إيڤان ألكسيڤيتش بونين

إيڤان ألكسيڤيتش بونين

إيفان بونين (و. 22 أكتوبر 1870 - ت. 8 ديسمبر 1953)، هو أديب و شاعر روسي، حصل على جائزة نوبل في الأدب عام 1933. صدر له أول ديوان شعر في منتصف الثمانينات من القرن التاسع عشر وعرف بحبه للشرق مما دفعه أكثر من مرة إلى زيارة بلدانه المختلفة، حيث تعرّف على حياة شعوبها وعلى عادات أبنائها وتقاليدهم. زار بونين أكثر من مرة كل من تركيا وشواطئ آسيا الوسطى واليونان ومصر بما في ذلك بلاد النوبة. كما تنقل عبر سوريا، فلسطين، وزار الجزائر، تونس وأطراف الصحراء الغربية وسافر بحراً إلى سيلان وبرا عبر كل أوروبا [1].

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

السيرة الذاتية

716.jpg

ولد ايفان اليكسيفتش بونين في 23 اكتوبر/تشرين الأول عام 1870م بمدينة فورونيج في اسرة نبلاء ينتمي اليها الشاعر فاسيلي جوكوفسكي والشاعرة آنا بونينا. وقالت عنه والدته لودميلا الكسندروفنا انه يختلف تماما عن بقية اطفالها فهو"منزيل مسقط راس بونين تميز منذ ولادته عن بقية الاطفال.. انه يتمتع بخصوصية ما .. ولا توجد لدى اي احد مثل هذه الروح المميزة له".

في عام 1874م قررت اسرة بونين ترك المدينة والاقامة في قرية بوتيركي بمحافظة اوريول حيث كانت توجد آخر ضيعة للأسرة. وهناك استمع ايفان الى حكايات واغاني الفلاحين وتشبع بحب الريف الروسي. وكتب لاحقا عن هذه الفترة من حياته يقول:" ان ذكريات الطفولة ارتبطت منذ ان كنت في سن السابعة بالحقول وبيوت الفلاحين (الموجيك) وساكنيها". وكان الصبي بونين يقضي طوال يومه في القرى المجاورة ويرعى الماشية مع الصبيان من ابناء الفلاحين وربطته اواصر الصداقة مع بعضهم. ووصف بونين هذه الفترة من حياته في رواية "حياة ارسينييف" التي تمثل سيرته الذاتية قائلا: انني كنت اقلد الرعاة واتناول مع شقيقتي ماشا الخبز الأسود والفجل و"الخيارات الخشنة والمحببة" ، ولدى تناول مثل هذا الوجبات من الطعام " تشعر وكأنك اصبحت قريبا من تلك الارض، وكل ما يجري تحسسه وتلمسه والذي خلق منه الكون ". وايامذاك شعر ايفان باعترافه نفسه بكل " عظمة الكون الربانية" والتي غدت الموضوع الرئيسي لأبداعه الادبي شعرا ونثرا. وفي هذه السن بالذات تكشف تعامله الادبي مع الحياة والذي تجسد في القدرة على تصوير الناس عبر الايماءات والحركات اذ كان محدثا موهوبا منذ ذلك الوقت. وفي سن الثامنة نظم بونين اول قصيدة . ولدى بلوغه الحادية عشرة من العمر التحق بالمدرسة في مدينة يليتس. وفي البداية كانت الدراسة سهلة حيث كان يحفظ قصيدة من صفحة كاملة اذا ما اعجبته. لكن في الاعوام التالية مضت الامور في الدراسة اسوأ فأسوا وفي العام الثالث ابقي في صفه لكي يعيده في العام التالي. علما ان معلميه لم يكونوا من ذوي المعارف والتأهيل العالي. لكن بونين واصل في المدرسة قرض الشعر مقلدا ميخائيل ليرمنتوف وبوشكين وغيرهما من شعراء روسيا الكبار. ولم يكن يجذبه ما يطالعه اقرانه في هذه السن بل كان يقرأ كل كتاب يقع بين يديه.

لم يختتم بونين تعليمه في المدرسة وواصل التعليم لاحقا بصورة مستقلة تحت اشراف شقيقه يولي اليكسييفتش الاستاذ في الجامعة. وفي خريف عام 1889م بدأ العمل في صحيفة " اورلوفسكي فيستنيك" ونشر فيها قصصه واشعاره ومقالاته في النقد الادبي وخصص له عمود دائم في الصحيفة. وكان يكسب رزقه من الكتابة الادبية. وكان ابوه قد افلس في عام 1893م وباع ضيعته ومن ثم بيته. ولم يجد الشاعر الفتي من يتلقى العون منه.

وتعرف بونين لدى عمله في الصحيفة على فارفارا باشينكو ابنة طبيب في المدينة والتي كانت تعمل هناك في مراجعة النصوص قبل طبعها.وكان يعكر هيامه الشديد بها حدوث مشاجرات بينهما احيانا ، لكن العلاقة بينهما لم تختتم بالزواج ، حيث عارض ابواها زواجها من شاعر فقير. وقد تحدث بونين عن غرامه الاول في الكتاب الخامس من روايته " حياة ارسينييف " الذي صدر بعنوان " ليكا".

ويشير كاتبو سيرة بونين الى ان الكثيرين كانوا يتصورون بونين شخصا جافا وبارد الطبع. وكتبت فيرا مورومتسيفا – بونينا تقول:" حقا كان يتراءى للبعض احيانا انه كذلك ، فقد كان ممثلا بارعا... لكن من لم يعرفه حتى النهاية ما كان ليتصور مدى رقة روحه". وكان بونين من الناس الذين لا يكشفون خفايا نفوسهم. وكان يتميز بطبيعة غريبة جدا. وهيهات ان يمكن ايجاد كاتب روسي آخر عبر عن مشاعر الحب بكل نكران ذات واندفاع كما فعل ذلك في رسائله الى فارفارا باشينكو حيث جمع في احلامه صورة كل ما هو جميل وساحر وجده في الطبيعة والشعر والموسيقى. ويشبه بونين من حيث البحث عن المثل الاعلى في الحب الشاعر الالماني غوته الذي اعترف بأن " روايته الآم فرتر " تجسد لحد كبير سيرة حياته.

717.jpg
تعليق

في خريف عام 1892م انتقل ايفان بونين مع صديقته باشينكو للأقامة في بولتافا حيث كان يعمل شقيقه يولي اليكسييفتش في منصب خبير في دائرة الاحصاء في المدينة. وألحق شقيقه الاصغر وصديقته بالعمل هناك. وقد تجمع في قضاء بولتافا ايامذاك عدد من المثقفين المنتمين الى الحركة الشعبية "نارودنايا" في اعوام السبعينيات والثمانينيات في القرن التاسع عشر. وشارك الاخوان ايفان ويولي بونين في هيئة تحرير صحيفة " اخبار محافظة بولتافا" التي كانت خاضعة منذ عام 1894م تحت تأثير المثقفين التقدميين. ونشر ايفان بونين بعض اعماله في هذه الصحيفة وكذلك في جريدة " كييفليانين"، وفي هذه الفترة بدأ نشر اشعار وقصص بونين في المجلات " السميكة" مثل " فيستنيك يفروبا" و" مير بوج" و" روسكويه بوغاتسفو" وجذبت اهتمام كبار النقاد. وتنبأ له الناقد نيقولاي ميخايلوفسكي لدى مطالعته قصة " مشهد من القرية" بأن يصبح " كاتبا كبيرا".

720.jpg
719.jpg

في فترة 1893 – 1894 ابدى بونين ولعا كبيرا بالحركة التولستوية فزار القرى التي يعيش اهلها وفق وصايا تولستوي في العودة الى احضان الطبيعة واتباع اسلوب حياة بسيط . وفي يناير عام 1894م زار تولستوي نفسه في ضيعته والذي اقنعه بالعدول عن " الغلو في حياة البساطة" التي كان يدعو اليها بعض اتباعه.

في ربيع وصيف عام 1894 قام ايفان بونين بجولة في انحاء اوكرانيا. وقد اعرب في كتاباته عن اعجابه بأوكرانيا وقراها وسهوبها وسعى الى التقارب مع شعبها والاصغاء الى اغانيه وصدى روحه.

721.jpg

في عام 1895م هربت منه صديقته باشينكو التي تزوجت صديقه ارسيني بيبيكوف. وقد تأثر بونين لهذا الحدث كثيرا فترك عمله في بولتافا وانتقل الى بطرسبورغ ومنها الى موسكو حيث انخرط في اوساطهما الادبية. وحقق هناك نجاحا باهرا . كما التقى مشاهير ادباء ونقاد العصر مثل تشيخوف وكورولينكو وكوبرين وميخايلوفسكي وسولوغوب وغيرهم.

ومن ثم سافر الى اوديسا حيث تزوج آنا تساكني في عام 1898م لكن العلاقة الزوجية لم تدم طويلا بعد وفاة طفلهما الوحيد نيقولاي وانتهت بالطلاق. ومن هناك سافر الى يالطا حيث التقى تشيخوف وغوركي وتعرف على المخرج المسرحي قسطنطين ستانيسلافسكي والملحن سيرغي رخمانينوف وفناني مسرح موسكو الفني الذين زاروا المدينة آنذاك. علما ان علاقته توطدت كثيرا مع تشيخوف وصار غالبا ما يزوره في يالطا وفي موسكو.

وشهدت بداية التسعينيات مرحلة جديدة من حياة بونين حيث قام برحلات كثيرة في اوروبا وبلدان افريقيا والشرق الاوسط التي تركت فيه انطباعات شديدة تجسدت في قصصه التي لقيت اقبالا كبيرا لدى القراء ولمع اسمه بصفته من احسن كتاب روسيا في تلك الفترة.

في مطلع عام 1901 نشر ديوانه " سقوط اوراق الشجر" الذي اثار صدى كبيرا لدى النقاد. وفي عام 1903م منح بونين جائزة بوشكين التي تقدمها اكاديمية العلوم الروسية الى الادباء والمبدعين سنويا.

بونين وزوجته فيرا في عام 1906م تعرف بونين في موسكو على زوجته القادمة فيرا مورمتسيفا التي رافقته في جولته في مصر وسورية وفلسطين. وفي هذه الفترة نشر قصصه التي يتحدث فيها عن انطباعاته حول الشرق . ونظم ايامذاك قصائده الشهيرة ذات الموضوع الاسلامي :" ليلة القدر" و" الهجرة" و" امرؤ القيس" و"البدوي " و" القافلة" وكذلك قصصه "معبد الشمس " و" بحر الآلهة" و" ظل الطير" وغيرها. وقد اتسمت اعماله النثرية بعد هذه الجولة بصبغة جديدة تشيع فيها التلاوين الصارخة وكأنها لوحات زيتية. وقد منحته اكاديمية العلوم الروسية جائزة بوشكين الثانية في عام 1909 لقاء قصة "ظل الطير" وغيرها التي صدرت في تلك الفترة ولترجمته اسعار بايرون الى اللغة الروسية.وانتخب بونين في العام نفسه لنيل لقب اكاديمي شرف.

وأثارت روايته القصيرة" القرية" التي نشرت في عام 1910م ضجة كبيرة في الاوساط الادبية وتعتبر بداية شهرة بونين الواسعة في روسيا وخارجها. وكانت بداية نشر مجموعة من الروايات والقصص الاخرى التي " صورت الروح الروسية وأسسها المضيئة والقاتمة وحتى المأساوية في غالب الاحيان" حسب قوله. وكتب بونين في اثناء الاستجمام في مدينة كانمكسيم غوركي عن رواية "القرية" ان اي كاتب آخر لم يتناول موضوع القرية بمثل هذا العمق والاصالة التاريخية. وعالج بونين على نطاق واسع حياة الشعب الروسي المتعلقة بمشاكله التاريخية والوطنية والقضايا الاكثر الحاحا في تلك الفترة اي الحرب والثورة. وقد صور القرية في زمانه بدون اي تزويق. وقد رسخت هذه الرواية التقاليد الواقعية في الادب الكلاسيكي الروسي. علما ان بونين لم يلتحق بأية مجموعة ادبية في زمانه وكان لديه اسلوبه الخاص ولغته الشعرية ومعالجته لقضايا عصره . واصبح بونين ظاهرة ادبية متميزة بروسيا في النصف الاول من القرن العشرين بالرغم من اضطراره للهجرة من وطنه الى فرنسا في 21 مايو عام 1918م بعد قيام ثورة اكتوبر البلشفية في عام 1917م. حيث استقل مع زوجته السفينة من اوديسا الى القسطنطينية(اسطنبول) وانتقل منها الى صوفيا وبلغراد ووصل باريس في 28 مارس 1920 .

وفي فترة 19271930م كتب بونين مجموعة من القصص القصيرة مثل " الفيل" و" الشمس فوق الدار" وغيرها التي حاول فيها ايجاد اشكال جديدة للكتابة المقتضبة والتي ارسى بدايتها تولستوي وتورجينيف وتشيخوف.

حضول بونين على جائزة نوبل في عام 1933م منح بونين جائزة نوبل لقاء روايته " حياة ارسينييف" واعمال اخرى.وكان اول كاتب روسي يحصل على هذه الجائزة.

وفي عام 1936م زار بونين وزوجته ألمانيا وهناك اصطدم لأول مرة بالانظمة النازية حيث جرى اعتقاله واذلاله بسبب اتصالاته مع الناشرين والمترجمين لأعماله. واستقر به المقام لاحقا في غراس حتى نهاية الحرب ولم ينشر في هذه الفترة اي شئ. لكنه كتب مجموعة قصص عن الحب بعنوان " الدروب الظليلة". وفي عام 1945 ترك غراس وعاد الى باريس. وفي الاعوام الاخيرة من قبر بونينحياته مرض كثيرا وكتب مذكراته وبدأ بتأليف كتاب عن تشيخوف لكنه لم يتمه . وكتب بونين في المهجر اجمالا عشرة كتب.


الشهرة

Portrait of Ivan Bunin by Leonard Turzhansky

اشتهر بونين بشغفه بالشرق مما دفعه أكثر من مرة إلى زيارة بلدانه المختلفة، حيث تعرّف على حياة شعوبها و على عادات أبنائها و تقاليدهم .. وقد انعكس إعجابه بالشرق و بأهله في أشعاره و في قصصه و مذكراته .. امتد طريق الإبداع عند ذلك الإنسان حوالي 70 عاما، إذ صدر له أول ديوان شعر في منتصف الثمانينات من القرن التاسع عشر. وقد اتسم الإبداع الفني لإيفان بونين في ذروة عطائه بسعة الأفق وبعمق النظر إلى درجة مدهشة ...فقد صارت قريبة إلى عقله و قلبه جميع الأزمان والبلدان، المبادئ الإنسانية العامة بخصوص الخير، الجمال والعدل. لم يكن هناك، على الأرجح، كاتب مماثل استطاع أن يتحسس بدرجة عالية وأن يستوعب وعيه بنفس الحدّية تلك العصور البعيدة ما قبل التاريخية، روسيا، الغرب والشرق. وقد ساعد في إنضاج وتفتح مواهبه ترحاله المستمر - تنقلاته في بلدان العالم. في عام 1907، وخلال استعداداته للسفر إلى الشرق الأوسط ، من أجل القيام برحلة حج نوعاً ما إلى "الأراضي المقدسة"، قام بونين بدراسة وتعلم الإنجيل والقرآن، وبالاطلاع على الدراسات المتعلقة بالشرق القديم - بمصر .

القدس، فلسطين

أثناء تنقله لم تكن تفارقه قصائد الشاعر الصوفي المفضّل لديه سعدي، الذي كانت حياته موضع إعجاب الكاتب الروسي: "بعد ولادته، استثمر ثلاثين عاما لاكتساب المعرفة، ثلاثين عاما في الترحال وثلاثين أخرى في التفكر، التأمل و الإبداع ". وقد عبّر الكاتب عن الغاية من تنقلاته مستعيراً كلمات الشاعر المسلم العظيم: "... أنا، كما قال سعدي، سعيت لكي أتعرف على الدنيا و لكي أترك فيها انسكابة من روحي". لقد زار بونين أكثر من مرة كل من تركيا، شواطئ آسيا الوسطى، اليونان، مصر بما في ذلك بلاد النوبة Nubia ؛ كما تنقل عبر سوريا، فلسطين، وزار الجزائر، تونس وأطراف الصحراء الغربية؛ سافر بحراً إلى سيلان، وبراً عبر كل أوروبا. " أما بخصوص تنقلاتي و أسفاري، فقد نشأت لدي فلسفة خاصة - كتب بونين في عام 1912م - أنا لا أعرف ما هو أفضل من الترحال " . البحث عن أجوبة على الأسئلة التي تهم البشرية جمعاء بشكل دائم: حول معنى الحياة، حول الغاية من خلق الإنسان، عن العلاقة المتبادلة والارتباط المتبادل بين أشكال الوجود ككل، حول المغزى من التاريخ، حول أسباب نهوض وموت الحضارات، وكذلك الأفكار حول الاعتقاد والإيمان، حول سعي الشعوب إلى الحقيقة، الخير والجمال، وفي ذات الوقت التعطش الدائم لأن يرى بنفسه العالم الشديد التنوع - كل هذا كان يغذي الخيال الجامح للفنان، يوقد فكره و كلمته . وأكثر ما جذبت اهتمام بونين تلك البلدان والعصور، حيث التقت البدايات و النهايات، حيث تجذّرت "منابع الأيام"، حيث تصادمت الطاقة الخلاقة للروح مع البربرية، الإبداع والاستبداد. لقد شاهد أنقاض البارثينون اليوناني وقرطاجة الفينيقية، الأهرامات الهائلة في مصر، أضرحة الفراعنة الموغلة في القِدم، أطلال حيفا في فلسطين مع الجدران الضخمة و مقابر يفوق عمرها أربعين قرناً . لكن أكثر ما أدهشته بعلبك، بقايا معبد الشمس، " الذي تفوق مقاييسه كل ما أنجزته يد الإنسان ". لقد سحرت بونين تلك المنحوتات الصخرية، التي كانت قد صنعت في تلك الأزمان الغابرة، " عندما كانت الأساطير عن العمالقة ما زالت تضج بالحياة " .

معبد الشمس

معبد الشمس - هذه هي التسمية التي أطلقها على الطبعة الأولى من ديوان قصصه النثرية التي كتبها خلال أسفاره، والذي اسماه في طبعته الثانية بطريقة لا تقل شاعرية: "ظِلّ الطير" . الغريب هو أن الروايات - الأسفار الشرق أوسطية كتبها بونين بالتزامن مع الكتابات ذات الطابع الروحي الروسي الأصيل مثل "القرية" وغيرها، التي كتبها خلال الأعوام 1907 - 1911 . لقد وضعها بونين إلى جانب بعضها وخصّها باعتبارها الأكثر أهمية. في بعضها - روسيا، الحياة الروسية اليومية. في البعض الآخر - الشرق، الطبيعة الخلابة، العراقة والعاديات. هذه هي العناوين العربية لقصائده: "ليلة القدر"، " محمد في المنفى (الهجرة)"، "امرؤ القيس"، "البدوي"، "القاهرة"، "القافلة". وهذه بعض قصصه عن الشرق الأوسط: "الدلتا"، "بحر الآلهة"، "اليهودية "، "ظِلّ الطير"، "معبد الشمس"، "صحراء الشيطان - كلها تحكي عن مصر، لبنان، فلسطين، عن الخلود و لحظية الحياة.

أما القصائد "الإسلامية" فهي كثيرة جداً عند بونين لدرجة أنه لو لم تكن معروفة تفاصيل حياته اليومية و كينونته، لكان من الممكن الاعتقاد أن هذا الأخير بين الكتاب الروس الكلاسيكيين العظام - لم يكن يفارق القرآن أبدا ، كما لو انه كان يحمله معه في حقيبة سفره طوال حياته. بل إن الواقع هو كذلك . فقد كانت نسخة من القرآن بترجمة أ. نيكولاييف (لقد تم التثبت من أنها نسخة صادرة في موسكو عام 1901) بالنسبة لأيفان الكسييفيتش بمثابة واحد من أهم وأكثر الكتب المقروءة لديه. ففي القصائد، المملوءة بنفحة الشرق الإسلامي، نجد أن الشاعر الروسي كان يتبع القرآن بشكل مباشر، وأحيانا كان يكرر آيات الكتاب المقدس للمسلمين. عدا ذلك، إن بونين قد تابع بإحساس الوارث الشرعي الخاص تقاليد بوشكين و "محاكاته للقرآن" .

و مع ذلك، إن قصائد بونين الشرقية لا تعتمد مصادر كتابية و حسب . ففي تلك الأشعار يمكن تلّمس ليس فقط الافتتان بالزخرفة لوحدها، التي تمتاز بها عادة القصائد السطحية للشعراء - الرمزيين. لقد سافر بونين في أرجاء الدنيا أكثر بكثير من جميع أولئك الشعراء . و رغم ذلك، فإنه كان من جديد يلبي النداء القاهر ويعود إلى بلاد الإسلام... لكن القصائد، التي تم نظمها أثناء الرحلات أو التي ظهرت إلى الحياة عن طريق الذكريات، كانت تخرج قبل كل شيء من الإحساس المباشر بالأرض و الهواء في البلدان المكتشفة، المدن والبلدات ، الحدائق و الصحارى التي اغرم بها .

لقد شاهد بونين مختلف جوانب العقيدة الإسلامية و الحياة الإسلامية . كان مستعداً، وهو في رمال الليالي، أن يثق بالمثل العربي: "أيها المسافر، لا تخفْ! هناك في الصحراء كثير من الروعة و السحر . هذه ليست أعاصير، بل إنها الجن تُقلِق الصحراء. هذا هو الملاك، خادم الرب الرحيم، قد قذف شياطين الليل بسهم ذهبي" . ففي بعض القصائد، مثل " ليلة القدر "، " تسبيح "، " الحجر الأسود للكعبة"، " المقام المقدس"، " أبراهام . القرآن، السورة السادسة)، " إبليس والإله، " الطير "، محمد في المنفى"، "الفقير"، "الخالد"، "عرش سليمان"، "الحجيج"، " يوم الحساب" وفي مجموعة أخرى من القصائد المكتوبة في أعوام مختلفة، نجد أن الشاعر الروسي يتحول إلى روحاني إسلامي متحمس، بل ويظهر كمتصوف حقيقي.. وتعتبر قصيدة "السر" من عيون الكنوز الشعرية عند بونين، تلك القصيدة المرفقة باقتباس من القرآن


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الهجرة

رفض الموت

قراءات اضافية

وفاته

وافته المنية في 8 نوفمبر عام 1953م وكان يعاني من الفقر الشديد. وكتب بونين في مذكراته يقول:" انني ولدت قبل الاوان . ولو ولدت قبل هذا الزمن لكانت ذكرياتي ككاتب مختلفة. ولما شهدت مأسي عام 1905 ومن ثم الحرب العالمية الاولى وبعدها عام 1917م واستمراره ولينين وستالين وهتلر.. ولكم احسد ابونا نوح .. فقد كان من نصيبه ان يشهد حدوث طوفان واحد "..

ودفن بونين في مقبرة سانت-جنفييف- دي بوا بضواحي باريس...


المصادر

وصلات خارجية