سيينا

Siena
Città di Siena
PiazzadelCampoSiena.jpg
Coat of arms of Siena
Coat of arms
Siena within the Province of Siena and Tuscany
Siena within the Province of Siena and Tuscany
البلدإيطاليا
المنطقةTuscany
المقاطعةSiena (SI)
FrazioniCostalpino, Isola d'Arbia, Taverne d'Arbia, San Miniato, Vignano, Ruffolo
الحكم
 • العمدةFranco Ceccuzzi (Democratic Party)
المساحة
 • الإجمالية118 كم² (46 ميل²)
الارتفاع322 m (1٬056 ft)
التعداد(30 September 2010[1])
 • الإجمالي54٬526
 • الكثافة460/km2 (1٬200/sq mi)
صفة المواطنSienese
منطقة التوقيتCET (التوقيت العالمي المنسق+1)
 • الصيفيCEST (UTC+2)
الرمز البريدي53100, 53010
مفتاح الهاتف0577
Patron saintSt. Ansanus
يوم القديس1 December
الموقع الإلكترونيOfficial website
Historic Centre of Siena
Historic Centre of Siena
أسس الاختيارCultural: i, ii, iv
المراجع717
Inscription1995 (19th Session)

سيينا (بالإيطالية: Siena)، مدينة بوسط إيطاليا في إقليم توسكانا، عاصمة مقاطعة سيينا، تشتهر عالميا بموروثها الفني وصناعة الأثاث، وقد عدت المدينة ضمن الموروث الأنساني من اليونسكو، كما تشتهر بسباق الباليو هو سباق خيول تقليدي يقام صيف كل عام في ساحة دل كامبو، تقع سيينا في منطقة تلال بين الوديان أنهار كل من أربيا في الجنوب، ونهر ميرزي في الجنوب الغربي ونهر إلسا في الشمال، عدد سكانها 54.498 نسمة.

الوسط التاريخي للمدينة

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

التاريخ

كما هو حال غيرها من بلدات توسكانا التلالية، كان أول من استوطن سيينا الاتروسكان (900 ق.م إلى 400 ق.م)، حيث سكنتها قبيلة تسمى ساينا. كان الإتروسكان قوما متقدمين غيروا وجه وسط إيطاليا باستخدامهم الري لاستصلاح الأراضي التي البور، وأسلوبهم في بناء مستوطناتهم في الحصون تلالية جيدة التحصين. ثم في عهد الامبراطور أوغسطس، أُسست في الموقع مدينة رومانية تسمى ساينا جوليا (Saena Julia). أول الوثيقة تاريخية لها تعود إلى عام 70 ق.م. ويبدو أن سيينا بعد ذلك وقعت تحت سيطرة القوات الغالية الغازية - ومعروف أنهم استولوا على روما في 390 ق.م.. ويؤكد بعض علماء الآثار أن قبيلة الالسينونيين الغالية قد سيطرت عليها لفترة.

واعتبارا لأصلها الروماني وضع على شعار المدينة ذئبة ترضع الرضعيين رومولوس وريموس. ووفقا للأسطورة فإن سيينا قد أسست من قبل سينيوس ابن ريموس شقيق رومولوس والذي سميت روما نسبة إليه. واليوم تزخر سيينا بالتماثيل والأعمال الفنية الأخرى التي تصور هذه الحادثة. نظريات أخرى ترجع الاسم إلى لقب العائلة الاتروسكاني "Saina" أو لقب العائلة الروماني "saenii"، أو إلى الكلمة اللاتينية "senex" ("قديم")، أو كلمة "seneo" ("يَقدِم").

لم تزدهر سيينا في ظل حكم الرومان. فلم تكن بالقرب من أي طريق رئيسي وبالتالي ضاعت عليها الفرص التجارية. أدى انعزاها إلى تأخر اختراق النصرانية لها حتى القرن الرابع الميلادي، ولم تشهد سيينا ازدهارا حتى قام اللومبارديون بغزوها والأراضي المحيطة بها. احتلالهم وكون طرق أوريليا وكاسيا الرومانية القديمة تمر عبر مناطق معرضة للغارات البيزنطية، دعى إلى إعادة رسم الطرق بين ممتلكات اللومبارديين الشمالية وروما عبر سيينا. فازدهرت سيينا كنقطة تجارة، وتدفق الحجاج الثابت من وإلى روما أثبت أنه مصدر قيم للدخل في القرون المقبلة.

يعود تاريخ أقدم الأسر الأرستقراطية في سيينا إلى خضوع اللومبارديين إلى شارلمان في عام 774. عند هذه النقطة فاضت المدينة بأعداد من المراقبين الفرنجة والذين تزوجوا من طبقة النبلاء السيينية الموجودة، وتركوا إرثا يمكن أن يشاهد في الكنائس التي أنشئوها في جميع أنحاء الأراضي السيينية. بيد أن السلطة الإقطاعية اضمحلت، وبوفاة الكونتيسة ماتيلدي في عام 1115 قُسمت أراضي توشا التي كانت تحت سيطرة عائلتها إلى عدة مناطق ذاتية الحكم.

عملة من سيينا تعود للقرن الثاني عشر

ازدهرت سيينا في ظل الأوضاع الجديدة، وأصبحت مركزا رئيسيا في إقراض الأموال ولاعبا مهما في تجارة الصوف. أولا كان يحكمها أسقفها مباشرة، ولكن السلطة الأسقفية خفّت خلال القرن الثاني عشر. اضطر الأسقف للتنازل أغلب شؤون المدينة إلى طبقة النبلاء مقابل مساعدتهم أثناء النزاع الإقليمي مع أريتسو، وبدأ هذا عمليةً بلغت ذروتها عام 1167 عندما أعلنت بلدية سيينا استقلالها عن سيطرة الأسقفية. وكُتب دستور بحلول عام 1179.

كانت هذه الفترة حاسمة أيضا في تشكيل سيينا المعروفة حاليا. تم خلال سنوات القرن الثاني عشر الانتهاء من أغلب أعمال بناء كاتدرائية سيينا. كما تم خلال هذه الفترة إنشاء ساحة Piazza del Campo، والتي تعد الآن إحدى أجمل الساحات الحضرية في أوروبا، وزادت أهميتها باعتبارها مركز الحياة العلمانية. أنشئت شوارع جديدة تؤدي إليها واستعملت كموقع السوق، وكموقع لأحداث رياضية مختلفة.عام 1194 شيد سور في الموقع الحالي لقصر Palazzo Pubblico لوقف تآكل التربة، ويدل على مدى أهمية المنطقة أنها أصبحت ساحة مدنية.

القصر الشعبي Palazzo Pubblico

في أوائل القرن الثاني عشر حلت بلدية ذاتية الحكم محل الحكومة الارستقراطية السابقة. أصبحت مناصب القناصل الذين يحكم جمهورية شيئا فشيئا أكثر شمولا لعامة الناس، كما زادت أراضي البلدية بخضوع نبلاء الاقطاعيات المحيطة في قلاعهم المحصنة للسلطة الحضرية. شهدت جمهورية سيينا نزاعا داخليا بين النبلاء والحزب الشعبي، وعادة ما عارضت سياسيا منافستها العظيمة فلورنسا، وفي القرن الثالث عشر غالبا ما كانت غيبلينية في مواجهة فلورنسا غويلفية (شكل هذا الصراع خلفية لبعض كوميديا دانتي).

في الرابع من سبتمبر من عام 1260 هزم غيبلينيو سيينا مدعومين بقوات مانفريدي ملك صقلية غويلفيي فلورنسا في معركة مونتابيرتي. قبل المعركة كان قوام الجيش السييني حوالي 20000 جندي، في مواجهة جيش فلورنسي يقدر بحوالي 33000 جندي. وعند المواجهة قتل الخونة داخل الجيش الفلورنسي حامل رايته فعمّته الفوضى، وتشتت شمل القوات الفلورنسية وفرّت من ساحة القتال، وقتل منها ما يقرب من نصفها (حوالي 15000 رجل).

شرفة في القصر البلدي خلال سباق الباليو

تأسست جامعة سيينا في عام 1203 والتي تشتهر بكُليّتي القانون والطب، ولا تزال من بين أهم الجامعات الإيطالية. ضاهت سيينا فلورنسا في مجال الفنون خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر. اجتاح سيينا الموت الأسود سنة 1348، وعانت أزمات مالية. عام 1355 مع وصول الإمبراطور شارل الرابع للمدينة، انتفض السكان مزيحين حكومة التسعة، وأنشؤوا حكومة من إثني عشر نبيلا يساعدهم مجلس ذو أغلبية شعبية. لم يَدُم ذلك، واستبدلوا بخمسة عشر مصلحا عام 1385، فعشرة (1386-1387)، فأحد عشر (1388-1398)، ثم اثني عشر رئيسا للأديرة (1398-1399) الذين في النهاية سلّموا سيادة المدينة إلى جان غالياتسو فيسكونتي دوق ميلانو للدفاع عنها في وجه أطماع فلورنسا التوسعية.

عام 1404 طُرد آل فيسكونتي وأنشئت حكومة من عشرة رؤساء أديرة، وتحالفت مع فلورنسا ضد لادسلاو ملك نابولي.

مع انتخاب البابا السييني بيوس الثاني، سُمح لآل بيكولوميني وغيرها من الأسر النبيلة بالعوده إلى الحكومة، ولكن عقب وفاته عادت السيطرة إلى أيادي الشعب. عام 1472 أسس مصرف مونتي دي باسكي، أقدم مصرف لا يزال نشطا في العالم. أعادت الحاكم باندولفو بتروتشي فصائل النبلاء إلى المدينة في عام 1487، بدعم من فلورنسا ومن ألفونسو دوق كالابريا ؛ مارس بتروتشي حكما فعـّالا على مدينة حتى وفاته في عام 1512، لصالح الفنون والعلوم، ومدافعا عنها في وجه تشيزري بورجا. خلف باندولفو ابنه بورغيزي، الذي أقصاه ابنُ عمه رافايلو، بمساعدة من بابا آل ميديشي لاون العاشر، نفي فابيو آخر حكام آل بتروتشي عام 1523 من قبل أهالي سيينا.

ساحة دل كامبو

اندلعت الصراعات الداخلية مرة أخرى، بإقصاء الفصيل الشعبي للحزب نوفاسكي المدعوم من البابا كليمنس السابع : أرسل الأخير جيشا، بيد أنه هُزم في كاموليا عام 1526. استغل الامبراطور شارل الخامس حالة الفوضى بوضع حامية إسبانية في سيينا، قام المواطنون بطردها سنة 1552 متحالفين مع فرنسا : لم يقبل شارل هذا الأمر، فأرسل جنراله جان جاكومو ميديشي لحصارها بجيش فلورنسي - إمبراطوري.

عهدت الحكومة السيينية بمهمة الدفاع عنها إلى بييرو ستروتسي. وبهزيمة الأخير في معركة مارشانو (أغسطس 1554)، فقد أي أمل لإحياءها. بعد 18 شهرا من المقاومة استسلمت لفلورنسا في 17 أبريل عام 1555 مسجلةً نهاية جمهورية سيينا. بسبب ديون فيليب الثاني الضخمة والمستحقة لآل ميديشي، تنازل عنها (باستثناء سلسلة الحصون الساحلية التي ضمت إلى دولة بريزيدي) إلى غراندوقية توسكانا، والتي تبعتها حتى توحيد إيطاليا في القرن التاسع عشر. قاومت حكومة جمهورية من 700 عائلة سيينية في مونتالشينو حتى عام 1559.

ظلت المدينة الخلابة مركزا ثقافيا هاما، وخاصة بالنسبة للدراسات الإنسانية.


مهد النهضة

وكانت سينا خليقة بأن تتحدى ادعاء فلورنسا بأنها مهد النهضة. ففيها أيضا رفعت حدة الانقسامات الحزبية من حرارة التفكير، وغذى زهو المدينة باستقلالها شجرة الفن، وأمدت صناعة الصوف وصادرات المدينة إلى البلاد الواقعة في شرق البحر المتوسط، والتجارة المتبادلة بين فلورنس وروما مارة بطريق فلامينا Via Flamina، بقدر لا بأس به من الثراء فلم يحل عام 1400 حتى كانت ميادينها وشوارعها الرئيسية مرصوفة بالآجر أو الحجارة، وحتى بلغ فقراؤها من الثراء درجة شجعتهم على القيام بثورة، ذلك أن العمال في صناعة الخشب حاصروا القصر العام Palazza Pubblico في عام 1371، وحطوا أبوابه، وطردوا منه حكومة رجال الأعمال، وأنشئوا حكومة الفقراء ولم تمض على قيام هذه الحكومة إلا بضعة أيام حتى قام جيش مؤلف من ألفي رجل جهزه ذوو المصالح التجارية في المدينة، فهاجم أحياء العمال، وذبح من فيها من الرجال والنساء، والأطفال، دون تمييز أو رحمة، فمنهم من أنفذت في أجسادهم الحراب، ومنهم من مزقت بالسيوف. وخف الأشراف ورجال الطبقة الوسطى-الدنيا لإنقاذ العامة، وقضى على الثورة المضادة، وتولت حكومة الاصلاح مقاليد الأمور، فوهبت المدينة أشرف نوع من الإدارة يستطيع أهلها أن يتذكروه. ثم ثار التجار الأغنياء مرة أخرى في عام 1385، وأسقطوا حكومة الفقراء، وطردوا أربعة آلاف من العمال العاصين من المدينة. وضعف شأن الصناعة والفن في سينا من ذلك التاريخ . وبلغ الفن في سينا ذروة مجده في القرن الرابع عشر المليء بالاضطراب، فقد قام فيها على الجانب الغربي من الكامبو الفسيح- وهو الميدان الرئيسي في المدينة- القصر العام، البلاتسوببليكو (1288-1309)، يجاوره برج الأجراس Torre de Magnia الذي يعلو إلى 334 قدما، والذي هو أجمل برج في إيطاليا حتى اليوم. وفي عام 1310 انتقل لورندسو ميتاني Lorenzo Maitani أعظم المهندسين المعماريين والمثالين في سينا إلى أرفيتو وخطط الواجهة الفخمة لكنيستها الكبرى، ثم أخذ هو وغيره من الفنانين من أهل سينا ومعهم أندريا بيزانو يعملون في شبه حمى جنونية لتزيين المداخل، والعمد المربوعة، والقواصر، حتى أخرجوا معجزة فنية من الرخام ليخلدوا بها ذكرى معجزه بلسينا Bolsena. وأنشئت لقصر سينا العظيم في عام 1377 واجهة مماثلة للواجهة السالفة الذكر على أساس التخطيط الذي تركه جيوفني بيزانو، ولعلهم قد بالغوا في زخرفته. ولمنه مع هذا لا يزال من عجائب الفن في إيطاليا التي لا تحصى عجائبها الفنية.

وكانت طائفة ممتازة من المصورين في سينا قد واصلت العمل من النقطة التي وقف عندها دي بيوننسنيا Duccio di Buoninsegna. ذلك أن سيمون مارتيني قد عهد إليه في عام 1315 أن يزين بهو المجلس العظيم في البلاتسوبيليكو بصورة تمثل تتويج العذراء (المائستا Maesta)، وذلك لأن العذراء كانت من الوجهة القانونية كما كانت من الوجهة الدينية ملكة المدينة المتوجة، وكان من حقها أن ترأس اجتماعات الحكومة البلدية. ولم تكن الصورة تقل روعة عن مثيلتها التي رسمها دتشيو لتوضع في الكنيسة قبل خمس سنين من ذلك الوقت. نعم إنها تضارعها في حجمها، أو فيما أثقلت به من الذهب، وهي شبيهة بأختها "ذات الجلال " تكشف عما استمده فن التصوير في سينا من فن بيزنطية، وذلك بما تظهره من جمود وعدم حركة في الملامح، ومن وقوف أشخاص الصورة المزدحمين فيها وقفة خالية من الحياة، ولعلها قد تقدمت على الصورة الأولى في اللون وفي التصميم. ولكن سيمون ذهب في عام 1226 إلى أسيسي حيث درس مظلمات جيتو، فلما دعا ليصور في معبد بالكنيسة السفلي حياة القديس مارتن، خرج على الوجوه ذات الطابع الراسخ التي مثلها في صوره السابقة، وصور وجه اسقف تور تصويراً أبرز فيه نزعة انفرادية ذائعة الصيت. والتقى بيترارك في أفنيون ورسم صوراً للشاعر ولورا Laura، ومجد من أجل ذلك الكندسونيير Canzoniére. ويقول فاساري Vasari ان هذه السطور الموجزة "قد أذيعت شهرة سيمون أكثر مما أذاعتها أعماله هو مجتمعة ... ذلك أن أعماله سيأتي عليها وقت لا يكون لها فيه وجود، أما ما يكتبه رجل مثل بترارك فسيبقى أبد الدهر "، وذلك تفاؤل لا نجده عند علماء طبقات الأرض أنفسهم. وعين بندكت الثاني عشر سيمون مصوراً رسمياً للبلاط البابوي (1339)، وأوضح بحكم منصبه حياة المعمدان في معبد البابا وحياة العذراء والمنقذ على مدخل الكنيسة. ومات في أفنيون عام 1334.

وواصل بيترو Pietro وأخوه أمبروجيو Ambrogio ابنا لورندستي Lorenzetti ما حاوله سيمون من إخراج الفن من طابعه الديني إلى طابعه الدنيوي وتوسع فيه. ولعل بيترو قد هجر التقاليد العاطفية المسرفة التي أتسم بها فن التصوير في سينا، وأخرج طائفة من الصور لتزدان بها محاريب الكنائس ليس فيها سبق مثيل في قوتها، وليس لها في بعض الأحيان مثيل في واقعيتها الوحشية. فقد صور أمبروجيو في بهو القسعة (المشيرين) في البلاتسوببليكو أربعة مظلمات (1337-1343): الحكومة الخبيثة وعواقب الحكومة الخبيثة، والحكومة الصالحة وعواقب الحكومة الصالحة. وقد استبقى فيها الرمزية المضادة في العصور الوسطى والتي تخلى عنها جيتو، فنرى صوراً فخمة لأشخاص يمثلون سينا، والعدالة، والحكمة، والاتفاق، والفضائل السبعة، والسلم- وتنحى الشخصية التي تمثل السلم في رشاقة كما تنحى آلهة فدياس. ونشاهد في صورة الحكومة الخبيثة الاستبداد جالسا على العرش، ووزيره الرعب، ونرى التجار تنهب بضائعهم في الطريق، والتحزب والعنف يخضبان المدينة بالدماء. وتظهر صورة الحكومة الصالحة المرسومة على جدران هذا البهو نفسه الأهلين السعداء يعملون مغتبطين في صناعاتهم اليدوية، وفي مسراتهم وتجارتهم، ونرى الزراع والتجار يقودون إلى المدينة بغالا محملة بالطعام والسلع، والأطفال يلعبون، والفتيات يرقصن، والآلات الموسيقية تصدر عنها نغمات صامتة، وترفرف فوق المنظر كله روح مجنحة ترمز إلى الأمن. وربما كان هذان الأخوان النشيطان هما اللذين صورا المظلم الضخم الذي يمثل انتصار الموت في الكامبو سانتو Campo Santo (الميدان المقدس) في بيزا Pisa. وتمثل هذه الصورة جماعة من الصيادين مؤلفة من الأعيان والسيدات يرتدون ثياباً غالية الثمن، ويعثرون على ثلاثة توابيت تحتوي جثثا متعفنة لملوك. ويمسك أحد الصيادين بانفه اشمئزاز من رائحتها. ويحوم ملك الموت فوق هذا المنظر، وهو يلوح بمنجل ضخم، وفي الهواء ملائكة الرحمة يحرسون الأرواح الناجية في طريقها إلى الجنة، ثم نرى الشياطين المجنحة تجر معظم الموتى إلى الجحيم، ونرى الأفاعي تطوق أجسام الرجال والنساء العارية والنسور تنهشها، وتلتهمها، ومن تحتها الملوك، والملكات، والأمراء، والأميرات، والأساقفة، والكرادلة يتلوون في الهاوية التي تضم الملعونين. وقد صور هذان الفنانان نفسهما على جدار مجاور لهذا في مظلم آخر ضخم صورة يوم الحساب إلى اليسار ومنظراً آخر من مناظر الجحيم إلى اليمين. وتتجسم في هذين المنظرين جميع الأهوال التي يتصورها أهل العصور الوسطى. فهي شبيهة بمنظر جحيم دانتي تُرى رأى العين خالية من الرحمة وذاهبة إلى أبعد حد.

ولم تخرج سينا يوماً من العصور الوسطى، بل بقيت هي وجبيو Gobbio، وسان جمنيانو San Gimignano، وصقلية على حالها إلى ما بعد النهضة، لم تمت هذه المدن أبداً ولكنها تتربص وقتها صابرة مستورة حتى تظهر من جديد.

القرن 15

كادت سينا في القرن الرابع عشر تلاحق فلورنس في التجارة والحكم والفن. أما في القرن الخامس عشر فقد أنهكت قواها في أعمال العنف والتعصب الحزبي إلى حد لم تصل إليه أي مدينة أخرى في أوربا، فقد تناوبت على حكم المدينة خمسة أحزاب - أو خمسة تلال Monti كما يسميها أهلها - أسقطت كلا منها ثورة جامحة نفي على أثرها أعضاؤه البارزون واكنوا يبلغون في بعض الأحيان عدة آلاف. وفي وسعنا أن نتبين حدة هذا النزاع من اليمين التي أقسمها حزبان من هذه الأحزاب الخمسة والتي يعلنان بها عزمها على وضع حد لهذا النزاع (1494). ويصف شاهد عيان روعته هذه الحال أعضاء الحزبين مجتمعين اجتماعاً رهيباً في سكون الليل في جناحين منفصلين بكنيستهم الرحبة الخافتة الضوء:

وقرئت شروط الصلح وكانت تملأ ثماني صفحات، وصحبتها يمين من أشد الأيمان رهبة، مليئة بألفاظ المقت واللعن، والحرمان، واستنزال الشر، ومصادرة الأموال، وغيرها من المصائب التي تستك منها المسامع والتي لا ينجي منها شيء حتى القربان المقدس ساعة الموت. بل إنه سيضاعف اللعنات على الذين ينكثون العهد ويحالفون هذه الشروط؛ وإني... لأعتقد أن أحد لم يسمع قط يميناً أشد هولا أو رهبة من هذه اليمين. ثم أخذ الكتبة الواقفين على جانبي المحراب يسجلون أسماء جميع المواطنين وهم يقسمون على الصليبين الموضوعين في كلا الجانبين، ثم يقبله كل اثنين من هذا الحزب وذاك، وتدق أجراس الكنيسة وينشد دعاء "لك الحمد يا رب" مصحوباً بموسيقى الأرغن أثناء تلاوة القسم.

وتمخض هذا النزاع عن قيام أسرة سيطرت على الموقف هي أسرة پيتروتشي. ذلك أن بنفدلفو پتروتشى نصب نفسه حاكاً بأمره في عام 1497 ولقب نفسه بصاحب الفخامة il magnifico، وعرض أن يهب سينا النظام، والسلم، والحكم الأتوقراطي الصالح الذي سعدت به فلورنس أيام آل ميديتشى. وكان بنديلفو هذا على جانب كبير من المهارة، وكان على الدوام ينجو بنفسه من جميع الأزمات بل إنه نجا من انتقام سيزارى بورجيا نفسه؛ وقد ناصر الفنون وكان يميز غثها من ثمينها، ولكنه كثيراً ما كان يلجأ للاغتيال خفية حتى لقد فرح الناس جميعاً بموته (1512)، فلما كان عام 1525 بلغ يأس المدينة درجة لم يسعها معه إلا أن تتقدم للإمبراطور شارل الخامس بأن يضعها تحت حمايته، وعرضت عليه في نظير ذلك خمسة عشر ألف دوقة.

وبلغ فن سينا ذروته خلال فترات الصحو التي سادها السلم، فواصل أنطونيو باريلى Antonio Barile تقاليد العصور الوسطى في الحفر العجيب على الخشب، وشاد لورندسو دى مريانو في كنسية فنتجيستا محراباً عالياً على الطراز الروماني الجميل. واتخذ ياقوبو دلا كويرتشيا Jacopo della Quercia لقبه من قرية في مؤخرة سينا. وكان الذي يمده بالمال وهو ينحت تماثيله الأولى هو أورلاندو مالڤالتي Orlando Malevalti فأثبت بذلك أنه غير خليق بأن يسمى صاحب "الوجوه الشريرة". ولما أن نفي أرلندو لأنه انضم إلى الجانب الخاسر في النزاع السياسي، غادر ياقوبو سينا لاي لوكا (1390) حيث تصميم قبر فخم لإلاريا دل كاريتو Iliaria del Carretto، وبعد أن ظل فترة من الزمن ينافس دوناتيلو وبرونيلسكو في فلورنس انتقل إلى بولونيا وحفر على باب سان بترونيو Soan Patronio تماثيل ونقوشاً رخامية تعد من أجمل ما صنع في النهضة (1425 - 1428). وشاهدها ميكل أنجيلو في موضعها بعد سبعين عاماً من ذلك الوقت، وأعجب بما تنطق به هذه الصور العارية من قوة ورجولة، وظل وقتاً ما يستمد منها الوحي والحافز. ولما عاد ياقوبو بعدئذ إلى سينا قضى شطراً كبيراً من العشر سنين التالية يعمل في آيته الفنية المعروفة باسم "الفسقية المرحة Fonte Gaia". فنقش على قاعدتها الرخامية صورة العذراء السيدة المدينة الرسمية؛ وصورة حولها الفضائل السبعة الأصلية؛ وأضاف إلى ذلك مناظر من العهد القديم ملأت جزءاً كبيراً من القاعدة، ثم ملأ ما بقى بعد ذلك بصور الأطفال والحيوانات - تشهد كلها بقوة التفكير وحسن التنفيذ الذين يبشران بقدوم ميكل أنجلو. وأعجبت سينا بعمله هذا فبدلت اسمه وجعلته ياقوبو ذا الفسقية Jacopo della Fonte وأجازته عليه بألفي كرون ومائتين (55.000 دولار أمريكي؟). ومات في الرابعة والستين من عمره بعد أن أنهكه فنه، وحزن عليه جميع المواطنين.

واستعانت المدينة المعجبة بنفسها طوال الجزء الأكبر من القرنين الرابع عشر والخامس عشر بمائة فنان مختلفي المواطن ليجعلوا كنيستها درة العمارة في إيطاليا، وعين دومنيكو دل كورو Domenico del Coro أحد أساتذة التلبيس بالخشب مشرفاً على العمل في الكتدرائية بين عامي 1413 - 1423، وأخذ هو وماتيو دي جوڤاني، ودومنيكو بكافومي Domenico Beccafumi وبنتورتشيو وكثيرون غيرهم يطعمون أرض المزار العظيم بقطع من الرخام تمثل حوادث في الكتب المقدسة حتى أضحت أرض الكنيسة أعجب أرض الكنائس في العالم كله. ونحت انطونيو فيديريغي Antonio Federighi لهذه الكنيسة فسقيتين جميلتين للتعميد، وصب لها لورندسو فتشيتا Lorenzo Veccietta صندوقاً للعشاء الرباني من البرنز البراق، وأقام سانو دي ماتيو Sano di Matteo اللجيا دلا ميركندسيا Loggia della Mercanzia في الميدان (1417 - 1438) وحفر فيتشيتا وفيدريجي على واجهات عمدها تماثيل مؤتلفة متناسقة. وشهد القرن الرابع عشر قصراً من أشهر القصور، منها قصور سلميني Salimbeni، وبونسنيوري Buonsignori، وسرتشيني Saracini، وجرتانيلي Grottanelli ...، ووضع برناردو روسلينو Bernardo Rosselino في عام 1470 رسوماً لقصر أسرة بيكولوميني على الطراز الفلورنسي، وصمم أندريا برينو لأسرة بيكولوميني محراباً في الكنيسة (1481)، وشاد الكردنال فراتشيسكو بكولوميني مكتبة ملحقة بهذه الكنيسة (1495) لتضم الكتب والمخطوطات التي تركها له عمه بيوس الثاني، وأنشأ لورندسو ودي ماريانو لهذه الدار مدخلاً يعد من أجمل مداخل الدور في إيطاليا. وسم بنتو ريتشيو ومساعدوه (1503-1508) على جدرانها، داخل أطر معمارية فخمة رائعة، مظلمات جميلة تبهج النفوس وتمثل مناظر في حياة البابا العالم.

وكان في سينا خلال القرن الخامس عشر عدد كبير من المصورين في المرتبة الثانية من الإجادة، نذكر منهم تاديو بارتولي Taddeo Bartoli، ودومنيكو دي بارتولو Domenico di Bartolo، ولوندرسو دي بيترو المسمى فيتشتيا، وستفانو دي جوڤاني، المعروف باسم ساسـِتا Sassetta، وساني دي پييترو Sani di Pietro، وماتيو دي جيزفني، وفرانشيسكو دي جيورجيو، وقد واصلوا جميعاً التقاليد الدينية القوية في الفن السينمائي، فكانوا يصورون موضوعات تدل على التقي والخشوع، وقديسين مكتئبين، وكثيراً ما يصورونهم في لوحات جامدة مزدحمة كثيرة الطيات كأنهم يريدون أن يطيلوا حياة العصور الوسطى إلى أبد الدهر. وقد أسترد ساسيتا شهرته حديثاً بفضل نزوة عارضة من نزوات الناقدين، وكان قد صور بخطوط وألوان ساذجة موكباً رائعاً من مواكب المجوس وأتباعهم يتحركون في ثبات ووقار مجتازين ممرات الجبال إلى مهد المسيح. ووصف في صورة رشيقة ثلاثية الطيات مولد العذراء، وفي صورة أخرى وصف ترحيب القديس فرانسس بالفقر، ومات عام 1450 بعد أن هدت جسمه الريح الجنوبية القارسة(5).

ولم تنجب سينا فناناً ذاعت شهرته بالخير أو بالشر في جميع أنحاء إيطاليا إلا في أواخر ذلك القرن، ألا وهو سودوما.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

معرض صور

توأمة المدن

سيينا متوأمة مع:

الهامش

  1. ^ Data from Istat

المصادر

  • ول ديورانت. قصة الحضارة. ترجمة بقيادة زكي نجيب محمود. Unknown parameter |coauthors= ignored (|author= suggested) (help)
  • ويكيبيديا
  • A Medieval Italian Commune: Siena under the Nine, 1287–1355 by Professor William M. Bowsky (1982)
  • McIntyre, Anthony Osler. Medieval Tuscany and Umbria (1992) ISBN 0-670-83525-0
  • Nevola, Fabrizio (2007). Siena: Constructing the Renaissance city (second ed.). Yale University Press. ISBN 9780300126785. Retrieved 1 March 2010.

وصلا خارجية


قالب:Province of Siena