معرض المتعلقات الشخصية للرسول، ص  *   جمهورية القرم تعلن استقلالها عن أوكرانيا وتبدأ في عملية الانضمام إلى روسيا  *   العثور على أحفورات دجاجة جنهم، ديناصور عاش في أمريكا الشمالية من 66 عام  *   دانيال روبنستاين سفيراً جديداً للولايات المتحدة في سوريا خلفاً لفورد  *  تعيين لواء أ.ح. محمد الشحات قائدأً للجيش الثاني الميداني خلفاً لأحمد وصفي  *   بدأ تجارب القمر الصناعي المصري إيجبت سات في قاعدة بايكونور إستعدادأً لإطلاقه في أبريل  *   بوكو حرام تقتحم سجناً في مايدوگوري شمال نيجريا وتهرب المئات من أتباعها  *   مصدر عسكري روسي: البرازيل تنوي تصنيع منظومات إيگلا-إس المحمولة المضادة للجو  *   بارزاني يعلن حلبجة محافظة رابعة لاقليم كردستان العراق  *  بوتفليقة يعلن ترشحه في الانتخابات الرئاسية في أبريل القادم  *   حمل مجاناً من معرفة المخطوطات   *   هل انهارت مبادرة حوض النيل؟  *   ثروات مصر الضائعة في البحر المتوسط  *   شاهد أحدث التسجيلات  *  تابع المعرفة على فيسبوك  *  تابع مقال نائل الشافعي على جريدة الحياة: تطورات غاز المتوسط في أربع مشاهد  *      

دني ديدرو

رسم لديدرو بريشة لوي-ميشيل فان لو, 1767

دِني ديدرو Denis Diderot (و.5 أكتوبر 1713 - 31 يوليو 1784) فيلسوف وكاتب فرنسي. من قادة حركة التنوير. رئيس تحرير أول موسوعة حديثة، إنسايكلوپيدي.

الأدب الفرنسي
بالتصنيف
تاريخ الأدب الفرنسي

العصور الوسطى
القرن السادس عشر - القرن السابع عشر
القرن الثامن عشر -القرن التاسع عشر
القرن العشرون - المعاصر

كتـّاب الفرنسية

قائمة زمنية
كتـّاب حسب تصنيفهم
روائيون - كتاب مسرحيات
شعراء - كتاب مقالات
كتاب القصة القصيرة

بوابة فرنسا
بوابة الأدب
 ع  ن  ت

ديدرو والموسوعة 1713-1768

فهرست

سنوات الضياع والكسل 1713-1748

ولد ديدرو في 5 أكتوبر 1713 في لانجرز في شمبانيا، على مسافة 38 ميلاً من ديجون. وكأن أبوه ديدييه ديدرو يشتغل بصنع الأدوات القاطعة وتخصص في صنع الآلات الجراحة وكانت الأسرة تشتغل بهذه الحرفة لمائتي سنة خلت. ولم يرث دنيس على أسلافه ثباتهم القانع على مهنتهم وعقيدتهم، ولكنه لم يكف يوماً عن إجلاله تقديره لأمانة أبيه بالبساطة وإقباله على أعمال البر والخير في هدوء. وينقل عنه دنيس قوله "أي بني، أن العقل وسادة ممتازة وثيرة ولكني أجد إثارة وراحة أكثر حين أسند رأسي إلى وسادة الدين والقوانين"(1) وهنا في جملة واحدة تردد الصوتان اللذان سمعا في فرنسا القرن الثامن عشر. وكان له أخ اصبح كاهناً وخصماً لدوداً لدنيس. وأخت دخلت الدير.

نص رواية جاك المؤمن بالقدر انقر على الصورة للمطالعة

وكاد دنيس نفسه أن يكون كاهناً، ذلك أنه منذ الثامنة حتى الخامسة عشرة من عمره ألتحق بمدرسة يسوعية في لانجرز وفي الثانية عشرة حلق شعر رأسه وارتدى غفارة سوداء (لباس الكاهن في الكنيسة) وعاش حياة الزهد والتقشف، وعقد العزم على أن يكون يسوعياً. وفسر هو هذا فيما بعد، بأنه فيض من حماسته، وأنه كان قد أخطأ "الحافز الأول لحنين جنسي ينمو بين جنبيه فخاله صوت الله"(2). وأبتهج الوالد ديدييه لهذا النداء الباطني الجديد لدى أبنه. ورافقه مغتبطاً إلى باريس (1729) ليلحق، بكلية (لويس الأكبر) اليسوعية هناك ومنها حصل في 1732 على درجة الأستاذية. ولكن كما حدث في حالات كثيرة كان اليسوعيون يفقدون راهباً مبتدئاً بشحذ ذهنه وصقله. وأكتشف دنيس أن باريس عبارة عن مواخير أكثر منها كنائس. فخلع غفارته وتخلى عن ورعه وتقواه، وأنصرف إلى التدريب عند أحد المحامين. وسرعان ما نبذ القانون، وقضى عشرة سنين يتنقل من مهنة إلى مهنة. وعانى آلام الفقر في حجرة فوق السطح، ونفذ صبر والده فمنع عنه النفقة، ولكن والدته كانت تمده ببعض المعونة خفية. وأقترض دنيس بعض النقود، وكان أحياناً يسدد ما أقترض. وأعطى دروساً خاصة في الرياضيات، ودبج العظات للقساوسة، وأشتغل كاتباً عند بائع كتب، وفي نفس الوقت تابع دراسته في الرياضيات واللاتينية واليونانية والإنجليزية، وألم الماماً جيداً بالإيطالية. وكان متمرداً على القانون ولكنه كان تواقاً شديد التوق إلى المعرفة والحياة. لم يتعلم النظام والانضباط قط، ولكنه تقريباً تعلم كل ما عدا ذلك.

وكان مفلساً خالي الوفاض،ولكنه ممتلئ حيوية وقوة، ووقع في شرك الغرام وأعتزم الزواج. وكانت أنطوانيت شامبيون تكبره بثلاث سنين وثمانية أشهر، ولكنها كانت سيدة. وعنفته على شبابه المفاجىء، ولكنه أكد لها أن هذه مقدمة لحياة زوجية أمينة، وأنه سيكون رفيق حياتها المخلص الأمين إلى الأبد. "أن خطابات غرامي الأخيرة موجهة لك، ولتعاقبني السماء باعتباري أشر الناس وأشدهم خيانة وغدراً إذا سطرت كتاب غرام إلى أحد غيرك"(3). ونقضت أرق خطاباته هذا العهد. واستسلمت والدة أنطوانيت لدموع أبنتها ولفصاحة الخطيب ولسانه الذرب، ووافقت على الزواج شريطة الحصول على موافقة أبيه. وجمع ديدرو ما يكفي من المال لسداد نفقات العربة إلى لانجرز على بعد 180 ميلاً.

ووصل إلى لانجرز، وهناك تأثر والده بتجارب طبع وصلت إلى أبنه لترجمته لتاريخ اليونان عن الإنجليزية. وعرض الوالد أن يقدم العون لأبنه في أي عمل. وكان على دنيس أن يختار، ولا بد أن يقع اختياره على شيء ما. فأعلن الشاب عن تلهفه على الزواج فعنفه أبوه بقسوة على أنه شاب عاق كسول سيء التدبير. ورد الابن رداً وقحاً، وأقسم أن يتزوج سواء وافق أبوه أم لم يوافق، ودون أي عون مادي منه. وسجنه أبوه في دير محلي، وهرب دنيس وسار على قدميه تسعين ميلاً إلى تروي حتى أستقل عربة هناك. وعاد أدراجه إلى باريس.

ولكن مدام شامبيون كانت مصممة على ألا تتزوج أبنتها من رجل منفصل عن أبويه محروم من الميراث وكان ديدرو يقيم في حجرة حقيرة لا يكاد يملك من حطام الدنيا شيئاً، وأنتابه مرض شديد فلما علمت أنطوانيت بذلك أسرعت إليه مصطحبة أمها معها قسراً، وهناك انهارت معارضة الأم. وسهرت مدام شامبيون وأبنتها على العناية بالفيلسوف المريض، وفي 6 نوفمبر 1743 تزوجت "نانيت من نينو" (كما كان يسمي الواحد منهما الآخر) في منتصف الليل في كنيسة صغيرة أثرت بمثل هذه الزيجات السرية. وأبتهج الزوجان بانجاب طفلة بعد تسعة أشهر، ولكنها لم تعمر لأكثر من ستة أسابيع. وولد لهما ثلاث أطفال آخرين جاوز واحد منهم سن الطفولة. وأثبتت أنطوانيت أنها زوجة مخلصة ولكن رفيقة غير ملائمة عاجزة عن متابعة تحليقات أو شطحات زوجها الفكرية، غير راضية في شيء من المزاح، عن دخله الضئيل من الترجمة. وعاد إلى مقاهي الفساد يعيش على قهوة ويلعب الشطرنج. وفي 1746 كان قد أتخذ له عشيقة هي مدام بويسييه، ومن اجلها كتب "الأفكار الفلسفية" "الحلي الزائفة" و"رسائل إلى العميان".

وكان منذ وقت طويل قد أستسلم لفتنة الفلسفة التي تجتذبنا دائماً، لأنها لا تجيب أبداً عن الأسئلة التي لا نكف مطلقاً عن إلقائها. ومثل بعض المفكرين الأحرار في هذا القرن، تأثر من هذه الناحية تأثراً عميقاً بقراءة مونتاني وبيل، ووجد في كل صفحة تقريباً في "المقال" وفي "القاموس" فكرة رائعة تلفت النظر. وأجتذبه كثرة مراجع مونتاني وإشاراته إلى الروائع الوثنية إلى الاستزادة من دراسة الفلاسفة اليونان والرومان وبخاصة ديموقريطس، وأبنيقوز ولوكريتس. وكان هو نفسه "الفيلسوف الساخر" في عصره، فيلسوفاً مادياً يتدفق حيوية ونشاطاً- ولم تتيسر له نفقات زيارة إنجلترا مثل فولتير ومونتسكيو، ولكنه تعلم أن يقرأ الإنجليزية في سهولة ويسر. ولو ليستمتع بالشعراء والمسرحيين الإنجليز. ولسوف نراه يتجاوز مع عواطف طومسون ويدافع، مثل ليللو عن مأساة حياة الطبقة الوسطى. وتأثر بدعوة فرانسيس بيكون إلى قهر الطبيعة وطريق البحث العلمي المنظم، وأنتقل إلى تمجيد التجربة أداة عظيمة للعقل. وأستمع في سني تكوينه وتشكيله هذه، ومرة أخرى عند إعداد الموسوعة -إلى محاضرات في البيولوجيا والفسيولوجيا والطب. وشهد طيلة سنوات ثلاثة مؤتمرات رويل في الكيمياء ودوّن ملاحظات في 1258 ورقة من القطع الكبير. ودرس التشريح والفيزياء، وتمشى مع رياضيات زمانه، وتابع الأبحاث من بيكون إلى هوبز ولوك والربوبيين الإنجليز. وفي 1745 ترجم كتاباً شافتسبري "بحث في الفضيلة والجدارة" وأضاف تأملات من عنده، وأستمر طوال التقلبات يؤمن بأن الخير والحقيقة والجميل كلها مؤتلفة تقريباً، وأن قانوناً أخلاقياً مؤسساً على العقل، لا على الدين، يفيد النظام الاجتماعي بدرجة كافية.

وأصدر في 1746، مدفوعاً بكل هذه الحوافز وبخياله الواسع الخصيب، كتابه "أفكار فلسفية" دون أن يذكر أسم المؤلف. وكان متطرفاً إلى حد يمكن معه أن ينسب إلى لامتري، بلغياً إلى حد يمكن معه أن ينسب إلى فولتير. وربما كان لكليهما بعض الفضل فيه. وبدأ بدفاع عن "الانفعالات" وهنا حاول الفكر الجريء، متفقاً في ذلك مع صديقه روسو، أن يبرهن على أنه لا ضير من "أن تقول الفلسفة كلمة في صالح خصوم العقل، مذ كانت الانفعالات وحدها هي التي ترتفع بالنفس إلى الأشياء العظيمة، ولن يبلغ شيء ذروة السمو في الأخلاق أو الأعمال بدون الانفعالات، فقد ترجع الفنون القهقرى إلى طفولتها، وتتقلص الفضيلة إلى أتفه الأعمال بدونها(4). ولكن الانفعالات بدون نظام تكون مدمرة. ويجدر أن يكون هناك بعض التنسيق بينها، ولا بد من إيجاد طريقة ليكبح الواحد جماح الآخر. ومن هنا نحتاج إلى العقل، وينبغي أن يكون أعظم هاد ومرشد لنا، وهنا كانت محاولة مبكرة في عصر التنوير للتوفيق بين العقل والوجدان، بين فولتير وروسو.

وكان ديدرو، مثل فولتير، في أولى مراحل تطوره ونموه، ربوبياً. أن شواهد تصميم العالم وتكوينه ترغم على الإيمان برب ذكي بارع. ويمكن أن يفسر المذهب الآلي المادة والحركة، ولكنه لا يستطيع تفسير الحياة والفكر. أن ملحد المستقبل تحدى الملحدين أن يفسروا عجائب حياة الحشرات التي كشفت عنها حديثاً أبحاث ربومير وبونيه:

هل رأيتم في تفكير أي إنسان وأعماله، ذكاءاً ونظاماً وحكمة واتساقاً أكثر من تركيب الحشرة؟ أليست بصمات الإله واضحة في عين البعوضة الصغيرة وضوح موهبة التفكير في أعمال نيوتن العظيم؟... فكروا فقط في أني لم أبرز لكم إلا جناح الفراشة وعين البعوضة. على حين كان يمكن أن أسحقكم بثقل الكون(5).

ومهما يكن من أمر فأن ديدرو نبذ في ازدراء الإله الذي جاء به الكتاب المقدس حيث بدا له هذا الرب جباراً قاسياً غاية الجبروت والقسوة، واتهم الكنيسة التي نشرت هذا المفهوم بأنها منبع الجهل والتعصب والاضطهاد. وهل ثمة شيء أشد حمقاً وسخفاً من أن يجعل إلهاً يموت على الصليب ليهدئ من غضب الله على رجل وامرأة ماتا منذ أربعة آلاف سنة. ثم -كما يقول بعض رجال اللاهوت "إذا لعنت وعذبت ألف نفس مقابل خلاص نفس واحدة، أليس الشيطان هو الرابح في هذه القضية، دون أن يسلم الرب أبنه إلى الموت؟ ولم يعترف ديدرو بأي وحي إلهي سوى الطبيعة نفسها. وناشد قراءه أن يرتفعوا إلى مفهوم جديد بالكون الذي كشف عنه العلم. وطالب "بتكبير الإله وتحريره"(6).

وأمر برلمان باريس بإحراق الكتاب بمعرفة المدعي العام بتهمة "تقديمه إلى الأذهان القلقة المضطربة الجريئة أشد الأفكار سخفاً وأجراماً، والتي من شأنها إفساد الطبيعة البشرية، وبوضعه كل الأديان في مستوى واحد تقريباً، في ارتياب مصطنع، حتى ينتهي إلى عدم الاعتراف بها جميعاً(7) ولما كان إحراق الكتاب الصغير (7 يوليو 1746) بمثابة إعلان عنه، فوجد له عدداً غير متوقع من القراء، وترجم إلى الألمانية والإيطالية، ولما تهامس الناس بأن ديدرو هو مؤلفه، أرتفع إلى مرتبة تداني فولتير. وتسلم من الناشر 50 جنيهاً ذهباً. أعطاها لعشيقته التي كانت في حاجة إلى ملابس جديدة.

ولما تزايدت مطالب مدام دي بويسيبه، ألف ديدرو كتاباً آخر (1747) سمع به كاهن الأبرشية، فتقدم بالرجاء إلى الشرطة لتحمي المسيحية من هجوم ثانٍ. ففاجأ رجال الشرطة المؤلف في داره وصادروا مخطوطة الكتاب، أو كما يروي بعضهم، قنعوا بوعد منه بعدم نشره. وعلى أية حال لم يظهر كتاب "نزهة الشكاك" حتى 1830 ولم يزد هذا الكتاب في شهرة المؤلف ولكن فيه تنفيس عن مشاعره. لجأ إلى حيلة الفيلسوف الأثيرة لديه في المراوغة، إلا وهي الحوار، فهيأ لربوبي وقائل بوحدة الوجود (الله والطبيعة شيء واحد، الكون المادي والإنسان ليسا إلا مظاهر للذات الإلهية) وملحد، بأن يشرحوا وجهات نظرهم في الألوهية. ويكرر الربوبي في حماسة الحجة المأخوذة من تصميم الكون، ولم يكن ديدرو مقتنعاً بعد بأن تكيف الوسائل مع الغايات في الكائنات هو تكييف رائع ممتاز يمكن تفسيره بعملية عمياء من تطور اتفاقي جاء مصادفة. أما الملحد فيصر على أن المادة والحركة والفيزياء والكيمياء تفسير للكون أفضل من إله لا يفعل إلا أن يؤجل مشكلة الأصل أو المنشأ. أما القائل بوحدة الوجود، وكانت له الكلمة الأخيرة والقول الفصل، فيعتقد أن الذهن والمادة أبديان معاً، وأنهما يؤلفان الكون، وأن هذه الوحدة الكونية هي الله. وربما كان ديدرو يقرأ سبينوزا.

وكان عام 1748 مثيراً ومجهداً. وكانت أنطوانيت قد وضعت طفلا وكانت مدام دي بويسييه تطالب بتعويض عن الزنى والفجور، ومن المحتمل أن ديدرو، رغبة في الحصول على المال بسرعة، كتب آنذاك قصة فاجرة "الحلى الزائفة" وبناء على ما أوردته أبنته (مدام دي فامديل مستقبلا في كتابها: مذكرات من تاريخ حياة وأعمال ديدرو)- ولا ينبغي الأخذ بما جاء به قبل التأكد من صحته -فأن ديدرو ذكر لعشيقته أن كتابة قصة مسألة سهلة نسبياً، ولكنها تحدته في ذلك فراهن على تأليف قصة ناجحة في أسبوعين، وواضح أنه كان يقلد كربيون Crebillon الأصغر في "الأريكة" 1740 حيث أخذت أريكة تتذكر من جديد عدد العاشقين الذين كانت تئن تحتهم. وتخيل ديدرو خاتماً سحرياً عند أحد السلاطين إذا وجهه إلى الحلي الزائفة عند المرأة، وجعلها وعشيقها يعترفان بكل ما قاسى الأثنان وعانيا من الغرام. ووجه الخاتم السحري إلى ثلاثين سيدة، وما كاد يفتر عنصر التشويق والامتاع في المجلدين كليهما. وخلط المؤلف البذاءة بشيء من الملاحظات المثيرة عن الموسيقى والأدب والمسرح-وأضاف حلماً رأى فيه السلطان طفلا يسمى "التجربة" أخذ ينمو ويكبر ويقوى حتى دمر معبداً قديماً أسمه "الفريضة" وحقق الكتاب غرضه على الرغم من إقحام الفلسفة فيه، حيث أمكن أن يدر مالاً، ودفع الناشر لورنت دوراندا لديدرو مبلغ 1200 جنيه في المخطوطة وعلى الرغم من أن الكتاب لم يكن يباع إلا خلسة فقد عاد بربح وفير. وخرجت ست طبعات بالفرنسية في 1748 وظهرت عشر طبعات في فرنسا بين عامي 1920-1960 والواقع أن هذا أوسع كتب ديدرو انتشاراً وأكثر عدد طبعات(8).

وبدل ديدرو من طبعه وحالته النفسية حين كتب رسائل علمية. وقدر أحسن التقدير كتابه :مذكرات في موضوعات مختلفة في الرياضيات" (1748) الذي ضم أبحاثه علمية أصيلة في الصوت والجهد ومقاومة الهواء، "وتصميماً لأرغن جديد" يمكن أن يعزف عليه أي إنسان. وأثنت "مجلة الرجل المهذب" "وصحيفة العلماء" على بعض المقالات، بل إن صحيفة اليسوعيين "دي تريفو" امتدحتها، ودعت إلى مزيد من مثل هذه الأبحاث من رجل بارع قدير مثل مسيو ديدرو الذي نلاحظ أن أسلوبه رشيق واضح غير متكلف بقدر ما هو مبدع(9). وظل ديدرو طوال حياته ينطلق بشكل غير متواصل إلى العلوم الطبيعية. ولكن ازداد ميله إلى مسائل علم النفس والفلسفة. وكاد يكون في كل مجال تقريباً أكثر المفكرين أصالة في زمانه.

الأعمى والأصم والأبكم 1749-1751

لفت نظر ديدرو بوجه خاص مسألة كان قد أثارها وليم مولينكس الأيرلندي 1692: هل يستطيع إنسان ولد أعمى كان قد تعلم التمييز بين مكعب وجسم كروي باللمس. أن يفرق في الحال إذا عاد إليه بصره، بين هذين الجسمين، أو هل يقتضي الأمر قبل هذا التفريق بعض الخبرة في العلاقات بين الأشكال ملموسة ونفس الأشكال مرئية؟ وجاء الجواب الثاني من مولينكس وصديقه لوك. وفي 1728 قام وليم شولدن بتجربة ناجحة على صبي في الرابعة عشرة من عمره، كان ضريراً عند الولادة، وكان لزاما أن يتدرب الصبي قبل أن يتمكن من التمييز بين الأشكال بالنظر وحده. ولاحظ ديدرو أيضاً بعناية مثيرة حياة نيقولا سوندرسن الذي فقد بصره في عامه الأول، ولم يسترده قط، ولكنه ابتدع لنفسه كتابة رياضية خاصة على طريقة بريل، ومن ثم أكتسب قدرة إلى درجة عين معها أستاذاً للرياضيات في كمبردج.

وفي أوائل 1749 دعا ريومور مجموعة مختارة من الناس ليشاهدوا ماذا يحدث عند إزالة الضمادات عن عيني امرأة أجريت لها عملية لعلاجها من عمى خلقي. وأستاء ديدرو وجرحت كبرياءه لأنه لم يدع هو والفلاسفة الآخرون إلى هذه المناسبة. وباستهتاره المعهود قال إن ريومور كان قد رتب أن ترفع الضمادات أمام "بعض عيون لا قيمة ولا شأن لها(10)" وطبقا لما روته ابنة ديدرو أساءت هذه العبارة إلى مدام دييري دي سانت مور التي كانت تفتخر بعينيها والتي كانت العشيقة الحالية لمدير المكتبة الحالي، أو كبير مراقبي المطبوعات الكونت دارجنسون (مارك ببير، الأخ الأصغر للمركيز رينيه لويس).

وفي 9 يونيو نشر دوراند كتاب ديدرو "رسالة عن العميان لخدمة المبصرين" وكانت على شكل رسالة موجهة إلى مدام بويسبيه. وبدأت بوصف زيارة قام بها ديدرو وبعض الأصدقاء لزارع كروم أعمى. وأذهلهم روح النظام عند الرجل المكفوف البصر إلى حد الذي تعتمد عليه فيه زوجته بالليل في إعادة كل شيء إلى مكانه بعد فساد النظام أثناء النهار. وكانت حواسه الباقية أحد وأقوى من حواس الناس العاديين "وهناك بالنسبة له فروق بسيطة لا تكاد تذكر من نعومة الأجسام، وهي فروق لا تقل دقة عن الفروق بين أصداء الأصوات، ولا خوف من أن يحسب خطأ أن سيدة أخرى هي زوجته، إلا إذا كان في المبادلة كسباً له(11) ولم يكن يدرك كيف يعرف الإنسان الوجه دون أن يلمسه. وانحصرت روح الجمال عنده في الأشياء الملموسة وفي رخامة الصوت والمنفعة ولا يجد عاراً في العرى لأنه يجد أن في الثياب حماية من الجو لا اخفاء الجسم عن أعين الآخرين. وأعتبر السرقة جريمة كبرى لأنه يقف حيالها عاجزاً لا حول له ولا قوة.

وخلص ديدرو إلى أن أفكارنا عن الصواب والخطأ ليست مستمدة من الله، بل من خبرتنا الحسية. بل وحتى فكرتنا عن الله يجب تعليمها، وهي أيضاً مثل فكرتنا عن الأخلاق، نسبية متنوعة. ووجود الله مشكوك فيه لأن البرهان من أصل الوجود فقد كثيراً من قوته. حقاً هناك شواهد وبراهين على التصميم والتركيب في كثير من الكائنات والأعضاء مثلما هو في الذبابة والعين، ولكن ليس ثمة شواهد على التصميم في الكون باعتباره كلا، لأن بعض الأجزاء عوائق - إن لم تكن أعداء فتاكة- لأجزاء أخرى، وكل تركيب تقريباً محكوم عليه أن يلتهمه تركيب عضوي آخر وتبدو العين مثالاً رائعاً لتطابق الوسائل مع الغايات، ولكن فيها عيوب وشوائب جسيمة (كما يوضح هلمهولتز هذا تفصيلا فيما بعد) وثمة عفوية أو تلقائية خلاقة في الطبيعة، ولكنها نصف عمياء. وتؤدي إلى كثير من الخلل والاضطراب والتبديد والضياع. ورغم ديدرو أنه أقتبس من كتاب "حياة دكتور نيقولا سوندرسون وخلقه لمؤلفه وليم أنشليف (وواضح أنه لم يوجد قط)، فأجرى على لسان الأستاذ الأعمى قوله "لماذا تحدثني عن هذا المشهد الجميل الذي لم يصنع من أجلي قط؟... إذا أردت مني أن أومن بالله فينبغي أن تجعلني ألمسه(12) وفي سيرة الحياة الوهمية هذه رفض سوندرسن الإيمان بالله وعزا نظام الكون إلى انتقاء طبيعي للأعضاء والتركيبات العضوية عن طريق بقاء الأصلح.

كل تركيبات معيبة ناقصة من المادة اختفت. ولم يبق منها إلا ما انطوى تركيبه على تعارض غير ذي أهمية، والتي يمكن أن تستمر وتبقى بوسائلها ولكن النتاجات الضخمة الغريبة تظهر من حين إلى حين... ما هو العالم؟ إنه مركب خاضع لثورات تشير كل منها إلى نزعة ملحة إلى التدمير، تسلسل سريع للكائنات يعقب بعضها بعضاَ. ويدفع بعضها بعضاً ثم تختفي(13) ويختتم ديدرو بمذهب اللا أدرية: "واحسرتاه يا سيدتي، إننا إذ نضع المعرفة الإنسانية في ميزان مونتاني فلن نبعد عن شعاره، لماذا نكتسب المعرفة؟ إننا لا نعرف شيئاً عن طبيعة المادة، وعن طبيعة الذهن والفكر، لا نعرف إلا أقل من ذلك. بل لا نعرف شيئاً إطلاقاً(14).

وجملة القول إن رسالة العميان من أعظم وأروع ما كتب في عصر الاستنارة في فرنسا. إنه كتاب جميل ساحر من حيث السرد والقصص، كما أنه يتميز بدقة الملاحظة والتبصر البارع العطوف بوصفه بحثاً في علم النفس، كما يتميز بخيال مثير بوصفه بحثاً في الفلسفة، وهو مرهق قرب انتهاء صفحاته الستين ولكنه يضم بعض ما يجافي الحشمة مما لا يكاد يليق برسالة مفروض إنها موجهة إلى سيدة، ولكن ربما كانت مدام دي بويسييه متعودة على خلط ديدرو بين بذاءة السوقة وسعة الإطلاع والمعرفة. وشمل البحث، لحسن الحظ، اقتراحاً مفصلاً لما عرف فيما بعد باسم طريقة لويس بريل(15).

وأرسل فولتير الذي كان آنذاك في باريس (1749) إلى ديدرو وتقريظاً حماسياً للبحث، قال فيه: "قرأت في سرور بالغ كتابك الذي يذكر الشيء الكثير ويوحي بشيء أكثر. وكنت منذ أمد أقدرك أعظم التقدير، بقدر ما أحتقر أولئك الأغبياء الذين ينقصون من قدر ما لا يفهمون...

ولكني أعترف لك أني لست من رأى سندرسن الذي ينكر وجود إله، لأنه ولد أعمى. وربما كنت مخطئاً، ولكن لو أني في مكانه لاعترفت بوجود كائن أعظم بارع وهبني إضافات كثيرة تكمل البصر. أود من كل قلبي أن أتحدث إليك. وليس يهمني أن تعتقد أنك واحد من مخلوقاته، أو أنك جزء دقيق التنظيم من مادة أبدية ضرورية. وقبل مغادرتي لونفيل أرجو أن تشرفني بتناول عشاء فلسفي معي، في داري بصحبة بعض الحكماء.

ورد عليه ديدرو في 11 يونية:

سيدي الأستاذ العزيز: إن اللحظة التي تسلمت فيها خطابك من أسعد لحظات الحياة... إن رأى سوندرسن ليس رأيي ولا هو رأيك... إنا أومن بالله، ولكني أنسجم كثيراً مع الملحدين، ومن المهم جداً ألا نخلط بين الشوكران (نبات يستخرج منه شراب سام) والبقدونس. ولكن ليس يهمني مطلقاً أن تؤمن بالله أولاً تؤمن به. وقال مونتاني إن العالم كرة تخلى عنها الإله للفلاسفة ليهيموا على وجوههم مطوفين حولها...(16).

وقبل ظهور أية نتيجة لهذه المراسلات قبض على ديدرو. ذلك أن الحكومة ثار غضبها لنقد صلح إكس لاشابل المذل علناً. وأودعت السجن نفرا من النقاد، ورأت أن الوقت قد حان لكبح جماح ديدرو وإيقافه عند حده ولسنا ندري إذا كان الإلحاد في رسالة العميان هو الذي أثار احتجاج رجال الدين، أو أن مدام دبري دي سانت مور وقد ساءتها إشارة ديدرو إلى العيون التي لا قيمة لها قد حفزت عشيقها (كبير مراقبي المطبوعات) إلى اتخاذ إجراء. وعلى أية حال فإن الكونت دارجنسون أرسل أمراً مختوماً (23 يوليو 1749) إلى ماركيز دي شاتيليه محافظ قلعة فنسان "استقبلوا في القلعة المدعو ديدرو، وأودعوه في السجن لحين صدور أوامر أخرى مني"(71) وفي الصباح الباكر في اليوم التالي طرق رجال الشرطة باب ديدرو، وفتشوا مسكنه ووجدوا نسختين أو ثلاثا غير مجلدة من رسالة العميان، وعدة صناديق مملوءة بمادة الموسوعة الشهيرة التي كان يعدها ديدرو، وحملوها إلى القلعة (في ضواحي باريس) حيث وضع وحيداً في زنزانة في القلعة الكئيبة، وسمح له بالاحتفاظ بكتاب كان في جيبه عند اعتقاله "الفردوس المفقود" وتهيأ له فسحة من الوقت لقراءته بعناية. وكتب عليه حواشي وتعليقات بغير الطريقة التقليدية. واستخدم صفحاته الخالية في تدوين بعض الأفكار وموضوعات أقل ورعاً وتديناً، وتوصل إلى صنع الحبر من كشط الأردواز من الجدران وطحنه وخلطه بالنبيذ، واستخدم عودا من الخلال قلماً. وفي نفس الوقت هرعت زوجته التي عاشت مكتئبة مع طفلها البالغ من العمر ثلاث سنوات إلى رئيس الشرطة برييه، وتوسلت إليه أن يطلق سراح زوجها، وأنكرت علمها بكتاباته "وكل ما أعرفه أن كتاباته شبيهة بسلوكه. أنه يعتز بالشرف أكثر ألف مرة مما يعتز بالحياة، وإن مؤلفاته لتعكس الفضائل التي يتمسك بها"(18). وإذا كانت أنطوانيت لا تعلم شيئاً عن مدام بوبسييه، فإن الشرطة كانت تعلم، وكان أشد فعالية وتأثيراً من ذلك الالتماس الذي تقدم به الرجال الذين عهدوا إلى ديدرو وتحرير الموسوعة، حيث أكدوا لكونت دارجنسون أن المشروع لا يمكن أن يخطو خطوة بدون السجين. وفي 31 يوليو استدعى برييه ديدرو وحقق معه وأنكر ديدرو أنه مؤلف "رسالة العميان" وكتاب "الأفكار" وكتاب "الحلى الزائفة" وأدرك رئيس الشرطة أنه يكذب، وأعاده إلى السجن.

وفي شهر أغسطس، كتبت مدام دي شاتيليه- قبل وفاتها بشهر واحد والمفروض أن هذا بإيعاز من فولتير، من لونفيل إلى قريبها محافظ فنسان، ترجوه على الأقل أن يخفف من الشدة التي يعامل بها ديدرو. وحوالي 10 أغسطس عرض بربيه أن يسمح للسجين بالتمتع بالحرية والتيسيرات في قاعة السجن الكبرى مع الترخيص له باستقبال الزوار وتلقي الكتب، إذا قدم اعترافاً صادقاً. وفي 13 أغسطس وجه الفيلسوف المعاقب إلى بربيه الوثيقة الآتية:-

أعترف لك بأن الكتب الثلاثة أن هي إلا نزوات غواية أملاها ذهن تملص مني، ولكني أستطيع... أن أعد تحت كلمة الشرف (وأنا فعلا رجل شريف) بأنها ستكون الأخيرة... وستكون الوحيدة... أما بالنسبة لهؤلاء الذين اشتركوا في نشر الكتب وطبعها، فلن أخفي عنكم شيئاً يتعلق بهم، وسأفضي إليك بأسماء الناشرين والطابعين(19).

وفي 20 أغسطس أطلق سراحه من الزنزانة. ووضعوه في غرفة مريحة، وسمح له باستقبال الزائرين والتنزه في حدائق القلعة، وفي يوم 21 وقع تعهداً بألا يغادر المبنى أو منطقته دون ترخيص رسمي. وجاءت إليه زوجته لتواسيه وتؤنبه وتلومه، وبعث من جديد حبه القديم لها. وزاره دالمبير ورسو ومدام دي بوبسييه وجاء إليه ملتزموا الموسوعة ببعض المخطوطات وأستأنف عمله في تحريرها. ومنذ علم أن أخاه أبلغ أباه بنبأ اعتقاله فأنه كتب إلى الوالد "السكاكيني" المتألم، وأدعى أن اعتقاله كان بناء على مكيدة إحدى السيدات، وطلب منه معونة مالية. وفي 3 سبتمبر أرسل الوالد رداً يكشف عن الجانب الإنساني في الصراع بين الدين والفلاسفة:

يا بني: تسلمت خطابيك اللذين بعثت بهما إلي مؤخراً، تنبئني بخبر اعتقالك وسببه، ولم أتمالك نفسي من القول بأنه لا بد بالتأكيد أن هناك أسباباً أخرى غير التي ذكرتها في أحد الخطابين... وحيث أنه لا يحدث شيء إلا بإذن الله، فإني لست أدري أيهما أفضل لتقويم خلقك: إخلاء سبيلك أو إطالة مدة بقائك في السجن لمدة شهور لتفكر جيداً وملياً في نفسك. ولا تنس أن الله إذا كان قد أنعم عليك بالمواهب، فإنه منحك إياها لا لتستخدمها في العمل على أضعاف مبادئ عقيدتنا المقدسة، لقد قدمت دليلاً كافياً على حبي لك. هيأت لك فرصة التعلم على أمل أن تفيد منه أعظم فائدة، لا أن تورثني أشد الهم والغم والكمد حين علمت بما لحق بك من خزي وعار... سامحني يا بني. ولسوف أصفح عنك. أنا أعلم أنه ليس ثمة إنسان بمنجاة عن الافتراء وتشويه السمعة، وأنهم قد ينسبون إليك أعمالاً لم تشترك فيها... ولن يكون لك اعتبار أو قيمة في نظري إلا إذا صدقتني القول دون لبس أو مواربة، بأنك كما أبلغوني من باريس بأنك تزوجت وأن لك طفلين. فأن كان الزواج شرعياً وأن الأمر قد انتهى فأنا راضٍ، وآمل ألا تضن على شقيقتك بالشعور بالفرح لتنشئتهما، وعلي بالسعادة لرؤيتهما أمام عيني... إنك تسألني مالا. ماذا! إن رجلا مثلك يعمل في مشروعات ضخمة... هل يمكن أن يكون في حاجة إلى مال؟ ولقد قضيت شهراً في مكان لا تكلفك الإقامة فيه شيئاً؟... تذكر أمك المسكينة... إنها في تأنيبها لك، كم من مرة قالت إنك أعمى... قدم لي الدليل على عكس ذلك. ومرة أخرى ، وقبل كل شيء، كن صادقاً ومخلصاً في الوفاء بوعودك... ستجد مرفقاً بهذا حوالة بمائة وخمسين جنيهاً... تنفقها كما تريد... وإني لأنتظر بفارغ الصبر اليوم الذي تخفف فيه من آلامي وهمومي حين أعلم بنبأ إطلاق سراحك... وسأقدم الشكر لله حالما أعلم ذلك

مع الحب الذي أكنه لك...

(والدك الحبيب ديدرو)(20)

ولسنا ندري ماذا كان رد دنيس. وربما وجد مشقة في مجاراة هذه الرسالة في نبلها. وفي 3 نوفمبر 1749 أفرج عنه بعد قضاء ثلاثة شهور ونصف شهر في السجن. وقصد داره سعيداً مبتهجاً بالعودة إلى زوجته وصغاره، ونسي مدام دي بويسييه لفترة من الوقت؛ ولكن في 30 يونية 1750 مات ابنه البالغ من العمر أربع سنوات، إثر حمى شديدة، وأنجب طفلا ثالثاً بعد ذلك مباشرة. ولكنه أوذى أذى بالغاً عند تعميده، حيث أوقعه أحد الخدم على الأرض في الكنيسة، وما لبث أن فارق الحياة قبل انقضاء عام واحد على مولده، وهكذا ولد له ثلاثة ومات ثلاثتهم (وعاد ديدرو إلى أمسياته في مقهى بروكوب. وحوالي 1750 قدمه روسو إلى فردريك مليخيور جريم،وهناك بدأ ثالوث من الصداقة كان له بعض الأهمية في عالم الأدب. وتلك هي السنة التي غادر فيها فولتير فرنسا إلى برلين وكتب فيها روسو الذي نال به الجائزة عن (المدنية مرض) وأصدر ديدرو نشرة تمهيدية عن الموسوعة:

وبينما كان ديدرو يعمل في المجلد الأول من مشروع الموسوعة أستطرد إلى تحقيق في علم النفس نشر نتائجه (1751) في "رسالة عن الصم والبكم لخدمة أولئك الذين يسمعون ويتكلمون". ولم يكن ديدرو قد نسي قلعة فنسان بعد، ومن ثم تجنب الهرطقة، وتسلم من الرقيب (مالشرب الطيب الرحيم آنذاك) "إذناً ضمنياً" بنشر الكتاب في فرنسا دون ذكر اسمه، ودون خوف من المحاكمة أو المقاضاة. واقترح ديدرو أن يوجه أسئلة إلى أحد الصم والبكم، ويلاحظ الإيماءات التي يجيب بها الأصم الأبكم على هذه الأسئلة، وبذلك يلقي الضوء على منشأ اللغة عن طريق الإشارات والإيماءات. أن الممثل القدير (وكان ديدرو آنذاك منشغلا بوضع كتابه "تناقض الممثل" ينقل أحياناً عن طريق إيماءة أو تعبير بالوجه فكرة أو إحساس بشكل أعظم تأثيراً منه عن طريق الألفاظ. ومن الجائز أن الألفاظ الأولى (في اللغة) كانت عبارة عن إيماءات صوتية أو معبرة توضح فكرة في الذهن، وليس للفظة التي يختارها الشاعر دلالة أو معنى عقلي فحسب، ولكن لها كذلك مفهوماً رمزياً متضمناً وفارقاً دقيقاً لا يكاد يذكر، ولها تضمينات بصرية (قارن مثلا بين يرى ويتفرس أو يحدق النظر أو نغمات توافقية في الصوت، قارن بين يقول ويتذمر، Say, murmur ومن ثم فأن الشعر الحقيقي تتعذر ترجمته).

والحديث- كما هو معهود في ديدرو مضطرب يعوزه الترتيب والنظام ولكنه زاخر بالجوانب الموحية. "قد تكون فكرتي أن أحلل الإنسان إذا جاز التعبير، وأدرس ماذا يستمد من كل حاسة من حواسه". (بنى كوندياك مؤخراً في 1754، رسالته عن الأحاسيس حول هذه الفكرة) أو قارن مرة أخرى بين الشعر والرسم، أن الشاعر يستطيع أن يسرد الأحداث على حين يبرز الرسام لحظة واحدة، وصورته عبارة عن إشارة تحاول أن تعبر في وقت واحد عن الماضي والحاضر والمستقبل. وهنا كانت بذرة في كتاب ليسنج "لاوكون" (1766).

ولكن في هذه الأثناء كان المجلد الأول من الموسوعة معداً للنشر.

تاريخ كتاب 1746-1765

قال الناقد الكاثوليكي برونتيير "إن الموسوعة أعظم عمل في عصرها، والهدف الذي كان يصبو إليه كل شيء سبقها، ومصدر كل شيء جاء بعدها، ومن ثم فإنها المركز الحقيقي لأي تاريخ للأفكار في القرن الثامن عشر"(21). وقال ديدرو إن محاولة إخراج موسوعة إنما تنسب فقط إلى قرن فلسفي(22). إن عمل بيكون وديكارت وهوبز ولوك وباركلي وسبينوزا وبيل وليبيتز في الفلسفة، والنهوض بالعلوم على أيدي كوبرنيكس وفيساليوس وكبلر وجاليليو وهويجنز ونيوتن، وارتياد الأرض بفضل الملاحين والبعثات التبشيرية والسياح، وإعادة الكشف عن الماضي على أيدي الباحثين والمؤرخين، كل هذه المعرفة المتراكمة انتظرت لتنسق في موسوعة تكون في متناول الجميع وخدمتهم.

وبدأ في أول الأمر أن "موسوعة تشامبرز" أو "القاموس العالمي للفنون والعلوم" (1728) قد يسد هذه الحاجة. وفي 1743 أقترح ناشر في باريس هو أندريه فرنسوا لي بريتون ترجمته إلى الفرنسية مع تعديلات وإضافات تفي بحاجة فرنسا. ونما المشروع ليظهر في عشر مجلدات ولمواجهة النفقات أشرك لي بريتون معه في هذه المهمة ثلاثة ناشرين آخرين هم برياسون ودافيد ودوران. واستخدموا الأب دي جوا دي مالف محرراً. وحصلوا على إذن ملكي بالطبع، وأصدروا في 1745 نشرة مؤقتة. ورأى الناشرين أو رأى المحرر دي جوا دي مالف الاستعانة بديدرو ودالمبير. وفي 1747 انسحب دي جوا دي مالف. وفي 16 أكتوبر عين الناشرون ديدرو رئيساً للتحرير مقابل راتب قدره 144 جنيهاً في الشهر. وطلبوا إلى دالمبير أن يكون مسئولا عن مقالات الرياضيات.

وكلما تقدم العمل ازداد ديدرو سخطاً على نص تشامبرز ويمكن أن تقدر هذا السخط والاستياء إذا عرفنا أن ديدرو خصص للتشريح 56 عموداً على حين أفرد له تشامبرز عموداً واحداً، وللزراعة 14 عموداً، على حين أوردها تشامبرز في ستة وثلاثين سطراً. وأخيراً أوصى بتنحية قاموس تشامبرز جانباً وإعداد موسوعة جديدة تماماً، (وربما أقترح مالف هذا فوراً). ووافق الناشرون واستحث ديدرو (ولم يكن قد اتضح بعد أنه المؤلف الزنديق لرسالة العميان) المستشار الجاد المتدين دي أجسو حتى يشمل الترخيص الملكي المشروع الموسع (أبريل 1748).

ولكن كيف كان يمكن تمويل المشروع؟ قدر لي بريتون أنه قد يكلف مليون جنيه. والواقع أنه تكلف مليوناً وأربعمائة ألف-حتى ولو كان من المشكوك فيه كثيراً أن يكون عدد المشتركين كافياً إلى حد يدفعون معه بالموسوعة إلى المطبعة. وكان ديدرو وقد أعد بالفعل كثيراً من المقالات وحصل على عدد آخر منها من أجل المجلدات الأولى حين أوقف اعتقاله في فنسان سير العمل. وعندما أطلق سراحه تفرغ تفرغاً كاملاً للمضي في المشروع. وفي نوفمبر 1750 أخرج الناشرون ثمانية آلاف نسخة من نشرة تمهيدية دبجها يراع ديدرو. (وفي 1950 أعادت الحكومة الفرنسية طبع هذه النشرة تذكاراً وطنياً لهذا الحادث). وأعلنت هذه النشرة إن فريقاً من الأدباء والخبراء والمتخصصين أتجه رأيهم إلى جمع المادة الموجودة في العلوم والفنون في صعيد واحد مرتبة ترتيباً أبجدياً، مزودة بمراجع قد يسهل على العلماء والباحثين والطلاب استخدامها. وقالت النشرة إن لفظة الموسوعة أو دائرة المعارف تدل على العلاقات المتبادلة بين العلوم وهي تعني حرفياً التثقيف أو التعليم مجموعاً في صعيد واحد. وقال ديدرو إن المعرفة لم تنم على أوسع نطاق فحسب ولكن الحاجة إلى نشرها مهمة كذلك، حيث لا جدوى منها إلا إذا أفاد منها الجميع. وجاء في النشرة أن هذا كله سوف تضمه ثمانية مجلدات للنصوص ومجلدات للوحات والرسوم، وحدد الاشتراك بمائتين وثمانين جنيهاً للمجموعة تدفع على تسعة أقساط. ويجب تسديد المبلغ كله على مدى عامين. وتبدو لنا الآن هذه النشرة وكأنها أحد الإعلانات بأن عصر العلم قد بدأ. وأن عقيدة جديدة قد ظهرت لخلاص الجنس البشري.

وكانت الاستجابة للنشرة مشجعة، وبخاصة لدى الطبقة الوسطى العليا. وتبين بعد وفاة مدام جيوفرين أنها وزوجها أسهما في نفقات الموسوعة بمبلغ 500 ألف جنيه(23).

وبهذه الموسوعة في فرنسا وقاموس جونسون في إنجلترا (1755) أعلن الأدب الأوربي استقلاله عن الأرستقراطيين والإهداءات الذليلة، واتجه إلى الجمهور العريض الذي عرض هذا الأدب أن يكون عينه التي تبصر وصوته الذي يعبر. وكانت الموسوعة أشهر تجربة لتبسيط المعرفة ونشرها(24).

وظهر المجلد الأول في 28 يونيه 1751 محتوياً على 914 صفحة من القطع الكبيرة من ذات النهرين. وكانت صورة الصفحة الأولى من رسم شارل كوشان، وكانت رمزاً صادقاً للقرن الثامن عشر، فقد أبرزت البشرية تتلمس طريقها إلى المعرفة تمثلها امرأة جميلة في ثوب رقيق شفاف. وكان العنوان مثيراً: الموسوعة أو قاموس موضوع بعد دراسة وترو لمختلف العلوم والفنون والمواد ألفه فريق من رجال الأدب رتبه وحرره ديدرو وتعهد قسم الرياضيات فيه دالمبير، ونشر بتصديق من الملك وترخيص منه وأهدى المجلد من باب الحكمة إلى السيد الكونت دارجنسون وزير الحربية. ولم يكن موسوعة بالمعنى الحالي عندنا، فإنها لم تر أن تشمل سير حياة أو تأريخاً. ولكن الغريب في الأمر أنها تضمنت بعض سير الحياة تحت عنوان محل الميلاد للشخص. ومن جهة أخرى كانت بشكل جزئي قاموساً عرض لتعريف بعض المصطلحات وإيراد المترادفات وبعض قواعد الأجرومية.

وأبرز ما في المجلد الأول وأجدره بالذكر هو "مقال تمهيدي" ووقع الاختيار على دالمبير لكتابته لأنه كان معروفاً بأنه من رجال العلم المرموقين وبأنه كذلك من البارعين الأفذاذ في النثر الفرنسي، وعلى الرغم من هذه المزايا كان دالمبير يحيا حياة رواقية بائسة فقيرة في باريس. وحين وصف فولتير المشهد الرائع من لي دليس أجاب دالمبير: "أنت تكتب إلى من مخدعك حيث تشرف على عشرة فراسخ من البحيرات وأنا أرد عليك من جحري الذي لا يشهد إلا رقعة من السماء لا تتجاوز ثلاث أذرع"(25). وكان لا أدرياً، ولكنه لم ينضم إلى نقد علني للكنيسة. وفي -مقالة التمهيدي حاول أن يفحص حجج معارضي الكنيسة:

"إن طبيعة الإنسان سر لا يمكن سبر أغواره إذا استنار الإنسان بالعقل وحده. ويمكن أن نقول مثل هذا عن وجودنا في الحاضر والمستقبل، وعن جوهر "الكائن" الذي ندين له بهذا الوجود، وعن نوع العبادة التي يتطلبها منا. ومن ثم فإننا أحوج ما نكون إلى ديانة منزلة تهدينا سواء السبيل في مختلف الموضوعات"(26).

وأعتذر لفولتير عن هذه الاحترامات: "أن مثل هذه العبارات هي أسلوب توثيقي، وما هي إلا طريق وصول أو جواز مرور إلى الحقائق التي ننشد تدعيمها... أن الزمن سيعلم الناس كيف يميزون بين ما فكرنا فيه وما قلناه(27).

ونهج المقال التمهيدي نهج اقتراح لفرانسيس بيكون، فصنفت المعارف وفق الموهبة العقلية التي تنتج عنها: فوضع التاريخ تحت بند "الذاكرة" والعلوم في باب "الفلسفة" واللاهوت تحت بند "العقل" والأدب والفن في باب "الخيال" وكان ديدرو ودالمبير فخورين كل الفخر بهذا التقسيم وجعلا منه ورقة مطوية وضعاها بعد المقال أو خريطة للمعرفة أثارت أشد الإعجاب. وكان أقوى أثر في الموسوعة بعد أثر بيكون هو أثر لوك. "أننا مدينون للأحاسيس بكل أفكارنا". هذا هو ما جاء في المقال. ومن هذا البيان راود الأمل المحررين على مدى المجلدات الثمانية أن يستنتجوا فلسفة كاملة ديناً طبيعياً يهبط بالإله إلى مجرد دفعة ابتدائية أولى وإن يستنتجوا علم نفس طبيعياً يجعل الذهن وظيفة من وظائف الجسم، ومبادئ أخلاق طبيعية تحدد الفضيلة على أساس واجبات الإنسان نحو الإنسان لا نحو الله- وتضمن "المقال التمهيدي" هذا البرنامج في حرص وحذر.

ومن هذه المبادئ الأولى أنتقل دالمبير إلى استعراض تاريخ العلم والفلسفة وأمتدح الأقدمين، وأستنكر العصور الوسطى وأنتقص من قدرها، وهلل لعصر النهضة وأبتهج به:

لن نكون منصفين إذا لم نعترف بفضل إيطاليا علينا، فمنها تلقينا العلوم التي أنتجت فيما بعد ثماراً وفيرة في كل أوربا. ونحن مدينون لها فوق كل شيء بالفنون الجميلة والذوق الذي زودتنا منه بعدد كبير من نماذج لا تبارى أو تتعذر محاكاتها(28).

وجاء أبطال الفكر الحديث ليتوجوا بأكاليل الغار:

يجدر أن يوضع على رأس قائمة الشخصيات اللامعة مستشاراً إنجلترا الخالد فرانسيس بيكون الذي تستحق أعماله بحق أن ندرسها حتى أكثر من أن نمتدحها. أننا حين نتأمل وندرس آراء ونظرات هذا الرجل العظيم الحكيمة الواسعة الأفق، والموضوعات الكثيرة التي أستعرضها في ذهنه، وجرأة أسلوبه التي جمعت في كل موضوع بين أروع الصور والانطباعات الذهنية وبين أعظم الدقة والأحكام. فإننا نميل إلى اعتباره أعظم الفلاسفة وأفصحهم وأشملهم وأوسعهم بحثاً(29).

وأنتقل دالمبير ليبرز كيف أن عبقرية ديكارت العميقة الخصبة في الرياضيات قد عوقها في الفلسفة الاضطهاد الديني:

إن ديكارت على الأقل تجاسر فبين للأذهان اليقظة كيف تتحرر من نير السكولاسية والرأي والسيطرة- وصفوة القول من التحيز والتحامل والوحشية. وبهذه الثورة التي نجني نحن ثمارها اليوم أدى ديكارت للفلسفة خدمة قد تكون أجل وأشق مما تدين به لخلفائه البارزين المشهورين. وقد نعتبره زعيم عصابة تعاهدت، وكان لها من الشجاعة ما قادت به ثورة ضد سلطة استبدادية. وأرسى بفضل تصميمه الأكيد المشجع الملهم أساس حكومة أعدل وأفضل ما كان يمكن أن يعيش ليراها قائمة، وإذ انتهى به التفكير إلى إيضاح كل شيء فإنه على الأقل بدأ بالشك في كل شيء. إن الأسلحة التي يجب استخدامها لمحاربته ليست على الرغم من ذلك أسلحته لأننا نصوبها إليه.

وبعد أن تحدث دالمبير عن نيوتن ولوك وليبنتز ختم حديثه بالإعراب عن إيمانه بالنتائج الطيبة للمعرفة التي تزكو وتنمو وتنتشر: "إن قرننا ليعتقد بأنه قد كتب عليه إن يغير القوانين في جميع المجالات(30). ونشجع دالمبير بحرارة هذا الأمل فجعل من مقاله التمهيدي هذا تحفة من روائع النثر الفرنسي في القرن الثامن عشر. وشارك بيفون ومونتسكيو في الثناء على مقدمة الموسوعة في لغتنا فلسفة ومنطقاً وإشراقاً وأحكاماً ودقة(31).

ولم يكن المجلد الأول ضد الدين بشكل سافر. وكانت المقالات عن العقيدة والطقوس المسيحية تقليدية تقريباً. وأبرزت عدة مقالات بعض الصعوبات، ولكنها أختتمت كلها عادة باحترام مهيب للكنيسة. وكثيراً ما وجدت هرطقات مغلفة وهجمات عارضة على الخرافة والتعصب، ولكنها مستترة في مقالات واضح أنها كانت تعالج موضوعات بريئة مثل "حمل سكيزيا" أو النسر. من ذلك أن ما كتب عن حمل سكيزيا توسعوا فيه حتى صار بحثاً عن شواهد تركت الإيمان بالمعجزات في حالة يرثى لها. كما أن مادة "النسر" بعد مناقشة سذاجة الناس وسرعة تصديقهم انتهت بتهكم صريح:

"سعيد هذا الشعب الذي تطالبه ديانته ألا يؤمن إلا بالأشياء الحقيقية المقدسة السامية الرفيعة الشأن، وألا يقتدى إلا بصالح الأعمال. ومثل هذه الديانة هي ديانتنا وهي التي فيها لا يتبع الفيلسوف إلا عقله حتى يصل إلى مذبحنا(32) وفي شيء من المكر والدهاء كانوا يهاجمون الخرافات والأساطير هنا وهناك. وانبثقت روح من الإنسانية العقلانية.

وعلى الرغم من كل شيء أستقبل اليسوعيون هذا المجلد استقبالاً ودياً. وأعترض جويوم فرنسوا برتييه المحرر العالم المثقف لصحيفة تريفو في رقة وأدب على توكيد المقال التمهيدي على الفلاسفة المهرطقين، وأشار إلى بعض الأخطاء والانتحالات، وطالب بتشديد الرقابة على المجلدات التي ستصدر فيما بعد، ولكنه أثنى على الموسوعة مشروعاً عظيماً ضخماً جداً يمكن لمحرريه بحق بعد إنجازه أن يطبقوا على أنفسهم قول هوراس "لقد أقمت نصباً أبقى من النحاس".

ثم أضاف برتييه "ليس هناك من هو أكثر منا ميلا إلى تبين الخفايا الدقيقة في الموسوعة ولسوف نعرضها برفق في مقتطفاتنا القادمة(33).

وثمة كاهن آخر لم يكن مترفقاً متساهلاً إلى مثل هذا الحد، وهو جان فرنسوا بوير أسقف ميربوا سابقاً الذي شكا المحررين إلى الملك بأنهم خدعوا الرقباء، فأرسله الملك لويس إلى مالشرب الذي كان قد أصبح كبير مراقبي المطبوعات، فوعد مالشرب بفحص المجلدات التالية بشكل أدق، ولكنه أثناء توليه مناصب حكومية أستخدم كل نفوذه لحماية الفلاسفة. وكان من حسن حظ الثائرين أن هذا المسيحي جويو دي مالشرب الذي كان قد أصبح متشككاً حين قرأ كتابات بيل والذي كان قد ألف كتاب "حرية الصحافة" هو الذي كان رقيب المطبوعات من 1750-1763 وهي أحرج فترة في حياة فولتير وديدرو وهلفشيوس وروسو. وكتب مالشرب "في القرن كان يستطيع فيه كل مواطن أن يتحدث إلى الأمة عن طريق الكتاب فإن هؤلاء الذين أوتوا المقدرة على تعليم الناس وتثقيفهم أو موهبة التأثير فيهم-وفي إيجاز رجال الأدب- وسط شعب مشتت يقومون بالدور الذي كان يقوم به خطباء رومه وأثينا في شعب ملتف حولهم". وشجع مالشرب الحركة الفكرية بمنح "تراخيص ضمنية" للمطبوعات التي لا يمكن أن تحصل في ظل النظام القائم على ترخيص ملكي أو تنال استحسان السلطات. ذلك أنه كان من رأيه أن الإنسان الذي لم يقرأ إلا الكتب التي صدرت بموافقة صريحة من الحكومة... يكون متخلفاً عن معاصريه بنحو قرن من الزمان تقريباً(35).

وانتهت هذه الفترة السعيدة في حياة الموسوعة بحادث من أغرب الحوادث في تاريخ عصر الاستنارة، ذلك أنه في 18 نوفمبر 1751 تقدم جان مارتن دي براد للحصول على درجة جامعية من السوربون، وعرض على رجال اللاهوت رسالة ظاهرها البراءة والخلو من أية شائبة "من ذا الذي نفخ الله في وجهه روح الحياة"؟ وبينما النعاس يغلب على أعضاء هيئة الامتحان عرض الراهب الشاب في لغة لاتينية ممتازة تضاربات زمنية في الكتاب المقدس، وهبط بمعجزات المسيح إلى مستوى معجزات أسكولابيوس، وإستبدل بالوحي لاهوتاً طبيعياً متحرراً. وقبلت جامعة السوربون الرسالة ومنحت دي براد الدرجة. وأتهم الجانسنيون الذين كانوا يسيطرون على برلمان باريس الجامعة، وراحت الشائعات بأن لديدرو بداً في الرسالة، وسحبت الجامعة الدرجة وأمرت بإلقاء القبض على الراهب. وهرب دي براد إلى بروسيا حيث آواه فولتير حتى خلف لامتري قارئاً لفردريك الأكبر.

وصعق الأمناء الحراس على الديانة التقليدية إذا رأوا أن دي براد هذا نفسه كان قد كتب مقالة "اليقين" في المجلد الثاني من الموسوعة الذي صدر في يناير 1752. وكان في هذه المقالة أيضاً لمحات من ديدرو، وتعالت الصيحات ضد الموسوعة حتى أن برتييه الذي أطرى هذا المجلد لما فيه من إسهامات كثيرة في المعرفة، وجه اللوم إلى المحررين على قطعة ذكر فيها أن معظم الناس ينظرون إلى الأدب بعين الإجلال والإكبار مثلما ينظرون إلى الدين "أي إلى شيء لا يستطيعون أن يعرفوه أو يمارسوه أو يحبوه".

وقال اليسوعيون أن مثل هذا الكلام يجب لفت نظر المؤلفين والمحررين إليه حتى لا يعودوا يثبتون شيئاً من هذا القبيل في الموسوعة مستقبلاً(36). وفي 31 يناير أتهم كريستوف دي بومونت مطران باريس الموسوعة بأنها هجوم ماكر على العقيدة الدينية. وفي 7 فبراير صدر قرار من مجلس الدولة يحظر بيع الموسوعة أو نشرها. وفي نفس اليوم كتب مركيز دارجنستون في صحيفته "صدر في هذا الصباح قرار من المجلس لم يكن متوقعاً يقضي بمنع تداول الموسوعة أو نشرها بسبب مزاعم مروعة: منها الكفر بالله والتمرد على سلطة الملك. وفساد الأخلاق... وقيل في هذا الصدد أن مؤلفي الموسوعة ينبغي إعدامهم في أقرب وقت(37).

ولم تصل الأمور إلى هذا الحد من السوء، فلم يعتقل ديدرو، ولكن الحكومة صادرت كل المادة التي كان قد جمعها، وكتب فولتير من بوتسدام يستحث ديدرو على نقل المشروع إلى برلين حيث يمكن النهوض به تحت حماية فردريك، ولكن ديدرو وقف عاجزاً بدون المادة التي صودرت. أما لي بريتون فكان يأمل أن تعدل الحكومة من قرار الحظر بعد سكون العاصفة، وأيد مالشرب ومركيز دارجنسون ومدام دي بمبادور النداء الذي تقدم به لي بريتون إلى المجلس. وفي ربيع عام 1752 وافق المجلس على نشر المجلدات الأخرى "بترخيص ضمني" وأشارت دي بمبادور على دالمبير وديدرو باستئناف العمل "مع تحفظ ضروري فيما يتعلق بما يمس الدين والسلطة الحاكمة"(38). ورغبة في تهدئة خواطر رجال الدين وافق مالشرب على أن يراجع المجلدات التالية ثلاثة من رجال اللاهوت يختارهم الأسقف السابق بوير.

وصدر المجلدان الثالث والرابع فيما بين عامي 1753-1756، بعد خضوعهما لرقابة صارمة. وزاد الغضب من انتشار الموسوعة، كما أصبحت رمز الأفكار الحرة، وزاد عد المشتركين إلى 3100 في المجلد الثالث، و4200 في المجلد الرابع.

وأجتاز دالمبير المحنة وقد اهتزت أعصابه بعض الشيء ومن ثم فإنه ضماناً لسلامته الشخصية اشترط ألا يكون مسئولاً بعد الآن إلا عن مقالات الرياضيات، ومهما يكن من أمر فإن ديدرو ظل يناضل الرقابة. وفي 12 أكتوبر 1752 نشر ظاهرياً في برلين وباسم دي براد "مواصلة الدفاع عن الراهب دي براد"، وتحدث فيه غاضباً، مشيراً إلى أن أحد الأساقفة شجب مؤخراً رسالة السوربون: "لست أعلم شيئاً أكثر مجافاة للياقة وأشد خطراً على الدين من هذه الخطب الغامضة التي تهاجم العقل والتي يلقيها بعض رجال اللاهوت. وقد يقول المرء لدى سماعها أن الناس لا يستطيعون الدخول في المسيحية إلا كما يدخل قطيع من الحيوان إلى حظيرة، وأن على المرء أن يتخلى عن الإدراك السليم وحصافة الرأي ليعتنق ديننا أو يستمسك به. وأكرر القول بأن إقرار هذه المبادئ معناه الهبوط بالإنسان إلى مستوى الحيوان، ووضع الزيف والحقيقة على قدم المساواة"(39).

وتابع في المجلد الثالث هجماته غير المباشرة على المسيحية، وغلفه بالجهر بالإيمان بالعقيدة القويمة. وأبرزت مقالته "التوقيت الزمني المقدس" مرة أخرى تناقضات التوراة. وألقت ظلالاً من الشك في نصوص الأسفار المقدسة. وأكدت مقالته عن "الكلدانيين" على إنجازاتهم في الفلك، ولكنها رثت لخضوعهم للكهنة "أنه لمما يزري بالعقل ولا يشرفه تقييده في الأغلال كما فعل الكلدانيون. ولد الإنسان ليفكر لنفسه" وعددت مقالته عن "الفوضى" الاعتراضات على فكرة الخلق وأسهبت -زعماً أنها تدحض وتفند- القول في حجج أبدية المادة. واشتملت على بعض النقاط الخلافية التي تثير الجدل مقالاته الممتازة في التجارة والمنافسة وأسلوب التأليف والتركيب (مقالة حول الرسم) "والكوميديين" أي الممثلين، وأوضح ديدرو أنه لم يكن رساماً ولا خبيراً باللوحات والرسوم ولكنه أضطر إلى الكتابة في الموضوع لأن "الهاوي المتبجح" الذي عهد إليه بالكتابة عن أسلوب التأليف في الرسم، كان قد قدم موضوعاً تافهاً غير جدير بالنشر. وعبرت مقالة ديدرو عن بعض أفكار أبهجت فيما بعد "صالوناته" فكانت مقالته عن "الممثلين" استمرار لحملة فولتير دفاعاً عن حقوقهم المدنية.

وحظي المجلد الثالث بثناء كبير خفف منه نقد اليسوعين وليلى فرينون في مجلة "السنة الأدبية" ورفع المشتركون الجدد من قيمة العمل ومكانته: وبدأ ديكلوس ينهض بقسط من الجهد في إخراج المجلد الرابع، وفولتير وترجو يشاركان في المجلد الخامس. وفي أثناء السنوات الأربع الأولى من المشروع كان فولتير مشغولاً أو متورطاً في ألمانيا -أما الآن في عام 1755 فقد أستقر به المقام في جنيف وأرسل منها المقالات عن "الأناقة" "و"الفصاحة" و"الذكاء" وكلها تفيض أناقة وفصاحة وذكاء وكتب ديدرو نفسه للمجلد السادس مقالاً تحت عنوان "الموسوعة" عده بعض العلماء والباحثين أحسن ما كتب في المجموعة كلها. وكانت بالفعل من أطول المقالات حيث بلغ عدد كلماتها 34 ألف كلمة، تحدث فيه عن الصعوبات التي واجهت العمل لا من حيث القوى التي كانت تهدف إلى هدم المشروع فحسب بل كذلك من حيث ضآلة الاعتمادات المالية غير الكافية لدفع أجور المؤلفين ونفقات الطبع، والعلل الطبيعية التي انتابت الكتاب حيث أقعدهم المرض أو ضيق الوقت. وأقر العيوب الكثيرة التي أصابت المجلدات الخمسة الأولى التي كانت قد أخرجت في عجلة وخوف، ووعد بالعمل على ملاقاتها، وفي شيء من الانفعال كتب قانون الإيمان الخاص به: إن الغاية القصوى من أية موسوعة هو جمع المعرفة المتناثرة هنا وهناك على الأرض، وشرحها للمعاصرين ونقلها إلى الأعقاب، والغرض من ذلك هو ألا تكون جهود القرون الماضية غير ذات نفع للأجيال القادمة وأن يكون خلفاؤها وقد أصبحوا أكثر ثقافة وأغزر علماً، في نفس الوقت أسعد وأكثر تمسكاً بالفضيلة، وألا نفارق الحياة دون أن نحظى بثناء الجنس البشري وتقديره.

ورأى ديدرو في الموسوعة لطمة للأعقاب، ووثق أنهم سيدافعون عنه ويبرئونه، وتصور ثورة عارمة عطلت مؤقتاً تقدم العلوم وعمل فنون الصناعة، وغمرت من جديد بالظلام جزءاً من العالم. وراوده أكبر الأمل في "اتراف مثل هذا الجيل بفضل أولئك الرجال الذين أوجسو خيفة من هذا الخراب وتوقعوه فجمعوا شتات المعرفة التي تراكمت عبر القرون وحفظوها في حرز أمين" وقال "إن الأعقاب بالنسبة للفيلسوف هي بمثابة الدار الآخرة بالنسبة لرجل الدين(40).

وخلق المجلد السابع الذي ظهر في خريف 1757 أزمة أخرى أسوأ مما سبقها. وذلك أن كسنى وترجو كتباً أبحاثاً مستفيضة مشهورة في شرح سياسة عدم التدخل الحكومي في الشئون الاقتصادية، (مذهب الفيزيوقراطيين في حرية التجارة والصناعة -ظهر في فرنسا في القرن الثامن عشر) كما أن لويس دي جوكور، الذي كثيراً ما أسهم الآن في الكتابة في الموسوعة، كتب مقالة موجزة مهينة تحت عنوان "فرنسا" بلغت كلماتها تسعمائة كلمة ولم ترو معظمها شيئاً من تاريخ فرنسا، بل عددت شوائبها وأخطائها: الافراط الخطير في عدم المساواة في توزيع الثروة، فقر الفلاحين، وتضخم باريس وتناقص السكان في الأقاليم. وفي مقال عن "الحكومة" كتب جوكور "أن الخير كل الخير للشعب في حريته... وبدون الحرية تنتفى السعادة في الدول" وفي هذا المجلد كتب فولتير مقالة عن الفسوق والزنى، وتفاخر بأنها علمية، ولكن مقالة "المقاومة" -على الأقل المقالة التي أثارت أشد مقاومة- هي المقاتلة عن جنيف التي التقيا بها في محيطها السويسري. ونسي دالمبير ما أخذ به نفسه من حيطة وحذر وتصميمه على الاقتصار على الرياضيات وأثار على نفسه سخط جنيف وباريس كلتيهما حين صور رجال الدين الكلفنيين بأنهم يرفضون ألوهية المسيح.

ورأى جريم على الغدر أن هذه المقالة زلة فظيعة تعوزها اللباقة، وقال إنها تسبب اهتياجاً وبلبلة. وأستنكر أحد اليسوعيين المجلد في عظة ألقاها أمام الملك في فرساي. وكتب دالمبير إلى فولتير يقول "إنهم يجزمون بأني أمتدح قساوسة جنيف في أسلوب يضر بالكنيسة الكاثوليكية"(41). وفي 5 يناير 1757 بذلت محاولة لقتل الملك. فكان رد الملك عليها أنه أحيا قانوناً قديماً يعاقب بالإعدام مؤلفي وناشري وبائعي الكتب التي تهاجم الديانة أو تزعج الدولة، وزج بعدد من الكتاب في السجن، ولم يعدم أحد ولكن دالمبير المرهف الحس تولاه الفزع بشكل واضح، وقطع علاقته بالموسوعة نفوراً من الهياج والصخب (1 يناير 1758). وفقد بعض الوقت قدرته على رؤية الأشياء في أوضاعها الصحيحة، واتهم مدام بمبادور بمحاباة "أعداء الفلاسفة" وتأييدهم، وطلب إلى ماليرب أن يكبح جماح زعيمهم فريرون. وألح عليه فولتير في عدم الاستقالة، فأجاب دالمبير في 20 يناير "أنت لا تدرك الوضع الذي نحن عليه، وصورة غضب السلطات علينا... أنا أشك في مواصلة ديدرو العمل بدوني... فإذا فعل هذا فإنه يمهد السبيل لسلسلة من المحاكمات والبلايا لمدة عشر سنوات"(43) وكان رعبه قد ازداد في السبعة أو الثمانية أيام التالية "إذا كان الأعداء ينشرون مثل هذه الأشياء اليوم بإذن صريح من قبل هذه المراجع المسئولة، فلن يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن هذا يعني إثارة الهياج ضد المجلد السابع، وإلقاءنا في أتون المحرقة بالنسبة للمجلد الثامن"(43) وأذعن فولتير لرأي دالمبير، ونصح ديدرو بالتخلي عن الموسوعة، حيث أنه إذا أستمر العمل فيها بأية حال، فستكون خاضعة لرقابة تقضي على قيمة العمل باعتباره أداة للحد من سيطرة الكنيسة على الأذهان في فرنسا(44) وأبى ترجو ومارمونتيل وديكلوس وموريللي أن يكتبوا أية مقالات أخرى، وفترت همة ديدرو نفسه لفترة من الزمن، وكتب يقول "لا يكاد يمر يوم إلا وتحدثني نفسي بالذهاب إلى مسقط رأسي في شمبانيا لأعيش منزوياً في هدوء"(45) ولكنه لن يلقي سلاحه ولن يستسلم. وفي فبراير 1758 كتب إلى فولتير "أن التخلي عن العمل معناه أن ننقض العهد ونتكص على أعقابنا ونفعل ما يريده منا هؤلاء الأوغاد الذين يضطهدوننا. آه لو علمت كم ابتهجوا وفرحوا عندما علموا باعتزال دالمبير العمل، وكم من مناورات قاموا بها للحيلولة دون رجوعه إليه!

وفي اجتماع أساقفة فرنسا 1758 قدموا إلى الملك منحة اختبارية كبيرة بشكل غير عادي، وتقدموا إليه برجاء إلغاء "الترخيص الضمني" الذي يجيز نشر الموسوعة في فرنسا. وفي 1768 شرع أبراهام دي شوميكس في إصدار سلسلة من النشرات تحت عنوان "أحكام شرعية ضد الموسوعة" وأثار نشر كتاب هلفشيوس "أسس الروح" (27 يوليو 1758) مزيداً من الاحتجاجات، وتورطت الموسوعة في هذه العاصفة حيث انتشرت الشائعات القوية بأن ديدرو تربطه بهلفشيوس علاقات وثيقة. وزاد الطين بلة أن روسو الذي كان يكتب للموسوعة مقالات في الموسيقى، رفض أن يسهم في التحرير الآن. وروجت رسالته إلى دالمبير عن العروض المسرحية نبأ انشقاقه على الفلاسفة. وبدأ أن معسكر الموسوعيين قد تمزق. وفي 23 يناير 1759 حذر وكيل الملك أمير دي فليري برلمان باريس من أن هناك مشروعاً أعد وجماعة تكونت لنشر المذهب المادي، والقضاء على الدين ونشر روح الاستقلال، والعمل على إفساد الأخلاق(46) وأخيراً في 8 مارس، صدر من مجلس الدولة أمر بتحريم الموسوعة تحريماً تاماً، فلا يطبع أي مجلد جديد، ويمنع بيع أو تداول المجلدات الموجودة. وأوضح القرار أن الفوائد التي تجنى من هذا العمل من حيث تقدم الفنون والعلوم لا يمكن بحال من الأحوال أن تعوض عن الأضرار البالغة المتعذر إصلاحها التي تنشأ بالنسبة للعقيدة الدينية والأخلاق(47).

ولم يتهدد هذا المرسوم سلامة أشخاص الفلاسفة فحسب، بل تهدد كذلك قدرة الناشرين على الوفاء بديونهم. وكان كثير من المشتركين قد دفعوا قيمة اشتراكهم في المجلدات التالية، فكيف يتيسر رد ما دفع مقدماً؟ فمعظم هذه الأموال أنفق على المجلدات السبعة الأولى، وعلى الإعداد لإخراج المجلد الثامن الذي كان معداً للتوزيع حيث صدر المرسوم الملكي. وحرض ديدرو الناشرين على ألا يستسلموا، لعل هذا المرسوم يجري أيضاً تعديله أو العدول عنه في الوقت المناسب، وإلا طبعت المجلدات الباقية في الخارج.

وبناء على طلب الناشرين لزم ديدرو داره وواصل العمل في المجلد التاسع. وفي الوقت نفسه بذل مالشرب وآخرون غيره أقصى الجهد في تسكين غضب الحكومة.

وهنا-في صيف 1759 ظهرت في باريس نشرة سرية غفل الاسم، تحت عنوان "مذكرة إلى فرانسوا شوميكس" وهي قطعة مملة عنيفة في موقف واحد، تهاجم في أقذع الإهانة والسباب، لا الحكومة والبرلمان واليسوعيين والجانسنيين وحدهم، بل هاجمت المسيح وأمه كذلك. وقال ديدرو "إن العمل منسوب إلينا بما يشبه الإجماع"(48). وقصد إلى مالشرب وإلى مدير الشرطة وإلى المحامي العام للبرلمان وأقسم أنه لا علاقة له بتفجير الإلحاد في الشوارع على هذا النحو، وصدقه أصدقاؤه، ولكنهم نصحوه بمغادرة باريس فأبى الهروب، محتجاً فإن في الهروب اعترافاً بالذنب. وحذره مالشرب من أن الشرطة ستهاجم منزله وتصادر أوراقه، ومن ثم ينبغي إخفاؤها. فتساءل الثائر الحائر المنزعج "ولكن أين أخفيها؟" وكيف يتسنى له في ساعات قلائل أن يوفق إلى مكان يخفي فيه كل هذه المادة التي جمعها؟ فقال مالشرب "أرسلها إلي أنا، لن يأتي أحد ليفتش عنها هنا"(49). وفي الوقت نفسه عثر رجال الشرطة على طابعي النشرة المخزية، وانتهوا إلى أن ديدرو لم يكن له صلة بها، لم يصدر أمر بمصادرة أوراقه، وتنفس الصعداء ولكنه أشرف على الإصابة بانهيار عصبي، وصحبه صديقه الغني دي هولباخ لقضاء عطلة في بعض الأماكن القريبة من باريس. وكتب ديدرو "حملت معي إلى كل مكان قصدناه خطى مضطربة متعثرة ونفساً مكتئبة"(50).

وعاد ديدرو إلى باريس، ووقع مع الناشرين عقداً جديداً لإعداد تسعة مجلدات إضافية من الموسوعة لقاء مبلغ 25 ألف جنيه. وعرض دالمبير أن يستأنف مسئوليته عن مقالات الرياضيات، ووجه ديدرو إليه اللوم على تخليه عن العمل في وقت المحنة حين حمل عليه العدو، ولكنه قبل إسهامه في الموسوعة، وكذلك انضم إليهم فولتير. وكان ديدرو يأمل أن يكمل المجلد السابع عشر والأخير في 1760. ولكنه في سبتمبر 1761. كتب يقول "انتهت المراجعة المزعجة، حيث قضيت فيها خمسة وعشرين يوماً متصلة بمعدل عشر ساعات في اليوم"(51) وظل لعشرة أيام أخر حبيساً في داره لمراجعة اللوحات والرسوم. وتم طبع المجلدات من الثامن إلى السابع عشر في تعاقب سريع في باريس، ولكنها موسومة بعلامة تشعر بأنها نشرت في نيوشاتل، وتغاضى سارتين مدير عام الشرطة الجديد عن هذه الخدعة أو التضليل(52) ومهد الطريق لهذا طرد اليسوعيين من باريس 1762 وفي سبتمبر 1762 عرضت كثرين قيصرة روسيا استكمال الموسوعة تحت حماية الحكومة في سان پطرسبورگ، وجاء مثل هذا العرض من فردريك الأكبر عن طريق فولتير. وربما استحثت هذه الاقتراحات الرجال الرسميين في فرنسا على إجازة الطبع في باريس. وظهر المجلد الأخير من النصوص في 1765، وأضيف أحد عشر مجلداً للوحات والرسوم فيما بين عامي 1765و1772 وصدر ملحق من خمسة مجلدات، مجلدان لفهرس الموسوعة فيما بين عامي 1776-1780 وطلب إلى ديدرو تحريرها ولكنه كان منهوكاً مرهقاً فرفض، فإن أهم مشروع نشر في هذا القرن استنزف قواه، ولكنه خلد ذكره بالقدر الذي تسمح به تقلبات المدنية.

الموسوعة، إنسيكلوپدي

غلاف الإنسيكلوپدي.

إن كل محتويات الموسوعة تقريباً نسختها الثورة الفكرية التي ساعدت على إذكاء نارها، ولكنها تسترعي انتباهنا لمجرد أنها أحداث في تاريخ الأفكار، وأسلحة أستخدمها الفلاسفة في صراعهم مع المسيحية الوحيدة التي عرفوها، وقل إن كان الهجوم مباشراً كما رأينا وكانت مقالتا "المسيح والمسيحية" وكلتاهما بقلم ديدرو، قويمتين تقليديتين في جوهرهما. وأمتدح المقالة الثانية أحد الرهبان الإيطاليين. وكتب نفر من الكهنة مقالات للموسوعة، ومن ذلك أن الراهب يفون كتب مقالة بعنوان "الملحدون" ولم تؤيد الموسوعة الإلحاد بل الربوبية. ومهما يكن من أمر فإن المراجع المفترضة كانت في بعض الأحيان مضللة، ملحقة بمقالة تقليدية رشيدة. وكثيراً ما أشارت إلى مقالات أخرى تثير الشكوك. من ذلك أن المقالة المثالية عن "الله" أشارت إلى مقالة "البرهان" التي أوردت قواعد للبرهنة فيها تشويه للمعجزات والأساطير. وفي بعض الأحيان شرحت أقل العناصر اعتدالاً ومعقولية في العقيدة المسيحية في قبول ظاهر، ولكن بطريقة تستدعي الارتياب والجدل. ورفضت المبادئ الصينية أو الإسلامية المماثلة للنظريات المسيحية باعتبارها غير عقلانية. وارتفعت الصيحات بأن مقالة "الكهنة" غير ودية، ويحتمل أن دي هولباخ هو الذي دبجها، لأن الفلاسفة كانوا يمقتون رجال الدين بوصفهم أعداء الفكر الحر ومشجعين على الاضطهاد وزعم المؤلف أنه إنما كان يكتب عن رجال الدين الوثنيين: "إن الخرافة ضاعفت من مراسم وطقوس الشيع المختلفة، ومن هنا شكل القائمون عليها طائفة مستقلة، وأعتقد الناس أن هؤلاء الأشخاص مخلصون للمعبود كل الإخلاص. ومن هنا كان للكهنة نصيب في إجلال الناس لله. وبدت المناصب العادية التي يشغلونها أدنى مستوى منهم، وأعتقد العامة أنهم مرغمون على أن يقدموا لهؤلاء الكهنة ما يعولهم... وكأنهم ودائع ينفذون وصية الله، ووسطاء بين الآلهة والناس.

وعمد الكهنة، لكي يثبتوا سلطانهم ويؤكدوا سيطرتهم، إلى تصوير الآلهة بأنهم قساة حقودون محبون للانتقام لا يستشعرون الرحمة. وأدخلوا لمراسم والطقوس والشعائر والأسرار التي يمكن أن تبعث فظاعتها في نفوس الناس الاكتئاب الرهيب الملائم كل الملائمة لدنيا التعصب. ثم تدفق الدم البشري الغزير فوق المذابح. وظن الناس، وقد ملأهم الخوف بالجبن وأعمتهم الخرافة، أنه لن يكون أي ثمن يدفعونه غالياً في سبيل الحظوة برضا الأرباب. وأسلمت الأمهات أطفالهن الصغار دون أن يذرفن دمعة واحدة، إلى النيران الملتهبة، وسقط آلاف الضحايا تحت سكين القربان المقدس... وكان من الميسور على الرجال الذين كانوا موضع الإجلال والاحترام إلى هذا الحد، أن يبقوا طويلاً داخل حدود الخضوع الضروري للنظام الاجتماعي. فإن الكهنة الذين أسكرتهم السلطة كثيراً ما نازعوا الملوك حقوقهم. وأمسك التعصب والخرافة بالسيف مسلطاً على رؤوس الملوك واهتزت العروش حين رغب الملوك في كبح جماح أو معاقبة الرجال المقدسين الذين كانت مصالحهم متشابكة مع مصالح الآلهة... كان الحد من سلطانهم يعني تقويض أركان الديانة"(54).

وبصفة عامة اتخذت الحرب ضد العقيدة القديمة شكل الثناء على المعتقدات الجديدة في العلوم والفلسفة ومناهجهما. وكان الفلاسفة يحلمون بإحلال العلوم محل الدين والفلاسفة محل الكهنة على الأقل بين الطبقات المتعلمة، وحظيت العلوم بتفسيرات وشروح مسهبة، مثال ذلك أن ستة وخمسين عموداً خصصت "للتشريح"، وتحت بند "الجيولوجيا" كتبت مقالات مطولة عن المياه المعدنية والمعادن والطبقات وأنهار الجليد والاحافير والمناجم والزلازل والبراكين والأحجار الكريمة. وكان لزاماً أن توضع الفلسفة في النظرة الجديدة إليها على أساس من العلوم تماماً. وينبغي ألا تبنى "نظماً" ويجب أن تتجنب الميتافيزيقا ويجب ألا تتحدث بلغة الأساقفة عن منشأ العالم ومصيره، وشنت مقالة "المدرسة" هجوماً مباشراً على الفلاسفة السكولاسيين (المدرسيين) على اعتبار أنهم تخلوا عن البحث عن المعرفة، واستسلموا للاهوت. وضيعوا أنفسهم، وهم آمنون في المنطق الواهي مثل خيوط العنكبوت، وسط غيوم الميتافيزيقا.

ودبج ديدرو سلسلة من المقالات الممتازة في تاريخ الفلسفة، استندت كثيراً على كتاب جوهان جاكوب بروكر "تاريخ النقد الفلسفي" (1742-1744) ولكنها كشفت عن بحث أصيل في الفكر الفرنسي، وشرحت المقالات التي كتبت عن مدرسة إلياو أبيقور المذهب المادي. وأفرطت بعض المقالات في إطراء برونو وهوبز. وباتت الفلسفة عند ديدرو ديانة. "والعقل للفيلسوف هو بمثابة البركة والنعمة الإلهية للمسيح"(55). وصاح "فلنسارع لنجعل الفلسفة شعبيه"(56). وفي مقالة "الموسوعة" كتب كما يكتب الرسل أو الحواريون "اليوم حين تتقدم الفلسفة إلى الأمام بخطى جبارة، وتخضع لسلطانها كل الأشياء التي تهمها، وحين يكون صوتها عالياً مدوياً، وتشرع في طرح نير السلطة والتقاليد وتتمسك بقوانين العقل... "وهنا كانت العقيدة الجريئة الجديدة مع ثقة فتية شابة قليلاً ما توجد ثانية. وربما كان يفكر في حاميته الإمبراطورية في روسيا، وأضاف مثل أفلاطون" وحدوا بين حاكم (كاترين الثانية) وبين فيلسوف من هذا الطراز (ديدرو) ومن ثم تجدون ملكاً بلغ درجة الكمال(57).

وإذا حل مثل هذا الفيلسوف محل كاهن اعتراف مرشد وموجه للملك، فلا بد أن ينصحه أول ما ينصح بإطلاق الحرية، وبخاصة حرية الكلام والصحافة "إن أحداً لم يتلق من الطبيعة حق التحكم في الآخرين"(58) وفي هذا تعريض شديد بحقوق الملك الإلهية أما بالنسبة للثورة: "إن السلطة التي يتم الاستيلاء عليها عن طريق العنف ليست إلا اغتصاباً، لا تدوم إلا بقدر تفوق قوة من سيطر على قوة من أذعنوا له. فإذا توافر لهؤلاء الآخرين قسط كبير من القوة وتخلصوا من نير من تسلط عليهم من قبل فإنهم يفعلون بحكم الحق والعدل مثل ما فعل هذا الذي كان قد تحكم فيهم وفرض عليهم سلطانه من قبل. إن نفس القانون الذي فرض السيادة هو الذي يحطمها ويبطلها، وهو قانون الأقوى،... ومن ثم فإن السلطة الحقيقية الشرعية لها بالضرورة حدود وقيود... إن الأمير (الملك) يتلقى من رعاياه السيادة التي يمارسها عليهم. وهذه السيادة محدودة بقوانين الطبيعة وقوانين الدولة... إن الدولة لا تتبع الأمير، بل إن الأمير هو الذي يتبع الدولة وينتسب إليها(59).

ولم تكن الموسوعة اشتراكية ولا ديمقراطية، بل إنها قبلت الملكية، ونبذت نظرية المساواة التي شرحها روسو بقوة 1755. ودافعت مقالة جوكور "المساواة الطبيعية" عن المساواة أمام القانون، ولكنها استطردت تقول "إني أدرك تمام الإدراك ضرورة تباين الأحوال والدرجات والمقامات والطبقات والامتيازات والتبعية التي يجب أن تسود في كل الحكومات"(60) وأعتبر ديدرو آنذاك أن الملكية الخاصة أساس لا غنى عنه للمدنية(61) على أن مقالة "الإنسان" على أية حال كانت لها وقفة مع الشيوعية: "إن الربح الصافي للمجتمع إذا وزع توزيعاً عادلاً بالتساوي قد يكون مفضلاً على ربح أكبر إذا لم يوزع على قدم المساواة، ومن ثم تكون نتيجته تقسيم الشعب إلى طبقات" وعند التحدث عن الملاجئ قيل "قد يكون السعي إلى منع الفقر والبؤس ذا قيمة أكبر من مضاعفة الملاجئ لإيواء البؤساء"(62).

إن الملك الفيلسوف قد يفحص من وقت لآخر شئون الإقطاع ويلغي الامتيازات الإقطاعية التي لم تعد تتكافأ مع خدمات السادة الإقطاعيين للفلاحين أو الدولة(63). وقد يجد بديلاً إنسانياً للعمل الإجباري، أي نظام السخرة، ويحرم تجارة الرقيق، ويضع حداً، كلما أتسع سلطانه، للحروب بين الأسرات المتنافسة والصراعات التي يمليها الجشع، ويسعى إلى تطهير المحاكم من الفساد، ويوقف بيع الوظائف، ويخفف من وطأة قانون العقوبات وعلى الأقل يضع حداً للتعذيب القضائي. وعليه، بدلاً من العمل على استدامة الخرافة وانتشارها، أن يبذل أقصى جهوده في أن يدفع إلى الأمام هذا العصر الذهبي الذي يمكن أن يتحالف فيه فن الحكم وسياسة الدولة مع العلم في حرب متصلة ضد الجهل والمرض والفقر.

وكانت الأفكار الاقتصادية في الموسوعة في جملتها هي أفكار الطبقة الوسطى التي ينتمي إليها معظم الفلاسفة. وهي على الأغلب آراء الفيزيوقراطيين التي سيطرت بزعامة كنى وميرابو الأب على النظرية الاقتصادية في فرنسا في أواسط القرن الثامن عشر. فقد ساد الاعتقاد بأن حرية العمل والمشروعات -ومن ثم التجارة الحرة والمنافسة الحرة- أمر حيوي بالنسبة للأحرار من الناس، ولذلك كانت النقابات وهي عوائق لهذه كلها، غير مرغوب فيها ولا يتقبلها أحد. وقدر لهذه الأفكار أن تبرز على مسرح التاريخ في وزارة ترجو 1774 ونبهت الموسوعة الأذهان إلى التكنولوجيا الصناعية وأولتها عناية متحمسة، وهي التكنولوجيا التي بدأت تغير وجه الاقتصاد في إنجلترا وفرنسا. وأعتقد ديدرو أن الفنون الميكانيكية يجب إكبارها والرفع من شأنها باعتبارها تطبيقاً للعلوم، والتطبيق بالتأكيد ذو قيمة كبيرة مثل النظرية تماماً. "ما هذا الحمق في قدراتنا وتقديراتنا! إننا نخص الناس على أن يشغلوا أنفسهم بما يفيد وينفع، ثم نحتقر الرجال النافعين"(64). وكان يأمل في أن تكون الموسوعة مستودعاً جامعاً مانعاً للتكنولوجيا حتى إذا وقعت بالفنون الميكانيكية كارثة دمرتها أمكن بناء هذه الفنون من جديد بفضل مجموعة باقية من مجلدات الموسوعة. وكتب هو نفسه مقالات مطولة بذل فيها جهداً كبيراً عن الصلب والزراعة والإبر والبرونز وآلة النقب والقمصان والجوارب والأحذية والخبز. وأعجب بعبقرية المخترعين وبمهارة الحرفيين. وقصد بنفسه أو أرسل مساعديه إلى المزارع والحوانيت والمصانع لدراسة العمليات والمنتجات الجديدة، وأشرف على حفر الرسوم والنقوش التي قارب عددها ألفاً والتي جعلت من مجلدات اللوحات الأحد عشر إحدى العجائب من نوعها في ذلك العصر. وكانت الحكومة فخورة بأن يشمل هذه المجلدات الأحد عشر الإذن الملكي بطبعها ونشرها. وقد ضمت خمساً وخمسين لوحة عن صناعة النسيج وإحدى عشرة لوحة عن سك العملة وعشراً عن الصناعات الحربية، وخمساً عن البارود، وثلاثاً عن صناعة الدبابيس. وكانت هذه اللوحات الثلاث الأخيرة مصدراً لمقالة آدم سميث الشهيرة عن توزيع العمل إلى "18 عملية متميزة" في إنتاج الدبوس(65). قال ديدرو: "من أجل الحصول على هذه المعلومات كنا نقصد إلى أقدر الحرفيين في باريس وفي سائر أنحاء المملكة، وحرصنا على أن نوجه إليهم الأسئلة ونكتب ما يملون علينا. ونحصل منهم على المصطلحات المستخدمة في حرفهم. وفي مقابلات طويلة كثيرة مع مجموعة واحدة من العمال كنا نستكمل ما قد يكون الآخرون قد شرحوه بشكل ناقص أو غامض أو أحياناً غير دقيق. وأرسلنا إلى الحوانيت حفارين ورسامين رسموا الآلات والأدوات دون أن يحذفوا شيئاً يمكن أن يجعلها واضحة تمام الوضوح أمام الأعين"(66).

وفي 1773، عندما طلب سلطان تركيا إلى بارون دي توت أن يصنع المدافع لحصون الدردنيل أستخدم البارون مقالة "المدافع" في الموسوعة مرشداً دائماً يسترشد بما جاء فيها(67).

وبعد أن فرغ ديدرو من إعداد النص كاملاً، أصيب بنكسة زلزلت كيانه وحطمت روحه، ذلك أنه وهو يراجع إحدى المقالات أكتشف أجزاء كثيرة من أوراق التجارب التي كان قد صححها وأعتمدها حذفت أو سقطت عند الطبع. وأظهرت مراجعة بعض المقالات الأخرى أن حذفاً مماثلاً جرى في المجلدات من التاسع عشر، وجرى الحذف والتعديل عادة في أجزاء ربما أثارت مرة أخرى رجال الدين أو البرلمان. وجرى الحذف دون اعتبار للمنطق أو السياق في الجزء الباقي من المقالة. وأعترف لي بريتون بأنه عمد إلى هذه العملية الجراحية (الحذف) لينقذ الموسوعة مما قد تتعرض له من محن، وينقذ نفسه من الإفلاس. وروى جريم نتيجة هذا العمل "لقد جن جنون ديدرو عند اكتشاف هذا التصرف، ولن يغيب عن ذاكرتي مطلقاً هذا الذي حدث له وظل لعدة سنين يصرخ في وجه لي بريتون "لقد كنت تخدعني بشكل مخز ودنئ... وضيعت جهود عشرين من أفاضل الرجال، الذين خصصوا كل وقتهم وقدراتهم ومواهبهم ونشاطهم حباً في الحق وجرياً وراء الحقيقة، يحدوهم مجرد الأمل في وصول آرائهم إلى جمهور الناس، ولا يريدون منها إلا أيسر الجزاء بثمن غال... ولسوف يذكرونك منذ الآن رجلاً أقترف جريمة الخيانة، وتصرف تصرفاً وقحاً كريهاً، مما لا يقارن به أي شيء حدث في هذا العالم"(68). ولم يغفر ديدرو لبريتون هذه الزلة قط".

إننا لو ألقينا نظرة فاحصة إلى هذا العمل، سواء من حيث تاريخه أو محتوياته: لأدركنا أنه المشروع البارز الرائع في عصر الاستنارة في فرنسا، ومنذ كان ديدرو فيه رئيساً لا غنى عنه، كانت مكانته تجئ بعد فولتير وروسو في الصورة العامة الشاملة للحياة الفكرية في فرنسا في القرن الثامن عشر. وكانت مثابرته على تحرير الموسوعة عملية متشعبة الأطراف مضنية. إنه أثبت المراجع المتعارضة وصحح الأخطاء وقرأ تجارب الطبع، وطاف بأرجاء باريس يبحث عن الكتاب ويستحثهم. ودبج بقلمه مئات المقالات في حالة عدم العثور على الكتاب أو عجزهم عن الكتابة. وكان المرجع الأخير إذا قصر الآخرون، ومن ثم نجده يكتب في الفلسفة والفن والمسيحية، والأصلة العاصرة (نوع من الحيات الضخمة الماحقة) والجمال وأوراق اللعب ومصانع الجعة والخبز المقدس. وسبقت مقالته عن "التعصب أو عدم التسامح" رسالة فولتير في نفس الموضوع، وربما أوحت ببعض الأفكار الواردة فيها. وزخر الكثير من مقالاته بالأخطاء، وكان بعضها عدائياً غير منصف بشكل مشوش، مثال ذلك مقالته عن اليسوعيين، ولكنه كان في عجلة من الأمر، على حذر يستعد للنضال، كما كانوا يطاردونه، وكان يحارب بكل سلاح في متناول يده.

أما وقد خفت حدة المعركة، ففي مقدورنا أن نتبين مواطن الضعف في الموسوعة. ففيها ألف خطأ في إيراد الحقائق، وفيها تكرارات طائشة غير مدروسة وحذف فاضح، وكان فيها انتحالات جوهرية، كما أوضح الباحثون اليسوعيون "وكانت بعض المقالات" لوحة من المسروقات أو الاقتباسات(69). وفي ثلاثة أعداد من صحيفة تريفو أورد برتييه، استناد إلى مراجع دقيقة ومقتبسات متطابقة أكثر من مائة من الانتحالات في المجلد الأول وكان معظم هذه المسروقات مختصراً غير ذي أهمية، ولكن بعضها امتد إلى ثلاثة أو أربعة أعمدة منقولة بالحرف الواحد.

وكان في الموسوعة شوائب فكرية خطيرة. ومن ذلك أنه كان لدى المؤلفين فكرة بالغة السذاجة عن الطبيعة البشرية، وتقدير متفائل إلى حد بعيد لأمانة العقل وإدراك غامض غاية الغموض لضعف هذا العقل وهشاشته أو سهولة إنقياده، ونظرة عامة متفائلة أكثر مما ينبغي إلى كيفية استخدام الناس للمعرفة التي يزودهم بها العلم. إن الفلاسفة بصفة عامة وديدرو بصفة خاصة، كانت تعوزهم الحاسة التاريخية. إنهم قليلاً ما توقفوا ليبحثوا كيف نشأت ونهضت تلك المعتقدات التي حاربوها، وأية حاجات بشرية، لا ابتداعات كهنوتية أنتجتها وهيأت لها الدوام. وعميت أبصارهم تماماً عن إسهام الديانة الضخم في النظام الاجتماعي وفي الأخلاق وفي الموسيقى والفنون، وفي تخفيف الفقر والشقاء. إن تحاملهم على الدين شديداً إلى حد أنهم لا يستطيعون مطلقاً إدعاء النزاهة أو عدم التحيز الذي ينبغي أن نعتبره الآن عنصراً أساسياً في الموسوعة الجيدة. وعلى الرغم من أن بعض اليسوعيين مثل برتييه، كانوا في الغالب منصفين في نقدهم للموسوعة، فإن معظم نقادنا كانوا متحيزين مثل الفلاسفة.

وأحس ديدرو إحساساً قوياً بالأخطاء الحقيقية الفعلية في الموسوعة فكتب في 1755: إن الطبعة الأولى من الموسوعة لا يمكن إلا أن تكون جمعاً وتصنيفاً مشوهين ناقصين(70)، وتوقع أن تحل محلها وشيكاً طبعة أخرى مصححة. وحتى مع هذا شق هذا الإنتاج الضخم طريقه إلى الأوساط الفكرية في القارة. وأعيد طبع المجلدات الثمانية والعشرين ثلاث مرات في سويسرا، ومرتين في إيطاليا، ومرة في ألمانيا، ومرة في روسيا، وعادت الطبعات المنتحلة إلى فرنسا لتنشر تأثير الأفكار المهربة. وبلغ عدد الطبعات ثلاثاً وأربعين طبعة على مدى خمسة وعشرين عاماً -وهو رقم قياسي لمثل هذه المجموعة الغالية الثمن. وكان أفراد الأسرة يجتمعون في المساء ليقرءوا الموسوعة وتألفت مجموعات متلهفة على دراستها. وأشار توماس جفرسون على جيمس ماديون بشرائها.

والآن وقد ظهر إنجيل العقل ضد الأساطير، وإنجيل المعرفة ضد العقيدة والتعاليم الدينية، وإنجيل التقدم عن طريق التعليم ضد التأمل أو التفكير القديم في الموت، فكأنما هبت كلها على أوربا مثل ريح محملة بلقاح جديد، تبدد كل التقاليد وتنير الفكر وتوقظه، وتدعو آخر الأمر إلى الثورة. إن الموسوعة كانت ثورة قبل "الثورة الفرنسية"

أعماله الأخرى

تمثال لدني ديدرو في باريس

صحبته

من الكتاب والفلاسفة

من الفنانين

عائلته

  • زوجته، أن-توانت شامبيون
  • ابنته، ماري-أنجليك
  • أبوه، ديدييه
  • أخوه، ديدييه-بيير

علاقاته خارج الزواج

العالم السياسي

آخرون

گالياني، دولباك،

انظر أيضاً

كتب

المراجع

هامش


وصلات خارجية

كومونز
هنالك المزيد من الملفات في ويكيميديا كومنز حول :