المرداسيون

(تم التحويل من مرداسيون)
خريطة لحوالي عقد 1050-1060، تبين الدولة المرداسية وجيرانها.

بنو مرداس أسرة عربية شيعية أسست الدولة المرداسية شملت حلب ومنبج وبالس والرقة والرحبة ثم حمص وصيدا وبعلبك وطرابلس أول أمرائها صالح بن مرداس الملقب ب(أسد الدولة) وهو مؤسسها على أنقاض الدولة الحمدانية 414-472هـ/1032-1079م، وقال عنه ابن شداد في كتابه «الاعلاق الخطيرة»: ان صالح بن مرداس ملك حصن ابن عكار سنة 416 هـ كما قال ابن العديم، في «زبدة الحلب»، أنه في سنة 416 هـ ملك صالح حمص وبعلبك وحصن ابن عكار بناحية طرابلس. وقد حاربه الفاطميون فقتل في الاقحوانة قرب بحيرة طبريا.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الأصل

المرداسيون من قبائل كلاب البدوية المنحدرة من عامر بن صعصعة من عرب الشمال، كانت مساكنهم في الجاهلية حمى الربذة في جهات المدينة المنورة وفدك والعوالي، ثم هاجر قسم منهم، واستقر على شواطئ الفرات الشامية، وفي بدايات القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، وصلت موجة جديدة من قبائل عامر بن صعصعة فيها بنو عقيل الذين سكنوا منطقة الموصل، وقشير التي توطنت حول قلعة جعبر التي كانت تدعى قديماً قلعة دوسر، ونمير التي وصلت إلى منطقة حران والرها.

وكان نصيب الكلابيين الاستقرار في شمالي الشام، وقد تسببت هذه الهجرة البدوية الجديدة في كثير من الفوضى والدمار، ولكن سيف الدولة الحمداني أمير حلب (333- 356هـ) استطاع أن يضبط قبائل كلاب ضبطاً شديداً إلا أنه كان يداريهم في الوقت نفسه؛ لكي يستفيد من طاقاتهم الحربية في حروبه مع البيزنطيين.

وصل المرداسيون إلى السلطة بفضل الظروف التي كان يعيشها العالم الإسلامي، فالتنافس بين الخلافة العباسية والخلافة الفاطمية في السيطرة على بلاد الشام وسعي كل منهما لرشوة القبائل العربية البدوية؛ لتعمل على مناصرتها، وضعف الدولة الحمدانية بعد وفاة سيف الدولة، وعدم استقرار الحكم الفاطمي في بلاد الشام، إضافة إلى أن سوء سياسة الفاطميين المتمثلة في ضرب القبائل العربية بعضها ببعض جعل هذه القبائل تعمل على تحقيق مكاسب لها.

كان من بين الذين استغلوا هذه الأوضاع صالح بن مرداس بن إدريس الكلابي الذي نجح بتأسيس الدولة المرداسية في حلب (415-474هـ)، ويرد أول ذكر له عام 399هـ/1008م حينما استولى على الرحبة؛ وكانت بلداً ذا أهمية تجارية بسبب صلتها بين الشام والعراق والبادية ومدّ صالح المرداسي بعد ذلك أنظاره إلى حلب سنة 400هـ؛ وكان يحكمها المملوك الحمداني منصور بن لؤلؤ (مرتضى الدولة)، ولكن أبا الهيجاء حفيد سيف الدولة تحداه، وأراد أن ينزع حلب منه بدعوة من أهالي حلب وبدعم من الدولة المروانية، وأدخل أبو الهيجاء الكلابيين في خدمته؛ إلا أنهم تحولوا عنه إلى ابن لؤلؤ الذي وعدهم بإقطاع من الأرض، وعندما طالب الكلابيون ابن لؤلؤ بما اتفقوا عليه أخذ يماطلهم ولجأ إلى الخديعة، فقتل بعضهم، وأوقع الباقين في الأسر، ومن بينهم صالح الذي ظل ثلاث سنوات حتى استطاع الهرب سنة 405هـ/1014م.

في سنة 415هـ اتفق صالح بن مرداس مع القوى البدوية الأخرى في الشام على اقتسام البلاد؛ فتكون حلب والشمال لبني كلاب، ودمشق ووسط الشام لسنان بن عليان زعيم قبائل كلب، وفلسطين لحسان بن المفرج بن الجراح الطائي شيخ قبيلة طيء، وإذا كان الفاطميون قد هزموا ابن الجراح في الجنوب، ولم يستطع ابن عليان أن يستقر في وسط الشام؛ فإن المرداسيين وحدهم استقروا في حلب بعد أن احتلوها، وأقاموا الحكم المرداسي فيها، وأخرجوا الفاطميين من منبج وغيرها في الشمال، ومن بعض مدن الوسط والساحل، حمص، وبعلبك، وصيدا وحصن ابن عكار.

لم يهنأ ابن مرداس بانتصاره طويلاً؛ لأنه وجد نفسه بين دولتين شديدتي الرغبة في السيطرة على حلب؛ هما الدولة البيزنطية والدولة الفاطمية، وقد لقي ابن مرداس مصرعه وهو يقاتل الفاطميين مع حلفائه البدو عند طبرية بفلسطين سنة 420هـ/1029م في معركة الأقحوانة.

وخسر المرداسيون أملاكهم في الشام، لكن حلب بقيت بيد أبناء صالح: نصر (شبل الدولة) في المدينة، وثمال (معز الدولة) في القلعة؛ إلا أن نصراً تمكّن من استخلاص القلعة أيضاً من أخيه مستنجداً بالبيزنطيين، ودفع لهم الجزية السنوية؛ ليضمن الحماية لنفسه بسبب خلافه مع أخيه ثمال ونزاعه مع الفاطميين؛ علماً أنه اعترف بالتبعية للخليفة الفاطمي الظاهر (411- 427هـ)، وتبادل معه الهدايا.

نتيجة للوشايات والتنافس دبّ الخلاف بين نصر من جهة، والدزبري أمير جيوش الفاطميين في الشام ووالي حمص من جهة أخرى، فجرت معركة قرب حماة (تل فاس)، قتل فيها نصر وهو يقاوم الفاطميين 429هـ/ 1038م زمن المستنصر، وخف ثمال؛ ليسيطر على حلب التي أقرّه المستنصر عليها؛ إلا أن تسارع التطورات والأحداث التي حصلت في الشام، والتنافس بين الدزبري والوزير أبي القاسم الجرجرائي في البلاط الفاطمي، وحركة البساسيري في بغداد لم تعط لثمال فرصة الاستقرار في حلب، فقد عزل، وأعيد إلى حكمها أربع مرات حتى وفاته 454هـ/1062م في عهد المستنصر بعد أن سلّم السلطة لأخيه عطية الذي نازعه عليها ابن أخيه محمود بن نصر (رشيد الدولة).

بسبب الأزمة التي عاشتها الخلافة الفاطمية 457-463هـ/ 1064-1070م، وبسبب ازدياد قوة السلطان السلجوقي ألب أرسلان متولي أمور الخلافة العباسية؛ خاف محمود على سلطته، وتذبذب في ولائه بين الفاطميين والعباسيين؛ إلا أنه في النهاية أعلن الخطبة للخليفة العباسي القائم، وبدأ بتنفيذ أوامر ألب أرسلان في السيطرة على الشام إلى أن تُوفِّي 467هـ/1075م.

تولى بعده ابنه نصر بن محمود (جلال الدولة)، ولكنه قتل في العام التالي، وتنازع أخواه سابق ووثاب على الملك، فاستنجد وثاب بملكشاه السلجوقي الذي أرسل مسلم بن قريش العقيلي صاحب الموصل 471هـ/1079م، حيث تمكن من السيطرة على حلب وإقامة إمارة العقيليين.

لم يكن لدى المرداسيين على الأغلب سياسة خارجية ثابتة، ربما يكون سبب ذلك أن دولتهم قبلية حدودية، تحيط بها الأطماع الدولية، وهذا فرض عليها تركيز جهودها على تأمين مصالحها الخاصة لتوفير الاستمرار والاستقلال لنفسها، وعليه فقد كان لديهم ردات فعل تجاه الأحداث وقت وقوعها؛ كما كان هناك مواقف سياسية فردية ارتبطت بكل حاكم من الحكام، فعلى الرغم من اعتناقهم المذهب الشيعي كانوا يعترفون بالتبعية للفاطميين تارة، ويسعون لإرضاء البيزنطيين، ويدفعون لهم الجزية السنوية، ويعقدون معهم الصداقات تارة أخرى؛ علماً أن كلاً من الفاطميين والبيزنطيين لم يوفروا الفرص التي تسمح لهم بالتخلي عنهم؛ وحتى غزوهم لقاء اعتبارات ومكاسب خاصة لمصالحهم، ولهذا كانوا ينحازون إلى السلاجقة، ويستنجدون بهم عندما ظهرت قوتهم على مسرح الأحداث.

يعد القرن الخامس الهجري حقبة شهدت ذروة النشاط والقوة للمرداسيين (الكلابيين) وفي الوقت نفسه انهيارهم المفاجئ نتيجة لهجرة التركمان، الذين بدؤوا بعد وفاة ثمال بالانسياح في بلاد الشام، وتمكنوا من تدميرها، وسيطر الجيش الذي قاده ملكشاه عليها، وألحقها بالسلطة السلجوقية تحت إدارات لامركزية متعددة.

وكان من أسباب سقوط حكم الأسرة المرداسية أن بني كلاب كانوا لا يدينون لأمير منهم يجمع كلمتهم، وكان التمزق وضعف الروابط القبلية من سماتهم، ولو أنهم انقادوا لأمير منهم يجمع كلمتهم لم يبق لأحد من العرب بهم طاقة.

توحي النصوص بأن النشاط التجاري كان له أثر كبير في ازدهار حلب وثرائها، فقد كانت تمر بها التجارة من جميع الجهات وإليها، وضرب المرداسيون نقوداً خاصة بهم منذ حكم صالح بن مرداس.

كانت الدولة المرداسية دولة بدوية، لكنها طبعت بالمفهوم العربي البدوي للحكم، وقد عاش في ظل المرداسيين شعراء متميزون مثل: المعري وابن سنان الخفاجي وابن أبي حصينة وابن حيوس … ويبدو من المصادر أن المرأة المرداسية تمتعت عموماً بقسط وافر من المساواة مع الرجل، وقد تميز العديد من النساء، وحظين بمكانة سامية.


بعد المؤسس

وقد نجا ولده نصر بن صالح بن مرداس وسار إِلى حلب فملكها وكان لقب نصر المذكور شبل الدولة وبقي شبل الدولة بن صالح مالكاً لحلب إلى سنة 429هـ وذلك في أيام المستنصر بالله الفاطمي صاحب مصر‏.‏

فجهزت العساكر من مصر إِلى شبل الدولة ومقدمهم أنوشتكين وكان يلقب الدزبري‏، فاقتتلوا مع شبل الدولة عند حماة في شعبان سنة 429هـ فقتل شبل الدولة وملك الدزبري حلب في رمضان من السنة المذكورة‏ وملك الشام كلها وعظم شأنه حتى توفي بحلب سنة 433هـ‏.‏

وكان لصالح بن مرداس ولد بالرحبة يقال له‏:‏ ثمال ولقبه معز الدولة فلما بلغه وفاة الدزبري سار ثمال بن صالح إِلى حلب وملكها ثـم استولى على قلعتها في صفر 434هـ وبقي معز الدولة ثمال بن صالح مالكاً لحلب إِلى سنة 440هـ فأرسل إليه المصريون جيشاً فهزمهم ثمال ثم أرسلوا إِليه جيشاً آخر فهزمهم ثمال أيضاً ثم صالح ثمال المصريين ونزل لهم عن حلب فأرسل المصريون رجلاً من أصحابهم يقال له الحسن بن علي بن ملهم ولقبوه مكين الدولة فتسلم حلب من ثمال بن صالح بن مرداس في سنة 449هـ، وسار ثمال إِلى مصر وسار أخوه عطية بن صالح بن مرداس إِلى الرحبة وكان لنصر الملقب بشبل الدولة الذي قتل في حرب الدزبري ولد يقال له محمود فكاتبه أهل حلب وخرجوا عن طاعة ابن ملهم فوصل إِليهم محمود واتفق معه أهل حلب وحصروا ابن ملهم في جمادى الآخرة من 452هـ، فجهز المصريون جيشاً لنصرة ابن ملهم فلما قاربوا حلب رحل محمود عنها هارباً وقبض ابن ملهم على جماعة من أهل حلب وأخذ أموالهم ثم سار العسكر في أثر محمود بن نصر فاقتتلوا وانتصر محمود وهزمهم فعاد إِلى حلب وحاصرها واستولى عليها وعلى القلعة في شعبان سنـة 452هـ وأطلق ابن ملهم ومقدم الجيش وهو ناصر الدولة من ولد ناصر الدولة بن حمدان فسار إِلى مصر واستقر محمود بن شبل الدولة نصر بن صالح بن مرداس مالكاً لحلب‏.‏

ولما وصل ابن ملهم وناصر الدولة إِلى مصر وكان ثمال بن صالح بن مرداس قد سار إِلى مصر فجهزه المصريون بجيش لقتال ابن أخيه محمود بن شبل الدولة فسار ثمال بن صالح إِلى حلب وهزم محمود بن أخيه وتسلم ثمال بن صالح حلب في ربيع الأول من سنة 453هـ ثم توفي ثمال في حلب سنة 454هـ في ذي القعدة وأوصى بحلب لأخيه عطية الذي كان سار إِلى الرحبة.‏

فسار عطية بن صالح من الرحبة وملك حلب بنفس السنة وكـان محمود بن شبل الدولة لما هرب من عمه ثمال من حلب سار إِلى حران فلما مات ثمال وملك أخوه عطية حلب، جمع محمود عسكراً وسار إلى حلب فهزم عمه عطية عنها وسار عطية إِلى الرقة فملكها ثم أُخذت منه فسار عطية إِلى الروم وأقام بالقسطنطينية حتى مات بها‏.‏

وملك محمود بن نصر بن صالح بن مرداس حلب في أواخر سنة 457هـ ثم استوَلى على أرتاح وأخذها من الروم في سنة 460هـ وقد مات محمود في ذي الحجة سنة 468هـ في حلب.‏ ثم ملك بعده ابنه نصر بن محمود بن نصر ثم قتله التركمان في سنة 469هـ وملك حلب بعده أخوه سابق بن محمود وبقي مالكاً لحلب إِلى سنة 472هـ / 1079م عندما أخذ حلب منه شرف الدولة مسلم بن قريش العقيلي صاحب الموصل وبذلك انتهى حكم المرداسيون.‏

وبازدياد النفوذ التركي في حلـب اضطر المرداسيون إلى الاعتراف بسلطة السلطان السلجوقي ملك شاه الذي عُيّن فيما بعد حاكماً لمدينة حلب وتولى الحكم بعده عضو الدولة محمد بن جغري بيك، حكم بقية أفراد الأسرة المرداسية في بعض من المدن الصغيرة في الساحل الشامي، واستمر حالهم حتى مقدم الصليبيون إلى المنطقة، وأسرة مرداس أسرة عربية عريقة معروفة منذ جاهلية العرب وكانو قد هاجروا من الحلة في العراق واستطاعوا احتلال حلب بقيادة زعيمهم صالح بن مرداس، ولكنهم دخلوا في صراع مع الفاطميين، وقد انتهت دولتهم بحرب أهلية انقسموا فيها بين الأخوة المتصارعين على السلطة، ثم قضى عليهم العقيليون.

قائمة أمراء الدولة المرداسية

انظر أيضاً

المصادر

نهى فضل الله حميد. "الِمرداسيّون". الموسوعة العربية. 


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الهامش

للاستزادة

  • ابن الأثير، الكامل في التاريخ، تحقيق: عمر عبد السلام تدمري (دار الكتاب العربي، د.ت).
  • ابن العديم، زبدة الحلب من تاريخ حلب، تحقيق: سامي الدهان (دار سعد الدين، حلب 1427هـ/ 2006م).
  • ابن القلانسي، تاريخ دمشق، تحقيق: سهيل زكار (دار حسان، دمشق 1983).
  • أمينة بيطار، موقف أمراء العرب في الشام والعراق من الفاطميين (القاهرة 1971).
  • سهيل زكار، إمارة حلب (دار الكتاب العربي، دمشق د.ت).