الطبقات الاجتماعية في روما القديمة

توگا, shown here on a statue restored with the head of Nerva, was the distinctive garb of Roman male citizens

كان كل إنسان في رومة إلا أقلية لا يعتد بها يعبد المال عبادة جنونية، وكان الناس جميعاً عدا أصحاب المصارف يلعنون المال ويذمونه. من ذلك أن أوفد يقول في أحد كتبه على لسان إله من الآلهة: "ما أقل ما تعرف عن العصر الذي تعيش فيه إذا توهمت أن الشهد أحلى من المال في يدك"(15). وبعد مائة عام من ذلك يشيد جوفنال في سخرية: "بجلال الثروة المقدس أعظم التقديس". وظل القانون الروماني إلى آخر عهد الإمبراطورية يحرم على الشيوخ استثمار أموالهم في التجارة أو الصناعة؛ ومع انهم كانوا يحتالون على هذا التحريم بأن يجيزوا لمعتوقيهم أن يستثمروا لهم المال، فإنهم كانوا يحتقرون وكلاءهم، ويرون ان الحكم بحق المولد هو وحده الذي يليق بهم أن يستبدلوا به الحكم بحق المال أو الأساطير أو السيف. وقد ظلت الانقسامات الطائفية باقية في البلاد بعد ما قام فيها من الثورات، وبعد أن نقص عدد الأشراف نقصاناً كبيراً، واتخذوا لهم ألقاباً جديدة: فأصبح أفراد طبقتي الشيوخ، والفرسان، والحكام، والموظفين، يلقبون "رجال الشرف" honestiores أو رجال المناصب؛ ولقب كل من عداهم "بالأدنياء" humiliores أو "الضعفاء" tenuiores. وكان وقار الشيخ وزهوه يمتزج بهما اعتزازاً بالشرف والكرامة، وكان يعمل في عدد من المناصب بعضها في اثر بعض من غير أجر بل تفرض عليه نفقات طائلة، وكان يضطلع بالواجبات التي تفرضها عليه مناصبه الهامة بدرجة لا بأس بها من الكفاية والاستقامة؛ وينفق من ماله على الألعاب العامة، ويساعد الموالي المحررين من العبيد، ويقتسم بعض ثروته مع الأهلين بضروب الصدقات التي يخرجها في أثناء حياته أو بعد مماته. وإذ كان مركزه يتطلب منه كثيراً من الواجبات، كان يطلب إليه إذا أراد أن ينضم إلى طبقة الشيوخ أو يبقى فيها أن يكون لديه مليون سسترس.

وقد بلغت ثروة أحد الشيوخ وهو گنايوس لنتولوس Gnaeus Lentulus نحو 400.000.000 سسترس، ولكننا إذا استثنينا هذا الشيخ وحده كان أعظم الناس ثراء في رومة هم رجال الأعمال الذين لم يكونوا يستنكفون أن يشتغلوا بالشؤون المالية أو التجارية. وبينما كان الأباطرة ينقصون من سلطان مجلس الشيوخ كانوا يختصون رجال الأعمال بالمناصب الكبرى، ويحمون الصناعة والتجارة والأعمال المالية، واتخذوا معونة الفرسان سنداً للزعامة ضد دسائس الأشراف. وكانت عضوية هذه الطبقة الثانية، طبقة الفرسان، تتطلب من صاحبها أن يكون مالكاً لأربعمائة ألف سسترس، وأن يرشح الزعيم نفسه أعضاء هذه الطبقة؛ ومن أجل هذا كان كثيرون من ذوي الثراء من طبقة العامة.

وكانت هذه الطبقة وقتئذ تتألف من رجال الأعمال الذين لم يرشحوا إلى العضوية في طبقة أخرى، ومن العمال الأحرار المولد، والفلاحين الملاك، والمدرسين، والأطباء، والفنانين والعبيد المحررين. ولم يكن الإحصاء يحدد طبقة الصعاليك حسب أعمال أفرادها بل كان يحددها حسب مولدهم؛ وقد وصفتهم إحدى الرسائل القديمة بأنهم "السوقة الذين لا يقدمون للدولة إلا الأطفال"(52) وكان الكثيرون منهم يهملون في الحوانيت، وفي المصانع، وفي تجارة المدن بأجر يبلغ متوسطه ديناراً (50/100 من الريال الأمريكي) في اليوم. وزاد هذا الأجر في القرون التالية، ولكن زيادته لم تكن أسرع من زيادة الأثمان(53). وجدير بنا أل ننسى ان استغلال الأقوياء للضعفاء أمر طبيعي كالطعام والشراب، ولا يختلف عنهما إلا في السرعة؛ وانه لا يخلو منه عصر من العصور ولا مجتمع من المجتمعات أيا كان نوعه وأيا كان نظام الحكم الذي يخضع له؛ ولكن هذا الاستغلال لم يكن في بلد من البلاد أكمل مما كان في رومة القديمة، كما لم تكن الطبقات في بلد آخر أقل تعاطفاً من الطبقات فيها. لقد كان ساكنوها جميعاً في وقت من الأوقات فقراء لا يشعرون بفقرهم، ولكن الفقر والثراء ما لبثا أن وجدا معاً في صعيد واحد، فشعر الفقراء وقتئذ بفقرهم. على أن نظام الإعانات الحكومية والصدقات التي كان السادة يحسنون بها على مواليهم، والوصايا القيمة التي كان يوصى بها الأثرياء أمثال بلبس الذي أوصى لكل ساكن في رومة بخمسة وعشرين ديناراً، كل هذا قد حال بين الأهلين وبين الفقر المدقع. وكاد نظام الطبقات في رومة أن يصبح شبيهاً بنظيره في الهند الحاضرة فيقسم الأمة أقساماً منفصلة متنافرة، ولكن من كان ذا قدرة من الأهلين كان في وسعه أن يتحرر من الرق، وأن يجمع المال، ويرقى إلى المناصب العالية في خدمة الزعيم. وكان ابن العبد المحرر يتمتع بجميع حقوق الأحرار، وكان في وسع حفيده أن يصبح عضواً في مجلس الشيوخ، بل ان حفيد أحد المحررين قد أصبح امبراطوراً بعد قليل من هذا الوقت الذي نتحدث عنه.

وتولى العبيد المحررون في القرن الأول الميلادي كثيراً من المناصب العامة. وكثيراً ما كان يعهد إليهم الإشراف على أموال الإمبراطورية في الولايات، وعلى عمليات المياه في رومة، وعلى مناجم الامبراطور، ومقالع أحجاره وضياعه، وعلى تموين معسكرات الجيش. وكان المحررون أو العبيد، وكلهم تقريباً من اليونان أو السوريين، يديرون شؤون القصور الإمبراطورية، ويتولون أخط والمناصب في مجالس الدولة. وتحولت الصناعات والتجارة الصغرى شيئاً فشيئاً إلى أيدي المحررين، وأصبح الكثيرون منهم على مر الأيام من أصحاب رؤوس الأموال وملاك الأراضي؛ وقلما كان ماضيهم يتيح لهم الفرص لرفع مستواهم الخلقي أو يسمو بأغراضهم وأسباب اهتمامهم، فلما أن حرروا أصبح المال شغلهم الشاغل فلم يكونوا يتورعون عن سلوك أي سبيل توصلهم إليه، أو يراعون في إنفاقه وازعاً من ضمير أو ذوق سليم. وقد ندد بهم پترونيوس Petronius أشنع تنديد في تريملكيو، وسخر سنكا، وان يكن أقل من بترونيوس حدة، بالأثرياء المحدثين الذين يبتاعون مجاميع مزينة من الكتب ولكنهم لا يقرأونها أبداً(54). وأكبر الظن ان بعض هذا الهجاء كان رد فعل مبعثه غيرة طبقة من الناس رأت ان ما كانت تختص به من استغلال الناس والاستمتاع بضورب الترف والملاذ قد أخذ يعتدي عليه هؤلاء المحدثون، ولم يكن في وسعها أن تصفح عن أولئك الذين قاموا يشاركونها في أموالها وسلطانها.

وما من شك في ان ما لقيه المحررون منن نجاح قد بعث بعض السلوى والأمل في نفوس تلك الطبقة التي كانت تقوم بمعظم الأعمال اليدوية في إيطاليا. وقد قدر بلوك Peloch عدد العبيد في رومة حوالي سنة 30 ق. م بما يقرب من 400.00 أي نحو نصف عدد سكانها جميعاً، وقدر عددهم في إيطاليا بنحو 1.500.000. وإذا جاز لنا أن نصدق ثرثرة أثينوس فان بعض الرومان كان يمتلك الواحد منهم 20.000 عبد(55). ومن أكبر الشواهد على كثرتهم أن مجلس الشيوخ قد رفض اقتراحاً عرض عليه يرمي إلى إلزام العبيد بأن يلبسوا زياً خاصاً،وكان سبب الرفض خوف المجلس أن يدركوا بذلك كثرة عددهم. وقدر جابينوس نسبة العبيد إلى الأحرار في برجموم Pergamum حوالي سنة 170م بواحد إلى ثلاثة أي 25%، وأكبر الظن ان نسبتهم في المدن الأخرى لم تكن تختلف كثيراً عن هذه النسبة(56). وكان ثمن العبد يختلف من 330 سترس يبتاع بها من يعمل في الضياع، إلى سبعمائة ألف (105.000ريال أمريكي) التي ابتاع بها ماركس أسكورس Marcus Scaurus دفنيس Daphnis النحوي(57). وكان متوسط ثمن العبد في الوقت الذي نتحدث عنه 4000 سسترس (400ريال)، وكان ثمانون في المائة من العمال في الصناعة وفي تجارة الأشتات من العبيد، كما كانت معظم الأعمال اليدوية والكتابية في المصالح الحكومية يؤديها "عبيد عوميون" Servi Publici. أما عبيد المنازل فكانوا أنواعاً لا حصر لها، كما كانت مراكزهم وأعمالهم كثيرة متنوعة: كانوا يقومون بخدمة سادتهم، وكانوا صناعً يدويين، ومعلمين خصوصيين، وطهاة وحلاقين، وموسيقيين، ونساخين،وأمناء مكاتب، وفنانين، وأطباء، وفلاسفة وخصياناً، وغلماناً حساناً أقل ما يقومون به من الأعمال أن يكونوا سقاة، ومقعدين يسلون سادتهم بأجسادهم المشوهة. وكانت في رومة سوق خاصة يستطيع الإنسان أن يبتاع فيها عبداً أعرج، وأقطع الذراع، أو ذا أعين ثلاث، أو طويلاً مفرطاً في الطول، أو قزماً أو خنثي(58). وكان عبيد المنازل يضربون أحياناً وأحياناً يقتلون،وقد قتل والد نيرون عبيده لأنهم أبوا أن يشربوا من الخمر القدر الذي يرغب فيه(59). ويصف سنكا في فقرة له غاضبة "العذراء الخشبية وغيرها من آلات التعذيب، والجب وغيره من السجون، والنيران التي كانت توقد في الحفر حول أجسام المساجين، والخطاطيف التي كانت تجر بها جثثهم، والأغلال الكثيرة الأنواع، وضروب العقاب المختلفة، واقتلاع الأعضاء وكي الجباه". ويلوح أن هذه كلها كان يلقاها عبيد المزارع. ويصف جوفنال سيدة كان عبيدها يضربون واحداً بعد واحد أثناء تصفيف شعرها، ويصور أوفد سيدة أخرى تدفع دبابيس الشعر في ذراعي خادمة لها، ولكن هذه القصص يبدو عليها أنها من اختراع الأدباء، ومن واجبنا أل نعدها من الحقائق التاريخية المقطوع بصحتها.

ونحن معرضون لخطأ المبالغة في قسوة الماضي لنفس السبب الذي يحملنا على المبالغة في جرائم الحاضر وفساد أخلاقه ـ ذلك بأن ندرة القسوة تجعلها طريفة مستملحة. والحق ان متاعب عبيد البيوت أيام الإمبراطورية قد أخذت تقل شيئاً فشيئاً على أثر قبولهم أعضاء في الأسر التي كانوا يخدمونها، وبالإخلاص المتبادل بينهم وبين سادتهم، وبالعادة الطريفة عادة أن يقوم السيد بخدمة عبيده في بعض الأعياد، وبما كان يضمنه العبد من عم لدائم في خدمة سيده قل ان يكون له نظير في هذه الأيام. ولم يكن العبيد يحرمون من مسرات الحياة العائلية؛ وتدل شواهد قبورهم على انهم لم يكونوا يقلون رحمة وشفقة عن الأحرار. انظر مثلا إلى ما كتب على قبر واحد من أبنائهم: "لقد أقام والدا يوكوبيون Eucopion هذا الأثر لأبنهما الذي عاش سنة أشهر وثلاثة أيام؛ كان فيها أظرف الأطفال وأكثرهم إدخالاً للسرور على قلوب من حولهم؛ ولقد كان أكبر أسباب سعادتنا وان لم يكن قادراً على الكلام". وثمة شواهد أخرى تدل على ما كان بين السادة والعبد من حب وعطف. من ذلك أن أحد الأسياد يجهر بأن خادمه الميت كان عزيزاً عليه كولده، وان أحد الشبان النبلاء يبدي حزنه الشديد على موت مربيته، وان مربية أخرى تظهر حزنها لموت طفل ترعاه، وان سيدة متعلمة أقامت نصباً تذكارياً جميلاً لأمين مكتبتها. وقد كتب ستاتيوس Statius "قصيدة إلى فلاڤيوس أورسوس Flavius Ursus يعزيه في موت عبد عزيز عليه". ولم يكن من غير المعتاد أن يخاطر عبد بحياته لحماية سيده، ومنم كثيرون صاحبوا سادتهم في منفاهم طائعين مختارين، ومنهم من ضحوا بحياتهم من أجل سادتهم. ومن النساء من حررن عبيدهن وتزوجنهم، ومن الرجال من كانوا يعاملونهم معاملة الأصدقاء، وكان سنكا يأكل معهم. وقد كان للأخلاق الرقيقة، والحس المرهف، وعدم وجود فارق في اللون بين السيد والعبد، والمبادئ الفلسفة الرواقية، وللعقائد الدينية التي جاءت من بلاد الشرق والتي لم تكن تعرف الفروق بين الطبقات، كان لهذه كلها نصيب في تقليل الرق وتحسين حال الأرقاء؛ ولكن العوامل الأساسية في هذه القلة وذلك التحسين كانت هي المزايا الاقتصادية التي تعود على السيد، وارتفاع ثمن العبيد. وكان كثيرون من العبيد ينالون احترام سادتهم لثقافتهم الراقية، فقد كان منهم مختزلون لخطبهم، ومساعدون لهم في بحوثهم، وأمناء لهم في شئونهم المالية، ومدبرون لأعمالهم؛ وكان منهم فنانون، وأطباء، ونحاة، وفلاسفة. وكان في مقدور العبد في كثير من الأحوال أن يتجر لحسابه الخاص، وأن يعطي جزءاً من مكاسبه لمالكه، وأن يحتفظ بما بقي منها لتكون "ماله القليل Peculium"، أي ملكاً خاصاً له. وكان في وسع العبد بهذه المكاسب، أو بأمانته وإخلاصه في خدمة سيده، أو بالقيام له بخدمة غير عادية، أو بجمال خلقه، أن ينال حريته عادة في ست سنين(66).

وقد تجسن أحوال العمال وأحوال العبيد أنفسهم بعض التحسن بفضل منظمات العمال Collegia. ونحن نستمع قبيل هذا الوقت الذي نتحدث عنه بوجود عدد كبير من هذه المنظمات وبتخصصها إلى حد يدعو إلى الفخر، فكانت هناك هيئات خاصة بالمداحين، والنافخين في الأبواق، والقرون، والناي، والمزمار، وغيرها من الآلات؛ وكانت هذه المنظمات تنشأ عادة على مثال الهيئات البلدية، فكان يقوم عليها عدد من الرؤساء ذوي الرتب المتدرجة؛ وكان لها إله واحد أو آلهة متعدون تقيم له أو لهم معبداً وعيداً سنوياً. وكانت تعمل ما تعمله المدن فتطلب إلى ذوي المال أو ذواته رعايتها، والأخذ بناصرها، ومساعدة أعضائها في رحلاتهم، وإقامة قاعات اجتماعهم ومعابدهم. وكانوا يجدون هذه المساعدة على الدوام. ونحن نخطئ إذا ظننا أن هذه المنظمات كانت شبيهة باتحادات العمال في هذه الأيام. وخير ما نتصورها به هو أن نقول إنها كانت أشبه بالهيئات الأخوية، ذات العدد الذي لا يحصى من المناصب، وألقاب الشرف، وضروب اللهو، والرحلات، والمعاونات المتبادلة البسيطة. وكثيراً ما كان الأغنياء يساعدون على قيام هذه المنظمات ولا ينسونها في وصاياهم. وكان رجال المنظمة كلهم "إخوة" كما كان نساؤهم "أخوات". وكان في مقدور العبد في بعضها أن يجلس أمام مائدة الطعام، أو في مجلس إدارتها، مع الرجل الحر. وكان كل "عضو ذي مقام" يضمن لنفسه جنازة طيبة.

وقد وجد الزعماء الشعبيون على اختلاف طبقاتهم في آخر قرن من حياة الجمهورية أن في وسعهم أن يقنعوا هذه المنظمات بأن يقترع أفرادها على بكرة أبيهم للمرشح الذي يقدم لها المال. وبهذه الطريقة أصبحت أدوات سياسية في أيدي الأشراف، وأصحاب المال، والمتطرفين من السياسيين، وكان لتنافسها في الفساد اكبر الأثر في القضاء على الديمقراطية الرومانية. وقد حرم قيصر وجودها ولكنها بقيت رغم هذا التحريم، وحلها أغسطس كلها إلا عدداً قليلاً من المنظمات النافعة، وعاد تراجان فحرم وجودها، ثم سمح أورليوس بوجودها، وما من شك في أنها ظلت قائمة طوال هذه العهود كلها داخل نطاق القانون أو خارجة عنه، ثم امست في آخر الأمر مسالك دخلت منها المسيحية إلى البلاد وتغلغلت في حياة رومة.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

تبدل أحوال روما بقدوم اليونانيين إليها

ونمت الإمبراطورية الرومانية نمواً تدريجياً، ولم يكن معظم هذا النماء نتيجة خطة موضوعة عن قصد وتدبير، بل كان الدافع إليه ضغط الظروف وترتجع الحدود تراجعاً يتطلبه سلامة البلاد. فقد أخضعت الفيالق الرومانية مرة أخرى بلاد غالة الجنوبية في معركتي كرمونا Cremona (200) وموتينا (193)، ودفعت حدود إيطاليا الشمالية حتى أوصلتها إلى جبال الألب. كذلك كان لابد لروما أن تحتفظ بسيطرتها على أسبانيا بعد أن استعادتها من قرطاجنة كيلا تعود هذه إلى الاستيلاء عليها، هذا إلى ما في تلك البلاد من ثروة معدنية عظيمة تشمل الحديد والفضة والذهب. وقد فرض عليها مجلس الشيوخ جزية سنوية باهظة من المعادن الغفل والنقود، وكان حكامها الرومان يعوضون أنفسهم تعويضاً سخياً عن السنة التي يقضونها فيها بعيدين عن موطنهم. وحسبنا أن نذكر دليلاً على هذا أن كونتس منوسيوس Quintus Minucius، لما عاد إلى روما بعد فترة قصيرة قضاها قنصلاً في أسبانيا، جاء إليها بأربعة وثلاثين ألفاً وثمانمائة رطل وخمسة وثلاثين ألف دينار من الفضة؛ وكان الأسبان يجندون في الجيش الروماني فكان منهم أربعون ألفاً في القوة التي استولى بها سكبيو إيميليانوس Scipio Aemilianus على نومانتيا Numantia الأسبانية. ولما ثارت على الحكم الروماني ثورة عنيفة في عام 195 ق.م أخضعها ماركس كاتو Marcus Cato ولكنه جرى في إخضاعها على سنة الرومان الأفاضل الذين كان جيلهم آخذاً في الانقراض، فكان عادلاً رحيماً. ووفق تيبيريوس سمبرونيوس جراكس Tiberius Sempronius Gracchus (179) توفيقاً مشوباً بالعطف والرأفة بين حكمه وبين أخلاق الأهلين وحضارتهم، واتخذ له أصدقاء من زعماء القبائل، ووزع الأراضي على الفقراء. ولكن واحداً من خلفائه يدعى لوسيوس لوكس Lucius Lucullus (151) أخل بشروط المعاهدات التي عقدها جراكس وهاجم من غير سبب كل قبيلة يستطيع أن يجد عندها ما لا يغتصبه منها، وقتل أو استبعد آلافاً من الأسبان دون أن يكلف نفسه عناء البحث عن حجة يبرر بها هذا الاعتداء. واتبع هذه السنة نفسها سلبسيوس جلبا Sulpicius Galba (150) فاستقدم إلى معسكره سبعة آلاف من الأهلين بعد أن عقد معهم معاهدة يعدهم فيها بأنه سيوزع عليهم بعض الأراضي؛ فلما جاءوا أمر أعوانه بأن يحيطوا بهم ثم ذبحهم أو استرقهم. وفي عام 154 شنت قبائل لوزتانيا Lusitania (البرتغال) على روما حرباً دامت سبع سنين. وظهر بين هذه القبائل زعيم قدير يدعى فرياثوس Viriathus قوي البنية، فارع الطول، شجاعاً، صبوراً، شهماً، نبيلاً. وظل ثماني سنين يكيل الضربات إلى كل جيش روماني يرسل لقتاله ويوقع به الهزيمة حتى ابتاع الرومان آخر الأمر من يقتله غيلة. وصبر الكتلتبريان Celtibrians الثائرون أهل أسبانيا الوسطى على الحصار في نومانتيا خمسة عشر شهراً، لا يتناولون من الطعام إلا جثث موتاهم، حتى أرغمهم سكبيو إيمليلنوس في عام 133 على التسليم. ويمكن القول بوجه عام إن السياسة التي سارت عليها الجمهورية الرومانية في أسبانيا قد بلغت من الوحشية والغدر حداً جعل ضررها بروما أكثر من فائدتها لها. وفي هذا يقول ممسن Mommsen المؤرخ الألماني "إن التاريخ كله لم يشهد حرباً تضارع هذه الحرب الأسبانية فيما انطوت عليه من ضروب الغدر والقسوة والجشع(4)".

وكانت الثروة المنتهبة من الولايات هي التي أمدت روما بالمال الذي تتطلبه حياة التهتك والفساد والأنانية التي أشعلت نار الثورة في البلاد، وقضت آخر الأمر على الجمهورية. ذلك أن الغرامات الحربية التي فرضتها روما على قرطاجنة وسوريا، والعبيد الذين سيقوا إليها من جميع ميادين النصر، والمعادن الثمينة التي استولت عليها بعد فتح بلاد الغالة الجنوبية وأسبانيا، والأربعمائة ألف ألف سترس (وهي تساوي ستين مليون ريال أمريكي) التي انتزعتها من أنتيوخوس، وبرسيوس، وال 4503 رطل من الذهب، وال 220.000 رطل من الفضة التي اغتصبها مانيلوس فلسو Manlius Vulso في حروبه الأسيوية، هذه كلها وغيرها من أسباب الثراء الفجائي الذي ساقته إليها المقادير بدلت طبقات الملاك في روما في مدى نصف قرن من الزمان (202- 146 ق.م) من رجال ذوي موارد وسطى مكتسبة إلى أشخاص مترفين يستمتعون بثراء ونعيم لم يعرفهما قبلهم إلا الملوك. وكان الجند يعودون من هذه الغارات يجر الحقائب بالمال والأسلاب. ولما أخذت النقود يتضاعف مقدارها في روما أسرع من المباني فإن أصحاب الأملاك العقارية تضاعفت ثروتهم أضعاف دون أن يحركوا في سبيل ذلك عضلة أو عصباً. واضمحلت الصناعة وراجت التجارة، ولم تكن روما في حاجة إلى إنتاج السلع، فقد كانت تأخذ العالم لتؤدي منها أثمان بضائعه. وازدادت الأعمال العامة زيادة لا عهد للرومان بها، وأثرى منها المكارسون الذين كانوا يعيشون من العقود التي تبرمها الحكومة، وزاد عدد أصحاب المصارف المالية وأثروا. وكانوا يصرفون فوائد عن الودائع، ويقبضون التحاويل المالية (praescriptions)، ويخصمون السفاتج لعملائهم، ويقرضون المال ويقترضونه، ويستثمرون ما يتجمع لديهم من الأموال أو يديرون المشروعات المالية؛ وأثروا من الربا الفاحش الذي كانوا ينتزعونه بلا رحمة حتى أصبح القاتل (sector) والمرابي يعبر عنهما بلفظ واحد(7). وهكذا أخذت روما تخطو خطوات واسعة في أن تكون المركز المالي والسياسي- لا المركز الصناعي والتجاري- للعالم الذي يسكنه الجنس الأبيض.

وبهذه الوسائل وأمثالها انتقل الأشراف ومن يلونهم من رجال الطبقة الوسطى بخطى واسعة من البساطة الرواقية إلى التنعم والترف الطليق، وبلغ هذا التبدل أقصى مداه أو كاد في أيام كاتو (234- 149)؛ فاتسعت البيوت، وتناقصت الأسر، وتسابق الناس في ثأثيث دورهم بأفخم الأثاث وأغلاه ثمناً؛ فأخذوا يشترون الطنافس البابلية بأغلى الأثمان، ويبتاعون الأسرة المطعمة بالعاج أو الفضة أو الذهب؛ وكانت الأحجار والمعادن الثمينة تتلألأ على النضد والكراسي وأجسام النساء، وسروج الخيل. ولما قل المجهود الجسمي وزاد الثراء استبدل الناس بغذائهم القديم البسيط وجبات ثقيلة طويلة من لحوم الحيوان والطير وغيرهما من ألوان الطعام الشهي والتوابل والمشهيات، وأصبحت الأطعمة النادرة المستوردة من خارج البلاد لا تخلو منها موائد ذوي المكانة في المجتمع ومن يدعون أن لهم فيه مكانة. وحسبنا شاهداً على هذا الإسراف أن أحد كبار الموظفين قد ابتاع حيوانات بحرية في وجبة واحدة بألف سترس، واستورد آخر "أنشوجة" بألف وستمائة سترس للبرميل، وابتاع ثالث كمية من البطارخ بألف ومائتي سترس، وكان الطاهي الماهر يباع بأغلى الأثمان في سوق النخاسة. كذلك كان شأن الشراب، فقد انتشر وزادت مقاديره وكان لابد أن تكون الكؤوس كبيرة ومصنوعة من الذهب قدر المستطاع، وقل مقدار ما يمزج به الخمر من ماء، بل إنه كان يشرب أحياناً بلا ماء على الإطلاق. وسن مجلس الشيوخ قوانين صارمة تحدد مقدار ما ينفق من الأموال على المآدب والملابس، ولكن الشيوخ أنفسهم كانوا يتجاهلون هذه القوانين ولذلك لم يأبه بها غيرهم من الأهلين. وفي ذلك يقول كاتو في ألم وحسرة: "إن المواطنين لم يعودوا يستمعون النصح لأن البطون لا آذان لها(9)" وأخذ الناس يشعرون بأنهم أفراد لا شأن للدولة بهم، وثاروا عليها وعلى تدخلها في شئونهم، كما ثار الابن على أبيه، وكما ثارت المرأة على الرجل.

وقد جرت العادة من قديم الزمان أن يقوي سلطان المرأة كلما زادت ثروة المجتمع؛ ذلك أنه إذا امتلأت البطون أخلى الجوع الميدان للحب، ولذلك فشت الدعارة في روما وانتشر اللواط حين اتصل الرومان ببلاد اليونان وبلاد آسيا، فكان كثير من الأغنياء يدفع الواحد منهم تالنتا (3600 ريال أمريكي) ثمناً للغلام الوسيم، وشكا كاتو من أن ثمن الولد الجميل يزيد على ثمن مزرعة(10). على أن النساء لم يخلين الميدان لهؤلاء الغزاة اليونان والسوريين، فأخذن يتجملن بكل وسائل التجميل التي هيأتها لهن الثروة الجديدة، وأصبحت الأدهان ضرورة لا غنى لهن عنها، وشرعن يستوردن من غالة أنواعاً من الصابون تخفى لون شعرهن الأشيب وتحيله أحمر(11). وكان الثرى من أهل الطبقة الوسطى يتباهى بأن يزين زوجه وبناته بالملابس والجواهر الغالية ويطلقهن في المدينة يعلن عن ثروته؛ وزاد شأن النساء في دور الحكم نفسها، وفي ذلك يقول كاتو: "إن الرجال في جميع أنحاء العالم يحكمون النساء، أما نحن الرومان الذين نحكم جميع الرجال فإن نساءنا يحكمننا(12)". وحدث في عام 195 ق.م أن خرجت نساء روما الحرائر إلى السوق العامة ونادين بإلغاء قانون أبيوس Appius الصادر في عام 215 والذي يحرم على النساء التحلي بالذهب والملابس الكثيرة الألوان وركوب العربات. وأنذر كاتو الرومان بأن روما سيحل بها الخراب إذا ألغي هذا القانون، وينطقه ليفي بهذه الخطبة التي قرأها كل جيل من الأجيال من ذلك الوقت إلى هذه الأيام:

"لو أننا كلنا قد استمسكنا في بيوتنا بحقوق الأزواج وسلطانهم، لما تورطنا الآن في هذه المشاكل مع نسائنا. أما ونحن لم نستمسك بهذه الحقوق وهذا السلطان فإن نفوذنا الذي قضي عليه استبداد النساء في البيت قد وطئته الأقدام، وقضي عليه في السوق... ألا فلتذكروا جميع النظم والقوانين الخاصة بالنساء، والتي حاول بها آباؤنا أن يقللوا من فجورهن ويجعلوا منهن زوجات طائعات لأزواجهن. ومع ذلك فإنكم رغم هذه القيود لا تستطيعون أن تكبحوا جماحهن.

فما بالكم إذا ما تساوين بأزواجهن؟ هل تظنون أنكم في هذه الحال ستطيقونهن؟ إن الساعة التي يصبحن فيها مساويات لكم ستكون هي الساعة التي يصرن فيها ذوات الأمر والنهي عليكم(13)". وسخر منه النساء وألزمنه الصمت وأصررن على طلبهن حتى ألغي القانون. وانتقم كاتو لنفسه وهو رقيب بأن زاد الضرائب المفروضة على السلع التي يحرمها قانون أبيوس إلى عشرة أضعاف ما كانت عليه. ولكن التيار كان جارفاً، ولم يكن في وسع أحد أن يصده، فألغيت القوانين الأخرى التي كانت تحد من حرية النساء أو عدلت أو أغفلت؛ فأصبح للنساء الحق المطلق في الإشراف على استثمار بائناتهن، وصرن يطلقن أزواجهن أو يجرعنهم السم في بعض الأحيان، وبدا لهن أن ليس من سداد الرأي أن يلدن الأبناء في عصر ازدحمت فيه المدن بالسكان وكثرت فيه حروب الفتح والاستعمار.

وكان كاتو وپولبيوس قد أدركا في عام 160 ق.م أن السكان يتناقصون، وأن الدولة عاجزة عن أن تجند من الجيوش ما استطاعت أن تجنده لقتال هنيبال. وورث الجيل سيادة العالم، ولكنه لم يجد لديه من الوقت أو الرغبة ما يستطيع بهما أن يدافع عنه؛ ذلك أن الاستعداد لتلبية نداء الحرب كلما دعا لها الداعي، وهو الاستعداد الذي كان من خصائص المالك الروماني، لم يعد له وجود، بعد أن تركزت الملكية في أيدي أسر قلائل، وغصت أقذر أحياء روما بالصعاليك الذين لا مصلحة لهم في البلاد يخافون عليها أو يدافعون عنها. وأصبح الناس شجعاناً بالنيابة إن صح هذا التعبير. فقد كانوا يهرعون إلى المدرجات ليشاهدوا الألعاب التي تجري فيها الدماء، وكانوا يستأجرون المجالدين ليصطرعوا أمامهم في ولائمهم. وأنشئت مدارس للبنين والبنات يتعلم فيها الشبان والشابات الغناء والموسيقى والمشي الرشيق(14). ورقت طباع الطبقات العليا بعد أن فسدت أخلاقها؛ أما الطبقات الدنيا فقد ظلت طباعها غليظة خشنة قوية، وكانت وسائل لهوها في الغالب عنيفة ولغتها بذيئة. وإنا لنشم رائحة البذاءة في بلوتس Plautus وندرك السبب في أن الجماهير كانت لا تطيق مشاهدة مسرحيات ترنس Terrnce. ولما أن حاولت فرقة من الموسيقيين أن تعزف في أحد مواكب النصر في عام 167 أرغم النظارة أولئك الموسيقيين على أن يستبدلوا بعزفهم مباراة في الملاكمة(15).

وسيطرت النزعة التجارية على الطبقات الوسطى المطردة الزيادة، ولم يعد أساس ثرائها هو العقار كما كان من قبل، بل أصبح هذا الأساس هو الاستثمار التجاري أو إدارة الأعمال التجارية. ولم يكن في وسع القانون الأخلاقي القديم أو في وسع حفنة من الرجال من طراز كاتو أن يحولوا بين هذا العهد الجديد عهد رؤوس الأموال المتحركة أن يصبغ الحياة الرومانية كلها بصبغته. فكان كل إنسان يسعى جاهداً للحصول على المال، وكان كل إنسان يقدَّر ويقدَّر غيره بما عنده من المال، وكان المتعاقدون على الأعمال يغشون ويخدعون، وبلغ من غشهم وخداعهم أن تخلت الحكومة عن كثير من أملاكها- كمناجم مقدونية- لأن المتعاقدين معها على استغلالها كانوا يسخرون العمال ويبتزون أموال الدولة ابتزازاً أصبحت معه المشروعات مصدر بلاء للدولة لا مورد ربح لها(16). وتخلق الأشراف بالخلق الجديد، وشاركوا غيرهم في الثروة الجديدة- إذاً جاز لنا أن نصدق أقوال المؤرخين، ومن واجبنا ألا نصدقهم- بعد أن كانوا من قبل يرون أن الشرف أعلى قدراً من الحياة. وأصبحوا لا يفكرون في الأمة، بل يفكرون في امتيازاتهم ومطالبهم الطائفية والفردية، وصاروا يقبلون الهدايا والرشا الكبيرة لكي يمنحوا عطفهم على الأفراد والدول، وما أسهل ما كانوا يجدون سبباً لشن الحرب على البلاد التي فيها من الثروة أكثر مما فيها من القوة. وكان الأشراف يعترضون العامة في الطرقات ويستجدونهم أصواتهم أو يبتاعونها منهم، وأصبح من الأمور المألوفة أن يختلس الحكام الأموال العامة كما أصبح من غير المألوف أن يحاكم هؤلاء على ما يختلسون منها. ومن ذا الذي يعاقب اللصوص من زملائه إذا كان نصف أعضاء مجلس الشيوخ قد ائتمروا على خرق المعاهدات، وسرقة الأحلاف، وانتهاب الولايات؟ وفي ذلك يقول كاتو: "من يسرق مال مواطن يقضي بقية أيامه مكبلاً بالسلاسل والأغلال؛ ولكن من يسرق مال المجتمع يقضي بقية أيامه رافلاً في أفخر الثياب ومتحلياً بالذهب الوهاج(17)".

ومع هذه فإن منزلة مجلس الشيوخ قد علت عما كانت عليه من قبل، ذلك بأن روما بقيادته قد خرجت ظافرة من الحربين البونيتين ومن الحروب المقدونية الثلاث، وتحدت كل منافسيها، وتغلبت عليهم، وكسبت صداقة مصر، وبسطت عليها نفوذها، واستولت على جزء كبير من ثروة العالم أمكنها به أن ترفع عن إيطاليا كلها في عام 146 عبء الضرائب المباشرة. وقد اغتصب مجلس الشيوخ في خلال أزمات الحرب والسياسة كثيراً من اختصاصات الجمعيات والحكام، ولكن النصر الذي نالته روما قد برر هذا الاغتصاب؛ وفوق هذا فإن تحول البلاد إلى إمبراطورية متسعة الرقعة قد جعل الجمعية أداة سمجة غير صالحة للحكم؛ ذلك أن الشعوب الثائرة التي خضعت وقتئذ لحكم مجلس شيوخ كثرة أعضائه من الساسة المحتكين والقواد الظافرين، لم يكونوا يقبلون أن يتصرف في شئونهم بضعة آلاف من الإيطاليين الذين يستطيعون حضور الجمعيات الوطنية في رومه. إن الحرية أساس الديمقراطية، والنظام أساس الحرب، وكلاهما لا وجود له مع الآخر. ذلك أن الحرب تتطلب قدراً عظيماً من الذكاء والشجاعة، والحزم والسرعة في اتخاذ القرارات، والعمل الجماعي المتحد، والطاعة العاجلة لأوامر الرؤساء؛ ومن أجل هذا قضت كثرة الحروب على الديمقراطية. وكان القانون ينص على أن من حق الجمعية المئوية وحدها أن تعلن الحرب وتعقد الصلح؛ ولكن مجلس الشيوخ كان يستطيع بماله من حق الهيمنة على صلات الدولة الخارجية أن يدفع الأمور إلى حيث لا تجد الجمعية مناصاً من الخضوع لرأيه(18). وكان مجلس الشيوخ هو المشرف على خزانة الدولة، كما كان هو المسيطر على الشؤون القضائية، وذلك بحكم القاعدة المتبعة من قديم الزمان وهي أن جميع المناصب القضائية الهامة كان يختار شاغلوها من أعضاء المجلس أو المرشحين لعضويته، يضاف إلى هذا كله أن وضع القوانين وشرحها كانا من اختصاص طبقة الأشراف.

وكان في داخل هذه الأرستقراطية ألجِركية محصورة في الأسر ذات السلطان، ذلك أن التاريخ الروماني قد ظلا إلى عهد صولا Sulla سجلا لأعمال الأسر لا أعمال الأفراد؛ فلسنا نرى فيه أسماء ساسة عظماء بارزين ولكنا نرى جيلاً في إثر جيل أسماء بعينها تشغل أعلى مناصب الدولة؛ ترى من بين مائتي قنصل شغلوا هذا المنصب الخطير بين عامي 233, 133 ق.م مائة وتسعة وخمسين ينتمون إلى ست وعشرين أسرة، ومائة ينتمون إلى عشر أسر. وكانت أقوى أسرة في ذلك العهد هي آل كورنيليوس Cornelius. وليس تاريخ روما الحربي والسياسي من أيام بيليوس كورنيليوس سكبيو Publius Cornelius Scipio الذي خسر معركة تربيا Trebia في عام 218 أيام ولده سكبيو الإفريقي قاهر هنيبال وأيام حفيد ثانيهما وتبناه سكبيو إبمليانوس الذي دمر قرطاجنة في عام 146، نقول ليس تاريخ روما الحربي والسياسي طوال ذلك العهد في جملته إلا تاريخ هذه الأسرة، ولقد بدأت الثورة التي قضت على طبقة الأشراف على يد ابني جراكس وهما حفيدا إيمليانوس. ولقد أصبح سكبيو الإفريقي بعد انتصاره في واقعة زاما التي أنجت روما من الدمار محبباً لجميع الطبقات، وظلت روما فترة من الزمان على استعداد لأن تمنحه أي منصب يرغب فيه.

فلما أن عاد هو وأخوه لوسيوس Lucius من ميدان القتال في آسيا (187) طلب أشياع كاتو أن يعرض على المجلس حساب الغرامة الحربية التي أداها إليه أنتيوخوس ليبعث بها إلى رومه، وأبى سكبيو الإفريقي أن يجيب أخوه هذا الطلب، ومزق سجلات الحساب أمام مجلس الشيوخ. وحوكم لوسيوس أمام الجمعية وحكم عليه بأنه اغتصب الأموال العامة، ولم ينجه من العقاب إلا رفض التربيون تيبريوس سمپرونيوس گراكوس Tiberius Sempronius Gracchus زوج ابنة سكبيو الإفريقي أن يجيز هذا العقاب بماله من حق الرفض. واستدعى سكبيو الإفريقي إلى المحاكمة فما كان منه إلا أن عطل الإجراءات القضائية بأن دعا الجمعية وسار أما أعضائها إلى هيكل جوبتر للاحتفال بذكرى معركة زاما. ولما دعي مرة ثانية أبى أن يجيب الدعوة وسافر إلى ضيعته في ليترنوم Liternum وبقي فيها بقية أيامه لا يجرؤ أحد على أن يمسه بسوء. وكان يقابل هذه النزعة الفردية في السياسة نمو الفردية في التجارة وفي الأخلاق. وما لبثت الجمهورية الرومانية أن قضي عليها نشاط عظماء رجالها وجهودهم الطليقة من جميع القيود.

وقد رفع من شأن الأرستقراطية ومن شأن هذا العهد كله، ما سرى في نفوس تلك الطبقة من تقدير للجمال. ذلك أن اتصال الرومان بالثقافة اليونانية في إيطاليا وصقلية وآسيا قد جعلهم على علم بكل مستلزمات الحياة المترفة، وبكل ثمار الفنون الجميلة في العالم القديم. ولما عاد الفاتحون إلى بلادهم جاءوا معهم بكثير مما اشتهر في أنحاء العالم من روائع الصور الملونة، والتماثيل، والكؤوس، والمرايا، والمعادن المنقوشة، والمنسوجات الغالية، والأثاث الثمين. وقد ارتاع الجيل القديم حين رأى مرسلس Marcellus يزين الميادين الرومانية بالتماثيل التي اغتصبها من سرقرسة. ولم يكن ما يشكو منه أهل ذلك الجيل اغتصاب قائدهم لهذه التماثيل، بل كانوا يشكون "البطالة ولغو الحديث" اللذين أصبحا عادة لازمة للمواطنين المجدين الذين يقفون الآن "ليفصحوا عن السفاسف وينتقدوها(19)". واغتصب فلقيوس Fulvius 1015 تمثالاً من مجموعة تماثيل برس Pyrrhus في أمبراشيا Ambracia. وشحن إيمليوس بولس خمسين عربة في موكب نصره بالكنوز الفنية التي استولى عليها من بلاد اليونان ضمن ما استولى عليه منها نظير تحريرها. وفعل هذا الفعل نفسه صلا Sulla، وفريس Verres، ونيرون Nero ومئات غيرهم من الرومان خلال مائتي عام من تاريخ البلاد جردوا منها بلاد اليونان من روائع فنها ليكتسي بها العقل الروماني.


الأثر اليوناني على الفن الروماني

وطغى هذا الغزو على الفن الإيطالي فنبذ صفاته الأصلية، وطرازه الوطني واستسلم بأجمعه- إلا في شيء واحد- إلى الفنانين اليونان والى الموضوعات والأشكال اليونانية. وأقبل المثالون، والمصورون، والمهندسون اليونان إلى روما حيث كان الذهب يتدفق في جيوبهم، وما لبثوا أن صبغوا عاصمة فاتحي بلادهم بالصبغة اليونانية. وشرع سراة الرومان يشيدون قصورهم على الطراز الروماني حول فناء غير مسقوف، ويزينونها بالعمد، والتماثيل، والصور اليونانية، وبالأثاث اليوناني. أما الهياكل فقد تحولت على مهل حتى لا تغضب الآلهة من التحول وبقي جسم الهيكل القصير والقاعدة المرتفعة للتماثيل- وهما من مميزات الفن التسكاني- القاعدة المتبعة في بناء الهياكل ونحت التماثيل. فلما أن زاد عدد الآلهة الأولمبية، رأى الرومان أن من حق تلك الآلهة أن تبني بيوتها على الطراز الهليني الرفيع. غير أن الفن الروماني قد ظل في ناحية واحدة جوهرية يعبر بوسائله الخاصة وبقوته الفذة عن الروح الإيطالية الفنية، وإن ظل يسترشد بالفن اليوناني. أما فيما عدا هذا فقد استبدل المهندسون الرومان القوس بالعارضة الراكزة على الأعمدة في الأبنية التي خلدوا بها نصرهم أو زينوا بها دورهم، وفي القنوات التي تجر الماء لدورهم وفي أبنية محاكمهم. وعلى هذا النحو شاد كاتو من الحجارة في عام 184 الدار المعروفة باسم باسيليكا پورشيا Bacilica Portia، وبعد خمس سنين من ذلك العام شاد إيمليوس بولس باسيليكا إيمليا Bacilica Aemilia في صورتها الأولى التي أصلحها فيما بعد أبناؤه وأحفاده جيلاً بعد جيل، وجملوها أحسن تجميل . وكانت الباسيليكا الرومانية النموذجية داراً تقام لتصريف الأعمال التجارية والقضائية، وتتألف من بناء في شكل مستطيل طويل يقسمها إلى ممشى وأفنية صفان من الأعمدة الداخلية، يعلوها في العادة سقف في صورة قبة مصندقة، وهو طراز أخذ في الأصل من الإسكندرية(20). وإذ كان الممشى مرتفعاً عن الأفنية فقد كان من المستطاع حفر شبكة من الفتحات في الحجارة فوق كل فناء يدخل منها الضوء والهواء. ذلك بطبيعة الحال هو الشكل الأساسي للجزء الداخلي من الكنائس الكبرى في العصور الوسطى. وبهذه الصروح الضخمة شرعت روما تتخذ لنفسها مظهر القوة والفخامة الذي امتازت به في مستقبل أيامها حتى بعد أن لم تكن عاصمة العالم كله.

الهامش