علم الأصوات

علمُ الأصوات Phonetics يدرس الأصوات اللغوية، من حيث مخارجها وصفاتها وكيفيَّة صدورها. ويطلق على هذا العلم أيضًا: الصّوتيات، أو علم الصّوتيات، وهو فرع من فروع علم اللغة.

يرى علم الأصوات في اللغة مجموعة من الأصوات ينتجها الإنسان بوساطة جهازه الصَّوتي (جهاز النطق)، الذي يُولد مزوَّدًا به، وهو يتكوَّن أساسًا من الرئتين والقصبة الهوائية ثم الحلق والحنجرة والحبال الصوتية (الأوتار الصوتية) واللهاة واللسان والحنكين والشفتين، ومعها تجويف الفم والأنف. انظر: جهاز النطق البشري في موضوعات علم الأصوات في هذه المقالة. والطريقة التي يُنتج بها الجهاز الأصوات، تقوم على عملية يسيرة تنتج عن احتكاك الهواء بين العضلات فيُسمَع لها رنين، يخرج كُلّ مرَّة على شكل مُغاير للمرّة الأخرى، وهذا الهواء تدفعه الرئتان إلى المنطقة التي يُراد أن يخرج الهواء منها، فينتج بذلك ما نطلق عليه الصوت.

يقوم علماء الأصوات بدراسة شيئين هما: مخارج الأصوات أي تحديد منطقة كل صوت على جهاز النطق، ويسمّون الأصوات بحسب مخارجها، فيقولون: هذا صوت لثوي، وذاك أسنانيّ، وآخر شفوي، ورابع لهويّ وهكذا.... والشيء الثاني، هو صفات الأصوات، وهنا يقومون بوصف الصّوت بناء على ملاحظة طريقة احتكاك الهواء بعضلات جهاز النُّطق. وتتغير طريقة النطق (طريقة احتكاك الهواء وطريقة وضع العضو الناطق) في نفس المخارج، ويؤدّي ذلك إلى أن يتصف الصّوت بسمات مختلفة، تحدّد صفاته النطقية، فيقال هذا صوت مهموس، وذاك مجهور، وثالث رخو، ورابع شديد وهكذا....

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

مناهج الدَّرس اللغوي

تدرس الأصوات اللغوية، في ضوء علمين، يسمى الأول منهما علم الأصوات ويطلق عليه أيضًا الفوناتيك؛ ويسمى الآخر علم وظائف الأصوات، أو علم الأصوات التنظيمي، أو علم الأصوات التشكيلي، ويطلق عليه الفنولوجيا. ويدرس العلم الأول الأصوات من حيث كونها أحداثًا منطوقة بالفعل، لها تأثير سمعي معيّن، دون نظر في قيم هذه الأصوات، أو معانيها في اللغة المُعَيَّنة، إنّه يُعنى بالمادة الصوتية، لا بالقوانين الصّوتية، وبخواص هذه المادة، أو الأصوات بوصفها ضوضاء، لا بوظائفها في التركيب الصّوتي للغة من اللغات. أما العلم الثاني الفنولوجيا فيُعنى بتنظيم المادّة الصوتية وإخضاعها للتقعيد والتقنين، أي البحث في الأصوات من حيث وظائفها في اللغة.


علم الأصوات وجوانبه

تمرُّ عمليَّة الكلام بخمس خطوات، أو أحداث متتالية مترابطة، يقود بعضها إلى بعض، حتَّى يتم التواصل بين المتكلم والسامع، وتلك الأحداث ـ بترتيب وقوعها ـ هي: 1- الأحداث النفسيَّة والعمليات العقليَّة التي تجري في ذهن المتكلم قبل الكلام، أو أثناءه. 2- عملية إصدار الكلام الممثَّل في أصوات ينتجها الجهاز المسمَّى جهاز النطق. 3- الموجات والذبذبات الصوتية الواقعة بين فم المتكلِّـم وأذن السامع. 4- العمليات العضوية التي يخضع لها الجهاز السمعي لدى السامع. 5- الأحداث النفسية والعمليات التي تجري في ذهن السامع عند سماعه للكلام واستقباله للموجات والذبذبات الصوتية المنقولة إليه بوساطة الهواء.

يُفترض أن يقوم عالم الأصوات بالنَّظر في الخطوات الخمس المذكورة، حتى يحيط بجوانب موضوعه، غير أن معظم الدارسين من علماء الأصوات رأوا إهمال الجانبين الأول والخامس وعدم التعرُّض لهما بالدرس، وذلك لأن الجانبين المشار إليهما جانبان نفسيّان عقليّان، وموضوع عالم اللغة درس الأحداث اللغوية المنطوقة بالفعل، ولأن هذه العمليات النفسية العقليّة معقدَّة وغامضة.

يتَّضح ممّا سبق أن أصوات الكلام لها ثلاثة جوانب متَّصلة لا يمكن تصور أحدها دون الآخر، وهذه الجوانب هي: 1- جانب إصدار الأصوات، أو الجانب النُّطقيّ، ويشار إليه بالجانب الفسيولوجيّ، أو العضويّ للأصوات. 2- جانب الانتقال، أو الانتشار في الهواء، أو الجانب الأكوستيكيّ، أو الفيزيائي. 3- جانب استقبال الصوت، أو الجانب السمعي، ويتمثَّل في الذبذبات التي تؤثّر على طبلة أذن السامع.

فروع علم الأصوات

تلك الجوانب الثلاثة تقع في مجال علم الأصوات، وهو المختص بدراستها والنظر فيها دون غيره من فروع علم اللغة. ويتطلـّب تعدد تلك الجوانب تعددًا في المناهج حتى يقوم كل منها بدراسة جانب من تلك الجوانب ونتيجة لهذه التعدديَّة، ظهرت فروع عديدة لعلم الأصوات، تختلف في أهدافها ووسائلها، ومن أهم تلك الفروع:

علم الأصوات النُّـطقي

ويبحث في عملية إنتاج الأصوات اللغوية ومكان نطقها، وطريقة إصدارها، ويسمى هذا العلم أيضًا علم الأصوات الفسيولوجي، أو علم الأصوات الوظائفي.

علم الأصوات الفيزيائي

ويبحث في أصوات اللغة من حيث خصائصها الماديَّة، أو الفيزيائية أثناء انتقالها من المتكلم إلى السامع، ويعرض هذا العلم لتردُّد الصوت وسعة الذبذبة وطبيعة الموجة الصوتية وعلوّ الصوت (النغمة) ونوعه (الجرس).

علم الأصوات السمعيّ

ويبحث في جهاز السمع البشري وفي العملية السمعية وطريقة استقبال الأصوات اللغوية وإدراكها.

علم الأصوات العام. ويبحث في الأصوات اللغوية بشكل عام، أي دون ربطها بلغة فعلية.

علم الأصوات الخاص. ويبحث في أصوات لغة مُعيَّنة دون سواها، مثل أصوات اللغة العربية.

علم الأصوات الآلي

ويبحث في أصوات اللغة، باستخدام المنهج التجريبي، كما يستخدم الآلات الإلكترونية لكشف خصائص هذه الأصوات، مثل جهاز رسم الأطياف الذي يحدد نوع الصوت وقوته ونغمته. كما يستخدم الحنك الاصطناعي لدراسة الأصوات الحنكيَّة. ويسمَّى هذا العلم أيضًا: علم الأصوات المعملي، أو علم الأصوات التجريبي.


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

علم الأصوات المقارن

ويبحث في وجوه الشبه والاختلاف بين أصوات لغة ما، وأصوات اللغات الأخرى.

علم الأصوات المعياريّ

ويصف أصوات لغة معينة، كما يجب أن تُنطق بصورتها الصحيحة، أو صورتها المثالية، لا كما ينطقها الناس ويسمَّى أيضًا: علم اللغة الفَرْضِيّ.

علم الأصوات الوصفي

ويبحث في أصوات اللغة المستخدمة في فترة زمنية محددة. وهو مقابل لعلم الأصوات التاريخي.

علم الأصوات التاريخي

ويبحث في أصوات لغة ما، لمعرفة التغيُّر والتطوُّر الذي أصابها عبر مراحل تاريخية سابقة.

علم الأصوات البحت

ويبحث في الأصوات اللغويّة لمعرفة خواصّها النُّطقيَّة دون البحث في تطوّرها أو وظيفتها أو إدراكها.

علم الأصوات القِطْعِيَّة

ويبحث في الصَّوائت والصَّوامت فقط.

علم الأصوات فوق القِطْعِيَّة

ويبحث في النَّبر والفواصل والنَّغمات. (الصوت اللغوي أصغر وحدة صوتية مميزة ليس لها معنى نحوي أو دلالي، والبدل الصوتي تنويعة نطقية في السياق الصوتي، لنفس الصوت اللغوي. فعلى سبيل المثال: الصوت /ف/ في اللغة العربية الصوت اللغوي، لكن بعض العرب قد ينطق هذا الصوت اللغوي في كلمة لفظ قريبًا من الصوت الإنجليزي /v/ ويكون الصَّوت [ف] أو [v] في كلمة لفظ تنويعة نطقية أو صوتية للفونيم، أي بدل صوتي في اللغة العربية، وليس فونيمًا كما في اللغة الإنجليزية مثلا).


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

علم الأصوات الوظيفي

ويدرس الأصوات من حيث وظيفتها، أي أنه يدرس الفونيمات وتوزيعاتها وبدائلها الصوتية، ويسمَّى علم الصوتيات.

علم عيوب النُّطق

ويدرس عيوب النطق لدى الأفراد وأسبابها وطرق علاجها.

موضوعات علم الأصوات

لعلم الأصوات مجالات عديدة من أهمها: دراسة جهاز النُّطق البشري، ووصف الصوت اللغوي والتفريق بين الصوت اللغوي والبدل الصوتي.

جهاز النطق البشري

يتكون هذا الجهاز من عضلات البطن والحجاب الحاجز والرئتين والقصبة الهوائية والحنجرة والوترين الصوتيين والمزمار والحلق واللسان والشفتين والأسنان العليا والأسنان السُّفلى واللـِّثة والغار والطبق واللهاة والتَّجويف الأنفيّ والتَّجويف الفمويّ، والتجويف الحلقي، ولكلٍ من هذه الأعضاء دور خاص في عملية النطق التي تقوم بها.

وصف الصوت اللغوي

لوصف الصوت اللغوي لابد من أخذ عدة عوامل في الاعتبار مثل: مكان النُّطق (شفوي؛ أسناني؛ بين أسناني؛ لثويّ؛ لثويّ غاريّ؛ غاريّ، طبقيّ؛ لهويّ؛ حلقي؛ حنجري). و الناطق (الشَّفة السُّفلى؛ ذَلَق اللّسان؛ مُقدّم اللّسان، وسط اللّسان؛ مؤخر اللّسان؛ جذر اللّسان). و كيفية النُّطق (انفجاري؛ احتكاكيّ؛ جانبيّ؛ أنفي؛ تكراريّ؛ صائت؛ شبه صائت؛ مجهور؛ مهموس؛ رخو؛ ليِّـن؛ قصير؛ طويل). ويُضاف عند وصف الصّوائت إلى ماتقدّم، الصِّفات : بسيط؛ مُركَّب؛ عالٍ؛ وسطي؛ منخفض؛ أمامي؛ مركزي؛ خلفي.

الصوت اللغوي والبدل الصوتي

من أكثر المصطلحات المستعملة في علم الأصوات. وللفونيم عدة تعريفات من أهمها تعريفه بأنه مجموعة أصوات متماثلة صوتيًا في توزيع تكامليّ، أو تغيُّر حر، أمَّا البدل الصوتي فهو عضو في الصوت اللغوي ما يتماثل صوتيًا مع سواه من ألوفونات الصوت اللغوي ذاته ويتوزَّع معها تكامليًّا، أو يتغيّر معها تغيُّرًا حُرًَّا. وتنقسم الفونيمات إلى فونيمات قِطْعِيـَّة تشمل: الصوامت والصوائت، وفونيمات فوق القِطْعِيـَّة وتشمل: النبرات والفواصل والـنَّـغمات. وتختلف اللغات في عدد فونيماتها، وليست جميع الفونيمات موجودة في جميع اللغات، كما أن الصوت اللغوي ذاته قد يُوجد في لغتين ولكن بمكان نطق مختلف مثل: صوت /ت/ الأسناني في العربية وصوت / t / اللثوي في الإنجليزية ومثل صوت /ر/ التكراريّ في العربية وصوت / r / الانعكاسيّ في الإنجليزية الأمريكية، وما هو الصوت اللغوي في لغة ما، قد يكون ألوفونا في لغة أخرى، والعكس صحيح.

فونيمات اللغة العربية

للغة العربية أربعة وثلاثون فونيمًا قطْعيًا واثنا عشر فونيمًا فوق القطعيّ، وفيما يلي سرد للفونيمات القطعِيّة:

/ت/ /ط/ /ك/ /ق/ /ء/ /ب/ /د/ /ض/ /ج/ /ف/ /ث/ /س/ /ص/ /ش/ /خ/ /ح/ /ه/ /ذ/ /ز/ /ظ/ /غ/ /ع/ /م/ /ن/ /ل/ /ر/ /و/ /ي/ الكسرة / ِ / الفتحة / َ / الضمة / ُ / الكسرة الطويلة /ي/ الفتحة الطويلة / ا / الضمة الطويلة /.و /.

تصنيف الأصوات

اتفق اللغويون على تقسيم أصوات اللغة إلى قسمين رئيسيين هما: الأصوات الصامتة، أو الصوامت، والأصوات الصائتة، أو الصوائت. ويعتمد التقسيم السَّابق على طبيعة الأصوات وخواصها، ويلاحظ فيه أوضاع الأوتار الصوتية وطريقة مرور الهواء من الحلق والفم، أو الأنف.

الأصوات ورموزها الكتابية

ينبغي أن تمثل الرموز الكتابية النُّطق تمثيلاً دقيقًا، والمعروف أن معظم الأبجديات قد رُوعي فيها هذا المبدأ عند وضعها، ولكن اللغة يُصيبها بمرور الزمن التغيُّر والتطوُّر، على حين تبقى الأبجدية على صورتها الأولى دون تغيير ومن هنا يظهر القُصور في الأبجديات والاختلاف بين المنطوق والمكتوب وهذه مشكلة تعانيها معظم النُّظم الكتابية ـ كما أشرنا ـ ولعل العربية أقلُّ اللغات قصورًا في هذا المجال. ومن أهم أوجه القصور في الأبجدية العربية عدم وجود رموز مستقلة لرسم الصَّوائت القصار، ووجود رموز تُكتب ولا تُنطق كما في عمرو. كما أن هناك أصواتًا تُنطق ولا تُوضع لها رموز كما في طه وعبدالرَّحمن وهذا وهذه...الخ. حيث لم يُوضع رمز للصائت الطويل.

التمييز بين الصَّوت والحرف

يخلط كثير من الناس بين الصوت والحرف، وللتفريق بينهما نقول، إن الحرف ما يكتب، وهو رسم تعارف الناس على كتابته باليد، ويدرك بالعين المجرَّدة ويكتب على الورق بالقلم والحبر، فهو كمّ ماديّ، أو شكل هندسي يرسمه كلّ فرد تعلَّم القراءة والكتابة ويفهمه كلُّ من أوتي حظًا من ذلك ولو يسيرًا، أما الصوت فهو الذي يُنطق، وهو لايُدرك بالعين، وإنما يُدرك بالسمع، وهو لا يُرى لأنه تموجات صوتية ترسلها عضلات الجهاز الصَّوتي.

الأبجدية الصَّوتية الدوليَّة (IPA)

ويطلق عليها أيضًا الألفباء الصوتيَّة الدولية رموز كتابية ونظام لكتابة الأصواتية، وضعته الجمعية الصَّوتية الدولية (جمعية أسَّسها عام 1886م جماعة من علماء الأصوات الأوروبيين) عام 1889م للتعبير عن أصوات اللغات وفونيماتها، وهي أبجديَّة تستخدم الرموز اللاتينية أساسًا، كما تستعمل أيضًا لأغراض الدراسات الصوتية، ومقارنة أصوات اللغات بعضها ببعض... ألخ. وقد أدخلت على هذا النظام إضافات لاحقة، وهي اليوم النظام المعتمد للكتابة الصَّوتية بين علماء اللغة.

جهود علماء الأصوات العرب

يُعدّ الدرس الصوتي عند العرب، من آصل الجوانب التي تناولوا فيها دراسة اللغة، ومن أقربها إلى المنهج العلميّ، لأن أساس هذا الدَّرس بُني على القراءات القرآنية، وقد دفعت قراءة القرآن علماء العربية القدماء لتأمَّل أصوات اللغة وملاحظتها ملاحظة ذاتية، أنتجت في وقت مبكِّر جدًا دراسة طيبة للأصوات العربية، لا تبتعد كثيرًا عمَّا توصَّل إليه علماء الأصوات في الغرب.

و لعل هذا الجهد العلمي الكبير، بدأ بمحاولة أبي الأسود الدؤلي ضبط القرآن بالنُّقط عن طريق ملاحظة حركة الشفتين، وكان يقول لمن يكتب له: إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف، فانقط نقطة فوقه إلى أعلاه، وإن ضممت فمي، فانقط نقطة بين يدي الحرف، وإن كسرت، فاجعل النُّقطة من تحت الحرف.

جاء بعد ذلك الخليل بن أحمد وقدَّم أوَّل تصنيف للأصوات حسب موضع النُّطق، أو حسب الأحياز والمخارج، كما قال، وقد أدَّى به ذلك التصنيف إلى تقسيم الأصوات، إلى ما يُعرف الآن بالصوامت، والصوائت.

ثم واصل سيبويه طريق أستاذه، فقدَّم دراسة للأصوات أوفى وأكثر دقَّة، حيث جاء تصنيفه لها حسب المخارج، وحسب ما يُعرف الآن بوضع الأوتار الصوتية، ممّا سمّاه سيبويه بالجهر والهمس، ثم بحسب طريقة النطق، لنجد الأصوات الشديدة و الرِّخوة وما بين الشديدة والرخوة. ويمكن القول إن دراسة الخليل وسيبويه للأصوات، قامت على مبدأ علمي صحيح، حيث درساها دراسة وصفيَّة واقعية قائمة على الملاحظة الذاتية، وبعيدة عن الافتراض والتأويل.

وهكذا تتَّصل جهود علماء العرب القدامى في دراسة الأصوات حتى نصل إلى ابن جنيّ، وهو أستاذ هذا العلم دون منازع، الذي أدرك طبيعة اللغة ووظيفتها، عندما قال: "اللغة أصوات يُعبِّر بها كلُّ قوم عن أغراضهم". وقد عُني أبو الفتح بدرس القراءات القرآنية في المحتسب، وخصَّص كتابًا كاملاً لدراسة الأصوات، هو كتاب سرّ صناعة الإعراب. وابن جني أوَّل من عرض لجهاز النُّطق فشبَّهه بالنَّاي، وبوتر العود، ليقدّم صورة عن العملية الطبيعية لإنتاج الكلام، وليوضّح تقسيم الأصوات حسب المخارج وتقسيمها إلى أصوات صامتة، وأخرى متحركة.

تلك بعض جهود علماء العرب القدماء في مجال الدرس الصَّوتي، أمّا في العصر الحاضر، فقد انكبَّ كثير من علماء العرب المحدثين على دراسة علم الأصوات، وقد كانوا في ذلك ثلاثة فرق: فريق تأثر بما جاء به علماء العرب السابقون، ولم يتجاوزه، وفريق تأثَّر بما قدَّمه علماء الغرب في الدرس اللغوي الحديث، ولم ينتفع بتراث العرب في علم الأصوات، وفريق ثالث، جمع بين الأمرين، أفاد من مناهج الغربيِّين الحديثة، وأخذ من الجهود التي توصَّل إليها أسلافه.

ومن الأسماء التي لمعت في ميادين الدراسة الصوتية في هذا العصر:

انظر ايضا

ملاحظات

المصادر

الموسوعة المعرفية الشاملة O'Grady, William; et al. (2005). Contemporary Linguistics: An Introduction (5th ed.). Bedford/St. Martin's. ISBN 0312419368. 

وصلات خارجية

قراءات اخرى

  • Abercrombie, D. (1967). Elements of General Phonetics. Edinburgh University Press: Edinburgh.
  • Ashby, Michael & Maidment, John. (2005). Introducing Phonetic Science. Cambridge: Cambridge University Press. ISBN 0-521-80882-0 (hbk); ISBN 0-521-00496-9 (pbk).
  • Catford, J. C. (1977). Fundamental problems in phonetics. Bloomington, IN: Indiana University Press. ISBN 0-253-32520-X.
  • Clark, John; & Yallop, Colin. (1995). An introduction to phonetics and phonology (2nd ed.). Oxford: Blackwell. ISBN 0-631-19452-5.
  • Gussenhoven, C & Broeders, A. (1997). English pronunciation for student teachers. Wolters-Noordhoff BV Groningen, the Netherlands. ISBN 90 01 16703 9
  • Hardcastle, William J.; & Laver, John (Eds.). (1997). The handbook of phonetic sciences. Oxford: Blackwell Publishers. ISBN 0-631-18848-7.
  • Ladefoged, Peter. (1982). A course in phonetics (2nd ed.). London: Harcourt Brace Jovanovich.
  • Ladefoged, Peter. (2003). Phonetic data analysis: An introduction to fieldwork and instrumental techniques. Malden, MA: Blackwell Publishing. ISBN 0-631-23269-9 (hbk); ISBN 0-631-23270-2 (pbk).
  • قالب:SOWL
  • Maddieson, Ian. (1984). Patterns of sounds. Cambridge studies in speech science and communication. Cambridge: Cambridge University Press.
  • Laver, J. (1994).Principles of Phonetics. Cambridge: Cambridge University Press.
  • Pike, Kenneth L. (1943). Phonetics: A critical analysis of phonetic theory and a technic for the practical description of sounds. Ann Arbor: University of Michigan Press.
  • Pisoni, David B.; & Remez, Robert E. (Eds.). (2004). The handbook of speech perception. Oxford: Blackwell. ISBN 0-631-22927-2.
  • Rogers, Henry. (2000). The Sounds of Language: An Introduction to Phonetics. Harlow, Essex: Pearson. ISBN 0-582-38182-7.
  • Stevens, Kenneth N. (1998). Acoustic phonetics. Current studies in linguistics (No. 30). Cambridge, MA: MIT Press. ISBN 0-262-19404-X.

1- أن الكتاب والسنة عربيان:

فالقرآن الكريم إنما نزل بلغة العرب، قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [يوسف: 2] .

والرسول - صلى الله عليه وسلم - من العرب، وهو ذو لسان عربي فصيح.

قال الشافعي: «ومن جماع علم كتاب الله: العلم بأن جميع كتاب الله إنما نزل بلسان العرب» (1) .

وقال أيضًا: «وبلسانها نزل الكتاب وجاءت السنة» (2) .

2- أن معاني كتاب الله موافقة لمعاني كلام العرب، وظاهر كتاب الله ملائم لظاهر كلام العرب.

ففي القرآن من الإيجاز والاختصار، والعام والخاص كما في كلام العرب (3) .

3- إذا عُلم ذلك فإن فهم مراد الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - متوقف على فهم لغة العرب ومعرفة علومها؛ فعلى كل مسلم أن يتعلم من هذه اللغة ما يقيم به دينه.

قال الشافعي: «لأنه لا يعلم من إيضاح جمل علم الكتاب أحد جهل سعة لسان العرب وكثرة وجوهه وجماع معانيه وتفرقها.

ومن علمه انتفت عنه الشبه التي دخلت على من جهل لسانها» (4) .[1]

وهنا فرصة لأن نتكلم عن أهمية اللغة العربية، فاللغة العربية في خطر شديد، والاهتمام باللغة العربية أمر واجب مقدس؛ لأنه لا إسلام بدون اللغة العربية، ولا عربية بلا إسلام.[2]

ويشير شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أهمية اللغة العربية وأثرها التربوي. حيث يقول: "واعلم أن اعتبار اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين، تأثيراً قوياً بيناً، ويؤثر أيضاً في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد في العقل والدين والخُلُق" 3.

وهذا يؤكد أهمية تعلم اللغة العربية والعناية بها وبآدابها لما ينعكس على صاحبها من فصاحة اللسان، وبلاغة البيان وحسن وتركيب الكلام، فضلاً عن فهم الدين وجمال الخلق.

وقد تتلمذ الأئمة السابقون على فقهاء اللغة في عصرهم، وأولوها اهتماماً كبيراً لا يقل عن اهتمامهم بالعلوم الشرعية، فهي آلة ووسيلة لفهمها، فيروى عن الشافعي أنه قال: "أقمت في بطون العرب عشرين سنة، آخذ أشعارها ولغاتها، وحفظت القرآن فما علمت أنه مَرّ بي حرفٌ إلا وقد

__________

1 ابن الجوزي، تاريخ عمر بن الخطاب، ص (225) .

2 المرجع السابق، ص (222) .

3 ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم، ص (204) .

وأنها الأداة التي تفهم بها

دلائل الكتاب والسنة، وقد قصر المبتدعة في ذلك وأهملوا لغة القرآن، وغلبت

عليهم العجمة، فتأولوا القرآن على غير تأويله.[3]

أصول الدعوة وطرقه2، جامعة المدينة، باب التعريف باللغة العربية، جزء 1، صفحة 119. [4]

نشأة علوم اللّغة العربية:

اشتهر العرب من بين الأمم بالفصاحة والبلاغة، وحُسن التعبير، وجمال التصوير. يجري كلامُهم على الطّبع ليس فيه تكلّف ولا زُخرف. يعبِّر أصدق تعبير عن البيئة الصحراوية، بما تحمل من خُلُق الشهامة والمروءة والنجدة. أمّة تتيه فخراً بفرسانها وشعرائها، وتدفع للصدارة حكماءها وخطباءها. وكانت اللغة العربية خالية من التنقيط والتشكيل، إذ إن العربي كان ينطق بالفطرة، ويراعي القواعد بالسليقة، ليست فيه كلمة نابية أو عبارة جافية. فأسلوبهم قويّ اللفظ، متين التركيب، يتّسم بنصاعة البيان، وطلاقة البديهة، ووضوح التعبير، وجلاء الفكرة. ولا يتعثّر لهم لسان، ولا يسقط من كلامهم حرف، ولا تشذّ عن النطق السليم كلمة، ولا تغيب عنهم قاعدة من قواعد الإعراب لحظة؛ فهم يراعونها بالفطرة، ويلتزمون مخارج الحروف [5]

أن العناية باللغة العربية عناية بالشريعة الإسلامية.

ـ تميز اللغة العربية بخصائص انفردت بها عن غيرها من لغات الدنيا، فهي لغة القرآن الكريم، واتصفت بالاعتدال في عدد حروف كلماتها، واتساع معجمها اللفظي، وجمال ألفاظها وحسن عباراتها.

ـ تكفل الله سبحانه وتعالى بحفظ اللغة العربية.

ـ اشتملت التراكيب اللفظية للغة العربية بخصائص فنية وذوقية لا توجد في غيرها.

ـ اهتم سلف الأمة من العلماء والخلفاء بدراسة اللغة العربية وآدابها، واتخذوا لأبنائهم المؤدبين.

ـ اهتم الخلفاء والأمراء والأعيان من سلف هذه الأمة بتعليم أبنائهم علوم اللغة العربية.

ـ علو منزلة المؤدبين الذين لهم عناية بعلوم اللغة العربية.

ـ للغة العربية آثار تربوية على الذوق اللفظي للمهتمين بها، بما ينعكس على تفعيل العواطف والعقول والسلوك من خلال الكلمة العذبة الرصينة.

ـ توسع اللغة العربية الجانب الفكري عند المهتمين بها، من خلال توسعة الخيال وخصوبته وتقوية البصيرة.

ـ أسهمت اللغة العربية في تسهيل العلم ونقله وحفظه، من خلال نظم المعرفة في قصائد شعرية، يتناقلها الطلاب والعلماء، إضافة إلى إسهامها في نقل وتشجيع العلوم والمعارف، بما نظم فيها من قصائد المديح.[6]

إن إبعاد المسلمين عن دينهم وغزوهم ثقافيا، يتخذ وسائل، منها إضعاف العلوم الدينية الإسلامية، وإسقاطها من مكانتها في نفوس المسلمين، وكذلك علوم اللغة العربية، فهذه العلوم مصدر الثقافة الإسلامية والعربية كلها.[7]

يقول الدكتور طه حسين: «وما كاد العرب بعد الفتوح يدخلون في بلاد فارس ويستقرون فيها حتى تعلم الفرس هذه اللغة الجديدة، وغلبت على ألسنة كثير منهم وأقلامهم، وما أكثر الفرس الذين شاركوا في إنشاء علوم اللغة العربية وتدوينها، وما أكثر الفرس الذين استأثروا ببعض هذه العلوم حتى أصبحوا كأنهم أصحابها، وكلنا يعلم أيضا استئثار الفرس بتدوين علوم البلاغة العربية».

ويضيف الدكتور طه: «ومع أن الفرس قد أحبوا لغتهم الفارسية ونظموا فيها الشعر منذ أواسط القرن الرابع للهجرة فقد ظلت اللغة العربية لغة العلم والفلسفة عندهم إلى أواخر القرون الوسطى (!!) وانظر إلى كتب ابن سينا والتفتازاني والسيد الجرجاني والطوسي وغيرهم. وكل هذا بفضل القرآن الكريم، فبفضله انتشر الإسلام» (1).[8]

ثانيا: اهتمام أهل تلك البلاد بتعلم اللغة العربية باعتبارها لغة القرآن الكريم، والوسيلة الأهم لفهمه وفهم السنة المطهرة، وقد نبغ من هؤلاء الأعاجم علماء في كل الفنون من تفسير وفقه وحديث، بل وجد من العلماء المسلمين غير العرب من فاق العرب في علوم اللغة العربية ذاتها، ومن أشهرهم سيبويه ت 180هـ، الفارسي الأصل.[9]

نشأة علوم اللغة العربية.[10]

العلوم الشرعيّة: كانت الغلبة في ميادين العلوم في العهد الزنكي للعلوم الشرعيّة من قراءات وتفسير وحديث وفقه وأصوله ثم علوم اللغة العربية وآدابه[11] من المعلوم أن الحياة العلمية الإسلامية العربية نشأت و تطورت في ظل القرآن الكريم الذي رأى فيه المسلمون الكتاب الذي يتعبد به و ينظم شؤون حياتهم بحيث تستقيم مع ما جاء فيه. و من هذه الحقيقة الكبرى للمسلمين كانت حركتهم نحو العلم في سبيل فهم النص الكريم و الوصول إلى ما يحويه من أحكام يقول الثعالبي"إن من أحب الله أحب رسوله... و من أحب النبي العربي أحب العرب و من أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم و العرب و من أحب العربية عني بها وثابر عليها و صرف همه إليها... و العربية خير اللغات و الألسنة و الإقبال على تفهمها من الديانة إذ هي أداة العلم و مفتاح التفقه في الدين و سبب إصلاح المعاش و الميعاد ثم هي لإحراز الفضائل واحتواء على المروءة و سائر أنواع المناقب كالينبوع للماء و الزند للنار و لو لم يكن في الإحاطة بخصائصها و الوقوف على معانيها و مصارفها و التبحر في جلائلها و دقائقها إلا قوة اليقين في معرفة إعجاز القرآن و زيادة..." فهذا الارتباط بين الحياة الدنيوية و الحياة الدينية هو الذي يوضح لنا نشأة الحياة العلمية للغة العربية و تطورها. العامل الديني: لقد بدأ المسلمون بما هو عملي قبل الوصول إلى "منهج نظري" فكانت قراءة القرآن عن طريق التلقي اسبق من وضع كتب تحدد منهج القراءات و كان التفسير بالأثر أسبق من غيره و كان الفقه أسبق من الأصول ومن هذا التطور العام نستطيع تصور تطور الدراسة اللغوية عند العرب فتراها تبدأ بما هو عملي من حيث جمع الألفاظ و ضبطها ثم ّدراسة التراكيب اللغوية قبل الوصول إلى وضع منهج في دراسة اللغة مثلما أصبح الأمر عليه في القرن الرابع. اللحن: إلى جانب العامل الديني وجد اللحن الذي انتشر نتيجة لطبيعة اللغة العربية نفسها فهي لغة معربة مما يجعل اللحن يسرع إليها. ثمّ نتيجة الاختلاط الذي حصل بين العرب و الأعاجم بعد الفتوح انتقال العرب إلى البلاد المفتوحة و اتخذوها مستقرا لهم و ملكهم للكثير من العبيد. كما قدم المسلمون الجدد إلى الحجاز للحج و قضاء شؤونهم في المدينة عاصمة الخلافة فتأقلموا معهم و بدأ اللحن يظهر مبكرا بل أن جذوره تمتد إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقد روي أن رجلا لحن بحضرة الرسول فقال صلى الله عليه وسلم "أرشدوا أخاكم" و روي أن كاتبا لأبي موسى الأشعري كتب إلى عمر بن الخطاب " من أبا موسى" فكتب عمر لأبي موسى" عزمت عليك لمّا ضربت كاتبك سوطا" و روي عن أب كان يضرب أبنائه على اللحن و ما أن جاء العصر العباسي حتى وصل اللحن إلى البادية قال الجاحظ: "أول لحن سمع بالبادية هذه عصاتي عوض عصاي و هذا ما دعا علماء اللغة إلى جمعها لحفظها و فهم النص القرآني الكريم" العامل الحضاري: نشأت العلوم العربية كلها في العهد الأموي و العباسي الأول و قد رأينا أن بعضها يؤثر في بعض إذ كانت ذات اتصال يبعضها و لم يقع فصلها إلا في العصور اللاحقة و لما تحضر العرب و وجدت عندهم العلوم انغرست في نفوسهم حب المعرفة فتركوا حقولا أخرى ذات علاقة بالحياة العلمية و الفكرية كالطب و الفلسفة و الكيمياء و الفلك...و هذه العلوم أثرت في تطور مناهج العلوم الأخرى كاللغة و النحو و الصرف. ما روي من اللغة: كان العرب يسكنون الجزيرة العربية و جنوبي العراق وقسما من سورية و فلسطين و هذه أراض شاسعة تتفرق فيها القبائل و كانت لغة القبائل تختلف و هذا الاختلاف قد يكون في الكلمات فالبعض من القبائل تستعمل كلمة " بُرْ " و أخرى قمح و قد يكون الاختلاف في الحركات فبعض القبائل كانت تفتح حرف مضارعة فتقول " نِستعين " وبعض القبائل الأخرى تكسرها مثل قبيلة أسد فتقول " نِستعين " ومن نتائج هذا الاختلاف اختلاف القراءات. كما كانت توجد لهجات مختلفة إلى جانب هذا الاختلاف. مصادر جمع اللغة: تحرى علماء اللغة الأوائل في جمعها كل التحري فلم يأخذوها عن جميع العرب حيثما وجدوا بل جعلوا لذلك مقياسا طبقوه بكل حزم و هو الرواية عن القبائل التي بعدت إقامتها عن الأعاجم فلم يخالط لغتها دخيل قال الفارابي: " إن الذين عنهم نقلت اللغة العربية... قيس و تميم و أسد وهذيل و بعض كنانة و لم يأخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم " و قال أبو عمر بن علاء: " أفصح العرب عُليا هوازن وسفلى تميم" و جميع هذه القبائل تسكن الصحراء بعيدا عن اختلاط الأعاجم. و بعض القبائل الأخرى لم يأخذ عنهم شيئا مثل لخم وجذام و قضاعة و غسان و تغلب لقربها من الفرس و الروم و كذلك سكان اليمامة وأهل الطائف لمخالطتهم تجار اليمن. و كان العلماء يخرجون إلى البادية و يقضون مدة قد تطول إلى أعوام يعيشون مع الأعراب يسمعون منهم و يدونون و استمر ذلك الأمر حتى العصر الأموي إلى العصر العباسي الأول كما كانوا يجمعون إلى جانب اللغة الشعر الجاهلي و الإسلامي الموثوق من صحته و كان ذلك كمصدر من مصادر اللغة في مرحلتها الأولى. طريقة جمع اللغة و مراحلها: و قد مرت بثلاث مراحل 1- جمع الكلمات دون ترتيب: بدأ جمع كلمات اللغة دون نظام معين ذلك أن الباحث كان يرحل إلى البادية فيجمع كلمات اللغة المتنوعة و يسجلها دون ترتيب. و قد كان أسلوب عالم اللغة كأسلوب عالم الحديث بل نفس المنهج ذلك أن المحدث يقوم بجمع الأحاديث المختلفة الأبواب و يسجلها دون ترتيب بداية. كما يتفق اللغوي مع المحدث كذلك في ذكر السند. و تجدر الإشارة إلى أن اللغويين رتبوا ما ورد في اللغة ترتيب الحديث فقالوا فصيح و أفصح و جيد وأجود و ضعيف و منكر و متروك. كما قالوا أن اللغة التي وردت في القرآن أفصح مما جاء في غيره. كما عدلوا الرواة و جرحوهم كما فعل علماء الحديث فعدلوا الخليل و جرحوا قطرجا لكذبه. 2- جمع الكلمات التي لها نفس الموضوع: أي جمع الكلمات المتعلقة بموضوع واحد في موضع واحد كالمحدث يجمع الأحاديث على حسب الأبواب مثلا يجمع أحاديث الصلاة و يسميها كتاب الصلاة. سبب ذلك أنهم رأوا كلمات متضاربة المعنى فأرادوا تحديد معانيها و هو ما جعلهم يجمعونها في موضع واحد كقولهم " القد طولا والقط عرضا" أو رأوا كلمة واحدة وضعت لمعان مختلفة كقول الأصمعي: " العين مطر أيام لا تقلع. و العين عين الميزان. والعين عين النفس. و ينظر إليه فيصيبه بعين" كما ألفت عدة كتب تناول كل كتاب منها موضوعا واحدا مثلما فعله أبو زيد الأنصاري الذي ألف كتابا في المطر و أخر في اللبن. 3- وضع المعاجم اللغوية لكل الكلمات:

لقد وقعت هذه المرحلة حتى يتسنى للدارسين و من يهمه الأمر الرجوع إليها و البحث عن الكلمات. وهذه المرحلة ليست مستقلة عن بعضها و إنما هي متداخلة. كما وجدت دراسات أخرى مختلفة تدور حول القرآن الكريم و السنة النبوية الفت فيها الكتب و الرسائل مثل غريب القرآن و غريب الحديث معاجم الفقه و المعرب و لحن العامة و كتب الهمزة و كتب للحيوان و كتب النوادر و كتب البلدان و كتب الأبنية إلا أن أغلب هذه الدراسات قد وجدت بعد نشأة الدراسات اللغوية و ظهور أول معجم متكامل وهو كتاب العين وقليل منها وجد قسبله.

  1. ^ كتاب معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة، جزء 1، صفحة 370.
  2. ^ كتاب تفسير القرآن الكريم - المقدم، جزء 130، صفحة 5.
  3. ^ مجلة البيان، جزء 97، صفحة 8.
  4. ^ أصول الدعوة وطرقه2، جامعة المدينة، جزء 1، صفحة 119.
  5. ^ أصول الدعوة وطرقه2، جامعة المدينة، باب التعريف باللغة العربية، جزء 1، صفحة 119.
  6. ^ كتاب الآثار التربوية في دراسة اللغة العربية، جزء 1، صفحة 512.
  7. ^ كتاب، جزء 1، صفحة 72.
  8. ^ كتاب مدخل إلى علوم القرآن وتفسيره، جزء 1، صفحة 28.
  9. ^ كتاب المكتبة الإسلامية، جزء 1، صفحة 29.
  10. ^ كتاب البديهيات في القرآن الكريم، جزء 1، صفحة 17.
  11. ^ كتب عصر الدولة الزنكية، جزء 1، صفحة 336.