مثالية

العالم من القرن العشرين، السير جيمس جينز، كتب أن "الكون بدأ يبدو، يوماً بعد يوم، كفكرة عظيمة، بدلاً من ماكينة عظيمة"

المثالية Idealism في الفلسفة، هو المذهب القائل بأن حقيقة الكون أفكار وصور عقلية، وأن العقل مصدر المعرفة. فأفلاطون مثالي بتصوره عالماً عقلياً قوامه أفكار بمثابة النماذج للموجودات الجزئية المادية التي في عالمنا المحسوس، والعالم العقلي عنده هو الحق، أما العالم المحسوس فأشبه بالظلال.

وجورج بركلي مثالي بقوله أن حقيقة الشيء هي إدراك العقل له، وما لا يدركه العقل عدم. وإيمانويل كانت مثالي حين جعل المقولات العقلية شرطا للمعرفة.

وهيگل مثالي حين قال أن حقيقة الكون روح مطلق يعبر عن نفسه في الوجود المشود.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

تعريف

المثالية مذهب فلسفي يشمل جانباً كبيراً من المذاهب الميتافيزيقية (ما بعد الطبيعة أو الغيبية) وهي اتجاه فلسفي يبحث عن مسألة الوجود (أوْ الأنطولوجيا) في حين أن العقلانية اتجاه مذهبي يبحث في أصل المعرفة ويرد هذا الأصل إلى العقل فقط وينكر دور الحواس أو المعرفة القلبية أو المعرفة عن طريق الوحي، وعكس العقلانية التجريبية وهذه الأخيرة تعتمد على التجربة الحسية فقط من دون العقل المجرد.

وعكس المثالية "المادية". والمثالية تعطي الأولوية في الوجود للروح على أن يكون وجود المادة ثانوياً في حين أن المادية تعطي الأولوية في الوجود للمادة، على أن تكون الروح انعكاساً للمادة وظلاً لها.

وتقترب المثالية كثيراً من الفلسفة لأنها تبلور مباحث الفلسفة الثلاثة الرئيسية: الحق والخير والجمال.


المثالية الكلاسيكية

أما الفلاسفة فيستعملون لفظ المثالية استعمالاً يختلف عن استعماله الشائع اختلافاً بعيداً. وقوام المثالية عندهم اتجاهان أو مذهبان :

  • المذهب الأول قديم، وهو المذهب الأفلاطوني الذي انبعث من أبى الفلسفة القديمة سقراط، وثبتت دعائمه على يدي تلميذه أفلاطون، وظلت ذكراه ماثلة في الأذهان على درجات متفاوتة إبان العصر الوسيط. ويرى هذا المذهب أن الأفكار و"المعقولات" أو "المثل" موجودة وجوداً هو أسمى من الوجود المحسوس، لأنها هي المبادئ النموذجية الأصيلة للأشياء .
  • المذهب الثاني في المثالية هو مذهب حديث، وهو المذهب الكانتي، الذي مهد له أبو الفلسفة الحديثة ديكارت في مبدئه المشهور باسم "الكوجيتو" ( أنا أفكر إذن أنا موجود )، وأبرزه بركلي في تقريره أن " الوجود هو كون الشئ مدركاً "، ثم شيدّه "كانت" بناء شامخاً على أساس من نقد العقل في جوانبه الثلاثة : النظر والعمل والذوق. ويرى هذا المذهب أن الأشياء أو الموضوعات ليست سوى انطباعات حسية أو أفكار لا يمكن أن تتحقق في الوجود إلا على نحو ما، أي باعتبارها "تمثلات" ذهنية. والأشياء ليست موجودة بذاتها وجوداً مستقلاً عن القوة "الناطقة"، أي القوة المتعقلة التي تدركها، بل إن وجودها مستفاد من هذه القوة ذاتها .

الأفلاطونية والأفلاطونية الحديثة

المثالية الأفلاطونية مثالية "مطلقة" تتجه الى ما هو بذاته، لأنها ترى في الفكرة أو المثال موجوداً متميزاً متعالياً، هو عنصر المعرفة المطلقة التي هي الموجود المطلق ذاته، ذلك الموجود الذي لا يتغير، والذي بفضله تجئ الأشياء كلها الى الوجود. أما المثالية الكانتية فهي مثالية "نسبية"، تنظر الى العالم كما هو عندنا : فهي مثالية تقدّ العالم على قد الانسان إن صح هذا القول. وهذا هو المعنى الذي قصد إليه كانت حين أعلن ما سماه باسم " الثورة الكوبرنيقية ".[1]

والمثالية الأفلاطونية أبعد محاولة لإثبات الله. والمعرفة فيها ذات طابع سماوي، لأنها هي معرفة مصدر الأشياء ومدبرها. والمثالية الكانطية فتركز عنايتها في المعرفة الانسانية، والمثال فيها مندمج في الأشياء الخارجية غير متعالٍ عليها .

وتتميز المثالية القديمة بأن الأفكار فيها "مفارقة" لعالم الحس والمادة، في حين أن الأفكار في المثالية الحديثة إنما هي أفكارنا نحن عن العالم. وإذا صح لنا أن نستعير هنا تفرقة صوفية بين عالم اللاهوت وعالم الناسوت، استطعنا أن نقول إن المثالية الأفلاطونية مثالية "لاهوتية"، في حين أن المثالية الكانتية مثالية "ناسوتية" .

هذه بعض وجوه الاختلاف بين المثاليتين. لكننا نستطيع مع ذلك أن نلاحظ أننا في كلا الضربين من المثالية نجد الفكر مستقلاً عن الموضوعات والأشياء : ذلك لأن المثالية الحديثة ترى أن ما فينا من قوة على تعقل الأشياء يجعل وجود الأشياء أمراً ثانوياً .

وتتفق المثاليتان كذلك في أنهما مذهبان في المعرفة : لأنهما يريان أنه لا شئ في الموجودات إلا ويمكن أن يكون متعقلاً. وكلتاهما لا تريد أن تكون مذهباً وجودياً، يقنع بملاحظة ما هو كائن وحاصل، ويقتصر على وصف الأشياء كما تبدو للناظر، بل كلتاهما مذهب انشائي يرسم الأشياء بحسب ما حقه أن يكون، ويريد أن يصل إلى جوهر الأشياء وأصلها .

ومن وجهة النظر هذه لا تستطيع المثالية أن تقبل أن يكون "للأشياء" وجود في ذاتها، مستقل عن الفكر، لأن ما هو خارج الفكر لا يمكن أن يكون متعقلاً، وبالتالي لا يكون شيئاً. والذات العارفة إنما تفكر، أي تعقل الأشياء بالفكر؛ وأداة الفكر في التعقل هي الأفكار : وإذن فلا شئ هنالك سوى الأفكار. والأمر كما رآه الفارابي وديكارت وكانت حين أكدوا جميعاً أن الفكر هو الواقعة الأولى، وهو أولى "المعطيات" : فإن كل تفسير وكل قضية إنما تفترض وجود الفكر. وهذا شئ أصبح مسلماً به عند الخاصة والعامة على السواء .

ألسنا نسمع الناس يصفون من يقول كلاماً ليس وراءه معنى محصل بأنه كلام "فارغ" ؟ وإن فالناس جميعاً يسلمون بأنه لابد من فكر وراء كل قول. وهذا ما يذهب إليه الفيلسوف على العموم، والفيلسوف المثالي على الخصوص. وكل ما في الأمر أن الفيلسوف لا يقف عند هذا الأمر موقفاً سلبياً، وإنما يعقد النية على أن يفسر كل شئ بالفكر .

وإذن فقد جاهد أفلاطون وكانت للوصول إلى المبادئ العقلية لكل معرفة. وقد دأب أفلاطون على النصح لنا بأن نلجأ إلى كنف الأفكار والمثل لكي نجد فيها حقيقة الأشياء. و"الثورة الكوبرنيقية" التي يحدثنا عنها كانط أن نرتب الموضوعات أو الأشياء طبقاً للمعاني والأفكار، وبعبارة أخرى أن يكون ما بالأعيان مطابقاً لما بالأذهان، كما يقول المتكلمون الإسلاميون .

والمثاليتان الأفلاطونية والكانتية تريان أنه لما كان مبدأ كل معرفة هو عينه مبدأ كل وجود، فإن الفكر والمطلق متحدان. ويترتب على هذا أن الفكرة هنا ليست مجرد هوية منطقية أو سيكولوجية، بل هي إدراك الوجود والوجود نفسه. والفكرة إنما نجدها في أنفسنا. وهذا الطابع "الجواني" للحقيقة قد تميزت به هاتان المثاليتان، كما تميزت به مذاهب الذات، ولئن يكن سقراط قد قال : " اعرف نفسك بنفسك "، فقد صرح كانط بأن " عصرنا لم يعد يريد أن يطول به أمد التلذذ بظاهر المعرفة ". وأهاب كانط بالعقل أن " يأخذ على عاتقه من جديد مهمة هي أصعب المهام جميعاً، ألا وهي معرفة الذات، وأن ينشئ محكمة تضمن له مزاعمه المشروعة، وتستطيع في مقابل ذلك أن تكبح جماح شططه، لا بإصدار أحكامها اعتسافاً بل باسم قوانينه الخالدة الثابتة " .

وفي الملاحظات التي أوردناها ما يكفي لبيان ما بين هاتين المثاليتين من وجوه قرابة جعلت الخلط بينهما ميسوراً. ومع ذلك فعند التأمل يتبين لنا أن المثاليتين متباينتين أشد التباين. وشتان ما بين المثالية القديمة والمثالية الحديثة في مسائل كثيرة ذات خطر : في المعرفة، والمطلق، والجوانية، والذات. لكل واحدة من هذه المسائل في المثاليتين طابع مختلف جداً داخل هذا التشابه في اللفظ والنية والقصد. ويكفي تنبيهاً إلى هذا الاختلاف أن نذكر أن المثالية القديمة إنما هي الواقعية الميتافيزيقية المطلقة، أو الواقعية المتطرفة، بينما المثالية الحديثة إنما خرجت من المذهب العقلي "القطعي" الذي ساد في فلسفة القرن السابع عشر، والمذهب العقلي "الصوري" لدى فلاسفة القرن الثامن عشر .

إن لفلسفة أفلاطون وأرسطو فضلاً كبيراً على الفلسفتين الغربية والاسلامية ولكن في آخر العصر الوسيط ذوى المذهبان وذهبت نضرتهما، وأخذ كل منهما يمهد السبيل لغيره من المذاهب الفتية الجديدة : فمهدت الأفلاطونية لظهور المذهب العقلي ولظهور المثالية الحديثة، ومهدت الأرسطية لظهور المذهب التجريبي ولظهور المذهب المادي. والواقع أننا إذا نظرنا إلى التقاليد الأفلاطونية استطعنا أن نصف انتقال المثالية القديمة الى المثالية النقدية على الوجه التالي :

الفكرة التي كانت في الأصل هي الفكرة الإلهية نفسها أصبحت هي فكرة الله بالنسبة إلى العالم الذي نعرفه، ثم أصبحت هي الفكرة الانسانية المحضة خلقها الله فينا، وأمست هي الفكرة المفطورة فينا وحسب .

ونلاحظ في أول هذا التطور أن الوحدة كاملة بين المثال والوجود، ثم ابتعدت الفكرة عن الوجود بمعناه الدقيق : ابتعدت أولاً بغير انفصال، ثم ابتعدت مع قطع الصلة بين أفكار الانسان وعلم الله، وانحصر نظرنا في أفكارنا وحدها، وأخيراً ظهرت الوحدة في الوعي الانساني .

المثالية الذاتية

المثالية الذاتية هي الاعتقاد بأن الذهن وحده هو الحقيقي إما المادة بكل مظاهرها مجرد مضمون ذهني، وقد أصبح مذهب المثالية الذاتية سائداً في القرن الثامن عشر، وفي ذلك الوقت كانت الفلسفة تشعر شعوراً واضحاً بمدى صعوبة الشرح وتفسير العلاقة بين المعرفة والواقع، وقد كان جورج بركلي سيسر على النحو التالي .[2]

" إن كل الأشياء التي نسميها مادة هي موضوعات لتجربتنا وهي بهذا الوصف لا توجد في نظرنا إلا وبصفها ادراكات، فعندما نقول مثلاً إن الشجرة توجد فنحن نقول إن لدينا ادراكاً حسياً أو تجربة نطلق عليها اسم شجرة، غير إن هذه التجربة مهما كانت حيويتها لا تضفي على أي نحو وجوداً موضوعياً مستقلاً على الشجرة التي تظل مجرد تجربة فقط ". وقد لخص بركلي المسألة كلها في هذه العبارة :

" وجود الشئ هو تكونه مدركاً فليس ثمة وجود بمعزل عن الذهن الذي يدخل هذا الوجود في تجربته "

ولقد نقد الموقف الطبيعي لفلسفة باركلي حيث انه اثبت استحالة وجود المادة مستقلة، فلن يكون للمادية أرجل تقف عليها، وهو رأي منطقي تماماً، غير إن خصومة في المذهب الطبيعي ومن أحدهم اللغوي المشهور " صامويل جونسون " أن تمحى المثالية الذاتية بضربة هائلة من قدمه في حجر، ولابد للأسقف بركلي إن يمحى من الوجود .

ولكن ولا الموقف الطبيعي ولا ركل الجحر يكفي لرد على حجة بركلي، كما بادر الأيرلندي الذكي حيث قال " إن كل مااثبتة الدكتور جونسون هو مااعترف به المذهب الذاتي بالفعل وهو إن الدنيا حزمه من الإحساسات، وهي في هذه الحالة إحساسات بالمقاومة العضلية ووخزه من الألم في موضع إبهام القدم .

وتستند حجة باركلي على الأبناء اللاهوتي، لأن بركلي حين استعان بالذهن الإلهي ورصيده اللامتناهي من الإدراكات قد ضرب عدة عصافير بحجر واحد:

الأول: علل وجود العالم الخارجي كما يطلب الموقف الطبيعي .

الثاني: فسر استمرار إدراكاتنا واتساقها، فالذهن الإلهي يتولى العمل عندما ننام أو ننشغل بإدراكات أخرى، وبذلك يحفظ وجود الأشياء جميعاً ويجهزها لكي تدركها الأذهان المتناهية عندما تستيقظ من جديد أو تتحول مرة أخرى إلى هذا الأتجاة .

الثالث: فسر التشابه في إحساساتنا عندما ندرك شيئاً واحداً مشتركاً، فما دام الشئ يوجد بوصفه فكرة واحدة في الذهن الإلهي فليس من المستغرب إن ندركه كلنا على نفس الاتجاه .

الرابع: حطم المادية بالقضاء على العالم المادي المستقل عن الفكرة .

الخامس :وفند الإلحاد بأن جعل الله حقيقة لا غناء عنها في كل وجود، وليس من شك بأن باركلي كان يؤمن بإخلاص بأن محو فكرة الله من الذهن سيؤدي إلى تدمير الكون، ناهيك عن تدمير مذهب بركلي ذاته .

واعتقاد بركلي في إثبات كل هذه الأمور كان قوياً، فقد كان لفلسفة إن تنتظر قليلاً إلى حين ظهور يبين هيوم الفيلسوف الاسكتلندي الشكاك اللامع، وقد انتقد مذهب باركلي بقوله " ليس هناك ثمة وسيلة لإثبات إن ادراكاتنا لها موضوعية في الذهن الإلهي، ولو كانت وجود أي شئ يتوقف على كونه مدركاً فمن أين يأتي وجود الله ؟

سبحان الله أحسن الخالقين، لنبين للجميع هنا بأن هذه النظريات منفية لإيماننا التام بالله عز وجل.

تستخدم بعض الفروع المختلفة المنتمية إلى المذهب المثالي، أساليب مختلفة في تفسير التعرض بين المظهر والحقيقة، ومن المهم ايضاً إن نختبر بعضاً مكن هذه الفروع، إذ إن إجابتها ستكشف لنا الكثير عن المثالية بوجه عام، وعما تداخلت مشكلة الشر إلى مسألة أوسع انتشاراً بين كثير من الناس، تعين على المثالية مواجهتها، فهي من أوسع المشكلات تضخماً والتي هي دون شك أصلب من بندقية يتعين على أي مذهب مثالي كسرها .

ومشكلة هي إذا كان الكون هو تجسد لذهن أو العقل فكيف حدث إن تجربتنا تكشف لنا الكثير مما هو لا معقول ولا مفهوم ؟، وكيف يحدث إننا كثيراً ما نضطر إلى التوفيق بين ماهو بوضوح اتفاق اعمي أو مصادفه أليمة، وبين الغاية العاقلة التي يفترض أنها تكمن وراء ذلك كله ؟. ولو كان نظام الأشياء معقولاً بحق، أكنا نجلس الآن في هذا المكان نتصارع مع مشكلة الشر ؟، إننا لا نسمع قط عن مشكلة الخير، مع إن لنا الحق منطقياً أن نتوقع في ذلك الكون موجود في جميع أرجائة .

ومن أصعب هذه المشاكل هي الصورة التي يتعين على كل الأديان مواجهتها ويعني بذلك، لو إن كان الله عز وجل ذا قدرة شاملة وحكمة شاملة، وبكن ليس ذا خير شامل، لأمكننا إن نفهم وجود مثل هذا العالم الذي نعيش فيه بالفعل. أو لو كان لديه حكمة وقدرة أكثر لأمكننا أن نتفهم ذلك أيضاً، ولكن كيف نتفق في وجود إله لا متناه وبين حقيقة الشر ؟ فأما انه لا يكترث بنا وإما انه لا حيلة له بنا على الإطلاق، وهناك احتمال ثالث هو إن تكون لديه الحكمة الضرورية اللازمة ولكن سلطته محدودة. مما يجعله يعمل بالتدريج على محو الشر، وقد يقتضي الأمر آماداً هائلة من الزمان .

ومانراه الآن هو استنتاجات تحليلية لن يكفيها من الإجابات التي يقدمها الإنسان المؤمن بالله تعالى والموحد بت، حيث أن الله عز وجل من أكرم الأكرمين سبحانه وتعالى، وحكيم عليم، ورغم جميع الدلائل القرآنية التي يعلمون بأنها حقيقة لا خيال، إلا إن طبيعة الإنسان تقتضي شكه في جميع الأمور المحيطة من حوله، وما يسمى بالشر ليس إلا خطأ في أذهاننا نحن، ففي الذهن الإلهي وللامتنا هي، لا يمكن أن يوجد إلا الخير والحق، بحيث أن أي خطأ أو شر يكون ناتجاً عن أذهاننا نحن المتناهية الفانية، وماعلينا سوى أن نطرح فكرة الشر جانباً لأن هذه المشكلة موجودة في أذهاننا .

ولو نظرنا إلى الأمور في الاعتراف بحقيقة الشر في الذهن العادي من منظور طويل الأمد، أي إذا تعلمنا إن نرى الأشياء من منظور الأزل، لأدركنا أنه مهما تكن أصالة الأمم والشقاء والحمق الموجود في العالم فأن هذه الأمور تتناقض تدريجياً، ومن الممكن إن تسمى بالموقف التاريخي من المشكلة، فأنصار هذا الموقف يؤمنون بالتقدم، ويرون إن في استطاعة الإنسان باستخدام عقلة وجهوده الخاصة أن يجعل مسيرة التقدم تمضي لتحقيق نتائج لا حدود لها. وتعرف وجهة النظر هذه باسم "" مذهب التحسن "" وهو القائل بأن الأمور قابلة للإصلاح ويوحي هذا المذهب في الدين حيث يدعون إليه كثيراً في الكنائس المتحررة بأن الله يحتاج إلى مساعدتنا في الكفاح، وهذا هراء فهو الواحد أحد الفرد الصمد ليس بحاجتنا بل نحن في حاجته سبحانه وتعالى عما يصفون ..


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

المثالية التجاوزية

المثالية الموضوعية

تنطلق المثالية الموضوعية من الأسس الموضوعية نفسها حيث تعتبر أن جميع الاشياء و ظواهر الواقع تكمن فكرة ما موجودة موضوعيا، وتوجد خارج الوعي الإنساني، فقد نظر أفلاطون الى العالم المادي كانعكاس شاحب لعالم الأفكار التي تكمن في اساس الاشياء الملموسة في عالم الحواس .

في فلسفة هيگل اعتبرت الفكرة المطلقة الخالدة اساسا لكل شيء، ان تعاليم المثالية الموضوعية عن الفكرة المطلقة هي الاساس الفلسفي للتعاليم الدينية عن الإله و خلق العالم .

المثالية المطلقة

المثالية المطلقة، مفهوم فلسفي قال به هيگل Hegel، في المقام الأول، وقال به شلنگ Schelling وجوسيا رُويْس Josiah Royce وغيرهما أيضاً. والمثالية تذهب، بوجه عام، إلى أن الحقيقة المطلقة كامنةٌ في عالم يتعدّى عالم الظواهر. وهي تعني عند هيگل بخاصة، أن العالم المحدود لا يعدو أن يكون انعكاساً للعقل، الذي هو وحده حقيقيٌ بكل ما في الكلمة من معنى، في هذا العالم. ليس هذا فحسب، بل لقد انطلق هيگل من ذلك إلى القول بأن الكائن المحدود (أو الكائن الذي يوجد ثم ينعدم) يفترض وجودَ ذات أزلية مطلقة يشكل الكائن المحدودُ، في نطاقها، عنصراً تابعاً.[3]

المثالية الفعلية

المثالية التعددية

المثاليون الإغريق

كان عصر پريكليس شبيهاً بعصرنا هذا في تنوع أفكاره واضطرابها، وفي تحديه لجميع المعايير والعقائد التقليدية القديمة، ولكن ما من عصر من العصور يضارع عصر پريكليس في كثرة آرائه الفلسفية وعظمتها أو في غزارتها وفي القوة التي كانت تناقش بها. فقد كانت كل المسائل التي يضطرب بها العالم اليوم تدور على ألسنة الناس في أثينا القديمة، يناقشها الناس بحرارة وحماسة روعت جميع اليونان ما عدا شبابهم. وقد حرمت كثير من المدن - وخاصة إسبارطة - أن يبحث الجمهور المسائل الفلسفية بسبب ما كانت تثيره من "حقد، ونزاع، وجدل عقيم" على حد قول أثنيوس. ولكن "بهجة" الفلسفة "العزيزة" كانت تستحوذ على خيال الطبقات المتعلمة في أثينا، فكان أغنياء المدينة يفتحون أبواب بيوتهم وأبهائهم للباحثين كما كان يحدث في عهد الاستنارة في فرنسا، وكانت الولائم تولم للفلاسفة، والبحوث الطريفة يصفق لها كما يصفق للضربات القوية في الألعاب الأولمبية.

ولما أن أضيفت حرب السيوف إلى حرب الألفاظ في عام 432، استحال هياج العقول الأثينية إلى حمى احترق فيها كل ما كانت تتصف به تلك العقول من اعتدال وحكمة. وخبت نار هذه الحمى بعض الوقت بعد استشهاد سقراط أو بالأحرى توزعت من أثينا على غيرها من مراكز الحياة اليونانية. وحتى أفلاطون نفسه الذي عرف ما بلغته هذه الحمى وما أدت إليه من أزمات استُنفِدت قواه بعد أن دامت هذه الحال الجديدة ستين عاماً كاملة، وكان يحسد مصر على إيمانها الديني واستقرار أفكارها وهدوئها. ولم يشهد عصر من العصور المقبلة إلى أن حل عصر النهضة ما شهده هذا العصر من حماسة في التفكير وقوة في النقاش.

وكان أفلاطون يمثل أعلى منزلة وصلت إليها الحركة التي بدأت بپارمنيدس، وكان لها بمثابة هيگل Hegel لكانت Kant، ومع أنه لم يكن يتورع عن التنديد بآراء الفلاسفة، فإنه لم ينقطع يوماً ما عن تعظيم أبيه الميتافيزيقي. وفي بلدة إليا الصغيرة القائمة على ساحل إيطاليا الغربي نشأت في عام 450 ق.م الفلسفة المثالية التي أثارت في كل قرن من القرون المقبلة حرباً شعواء على المادية، وقذفت في بوتقة التفكير الأوربي مشكلة المعرفة الغامضة العجيبة، ومشكلة الفرق بين الظاهر من جهة وما لا يعرف ولا يمكن أن يعرف من جهة أخرى، وبين الحقيقي غير المنظور والمنظور غير الحقيقي، وظلت هذه الأفكار تغلي أو تغطمط طوال تاريخ اليونان القديم وفي أثناء العصور الوسطى حتى انفجرت مرةً أخرى في عصر كانت وعلى يديه وأضحت ثورة فكرية عارمة.

وكما أن ديڤيد هيوم David Hume قد أيقظ "كانت"، كذلك كان اكسنوفانيس Xenophanes هو الذي دفع پارمنيدس إلى الاشتغال بالفلسفة، ولعل عقل پارمنيدس كان واحداً من عقول كثيرة أثارها قول اكسنوفانيس إن الآلهة ليست إلا أساطير، وإنه لا توجد إلا حقيقة واحدة هي العالم والله جميعاً. كذلك درس پارمنيدس مع الفيثاغوريين وسرى فيه شغفهم بعلم الفلك، ولكنه لم يضل في بيداء النجوم، بل كان كمعظم فلاسفة اليونان يهتم بالشئون الحية ومنها شئون الدولة. وقد كلفته إيليا أن يضع لها قوانينها، فلما وضعها أعجبت به إعجاباً جعلها تطلب إلى جميع قضاتها أن يحكموا في جميع القضايا بمقتضاها. ولعله أراد أن يرفِّه عن نفسه في حياته المفعمة بالعمل، فأنشأ قصيدة فلسفية في الطبيعة بقي منها إلى الآن نحو مائة وستين بيتاً تكفي لأن نأسف لأن پارمنيدس لم يكتب نثراً. وفي هذه القصيدة يعلن الشاعر، وهو يغمز بعينه، أن إلهة قد أوحت إليه أن الأشياء جميعها وحدة، وأن الحركة، والتغير، والنمو، أشياء غير حقيقية، فهي خيالات لمشاعر سطحية، متعارضة تافهة، وأن من وراء هذه المظاهر وحدة، متجانسة لا تتبدل، ولا تنقسم، ولا تتحلل، ولا تتحرك، وهي وحدة الكائنات، والحقيقة التي لا حقيقة سواها، والإله الذي لا إله غيره. لقد كان هرقليطس يقول إن كل شيء يتغير Panta Rei أما پارمنيدس فيقول إن الأشياء بأجمعها كل واحد أبداً Hen Ta Panta. وهو في بعض الأحيان يقول كما يقول اكسنوفانيس إن هذا الواحد هو الكون، ويصفه بأنه شبه كرى ومحدود، وكان في بعض الأحيان حين ينظر إليه نظرة فكرية مجردة يرى أن هذا الكائن هو الفكر ويقول: "إن الفكر والكون شيء واحد". وكأنه يريد بهذا أن يفهمنا أن الأشياء لا وجود لها في إدراكنا، وأن البداية والنهاية، والمولد والموت، والتكوين والتدمير، لا تصيب إلا الأشكال والصور، أما الواحد الحق فلا بداية له ولا نهاية، وليس ثمة صيرورة، وليس ثمة إلا وجود، وأن الحركة أيضاً غير حقيقية لأنها تفترض انتقال شي من المكان الذي هو فيه إلى مكان لا يوجد فيه شي أي إلى الفراغ، ولكن الفراغ الذي هو غير كائن لا يمكن أن يكون، إذ ليس ثمة فراغ قط، لأن الواحد يملأ كل ركن وكل شق في العالم، وهو ساكن سكوناً سرمدياً.

ولم يكن ينتظر بطبيعة الحال أن يستمع الناس إلى هذه الأقوال كلها وهم صابرون، ويبدو أن السكون الپارمنيدي كان الهدف الذي صوبت إليه مئات من الهجمات الميتافيزيقية. وترجع أهمية زينون الإليائي الحصيف تلميذ پارمنيدس إلى محاولته إثبات أن فكرتي التعدد والحركة كانتا من الوجهة النظرية على الأقل مستحيلتين كاستحالة واحد پارمنيدس الثابت القديم الحركة - وأراد زينون أن يدرب نفسه على الضلال والمشاكسة، وأن يسلي شبابه في الوقت نفسه، فألف كتاباً في المتناقضات وصلت إلينا تسع منها، حسبنا أن نورد منها ثلاثاً: وأولى هذه المتناقضات كما يقول زينون أن الجسم لكي يتحرك إلى نقطة أ لا بد أن يصل إلى ب وهي منتصف طريقه إلى أ، ولكي يصل إلى ب يجب أن يصل أولا إلى ج منتصف طريقه إلى ب، وهكذا إلى ما لا نهاية. وإذ كانت هذه السلسلة التي لا نهاية لها من الحركات تتطلب قدراً لا نهاية له من الزمن، فإن تحرك أي جسم إلى أية نقطة في زمن محدد أمر مستحيل. والثانية وهي صورة أخرى من الأولى أن أخيل السريع العدو لا يستطيع أن يدرك السلحفاة البطيئة. وذلك لأنه كلما وصل إلى النقطة التي كانت فيها السلحفاة، تكون السلحفاة في هذه اللحظة نفسها قد انتقلت من هذه النقطة. والثالثة أن السهم الطائر في الهواء هو في الحقيقة ساكن غير متحرك، لأنه في كل لحظة من طيرانه لا يكون إلا في نقطة واحدة في الفضاء، أي أنه يكون ساكناً، وحركته منطقياً وميتافيزيقياً غير حقيقية مهما بدا للحواس أنها واقعة فعلاً.

وجاء زينون إلى أثينا حوالي عام 450 ق.م. ولعله جاء إليها مع پارمنيدس وأثار ثائرة المدينة السريعة التأثر بقدرته على تحويل أي نوع من أنواع النظريات الفلسفية إلى سخافات غير معقولة. وقد وصف تيمون الفليوسي Temon of Phlius " لسان زينون ذي الحدين الذي يستطيع أن يبرهن على أن كل قول يقوله الإنسان غير حقيقي".

ومن هذه النعرة قبل السقراطية (ونحن نسميها نعرة لأن جهلنا بالماضي يضطرنا إلى تسمية هذه المعاني بتلك الأسماء) كانت بداية علم المنطق كما كان پارمنيدس بالنسبة لأوروبا هو واضع علم ما وراء الطبيعة. ولقد حاكى سقراط طريقة زينون الجدلية محاكاة شديدة وإن كان قد ندد بها وشنع عليها، وبلغ من تحمسه لهذه الطريقة أن اضطر قومه إلى قتله لكي يريحوا عقولهم من جدله. ولقد كان أثر زينون في السوفسطائيين المتشككين حاسماً وقوياً، وكان لتشككه آخر الأمر الغلبة في بيرون Purrho وقرنيادس Carneades. وقد أصبح في شيخوخته رجلاً "ذا حكمة عظيمة وعلم غزير" فأخذ يشكو من أن الفلاسفة قد حملوا مزاحه العقلي في أيام شبابه محمل الجد. وكان انقلابه الأخير سبب القضاء عليه. ذلك أنه اشترك في حركة تهدف إلى خلع الطاغية نيارقيس Nearches في إيليا ولكنه أخفق في محاولته، وقبض عليه، وعذب، وقتل(11). وصبر الفيلسوف على عذابه صبر الأبطال، وكأنما أراد بذلك أن ينضم اسمه بعد قليل من الزمن إلى أسماء أصحاب الفلسفة الرواقية.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الهامش

  1. ^ د/عثمان أمين. "المثالية(القديمة والحديثة)". منتديات شباب أداب كفر الشيخ.
  2. ^ "ميدان الفلسفة انواعها ومشكلاتها". الطائف نت.
  3. ^ "المثالية المُطْلقَة". موسوعة شبكة المعرفة الريفية.

المراجع

  • Immanuel Kant's Critique of Pure Reason with an historical introduction by Ludwig Noiré, available at [1]
  • Kierkegaard, Søren. Concluding Unscientific Postscript, Princeton, ISBN 978-0-691-02081-5
  • Neujahr, Philip J., Kant's Idealism, Mercer University Press, 1995 ISBN 0-86554-476-X
  • Watts, Michael. Kierkegaard, Oneworld, ISBN 978-1-85168-317-8

للاستزادة

  • Gustavus Watts Cunningham Idealistic Argument in Recent British and American Philosophy Books For Libraries Press, 1967
  • Hugh Joseph Tallon The concept of self in British and American idealism Catholic University of America Press, 1939
  • Gerald Thomas Baskfield The idea of God in British and American personal idealism Catholic University of America, 1933
  • Vergilius Ture Anselm Ferm A history of philosophical systems Littlefield Adams, 1968 ISBN 0-8226-0130-3

وصلات خارجية

قالب:Idealism