846
  • لا فانفارلو، 1847
  • زهور الشيطان، 1857
  • الجنة الصناعية Les paradis artificiels، 1860
  • Réflexions sur Quelques-uns de mes Contemporains, 1861
  • Le Peintre de la Vie Moderne, 1863
  • Curiosités Esthétiques, 1868
  • L'art romantique, 1868
  • Le Spleen de Paris, 1869
  • Oeuvres Posthumes et Correspondance Générale, 1887–1907
  • Fusées, 1897
  • Mon Coeur Mis à Nu, 1897
  • Oeuvres Complètes, 1922–53 (19 vols.)
  • مرآة الفن، 1955
  • The Essence of Laughter, 1956
  • Curiosités Esthétiques, 1962
  • رسام الحياة الحديثة ومقالات أخرى، 1964
  • Baudelaire as a Literary Critic, 1964
  • الفنون في باريس 1845–1862، 1965
  • كتابات مختارة حول الفن والفنان، 1972
  • رسائل مختارة لشارل بودلير، 1986
  • عشرون قصيدة نثرية، 1988
  • Critique d'art; Critique musicale, 1992


انظر أيضاً

المصادر

  1. ^ "Baudelaire". مريم-وبستر.
  2. ^ Charles Baudelaire, Richard Howard. Les Fleurs Du Mal. David R. Godine Publisher, 1983, p.xxv. ISBN 0-87923-462-8, ISBN 978-0-87923-462-1.
  3. ^ Richardson 1994, p. 16
  4. ^ Richardson 1994, p. 35
  5. ^ Richardson 1994, p. 70
  6. ^ Richardson 1994, pp. 67–68
  7. ^ Richardson 1994, p. 71
  8. ^ Richardson 1994, p. 75
  9. ^ Richardson 1994, p. 219.
  10. ^ Richardson 1994, p. 110.
  11. ^ "شارل بودلير صنع من الطين ذهباً". جريدة الحياة. 2017-07-01. Retrieved 2018-07-30.
  12. ^ Richardson 1994, p. 311.
  13. ^ Chisholm 1911.
  14. ^ Richardson 1994, p. 281.
  15. ^ Richardson 1994, p. 400
  16. ^ Library.vanderbilt.edu
  17. ^ شارل بودلير، الموسوعة العالمية للشعر العربي
  • Wikisource-logo.svg
  • Richardson, Joanna (1994). Baudelaire. New York: St. Martin's Press. ISBN  0-312-11476-1 . OCLC 30736784.

وصلات خارجية

Wikiquote-logo.svg اقرأ اقتباسات ذات علاقة بشارل بودلير، في معرفة الاقتباس.
Wikisource
Wikisource has original works written by or about:

نصوص أونلاين

قالب:Bibliowiki

أعمال فردية