ماسرجويه
متطبب البصرة وهو الذي نقل كتاب أهرن من السرياني إلى العربي وكان يهودي المذهب سريانياً وهو الذي يعنيه أبو بكر محمد بن زكريا الرازي في كتابه الحاوي بقوله قال اليهود وقالسليمان بن حسان المعروف بإبن جلجل إن ماسرجويه كان في أيام بني أمية وأنه تولى في الدولة المروانية تفسير كتاب أهرن بن أعين إلى العربية الذي وجده عمربن عبد العزيز رحمه اللّه في خزائن الكتب فأمر بإخراجه ووضعه في مصلاه وإستخار اللَّه في إخراجه إلى المسلمين للإنتفاع به فلما تم له في ذلك أربعون صباحاً أخرجه إلى الناس وبثه في أيديهم قال سليمان بن حسان حدثني أبو بكر محمد بن عمر بن عبد العزيز بهذه الحكاية في مسجد الترمذي سنة تسع وخمسين وثلاثمائة. وقال يوسف بن إبراهيم حدثني أيوب بن الحكم البصري المعروف بالكسروي صاحب محمد بن طاهر بن الحسين - وكان ذا أدب ومروءة وعلم بأيام الناس وأخبارهم قال كان أبو نواس الحسن بن هانئ يعشق جارية لإمرأة من ثقيف تسكن الموضع المعروف بحكمان من أرض البصرة يقال لها جنان وكان المعروفان بأبي عثمان وأبي أمية وثقيف قريبين لمولاة الجارية فكان أبو نواس يخرج في كل يوم من البصرة يتلقى من يقدمه من ناحية حكمان فيسائلهم عن أخبار جنان قال فخرج يوماً وخرجت معه وكان أول طالع علينا ماسرجويه المتطبب فقال له أبو نواس كيف خلفت أبا عثمان ومية فقال ماسرجويه جنان صالحة كما تحب فأنشأ أبو نواس يقول أسأل القادمين من حكمان كيف خلفتم أبا عثمان وأبا مية المهذب والمأ - - مول والمرتجى لريب الزمان فيقولون لي جنان كما سرك في حالها فسل عن جنان ما لهم لا يبارك اللّه فيهم كيف لم يغن عنهم كتماني قال يوسف وحدثني أيوب بن الحكم أنه كان جالساً عند ماسرجويه وهو ينظر في قوارير الماء إذ أتاه رجل من الخوز فقال له إني بليت بداء لم يبل أحد بمثله فسأله عن دائه فقال أصبح وبصري عليّ مظلم وأنا أجد مثل لحس الكلاب في معدتي فلا تزال هذه حالي حتى أطعم شيئاً فإذا طعمت سكن عني ما أجد إلى وقت إنتصاف النهار ثم يعاودني ما كنت فيه فإذا عاودت الأكل سكن ما بي إلى وقت صلاة العتمة ثم يعاودني فلا أجد له دواء إلا معاودة الأكل فقال ماسرجويه على هذا الداء غضب اللَّه فإنه أساء لنفسه الإختيار حين قرنها بسفلة مثلك فقال له ما أفهم عنك فقال له ماسرجويه هذه صحة لا تستحقها أسأل اللَّه نقلها عنك إلى من هو أحق بها منك قال يوسف وحدثني أيوب بن الحكم الكسروي قال شكوت إلى ماسرجويه تعذر الطبيعة فسألني أي الأنبذة أشرب فأعلمته أني أدمن النبيذ المعمول من الدوشاب البستاني الكثير الداذي فأمرني أن آكل في كل يوم من أيام الصيف على الريق قثاءة صغيرة من قثاء بالبصرة يعرف بالخريبي قال فكنت أوتى بالقثاء وهو قثاء دقيق في دقة الأصابع وطول القثاءة منه نحو من فتر فآكل منه الخمس والست والسبع فكثر علي الإسهال فشكوت ذلك إليه فلم يكلمني حتى حقنني بحقنة كثيرة الشحوم والصموغ والخطمي والأرز الفارسي وقال لي كدت تقتل نفسك بإكثارك من القثاء على الريق لأنه كان يحدر من الصفراء ما يزيل عن الأمعاء من الرطوبات اللاصقة بها ما يمنع الصفراء من سحجها وإحداث الدوسنتاريا فيها ولماسرجويه من الكتب كناش كتاب في الغذاء كتاب في العين لويه بن بنان متطبب المعتصم لما إستخلف أبو إسحاق محمد المعتصم باللّه وذلك في سنة ثمان عشرة ومائتين إختار لنفسه سلمويه الطبيب وأكرمه إكراماً كثيراً يفوق الوصف وكان يرد إلى الدواوين توقيعات المعتصم في السجلات وغيرها بخط سلمويه وكل ما كان يرد على الأمراء والقواد من خروج أمر وتوقيع من حضرة أمير المؤمنين فبخط سلمويه وولى أخا سلمويه إبراهيم بن بنان خزن بيوت الأموال في البلاد وخاتمه مع خاتم أمير المؤمنين ولم يكن أحد عنده مثل سلمويه وأخيه إبراهيم في المنزلة وكان سلمويه إبن بنان نصرانياً حسن الإعتقاد في دينه كثير الخير محمود السيرة وافر العقل جميل الرأي وقال إسحاق بن علي الرهاوي في كتاب أدب الطبيب عن عيسى بن ماسة قال أخبرني يوحنا بن ماسويه عن المعتصم أنه قال سلمويه طبيبي أكبر عندي من قاضي القضاة لأن هذا يحكم في نفسي ونفسي أشرف من مالي وملكي ولما مرض سلمويه الطبيب أمر المعتصم ولده أن يعوده فعاده ثم قال أنا أعلم وأتيقن أني لا أعيش بعده لأنه كان يراعي حياتي ويدبر جسمي ولم يعش بعده تمام السنة وقال إسحاق بن حنين عن أبيه إن سلمويه كان أعلم أهل زمانه بصناعة الطب وكان المعتصم يسميه أبي فلما اعتل سلمويه عاده المعتصم وبكى عنده وقال تشير علي بعدك بما يصلحني فقال سلمويه يعز علي بك يا سيدي ولكن عليك بهذا الفضولي يوحنا بن ماسويه وإذا شكوت إليه شيئاً فقد يصف فيه أوصافاً فإذا وصف فخذ أقلها أخلاطاً فلما مات سلمويه امتنع المعتصم من أكل الطعام يوم موته وأمر بأن تحضر جنازته الدار ويصلى عليه بالشمع والبخور على زي النصارى الكامل ففعل وهو بحيث يبصرهم ويباهي في كرامته وحزن عليه حزناً شديداً وكان المعتصم الهضم في جسمه قوي وكان سلمويه يفصده في السنة مرتين ويسقيه بعد كل مرة دواء مسهلاً ويعالجه بالحمية في أوقات فأراد يوحنا بن ماسويه أن يريه غير ما عهد فسقاه دواء قبل الفصد وقال أخاف أن تتحرك عليه الصفراء فعند ما شرب الدواء حمي دمه وحم جسمه وما زال جسمه ينقص والعلل تتزايد إلى أن نحل بدنه ومات بعد عشرين شهراً من وفاة سلمويه وكانت وفاة المعتصم في شهر ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين قال يوسف بن إبراهيم قال المعتصم لأبي إسحاق إبراهيم بن المهدي في أول مقدمه من بلد الروم وهو خليفة يا عم أمورك مضطربة عليك منذ أول أيام الفتنة لأنك بليت في أولها مثل ما شمل الناس ثم خصك بعد ذلك من خراب الضياع وتخرم حدودها لاستتارك سبع سنين من الخليفة الماضي ما لو لم يتقدمه شيء من المكروه لقد كانت فيه كفاية ثم ظهر من سوء رأي المأمون بعد ذلك فيك ما طمَّ على كل ما تقدم من المكروه النازل بك فزاد ذلك في أمرك وفكرت فيك فوجدتك تحتاج إلى أن يرد علي في يوم خبرك وما تحتاج إليه لمصالح أمورك ورأيت ذلك لا يتم إلا بتقليدي عن القيام برفع حوائجك إلى خادم خاص بي وقد وقع اختياري لك على خادمين لي يصل كل واحد منهما إلي في مجالس جدي وهزلي بل يصل إلي في مرقدي ومتوضئي وهما مسرور سمانه الخادم وسلمويه بن بنان فاختر أيهما شئت وقلده حوائجك فوقع اختياره على سلمويه. وأحضره أمير المؤمنين فأمره أن يتولى إيصال رسائله إليه في جميع الأوقات قال يوسف فقربني أبو إسحاق بسلمويه وكنت لا أكاد أفارقه وكان خروج أمير المؤمنين عن مدينة السلام آخر خرجاته عن غير ذكر تقدم لخروج إلى ناحية من النواحي وكان الناس قد حضروا الدكة بالشماسية لحلية السروج في يوم الأربعاء لسبع عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة عشرين ومائتين فأخرجت الخيل ودعا بالجمازات فركبها ونحن لا نشك في رجوعه من يومه ثم أمر الموالي والقواد باللحاق به ولم يخرج معه من أهل بيته أحد إلا العباس بن المأمون وعبد الوهاب بن علي وخلف المعتصم الواثق بمدينة السلام إلى أن صلى بالناس يوم النحر سنة عشرين ومائتين ثم أمر بالخروج إلى القاطول فخرج فوجهني أبو إسحاق بحوائج له إلى باب أمير المؤمنين فتوجهت فلم يزل سيارة مرة بالقاطول ومدينة القاطول ومرة بدير بني الصقر وهو الموضع الذي سمي في أيام المعتصم والواثق بالإيتاخية وفي أيام المتوكل بالمحمدية ثم صار المعتصم إلى سر من رأى فضرب مضاربه فيها وأقام بها في المضارب فإني في بعض الأيام على باب مضرب المعتصم إذ خرج سلمويه بن بنان فأخبرني أن أمير المؤمنين أمره بالمضي إلى الدور والنظر إلى سوار تكين الفورغاني والتقدم إلى متطببه في معالجته من علة يجدها بما يراه سلمويه صواباً وحلف علي أن لا أفارقه حتى نصير إلى الدور ونرجع فمضيت معه فقال لي حدثني في غداة يومنا هذا نصر بن منصور بن بسام أنه كان يساير المعتصم باللّه في هذا البلد يعني بلد سر من رأى وهو أمير قال لي سلمويه قال لي نصر إن المعتصم أمير المؤمنين قال له يا نصر أسمعت قط بأعجب ممن اتخذ في هذا البلد بناء وأوطنه ليت شعري ما أعجب موطنه حزونة أرضه أو كثرة أخافيفه أم كثرة تلاعه وشدة الحر فيه إذا حمي الحصى بالشمس ما ينبغي أن يكون متوطن هذا البلد إلا مضطراً مقهوراً أو ردي التمييز. قال لي سلمويه قال لي نصر بن منصور وأنا واللّه خائف أن يوطن أمير المؤمنين هذا البلد فإن سلمويه ليحدثني عن نصر إذ رمى ببصره نحو المشرق فرأى في موضع الجوسق المعروف بالمصيب أكثر من ألف رجل يضعون أساس الجوسق فقال لي سلمويه أحسب ظن نصر بن منصور قد صح وكان ذلك في رجب سنة إحدى وعشرين ومائتين وصام المعتصم في الصيف في شهر رمضان من هذه السنة وغدى الناس فيه يوم الفطر واحتجم المعتصم بالقاطول يوم سبت وكان ذلك اليوم آخر يوم من صيام النصارى فحضر غداءه سلمويه بن بنان واستأذنه في المصير إلى القادسية ليقيم في كنيستها باقي يومه وليلته ويتقرب فيها يوم الأحد ويرجع إلى القاطول قبل وقت الغداء من يوم الأحد فأذن له في ذلك وكساه ثياباً كثيرة ووهب له مسكاً وبخوراً كثيراً فخرج منكسراً مغموماً وعزم علي بالمصير معه إلى القادسية فأجبته إلى ذلك وكانت عادتنا متى تسايرنا قطع الطريق إما بمناظرة في شيء من الآداب وإما بدعابة من دعابات المتأدبين فلم يجارني شيء من البابين جميعاً وأقبل على الفكرة وتحريك يده اليمنى وشفته تهمس من القول بما لا يعلنه فسبق إلى وهمي أنه رأى من أمير المؤمنين في أمر نفسه شيئاً أنكره ثم أزال ذلك الوهم عني إقدامه على الاستئذان في المصير إلى القادسية والثياب والطيب الذي جيء به فسألته عن سبب قراءته وفكرته فقال لي سمعتك تحكي عن بعض ملوك فارس قولاً في العقل وأنه وجب أن يكون أكثر ما في الإنسان عقله فأعده علي وخبرني باسم ذلك الملك قال له قال أنو شروان إذا لم يكن أكثر ما في الرجل عقله كان أكثر ما فيه برديه فقال قاتله اللَّه فما أحسن ما قال ثم قال أميرنا هذا يعني الواثق حفظه لما يقرأ ويقرأ عليه من الكتب أكثر من عقله وأحسبه قد وقع في الذي يكره وأنا أستدفع اللَّه في المكاره عنه وبكى فسألته عن السبب فقال أشرت على أمير المؤمنين بترك الشرب في عشية أمس ليباكر الحجامة في يومنا هذا على نقاء فجلس وأحضر الأمير هارون وابن أبي داؤد وعبد الوهاب ليتحدث معهم فاندفع هارون في عهد أردشير بن بابك وأقبل يسرد جميع ما فيه ظاهراً حتى أتى على العهد كله فتخوفت عليه حسد أبيه له على جودة الحفظ الذي لم يرزق مثله وتخوفت عليه إمساك أبيه ما حدّ أردشير بن بابك في عهده من ترك إظهار البيعة لولي عهده. وتخوفت عليه ما ذكر أردشير في هذا الباب من ميل الناس نحو ولي العهد متى عرفوا مكانه وتخوفت عليه ما ذكر أردشير من أنه لا يؤمن اضطغان ولي العهد على أسباب والده متى علم أنه الملك بعد أبيه وأنا واللَّه عالم بأن أقل ما يناله في هذا الباب التضييق عليه في معاشه وأنه لا يظهر له بيعة أبداً فاغتمامي بهذا السبب فكان جميع ما تخوف سلمويه علي ما تخوف قال يوسف واستبطأ المعتصم أبو إسحاق إبراهيم بن المهدي في بعض الأمور واستجفاه فكتب إليه كتاباً أمرني بقراءته على سلمويه ومناظرته فيه فإن استصوب الرأي في إيصاله ختمته وأوصلته وإن كره ذلك رددته على أبي إسحاق فقرأته على سلمويه فقال لي قل له قد جرى لك المقدار مع المأمون والمعتصم أعز اللَّه الباقي ورحم الماضي بما يوجب عليك شكر ربك وألاّ تنكرّ عليّ بالخليفتين تنكرهما في وقت من الأوقات لأنك تسميت باسم لم يتسم به أحد قط فكاثر الأحياء فإن كان المقدار استعطف عليك رحمك حتى صرت إلى الأمن من المكروه فليس ينبغي أن تتعجب من تنكر الخليفة وفي وقت من الأوقات أن طعن بعض أعدائك عليك بما كان منك فيظهر بالجفاء اليومين والثلاثة أو نحو ذلك ثم ينعطف عليك ويذكر ماسة رحمك وشابكتها فيؤول أمرك إلى ما تحب ولك أيضاً آفة يجب عليك التحرز منها وهي أنك تجلس مع الخليفة في مجلسه وفيه جماعة من أهله وقواده ووجوه مواليه فهو يجب أن يكون أجل الناس في عيونهم وأملأ لقلوبهم فلا يجري جار من القول إلا ظهرت لنفسك فيه قولاً يتبين نصرتك فيه عليه فلو كنت مثل ابن أبي داؤد أو مثل بعض الكتاب لكان الأمر فيه أسهل عليه لأنه ما كان لتلك الطبقة فهو للخليفة لأنهم من عبيده وما كان لرجل من أهله له السن والقعدد عليه فهو موجب لمن السن والقعدد له وذلك مزر بالخليفة وأنا أرى أن لا أوصل هذا الكتاب وأن يتغافل أعزه اللَّه حتى يتشوق إليه الخليفة فإذا صار إليه تحرز مما كرهته له ففي ذلك غنى عن العتاب والاستبطاء. قال فإنصرفت إلى أبي إسحاق بالكتاب ولم أوصله فوجدت سيما الدمشقي عند صاحبنا وقد أبلغه رسالة المعتصم بوصف شوقه إليه وبالأمر بالركوب إليه فأخبرته بما دار بيني وبين سلمويه وركب فاستعمل ما أشار به فلم ينكربعد ذلك منه شيئاً حتى فرق بينهما الموت قال يوسف وجرى بيني وبين سلمويه ذكر يوحنا بن ماسويه فأطنبت في وصفه وذكرت منه ما أعرف من اتساع علمه فقال سلمويه يوحنا آفة من آفات من اتخذه لنفسه وإتكل على علاجه وكثرة حفظه للكتب وحسن شرحه ووصفه بما يلجم به المكروه ثم قال لي أول الطب معرفة مقدار الداء حتى يعالج مقدار ما يحتاج إليه من العلاج ويوحنا أجهل خلق اللَّه بمقدار الداء والدواء جميعاً فإن زاول محرور عالجه من الأدوية الباردة والأغذية المفرطة البرد وبما يزيل عنه تلك الحرارة ويعقب معدته وبدنه برداً ويحتاج له إلى المعالجة بالأدوية والأغذية الحارة ثم يفعل في ذلك كفعله في العلة الأولى من الإفراط ليزول عنه البرد ويعتل من حرارة مفرطة فصاحبه أبداً عليل إما من حرارة وإما من برودة والأبدان تضعف عن احتمال هذا التدبير وإنما الغرض في اتخاذ الناس المتطببين لحفظ صحتهم في أيام الصحة ولخدمة طبائعهم في أيام العلة ويوحنا لجهله بمقادير العلل والعلاج غير قائم بهذين البابين ومن لم يقم بهما فليس بمتطبب قال يوسف وأصابت إبراهيم بن بنان أخا سلمويه بن بنان هيضة من خوخ أكله فأكثر منه فكادت تأتي على نفسه فسقاه أخوه سلمويه شهرياراناً كثير السقمونيا فأسهله إسهالاً كثيراً زائداً على المقدار الذي يجب أن يكون ممن شرب مثل ما شرب إبراهيم من الشهرياران وإنقطع مع انقطاع فعل الشهرياران فعل الهيضة فقلت له أحسبك امتثلت فيما فعلت بأخيك من إسقائه الدواء المسهل طريقة يزيد بور في ثمامة العبسي فقال ما استعملت له طريقة ولكني استعملت فكري كما استعمل فكره فنتج لي من الرأي ما نتج له قال يوسف وكنت يوماً عند سلمويه وقد أجرينا حديث أيام الفتنة بمدينة السلام أيام محمد الأمين فقال لي لقد نفعنا اللَّه في تلك الأيام بجوار بشر وبشير ابني السميدع وذلك أنا كنا معهما في كل حمى ثم قال لي هل لك أن تركب إلى بشير فتعوده فقد كنت يئست منه أول من أمس ثم أفرق أمس فأجبته إلى الركوب معه وركبنا فلما صرنا إل باب الدرب الذي كان بشير ينزله طلع علينا بولس بن حنون المتطبب الذي هو اليوم متطبب أهل فلسطين وهو منصرف من عند بشير فسأله عن خبره فأجابه بكلمة بالسريانية معناها بئس فقال له سلمويه ألم تخبرني أمس أنه قد أفرق فقال له بولس قد كان ذاك إلا أنه أكل البارحة دماغ جدي فعاوده الإسهال فعطف سلمويه رأس دابته وقال انصرف بنا فليس يبيت بشير في الدنيا فسألته عن السبب فذكر أنه رجل مبطون وأن أول آفته كانت في البطن فساد معدته فتطاولت أيامه في البطن بفساد المعدة إلى أن كان ذلك سبباً لفساد كبده وأن الدماغ الذي أكله سيعلق بمعدته ويغرّي ما بين غضونها فلا يدخلها غذاء ولا دواء إلا زلق انصرفنا ولم يعده سلمويه ولا عدته فما بات حتى توفي. قال يوسف وصحبت بعد وفاة أبي إسحاق أبا دلف فصحبته وقد كان مبطوناً قبل صحبتي إياه بخمسة عشر شهراً وكان مجلس أبي دلف مجمعاً للمتطببين لأنه كان معه من المرتزقة جماعة منهم يوسف بن صليبا وسليمان بن داؤد بن بابان ويوسف القصير البصري ولا أحفظ نسبه وبولس بن حنون متطبب فلسطين وختن كان له من اللجاج والحسن بن صالح بن بهلة الهندي وكان يحضر مجلسه من المتطببين غير المرتزقين جماعة فربما اجتمع في مجلسه منهم عشرون رجلاً فكانوا على سبيل اختلاف في أصل علته فبعضهم كان يرى أن يسقيه الدرياق وبعضهم كان يرى أن يعالجه بالأدوية التي يقع فيها الأبيون مثل المتروديطوس وغيره وكلهم كان مجمعاً على معالجته بالحمية وبالقيء في كل بضع عشرة ليلة لأنه كان متى تقيأ صلحت حاله ثلاثة أيام أو نحوها فأقمت معه عشرة أشهر لا أذكر أني تشاغلت في يوم منها بأمر من أمور الأعمال التي أتقلدها فسلمت من رسول له يستنهضني للمسير إليه وللنظر فيما بين المتطببين من الاختلاف ثم أمر المعتصم حيدر بن كاوس بالعقد لأبي دلف على قزوين وزنجان ونواحيها وإبراهيم بن البحتري بتقليده خراج الناحية ومحمد بن عبد الملك بتقليده ضياعها فقلد أبو دلف ابنه معنا بن القاسم المعونة وقلدني الخراج والضياع وأمرنا بالخروج فأتيت سلمويه مودعاً ومشاوراً فقال لي انقلاعك من بلدك مع رجل منحل بدنه منذ خمسة وعشرين شهراً وجميع من يطيف به معك لا يجمعك وإياهم رحم وإنما هم أهل الجبل وأصبهان وأكثرهم صعاليك ولعلك قد استقصيت على بعضهم بالحضرة وحيث كنت تأمن على نفسك بما لا أحبه لك لأنه إن حدث بالرجل حادث كنت في أرض غربة أسيراً في أيدي من لا مجانسة بينك وبينهم وامتناعك على الرجل بعد أن أجبته إلى أن تتقدمه تسمج ولكن إستأجله في الخروج بعد سبعة أيام. وأشرف في هذه الأيام على مطعمه ومشربه حتى لا يصل إلى جوفه في هذا الأسبوع مأكول ومشروب إلا عرفت مبلغ وزنه على الحقيقة ووكل من يعرف وزن ما يخرج منه في هذا الأسبوع من ثقل وبول وأرفع وزن ذلك ليوم بعد يوم إليك وصر إلي بعد هذا الأسبوع بمبلغ وزن جميع ما دخل بطنه من الطعام والشراب وغير ذلك ووزن ما يخرج منه فعنيت بذلك غاية العنايةوتعرفته حتى صح عندي فوجدت ما خرج من بدنه قريباً من ضعف ما دخله من مطعم ومشرب فأعلمت ذلك سلمويه فقال لي لو كان خرج منه بوزن ما دخل بدنه لدل ذلك على سرعة تلفه فكيف ترى الحال كائنة والخارج منه مثل ضعف ما دخل بدنه الهرب من التلبيس بأمر هذا الرجل فإن الشوق قد جذبه فما لبث بعد هذا القول إلا بضع عشرة ليلة حتى توفي أبو دلف قال أبو علي القباني حدثني أبي قال كانت بين جدي الحسين بن عبد اللَّه وبين سلمويه المتطبب مودة فحدثني أنه دخل إليه يوماً إلى داره وكان في الحمام ثم خرج وهو مكمكم والعرق يسيل من جبينه وجاءه خادم بمائدة عليها دراج مشوي وشيء أخضر في زبدية وثلاث رقاقات كزمازك وفي سكرجة خل فأكل الجميع واستدعى ما مقداره درهمان شراباً فمزجه وشربه وغسل يديهبماء ثم أخذ في تغيير ثيابه البخور فلما فرغ أقبل يحادثني فقلت له قبل أن أجيبك إلى شيء عرفني ما صنعت فقال أنا أعالج السل منذ ثلاثين سنة لم آكل في جميعها إلا ما رأيت وهو دراج مشوي وهندبا مسلوقة مطجنة وهذا المقدار من الخبز وإذا خرجت من الحمام احتجت إلى مبادرة بما يسكنها كيلا تعطف على بدني فتأخذ من رطوبته فأشغلها بالغذاء ليكون عطفها عليه ثم أتفرغ لغيره إبراهيم بن فزارون متطبب غسان بن عباد وإبراهيم بن فزارون هو شيخ بني فزارون الكتّاب قال يوسف بن إبراهيم كان إبراهيم بن فزارون قد خرج مع غسان عباد إلى السند فحدثني أن غسان بن عباد مكث بأرض السند من يوم المهرجان يشتهي أن يأكل قطعة لحم باردة فما قدر على ذلك فسألته عن السبب فقال كنا نطجنه فلا يبرد حتى يُرْوحِ فيرمى به قال يوسف وأخبرني إبراهيم بن فزارون أنه ما أكل بأرض السند لحماً استطابه إلا لحوم الطواويس وأنه لم يأكل لحماً قط أطيب من لحم طواويس بلاد السند وحدثني إبراهيم بن عيسى بن المنصور المعروف بإبن نزيهة عن غسان بن عباد في لحوم الطواويس بمثل ما حدثني إبراهيم بن فزارون قال يوسف وحدثني إبراهيم بن فزارون أنه رفع إلى غسان بن عباد أن في النهر المعروف بمهران بأرض السند سمكة تشبه الجدي وأنها تصاد ثم يطين رأسها وجميع بدنها إلى موضع مخرج الثفل منها ثم يجعل ما لم يطين منها على الجمر ويمسكها ممسك بيده حتى ينشوي منها ما كان موضوعاً على الجمر وينضج ثم يؤكل ما نضج أو يرمى به وتلقى السمكة في الماء ما لم ينكسر العظم الذي هو صلب السمكة فتعيش وينبت على عظمها اللحم وأن غسان أمر بحفر بركة في داره وملأها ماء وأمر بامتحان ما بلغه قال إبراهيم فكنا نؤتي كل يوم بعدة من هذا السمك فنشويه على الحكاية التي ذكرت لنا ونكسر من بعضه عظم الصلب ونترك بعضه لا نكسره فكان ما يكسر عظمه يموت وما لم يكسر عظمه يسلم وينبت عليه اللحم ويستوي الجلد إلا أن جلدة تلك السمكة تشبه جلد الجدي الأسود وما قشرناه من لحوم السمك التي شويناها ورددناها إلى الماء يكون على غير لون الجلدة الأولى لأنه يضرب إلى البياض. قال يوسف وسألت إبراهيم بن فزارون عن قول من يزعم أن نهر مهران هو نهر النيل فقال لي رأيت نهر مهران وهو يصب في البحر المالح إلا أن علماء الهند والسند أعلموني أن مخرج النيل ومخرج نهر مهران من عين واحدة عظيمة فنهر مهران يشق أرض السند حتى يصب في بحرها المالح والنهر الآخر يشق أرض الهند وجميع أرض السودان حتى يخرج إلى أرض النوبة ثم يصب باقيه في أرض مصر فيرويها ثم يصب باقيه في بحر الروم قال يوسف وحدثني عنبسة بن إسحاق الضبي من أمر العين التي منها يخرج نهر مهران والنيل بمثل ما حدثني به إبراهيم وكان يحدثنا بحديث السمك في كل وقت أيوب المعروف بالأبرش كان له نظر في صناعة الطب ومعرفة بالنقل وقد نقل كتباً من مصنفات اليونانيين إلى السرياني وإلى العربي وهو متوسط النقل وما نقله في آخر عمره فهو أجود مما نقله قبل ذلك إبراهيم بن أيوب الأبرش قال إسحاق بن علي الرهاوي في كتاب أدب الطبيب حدثني عيسى بن ماسة قال رأيت إبراهيم بن أيوب الأبرش وقد عالج إسماعيل أخا المعتز وبرئ فكلمت أمه قبيحة المتوكل أن يجيزه فقال لها لا تجيزيه ليس عندك ما تعطيه حتى أعطيه أنا مثله وإبراهيم واقف بين أيديهما فأمرت قبيحة فأحضرت بدرة دراهم لإبراهيم وأمر المتوكل بإحضار مثل ذلك فأحضرت قبيحة بدرة أخرى فأمر بإحضار مثلها فلم يزالا يأمران بإحضار بدرة وبدرة حتى أحضرت ست عشرة بدرة فأومت قبيحة إلى جاريتها أن تمسك فقال لها إبراهيم سراً لا تقطعي وأنا أرد عليك فقالت له أملأ اللَّه عين الآخر فقال لها المتوكل واللّه لو أعطيته إلى الصباح لأعطيته مثل ذلك فحملت البدر إلى منزل إبراهيم وقال ثابت بن سنان بن ثابت أن الخلافة لما تأدت إلى المعتز باللَّه كان أخص المتطببين عنده إبراهيم بن الأبرش لمكانه من والدته قبيحة وكانت صلاته أبداً واصلة إليه وخلع أبو عبد اللّه المعتز باللَّه بسر من رأى وقبض عليه صالح بن وصيف يوم الاثنين لثلاث بقين من رجب سنة خمس ومائتين وحبسه خمسة أيام ثم قتل وقت العصر من يوم الجمعة لليلتين خلتا من شعبان من السنة المذكورة وله ثلاث وعشرون سنة. قال يوسف بن إبراهيم كان المأمون يستخف يد جبرائيل الكحال ويذكر أنه ما رأى أبداً على عين أخف من يده واتخذ مراود ومكاحل ودستجا ودفعه إليه فكان أول من يدخل إليه في كل يوم عند تسليمه من صلاة الغداة فيغسل أجفانه ويكحل عينيه فإذا انتبه من قائلته فعل مثل ذلك وكان يجري عليه ألف درهم في كل شهر ثم سقطت منزلته بعد ذلك فسألته عن السبب في ذلك فأخبرني أن الحسين الخادم اعتل فلم يمكن ياسراً أخاه عيادته لإشتغاله بالخدمة إلى أن وافى ياسر باب الحجرة التي كان فيها المأمون وقد خرج جبرائيل من عنده بعد أن برد أجفانه وكحل عينيه فسأله ياسر عن خبر المأمون فأخبره أنه أغفى فتغنم ياسر ما أخبره به من نومه فصار إلى حسين فعاده وانتبه المأمون قبل انصراف ياسر من عند حسين ثم انصرف ياسر فسأله المأمون عن سبب تخلفه فقال ياسر أخبرت بنوم أمير المؤمنين فصرت إلى حسين فعدته فقال له المأمون ومن أخبرك برقادي فقال له ياسر جبرائيل الكحال قال جبرائيل فأحضرني المأمون ثم قال يا جبرائيل إتخذتك كحالاً لي أو عاملاً على الإخبار عني اردد علي مكاحلي وأميالي وإخرج عن داري فأذكرته خدمتي فقال إن له لحرمة فليقتصر له على إجراء مائة وخمسين درهماً في كل شهر ولا يؤذن له في الدخول فلم يخدم المأمون بعده حتى توفي قال فثيون الترجمان إن ماسويه كان يعمل في دق الأدوية في بيمارستان جندي سابور وهو لا يقرأ حرفاً واحداً بلسان من الألسنة إلا أنه عرف الأمراض وعلاجها وصار بصيراً بانتقاء الأدوية فأخذه جبرائيل بن يختيشوع فأحسن إليه وعشق جارية لداود بن سرابيون فابتاعها جبرائيل بثمانمائة درهم ووهبها لماسويه ورزق منها ابنه يوحنا وأخاه ميخائيل وقال إسحاق بن علي الرهاوي في كتاب أدب الطبيب عن عيسى بن ماسة إن ماسويه أبا يوحنا كان تلميذاً في بيمارستان جندي سابور ثلاثين سنة فلما اتصل به محل جبرائيل من الرشيد قال هذا أبو عيسى قد بلغ السها ونحن في البيمارستان لا نتجاوزه فبلغ ذلك جبرائيل وكان البيمارستان إليه فأمر بإخراجه منه وقطع رزقه فبقي منقطعاً به فصار إلى مدينة السلام ليعتذر إلى جبرائيل ويخضع له فلم يزل على بابه دهراً طويلاً فلم يأذن له فكان إذا ركب دعا له واستعطفه فلا يكلمه فلما ضاق به الأمر صار إلى دار الروم بالجانب الشرقي فقال للقس اكرز لي في البيعة لعله أن يقع لي شيء فأنصرف إلى بلدي فإن أبا عيسى ليس يرضى عني ولا يكلمني فقال له القس أنت في البيمارستان منذ ثلاثين سنة ولا تحسن شيئاً من الطب فقال بلى واللَّه أطب وأكحل وأعالج الجراحات فأخرج له صندوقاً وأعطاه إياه ليداوي وأجلسه بباب الحرم عند قصر الفضل ابن الربيع وهو وزير الرشيد فلم يزل هناك يكسب الشيء بعد الشيء حتى حسنت حاله واشتكت عين خادم للفضل بن الربيع فنفذ إليه جبرائيل بكحالين فعالجوه بأصناف العلاج فلم ينتفع به واشتد وجعه حتى عدم النوم فلما اشتد أرقه وقلقه خرج من القصر هائماً من الضجر والقلق فرأى ماسويه فقال له يا شيخ ما تصنع هنا إن كنت تحسن شيئاً فعالجني وإلا فقم من ههنا فقال له يا سيدي أحسن وأجيد فقال له ادخل معي حتى تعالجني فدخل معه وقلب جفنه وكحله وسكب على رأسه وسعطه فنام الخادم وهدأ فلما أصبح أنفذ إلى ماسويه جونة فيها خبز سميد وجدي ودجاجة وحلوى ودنانير ودراهم وقاله له هذا لك في كل يوم والدراهم والدنانير رزقك مني في كل شهر فبكى ماسويه فرحاً فتوهم الرسول أنه قد استقله فقال له لا تغتم فإنه يزيدك ويحسن إليك فقال له يا سيدي رضيت منه بهذا أن يدرّه على الأيام فلما رجع عرّف الخادم ما كان منه فعجب منه وبرئ الخادم على يديه ولم يمض إلا أيام يسيرة حتى اشتكت عين الفضل فنفذ إليه جبرائيل الكحالين فلم يزالوا يعالجونه فلم ينتفع بهم فأدخل الخادم ماسويه إليه ليلاً فلم يزل يكحله إلى ثلث الليل ثم سقاه دواء مسهلاً فصلح به ثم حضر جبرائيل فقال له الفضل يا أبا عيسى إن هاهنا رجلاً يقال له ماسويه من أفره الناس وأعرفهم بالكحل فقال له ومن هذا لعله الذي يجلس بالباب فقال له نعم قال جبرائيل هذا كان أكاراً لي فلم يصلح للكروث فطردته وقد صار الآن طبيباً وما عالج الطب قط فإن شئت فأحضره وأنا حاضر وتوهم جبرائيل أنه يدخل ويقف بين يديه ويتذلل له فأمر الفضل بإحضاره فدخل وسلم وجلس بحذاء جبرائيل فقال له جبرائيل يا ماسويه أصرت طبيباً فقال له لم أزل طبيباً أنا أخدم البيمارستان منذ ثلاثين سنة تقول لي هذا القول ففزع جبرائيل أن يزيد في المعنى فبادر وانصرف في الحال وهو خجل وأجرى الفضل على ماسويه في كل شهر ستمائة درهم وعلوفة دابتين ونزل خمسة غلمان وأمره أن يحمل عياله من جندي سابور وأعطاه نفقة واسعة فحمل عياله ويوحنا ابنه حينئذ وهو صبي فما مضت إلا أيام حتى اشتكت عين الرشيد فقال له الفضل يا أمير المؤمنين طبيبي ماسويه من أحذق الناس بالكحل وشرح له قصته وما كان من أمر خادمه وأمر نفسه فأمر الرشيد بإحضاره فأحضر ماسويه فقال له تحسن شيئاً من الطب سوى الكحل فقال نعم يا أمير المؤمنين وكيف لا أحسن وأنا قد خدمت المرضى بالبيمارستان منذ ثلاثين سنة فأدناه منه ونظر عينيه فقال الحجام الساعة فحجمه على ساقيه وقطر في عينيه فبرئ بعد يومين فأمر بأن يجرى عليه ألفا درهم في الشهر ومعونة في السنة عشرون ألف درهم وعلوفة ونزل وألزمه الخدم مع جبرائيل وسائر من كان في الخدمة من المتطببين وصار نظيراً لجبرائيل بل كان في ذلك الوقت يحضر بحضوره ويصل بوصوله ودونه في الرزق لأن جبرائيل كان له في الشهر عشرة آلاف درهم ومعونة في السنة مائة ألف درهم وصلات دائمة وإقطاعات ثم أنه اعتلت بانو أخت الرشيد فلم يزل جبرائيل يعالجها بأنواع العلاج فلم تنتفع فإغتم بها فقال الرشيد ذات يوم قد كان ماسويه ذكر أنه خدم المرضى بالمارستان وأنه يعالج الطبائع فليدخل إلى عليلتنا لعل عنده فرجاً لها فأحضر جبرائيل وماسويه فقال له ماسويه عرفني حالها وجميع ما دبرتها به إلى وقتنا هذا فلم يزل جبرائيل يصف له ما عالجها به فقال ماسويه التدبير صالح والعلاج مستقيم ولكن أحتاج إلى أن أراها فأمر الرشيد أن يدخلا إليها فدخل وتأملها وجس عروقها بحضرة الرشيد وخرجوا من عنده وقال ماسويه للرشيد يا أمير المؤمنين يكون لك طول العمر والبقاء هذه تقضي بعد غد ما بين ثلاث ساعات إلى نصف الليل فقال جبرائيل كذب يا أمير المؤمنين إنها تبرأ وتعيش فأمر الرشيد بحبس ماسويه ببعض دوره في القصر وقال لأسبرنّ ما قاله وأنذرنا به فما رأينا بعلم الشيخ بأساً فلما حضر الوقت الذي حده ماسويه توفيت فلم يكن للرشيد همة بعد دفنها إلا أن أحضر ماسويه فسأله وأعجب بكلامه وكان أعجمي اللسان ولكنه كان بصيراً بالعلاج كثير التجارب فصيره نظيراً لجبرائيل في الرزق والنزل والعلوفة والمرتبة وعني بابنه يوحنا ووسع النفقة عليه فبلغ المرتبة المشهورة قال يوسف بن إبراهيم عدت جبرائيل بن بختيشوع بالعلث في سنة خمس عشرة ومائتين وقد كان خرج مع المأمون في تلك السنة حتى نزل المأمون في دير النساء فوجدت عنده يوحنا بن ماسويه وهو يناظره في علته وجبرائيل يستحسن استماعه وإجابته ووصفه فدعا جبرائيل بتحويل سنته وسألني النظر فيه وإخباره بما يدل عليه الحساب فنهض يوحنا عند ابتدائي بالنظر في التحويل فلما خرج من الحراقة قال لي جبرائيل ليست بك حاجة إلى النظر في التحويل لأني أحفظ جميع قولك وقول غيرك في هذه السنة وإنما أردت بدفعي التحويل إليك أن ينهض يوحنا فأسألك عن شيء بلغني عنه وقد نهض فأسألك بحق اللَّه هل سمعت يوحنا قط يقول أنه أعلم من جالينوس بالطب فحلفت له أني ما سمعته قط يدعي ذلك فما انقضى كلامنا حتى رأيت الحراقات تنحدر إلى مدينة السلام فانحدر المأمون في ذلك اليوم وكان يوم خميس ووافينا مدينة السلام غداة يوم السبت ودخل الناس كلهم إلى مدينة السلام خلا أبي العباس بن الرشيد فإنه أقام في الموضع المعروف بالقلائين من الجانب الغربي بمدينة السلام وهو بإزاء دار الفضل بن يحيى بباب الشماسية التي صار بعضها في خلافة المعتصم لأبي العباس بن الرشيد فكنت وجماعة ممن يريد المصير إلى أبي العباس ممن منازلهم في قنطرة البردان ونهر المهدي لا نجشم أنفسنا المصير إلى الجسر ثم المصير إلى القلائين لبعد الشقة فنصير إلى قصر الفضل بن يحيى ونقف بإزاء مضرب أبي العباس. وكانت الزبيديات توافينا فتعبر بنا فإجتمعت ويوحنا بن ماسويه عند أبي العباس بعد موافاة المأمون مدينة السلام بثلاثة أيام وجمعتنا الزبيدية عند انصرافنا فسألني عن عهدي بجبرائيل فأعلمته أني لم أره منذ إجتمعنا بالعلث ثم قلت له قد شنعت عنده فقال بماذا فقلت له بلغه أنك تقول أنا أعلم من جالينوس فقال على من إدعى علي هذه الدعوة لعنة اللّه واللّه ما صدق مؤدي هذا الخبر ولا بر فسرى ذلك من قوله ما كان في قلبي وأعلمته أني أزيل عن قلب جبرائيل ما تأدى إليه من الخبر الأول فقال لي افعل نشدتك اللّه وقرر عنده ما أقول وهو ما كنت أقوله فحرف عنده فسألته عنه فقال إنما قلت لو أن أبو قراط و جالينوس عاشا إلى أن يسمعا قولي في الطب وصفاتي لسألا ربهما أن يبدلهما بجميع حواسهما من البصر والشم والذوق واللمس حساً سمعياً يضيفانه إلى ما معهما من حس السمع ليسمعا حكمي ووصفي فأسألك باللّه أما أديت هذا القول عني إليه فإستعفيته من إلقاء هذا الخبر عنه فلم يعفني فأديت إلى جبرائيل الخبر وقد كان أصبح في ذلك اليوم مفرقاً من علته فتداخله من الغيظ والضجر ما تخوفت عليه منه النكسة وأقبل يدعو على نفسه ويقول هذا جزاء من وضع الصنيعة في غير موضعها وهذا جزاء من اصطنع السفل وأدخل في مثل هذه الصناعة الشريفة من ليس من أهلها ثم قال هل عرفت السبب في يوحنا وأبيه فأخبرته أني لا أعرفهما فقال لي إن الرشيد أمرني باتخاذ بيمارستان وأحضرت دهشتك رئيس بيمارستان جندي سابور لتقليده البيمارستان الذي أمرت باتخاذه فامتنع من ذلك وذكر أن السلطان ليست له عليه أرزاق جارية وإنه إنما يقول بيمارستان جندي سابور وميخائيل ابن أخيه حسبة وتحمل علي بطيمانيوس الجاثليق في إعفائه وابن أخيه فأعفيتهما فقال لي أما إذ قد أعفيتني فإني أهدي إليك هدية ذات قدر يحسن بك قبولها وتكثر منفعتها لك في هذا البيمارستان فسألته عن الهدية فقال لي إن صبياً كان ممن يدق الأدوية عندنا ممن لا يعرف له أب ولا قرابة أقام في البيمارستان أربعين سنة وقد بلغ الخمسين سنة أو جاوزها وهو لا يقرأ حرفاً واحداً بلسان من الألسنة إلا أنه قد عرف الأدواء داء داء وما يعالج به كل داء وهو أعلم خلق اللّه بانتقاء الأدوية واختيار جيدها ونفي رديها فأنا أهديه لك فاضممه إلى من أحببت من تلامذتك ثم قلد تلميذك البيمارستان فإن أموره تخرج على أحسن من مخرجها لو قلدتني هذا البيمارستان فأعلمته أني قد قبلت الهدية وانصرف دهشتك إلى بلده وأنفذ إلي الرجل فأدخل علي في زي الرهبان وكشفته فوجدته على ما حكى لي عنه وسألته عن اسمه فأخبرني أن اسمه ماسويه وكنت في خدمة الرشيد وداؤد بن سرابيون مع أم جعفر وكان المنزل الذي ينزله ماسويه يبعد من منزلي ويقرب من منزل داؤد بن سرابيون وكان في داؤد دعابة وبطالة وكان في ماسويه ضعف من ضعف السفل فيستطيبه كل بطال فما مضى بماسويه إلا يسير حتى صار إلي وقد غير زيه ولبس الثياب البيض فسألته عن خبره فأعلمني أنه قد عشق جارية لداؤد بن سرابيون صقلبية يقال لها رسالة وسألني ابتياعها له فابتعتها له بثمانمائة درهم ووهبتها له فأولدها يوحنا وأخاه ثم رعيت لماسويه ابتياعي له رسالة وطلبه منها النسل وصيرت وُلْدَه كأنهم ولدُ قرابة لي وعنيت برفع أقدارهم وتقديمهم على أبناء أشراف أهل هذه المهنة وعلمائهم ثم رتبت ليوحنا وهو غلام المرتبة الشريفة ووليته البيمارستان وجعلته رئيس تلامذتي فكانت مثوبتي منه هذه الدعوى التي لا يسمع بها أحد إلا قذف من خرَّجه ونوّه باسمه وأطلق لسانه بمثل ما أطلقه به ولمثل ما خرج إليه هذه السفلة كانت الأعاجم تمنع جميع الناس عن الانتقال عن صناعات آبائهم وتحظِّر ذلك غاية الحظر واللّه المستعان.