تاريخ دمشق

ولما اتسعت الدولة العربية نحو الشرق رؤى أن من مصلحتها أن تكون عاصمتها في موضع أقرب إلى وسطها من مكة أو بيت المقدس. وقد أحسن بنو أمية إذ اختاروا دمشق عاصمة لدولتهم-وكانت هذه المدينة ذات تاريخ قديم حين أقبل عليها العرب فاتحين. وكان يلتقي عندها خمسة أنهار، تجعل الإقليم الذي من خلفها "جنة الشرق" بحق، وتمد بالماء مائة فسقية، ومائة حمام عام، ومائة وعشرين ألف بستان(84)، ثم تجري نحو الغرب إلى "وادي البنفسج" الذي يبلغ طوله اثني عشر ميلاً وعرضه ثلاثة أميال. ويقول الإدريسي إن "مدينة دمشق من أجل بلاد الشام وأحسنها مكاناً، وأعدلها هواء، وأطيبها ثرى، وأكثرها مياهاً، وأغزرها فواكه، وأعمها خصاً، وأوفرها مالاً وأكثرها جنداً.[1]

وفي قلب هذه المدينة وبين سكانها الذين يبلغون نحو مائة وأربعين ألفاً يقوم قصر الخليفة الذي شاده معاوية الأول، والذي يلمع فيه الذهب والرخام، وتتلألأ في أرضه وعلى جدرانه الفسيفساء، والذي تلطف جوه الفساقي والشلالات التي يتدفق منها الماء على الدوام. وفي الناحية الشمالية من المدينة يقوم مسجدها العظيم وهو واحد من اثنين وسبعين وخمسمائة مسجد في المدينة، والأثر الوحيد الباقي من دمشق الأموية. وكان موضعه في أيام الروم يزدان بهيكل لجوبتر، ثم أقام ثيودوسيوس الأول على أنقاضه كنيسة يوحنا المعمدان (379). وعرض الخليفة الوليد الأول على المسيحيين حوالي عام 705 أن يعدل بناء الكنيسة حتى تصبح جزءاً من مسجد جديد يريد بناءه في ذلك المكان، ووعدهم بأن يعطيهم أرضاً ومواد في أي مكان يختارونه ليقيموا فيه كنيسة جديدة. ولكن المسيحيين احتجوا على هذا العمل وحذروه من عاقبته، وقالوا إنه قد ورد في كتبهم أن من يجرؤ على هدم الكنيسة سيموت مختنقاً؛ ولكن الوليد لم يأبه بهذا التحذير وكان هو البادئ بهد الكنيسة بيديه. ويقول المؤرخون أن جميع خراج الأرض في الدولة كلها قد خصص مدى سبع سنين لتشييد هذا المسجد، هذا إلى المال الكثير الذي أعطي للمسيحيين لينشئوا بهِ كنيسة جديدة. وجيء بالصناع والفنانين من الهند، وفارس، والقسطنطينية، ومصر، وليبيا، وتونس، والجزائر، وكان من استخدم في بنائه من العمال اثني عشر ألف عامل، أتموه في ثمان سنين. والرحالة المسلمون مجمعون على أنه أفخم بناء في بلاد المسلمين، ويرى المهدي والمأمون من الخلفاء العباسيين-وليس منهما من يحب الأمويين أو دمشق-أنه لا يضارعه بناء غيره في جميع أنحاء العالم. ويتكون البناء من سور محصن، في داخله صفوف من العمد تحيط بصحنه الواسع المرصوفة أرضه بالرخام. ويقوم المسجد نفسه في الجهة الغربية من هذا المكان المتسع، وهو مشيد من الكتل الحجرية المربعة وتشرف عليه أربع مآذن-منها واحدة هي أقدم ما شيد من المآذن في الإسلام. وكان تخطيط المسجد وزخرفته على الطراز الروماني، وما من شك في أنهما قد تأثرا بطراز صوفيا. وكان السقف والقبة_ ويبلغ طول قطرها خمسين قدماً-مكفتين بصفائح الرصاص. أما داخل المسجد الذي يبلغ طوله 429 قدماً فيشتمل على صفين من العمد المنحوتة من الرخام الأبيض تفصل صحنه عما يحيط به من الطرقات. وتيجان هذه العمد كورنشية الطراز مكفتة بصفائح الذهب. ومن فوقها عقود مستديرة أو على شكل حذاء الفرس.

وهذا الطراز الثاني من العقود أول ما اقيم من نوعه في بلاد الإسلام . وأرض المسجد من الفسيفساء وقد غطيت بالطنافس، كما غطيت جدرانه بالفسيفساء المصنوعة من الرخام الملون وبالقاشاني المطعم بالميناء، وفي داخل المسجد ستة حواجز جميلة من الرخام تقسم داخله إلى عدة إيونات. وفي أحد جدرانه المتجهة نحو مكة محراب مرصع بالذهب والفضة والحجارة الكريمة، ويدخل الضوء إلى المسجد من أربعة وسبعين شباكاً من الزجاج الملون ومن اثني عشر ألف قنديل. ويصفه أحد الرحالة بقولهِ: "لو أن رجلاً من أهل الحكمة اختلف إليه سنة لأفاد منه كل يوم صفة وعقدة أخرى" .

وسمح لأحد سفراء اليونان أن يدخل المسجد فلما شاهده التفت إلى رفاقه وقال لهم: "لقد قلت لأعضاء مجلس الشيوخ في بلادي إن سلطان العرب سيزول عما قريب، أما الآن وأنا أرى كيف كانوا يشيدون عمائرهم فقد علمت علم اليقين أن سلطانهم سيدوم أحقاباً طوالاً" .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الحروب الصليبية

في ٢٨ تشرين الأول ١١٧٤، دخل صلاح الدين الأيوبي دمشق فاتحاً ليضم بذلك بلاد الشام إلى دولته. كان صلاح الدين قد بنى دولة قوية في مصر وعزم على توحيد الديار العربية للتصدي للصليبيين. وبعد وفاة السلطان نور الدين محمود، أرسل أمير دمشق إلى صلاح الدين طالباً دعمه أمام أطماع سعد الدين كمشتكين صاحب حلب والتهديدات المتزايدة من قبل الصليبيين. فزحف صلاح الدين على دمشق بجيش قوامه عشرة آلاف واستقبل في المدينة بحماسة كبيرة. عين السلطان أخاه طغتكين حاكماً على دمشق بينما اتجه شمالاً ليبسط سيطرته على المدن السورية واحدة تلو الأخرى حتى تم له احتلال حلب قبل نهاية العام. كان توحيد مصر والشام الخطوة الأولى في انتصارات صلاح الدين ضد الصليبيين والتي بلغت أوجها في معركة حطين وتحرير القدس عام ١١٨٧.


غزو تيمورلنك

في ١٤ كانون الثاني ١٤٠١: بدأ تيمورلنك بحصار قلعة دمشق التي رفضت حاميتها الاستسلام بعد سقوط المدينة واستمر الحصار لأكثر من شهر تعرضت القلعة خلالها للقصف بالمنجنيقات إلى أن انهار برجها الشمالي الغربي. تم إعدام كل حامية القلعة وفرض تيمورلنك على أهالي دمشق غرامات كبيرة لم يتمكنوا من دفعها، فبدأ جيشه بتدمير المدينة وإحراقها، بشكل لم تشهده المدينة من قبل. جمع تيمورلنك الأهالي في الجامع الأموي ثم أقفله وأمر بإحراقه. يعتقد أن عشرات الآلاف من أهالي دمشق ذبحوا خلال الأيام التي تلت سقوط القلعة، ودمرت المدارس والمكتبات العائدة للعهدين الزنكي والأيوبي، وسيق أمهر الحرفيين والمعماريين أسرى إلى سمرقند عاصمة المنغول. فكانت كارثة لم تتعافَ منها المدينة قط.

المملكة العربية 1918

وفي 26 سبتمبر 1918، كان خروج آخر جندي عثماني من دمشق، بعد محاولة اضرام النار في حي البرامكة، ورفع العلم العربي فوق دار البلدية من قبل الحاكم المؤقت الأمير سعيد الجزائري، معلناً انتهاء 400 عام من الحكم التركي. الأمير سعيد يشكل أول حكومة لإدارة الأموال وشؤون البلاد لحين دخول القوات العربية بعد 5 أيام. الحكومة المصغرة تشكل من دون تسمية وزراء أو حقائب من السادة: عطا الأيوبي، شاكر الحنبلي، فارس الخوري، وجميل الإلشي والأمير سعيد نفسه.


المصادر

  1. ^ ول ديورانت. قصة الحضارة. ترجمة بقيادة زكي نجيب محمود. Unknown parameter |coauthors= ignored (|author= suggested) (help)