الجمهورية الرومانية

الجمهورية الرومانية

Res publica Romana
509 ق.م.–27 ق.م.
Grey coin
Denarius of 54 BC, showing the first Roman consul, Lucius Junius Brutus, surrounded by two lictors and preceded by an accensus[1]
المقاطعات الرومانية عشية إغتيال يوليوس قيصر, ح. 44 ق.م.
العاصمةروما
اللغات الشائعةلاتينية
الدين وثنية رومانية
الحكومةجمهورية
المجلس الروماني 
• 509–508 ق.م.
لوقيوس يونيوس بروتوس, لوقيوس تركوينيوس كولاتينوس
• 27 ق.م.
گايوس يوليوس قيصر اوكتاڤيانوس, ماركوس ڤيپسانيوس أگريپـّا
التشريعمجلس الشيوخ الروماني
الحقبة التاريخيةClassical antiquity
• إغتصاب لوكرتيا
509 ق.م.
• قيصر نودي به ديكتاتوراً دائماً
44 ق.م.
2 سبتمبر 31 ق.م.
• اوكتاڤيان نودي به أغسطس
16 يناير 27 ق.م.
Area
326 ق.م.[2]10,000 km2 (3,900 sq mi)
200 ق.م.[2]360,000 km2 (140,000 sq mi)
146 ق.م.[2]800,000 km2 (310,000 sq mi)
100 ق.م.[2]1,200,000 km2 (460,000 sq mi)
50 ق.م.[2]1,950,000 km2 (750,000 sq mi)
سبقها
تلاها
المملكة الرومانية
الإمبراطورية الرومانية

الجمهورية الرومانية بالإنجليزية Roman Republic ، هي بداية تكوين الإمبراطورية الرومانية التي قامت بعد سقوطها. والحكم فيها كان حكم جمهوري وقامت بعد أن أطيح بأخر ملك روماني في سنة 509 قبل الميلاد وإستمرت لأكثر من 450 عام.[3]


Roman society under the Republic was a cultural mix of Latin, Etruscan, and Greek elements, which is especially visible in the Roman Pantheon. Its political organisation was strongly influenced by the Greek city states of Magna Graecia, with collective and annual magistracies, overseen by a senate.[4] The top magistrates were the two consuls, who had an extensive range of executive, legislative, judicial, military, and religious powers. While there were elections each year, the Republic was not a democracy, but an oligarchy, as a small number of powerful families (called gentes) monopolised the main magistracies. Roman institutions underwent considerable changes throughout the Republic to adapt to the difficulties it faced, such as the creation of promagistracies to rule its conquered provinces, or the composition of the senate.

Unlike the Pax Romana of the Roman Empire, the Republic was in a state of quasi-perpetual war throughout its existence. Its first enemies were its Latin and Etruscan neighbours as well as the Gauls, who even sacked the city in 387 BC. The Republic nonetheless demonstrated extreme resilience and always managed to overcome its losses, however catastrophic. After the Gallic Sack, Rome conquered the whole Italian peninsula in a century, which turned the Republic into a major power in the Mediterranean. The Republic's greatest enemy was doubtless Carthage, against which it waged three wars. The Punic general Hannibal famously invaded Italy by crossing the Alps and inflicted on Rome two devastating defeats at Lake Trasimene and Cannae, but the Republic once again recovered and won the war thanks to Scipio Africanus at the Battle of Zama in 202 BC. With Carthage defeated, Rome became the dominant power of the ancient Mediterranean world. It then embarked on a long series of difficult conquests, after having notably defeated Philip V and Perseus of Macedon, Antiochus III of the Seleucid Empire, the Lusitanian Viriathus, the Numidian Jugurtha, the Pontic king Mithridates VI, the Gaul Vercingetorix, and the Egyptian queen Cleopatra.

At home, the Republic similarly experienced a long streak of social and political crises, which ended in several violent civil wars. At first, the Conflict of the Orders opposed the patricians, the closed oligarchic elite, to the far more numerous plebs, who finally achieved political equality in several steps during the 4th century BC. Later, the vast conquests of the Republic disrupted its society, as the immense influx of slaves they brought enriched the aristocracy, but ruined the peasantry and urban workers. In order to solve this issue, several social reformers, known as the Populares, tried to pass agrarian laws, but the Gracchi brothers, Saturninus, or Clodius Pulcher were all murdered by their opponents, the Optimates, keepers of the traditional aristocratic order. Mass slavery also caused three Servile Wars; the last of them was led by Spartacus, a skilful gladiator who ravaged Italy and left Rome powerless until his defeat in 71 BC. In this context, the last decades of the Republic were marked by the rise of great generals, who exploited their military conquests and the factional situation in Rome to gain control of the political system. Marius (between 105–86 BC), then Sulla (between 82–78 BC) dominated in turn the Republic; both used extraordinary powers to purge their opponents. These multiple tensions led to a series of civil wars; the first between the two generals Julius Caesar and Pompey. Despite his victory and appointment as dictator for life, Caesar was murdered in 44 BC. Caesar's heir Octavian and lieutenant Mark Antony defeated Caesar's assassins Brutus and Cassius in 42 BC, but then turned against each other. The final defeat of Mark Antony and his ally Cleopatra at the Battle of Actium in 31 BC, and the Senate's grant of extraordinary powers to Octavian as Augustus in 27 BC – which effectively made him the first Roman emperor – thus ended the Republic.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الموقع

تقع مدينة روما على ضفاف نهر التيبر ، بالقرب من الساحل الغربي لإيطاليا. وقد تضمنت الحدود بين منطقتي لاتسيو حيث اللغة اللاتينية هي اللغة الأساسية ومنطقة إتروريا في الشمال.


تاريخ الجمهورية

اختار رميولوس مائة من رؤساء العشائر في قبيلته ليعينوه على تشييد روما وليكون منهم مجلس شيوخه. وقد سمى كل واحد من هؤلاء الرجال فيما بعد باتر أي "الأب" وسمي أبناءهم وأحفادهم پتريشي- أي "المنحدرين من الآباء". أما النظرية الحديثة التي تستمد حياتها من تجريح التقاليد المأثورة، فيحلو لها أن تفسر وجود هؤلاء الأشراف بأنهم غزاة غرباء لعلهم سبنيون Sabines غزوا لاتيوم Latium وحكموا العامة (Plebs) اللاتين بعد هذا الغزو ووضعوهم في منزلة دون منزلتهم هم. ولنا أن نعتقد أنهم كانوا يتألفون من عشائر تملكوا خير الأراضي بفضل تفوقهم الاقتصادي أو الحربي، ثم حولوا زعامتهم الزراعية إلى سيطرة سياسية، وقد ظلت هذه العشائر المنتصرة- المنلي Manlii، والفليري Valerii، والإميلي Aemaelii، والكرنيلي Cornelii، والفابي Fabii، والهوراشي Horatii والكلودي Claudii والليولي Lulii الخ- خمسة قرون كاملة تمد رومة بالقواد العسكريين والقناصل، والقوانين. ولما انضمت القبائل الثلاث الأولى بعضها إلى بعض تكون من رؤساء عشائرها مجلس للشيوخ يتألف من ثلاثمائة من الأعضاء. ولم يكن هؤلاء الأعضاء رجال نعيم وترف كما كان خلفاؤهم فيما بعد، فكثيرًا ما كانوا يمسكون بأيديهم الفأس والمحراث، ويعيشون على أبسط الطعام، ويرتدون أثوابًا من غزل بيوتهم، وكان العامة يعجبون بهم حتى وقت كفاحهم. ويصفون كل ما يتصل بهم تقريبًا بأنه "من الطراز الأول أو الطبقة الأولى Classlscus".

وكان يداني الپتريشي في الثراء، وينقص عنهم كثيرًا في السلطة السياسية رجال الأعمال equites، ومن هؤلاء من بلغوا من الثراء درجة أمكنتهم من أن يشقوا طريقهم إلى مجلس الشيوخ، ويكونوا فيه القسم الثاني من الرجال "الأشراف والمسجَّلين معهم". وكان يطلق عل هاتين الطبقتين اسم "الرتبتين" ويلقبون "بالصالحين" Boni، وذلك لأن الحضارات القديمة كانت تقرن الفضيلة بالمرتبة والكفاية والسلطان؛ وكان معنى الفضيلة Virtus عند الرومان هو الرجولة أي الصفات التي تكون من مجموعها الرجل vir. ولم تكن كلمة Populus "الناس" تشمل غير هاتين الطبقتين العاليتين، وكان هذا هو المعنى الذي يفهم في بداية الأمر من هذه الحروف الأربعة S P Q R (Senatus Populusque Romanus) التي كانت تنقش في زهو وخيلاء على عشرات الآلاف من الآثار. فلما شقت الديمقراطية طريقها في روما تغير معنى كلمة Populus تدرجاً حتى شملت عامة الشعب أيضًا. وكانت الكثرة الغالبة من المواطنين الرومان تتكون من هذه الطبقة. وكان منها الصناع والتجار، ومنها الأرقاء المحررون وكثير منها فلاحون، ولعلهم كانوا في بداية أمرهم أهل تلال المدينة الذين غلبوا على أمرهم، وكان منهم من يتصل بوصفه مولى Clientes أو تابعًا بشريف Patronus من طبقة عليا؛ وكان هؤلاء الأتباع يساعدون الشريف في وقت السلم ويعملون تحت إمرته في وقت الحرب، ويقترعون في الجمعية كما يأمرهم أن يقترعوا وذلك في نظير حمايته إياهم وما يمنحهم من الأرض الزراعية. وكان من الأرقاء أدنى الطبقات، وكانوا في عهد الملوك قليلي العدد كثيري الأكلاف، ولذلك كان سادتهم يحسنون معاملاتهم ويعدونهم أعضاء ذوي نفع كبير في أسرهم. فلما كان القرن السادس قبل الميلاد، وبدأت روما حياة الغزو والفتح، بيع عدد من أسرى الحرب مطرد الزيادة إلى الأشراف ورجال الأعمال والى العامة أنفسهم، وانحطت منزلة الرقيق. وكانت القوانين تبيح معاملة العبد كما يعامل الإنسان متاعه، ذلك أنه من الوجهة النظرية، وطبقًا لعادات القدماء، قد فقد حقه في الحياة حين وقع في الأسر، وإن استعباده لم يكن إلا رحمة به وتخفيفًا لحكم الموت الذي استحقه بهزيمته. وكان يعهد إليه في بعض الأحيان أن يدير أملاك سيده وأعماله التجارية وتصريف أمواله؛ وكثيرًا ما كان يصبح معلمًا أو كاتبًا أو ممثلاً أو صانعًا أو عاملاً أو فنانًا، ويؤدي إلى سيده بعض ما يصل من المال على ما يكفيه لشراء حريته، ومن ثم يصبح عضوًا في جماعة العامة. ولم تكن طبقات كثيرة من الأهلين راضية عن حالها قانعة بحظها، ذلك أن القناعة من الصفات النادرة بين بني الإنسان بقدر ما هي طبيعية بين الحيوان، ولم تستطع حكومة من الحكومات أن ترضي جميع رعاياها. وفي روما كان رجال الأعمال يألمون لحرمانهم من عضوية مجلس الشيوخ، والأثرياء من العامة يألمون لحرمانهم من أن تكون لهم حقوق رجال الأعمال؛ والفقراء يألمون لفقرهم وحرمانهم من الحقوق السياسية وتعرضهم للاسترقاق إذا عجزوا عن الوفاء بما عليهم من الديون. وكانت قوانين الجمهورية في عهدها الأول تبيح للدائن أن يسجن المدين الذي يتكرر عجزه عن الوفاء بدينه في سجن انفرادي، وأن يبيعه بيع الرقيق بل أن يقتله. وقد جاء في القانون أن في وسع الدائنين لشخص ما مجتمعين أن يقطعوا جسد المدين العاجز عن الوفاء ويقسموه فيما بينهم- وهو إجراء يلوح أنه لم ينفذ قط. وطلب العامة أن تلغي هذه القوانين، وأن يخفف عنهم عبء ما تراكم عليهم من الديون، وأن توزع الأرض التي تنال بالحرب وتمتلكها الدولة على الفقراء بدل أن توهب للأغنياء أو تباع لهم بأثمان اسمية ؛ وأن يكون من حق العامة أن يختاروا حكامًا وكهنة، وأن يتزوجوا من الأشراف ورجال الأعمال ، وأن يكون لهم مثل من طبقتهم في أعلى الوظائف الحكومية. وحاول مجلس الشيوخ أن يقف هذه الحركة بإثارة الحروب الخارجية، ولكنه دهش إذ رأى أن الدعوة إلى حمل السلاح لم يستجب لها أحد.

A bust of Lucius Cornelius Sulla Felix.
تمثال لرأس بومبي العظيم
Catiline propaganda cup for the election to 62 BC consulate (right cup). These cups, filled with food or drinks, were distributed to the electors to gain support for the candidates.
زيادة نفوذ الجمهورية الرومانية في إيطاليا

وفي عام 494 ق.م. "انشق" عليهم عدد كبير من العامة ونزحوا إلى الجبل المقدس على نهر أنيو Anio على مسيرة نحو ثلاثة أميال من المدينة، وأعلنوا أنهم لن يعملوا أو يحاربوا من أجل روما حتى تجاب مطالبهم. ولجأ مجلس الشيوخ إلى جميع الحيل السياسية أو الدينية لإغراء العامة بالرجوع إلى روما، ولكن هؤلاء أصروا على مطالبهم؛ فلما خشى أن تقع البلاد في القريب بين ناري الغزو الخارجي والشقاق الداخلي وافق على إلغاء الديون أو تخفيضها، وعلى تعيين تربيونين وثلاثة إيديلين Aediles يختارون من بين العامة للدفاع عن مصالحهم. ورجع العامة إلى روما ولكنهم أقسموا قبل رجوعهم بأحرج الإيمان أن يقتلوا كل رجل يعتدي على ممثليهم في الحكومة. وكانت هذه هي المعركة الأولى في حرب الطبقات التي لم تنته إلا بانتهاء عهد الجمهورية وبعد أن قضت عليها.

وكانت الخطوة التالية التي خطاها العامة في سبيل نيل حقوقهم أن طالبوا بأن تكون القوانين المدنية واضحة محددة مدونة. ذلك أن الكهنة والأشراف قد ظلوا حتى ذلك الوقت هم القائمين بتدوين القوانين المكتوبة وتفسيرها، وكانوا يحتفظون بسجلاتها سرًا لا يطلع عليه غيرهم من الأهلين، ويتخذون من هذا الاحتكار، وبما تتطلبه القوانين من مراسم، أسلحة يقاومون بها كل دعوة إلى الإصلاح الاجتماعي. وعارض مجلس الشيوخ في هذه المطالب الجديدة معارضة طويلة، ولكنه وافق في آخر الأمر (عام 454 ق.م.) على أن يرسل إلى بلاد اليونان لجنة مؤلفة من ثلاثة من الأشراف لدراسة شرائع صولون Solon وغيره من المشترعين، وكتابة تقرير عنها. فلما عاد الأعضاء اختارت الجمعية (في عام 451 ق.م.) عشرة رجال- دسمفراي Decemviri- لوضع قانون جديد، وخولتهم أعلى سلطة حكومية في روما مدى سنتين. وكان رئيس هذه اللجنة رجلاً رجعيًا قوي الشكيمة يدعى أپيوس كلوديوس Appius Claudius، وكانت نتيجة أعمالها أن حولت قوانين روما القديمة القائمة على العادة والعرف إلى الاثنتي عشرة لوحة الذائعة الصيت، وعرضت على الجمعية فوافقت عليها بعد أن عدلتها بعض التعديل، وعرضتها في السوق العامة لمن يريد أن يقرأها- وكان قادرًا على قراءتها. وكانت هذه الحادثة التي تبدو في ظاهر أمرها تافهة غير جديرة بالعناية من الحوادث الهامة البالغة الأثر في تاريخ روما بوجه خاص وفي تاريخ العالم كله بوجه عام؛ ذلك أنها كانت أول ما دون من ذلك الصرح القانوني العظيم الذي كان أهم ما قامت به روما من الأعمال وما قدمته إلى الحضارة من هبات. ولما انتهى العام الثاني من العامين اللذين تولت اللجنة فيهما السلطة العليا أبت أن تعيد الحكم إلى قنصلي الأشراف وتربيوني العامة، وظلت تمارس السلطة العليا- وكانت سلطة أقل قيودًا من سلطة القنصل والتربيون وأكثر منها تحررًا من التبعات.

هيكل روما الجمهورية

روما القديمة
Roman SPQR banner.svg

هذه المقالة هي جزء من سلسلة:
سياسة وحكومة
روما القديمة


الفترات الزمنية
المملكة الرومانية
753 ق.م.510 ق.م.

الجمهورية الرومانية
510 ق.م.27 ق.م
الإمبراطورية الرومانية
27 ق.م.480 م

الوظائف العامة الاعتيادية
الوظائف العامة فوق العادة
الألقاب والأوسمة
الامبراطور
المؤسسات السياسية والقانون

دول أخرى • أطلس
 بوابة السياسة
ع  ن  ت

المواطنون

The Roman Republic had many different classes of people who existed within the city-state. Each one of them had differing rights, responsibilities, and status under Roman law.

الحكومة

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

دستور الجمهورية

المشترعون

والآن فلنرسم لأنفسنا صورة من هذه الدولة المعقدة النظام بعد أن قضت خمسة قرون تنمو وتتطور. وقبل أن نفصل القول في نظامها نقول إن العالم كله مجمع على أن حكومتها كانت من أقدر ما شهده من الحكومات ومن أعظمها نجاحًا؛ بل إن بولبيوس Polilbius كان يرى أنها تكاد أن تحقق تحقيقًا تامًا دستور أرسطو طاليس المثالي. وقد رسمت هذه الحكومة الخطوط الرئيسية للتاريخ الروماني كما رسمت في بعض الأحيان ميادين القتال في هذا التاريخ. نرى أي الأهلين في هذه الدولة هم الذين كان يحق لهم أن يسموا أنفسهم "مواطنين"؟. فأما من الوجهة الرسمية القانونية فقد كان المواطنون هم أبناء إحدى القبائل الثلاث الأصلية في روما، أو الذين تبنتهم إحدى هذه القبائل. وكان معنى هذا القول من الوجهة العملية أن المواطنين هم جميع الذكور الذين تزيد سنهم على الخامسة عشرة، والذين لم يكونوا أرقاء أو غرباء، مضافًا إليهم جميع الغرباء الذين منحتهم روما حق المواطنة فيها. ولم يشهد العالم قبل روما أو بعدها دولة من الدول حرصت مثل حرصها على حق المواطنية أو قدرته مثل تقديرها. لقد كان معنى هذا الحق أن يكون المستمع به عضوًا من أعضاء الجماعة الصغيرة التي لم تلبث إلا قليلاً حتى حكمت جميع البلاد المحيطة بالبحر الأبيض المتوسط، وكان هذا الحق يحصن صاحبه من التعذيب القانوني، والتعرض للقسر والإرغام، ويمكنه من أن يشكو أي موظف في الإمبراطورية إلى الجمعية الوطنية في روما- أو إلى الإمبراطور نفسه فيما بعد. وكانت هذه الحقوق تستلزم بعض الواجبات؛ فقد كان من حق الدولة على المواطن- إلا إذا كان فقيرًا معدمًا- أن تدعوه إلى الخدمة العسكرية من سن السادسة عشرة إلى سن الستين، ولم يكن في وسعه أن يشغل منصبُا سياسيًا إلا إذا قضى في الجيش عشر سنين. وكانت حقوقه السياسية وثيقة الارتباط بواجباته العسكرية، وبلغ من هذا الارتباط أنه كان يؤدي حقه في التصويت في أهم الأمور بوصفه عضوًا في فرقته أو في "مائته"، وكان في عهد الملوك يعطى صوته أيضًا في مجلس العشرة Comitia Curiata أي أنه هو وغيره من زعماء الأسر قد اجتمعوا في مجلس الأقسام الثلاثين التي انقسمت إليها القبائل الثلاث. وقد ظل مجلس العشرة إلى آخر أيام الجمهورية هو الذي يخلع سلطة الحكم على الأحكام، وبعد سقوط الملكية بزمن قليل فقد مجلس العشرة سائر حقوقه الأخرى وآلت هذه الحقوق إلى مجلس المئين- فكان الجند يجتمعون جماعات تتألف كل واحدة منها في بادئ الأمر من مائة جندي. وكانت هذه المجالس المئوية هي التي تختار كبار الحكام، وتنظر في الإجراءات التي يرفع إليها من استئناف للأحكام التي يصدرها كبار الحكام، وتنظر بنفسها في جميع القضايا التي يحكم فيها بالإعدام إذا كان المهتمون فيها مواطنين رومان، وتعلن الحرب وتعقد الصلح، ومن ثم كانت هذه الجمعية هي الأساس العام للجيش الروماني والحكومة الرومانية. ولكن سلطانها مع ذلك كان محصورًا في أضيق الحدود، فلم يكن من حقها أن تجتمع إلا إذا دعاها إلى الاجتماع قنصل أو تربيون، ولم يكن من حقها أن تقترع إلا على الأمور التي يعرضها عليها كبار الحكام أو مجلس الشيوخ، ولم يكن لها أن تناقش الاقتراحات أو تعدلها، وكل ما كان من حقها أن تقبلها أو ترفضها.

وكان تنظيم أعضائها على أساس الطبقات ضمانًا لجعل قراراتها محافظة بعيدة عن التطرف. فكان على رأس هذه الجمعية ثمان عشرة مائة من الأشراف ورجال الأعمال (الطبقتين الممتازتين). ويلي هؤلاء رجال "الطبقة الأولى"- الذين لهم أملاك تبلغ قيمتها 100.000 آس . وكان عدد ممثلي هذه الطبقات في الجمعية ثمانين مائة أي ثمانية آلاف رجل، وكانت الطبقة الثانية تشمل المواطنين الذي يقدر أملاكهم بين 75.000 و100.000 آس؛ والطبقة الثالثة تشمل من كانت لهم ثروة تقدر بين 50.000 و75.000؛ والرابعة من كانت ثروة أفرادها بين 25.000 و50.000. وكان لكل طبقة من هذه الطبقات عشرون مائة. وكانت الطبقة الخامسة تشمل المواطنين الذين يملكون بين 11.000 و25.000 آس وكان لهؤلاء ثلاثون مائة. أما المواطنون الذين تقل أملاكهم عن 11.000 آس فكانت تمثلهم مائة واحدة(10)، وكان لكل مائة عند الاقتراع صوت واحد هو صوت أغلبية أعضائها؛ وكان في وسع أغلبية قليلة في إحدى المئات أن تعطل قرار أغلبية كبرى في مائة أخرى وتجعل الفوز في جانب أقلية عددية. وإذا كانت كل مائة تقترع بترتيب مركزها المالي، وكانت نتيجة اقتراعها تعلن عقب هذا الاقتراع، فقد كان اتفاق الطائفتين الأوليين يجعل لهما 98 صوتًا، وهي أغلبية أصوات الجمعية كلها. ومن أجل هذا فإن الطبقات الدنيا قلما كانت تقترع قط. وكان نظام الاقتراع هو النظام المباشر أي أن المواطن كان يعطى صوته بنفسه، ومن ثم فإن المواطنين الذين لم يكونوا يستطيعون القدوم إلى روما ليحضروا اجتماع الجمعية لم يكن لهم من يمثلهم فيها. ولم يكن ذلك كله مجرد أساليب وحيل لحرمان الفلاحين والسوقة من حقوقهم السياسية، فقد كان نظام المئات نظامًا وضع بعد إحصاء السكان ليقدر على أساسه ما يؤدونه من الضرائب ومن الخدمة العسكرية.

وكان الرومان يرون العدل كل العدل أن يكون حق الاقتراع للأهلين متناسبًا من ما يؤدونه من الضرائب وما يطلب إليهم أداؤه من الخدمة العسكرية. وعلى هذا الأساس لم يكن لمن يملكون اقل من مائة ألف آس إلا صوت مئوي واحد؛ ولكنهم في نظير هذا لم يكونوا يؤدون إلا قدرًا ضئيلاً لا يؤبه له من الضرائب، وكانوا في الأوقات العادية معفين من الخدمة العسكرية(11). وقد ظلت الطبقات الفقيرة إلى أيام ماريوس معفاة من كل شيء إلا من إنتاج أكبر عدد تستطعه من الأبناء، وظل مجلس المائة رغم ما أدخل على نظامه من التعديل فيما بعد هيئة أرستقراطية محافظة لا تستنكف أن تجهر بمبادئها. وما من شك في أن هذه الحال قد جعلت العامة يقيمون لهم من بداية عهد الجمهورية مجالسهم الخاصة المعروفة بمجالس العامة concilia plebis. ولعل الجمعية المعروفة بمجلس قبائل الشعب comitia populi tribvta التي نراها تمارس حقوقًا تشريعية منذ عام 357 ق.م. قد نشأت من هذه المجالس نفسها. وكان المقترعون في هذه الجمعية الشعبية القبلية ينظمون حسب القبيلة التي ينتمون إلها والمسكن الذي يقيمون فيه على أساس الإحصاء الذي حدث في عهد سرفيوس سادس ملوك روما. وكان لكل قبيلة صوت واحد، وكان الأغنياء فيها والفقراء سواء. وأخذت سلطة الجمعية القبلية تزداد بعد اعتراف مجلس الشيوخ بحقوقها التشريعية في عام 287 ق.م، وما وافى في عام 200 ق.م حتى كانت هي مصدر الشرائع الخاصة في روما. وكانت هي التي تختار تربيوني الشعب Tribuni Plebis (الذين يمثلون القبائل)، وهم غير التربيونين العسكريين Tribuni Militares الذين كانت تختارهم المئات. على أنه في هذه الجمعية نفسها لم يكن الأعضاء يتناقشون. فقد كان أحد كبار الموظفين يقترح قانونًا ويدافع عنه، ثم يقوم موظف كبير غيره يعارضه إذا شاء؛ وتستمع الجمعية لهذا وذاك ثم تقترع عليه بالقبول أو الرفض، وكانت هذه الجمعية بحكم تكوينها ذات نزعة تقدمية أكثر من الجمعية المئوية، ولكنها كانت أبعد ما تكون من التطرف. وذلك أن إحدى وثلاثين قبيلة من قبائلها الخمس والثلاثين كانت قبائل ريفية، وكان معظم أعضائها من ملاك الأراضي، فكانوا لذلك رجالاً حذرين، ولم يكن لمن فيها من عامة الحواضر، ولم يكونوا يتجاوزون أربع قبائل، شيء من السلطة السياسية قبل زمن ماريوس Marius أو بعد قيصر. وهكذا ظل مجلس الشيوخ صاحب السلطان الأعلى في روما. وكان أعضاؤه الأولون وهم رؤساء العشائر يجددون بقبول القناصل والرقباء (Censors) السابقين أعضاء فيه. وكان يعهد إلى الرقباء أن يعملوا حتى يظل أعضاؤه ثلاثمائة عضو على الدوام، وذلك بأن يرشحوا لعضويته رجالاً من طبقة الأعيان أو الفرسان. وكانت العضوية فيه تدوم مدى الحياة؛ ولكن كان من حق مجلس الشيوخ ومن حق الرقيب أن يفصل أي عضو يضبط متلبسًا بجناية أو بجريمة خلقية خطيرة. وكان هذا المجلس الأعلى يجتمع إذا دعاه إلى الاجتماع أحد كبار الحكام في الكوريا Curia أو بناء المجلس المواجه للسوق العامة. وكان من العادات اللطيفة أن يأتي الأعضاء معهم بأبنائهم ليحضروا الاجتماع وهم صامتون، ليتعلموا السياسة والمماحكة عن قرب. وكان حق المجلس من الوجهة النظرية مقصورًا على مناقشة ما يعرضه عليه أحد كبار الحكام من المسائل وإصدار قرار فيها، وكانت قراراته في هذه المسائل استشارية محضة senatus consulta ليس لها قوة القانون؛ ولكن المجلس كان له من عظم المكانة ما جعل الحكام يعملون بتوصياته في جميع الحالات تقريبًا، وقلما كانوا يعرضون على غيره من الجمعيات مسائل لم يقرها هو من قبل. على أنه كان من حق أي تربيون أن ينقض قرارات المجلس كما كان من حق الأقلية المنهزمة في المجلس أن تستأنف القرار إلى الجمعيات الأخرى. ولكن هذه الإجراءات كانت نادرة الحدوث إلا في أيام الثورات والانقلابات.

ولم يكن كبار الحكام يبقون في مناصبهم أكثر من عام واحد في حين أن الشيوخ كانوا يحتفظون بعضوية المجلس مدى الحياة. ولم يكن ثمة مفر من أن يكون صاحب هذا السلطان الخالد المسيطر على صاحب السلطان القصير الأجل. ولهذا كانت الصلات الخارجية، وعقد المحالفات والمعاهدات، وإعلان الحرب، وحكم المستعمرات والولايات، وإدارة الأراضي العامة وتوزيعها بين الأهلين، والأشراف على أموال الخزانة العامة وإنفاقها- كانت هذه الشؤون كلها يختص بها مجلس الشيوخ وحده، وقد أكسبه انفراده فيها سلطة لا تكاد تعرف لها حدود. فكان هذا المجلس صاحب السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية مجتمعة، وكان هو الحكم الفصل في الجرائم الكبرى كجريمة الخيانة الوطنية، والتآمر، والاغتيال، وكان يختار من بين أعضائه قضاة للنظر في معظم القضايا المدنية الهامة، وكان في وسعه إذا حدثت أزمة من الأزمات أن يصدر أعظم قراراته وأقواها وهو sensatus- consultum ultimatum وهو "أن من واجب القنصلين أن يعملا على ألا تصاب الدولة بأذى" وهو قرار يفرض الأحكام العرفية ويمنح القنصلين سلطة مطلقة على جميع الأفراد وعلى كل الأملاك. وكثيرًا ما كان مجلس الشيوخ في عهد الجمهورية يسئ استعمال سلطانه، فكان يحمي الموظفين المرتشين ، ويعلن الحرب بلا تدبر وتفكير، ويستغل البلاد المفتوحة استغلالاً شرها، ويقمع بالقسوة رغبة الشعب في أن يشترك بنصيب أوفر مما كان له في رخاء روما. ولكن تاريخ العالم لم يشهد في غير روما وفي غير عهد الجمهورية- إذا استثنينا من هذا التعميم عهد الأباطرة من تراجان Trajan إلى أورليوس Aurilius- ما شهده في هذا العهد من نشاط وحكمة ومهارة في تصريف الشؤون السياسية، كما لم يشهد في غير ذلك العهد ما شهده فيه من سيطرة فكرة خدمة الدولة على جميع أعمال الحكومة وأعمال الشعب. ولسنا ننكر أن الشيوخ لم يكونوا ملائكة معصومين من الزلل، وأنهم كانوا يرتكبون أخطاء خطيرة، وأنهم كانوا في بعض الأحيان متقلبين لا يثبتون على سياسة واحدة، يعميهم حب الكسب عن رؤية مصالح الدولة. ولكن الذي لا شك فيه أن معظم أعضاء هذا المجلس كانوا من كبار الحكام، والمديرين والقواد العسكريين، وكان منهم الولاة الذين حكموا ولايات لا تقل سعة عن الممالك، ومنهم أبناء أسر ظلت مئات الأعوام تنجب لروما ساسة وقوادًا. ولهذا كان من المستحيل ألا يخلو مجلس فيه رجال من هذا الطراز من قسط غير قليل من السمو والعظمة. وكان مجلس الشيوخ في أسوء حالاته في أيام الانتصار وفي أحسنها أيام الهزيمة. وكان في وسعه أن يسير على سياسة واحدة مدى آجال وقرون كثيرة، كما كان في مقدوره أن يبدأ حربًا في عام 264 ق.م لا تضع أوزارها إلا في عام 146 ق.م. وحسبنا دليلاً على عظمته أنه لما جاء الفيلسوف سينياس Cineas إلى روما موفدًا من قبل بيرس Pyrrhus (عام 280 ق.م.) وسمع مناقشات المجلس ورأى رجاله ثم عاد إلى بلاده، قال للإسكندر الجديد إن الذي رآه لم يكن مجرد اجتماع من ساسة مأجورين، ولم يكن مجلسًا من عقول عادية جمعتها المصادفات المحضة، بل كان في مهابته وحسن سياسته "مجمعًا للملوك بحق".

A bust of Gaius Marius

الحكام

وكان كبار الحكام تختارهم الجمعية المئوية، أما صغارهم فكانت تختارهم الجمعية القبلية. وكان يعين في كل منصب زميلان متساويان في السلطة، ولا يبقيان فيه أكثر من عام واحد ما عدا منصب الرقيب. ولم يكن يجوز لشخص ما أن يتولى المنصب نفسه أكثر من مرة واحدة كل عشر سنين، وكان لا بد أن يمضي عام بين خروجه من منصب وتوليه منصبًا آخر، وكان من حق الدولة أن تحاكمه في فترة تعطله إذا أساء استعمال سلطة وظيفته. وكان الروماني الذي يريد أن يشق لنفسه طريقًا في الحياة السياسية، إذا كان قد قضى في الجيش عشر سنين، يرشح نفسه لأن يختار محاسبًا (كوسترا quaestor) ينظر تحت إشراف مجلس الشيوخ والقنصلين في نفقات الدولة، ويعاون المقدمين praetors في منع الجرائم ومحاكمة المجرمين، فإذا نال رضاء الناخبين أو ذوي النفوذ من مؤيديه فقد يختار فيما بعد واحدًا من الأربعة الإيدليين الذين كانوا يشرفون على المباني العامة وقنوات مياه الشرب، وشوارع المدن، والأسواق، والمسارح، والمواخير، والأبهاء العامة، ومحاكم الشرطة، والألعاب العامة. وإذا اطرد بعدئذ نجاحه فقد يكون واحدًا من الأربعة المقدمين الذين كانوا يتولون في الحرب قيادة الجيوش ويشغلون في السلم مناصب القضاة وشراح القانون . فإذا وصل المواطن إلى هذه الدرجة في سلم الوظائف cursus honorum واشتهر بالأمانة وأصالة الرأي كان في وسعه أن يكون أحد الرقيبين censors اللذين تختارهم الجمعية المئوية كل خمس سنين، ويتولى أحدهما الإحصاء الدَّوري للسكان، وهو الإحصاء الذي كان يُعمل كل خمس سنين، ويسجل أملاكهم ليقدر بذلك مكانتهم السياسية والعسكرية، وما يجب أن يؤدوه من الضرائب. وكان من واجبات الرقيب أن يتعرف أخلاق كل طالب منصب، ويفحص عن سجل أعماله، ويعمل على صيانة أعراض النساء، ويشرف على تعليم الأطفال ومعاملة الأرقاء وجباية الضرائب أو التزامها، وإقامة المباني العامة، وتأجير أملاك الحكومة والتعاقد عليها، والتأكيد من العناية بزراعة الأرض. وكان في مقدور الرقيبين أن ينقصا منزلة أي مواطن، أو يخرجا أي عضو من مجلس الشيوخ لسوء أخلاقه أو لارتكابه جريمة. ولم يكن في وسع أي الرقيبين أن يلغى حق الرقيب الآخر في هذه الناحية. وكان في وسعهما أن يمنعا الإسراف بفرض ضرائب على الكماليات. وكانا يعدان ميزانية نفقات الدولة على أساس مشروعات تمتد إلى خمس سنوات، وكانا عند انتهاء الفترة التي يتوليان فيها منصبهما، ومدتها ثمانية عشر شهرًا، يجمعان في احتفال مهيب يدعى احتفال التطهير القومي Lustrum يتخذانه وسيلة للاحتفاظ بالعلاقات الودية بينهم وبين الآلهة. وكان أبيوس كلوديوس كيكس Appius Claudius Caecus (الأعمى) ابن حفيد أحد الرجال العشرة أول من جعل لمنصب الرقيب منزلة لا تقل عن منزلة القنصل، وهو الذي شاد إبان توليه هذا المنصب المجرى المائي والطريقين المعروفين بمجرى أبيوس وطريقه، ورقي الأغنياء من العامة أعضاء في مجلس الشيوخ، وأصلح القوانين الزراعية ومالية الدولة، وعمل على أضعاف ما كان يتمتع به الكهنة والأعيان من احتكار حق القوانين وتصريف الشؤون القضائية، وترك له أثرًا خالدًا في النحو والشعر الرومانيين والبلاغة الروماني، ووجه الرومان إلى فتح جميع إيطاليا بخطابه الذي ألقاه وهو على فراش الموت. ولقد كان المفروض من الوجهة النظرية أن يكون أحد القنصلين من العامة. أما من الوجهة العملية فإنه لم يختر من العامة إلا عدد قليل جدًا من القناصل، وذلك لأنهم كانوا يؤثرون على أنفسهم رجالاً أوتوا حظًا موفورًا من التعليم والمران ليعالجوا كل الشؤون التنفيذية في جميع البلاد المحيطة بالبحر الأبيض المتوسط في حالتي الحرب والسلم. وكان الموظف الكبير الذي يشرف على اختيار القنصل -إذا ما حان موعد الاختيار- يرقب النجوم ليعرف مَن مِن المرشحين الكثيرين يحن أن يعرض اسمه ليختار لهذا المنصب؛ فإذا عرف هذا رأس اجتماع الجمعية المئوية في اليوم التالي، ولم يعرض عليها إلا أسماء الذين تبين من نظرته في النجوم أنهم صالحون.وبهذه الطريقة كان الأعيان يحولون بين الحديثي النعمة والزعماء المهرجين وبين تسم هذا المنصب الرفيع. وكانت الجمعية في معظم الحالات تلتزم هذا الخداع الصالح حتى لا تقع في الزلل، أو لأنها لا تجرؤ على مخالفة الأوامر الصادرة إليها. وكان المرشح يحضر الاجتماع بنفسه مرتديًا ثوب الترشيح، وهو ثوب أبيض بسيط، علامة على بساطة حياته وخلقه؛ ولعله كان يحتار ليسهل على المرشح أن يظهر للأعضاء ندب الجروح التي أصيب بها في ميادين القتال. فإذا نجح تولى منصبه في اليوم الخامس عشر من شهر مارس التالي ليوم الانتخاب. وكان القنصل يخلع القداسة على منصبه بتوليه رياسة الطقوس الدينية الخطيرة. وكان في وقت السلم يدعو مجلس الشيوخ والجمعية المئوية إلى الانعقاد، ويرأس جلساتهما، ويقترح القوانين، وينفذها، ويوزع العدالة بين الناس. وكان في أوقات الحرب يجيش الجيوش، ويجمع ما يلزمها من الأموال، ويشترك مع زميله القنصل الثاني في قيادة الفيالق العسكرية؛ فإذا مات القنصلان كلاهما أو وقعا في الأسر أثناء السنة التي يتوليان فيها عملهما أعلن مجلس الشيوخ قيام فترة خلو المنصبين Interregnum، وعين من يتولى تصريف الأمور Interrex (ملك فترة) مدة خمسة أيام تتخذ العدة في أثنائها لانتخاب جديد. ويدل هذا اللفظ الأخير على أن القنصلين قد ورثا في مدة عملهما القصيرة سلطات الملوك. وكانت سلطة القنصل تحددها سلطة زميله القنصل الثاني المساوية لسلطته، وما يفرضه عليه مجلس الشيوخ، وبما كان للتربيون من حق الاعتراض على قراراته. وقد اختير في عام 367 ق.م أربعة عشر تربيونًا عسكريًا لقيادة القبائل في الحرب وعشرة "تربيونين من العامة" يمثلونهم في أوقات السلم. وكان هؤلاء جميعًا يعدون أشخاصًا محصنين إذا مسهم أحد بسوء إلا في عهد الدكتاتورية القانونية عد ذلك خروجًا على الدين وجريمة يعاقب مرتكبها بالإعدام. وكان عملهم أن يحموا الشعب من عدوان الحكومة، وأن يقفوا بكلمة واحدة منهم هي كلمة فيتو Veto ومعناها "أُحَرَّم" كل دولاب الحكومة إذا بدا لأحدهم أن هذا التحريم مرغوب فيه. وكان من حق التربيون أن يحضر اجتماع مجلس الشيوخ بوصفه مشاهدًا صامتًا، وأن ينقل للشعب ما يدور فيه من النقاش، وأن يجرد بما له من حق الاعتراض قرارات المجلس من كل ما لها من قوة قانونية. وكان باب بيته المحصن يظل مفتوحًا ليلا ًونهارًا يلجأ إليه كل مواطن يطلب إليه المعونة أو الحماية. وهذا الحق- حق الحماية أو القداسة- شبيه بحق الحصانة habeas corpus الذي يمنحه القانون الإنجليزي لسكان إنجلترا في هذه الأيام. وكان في وسعه وهو جالس على دكته أن يصدر أحكامًا قضائية لا معقب لها، ولا تستأنف إلا لجمعية القبائل. وكان من واجبه أن يضمن لكل متهم محاكمة عادلة، وأن يحصل على عفو للمحكوم عليه إذا كان ذلك في استطاعته. تُرى كيف استطاع الأشراف أن يحتفظوا بسلطانهم وتفوقهم على العامة رغم هذه القيود التي فرضت عليهم؟ لقد كان أول أسباب هذا الاحتفاظ أن القيود المفروضة عليهم كانت مقصورة على مدينة روما نفسها وعلى أوقات السلم وحدها، أما في زمن الحرب فقد كان التربيونون خاضعين للقناصل. والسبب الثاني أن الأشراف كانوا يحملون الجمعية القبلية على اختيار التربيونين من بين أغنياء العامة؛ وكان ما للثروة في روما من منزلة، وما يصحب الفقر من ضعة، يغريان الفقراء باختيار الأغنياء لحمايتهم والدفاع عنهم. وثالث الأسباب أن زيادة عدد التربيونين من أربعة إلى عشرة قد جعل في مقدور الواحد منهم، إن أمكن إغراؤه بالمال أو استمع لصوت العقل، أن يُلغى بما له من حق الاعتراض قرار التربيونين الباقين(15). وقد سلس قيادتهم على مر الزمن حتى أصبح في الإمكان أن تعهد إليهم دعوة مجلس الشيوخ إلى الاجتماع وأن يسمح لهم بالاشتراك في مناقشاته، وأن يصبحوا أعضاء فيه مدى الحياة بعد أن تنتهي مدة بقائهم في مناصبهم. وإذا لم تفلح هذه الوسائل كلها في إضعاف سلطان التربيون كانت هناك وسيلة أخرى لوقاية النظام الاجتماعي أعظم منها أثرًا. ذلك أن الرومان كانوا يعتقدون أن جميع ما يتمتعون به من الحريات والامتيازات الاجتماعية، وكل ما وضعوه لحماية أنفسهم من قيود وتوازن بين السلطات، كانوا يعتقدون أن هذا كله قد يعوق في إبان الاضطراب والخطر القومي ما يتطلبه إنقاذ الدولة وحمايتها من عمل سريع موحد. وكان من حق مجلس الشيوخ في هذه الحال أن يعلن قيام حالة الطوارئ، كما كان من حق كل من القنصلين أن يرشح حاكمًا مطلقًا يتولى جميع السلطات. وقد أختير أولئك الحكام المطلقون في جميع الحالات إلا حالة واحدة من طبقة الأشراف؛ ولكن من واجبنا أن نقول إنصافًا لهذه الطبقة إنها قلما كانت تسئ استخدام هذا المنصب. وكان للحاكم المطلق سلطة تكاد أن تكون غير محدودة على جميع الأشخاص والأملاك، ولكنه لم يكن من حقه أن يستخدم الأموال العامة إلا بموافقة مجلس الشيوخ. وكانت مدة ولايته الحكم مقصورة على ستة أشهر أو سنة. وقد تقيد الحكام المطلقون جميعهم، ما عدا اثنين منهم، بهذه القيود متبعين في ذلك السنة الحسنة التي سنها لهم سنسناتس Cincinnatus كما تقول الرواية المأثورة، فقد دعي هذا الرجل من وراء المحراث لينقذ الدولة (عام 456 ق.م)، فلما أدى مهمته عاد من فوره إلى مزرعته. ولما أن خرج صولا Sulla وقيصر على هذه السنة عاد الحكم الجمهوري إلى الملكية التي نشأ منها.

خريطة الإمبراطورية الرومانية


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

بداية القانون الروماني

وكان كبار الحكام يهيمنون على توزيع العدالة في نطاق هذا الدستور الفذ تطبيقًا للألواح الاثنى عشر التي سجلتها فيها لجنة العشرة. ولقد كان تسجيل القانون الروماني في هذه الألواح حادثًا هامًا في التاريخ الروماني؛ وكان القانون الروماني قبل هذا التسجيل خليطًا من العادات القبلية، والمراسيم الملكية، والأوامر الكهنوتية. وبقيت أساليب القدماء- Mos Maiorum- إلى آخر أيام روما الوثنية القدوة الخلقية الصالحة، والمعين الذي تستمد منه القوانين؛ ومع أن الخيال، والرغبة في الإصلاح والتهذيب، قد أعليا من شأن سكان المدن القساة في عهد الجمهورية الأول، وجعلا منهم أعلى يطلبون إلى المواطنين أن يعملا للوصول إليه، فإن القصص التي تروي عن أخلاق أولئك السكان قد أعانت المربين على غرس فضيلتي الصبر وقوة الاحتمال في أخلاق الشباب في روما. أما عدا هذا فإن القانون الروماني القديم كان مستمدًا من القواعد والعادات الكهنوتية، فكان بذلك فرعًا من الدين، يغمره جو من الطقوس الرهيبة والحدود المقدسة. وكان هذا القانون أوامر تصدر وعدالة تطبق؛ ولم يكن يحدد العلاقة بين الناس بعضهم بعضًا فحسب، بل كان يحدد فوق ذلك العلاقة بين سلام الآلهة؛ وكان الغرض من القانون ومن العقاب من الوجهة النظرية هو الاحتفاظ بهذه العلاقة أو إعادتها هي والسلام إذا اضطربا وتعكر صفوهما. وكان الكهنة هم الذين يعلنون ما هو حق وما هو باطل fas et nefas، ويقررون في أي الأيام تفتتح المحاكم وتعقد المجالس. وكانت كل المسائل المتعلقة بالزواج والطلاق، والعزوبية والزواج بالأقارب، والوصايا ونقل الملكية، وما للأطفال من حقوق، كانت كل هذه المسائل لابد من عرضها على الكهنة كما لا بد من عرض الكثير منها على المحامين في هذه الأيام. وكان الكهنة وحدهم هم الذين يعرفون القوانين والسنن التي لا يكاد يستطاع عمل شيء مشروع إلا باتباعها. وكانوا في روما هم المستشارين القانونيين، وكانوا هم أول من يبدي الرأي القانوني ressponsa في مهام الأمور. وكانت القوانين تسجل في كبتهم، وكانوا يحتفظون بهذه الكتب بعيدة عن متناول العامة؛ وبلغ من حرصهم عليها أن اتهموا في بعض الأحيان بتغيير نصوص القوانين لكي تتفق مع أغراض الأشراف أو رجال الدين.

الألواح الإثنى عشر

ولقد أحدثت الألواح الاثنا عشر انقلابًا قضائيًا مزدوجًا، ذلك أنها أذاعت القانون الروماني ونشرته وأنها صبغته بالصبغة الدنيوية غير الدينية. وتمثل هذه الألواح- كما تمثل غيرها من كتب القانون التي دونت في القرنين السادس والخامس قبل الميلاد كقوانين خارونداس Charondas، وزليكس Zaleucus، ليقورگوس Lycurgus، وصولون Solon- مرحلة انتقال من العادات غير الثابتة غير المكتوبة إلى مرحلة القانون المحدد المدون، وكان هذا العمل نتيجة انتشار القراءة والكتابة بين الناس وتمكن الروح الديمقراطية فيهم. يضاف إلى هذا أن "قانون المواطنين" ius civile، كما هو مدون في الألواح الاثني عشر، قد تحرر من الصبغة الدينية أو "القانون الديني" ius divinum كما يقول الرومان أنفسهم، وكأن روما بعملها هذا استقر رأيها على إلا تكون دولة كهنوتية. وضعف سلطان الكهنة فوق هذا الضعف وحرموا من احتكارهم تفسير القوانين وتنفيذها حين نشر أمين سر أپيوس كلوديوس Appius Claudius "الأعمى" في عام 304 تقويمًا يشتمل على أيام اجتماع المحاكم يعرف "بأيام الأفوال dies fasti"، ومرسومًا بما يجب اتباعه من الإجراءات القضائية، ولم تكن يعرف هذه وتلك من غير الكهنة إلا عدد جد قليل. وخطا الرومان خطوة أخرى في صبغ القانون بالصبغة الدنيوية حين بدأ كرنكانيوس Coruncanius في عام 280 ق.م يعلم الشعب القانون الروماني وهو أول عمل من نوعه معروف في التاريخ. ومن ذلك الوقت حل رجل القانون محل الكاهن وأصبحت له هو السيطرة على عقل روما وحياتها. وما لبثت هذه الألواح أن أصبحت أساس برامج التعليم في روما، وظل تلاميذ المدارس إلى أيام شيشرون يحفظون ما تحتويه عن ظهر قلب؛ وما من شك في أنها كانت من العوامل التي بثت في نفوس الرومان مبادئ الصرامة وحب النظام، والاستمساك بالقانون وعدم التفريط في الحقوق. ولقد ظلت الألواح الاثنا عشر بما أدخل على نصوصها من تعديل، وبما أضيف إليها من قوانين جديدة عن طريق التشريع والمراسيم البريترية والقنصلية والإمبراطورية، ظلت هذه الألواح مدى تسعة قرون أساس القانون الروماني.

التقاضي

وكان قانون المرافعات في كتاب القوانين الروماني وافيًا شديد التعقيد. وكان في وسع أي موظف كبير- إلا في القليل النادر- أن يكون قاضيًا، لكن المحاكم العادية لم تكن تتألف إلا من البريتورين praetors وكان إصلاحهم للقوانين وشرحها من أكبر العوامل التي أكسبت القانون الروماني حيوية ونماء وحالت بينه وبين أن يصبح جثة هامدة من الإجراءات. ذلك أن كبير حكام المدينة praetor urbanus كان يعد في كل عام ثبتًا أو "لوحة بيضاء" يحوي أسماء أعضاء مجلس الشيوخ والفرسان الذين يصح اختيارهم ليكونوا محلفين؛ وكان رئيس الجلسة في كل قضية يختار المحلفين فيها من بين أصحاب هذه الأسماء، على أن يكون للمدعي والمدعي عليه الحق في أن يرفضا قبول بعضهم وإن كان هذا الحق لم يستخدم إلا في عدد محدود من المرات. وكان يسمح للمحامين القضائيين أن يقدموا مشورتهم للمتقاضين ويدافعوا عنهم في ساحة القضاء، كما كان من حق أعضاء مجلس الشيوخ أن يقدموا المشورة القضائية في بيوتهم أو في مجالس عامة. وكان قانون سنسيوس Cincius الصادر في عام 204 ق.م يحرم على من يقدم المشورة القضائية أن يتقاضى عنها أجرًا، ولكن المهارة القانونية كانت تجد كثيرًا من السبل للتخلص من هذا القيد القائم على النزعة المثالية؛ وكثيرًا ما كان الأرقاء يعذبون لحملهم على الاعتراف.

وكانت مجموعة القوانين التي تحتويها الألواح الاثنا عشر من أشد القوانين التي شهدها التاريخ، ذلك أنها كانت تحتفظ بالسيطرة الأبوية الكاملة القديمة التي كانت للأب في المجتمعات الزراعية العسكرية، فكان يسمح للأب بمقتضاها أن يجلد ابنه أو يربطه بالأغلال، أو يسجنه أو يبيعه أو يقتله- وكل ما قيد به سلطته أن حرر الابن من سيطرة أبيه إذا بيع هذا الابن ثلاث مرات. واحتفظ القانون بما بين الطبقات من فروق بتحريم الزواج بين الأشراف والعامة؛ وكان للدائنين على المدينين حقوق مطلقة من كل قيد(17)؛ كما كان للملاك الحرية الكاملة في أن يتصرفوا في أملاكهم عن طريق الوصية، وكانت حقوق الملكية تبلغ من القداسة حدًا يجعل السارق الذي يضبط متلبسًا بجريمة السرقة عبدًا للمسروق منه. وكانت العقوبات تتفاوت من الغرامة البسيطة إلى النفي، أو الاسترقاق أو الإعدام، ومنها ما كان يجري بطريق القصاص (lex talionis). وكثيرًا ما كانت الغرامات تحدد تحديدًا دقيقًا حسب طبقة المعتدي عليه: "فكانت عقوبة كسر عظام الحر 300 آس ، وكسر عظام العبد 150 آسًا". وكان القذف والرشوة والحنث في الإيمان، وسرقة المحصولات الزراعية، وإتلاف غلات الجار ليلاً، وخديعة المحامي للمتقاضين، وممارسة السحر، ودس السم في الطعام، والاغتيال، "والاجتماع في المدينة ليلاً لتدبير الفتن والمؤامرات" كانت هذه كلها يعاقب عليها بالإعدام. وكان الابن الذي يقتل أباه يوضع في كيس ومعه في بعض الأحيان ديك، أو كلب، أو قرد، أو أفعى، ويلقى في النهر. على أنه كان من حق المواطن في العاصمة نفسها أن يستأنف الحكم الصادر عليه بالإعدام من أية جهة قضائية عدا حكم الدكتاتور نفسه إلى الجمعية المئوية، وإذا رأى المتهم أن الأمور في الجمعية تسير في غير مصلحته كان له أن يخفف الحكم الصادر عليه إلى النفي وذلك بالخروج من روما(21). ولهذا فإن عقوبة الإعدام رغم صرامة الألواح الاثني عشر قلما كانت تنفذ في عهد الجمهورية الرومانية.

الجمهورية الرومانية سنة 200 ق. م.

جيش الجمهورية

هو النظام العسكري القائم في العصر الروماني القديم. وقد كان الجيش الروماني ه الأساس الذي يعتمد عليه الدستور الروماني في آخر الأمر ، الذي كان أكثر الأنظمة العسكرية نجاحًا في تاريخ العالم كله.

كان أكبر العوامل في قوة هذا الجيش وانتصاراته هو حسن نظامه، ذلك أن الشاب الروماني كان يعد للحرب منذ طفولته، فكان أهم ما يدرسه العلوم التي تؤهله لأن يكون جنديًا صالحًا، وكان يقضي عشر سنوات من عمره في ميادين القتال أو في المعسكرات. وكان الجبن في هذا الجيش هو الجريمة التي لا تغتفر وكان يعاقب عليها بجلد من يرتكبها حتى الموت. ولم يكن من حق قائد الجيش أن يحكم بالإعدام على أي جندي أو ضابط للفرار من القتال فحسب، بل كان من حقه أيضًا أن يحكم عليه بهذه العقوبة نفسها إذا خالف ما يصدر إليه من الأوامر ولو أدت مخالفته إياها إلى أحسن العواقب. وكان الذي يفر من الجندية أو يرتكب جريمة السرقة يعاقب بقط يده اليمنى.

نمو القوة السياسية للجمهوريةالرومانية في آسيا الصغرى

فتح إيطاليا

لم يكن الأعداء في يوم من الأيام يحيطون بروما أكثر مما كانوا يحيطون بها حين خرجت من عهد الملكية دولة صغيرة تشمل مدينة واحدة ضعيفة لا تزيد رقعتها على 350 ميلاً مربعًا- أي مساحة لا تزيد على تسعة عشر ميلاً في تسعة عشر. ولما أن تقدم لارس بورسنا Lars Porsena ليهاجمها استعادت كثير من العشائر التي كان ملوك روما قد أخضعوها لسلطانهم ما فقدته من حرية وكونت حلفًا لاتينيًا للوقوف في وجه روما. وكانت إيطاليا في ذلك الوقت تتألف من خليط من المدن أو القبائل المستقلة لكل منها حكومتها ولهجتها الخاصة بها. فكان في شمالها اللجوريون، والغاليون، والأمبريون، والتسكانيون، والسبنيون؛ وكان في جنوبها اللاتين، والفلشيون، والسمنيون، واللوكانيون، والبريتانيون؛ وكان على شاطئها الجنوبي والغربي مستعمرون من اليونان في كومية، ونابلي، وبمبي، وبستوم، ولكري، ورجيوم، وكروتونا، ومثابنتم، وتارنتم . وكانت روما في وسط هذه العشائر والمدن جميعها، ذات موقع حربي يمكنها من التوسع وبسطة الملك، ولكنها كانت معرضة للغزو من جميع جهاتها في آن واحد. وكان سبب نجاتها أن أعدائها لم يتحدوا عليها. وقد حدث في عام 505 بيننا كانت روما مشتبكة في حرب من السبنيين أن وفدت عليها إحدى العشائر السبنية- عشيرة الكلوريين- فمنحها روما حق مواطنيها نظير شروط مرضية. وفي عام 449 هزمت روما السبنيين، ولم يحل عام 290 حتى ضمت كل أراضيهم إليها، وما وافى عام 250 حتى كان لهم كل ما لأهل روما من الحقوق. وفي عام 496 أغرى آل تاركوين بعض لاتيوم وهي تسكولوم، وأرديا، ولنوفيوم، وأريسيا، وتيبور وغيرها بالانضمام في حرب تشنها على روما. ورأى الرومان أنفسهم أمام هذا الحلف البادي القوة، فأقاموا عليهم أول دكتاتور منهم، وهو أولس بستوميوس Aulus Postumius، وانتصروا على هذا الحلف اللاتيني عند بحيرة رجيلس Regillus نصرًا مؤزرًا كان سبباً في نجاتهم. ويؤكد الرومان أنهم قد تلقوا العون في هذه الواقعة من الإلهين كستر وبلكس Castor & Pollux إذ غادرا جبال أولمبس ليحاربا في صفوفهم. وبعد ثلاث سنين من ذلك الوقت عقدت روما مع الحلف اللاتيني معاهدة تعهد فيها الطرفان أن "يدوم السلم بين الرومان ومدن اللاتين ما دامت السموات والأرض... وأن يشتركا على قدم المساواة في جميع غنائم الحرب". وكانت روما في بادئ الأمر عضواً في هذا الحلف ثم أمست زعيمته، ثم سيدته المسيطرة عليه. وفي عام 493 حاربت الفلشيين Volscians؛ وفي هذه الحرب ظفر كيوس مارسيوس Caius Marcius بلقب كريلانس Coriolanus بعد أن استولى على كريلاي Corioli عاصمة الفلشيين . ويضيف المؤرخون إلى هذا- ولعل للخيال والقصص شأن كبير فيما يضيفون- أن كريلانس أصبح من ذلك الوقت رجعياً شديد الرجعية، فنُفي من روما بناء على طلب العامة وإصرارهم (491)، فلجأ إلى الفلشيين، وأعاد تنظيم جيوشهم، وسار على رأسهم لحصار روما. ثم تقول الرواية إن الرومان المحاصرين بعد أن عضهم الجوع بعثوا رسولاً في إثر رسول ليثنوه عن عزمهِ، ولكنه لم ينثنِ، فلما جاءته أمه وزوجته تتوسلان إليه وردهما خائبتين أنذرتاه بأنهما ستسدان الطريق أمامه بجسديهما، فلم يسعه أمام ذلك إلا أن يرتد بجيشه عن روما. وكان جزاؤه أن قتله الفلشيون، وفي رواية أخرى أنه عاش بينهم معيشة ضنكا، حتى بلغ من العمر أرذله. وفي عام 405 قام النزاع على أشده بين روما وفياي Veii للسيطرة على نهر التيبر. وحاصرت روما مدينة فياي ودام الحصار تسع سنين، وشجع هذا مدن إتروريا فانضمت إلى فياي ضد روما، وهوجم الرومان من كل ناحية وتعرضوا لخطر الفناء، فأقاموا عليهم دكتاتورًا يدعى كاملس Camillus، فجند جيشًا جديدًا استولى به على فياي ووزع أرضها على مواطني روما. وفي عام 351 ضم جنوب إتروريا إلى روما بعد عدة حروب أخرى متفرقة وسميت من ذلك الوقت باسم تسكيا Tuscia وهو اسم لا يكاد يفترق عن اسم المقاطعة في الوقت الحاضر. وفي هذه الأثناء واجهت روما في عام 390 خطراً جديداً أشد من الأخطار السابقة، وقام الصراع بينها وبين بلاد الغالة، وهو الصراع الطويل الذي لم ينته إلا في عهد يوليوس قيصر. وذلك أنه بينما كانت الحروب الأربع عشرة قائمة بين روما وإتروريا تسللت قبائل كلتية من بلاد الغالة ومن ألمانيا منحدرة من جبال الألب، واستقرت في إيطاليا ، وانتشرت جنوباً حتى نهر البو Po. ويطلق المؤرخون القدامى على هؤلاء الغزاة اسم كلتائي- أو سلتائي، أو جلتائي أو غالي دون تمييز بينها. ولسنا نعرف شيئًا عن أصل هذه القبائل؛ وكل ما نستطيع أن نصفها به أنها ذلك الفرع من السلالة الهندوربية التي سكنت ألمانيا الغربية وغالة وإسبانيا الوسطى، وبلجيكا، وويلز، واسكتلندة، وإيرلندة، وأدخلت فيها اللغات التي وجدها الرومان في تلك البلاد. ويصفهم بولبيوس Polybius بأنهم "طوال القامة، حسنو الوجوه"، يحبون القتال، ويحاربون وهم عراة الأجسام إلا من تمائم وسلاسل ذهبية. ولما أن ذاق الكلت سكان بلاد غالة الجنوبية طعم النبيذ الإيطالي سرهم مذاقه كل السرور فاعتزموا أن يزوروا الأرض التي تخرج تلك الفاكهة اللذيذة. ولعل أصدق من هذا أنهم أقبلوا على تلك البلاد طلباً للمرعى وللأرض الجديدة، فلما دخلوها أقاموا فيها وقتًا ما مسالمين على غير عادتهم المألوفة، يحرثون الأرض ويرعون الماشية، ويتثقفون بما كان في المدن من ثقافة تسكانية. ثم غزوا إتروريا في عام 400 ق.م ونهبوها، وقاومهم التسكان مقاومة ضعيفة، لأنهم كانوا قد أرسلوا جنودهم إلى فياي ليصدوا عنها الرومان. وفي عام 391 وصل ثلاثون ألفًا من الغاليين إلى كلوزيوم Clusium؛ وبعد عام واحد التقوا بالرومان على نهر أليا Allia وهزموهم هزيمة منكرة بددت شملهم، ودخلوا روما فاتحين دون أن يلقوا في ذلك مقاومة، ونهبوا المدينة وحرقوا كثيرًا من أحيائها، وظلوا سبعة أشهر يحاصرون فلول الجيش الروماني المعسكر على الكبتول Capitol- وهوقلة تل الكبتولين Capitoline- حتى استسلم لهم الرومان آخر الأمر، وأدوا للغالبين ألف رطل من الذهب نظير انسحابهم . وغادر الغاليون روما ولكنهم عادوا إليها في أعوام 367، 358، 350. وصدهم الرومان في كل مرة فقنعوا أخيرًا بشمال إيطاليا الذي أصبح من ذلك الوقت يعرف بغالة الألبية الجنوبية. وألفى من بقي من الرومان مدينتهم مخربة تخريبًا حمل الكثيرين منهم على أن يتمنوا لو استطاعوا أن يغادروها ويتخذوا فياي عاصمة لهم. ولكن كمليوس أثناهم عن عزمهم، وقدمت لهم الحكومة ما يحتاجونه من المعونة المالية لبناء بيوتهم من جديد. وكانت السرعة التي تم بها هذا البناء، وهم يواجهون الأعداء من حولهم، سببًا من الأسباب التي جعلت روما مدينة قائمة على غير نظام مرسوم ذات شوارع ضيقة ملتوية. وكانت الشعوب الخاضعة لسلطانها، إذا رأتها موشكة على الدمار والخراب، ثارت عليها ثورة في إثر ثورة واستلزم إخضاع هذه الشعوب وشفاؤها من نزعة الحرية خمسين عامًا من الحروب المتقطعة. ولقد هاجمها اللاتين، والإكوريون، والهرنيشيون، والفلشيون مجتمعين أو متفرقين. ولو انتصر الفلشيون لفصلوا عن جنوب إيطاليا وعن البحر، ولربما استطاعوا بذلك أن يقضوا على تاريخها؛ ولكن روما انتصرت عليهم وانتصرت على مدن الحلف اللاتيني في عام 340 ، وبعد عامين من انتصارها عليها حلت الحلف وضمت مدن لاتيوم جميعها إلا القليل منها إليها . وفي هذه الأثناء كان ما نالته روما من النصر على الفلشيين سببًا في وقوفها وجهًا لوجه أمام القبائل السمينة القوية. وكانت هذه القبائل تمتلك قطاعًا مستعرضًا في إيطاليا يمتد من بابلي حتى البحر الأدرياوي، ويشمل مدنًا غنية مثل نولا Nola وبنفنتم Beneventum، وكومية Cumae، وكبوا Capua. وكانت قد استولت على معظم المستعمرات التسكانية واليونانية الممتدة على الساحل الغربي، وكان لها من الحضارة الهلينية ما يكفي لخلق فن كمباني Campanian، متميز عن غيره من الفنون، ولعلها كانت أكثر حضارة من الرومان أنفسهم. واشتبكت روما مع هذه القبائل في ثلاث حروب طويلة طاحنة رغبة منها في الانفراد بالسيادة على إيطاليا. ومني الرومان في مشاغب كودين Coudine Forks (321) بهزيمة من أكبر هزائمهم، ومر جيشهم المنهزم "تحت النير"- أي تحت قوس من حراب الأعداء- رمزًا لخضوعهم. ووقع القنصلان في ميدان القتال شروطاً لصلح مذل رفض مجلس الشيوخ أن يصدق عليه، ونجح السمنيون في أن يضموا إليهم التسكانيين والغاليين، وألفت روما نفسها وقتًا ما تواجه إيطاليا كلها تقريبًا شاكية السلاح. ولكن الفيالق الرومانية انتصرت انتصارًا حاسمًا في سنتينوم Sentinum (295) ضمت روما على أثره كمبانيا Campania وأمبريا Umbria إلى أملاكها. وبعد عامين من ذلك الوقت طردت الغاليين إلى ما وراء نهر ألبو وأخضعت إتروريا مرة أخرى لسلطانها. وبذلك أصبحت روما سيدة إيطاليا الممتدة من مقاطعات الغاليين في الشمال إلى المقاطعات اليونانية في الجنوب. لكن عدم اطمئنانها إلى سلامتها من جهة، ورغبتها في مواصلة الفتح من جهة أخرى، قد حملاها على أن تحيز مدن "اليونان الكبرى" Magna Graecia بين الحرب وبين محالفتها حلفًا تقر فيه لروما بالزعامة. وفضلت مدن تورياي Thurii ولكري Locri وكروتونا Crotona أن تحالف روما على أن تتعرض للاندماج في القبائل "المتبربرة" (أي الإيطالية)، التي كانت تتكاثر من حولها وبين أهلها؛ ولعلها هي أيضًا كانت تمزقها كما تمزق لاتيوم حرب الطبقات، واستقبلت الحاميات الرومانية لتصد عن الملاك مطامع العامة الذين كان سلطانهم آخذًا في الازدياد(32). لكن تارتم Tarentum وقفت وقفة المعاند، واستعانت ببيرس Pyrrhus ملك إبيروس Epirus. وثارت في نفس هذا المحارب الباسل ذكريات أخيل Achilles والإسكندر فعبر البحر الأدرياوي بقوة إبيروسية، وهزم الرومان في هرقيلة Heraclea (280 ق.م)؛ ولكن ما ناله من النصر كان غالي الثمن غلوًا حمل القائد المظفر على أن يرثى لحاله(33).وانضمت إليه وقتئذ جميع المدن اليونانية في إيطاليا، وحالفه اللوكانيون، والبوتيون، والسمنيون. وبعث سنياس Cineas إلى روما يعرض عليها الصلح، وأطلق سراح الألفي أسير روماني الذين كانوا في قبضته بعد أن وعدوه بأن يعودوا إذا فضلت روما الحرب على السلم. وأوشك مجلس الشيوخ أن يقبل شروطه ولكن أبيوس كلوديوس Appius Cladius، الشيخ الأعمى المسن الذي كان قد اعتزل الحياة العمة من زمن طويل، طلب إلى بعض الناس أن يحملوه إلى دار المجلس، فلما دخل على الأعضاء طلب إليهم تعقد روما قط صلحًا مع جيش أجنبي في أرض إيطاليا. ورد مجلس الشيوخ إلى بيرس من أطلقهم من الأسرى وبدأت الحرب من جديد. وانتصر الملك الشاب على الرومان مرة أخرى، ثم عافت نفسه جبن أحلافه وضعفهم وترددهم، فأبحر مع من بقي معه من جيشه إلى صقلية ورفع عن سرقوسة حصار القرطاجنيين، وطردهم من أملاكهم في الجزيرة حتى لم يبق لهم فيها إلا القليل. ولكنه اغضب بحكمه القوي اليونان سكان صقلية،وكانوا يظنون أن في وسعهم أن يستمتعوا بالحرية دون أن يؤدوا لها ثمنًا من النظام والشجاعة، فقبضوا عنه معونتهم، فعاد بيرس إلى إيطاليا وهو يقول عن صقلية: "ما أعظمها من غنيمة تتنازعها قرطاجنة وروما!" والتقى جيشه بالجيش الروماني في بنفنتم ومني بالهزيمة لأول مرة (275). واتضح في هذه الواقعة أن الأولوية الخفيفة السلاح السريعة الحركة أصلح من الصفوف المتراصة البطيئة، وبدأت بذلك صفحة جديدة في تاريخ الحروب. وأهاب بيرس بأحلافه الإيطاليين أن يمدوه بجيوش جديدة، فلم يلبوا نداءه لارتيابهم في إخلاصه ومثابرته. فعاد إلى إبيروس ومات في بلاد اليونان ميتة المغامرين. وفي السنة التي مات فيها (272 ق.م) غدرت ميلو Milo بتارنتم وانضمت إلى روما. وما لبثت المدن اليونانية كلها أن خضعت لروما واستسلم لها السمنيون وهم كارهون محزونون، وأمست إيطاليا بعد حروب دامت قرنين كاملين سيدة إيطاليا لا ينازعها فيها منازع. وسرعان ما ثبتت روما أقدامها في البلاد المفتوحة بما كانت ترسله إليها من الجاليات، بعضها من أهلها وبعضها من بلاد الحلف اللاتيني. وقد أفادتها هذه الجاليات فوائد كثيرة: فقد خففت عنها خطر التعطل، وقللت من تزاحم الأهلين على موارد الرزق، وما ينشأ عن هذا التزاحم من نزاع بين الطبقات في روما. وكذلك كانت كل جالية فيها نواة موالية لروما بين الأهلين الغضاب، كما كانت مراكز أمامية ومصارف للتجارة الرومانية، تنتج الطعام للبطون الجياع في العاصمة، ذلك أن المحراث قد أتم ما بدأه السيف من الفتوح. وبهذه الوسائل كلها وضعت روما الأسس التي أدت إلى صبغ مئات من المدن التي لا تزال قائمة إلى اليوم بالصبغة الرومانية، فانتشرت اللغة اللاتينية والثقافة اللاتينية في جميع أنحاء شبه الجزيرة التي كان معظمها لا يزال في طور الهمجية يتكلم أهله لغات شتى. وسارت إيطاليا بخطى وئيدة في طريق الوحدة الدولية، وكانت الخطوة الأولى في سبيل الوحدة السياسية وحشية في طريقتها عظيمة في أثرها وغايتها. لكن كان في قورسقة وسردانية وصقلية وإفريقيا قوة أشد من روما بطشًا وأقدم منها عهدًا، تسد على التجارة الرومانية مسالك البحر الأبيض المتوسط الغربي، وتترك إيطاليا سجينة في بحارها. تلك هي قرطاجنة.

الحياة الإجتماعية

الأسرة

كان ميلاد الأطفال نفسه مغامرة خطيرة في روما؛ فقد كانت العادات الألوفة تبيح للأب إذا ولد طفل مشوه أو كان أنثى أن يعرضه للموت. أما إذا لم يكن كذلك فقد كان يرحب بمولده؛ لأن الرومان حتى في ذلك العهد البعيد، وإن مارسوا عادة ضبط النسل إلى حد ما، كانوا شديدي الرغبة في أن يكون لهم أبناء. ذلك أن الحياة الريفية جعلت الأبناء مصدراً من مصادر الثروة، ولذلك كان الرأي العام يندد بالعقم، كما كان الدين يشجع على الإكثار من النسل بما يدخله في عقول الرومان من أن الواحد منهم إذا مات ولم يكن له ولد يعنى بقبره، قاست روحه ألوان الشقاء والعذاب إلى أبد الدهر. وكانوا إذا مضى على مولد الطفل ثمانية أيام احتفلوا حول موقد الدار احتفالاً رسمياً مهيباً بضمه إلى الأسرة والعشيرة. وكانت العشيرة (gens) تتألف من طائفة من الأسر الحرة تنتمي إلى أصل واحد، وتسمى باسمه، وتشترك بعضها مع بعض في العبادة، وتتبادل العون في السلم والحرب. وكان الولد الماكر يعرف باسمه الخاص الأول (praenomen) مثل بيليوس Publius، أو ماركس Marcus، أو كيوس Caius، وباسم عشيرته (nomen) مثل كرنليوس Cornelius أو تليوس Tullius، أو يوليوس Julius؛ وباسم أسرته مثل سبيو Scipio، وشيشرون Cicero، وقيصر Caesar. أما النساء فكن في أغلب الأحيان يتميزن بأسماء عشائرهن وحدهن مثل كرنليا Cornelia، وتليا Tullia، وكلوديا Claudia، ويوليا Julia. وإذ لم يكن للذكور في الأيام القديمة الأولى من الأسماء الأول ما يزيد على خمسة عشر اسماً، وكانت هذه الأسماء تتكرر في الأسرة الواحدة جيلاً بعد جيل تكراراً يجعل التمييز بين مسمياتها من أصعب الأمور، فقد اعتاد الرومان أن يختصروا هذه الأسماء الأولى فيستعيضوا عنها بالحروف الأولى منها ويضيفوا إلى أصحابها اسماً رابعاً- وخامساً في بعض الأحيان- ليسهل تمييزهم بعضهم من بعض. ومن أمثلة ذلك أنهم كانوا يميزون سبيو قاهر هنيبال من سميه الذي دمر قرطاجنة بتسمية الأول ب. كر نليوس سبيو الإفريقي الأكبر P. Cornelius Scipio Africanus Major. والثاني ب. كرنليوس سبيو إيمليانس الإفريقي الأصغر P. Cornelius Scipio Aemilianus Aficanus Minor. وكان الطفل يجد نفسه وقد اندمج كل الاندماج في أخص النظم الرومانية الأساسية وأقواها أثراً وهو نظام الأسرة الأبوية. وتكاد سلطة الأب في هذه الأسرة أن تكون سلطة مطلقة من كل القيود، كأنما الأسرة قد نظمت لتكون وحدة عسكرية من جيش في حرب دائمة. وكان الأب وحده دون سائر أفراد الأسرة هو الذي له حقوق قانونية في عهد الجمهورية الأول، فهو وحده الذي كان من حقه أن يشتري الملك ويحتفظ به أو يبيعه، وأن يتعاقد باسمه؛ وحتى بائنة زوجه كانت في ذلك العهد ملكاً له. وإذا ما اتهمت زوجته بجريمة أحيلت إليه ليحاكمها ويعاقبها بنفسه؛ وكان في مقدوره أن يحكم عليها بالإعدام إذا خانته أو سرقت مفاتيح خزائن خمره. وكان له على أبنائه حق الحياة والموت أو بيعهم في الأسواق بيع الرقيق. وكان كل ما يكسبه الابن يصبح في نظر القانون ملكاً خالصاً لأبيه، ولم يكن من حقه أن يتزوج من غير موافقة والده. وكانت البنت إذا تزوجت بقيت تحت سلطان أبيها، إلا إذا سمح لها أن تتزوج زواجاً Cum manu أي أسلمها بنفسه إلى يد زوجها أو وضعها تحت سلطانه. وكان له على عبيده سلطة لا حد لها؛ فكان هو وزوجته وأبناؤه "ملك يده" mancipia؛ ومهما يبلغ هؤلاء العبيد من السن أو المنزلة فإنهم يبقون تحت سلطانه حتى يحررهم هو أو "يطلقهم من يده" emancipate them. على أن العادات، والرأي العام، ومجلس الشيوخ، وقانون البريتورين (المقدمين) كانت تقيد حقوق "رب الأسرة" إلى حد ما. أما فيما عدا هذه القيود فقد كان يحتفظ بهذه الحقوق إلى أن يموت، وكانت له ولو ذهب عقله أو أراد هو أن يتخلى عنها. وكان من آثارها أن قويت وحدة الأسرة فكانت هي الأساس الذي قامت عليه أخلاق الرومان وحكومتهم، وأن أدب الرومان تأديباً بعث في أخلاقهم صلابة وقوة خير ما توصف به أنها قوة رواقية. وكانت قوانينهم في حرفيتها أشد منها صرامة في تطبيقها، وقلما كانوا يطبقون أقسى هذه القوانين؛ وقلما أساءوا استخدام ما كان منها أقل قسوة؛ فلم يكونوا يقفون في سبيل حنان الآباء القوي الطبيعي على أبنائهم أو تعظيم الأبناء لآبائهم، حتى لقد كانت شواهد القبور في روما تبلغ من الرقة ما بلغته في بلاد اليونان وما بلغته عندنا نحن في هذه الأيام. وإذ كانت حاجة الرجل إلى المرأة- وهي أشد من حاجتها إليه- تكسبها من الحقوق ما لا تستطيع القوانين أن تقف في وجهه، فليس لنا أن نحكم على مكانة المرأة في روما من القيود التي يفرضها عليها القانون. فقد كان يحرم عليها أن تظهر في دار المحكمة ولو كانت شاهدة. وإذا مات زوجها لم يكن لها أن تطالب بأي حق لها في ماله؛ وكان له إذا شاء أن يحرمها من أن ترث شيئاً من هذا المال.وكانت في كل أدوار حياتها تحت رقابة رجل- أبيها أو أخيها، أو زوجها، أو ابنها أو وصي عليها- لا تستطيع أن تتزوج أو تتصرف في مالها بغير رضاه. لكنها كان من حقها أن ترث وإن حدد هذا الميراث بما لا يزيد على مائة ألف سسترس Sesterce أي نحو (15.000 ريال أمريكي). أما التملك فلم يكن مقيداً بحد أقصى. وكثيراً ما أصبحت النساء في تاريخ الجمهورية المتأخر من ذوات الثروات الطائلة، لأن أزواجهن كانوا يهربون لهن أملاكهم ليتخلصوا بذلك مما عليهم من التزامات إذا أفلسوا في تجارة، أو حكم عليهم بتعويض، أو ليتملصوا من ضرائب الشركات، وفي ذلك من الأخطار التي لا نهاية لها. وكان لها في شؤون الدين شأن غير قليل؛ فكان لها أن تكون كاهنة؛ وكان من الواجبات المفروضة على كل كاهن تقريباً أن تكون له زوجة، فإذا ماتت حرم من منصبه. أما في المنزل فكانت هي سيدته المعظمة mea domina؛ ولم تكن كالزوجة في الحياة اليونانية تحجز في جناح الحريم بل كانت تتناول الطعام مع زوجها وإن كانت تجلس منتصبة ويجلس هو متكئاً . وكانت لا تقوم إلا بأقل قدر من الخدمة المنزلية، ذلك بأنه كان لكل مواطن تقريباً عبد يقوم على خدمته. وكان لها أن تغزل لتدل بذلك على دماثة أخلاقها، ولكن أهم واجباتها المنزلية هو مراقبة خدمها. على أنها مع ذلك كانت تحرص على أن تربي بنفسها أطفالها. وكان هؤلاء الأبناء يجزونها على صبرها وقيامها بواجبات الأمومة بما يقدمونه لها من دلائل الحب العميق والإجلال العظيم، وقلما كان زوجها يجعل سيادته الشرعية عليها تطغي على حبه لها. وكان الأب والأم، ودارهما وأرضهما وأملاكهما، وأطفالهما الصغار، وأبناؤهما المتزوجون، وأحفادهما أبناء هؤلاء الأبناء، وزوجاتهم وعبيدهم ومواليهم- كان هؤلاء كلهم يؤلفون الأسرة الرومانية Familia؛ ولم تكن هذه الكلمة عندهم تعني أسرة بقدر ما تعني بيتاً من فيه، وما فيه. فلم يكن هذا المعنى مقصوراً على جماعة من ذوي القربى، بل كان يعني مجموعة من الأشخاص المملوكين والأشياء المملوكة، يخضعون كلهم، وتخضع كلها، لأكبر الذكور سنّاً. وفي نطاق هذا المجتمع الصغير الذي يضم في داخله وظائف الأسرة، والكنيسة، والمدرسة، والنظم الصناعية والحكومية، شب الطفل الروماني وترعرع على حب الطاعة والتقوى، فكان منه مواطن قوي صلب العود في دولة لا تغلب.

الأخلاق

ترى أي مبادئ خلقية نشأت من هذه الحياة التي كانت تحياها الأسرة الرومانية بين هذه الأرباب المختلفة؟ لقد كانت الآداب الرومانية من أيام عهد إنيوس Ennius إلى عهد جوفنال Juvenal تجعل تلك الأجيال القديمة مثلاً أعلى وتندم على الأيام الخالية أيام البساطة والفضيلة القديمتين. وستوحي إلينا صحف هذا الكتاب أيضاً بما كان هناك من فوارق بين روما فبيوس الرواقية وروما نيرون الأبيقورية، ولكن علينا ألا نغالي في هذه الفوارق بتحيزنا في اختيار الشواهد التي ندلل بها على وجودها؛ ذلك بأنه كان في عهد فبيوس أبيقوريون كما كان في عهد نيرون رواقيون. ولقد ظلت الأخلاق الجنسية عند الرجل العادي واحدة لم يطرأ عليها تغيير من بداية التاريخ الروماني إلى نهايته: ظلت خشنة طليقة ولكنها لا تتعارض مع الحياة الناجحة في ظل الأسرة. وكان يطلب إلى الفتيات في جميع الطبقات الحرة أن يحافظن على بكارتهن، وما أكثر القصص القوية التي كانت تروى لرفع شأنها؛ ذلك أن الروماني كان قوي الإحساس بحق الملكية، شديد التمسك به، ولهذا كان يتطلب زوجة قوية الأخلاق غير متقلبة الأهواء تضمن له أنه لن يرث متاعه بعد موته أبناء من غير صلبه. ولكن الرجال في روما لم يكونوا يلامون كثيراً على عدم العفة قبل الزواج إذا أظهروا الاحترام الواجب لرياء بني الإنسان ونفاقهم، شأنهم في هذا شأن الرجال في بلاد اليونان. وأنا لنجد في أقوال كتابهم وخطبائهم من عهد كانو الأكبر إلى شيشرون عبارات صريحة يبررونبها هذا النوع من الدنس ؛ وليس الذي يزيد بتقدم المدنية هو فساد الطبع وإنما الذي يزيد هو الفرص التي تتاح لإظهار هذا الفساد والتعبير عنه. ولم تكن العاهرات كثيرات في روما في أيامها الأولى، وكان يحرم عليهن لبس مئزر الأمهات وهو شعار الزوجة المحترمة، وكن محصورات في الأركان المظلمة من روما ومن المجتمع الروماني. ولم تكن قد نشأت فيها وقتئذ طائفة المحظيات المتعلمات الشبيهات بطائفة المطربات في أثينا، كما لم يكن قد نشأ فيها بعد أولئك المومسات الرقيقات اللاتي تغنى بهن أوفد Ovid في شعره. وكان الرجال يتزوجون في سن مبكرة قبل السنة العشرين من عمرهم في العادة، ولم يكن الباعث على الزواج هو الحب الروائي، بل كان هو الرغبة الصادقة السليمة في أزواج يعاونهم في عملهم، وأبناء ذوي فائدة لهم، وأن يستمتعوا بحياة جنسية سليمة. وكان يقال في حفلة الزفاف إن الغرض من الزواج هو إنجاب الأطفال. وكان للأطفال في المزرعة كما كان للنساء فائدة اقتصادية كبرى ولم يكونوا كما هم اليوم لعباً حية. وكان الأباء هم الذين يزوجون أبناءهم وبناتهم، وكانت عقود الزواج تعقد أحياناً على الأبناء في طفولتهن، وكان رضا أبوي الزوج والزوجة ضرورياً لإتمام عقد الزواج. وكانت تصحب الخطبة مراسم وتقاليد معينة، تعد رابطة قانونية بين الزوجين. وكان أقرباء الزوجين يجتمعون في وليمة ليشهدوا عقد الزواج، وكانت قشه stipula تكسر بين أهل العروسين علاوة على اتفاقهما. وكانت شروط الزواج وبخاصة ما يتصل منها بالمهر تسجل كتابة، وكان الزوج يضع خاتماً من الحديد في الإصبع الرابعة من أصابع اليد اليسرى للزوجة لاعتقادهم أن عصباً يسير من تلك الإصبع إلى القلب. وكانت أصغر سن يباح فيها الزواج هي الثانية عشرة للفتاة والرابعة عشرة للفتى، وكان القانون الروماني القديم يجعل الزواج إجبارياً(27)، ولكن اعتقادنا أن هذا القانون قد أغفل ولم يكن يطبق قبل عام 413 ق.م حين فرض الرقيب كملس Camillus ضريبة على العزاب. وكان الزواج نوعين زواجاً كم مانو Cum Manu وزواجاً سن مانو sin manu أي زواجاً يتبعه وضع العروس وما تملك تحت سلطان زوجها أو والده وزواجاً لا يتبعه هذا الوضع. وكان زواج سن مانو (من غير تسليم) في غير حاجة إلى حفلة دينية، ولا يتطلب أكثر من رضاء العروس والعريس. أما زواج وضع اليد فكان يتم أما بالمعاشرة مدة عام (usus وأما بالشراء (Coemptio). وكان هناك نوع ثالث يعرف بالزواج بطريق الكنفرياشيو (Confarreatio) والمعنى الحرفي لهذا اللفظ هو (أكل كعكة معاً). وكان هذا النوع الأخير يتطلب حفلاً دينياً، ولا يتم إلا بين الأشراف.وقد اختفى الزواج بالشراء الفعلي في عهد مبكر، أو أنه انعكس فكانت الزوجة في واقع الأمر كثيراً ما تشتري الزوج ببائنتها. وكانت هذه البائنة توضع عادة تحت تصرف الزوج، ولكن قيمتها ترد إلى الزوجة إذا طلقت أو مات زوجها. وكان يصحب العرس كثير من الحفلات والأغاني الشعبية؛ وكانت أسرتا العروسين تطمعان في بيت العروس، ثم يسير أفرادهما في موكب مرح بهيج إلى بيت والد العريس على أنغام المزامير والأناشيد والمزاح الماجن. فإذا وصلوا إلى بابه المتوج بالأزهار تقدم العريس إلى العروس وسألها: "من أنت؟" فأجابته بعبارة بسيطة تشعر بوفائها ومساواتها وانضمامها له وهي قولها "حيث تكون أنت كيوس Caius أكون أنا كايا Caia"، ثم يرفعها فوق عتبة بيته، ويقدم لها مفاتيحه، ويضع عنقها وعنقه تحت نير إشارة إلى الرابطة المشتركة بينه وبينها؛ ومن ثم سمى الزواج كنيوجيوم Coniugium أي الاشتراك في النير. ثم تشترك العروس في الصلاة لآلهة البيت دلالة على أنها قد انضمت إلى الأسرة الجديدة. وكان الطلاق عسيراً ونادراً في الزيجات التي تعقد بالكنفرياشيو؛ وفي زواج الكم مانو كان الزوج وحده هو الذي يستطيع فصم عرى الزوجية، أما في زواج السن مانو فكان لكل من الزوجين حق الطلاق إذا أراد دون أن يتطلب هذا موافقة الدولة. وقد سجل أول طلاق في تاريخ الرومان في عام 268 ق.م؛ وتقول إحدى الروايات المشكوك في صحتها إنه لم يحدث قبل هذا طلاق قط مذ أسست مدينة روما. وكانت عادات العشائر الرومانية تتطلب من الزوج أن يطلق الزوجة الخائنة أو العقيم". وفي هذا يقول كاتو الكبير "إذا وجدت زوجتك تزني، فإن القانون يبيح لك أن تقتلها من غير محاكمة؛ وإذا ما فاجأتك مصادفة وأنت ترتكب هذه الجريمة نفسها فليس لها أن تمسك حتى بأطراف أصابعها، لأن القانون يحرم عليها هذا". ويلوح أنه كانت هناك زيجات سعيدة كثيرة على الرغم من هذا التفريق. فشواهد القبور تنطق بالكثير من عبارات الحب والإخلاص التي كتبت عليها بعد وفاة الأزواج. وهاهي ذي عبارة مؤثرة تعظم إحدى السيدات التي أخلصت في خدمة زوجها: "لقد كنت يا ستاتليا Statilia بارعة الجمال إلى أبعد حد وفية لأزواجك!. ولو أن أول من جاء إليك قد استطاع أن يقاوم الأقدار لأقام إليك هذا الحجر؛ أما أنا الذي نعمت بقلبك الطاهر هذه السنين الست عشرة فقد فقدتك، ألا ما أشد أسفي عليك". والراجح أن فتيات روما في عهدها الأول لم يبلغن من الجمال ما بلغته أخواتهن في عهودها المتأخرة واللائى يصفهن كاتلس Catullus وصف الرجل الخبير بأنهن Ianeum Iatusculum Manusque molicellas أي أن لهن "جانبين نحيلين أملسين كالصوف، ويدين صغيرتين ناعمتين". أو لعل الفتيات في العهدين لم يكن بينهن هذا الفرق ولكن الكدح والهم في الأيام الأولى أيام العمل في الحقول كانا يطغيان بعد زمن يسير على جمال المراهقة. وقد اشتهرت نساء الرومان بتناسب معارفهن، فكانت لهن أنوف صغيرة رفيعة، وكن في العادة ذوات شعر أسود وعيون داكنة. وكان للشقراوات عندهن منزلة رفيعة، وكذلك كان للصبغات الألمانية التي تكسب الفتيات هذا اللون قيمة كبيرة عند الرومانيات. أما الرجل الروماني فكان يتصف بالقوة والمهابة أكثر مما يتصف بالوسامة، فقد قسا وجهه من أثر تربيته الصارمة والحياة العسكرية الطويلة، ثم نعم واسترخى بعد انهماكه في الملاذ في الأيام الأخيرة. وما من شك في أن كليوبطرة قد أحبت أنطونيوس لسبب آخر غير خديه المنتفختين من احتساء الخمر، وأحبت قيصر بسحر آخر غير سحر أنفه ورأسه الشبيهين برأس النسر وأنفه. لقد كان الأنف الروماني كالخلق الروماني حاداً منحرفاً، وظل الرومان يلتحون ويطيلون شعر رؤوسهم حتى عام 300 ق.م حين بدأ الحلاقون يمارسون مهنتهم في روما. أما ملابسهم فكانت في جوهرها كملابس اليونان، فكان الأولاد والبنات والحكام وكبار الكهنة يلبسون التوجا براتكستا Toga Praetexta أي الجبة ذات الأهداب الأرجوانية. فإذا أتم الشاب السادسة عشرة من عمره استبدل بها التوجا فريلس toga virilis "حبة الرجولة" البيضاء دلالة على أنه قد أصبح من حقه أن يقترع في الجمعيات الوطنية ومن واجبه أن يخدم في الجيش. وكانت النساء في داخل البيوت يلبسن ثوباً (استولا (stola) يربطونه بمنطقة تحت الثديين، ويصل إلى القدمين؛ فإذا خرجن من البيوت لبسن فوقه Palla أو عباءة. وكان الرجال وهم في البيوت يلبسون قميصاً بسيطاً tunica، فإذا خرجوا منها أضافوا إليه جبة على الدوام وعباءة في بعض الأحيان. وكانت الجبة (tegere أي يغطى) رداء من الصوف تتكون من قطعة واحدة يبلغ عرضها ضعفي عرض لابسها، وطولها ثلاثة أضعاف طوله. وكانت تلف حول الجسم ويلقى ما زاد منها على الكتف اليسرى، ثم تلف من تحت إبط اليد اليمنى، وتعود مرة أخرى فتلقى فوق الكتف اليسرى. وتستخدم ثناياها التي فوق الصدر كما تستخدم تحت الجيوب، وكانت تترك ذراع لابسها اليسرى حرة في حركتها.

وكان الرجل الروماني يصطنع المهابة الصارمة (gravitas) ويراها خلة ثقيلة لا يستغني عنها الأشراف الذين يحكمون شعباً، ثم شبه جزيرة، ثم إمبراطورية. وكان ما يتصف به من رحمة وعاطفة رقيقة مقصوراً على الحياة المنزلية؛ أما في الحياة العامة فقد كان على رجل الطبقة العليا أن يكون راسخاً جافاً كتمثاله، وأن يخفي وراءَ قناع من الهدوء الصارم ما في طبعه من تهيج وفكاهة لا نراهما واضحين ساخرين في مسرحيات بلوتوس الفكهة فحسب بل نراهما كذلك في خطب شيشرون. لقد كان يطلب إلى الرومان حتى في الوقت الذي نتحدث عنه أن يعيش عيشة إسبارطية؛ فكان الرقيب يستهجن الترف في الملبس والمأكل؛ بل أن الزارع إذا أهمل زرعه كان معرضاً لأن يفاجئه الرقيب ليحاسبه على هذا الإهمال. وليس أدل على تقشف الرومان من أن السفراء القرطاجنيين حين عادوا من روما بعد الحرب البونية الأولى أخذوا يسّلون أثرياء التجار في بلدهم بقولهم إنهم شاهدوا مجموعة بعينها من الصحاف الفضية في كل بيت دعوا إليه، أي أن مجموعة واحدة تنقل سراً من بيت إلى بيت كانت تكفي طبقة الأشراف جميعها. وكان أعضاء مجلس الشيوخ في ذلك الوقت يجلسون على مقاعد خشبية صلبة في بهو Curia لا يدفأ قط في فصل الشتاء. بيد أن الثروة والترف قد بدءا وسارا سيراً حثيثاً بين الحربين البونيتين الأولى والثانية؛ وشاهد ذلك أن هنيبال جمع من أصابع الرومان الذين قتلوا في معركة كاني عدداً كبيراً من الخواتم الذهبية ، وأن قوانين عدة قد وضعت لتحرم الجواهر المنقوشة، والملابس المبهرجة، والوجبات الغالية الثمن، ولكن هذه القوانين رغم تكررها ظلت عديمة الجدوى. لقد ظلت وجبات الروماني العادي حتى القرن الثالث قبل الميلاد وجبات بسيطة، فكان فطوره (ientaculum) يتكون من الخبز وعسل النحل أو الزيتون أو الجبن؛ وكان غذاؤه (prandium) وعشاؤه (Cena) يتكونان من البقول والخضر والفاكهة. أما السمك واللحم فكان يختص بهما الأغنياء. وقلما كانت مائدة ما تخلو من النبيذ المخفف، أما شرب النبيذ المركز فكان يعد إفراطاً. وكانت الأعياد والولائم من المتع الضرورية في هذا العهد الرواقي، وكان العاجزون عن التمتع بها يضايقهم هذا العجز ويظهرون ما يحل بهم بسببه من إجهاد عصبي في تماثيلهم التي خلفوها لمن جاءوا بعدهم. ولم يكن للصدقات مجال في هذه الحياة المقتصدة المتقشفة. وقد بقيت الضيافة من العادات التي يتبادلها الرومان لتيسر عليهم أسفارهم طالما كانت النزل فقيرة ومتباعدة، ولكن بولبيوس يقول "إن أحداً في روما لا يقدم شيئاً ما لأي إنسان إذا كان ذلك الامتناع في مقدوره"- وما من شك أن في هذا كثيراً من المغالاة. وكان الصغار يشفقون على الكبار، ولكن الظرف والكياسة لم يصلا إلى روما إلا في آخر أيام الجمهورية. وقد غيرت الحروب والفتوح أخلاق الرومان فجعلتهم في الغالب غلاظاً قساة إلى حد بعيد، لا يأنفون من أن يقتلوا دون أن يؤنبهم ضميرهم على القتل، وأن يقتلوا دون أن يشكوا منه. وكان أسرى الحرب يباعون في الأسواق آلافاً مؤلفة، عدا الملوك وقواد الجند فكانوا يقتلون عقب النصر أو يتركون ليموتوا موتاً بطيئاً من أثر الجوع. أما في دوائر الأعمال فكانت أخلاق الرومان خيراً من هذه الأخلاق. نعم إن الرومان كانوا يحبون المال، ولكن بولبيوس (حوالي 167 ق.م) يصفهم بأنهم رجال مجدون شرفاء؛ ويقول المؤرخ اليوناني إن أحداً لا يستطيع أن يمنع اليوناني من الاختلاس مهما كان عدد الكتبة الذين يعيشون لمراقبته، أما الرومان فكانوا يتصرفون في مبالغ طائلة من الأموال العامة ولم يثبت عليهم الاختلاس إلا في حالات جد نادرة. على أننا رغم هذا القول نجد أن قانوناً قد صدر في عام 432 ق.م لمنع الغش في الانتخابات. ويقول المؤرخون الرومان إن النزاهة السياسية قد بلغت أوجها في الثلاثة قرون الأولى من عهد الجمهورية، ولكنهم يثيرون الريبة بما يكيلونه من المدح لفالريوس كورفوس Valerius Corvus بقولهم إنه شغل واحداً وعشرين منصباً من مناصب الحكام، ثم عاد إلى حقوله فقيراً كما كان حين خرج منها؛ ولكيوريوس دنتاتوس Curius Dentatus الذي لم يحتفظ لنفسه بشيء من الغنائم التي استولى عليها من الأعداء؛ولفابيوس بكتور Fabius Pictor ورفاقه الذين قدموا للدولة ما أعطى لهم في مصر من الهدايا الثمينة حين ذهبوا إليها في بعثة رسمية. وكان الأصدقاء يقرضون بعضهم بعضاً من غير فائدة. وكثيراً ما كانت الحكومة الرومانية تلجأ إلى الغدر في معاملتها للدول الأجنبية، ولعل الإمبراطورية كانت أشرف من الجمهورية في علاقاتها الخارجية. ولكن مجلس الشيوخ أبى أن يتغاضى عن تسميم بيرس Pyrrhus، وحذره من المؤامرة التي كانت تدبر له. ولما أن أرسل هنيبال بعد معركة كاني عشرة أسرى إلى روما ليفاوضوها في افتداء ثمانية آلاف أسير آخرين ووعده هؤلاء العشرة بالعودة إليه، وفوا كلهم عدا واحداً منهم بما وعدوه به، فما كان من مجلس الشيوخ إلا أن ألقى القبض على هذا العاشر وصفده بالأغلال، وأعاده إلى هنيبال، ويقول بولبيوس إن سرور هنيبال لنصره "لم يبلغ من الشدة ما بلغه حزنه حين رأى ما يتصف به الرومان من ثبات وشهامة". وقصارى القول أن الروماني العادي في ذلك العهد كان محباً للنظام، محافظاً، وفياً، لا يفرط في الشراب، وقوراً بخيلاً، قاسياً، عملياً. وكان يعجب بالنظام ويسر منه ولا يستمع إلى ما يقال من الهراء عن الحرية؛ وكان مطيعاً يرى أن الطاعة خير سبيل إلى اعتياد الأمر والنهي. وكان يسلم بلا جدال بأن من حق الحكومة أن تتثبت من أخلاقه كما تتثبت من إيراده، وأن قدره عندها لا يوازن إلا بما يقدمه للدولة من خدمات، وكان لا يؤمن بالفردية ولا يثق بالعبقرية. ولم يكن يتحلى بشيء من الجاذبية، وخفة الروح وطلاقة اللسان التي يتصف بها يونانيو أتيكا Attica. وكان إعجابه بالأخلاق الفاضلة والإرادة القوية يماثل إعجاب اليونان بالحرية والذكاء. وكان النظام مصدر تفوقه على غيره. وكان يعوزه الخيال إلى حد عجز معه عن أن ينشئ له أساطير خاصة به. وكان يحمل ببعض الجهد على أن يحب الجمال، ولكنه قلما استطاع أن يخلق هذا الجمال خلقاً. وقلما كان يجد لديه فائدة للعلوم البحتة، وكان يرتاب في الفلسفة، ويرى أنها وسيلة شيطانية للقضاء على الأخلاق والأساليب القديمة. ولم يكن في مقدوره بأية وسيلة كانت أن يفهم أفلاطون أو أركميدس أو المسيح، وكل ما كان يستطيعه أن يحكم العالم.

الحياة الدينية

الآلهة

لقد كانت الأسرة الرومانية رابطة بين الأشخاص والأشياء ، كما كانت رابطة بين الأشخاص والأشياء من جهة والآلهة من جهة أخرى. وكانت هي المركز الذي يلتف حوله الدين، والخلق، والنظام الاقتصادي، وكيان الدولة بأجمعها، كما كانت هي المنبع الذي تُستَمد منه هذه المقومات كلها. وكان كل جزء من أملاكها مهما صغر وكل مظهر من مظاهر وجودها يرتبط ارتباطاً وثيقاً جدّيّاً بالعالم الروحي؛ فكان الطفل يعلم بالقدوة الصامتة الفصيحة أن نار الموقد التي لا تخمد ليست إلا رمز الإلهة فستا Vesta ومادتها، وأنها هي الشعلة المقدسة التي ترمز إلى حياة الأسرة والى دوامها؛ ومن أجل هذا كان من أوجب الواجبات ألا تنطفئ هذه النار، وأن يُعنى بها العناية "المقدسة"، وأن تغذى بنصيب من كل وجبة.وكان الطفل يرى فوق الموقد النصمات تتوجها الأزهار وتمثل آلهة الأسرة أو أرواحها المقدسة: إللار Lra الذي يحرس حقولها ومبانيها، وسعادتها ومصيرها؛ والبينات Penates أو الآلهة الداخلية التي تحمي ما تجمع للأسرة في مخازنها وأصونتها وبيادرها؛ وكان الإله يانوس Janus يحوم حول عتبة الدار وإن كانت الأعين لا تراه، وكان ذا وجهين، وليس معنى هذا أنه كان مخادعاً بل معناه أنه كان يرقب الداخلين والخارجين من كل باب. وكان الطفل يعلم أن أباه هو الحافظ للأسرة وأنه رمز القوة الخلاقة الداخلية (genius) التي لا تفنى بفناء الجسم بل يجب أن تغذى على الدوام عند قبر الأب. وكانت الأم هي الأخرى تحمل ربّاً من الأرباب، وكان عليه أن يعاملها أيضاً معاملة الآلهة. وكان فيها يونو Juno وهو روح قدرتها على الحمل يقابل قدرة الأب على الخلق. وكان للطفل أيضاً يونوه Juno وهو ملاكه الحافظ وروحه أو النواة الإلهية في غلافه الفاني. وكن يقال له قولاً يبعث في قلبه الرهبة، إنه يحيط به من كل مكان أطياف رحيمة Di Manes هي أطياف الذكور من أسلافه التي كانت أقنعة وجوههم الرهيبة معلقة على جدران المنزل تحذره من أن يتنكب طريق هؤلاء الأسلاف، وتذكره بأن الأسرة لا تتألف فقط من أولئك الذين كانوا في الأيام الخالية أو سيكونون في الأيام المقبلة أعضاء فيها بأجسامهم، والذين يكونون لهذا السبب جزءاً من مجموعها الروحي ووحدتها الأبدية. وكانت أرواح أخرى تأتي لمعونته كلما كبر: فكوبا Cuba تحرسه وهو نائم وأبيونا Abeona تهدي خطاه، وفبيولينا Fabulina تعلمه الكلام. وإذا ما غادر المنزل وجد نفسه مرة أخرى في حضرة الآلهة أينما حل. وكانت الأرض نفسها آلهة فهي تارة تلس Tellus وتارة ترا ماتر Terra Mater أي الأرض الأم، وكانت أحياناً هي مارس Mars أي الأرض التي يطؤها بقدميه وخصبها المقدس، وأحياناً تكون هي الآلهة الصالحة Bona Dea التي تمد النساء والحقول بالأرحام الخصيبة. وكان في المزرعة إله معين لكل عمل وكل بقعة فيها، پومونا Pomona للبساتين، وفونس Faunus للماشية، وپالس Pales للمراعي، واستركيولس Sterculus لأكوام السماد، وساترن Saturn للزرع، وسيريز Ceres للحاصلات، وفـُرناكس Fornax لتحميص الذرة في التنور، وڤلكان Vulcan لإيقاد النار.

الكهنة

إستخدمت إيطاليا نظاماً من الكهنوت محكم الوضع لتضمن به معونة هؤلاء الأرباب. وكان الأب في منزله كاهناً، ولكن الصلوات العامة كان يرأسها جماعات (Collegia) من الكهنة، تملأ كل منها ما يخلو في صفوفها من الأماكن ويرأسها كلها حبر أعظم Pontifex Maximus تختاره الجمعية المئوية. ولم تكن عضوية هذه الكليات المقدسة تحتاج إلى تدريب خاص؛ بل كان في وسع كل مواطن أن ينضم إليها أو يخرج منها؛ ولم تكن تؤلف مرتبة أو طبقة منفصلة عن سائر المراتب أو الطبقات، ولم يكن لها أي سلطان سياسي عدا أن الدولة كانت تستخدمها أداة من أدواتها. وكانت تستولي على إيراد بعض أراضي الدولة لتستعين به على العيش، وكان لها عبيد يقومون على خدمتها؛ وقد أصبحت بتوالي الأجيال عظيمة الثراء بما كان يحسبها عليها أتقياء الناس من الأموال. وكانت الكلية الدينية الكبرى في القرن الثالث قبل المسيح تضم تسعة من الأعضاء، يحتفظون بالحوليات التاريخية، ويسجلون القوانين، ويقرءون الغيب، ويقربون القرابين، ويطهرون روما مرة في كل خمس سنوات. وكان يساعد هؤلاء الأحباء في القيام بالمراسم الرسمية خمسة عشر كاهناً آخر يسمون فلميني flamine- أي موقدي نيران الأضاحي. وكان ثمة طوائف من الأحباء أقل من هؤلاء شأناً يؤدون واجبات خاصة: فالساليون Salii أو القافزون كانوا يستقبلون العام الجديد بنوع من الرقص المقدس للمريخ، والفتيالي fetiales يصدقون على عقد الصلح، وإعلان الحرب، واللوبرسي Luperci أو إخوان الذئاب يقومون بطقوس لوبركاليا Lupercalia العجيبة. وكانت طائفة العذارى الفستية Vestal Virgins تعني بموقد الدولة وترشه في كل يوم بالماء المقدس تأخذه من عين الحورية المقدسة إجيريا Egeria؛ وكان هؤلاء الراهبات ذوات الثياب البيض والخُمرُ البيض يُخترن من بين الفتيات اللاتي تتراوح سنهن بين السادسة والعاشرة، وكن يقسمن بأن يظللن عذارى في خدمة الإلهة فستا ثلاثين سنة، وينلن في نظير هذا ضروباً من الامتيازات والتكريم وإذا اقترفت إحداهن جريمة العلاقات الجنسية ضربت بالعصى ودفنت وهي على قيد الحياة، وقد سجل المؤرخون الرومان اثنتي عشرة جريمة من هذا النوع، فإذا قضين الثلاثين عاماً كان لهن أن يتركن خدمة الإلهة ويتزوجن، ولكن قل منهن من كانت تتاح لها هذه الفرصة أو تغتنمها إذا أتيحت لها.

الأعياد

إذا كانت العبادات الرسمية مكتئبة صارمة فإن ما كان فيها من أعياد قد عوضها عن هذه الصرامة وصَوَّر الناس والآلهة في صورة أبهى وأجمل منظراً. فقد كانت السنة تزدان بأكثر من مائة يوم مقدس (feriae) من بينها اليوم الأول من كل شهر، وقد شمل أحياناً اليومين التاسع والخامس عشر. وخصصت بعض هذه الأعياد لتقديس الموتى وأرواح العالم السفلي؛ وكان يقصد بالأعياد وما يقام فيها من احتفالات استرضاء الموتى وإقصاء غضبهم؛ فكانت الأسر الرومانية تحتفل في الأيام ما بين 11،13 من شهر مايو احتفالاً رهيباً بعيد الأرواح الميتة Lemures؛ فكان الأب في هذا العيد يبصق من فمه فولاً أسود وهو ينادي: "بهذا الفول أنجي نفسي وأبنائي.. أذهبي يا أطياف أسلافي!" ولم تكن أعياد البارنتاليا Parentalia والفراليا Feralia التي تقام في شهر فبراير إلا محاولات أخرى من هذا النوع لاسترضاء الأموات المخيفين؛ لكن معظم الأعياد كانت مناسبات للمرح وملء البطون؛ وكثيراً ما كان العامة يتخذونها فرصاً لإباحة الجنسية؛ وشاهد ذلك ما يقوله أحد الأشخاص في مسرحية هزلية لبلويس: "في وسعك أن تأكل ما تشاء، وتذهب حيث تشاء، وتحب من تشاء، على شريطة أن تمتنع عن الاتصال بالأزواج والأرامل والعذارى، والغلمان الأحرار(20)" ويلوح أنه كان يحس بأن ثمة بعد هذا مجالاً واسعاً للاختيار. وكانوا يحتفلون في اليوم الخامس عشر من شهر فبراير بعيد عجيب هو عيد لوبركاليا المخصص للإله فونس Faunus الحامي من الذئاب Iupercus، وكان يضحي في هذا العيد بالمعز والضأن، وكان اللوبرسي Iuperci-وهم كهنته لا يلبسون على أجسادهم إلا مناطق من جلد المعز- يهرولون حول البلاتين Palatine يدعون الإله فونا أن يبعد عنهم الأرواح الشريرة، ويضربون وهم يهرولون من يلقون من النساء بسياط من جلود الحيوانات المضحي بها ليطهرونهن ويزيدوا في قدرتهن على إنجاب الأبناء، ثم يلقون بعد هذا دمى من القش في نهر التيبر لاسترضاء إله النهر أو ختله، ولعل هذا الإله في الأيام التي كانت أكثر من ذلك الوقت همجية كان يتطلب أن تلقى فيه ضحايا بشرية. وفي اليوم الخامس عشر من شهر مارس كان الفقراء يخرجون من أكواخهم، ويفعلون ما كان يفعله اليهود في عيد المظلات، فيقيمون لهم خياماً في حقل المريخ، ويحتفلون بالسنة الجديدة، ويدعون الإلهة أنابريا AnnaPerenna (حلقة السنين) أن تهبهم سنين بعدد ما يحتسون من أكواب الخمر. وكان في شهر إبريل وحده ستة أعياد آخرها كلها عيد فلوراليا Floralia. وكان هذا العيد وهو عيد فلورا Flora إلهة الأزهار والينابيع يدوم ستة أيام كلها مرح وسكر وعربدة. وفي اليوم الأول من شهر مايو كان يحتفل بعيد الإلهة الصالحة Bona Dea، وفي التاسع والحادي عشر والثالث عشر من هذا الشهر يحتفل باللبراليا Liberalia عيد ليبر Liber وليبرا Libera إله العنب وإلهته؛ وكان جماعات من الرجال والنساء في ذلك اليوم يمجدون جهرة عضو التذكير في الرجال وهو رمز الإخصاب. وفي آخر شهر مايو كان الإخوان الأرفال Arval يقودون الناس في مواكب عيد الأمبرفاليا Ambarvalia وهو عيد رهيب وإن لم يكن يخلو من المرح. ثم تهمل الأرباب فلا تقام لها أعياد في أشهر الخريف بعد أن تكون المحصولات قد أدخلت في المخازن، حتى يقبل شهر ديسمبر فيزدحم بالأعياد مرة أخرى. فكان عيد السترناليا Saturnalia يدوم من اليوم السابع عشر إلى اليوم الثالث والعشرين من ذلك الشهر، وكانوا يحتفلون فيه ببذر بذور العام المقبل ويحيون ذكرى حكم زُحَل Saturn الذي لم يكن الناس ينقسمون فيه طبقات، والذي يتبادلون فيه الهدايا، ويتحررون من كثير من القيود، ويلغى فيه أو يعكس إلى حين ما بين الأحرار والعبيد من فروق، فكان في مقدور العبيد أن يجلسوا بجوار سادتهم، ويصدروا إليهم الأوامر، ويتهكموا عليهم، وكان السادة يقفون على الموائد لخدمة العبيد، ولا يأكلون حتى تمتلئ بطونهم بالطعام(24). وكانت هذه الأعياد زراعية النشأة ولكنها مع ذلك ظلت منتشرة بين أهل المدن، وبقيت رغم ما طرأ على العقائد من تقلبات حتى القرنين الرابع والخامس بعد الميلاد. وقد بلغت من الكثرة والاضطراب حداً جعل من أول واجبات التقويم الروماني إحصاءها وترتيبها لإرشاد الشعب. وكان من عادة الإيطاليين في عهدهم الأول أن يدعو الكاهن الأكبر المواطنين في أول يوم من كل شهر ويذكر لهم ما فيه من الأعياد التي يجب عليهم أن يحتفلوا بها في الثلاثين يوماً؛ وقد اشتق من هذه الدعوة (Calatis) اسم Calendae الذي سمي به اليوم الأول من كل شهر. وكان معنى التقويم عند الرومان- وهو معنى لا يزال يحتفظ به إلى حد ما عند الكالثوليك المسيحيين وعند اليهود المتدينين- ثبتاً كهنوتياً لأيام الأعياد وأعمال العمل، يتخلله قليل من المعلومات المقدسة القانونية، والتاريخية والفلكية. وتقول الروايات المأثورة إن نوما Numa ثاني ملوك روما هو واضع التقويم الذي ظل يضبط التواريخ والحياة الرومانية إلى أيام يوليوس قيصر. وكانت السنة حسب هذا التقويم تنقسم إلى اثنى عشر شهراً قمرياً، تضاف إليها عدة أيام وأجزاء من أيام بنظام معقد يجعل متوسط مجموعها 366 يوماً. ثم خوّل للأخبار في عام 191م أن يعالجوا الأخطاء المتزايدة بإعادة النظر في هذه الإضافات، ولكنهم استخدموا السلطة التي منحت لهم لإطالة حكم من يرضون عنه من الحكام، وتقصير حكم من لا يرضون عنه منهم، ومن أجل هذا فإنه لم يكد ينتهي عهد الجمهورية حتى كان التقويم، وقد تجمع فيه من الأخطاء ما يبلغ ثلاثة أشهر، مثالاً للفوضى ووسيلة إلى التلاعب والخداع. أما ساعات النهار فكانت في الأيام الأولى لا تقدر بغير ارتفاع الشمس في السماء، وظل هذا هو النظام المتبع حتى جئ في عام 263 ق.م بمزولة شمسية من قطانا Catana في صقلية ووضعت في السوق العامة. ولكن هذه المزولة لم تكن تبين الوقت على حقيقته لأن قطانا كانت على بعد أربع درجات جنوبي روما؛ وقد ظل الكهنة مائة عام عاجزين عن أن يضبطوا عن أن يضبطوا هذه المزولة حتى تبين الوقت الحقيقي في عاصمة البلاد. وفي عام 158 أقام سبيو ناسيكا Scipio Nasica ساعة شمسية عامة. وكان الشهر يقسم إلى ثلاث فترات يفصلها بعضها عن بعض اليوم الأول، واليوم الخامس أو السابع واليوم الثالث عشر أو الخامس عشر. ويسمى اليوم الأول الكالند kalend والخامس أو السابع النون none والثالث عشر أو الخامس عشر الأيد ide. وكانت الأيام تسمى بطريقة سمجة عجيبة أساسها البعد عن هذه الأيام المحَّددة لأقسام الشهر. مثال ذلك أن اليوم الثاني عشر من شهر مارس كان يسمى "اليوم الثالث قبل أيِد مارس". وكان "الأسبوع" عندهم يتكون من تسعة أيام أو نحوها وينتهي بيوم النندني nundinae أو اليوم التاسع، وهو اليوم الذي يذهب فيه القرويون إلى أسواق المدن. وكانت السنة تبدأ بابتداء فصل الربيع، ويسمى الشهر الأول مارتيوس Martius باسم إله البذر، ثم يليه أبريلس Aprilis أي شهر النَّبت، ثم مايوس Maius أي شهر مايا Maia أو لعله شهر الوفرة، ويونيوس Junius شهر يونو Juno، أو لعله شهر النجاح، ثم كونكتلس Quinctilis، فسكستلس Sextilis، فسبتمبر فأكتوبر فنوفمبر فديسمبر. وقد سميت بترتيبها العددي في السنة؛ ثم يليها يناير January ليانوس Janus وفبراير لفبروا Februa أو الأشياء السحرية التي يطهر بها الإنسان. وكانت السنة نفسها تسمى أنس Annus أي الحلقة كأنهم يريدون أن يقولوا إنه لا توجد للزمن في واقع الأمر بداية ولا نهاية.

الدين وأثره في الأخلاق

ترى هل أعلن هذا الدين على تقويم الأخلاق؟ لقد كان من بعض النواحي مبعث الفساد الخلقي. فاهتمامه بالطقوس والمراسم يوحي بأن الآلهة لا تجزي الشخص لصلاحه بل لما يقدمه لها من الهدايا وما يتلوه من الصيغ، وكانت الأدعية والصلوات يطلب بها على الدوام النفع المادي أو النصر الحربي.وكان ما يقام من الحفلات يمثل حياة الإنسان وتربة الأرض في صورة المسرحية، ولكن هذه الاحتفالات كثرت وزاد عددها كأن هذه الأعياد، لا صلة الجزء بالكل وإخلاصه له، هي أساس الدين وجوهره. وكانت الآلهة، عدا قلة صغيرة منها، أرواحاً رهيبة مجردة من النبل والأخلاق الفاضلة. لكن الدين القديم مع هذا كله كان يدعو إلى فضائل الأخلاق، والى النظام والقوة في الفرد والأسرة والدولة. وكان هذا الدين يصوغ أخلاق الطفل، قبل أن يتسرب إليه الشك، ويعوده التأدب وأداء الواجب ولطف المعاشرة. كذلك كان يجعل للأسرة حقوقاً وضمانات ومعونة مقدسة: فكان يغرس في قلوب الآباء والأبناء أقصى درجات الاحترام المتبادل والتقوى، ويجعل للمولد والوفاة كرامة ومعنى قدسياً خاصاً، ويدعو إلى الوفاء بيمين الزواج ويشجع على التناسل إذ يجعل الأبوة شرطاً أساسياً لطمأنينة روح الميت وتمتعها بالهدوء والسلام. يضاف إلى هذا أن الدين، بما كان يفرضه من المراسم والحفلات قبل كل حملة ومعركة حربية، يرفع قوة الجندي المعنوية، ويحمله على الاعتقاد بأن القوى الروحية تحارب إلى جانبه، وأنه كان يثبت القانون ويزيده قوة بما يعزو إليه من أصل سماوي وصورة دينية، وبقوله إن الجرائم تخل بنظام السماوات وبسلمها وبوضع سلطان جوف وراء كل قَسَم. وكان الدين يخلع على كل ناحية من نواحي الحياة العامة جلالاً دينياً، ويحتم أن يسبق كل عمل من أعمال الحكومة طقوس وصلوات، ويربط الدولة والآلهة برباط متين، وحد بين التقوى والوطنية، وسما بحب الوطن فجعله عاطفة أقوى مما كان في أي مجتمع آخر يعرفه التاريخ. وبهذا كله كان الدين يشترك مع الأسرة في شرف تكوين ذلك الخلق الحديدي الذي كان هو السر في سيادة روما على العالم، وفي تحمل تبعة هذا التكوين.

الآداب

لم تكن الأسرة والدين والقانون الأخلاقي وحدها هي التي تكون أخلاق الروماني، بل إن المدرسة والآداب كان لها هي الأخرى شأن في تكوين خلقه وإن يكن أقل من شأن العوامل الثلاثة الأولى. ويقول افلوطرخس إن أول مدرسة رومانية أنشئت في عام 250 ق.م(38)، ولكن ليفي في وصف فرجنيا Viirgtnia محبوبة أحد الحكام العشرة، ولعل لخياله الخصب شأن في هذا الوصف، إنها "كانت تذهب إلى مدرسة في السوق العامة" في تاريخ مبكر جداً وهو عام 450 ق.م. وإن مطالبة الشعب بتدوين القوانين، ونشر الألواح الأثني عشر، ليوحي بأن كثرة المواطنين في روما كانت في تلك الأيام تعرف القراءة والكتابة. وكان المدرس في العادة من العبيد أم من العبيد المحورين تستخدمه عدة أسر لتعليم أبنائها، أو ينشئ هو لنفسه مدرسة خاصة يقبل فيها من يتقدم إليه. ويعلم فيها القراءة والكتابة والنحو والحساب والتاريخ والطاعة. وكانت التربية الخلقية مادة أساسية فيها تعلم على الدوام، وكان يعنى بالنظام والتأديب أعظم عناية. وكان في حفظ الألواح الاثنى عشر عن ظهر قلب تدريب للذاكرة وتقويم للأخلاق جميعاً.ومن أقوال هين Heine في وصف الصعوبة التي يلقاها من يريد تعلم اللغة اللاتينية إنه "لو اضطر الرومان لتعلم اللغة اللاتينية لما وجدوا لديهم من الوقت ما يسمح لهم بفتح العالم(40)". ولكن الرومان أيضاً قد اضطروا إلى دراسة تصريف الأفعال اللاتينية الشاذة، ولم يلبثوا أن اضطروا إلى دراسة اللغة اليونانية.

وكان الطالب اليوناني يدرس سير أبطال الرومان وما قامت به بلاده من جلائل الأعمال بدراسة آثار كتابها وشعرائها، وكان يتلقى دروساً في الوطنية بدراسة حوادث لم تحدث قط. ولم يكن الرومان يعنون بالألعاب الرياضية لأنهم كانوا يفضلون أن يقووا أجسامهم ويتعودوا تحمل المشاق بالقيام بالأعمال المجهدة النافعة في الحقول والمعسكرات، لا بالمباريات في المجتلدات والملاعب الرياضية. وكانت اللغة- كما كان الشعب- اقتصادية عملية محددة المعاني، مختصرة، جملها الأصلية والتبعية منظمة تنظيماً يوصل إلى هدف محدد. وثمة آلاف من الروابط بينها وبين اللغتين السنسكريتية واليونانية واللغات الكلتية التي كان ينطق بها الغاليون الأقدمون وسكان ويلو وأيرلندة؛ وهذه اللغات كلها من أسرة اللغات الهندوربية. وكانت اللغة اللاتينية أضيق من اللغة اليونانية خيالاً، وأقل منها مرونة واستعداداً لتكوين الكلمات المركبة؛ وكان لكريشيوس وشيشرون يشكوان من قلة مفرداتها، ومن عجزها عن بيان الفروق الدقيقة في المعنى الواحد. لكنها مع ذلك كانت ذات نغمة طنانة فخمة وقوة أضحت بفضلهما من أصلح اللغات للخطابة؛ كما أن أسلوبها الجزل الموجز، وعبارتها المنطقية، قد جهلاها صالحة لتدوين القانون الروماني. وقد انتقلت الحروف الهجائية اللاتينية إلى روما من جزيرة خلقيس العوبية Euobean Chalcis عن طريق كومية وإتروريا(41). ومن أجل هذا نرى الحروف اللاتينية كلها يونانية الشكل في أقدم نقش لاتيني معروف يعزى إلى القرن السادس قبل الميلاد، وكان حرف C في اللاتينية القديمة ينطق كافاً مثل حرف K في الإنجليزية كما كان حرفا U,V ينطقان مثل W,U ؛ أما الحروف الدالة على الحركات فكانت شبيهة بمثلها في اللغة الإيطالية الحديثة. وكان معاصرو قيصر ينطقون اسمه قيصر Yooleous Keyssar كما كان اسم شيشرون Cicero ينطق به كيكرو Keekero.

وكان الرومان يكتبون بالحبر ببراعة معدنية مشقوقة (calamus, stilus) على أوراق الأشجار في بادئ الأمر (folia)، ومن ثم كانت الكلمتان الإنجليزيتان Leaf, folio (ومعناهما صفحتان)؛ ثم كتبوا فيما بعد على باطن لحاء الشجر(liber)؛ وكثيراً ما كانوا يكتبون على ألواح بيضاء من الخشب المطلي بالشمع (Album)، وكتبوا بعد ذلك على الجلد المدبوغ، وعلى الورق. وإذ كانت لغة الكتابة اللاتينية أشد مقاومة للتغير من لغة الكلام، فإن لغة الأدب أخذت تختلف شيئاً فشيئاً عن اللغة التي كان يتكلمها الشعب، كما يحدث الآن في أمريكا وفي فرنسا. ولذلك نشأت اللغات الرومانسية الرخيمة: الإيطالية والأسبانية والبرتغالية، والفرنسية، ولغو رومانيا، نشأت هذه اللغات من اللغة اللاتينية الخشنة غير المهذبة التي جاء بها إلى هذه الأقاليم الجنود والتجار، والأفاقون المغامرون، ولم تنشأ من اللغة التي جاء بها الشعراء والنحويون. ولهذا اشتقت الكلمات التي معناها حصان في اللغات الرومانسية- Caballocal، Cavallo، Cheval- من اللفظ اللاتيني العامي Caballus لا من اللفظ الفصيح equis. وكان لفظ ille في اللغة اللاتينية العامية ومكوناً من مقطع واحد كلفظ il في اللغتين الفرنسية والإيطالية، وكان حرف S وحرف M يُحذفان أو لا ينطق بهما إذا كانا في آخر الكلمات كما هي الحال في هاتين اللغتين. وعلى هذا فقد جاءت خير اللغات من نسخ أسوئها: Corruptio pesimi optima. ترى ما هو الأدب الذي كان يقرؤه الشاب الروماني في هذه الثلاثة قرون الأولى من عهد الجمهورية؟ لقد كان في وسعه أن يقرأ ترانيم وأغاني دينية كأغنية إخوان أرفال The Arval Brethren، وكان لديه أيضاً قصائد شعبية تقص ماضي روما التاريخي أو الأسطوري. وكان في ذلك العهد سجلات رسمية -معظمها ما كتبه الكهنة- للانتخابات، والمناصب الكبرى، والحوادث الشهيرة، وعلامات التشاؤم والتفاؤل، وأيام الأعياد . وقد اعتمد ك. فابيوس بكتور Q. Fabiue Pictor على هذه السجلات في كتابة تأريخ لروما خليق بالاعتبار، وإن كان ما كتبه باللغة اليونانية؛ ذلك بأن اللغة اللاتينية لم تكن تعد في ذلك الوقت صالحة لأن يكتب بها النثر الأدبي، ولم يكن يكتب بها المؤرخون حتى زمن كاتو. لقد كان هناك خليط من النثر يسمى ساتوري Sature، وهو خليط من الكلام المطرب الأجوف والغزل الهزلي -صاغ منه لوسلس Lucillus فيما بعد صورة جديدة كتب بها هوراس Horace وجوفنال Juvenal. وكان لديهم مجون هزلي فاحش أو تقليد صامت يقوم له في العادة ممثلون من إتروريا. وقد أطلق لفظ استريوني Istiriones على بعض هؤلاء الممثلين القادمين من مدينة استريا Istria ومن هذا الاسم اشتق لفظ Histrio (ممثل) اللاتيني ومشتقاته في اللغة الحديثة. كذلك كانت تمثل في أيام الأسواق والأعياد مسرحيات هزلية فجة شبه مرتجلة، أخذت عنها كثير من المسرحيات الهزلية الإيطالية القديمة والحديثة آلافاً من شخصياتها: كالأب الغني الأبله، والشاب المتلاف صريع الحب، والعذراء المفترى عليها، والخادم الدساس الماهر، والنهم الدائب السعي إلى وجبة، والمهرج المرح الصخاب. وفي ذلك العهد البعيد كان المهرج يتباهى برقع ثيابه الزاهية الألوان، وبسراويله الطويلة المنتفخة، وبصديريته الواسعة الأكمام، وبرأسه الحليق، وهي الصورة التي لا نزال نذكرها من أيام شبابنا. ولقد وجدت على مظلمات خرائب بمبي صورة لا تفرق في شيء عن صورة "القرقوز" المعروفة. وكان أول دخول الأدب في روما على يد عبد يوناني في عام 272 ق.م. ففي ذلك الوقت سقطت تارنتم في يد الرومان، وذبح الكثير من أهلها اليونان، ولكن ليفيوس أندرينيكوس Levius Andrenicus أسعده الحظ بأن نجا من القتل وصار في عداد العبيد، ثم جيء به إلى روما فأخذ يعلم أبناء سيده وغيرهم من الأطفال اللغتين اللاتينية واليونانية، وترجم لهم الأوديسة بالشعر اللاتيني الساتورني Saturnian وهو عبارة عن أبيات ذات أوزان مفككة غير منتظمة تقاس أوتادها بالنبرات لا بالطول. ثم تحرر من الأسر جزاءً له على جهوده وعهد إليه إيديل بكتابة مأساة ومسلاة تمثلان في ألعاب (Ludi) سنة 240 ق.م. فكتب المسرحيتين على النمط اليوناني، وأرشد ممثليهما، ومثل هو الأجزاء الهامة فيهما، وغنى ما فيهما من الأناشيد على نغمة مزمار حتى بح صوته. ثم جاء بشخص آخر يغني الأبيات وهو يمثل - وهي طريقة اتبعت في مسرحيات كثيرة بعدهما مثلت في روما، وكان لها أثر كبير في نشأة المسرحية الصامتة المضحكة. وسرّت الحكومة أيما سرور من دخول المسرحية الأدبية في روما فكرمت أندرمكس، بأن أباحت للشعراء أن يؤلفوا اتحاداً لهم، وأن يعقدوا اجتماعاتهم في هيكل منيرفا على الأفنتين. ومن ذلك الحين جرت العادة بتمثيل مسرحيات ذات مناظر في الأعياد العامة. وبعد خمس سنين من هذه البداية التاريخية جاء جندي قديم من عامة الشعب ومن أهل كمبانيا يدعى كنيس نيفيوس Cnaeus Naevius فأثار غضب الأهلين المحافظين على تقاليدهم القديمة بتمثيل مسلاة سخر فيها من المفاسد السياسية التي كانت متفشية في العاصمة في أيامه، سخرية لا تقل في صراحتها عن سخرية أرسطوفان Aristophanes. وشكت الأسر الكبيرة من هذه السخرية، فزجّ نيفيوس في السجن ثم اعتذر عن عمله هذا وأطلق سراحه، ولكنه عاد فألّف مسرحية أخرى لا تقل في سخريتها اللاذعة عن مسرحيته الأولى، أخرج على أثرها من روما. وكتب في منفاه وهو شيخ طاعن في السن ملحمة شعرية في الحرب اليونانية الثانية التي خاض هو نفسه غمارها، تفيض وطنية وحماسة. وتبدأ هذه الملحمة بذكرى تأسيس روما على أيدي اللاجئين الطرواديين، وقد استمد منها فرجيل موضوع ملحمته وكثيراً من مناظرها. وخليق بنا أن نقول إن الحكم الذي صدر بنفيه كان مأساة مزدوجة؛ ذلك أن الملهاة الرومانية قد فتّ في عضدها عنت الرقابة التي كانت تعد السب جريمة يعاقب عليها بالإعدام، وإن السياسة الرومانية قد فقدت فيه ناقداً عاماً جريئاً كان في وسعه أن يطهرها من مفاسدها. وكتب نيفيوس أيضاً مسرحية شعرية تعتمد على تأريخ روما. ووقفت هذه التجربة هي الأخرى عنده، وظلت المآسي الرومانية بعد أيامه محصورة كلها في دائرة الأساطير اليونانية التي نضب معينها ولم تجد منها مخرجاً إلى غيرها من الموضوعات. ولم يبقَ مما كتبه نيفيوس إلا قطع قليلة متفرقة تشهد ببراعته، ومنها قطعة تصف فتاة لعوباً يقول فيها: "إنها تنتقل من شخص إلى شخص تنقل من يلعب كرة في حلقة، وهي كل شيء لكل رجل، تلقاهم بألفاظها، وغمزات عينها، ودلالها، وعناقها. هذا تضغط عليه بيدها، وذاك بقدمها، وثالث تريه خاتمها، ورابع ترسل له قبلة حارة مغرية من شفتيها، وهنا أغنية، وهناك لغة الإشارات" (44). وخليق بنا أن نقول إن النساء لم يكنّ في ذلك الوقت أقل جمالاً وسحراً مما هنّ الآن، وإن الرومان لم يكونوا كلهم متزمتين كما كان "كاتو"، وإن الفضيلة كانت تتنحى عن مكانها في ظلال أبواب الهياكل نفسها. ولم يكن للعلوم شأن في تربية المواطن الروماني أو ثقافته إذا استثنينا قواعد الحساب الأساسية، وما يكفي من الهندسة لتخطيط مزرعة أو معبد. وكان الأولاد يعدون على أصابعهم (digita)، ولم تكن الأرقام التي يستخدمونها في العد والحساب إلا صورة للإصبع ممتدة (I)، ولليد (V)، أو اليدين متصلتين عن الرسغ (X)، وكانوا يكتفون في تكوين الأعداد الأخرى بتكرار هذه الرموز (III, II) وبإضافة أرقام قبل V، X أو بعدهما للدلالة على ما هو أقل منهما في الحالة الأولى أو أكثر منهما في الحالة الثانية. ومن هذا الحساب "اليدوي"، وضع النظام العشري القائم على أجزاء العشرة ومضاعفاتها، أي الأصابع العشر.

وأجاد الرومان في استخدام الهندسة في أعمال البناء وغيرها من الأعمال الهندسية، ولكنهم لم يضيفوا نظرية واحدة جديدة إلى النظريات التي ابتكرها العقل اليوناني، ولسنا نسمع شيئاً عن الفلك الروماني في هذا العهد إلا ما يتصل منه بالتقويم المليء بالأخطاء، وبالتنجيم شقيق الفلك وحده.

أما الطب فقد ظل معظمه حتى القرن الثالث مقصوراً على استخدام الأعشاب والسحر والصلوات في البيوت، وكان الاعتقاد السائد أن الآلهة وحدها هي القادرة على شفاء المرضى، وكانوا يبتهلون في كل داء إلى إله خاص، كما نلجأ نحن إلى الطبيب الإحصائي، لكي يضمنوا لأنفسهم الشفاء من هذا المرض (45)، فبعوض المناقع الرومانية كان يلجأ في اتقاء أذاه إلى الإلهتين فبريس Febris ومفتيتس Mephtitis، كما ظل الرومان إلى القرن العشرين بعد الميلاد يلتمسون الشفاء من الحمى من "سيدة الحميات" La Madonna della Febbre (46). وكانت الأضرحة الشافية والمياه المقدسة شائعة شيوعها في هذه الأيام. وكان هيكل اسيولابيوس Aesculapius مركزاً كبيراً للعلاج الديني يعتمد فيه على التغذية المناسبة، والدعوات الصالحات، والمراسم الدينية المهدئة للأعصاب، ومعونة الأطباء المجبرين العمليين، ولطف مهرة الممرضين- يعتمد فيه على هذه العوامل كلها لإعادة الثقة إلى نفس المريض ولشفائه من مرضه شفاء يظنون أنه إنما جاء عن طريق المعجزات(47). على أنه كان في روما إلى جانب هذه الوسائل أطباء حقيقيون ودجالون من العبيد قبل المسيح بخمسمائة عام؛ وكان بعضهم يمارسون طب الأسنان لأن الألواح الاثنى عشر كانت تحرّم دفن الذهب مع الموتى إلا إذا كان مستخدماً في تغطية الأسنان(48). ونسمع في عام 219 ق.م عن أول طبيب من الأحرار في روما، وهو أرشجاتوس البلوبونيزي Archagathus Le Peloponnes. وقد أعجب الأشراف بجراحاته إعجاباً حمل مجلس الشيوخ على أن يطلب له مسكناً رسمياً ويمنحه حرية المدينة. وكان "شغفه الشديد الذي يبلغ حد الهوس بالتقطيع والتحريق" سبباً في تلقيبه فيما بعد بالجزار Carnifex(49). وأخذ الأطباء اليونان من ذلك الوقت يهرعون إلى روما حتى أصبحت صناعة الطب في تلك البلاد وقفاً على اليونان.

الزراعة

قلما كان الرومان في تلك العصور يحتاج إلى الطب، لأن حياته النشيطة في الزراعة والجندية تكسبه صحة وقوة. وكان يجدُّ في فلح الأرض كما يجد اليوناني في خوض عباب البحر؛ وكانت الزراعة أساس حياته، يقيم المدن لتكون مجتمعاً للزراع يتبادلون فيها محصولات أرضهم، وينظم جيوشه ودولته على أساس استعداده للدفاع عن أملاكه وتوسيع رقعتها، ويفكر في آلهته على أنها أرواح الأرض الحية والسماء المغذية. ونجد الملكية الفردية قائمة في روما من أقدم العصور المعروفة ؛ على أن بعض الراضي كانت تعد من الأملاك العامة ager publicus التي تستولي عليها الدولة عن طريق الفتح وتحتفظ لنفسها بملكيتها. وكانت أسرة الزراع في عهد الجمهورية الباكر تمتلك فدانين أو ثلاثة أفدنة، يشتغل فيها جميع أفرادها وعبدها إن كان لها عبد، وتعيش عيشة متقشفة على ما تنتجه من الغلات. وكانوا يفترشون القش ، ويصحون من نومهم مبكرين، ويخرجون إلى عملهم ونصف جسمهم العلوي عار من الملابس، ليحرثوا الأرض ويمهدوها خلف ثيران تسمدها بفضلاتها، وتتخذ لحومها قرابين دينية وطعاماً في الأعياد والولائم. وكانت فضلات الآنية تتخذ هي الأخرى سماداً، ولكن المخصبات الكيمائية كانت نادرة في إيطاليا قبل عهد الإمبراطورية. وقد استورد في ذلك العهد كتباً في الزراعة العملية من بلاد اليونان ومن قرطاجنة. وكانت الأرض تزرع حباً ثم خضراً، ثم تترك من حين إلى حين لتكون مراعي حتى لا يستنفد خصبها. وكانت الفاكهة والخضر موفورة، وكانت بعد البقول أهم غذاء للأهلين، وكان الثوم من أحب المشهيات، وقد بلغ من شأن الزراعة عندهم أن بعض أسر الأشراف قد اشتقت أسماؤها من الخضر التي تعنى بزراعتها. ومن أمثلة ذلك أسر Lentuli, Fabii,Caepiones، وهي مشتقة من ألفاظ معناها العدس، والبصل، والفول أو الحمص. ثم طغت زراعة التين والزيتون والكروم شيئاً فشيئاً على زراعة الحبوب والخضر، واستبدل زيت الزيتون بالزبد في الطعام، وبالصابون في الاستحمام، واستخدم للإضاءة في المشاعل والمصابيح، كما كان العنصر الأساسي في أدهان الشعر والجلد التي كانت رياح البحر الأبيض المتوسط الجافة وشمسه المحرقة في فصل الصيف تحتم عليهم استعمالها. وكان الضأن أهم قطعانهم لأن الإيطاليين كانوا يفضلون نسيج الصوف على غيره من المنسوجات. وكانت الخنازير والدجاج تربى في ساحة المزرعة، وكان لكل أسرة تقريباً حديقة للأزهار. ثم غيرت الحروب هذه الصورة القروية وما فيها من كدح، ذلك أن كثيرين من الزراع الذين استبدلوا السيف بالمحراث قد غلبوا على أمرهم في ميدان القتال أو اجتذبتهم حياة المدن فلم يعودوا قط إلى حقولهم؛ وكثيرون غيرهم وجدوا أن أرضهم أتلفها الإهمال، أو الجيوش، فلم يجدوا لديهم من الشجاعة ما يحملهم على أن يبدءوا العمل فيها من جديد؛ ومنهم من قصمت ظهورهم الديون الباهظة؛ فاضطر هؤلاء كلهم إلى أن يبيعوا أرضهم بأثمان زهيدة إلى الأشراف أو الممولين الزراع؛ وضم هؤلاء المزارع الصغيرة بعضها إلى بعض وكونوا منها ضياعاً واسعة كبيرة Latifundia، واستبدلوا بزراعة الحبوب في هذه الضياع مراعي للضأن والماشية، وبساتين وكروماً، وحشدوا فيها عبيداً من أسرى الحروب يعملون فيها على أعين مشرفين، كانوا هم أيضاً عبيداً في أغلب الأحيان. وكان الملاك يأتون إلى هذه الضياع بين الفنية والفنية ليلقوا نظرة على أملاكهم؛ ولم يكونوا هم أنفسهم يقومون فيها بعمل من الأعمال، بل كانوا يعيشون عيشة الملاك الغائبين عن أملاكهم في منازل ذات حدائق في الريف، أو في قصور في روما. وقد بدأ هذا الاتجاه الجديد قبل القرن الرابع، حتى إذا حل القرن الثالث قبل الميلاد نشأت في الريف طائفة من المستأجرين الذين أثقلتهم الديون، وفي العاصمة طائفة من الصعاليك الذين لا ملك لهم، وانتشرت بينهم التذمر والغضب من وضعهم. وما لبث هذان التذمر والغضب أن قضيا على الجمهورية التي أقامها كدح الفلاحين.

الصناعة

لم تكن أرض إيطاليا غنية بمعادنها- وكان لفقرها في هذه المعادن أكبر الأثر في تاريخ إيطاليا الاقتصادي والسياسي؛ فلم يكن في البلاد ذهب قط، وكانت الفضة جد نادرة، وكان فيها قدر لا بأس به من الحديد، كما كان بها بعض النحاس، والرصاص، والقصدير، والخارصين، بكميات قليلة لا تكفي لقيام الصناعات. وكانت جميع المناجم في الإمبراطورية كلها ملكاً للدولة، ولكنها كانت تؤجرها للأفراد يستغلونها استغلالاً مجزياً على أيدي آلاف من العبيد. ولم تتقدم صناعة التعدين أو الفنون الصناعية في البلاد إلا قليلاً؛ ولكن البرنز في ذلك العهد كان لا يزال أكثر استعمالاً من الحديد؛ ولم تكن الآلات الرافعة والدلاء ذات السلاسل التي أقامها أرخميدس Archimedes وغيره من العلماء في صقلية ومصر تستخدم إلا في خير المناجم الإيطالية وأحدثها. وكان الخشب أهم أنواع الوقود تقطع له الأشجار كما تقطع أيضاً لاستخدامها في بناء البيوت وصنع السفن والأثاث؛ ومن أجل هذا أخذت الغابات تتناقص مساحتها وتنعدم شيئاً فشيئاً من سفوح الجبال، حتى وصل التقطيع إلى الحد الأعلى الذي لا تنمو فوقه الأشجار. وكانت أروج الصناعات وأكثرها ازدهاراً صناعة الأسلحة والعدد في كمبانيا. ولم يوضح قط نظام للمصانع إذا استثنينا مصانع الأسلحة والفخار، ولم يكن الفخرانيون يصنعون الصحاف وحدها بل كانوا يصنعون معها الآجر، والقرميد، والأنابيب، والقنوات التي تجر الماء إلى البيوت. وكانوا في أريتيوم وغيرها يقلدون النماذج اليونانية ويتعلمون صناعة الآنية الفنية. ولم يحل القرن السادس قبل الميلاد حتى كانت صناعة النسيج قد تخطت المرحلة المنزلية في نقش التيل والصوف وإعدادها وصبغهما، وذلك على الرغم من أن صناعة الغزل كان يقوم بها النبات والأزواج والعبيد. أما النساجون الأحرار وغير الأحرار فقد جمعوا في مصانع صغيرة لا تنتج للأسواق المحلية وحدها بل تنتج كذلك ما يلزم منها لتجارة القصدير.

الطرق الرومانية

أما الإنتاج الصناعي للاستهلاك غير المحلي فقد كانت تعطله صعاب النقل. ذلك أن الطرق كانت رديئة والقناطر غير مأمونة، والعربات التي تجرها الثيران بطيئة، والنزل في الطرق نادرة، وكان اللصوص كثيرون، ومن ثم اتجهت حركة النقل إلى القنوات والأنهار؛ أما المدن الساحلية فكانت تستورد حاجتها من البضائع بطريق البحر لا من المدن الواقعة خلفها بطريق البر. وما أن حلت سنة 202 ق. م حتى كان الرومان قد أنشأوا ثلاثة من الطرق "القنصلية العظيمة"، وقد سميت قنصلية لأنها كانت تسمى عادة باسم القناصل أو الرقباء الذين كانوا يبدءونها. وما لبث هذه الطرق العامة أن فاقت في صلابتها واتساعها الطرق الفارسية والقرطاجنية التي اتخذها الرومان نماذج لهم في بادئ الأمر. وكان أقدم هذه الطرق طريق ڤيا لاتينا via Latina الذي خرج به الرومان حوالي 370 ق.م إلى تلال ألبان. وبدأ أپيوس كلوديوس Appius Claudius الضرير في عام 312 طريق ڤيا أپيا via Appia أو الطريق الأپياوي الذي يصل روما بكپوا Capua واستخدم في إنشائه آلافاً من المجرمين(55)، ثم مدد هذا الطريق فيما بعد إلى بنفنتم، وڤنوزيا Venusia، وبرنديزيوم Brundisium، وتارنتم. وكان هذا الطريق البالغ طوله 333 ميلاً إنجليزياً يربط ساحلي شبه الجزيرة الشرقي والغربي، وييسر التجارة مع بلاد اليونان والشرق، كما كان هو وغيره من الطرق عاملاً كبيراً في توحيد إيطاليا. وفي عام 241 ق.م شرع أورليوس كوتا Aurilius Cotta في إنشاء الطريق الأوريلي الممتد من روما إلى أنتيبيس Antibes مخترقاً مدينتي بيزا Pisa، وجنوى Genoa. وافتتح كيوس فلامينوس Caius Flaminus في عام 220 الطريق الفلاميني المؤدي إلى أرمينوم Ariminnm، ثم أنشئ حوالي ذلك الوقت نفسه الطريق الفليري Valerian بين تيبور Tipur وكرفينيوم Corfinium. وهكذا أخذت شبكة الطرق الفخمة تتسع شيئاً فشيئاً: فصعد الطريق الإميلي Aemilian نحو الشمال من أرمينيوم مخترقاً بونونيا Bononia وموتينا Mutina إلى بلاسنتيا Placentia (عام 187)، وربط الطريق البستومي Postumian جنوى بفرونا Veronoa (148) ومسار طريق بويليا Via Popilia من أرمينيوم مخترقاً رافنا Ravenns إلى بدوا Padua (132) ثم أنشئت الطرق في القرن التالي من إيطاليا إلى خارجها- إلى يورك York، وفينا Vienna، وثسلونيكا، Thessalonica، ودمشق، كما امتدت على طول ساحل إفريقية الشمالي. وأفادت هذه الطرق في الدفاع عن الإمبراطورية وتوحيدها، وبعث الحياة فيها، وذلك بمساعدتها الجيوش على سرعة الحركة ونشر الأنباء والعادات والأفكار في ربوعها، كما أضحت مسالك عظيمة للتجارة، وكان لها شأن أيما شأن في تعمير إيطاليا وأوربا وزيادة ثرائهما.

لكن التجارة لم ترج في إيطاليا على الرغم من هذه الطرق الكبرى رواجها في شرقي البحر الأبيض المتوسط. ذلك أن رجال الطبقات العليا كانوا ينظرون بعين الاحتقار إلى الشراء بأثمان بخسة والبيع بأثمان مرتفعة، ولذلك تركوا التجارة الداخلية لليونان والمحررين من أبناء الشرق؛ هذا في المدن، أما الريف فقد كان أهله يكتفون بالأعياد التي تقام من حين إلى حين، وبأسواق اليوم التاسع في المدن. كذلك لم تبلغ التجارة الخارجية شأناً عظيماً لأن النقل البحري كان معرضاً للأخطار، فقد كانت السفن صغيرة الحجم لا تزيد سرعتها على ستة أميال في الساعة سواء أكانت تسير بالشراع أم بالمجاديف، ولم تكن تبعد عن الشاطئ ولا يجرؤ معظمها على الخروج من الموانئ من شهر نوفمبر إلى شهر مارس. كذلك كانت قرطاجنة تسيطر على غربي البحر الأبيض المتوسط والممالك الإغريقية تسيطر على شرقيه، وكان لصوص البحار ينقضُّون من مكامنهم من حين إلى حين على التجار الذين هم أكثر منهم شرفاً إلى حد ما. وفوق هذا كله كان نهر التيبر دائب العمل على طمر مصبه وسد مدخل ميناء عند أستيا Ostia؛ وقد حدث أن غرقت مائتا سفينة في هذا الميناء على أثر عاصفة هوجاء. يضاف إلى هذا وذاك أن التيار كان قوياً بحيث يجعل سير السفن صاعدة فيه إلى روما عملاً لا يوازي ما يتطلبه من مشقة وما يتكلفه من مال، ومن أجل هذا بدأت السفن حوالي عام 200 ق.م ترسو عند بتيولي على بعد مائة وخمسين ميلاً جنوبي روما، ومنها تنتقل حمولتها براً إلى العاصمة.

العملة

وكان لابد لتيسير هذه الحركة التجارية الداخلية والخارجية من وضع نظام للنقود، والمقاييس، والمكاييل، والموازين، مضمون من الدولة . لقد ظلت الماشية حتى القرن الرابع قبل الميلاد تتخذ وسيلة للتبادل، وذلك لما لها من قيمة عند جميع الناس، ولأنها كان يسهل نقلها من مكان إلى مكان. فلما اتسع نطاق التجارة استخدمت قطع من النحاس، خشنة الصنع غير مهذبة تسمى الإيس Aes (حوالي 330 ق.م). وقد اشتقت الكلمة الإنجليزية الدالة على القيمة estimate من كلمتي Aes timare أي تقويم النحاس. وكانت الوحدة المستعملة في تقويم الأشياء هي الآس As (الواحد) وكان وزنها رطلاً من النحاس، ولما أن سكّت الدولة عملة نحاسية حوالي عام 335 ق.م كانت تطبع عليها في الغالب صورة ثور، أو شاة، أو خنزير، ومن ثم سميت بيكونيا pecunia (من بيكس pecus أي ماشية). ويقول بلني إنه لما شبت الحرب البونية الأولى "ولم تجد الجمهورية من الأموال ما يفي بحاجاتها، خفضت وزن الآس إلى أوقيتين من النحاس، وبهذه الوسيلة اقتصدت 5slash6 قيمته، وأفلحت في تصفية الدين العمومي ". وما أن وافى عام 202 حتى كان وزن الآس قد نقص إلى أوقية واحدة، ثم خفض في عام 87 إلى نصف أوقية لتستعين الدولة بذلك على تمويل الحرب الاجتماعية. وفي عام 269 سكًت قطعتان من النقود الذهبية أولاهما الديناريوس Denarius وكان يساوي عشرة آسات، أي قيمة الدرخمة الأثينية في صورتها الهيلينية المخفضة، والأخرى السترتيوس ومقدارها آسان ونصف آس أو ربع ديناريوس. وفي عام 217 ظهرت أول عملة ذهبية رومانية- الأوري aurei- وكانت قيمته عشرين أو أربعين أو ستين سترتيوس. أما من حيث قيمة المعادن التي تحتويها كل قطعة من هذه النقود فقد كان في الآس ما قيمته 2slash100 والسستر 5slash100 والديناريوس 20slash100 من الريال الأمريكي. وإذ كانت المعادن الثمينة أقلّ كثيراً في هذه الأيام، وكانت قيمتها الشرائية لهذا السبب أضعاف قيمتها في الوقت الحاضر ، فإن في وسعنا إذا غضضنا النظر عن تقلبات الأثمان في عهد نيرون أن نقوم الآس والسستريوس والتالنت (6000 ديناريوس) في عهد الجمهورية الرومانية ب 6slash100، 15slash100، 60slash100، 3.600 ريال أمريكي على التوالي حسبما كانت قيمة الريال في عام 1942 .

التمويل

وكان إصدار هذه العملة المضمونة عاملاً مهماً في تدعيم الأعمال المالية في البلاد، فقد كان الرومان الأولون يستخدمون الهياكل في أعمال المصارف، كما نتخذ نحن المال إلهاً لنا والمصارف هياكل نعبده فيها من دون الله. وقد ظلت الدولة تتخذ الأضرحة القوية البناء مستودعات للأموال العامة، ولعلها كانت ترى أن الدين قد يلقى الرعب في قلوب اللصوص فلا يقدمون على السرقة. وكان إقراض المال من أقدم الأعمال في روما، وشاهد ذلك أن الألواح الأثني عشر تحرم الربا إذا زاد على 8.3% في السنة. ثم خفض سعر الفائدة القانوني في عام 347 إلى خمسة في المائة، ثم حرم الربا على الإطلاق في عام 342 ق.م. ولكن المرابين كان في وسعهم أن يروغوا من هذا التحريم الأرسطاطيلي، وكان أقل سعر للفائدة يتقاضونه فعلاً لا يقل عن 12%. فضلاً عن هذا فقد كان الربا الفاحش (الذي يزيد على 12%) واسع الانتشار، وكان يحدث من حين إلى حين أن يتخلص المدينون من ديونهم بالإفلاس أو التشريع. وحدث في عام 352 ق.م. أن استخدمت الحكومة وسيلة جد حديثة للتخفيف عن المدينين: ذلك أنها تكفلت هي بالرهون التي كان الوفاء بها مرجحاً أكثر من غيرها، وأقنعت الراهنين بأن يقبلوا عن الرهون الأخرى فوائد أقل من التي تعاقدوا عليها. وأصبح أحد الشوارع المجاورة للسوق العامة Forum هي رجال المصارف، وازدحمت فيه حوانيت المقرضين (argentarii) والصيارفة مبدلي النقود (trapezitae). وكان في وسع الأهلين أن يقترضوا المال بضمان الأرض والمحاصيل الزراعية والأوراق المالية، والعقود الحكومية، كما كان في وسعهم أن يقترضوا لتمويل المشروعات التجارية والرحلات البحرية، وكان يحل محل التأمين الصناعي السائد في أيامنا الحاضرة نظام الإقراض التعاوني؛ وكان يحدث أن يشترك عدد من أصحاب المصارف في تقديم الأموال اللازمة لمشروع ما بدل أن ينفرد واحد منها بتمويله. وكانت هناك شركات مساهمة أشهر ما كانت تقوم به من الأعمال تنفيذ العقود الحكومية التي يبرمها الرقيب بعد أن تقدم إليه عنها عطاءات. وكان أصحاب هذه العطاءات يحصلون على المال اللازم لقيامهم بهذه الأعمال ببيع ما لديهم من الأسهم والسندات للجمهور في صورة "أجزاء صغيرة" أي أسهم particular أو (partes). وقد اضطلعت هذه الشركات المؤلفة من رجال يقومون بالمشروعات العامة أو مشروعات الدولة بعمل خطير في تموين الجيش والأسطول في الحرب البونيقية الثانية بما يحتاجانه من المؤن والعتاد ونقلها إليهما، ولم يفتها في هذا العمل أن تحاول ما يحاوله غيرها من الشركات، وهو أن تخدع الحكومة(62)، وكان رجال الأعمال equites هم الذين يديرون هذه المشروعات الكبرى، أما ما كان أصغر منها فكان يديره الأرقاء المحررون. وكانت المشروعات غير الحكومية يديرها مديرو الأعمال negotiatunes وكان هؤلاء يدبرون لأنفسهم ما يلزمها من المال.

وكانت الصناعة في أيدي صناع مستقلين يشتغل كل منهم في حانوته الخاص، وكان معظم هؤلاء الصناع ممن الأحرار ولكن كان إلى جانبهم عدد من المحررين ومن الأرقاء أخذ يتزايد على مر الأيام. وكانت الأعمال التي يقوم بها هؤلاء الصناع مختلفة كل الاختلاف، وكان أكثر ما ينتجون للسوق لا للعميل الخاص. وقد أدى التنافس بين العمال الأحرار والأرقاء إلى خفض أجور الأولين، فانحط مستوى العمال إلى درجة من البؤس لا تقل عن بؤس أفقر عمال المدن الذين يعيشون في أقذر الأحياء في هذه الأيام. ولم يكن إضراب هؤلاء العمال عن العمل ذا فائدة لهم ولذلك كان نادر الحدوث ؛ غير أن الفتن بين الأرقاء كانت كثيرة؛ ولم تكن "حرب الأرقاء الأولى" (139 ق.م) أولى هذه الفتن. ذلك أن التذمر إذا اشتد وضاق الناس ذرعاً بمعيشتهم، كان من السهل تلمس سبب للحرب تهيئ أعمالاً للمتعطلين، وتيسر انتشار النقود المنخفضة القيمة، وتوجه غضب الشعب نحو عدو خارجي يطعم الرومان من أرضه إذا انتصروا، أو تستقبلهم هذه الأرض موتى أو أسرى إذا هزموا.

وكان للأحرار من العمال اتحادات أو جماعات طائفية (Collegia). ولكنها قلما كانت تعنى بمسائل الأجور أو ساعات العمل أو ظروفه. وتعزو الروايات المتواترة إلى نوما Numa فضل إنشاء هذه الاتحادات أو الاعتراف بمشروعيتها. وسواء صح هذا أو لم يصح فإننا نعرف أنه كان القرن السابع قبل الميلاد منظمات للزمارين، والصائغين، والنحاسين، وطارقي الحديد، والحذائين، والفخرانيين ، والصبّاغين والنجارين. وكانت جماعات "الفنانين الديونيزيون" Dionysian Artists -الممثلين والموسيقيين- من أكثر الجماعات انتشاراً في العالم القديم. وقد كان في روما قبل بداية القرن الثاني قبل ميلاد المسيح جماعات طائفية للطباخين، ودابغي الجلود، والبنائين، وصناع البرونز، والحدادين، وصانعي الحبال، والنسّاجين؛ ولكن الراجح أن هذه الطوائف كانت قديمة قدم الطوائف السالفة الذكر. وكان أهم أهداف هذه الاتحادات وأمثالها مجرد السرور الذي تبعثه الصلات الاجتماعية في قلوب أعضائها. وكان الكثير منها جمعيات تعاونية تكفل نفقات دفن الموتى. ولم تكن الدولة تنظم شئون هذه الاتحادات والجماعات الطائفية وحسب، بل كانت تنظم كذلك كثيراً من النواحي في حياة روما الاقتصادية؛ فكانت تشرف على استغلال المناجم وعلى غيرها من الامتيازات والعقود التي كانت تبرمها الحكومة، وكانت تهدئ الاضطرابات التي يثيرها العامة باستيراد الطعام وتوزيعه بأثمان اسمية على الفقراء أو على كل من يطلبه. وكانت تفرض الغرامات على الاحتكارات؛ وقد أممت صناعة تعدين الملح لتقضي بذلك على احتكار هذه الصناعة، بعد أن ارتفع ثمن الملح بسبب هذا الاحتكار ارتفاعاً جعله في غير متناول طبقة العمال.

وكانت روما تتبع سياسة حرية التجارة، ولذلك فإنها لما تغلبت على قرطاجنة فتحت غرب البحر المتوسط لتجارة الأمم جميعها؛ وقررت حماية يوتيكا Utica ثم ديلوس مشترطة عليهما في نظير هذه الحماية أن يظلا ميناءين حرين تدخل فيهما البضائع وتخرج منهما دون أن تؤدي لهما رسوماً. على أنها كانت في بعض الأحيان تحرم تصدير السلاح، والحديد، والخمر، والزيت، والحبوب. وكانت تفرض على معظم الغلات التي تدخل روما عوائد جمركية تقدر عادة باثنين ونصف في المائة من قيمتها، ثم امتدت هذه الضريبة القليلة فيما بعد إلى غيرها من المدن، وظلت حتى عام 147 ق.م تفرض ضريبة على الأملاك (tributum) في جميع أنحاء إيطاليا. ويمكن القول بوجه عام إن إيرادات الدولة لم تكن كثيرة وإن أهم ما كانت تستخدم فيه هو نفقات الحرب، شأنها في هذا شأن غيرها من الدول المتحضرة.

المدنية

أصبحت روما في عام 202 ق.م. من كبريات المدن الواقعة على البحر الأبيض المتوسط، بفضل ما كان يدخل خزائنها من الضرائب والغرامات التي تفرضها على أعدائها، وبفضل من كان يفد إليها من الخلائق ليسكنوا فيها. وقد سجل فيها الإحصاء الذي أجرى في عام 234 قبل الميلاد 270.713 من المواطنين- أي من الذكور الراشدين الأحرار. ثم نقص هذا العدد نقصاً فجائياً خلال الحرب الكبرى، ولكنه ارتفع في عام 189 إلى 258.318 والى 322.000 في عام 147، وفي وسعنا أن نقدر سكان دولة المدينة في عام 189 ق.م بما يقرب من 1.100.000، ولربما كان 275.000 من هؤلاء يسكنون داخل أسوار روما. وكان في إيطاليا جنوب الروبيكون Rubicon نحو 5.000.000 من السكان. وكانت الهجرة وامتصاص الشعوب المغلوبة، وتدفق السكان، وتحرير الأرقاء ومنحهم الحقوق السياسية- كانت هذه العوامل كلها قد أخذت تحدث في روما تلك التغيرات العبقرية التي جعلتها في عهد نيرون نيويورك الزمن القديم، نصف سكانها من البلاد الأصليين والنصف الآخر خليط من كافة الأجناس. وكان في المدينة شارعان رئيسيان متقاطعان يقسمانها إلى أحياء منفصلة، لكل منها موظفوه الإداريون وأربابه الواقون.

وقد شيدت إلى آلهة ملتقى الطرق Lares Compitales معابد عند ملتقى الطرق الهامة وأقيمت لها تماثيل عند ملتقى الطرق الأقل من هذه أهمية- وهي عادة لطيفة لا تزال متبعة في إيطاليا. وكانت معظم الطرق بحالها الطبيعية، وكان بعضها مرصوفاً بحجارة ملساء مستخرجة من أقواع الأنهار ككثير من مدن البحر الأبيض المتوسط في هذه الأيام. وقد دامت هذه الحال حتى شرع الرقيب حوالي عام 174 يغطى أرض الشوارع الكبرى بكتل من الحمم البركانية. وقد بنى أبيوس كلوديوس الأعمى في عام 312 أولى القنوات المعروشة لجر المياه العذبة إلى المدينة التي ظلت حتى ذلك الوقت تعتمد على العيون والآبار ومياه التيبر العكرة. وأقام الأشراف صهاريج تستمد الماء من هذه القنوات، ومدت منها الأنابيب في بيوتهم، وركبت عليها الصنابير، فاستطاع الأشراف أن يستحموا بمائها أكثر من مرة في الأسبوع؛ ثم افتتحت روما حماماتها الأولى التابعة للبلدية بعد هزيمة هنيبال بزمن قليل. وشاد المهندسون الرومان أو التسكان في وقت غير معروف المجرى الأكبر Cloaca Maxima لنقل مياهها القذرة، وقد بلغت العقود الحجرية الضخمة لهذا المجرى درجة من الاتساع تسمح بمرور عربة محملة بالدريس من تحتها. ثم أنشئت مجاري صغرى لصرف مياه المناقع التي كانت تحيط بروما وتغير عليها في بعض الأوقات. وكانت مياه الأمطار والمياه القذرة تجري من فتحات في الشوارع إلى هذه المصارف، ثم تنتقل منها إلى نهر التيبر. وقد ظلت مياهه الملوثة مشكلة المشاكل في الحياة الرومانية.

المعابد

وربما كانت المعابد هي مظاهر الزينة الوحيدة التي كانت في المدينة. ذلك أن البيوت ظلت مستمسكة بالطراز التسكاني البسيط الذي وصفناه من قبل، لا يفترق عنه إلا في شيء واحد وهو أن جدرانها الخارجية كانت تبنى في الغالب من الآجر أو تطلى بمسحوق الجبس الناعم؛ وكثيراً ما كانت هذه الجدران تشوه بما يخدش عليها من الشعر أو النثر في ذكر حادث من الحوادث التافهة التي لا يلبث الناس أن ينسوها بعد وقوعها. ولم يكونوا يقصدون بكتابتها إلا أن يدلوا على ازدياد نسبة من يعرفون منهم القراءة والكتابة. وكانت الهياكل تبنى في الغالب من الخشب، وكانت واجهاتها وزينتها من الطين المحروق، وكان طرازها هو الطراز التسكاني. وقد أقيمت على تل الكبتولين هياكل لجوبتر، ويونو، ومنيرفا، وأقيم هيكل آخر لديانا على الأفنتين Aventine، وأقيمت هياكل غيرها (قبل عام 201 ق.م) ليونو، والمريخ، ويانوس Janus، والزهرة، وللنصر، والحظ السعيد، والأمل وما إليها. وفي عام 303 ق.م أضاف كيوس فابيوس إلى اسم عشيرته لقب بكتور Pictor أي المصور، وذلك لأنه عمل مظلمات في هيكل الصحة القائم على الكبتولين. وأقام المثالون اليونان في روما تماثيل للآلهة الرومانية والأبطال الرومانيين من الآجر، والرخام، والبرنز؛ وقد أقاموا في عام 293 على الكبتول تمثالاً لجوبتر بلغ من ضخامته أن كان يراه الواقف عند تلال ألبان Alban التي تبعد عنه عشرين ميلاً. وفي عام 296 أقام الأيديلون (الموظفون الرومان المشرفون على المباني العامة والألعاب وغيرها) تمثالاً من البرنز لذائبة أضاف إليه الفنانون فيما بعد صورتين لرميولوس وريموس. ولسنا نعرف أهذه هي المجموعة التي جاء وصفها على لسان شيشرون أم أنها مجموعة أخرى، وإن لم تكن فهل هذه أو تلك هي بعينها "ذئبة الكبتول" التي لا تزال باقية إلى هذا اليوم. ومهما يكن من شيء فإن هذا التمثال الأخير آية فنية أوفت على الغاية في الإتقان، فهي تمثال من الجماد ينبض بالحياة في كل عضلة من عضلاته وكل عصب من أعصابه.

الموسيقى

وبينما كان الأشراف يخلدون انتصارهم ويمتدحون أسلافهم كان العامة يتأسون بسماع الموسيقى، وبالرقص، والمسرحيات المضحكة، والألعاب. وكانت طرقات إيطاليا وبيوتها تردد أصداء الأغاني الفردية والجماعية، فكان الرجال يغنون في المآدب والأولاد والبنات يرددون الترانيم في المواكب الدينية، وكانت حفلات الزواج لا تخلو قط من الأناشيد كما كانت الأغاني تصحب جنازات الأموات. وكان المزمار أكثر آلات الطرب شيوعاً ولكن القيثارة أيضاً كان لها من يهواها حتى أضحت الآلة المحبوبة التي ينشد على نغماتها الشعر الغنائي.


الأعياد

وكان الرومان في أيام الأعياد الكبرى يجتمعون في المدرجات وساحات اللعب يكتوون بنار الشمس، بينا كان المستأجرون والأسرى والمجرمون والأرقاء يعدون، أو يقفزون، أو يقتتلون، ويموتون. وكان الاقتتال والموت أحب إلى الجماهير من العدو والقفز. وكان في المدينة مدرجان كبيران هما الساحة الكبرى (ويقال إن الذي أنشأها هو تاركوين الأول) وساحة فلامينوس (221 ق.م)- وكان يدخلهما من غير أجر كل من يصل إليهما من الرجال والنساء في الوقت الذي يمكنهم من أن يجدوا فيهما مكاناً. وكانت الدولة في بادئ الأمر هي التي تتكفل بالإنفاق على الملعبين، ثم تكفل بهما بعدئذ الإيديلون، أما في العهد المتأخر من حياة الجمهورية فكان ينفق عليهما المرشحون لمنصب القناصل؛ وأخذت هذه النفقات تزداد جيلاً بعد جيل حتى أضحت في واقع الأمر سداً منيعاً يحول بين الفقراء وبين التقدم لمناصب القناصل. ولعل من واجبنا أن نضم إلى هذه الألعاب "حفلات النصر" التي كانت تقام للقواد العائدين من ميادين القتال. ولم تكن هذه الحفلات تقام إلا لمن انتصروا منهم في حرب قتل فيها من الأعداء خمسة آلاف أو يزيدون. أما القائد المنحوس الذي انتصر ولكنه لم يقتل من أعدائه هذا العدد كله فلم يكن يلقى هذا النوع من الترحيب، ولم يكن يضحي له بثور بل بشاة ovis. وكان الناس ينتظمون في الموكب خارج المدينة، وكان يطلب إلى القائد هو وجنوده عند حدودها أن يلقوا أسلحتهم، ثم يدخلها الموكب من تحت قوس نصر، اتخذ فيما بعد طرازاً لعشرات المئات من الآثار. وكان النافخون في الأبواق يتقدمون الموكب، ثم تأنى من بعدهم أبراج أو أرماث تمثل المدن التي استولى عليها، وصور تدل على ما قام به المنتصرون من أعمال البطولة. ثم تكركر من بعدها عربات مثقلة بالذهب والفضة، ومنتجات الفن وغيرها من الأسلاب. وقد اشتهر موكب النصر الذي أقيم لمرسلس بما كان فيه من التماثيل المسروقة من سرقوسة (212)؛ وعرض سبيو الإفريقي في عام 207 أربعة عشر ألف رطل من الفضة، وفي عام 202 مائة وثلاثة وعشرين رطلاً استولى عليها في أسبانيا وقرطاجنة، وتبعها سبعون ثوراً أبيض تسير إلى مصرعها سير الفلاسفة، ومن ورائها زعماء العدو المأسورون ثم الجلادون، والضاربون على القيثار، والزمارون، وحاملو آنية البخور. ومن بعد هؤلاء كلهم يمر القائد نفسه في عربة زاهية مزينة ويلبس جبة أرجوانية، وعلى رأسه تاج من الذهب، وفي يده صولجان من العاج وغصن من شجر الغار، وهما رمز النصر، وشعار جوف jove. وكان يركب معه في العربة أحياناً أبناؤه، ويركب في عربة تسير بجوارها أقاربه؛ ثم يأتي من خلفهم أمناء سره من المدنيين والعسكريين. ويأتي في آخر الموكب الجنود يحمل بعضهم ما نالوه من الأعطية، وعلى رأس كل منهم تاج، يمتدحون قوادهم، وبعضهم يسخرون منهم. ذلك أن التقاليد المرعية التي لا يمكن خرقها كانت تترك للجنود في هذه الفترات القصيرة كامل الحرية في أن ينطقوا بما يريدون أن ينطقوا به دون أن يعاقبوا عليه، وذلك لكي يذكروا المنتصرين المزهوين بنصرهم أنهم كسائر الناس معرضون للأخطاء. وكان القائد يصعد الكبتول إلى هياكل جوبتر، ويونو، ومنيرفا، ويضع قدمه عند أقدام الآلهة، ويضحي بحيوان ما؛ وكان يأمر عادة بأن يذبح الزعماء من الأسرى مبالغة في شكر الآلهة. وكان هذا الموكب منظماً تنظيماً يثير في النفس المطامع العسكرية، ويجزي القواد والجند أحسن الجزاء على جهودهم الحربية؛ ذلك أن زهو الإنسان لا يخضعان إلا للجوع والحب.

بعد الموت

لقد كانت الحرب أروع النواحي الروائية في حياة الرجل الروماني، ولكنها لم يكن لها ذلك الشأن الخطير الذي تحدثنا عنه صحف المؤرخين الرومان. ولعل حياة الرومان كانت تدور كلها حول أسرته وبيته أكثر مما تدور حولهما حياة الرجل من في هذه الأيام. وكانت أخبار العالم لا تصل إليه إلا متأخرة، ومن أجل هذا لم يكن ما يتجمع في العالم من اضطراب يستثير عواطفه في كل يوم، ولم تكن الحوادث العظمى التي تمر به في حياته هي السياسة والحرب، بل كان أهم ما يعنى به مولد الأطفال وحفلات الزواج وأخبار الموت المحزنة. ولم يكن كبير السن تلازمه تلك الوحشة والهجران اللذان ينغصان على الكبار حياتهم في العصور التي تشيع فيها الفردية. ذلك أن الصغار كانوا يرون أن من الفروض الواجبة عليهم أن يعنوا بالكبار، وقد ظل هؤلاء إلى آخر عهود الجمهورية أجدر الناس بالرعاية وأعظمهم سلطاناً، وكانت قبورهم بعد وفاتهم مواضع التكريم ما دام لهم أبناء أو أحفاد على قيد الحياة. ولم تكن الجنائز تقل فخامة وتعظيماً عن مواكب الأفراح، فكان يسير في طليعتها جماعة من النادبات المأجورات فلما تغالين في عويلهن وهوسهن قيد هذا الغالي بنص في الألواح الاثني عشر يحرم عليهن اقتلاع شعرهن. ويتلو هؤلاء النسوة الزمارون وقد حدد القانون عددهم باثني عشر، ثم الراقصون يمثل الميت واحد منهم. ويأتي من بعد هؤلاء عرض عجيب لجماعة من الممثلين يلبسون أقنعة الموت أو وجوهاً من الشمع في صور آباء الميت الذين شغلوا مناصب ذات شأن في الدولة. ثم تتلو هؤلاء جميعاً جثة الميت محوطة بمظاهر تبلغ من الفخامة ما يبلغه موكب القائد المنتصر، وعليها كامل اللباس المخصص لأعظم منصب شغله صاحبها في حياته، وموضوعة في نعش بسطت عليه أغطية مطرزة باللونين الأرجواني والذهبي، ومن حولها الأسلحة والدروع التي غنمها ممن قتلهم من الأعداء. ويسير خلف النعش أبناء المتوفى وعليهم أثواب وأقنعة سوداء، وبناته سافرات، وأقاربه وأبناء عشيرته وأصدقاؤه ومواليه وعبيده. فإذا وصلت الجنازة إلى السوق العامة وقفت ورثى الميت أحد أبنائه أو أقاربه. لقد كانت الحياة في تلك الأيام خليقة بأن يحياها الإنسان ولو لم ينل منها إلا هذا التكريم بعد الوفاة.

وكان الموتى من أهل روما في القرون الأولى من حياتها يحرقون، ثم جرت العادة بعدئذ بأن يدفنوا وإن كان بعض المحافظين من أبنائها ظلوا يفضلون إحراق موتاهم. وسواء اتبعت هذه السنة أو تلك فقد كانت بقايا الميت تدفن في قبر أضحى فيما بعد مزاراً ومكاناً للعبادة، كان الأتقياء من أبناء الميت وأحفاده يضعون عليه من حين إلى حين طاقات الزهر وقليلاً من الطعام. وكان لعبادة الأسلاف والاعتقاد بأن أرواحهم تحيا في مكان ما وترقب الأحياء أكبر الأثر في استقرار الأخلاق والمجتمع الروماني، كما كان لهما نفس الأثر في بلاد اليونان والشرق الأقصى. وكان الموتى حسب الأساطير الرومانية التي اصطبغت بالصبغة الهلينية ينتقلون إلى جنات النعيم أو إلى جزائر المقيمين؛ على أنهم كلهم تقريباً كانوا ينزلون إلى الأرض ليستقروا في مملكة الأشباح التي يسيطر عليها أوركوس Orcus وبلوتون Pluto. وكان ثانيهما- وهو الصورة اليونانية للإله هيديز Hades اليوناني- يحمل في يده مطرقة يضرب بها الميت حتى يغيب عن وعيه. أما أوركوس (وهو الاسم الذي اشتقت منه الكلمة الإنجليزية ogre أي الغول) فكان هو الهولة التي تلتهم جثة الميت بعدئذ. وإذ كان بلوتو أعظم الأرباب في باطن الأرض وأعلاها مقاماً، وإذ كانت الأرض هي المورد الأخير للثروة؛ وهي في كثير من الأحيان مستودع ما يتجمع من الطعام والسلع، فقد كان بلوتو يعبد أيضاً على أنه إله الثروة والأثرياء، وأضحت زوجته- برسبربينا Prosperpina الضالة- ابنة سيريز Ceres إلهة الحب النامي. وكان الرومان يتمثلون الجحيم في بعض الأحيان على أنها موضع العقاب ، وكانوا يصورونها في الأغلب الأعم على أنها مسكن الأشباح النصف المجردة التي كانت في حياتها رجالاً لا يمتاز بعضهم عن بعض بثواب أو عقاب بل يعانون كلهم على السواء عذاب الظلام الأبدي والنسيان النهائي. "وهنالك" كما يقول لوسيان Lucian "يجد الإنسان في آخر الأمر الديمقراطية المنشودة".

انظر أيضا

المراجع

  • Eck, Werner; translated by Deborah Lucas Schneider; new material by Sarolta A. Takács. (2003) The Age of Augustus. Oxford: Blackwell Publishing (hardcover, ISBN 0-631-22957-4; paperback, ISBN 0-631-22958-2).
  • Francis Owen, "The Germanic people; their Origin Expansion & Culture", 1993 Barnes & Noble Books ISBN 0880295791
  • "The conquest of Gaul" by Julius Caesar ISBN 0-14-044433-5
  • Harriet I. Flower (ed.): The Cambridge Companion to the Roman Republic, Cambridge 2004.
  • "The Cambridge Ancient History", vols. 7–9, Cambridge 1990ff.
  • "The Enemies of Rome" by Philip Matyszak edited by Thames & Hudson ISBN 0-500-25124-X
  • "Rubicon : the last years of the Roman Republic" by Tom Holland edited by Doubleday ISBN 0-385-50313-X
  • "The Complete Roman Army" by Adrian Goldsworthy edited by Thames & Hudson ISBN 0-500-05124-0
  • "Scipio Africanus — Greater than Napoleon" by B. H. Liddell Hart published by DA CAPO Press ISBN 0-306-81363-7
  • "The Roman Army" by Peter Connolly

وصلات خارجية

المصادر

  • ديورانت, ول; ديورانت, أرييل. قصة الحضارة. ترجمة بقيادة زكي نجيب محمود.
  1. ^ Crawford, Roman Republican Coinage, pp. 455, 456.
  2. ^ أ ب ت ث ج Taagepera, Rein (1979). "Size and Duration of Empires: Growth-Decline Curves, 600 B.C. to 600 A.D." Social Science History. 3 (3/4): 125. doi:10.2307/1170959. {{cite journal}}: Check |first= value (help)
  3. ^ ويكيبديا الإنجليزية
  4. ^ Arnaldo Momigliano, Cambridge Ancient History, vol. VII part 2, pp. 110, 111.
سبقه
المملكة الرومانية
الجمهورية الرومانية
509 ق.م. – 27 ق.م.
تبعه
الأسرة اليوليو-كلاودية
الامبراطورية الرومانية