رزق الله حسون

رزق الله حسون (و. 1825، حلب - ت. 1880، لندن)، هو أديب سوري أرمني. أنشأ رزق الله حسون جريدة "مرآة الأحوال" الأسبوعية في الأستانة عام 1855، وهي "أول جريدة عربية غير رسمية في العالم كله".

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

حياته

رزق الله حسون سليل أسرة أرمنية من بلاد أرمينية الشرقية عرفت باسم حسونيان (وزيادة الياء والألف والنوع من اصطلاحات النسبة في اللغة الأرمنية). وهي عائلة اشتهرت بالتجارة، جاء جدها الأعلى وسكن حلب، فبقى اسم أولاده أولا بني حسون، ثم عرفوا بأولاد حلب الأرمن.[1]

ولد رزق الله بن نعمة الله حسون في حلب حوالي 1825 من أسرة كريمة أصلها من الأرمن، درس العلوم في دير بزمار التابع للرهبانية الأنطونية للأرمن الكاثوليك في كسروان، من أعمال جبل لبنان. فتلقى العلوم اللاهوتية والرياضية وأتقن اللغات الأرمنية والعربية والإنكليزية والفرنسية والتركية وألم بغيرها. وبعد أن قضى مدة في وطنه متاجراً، سافر إلى الأستانة، فتوطنها برهة من الدهر، وصار فيها ناظراً لجمرك الدخان، ثم تجول في أوربا، ودخل فرنسا وروسيا، وحل مدة في لندن. وكان في أسفاره يشتغل بالآداب العربية ويؤلف التآليف النثرية والشعرية، وكان خطه بديعا. وبعد حوادث سنة 1860، قدم إلى الشام في صحبة فؤاد باشا، فكان يعرب مناشيره وأوامره. ثم عاد إلى إنكلترا، وأشتغل بالتأليف في قرية ونزورث بقرب قصر الملكة فكتوريا. ومما صنفه وقتئذ ثم طبع في المطبعة الأميركية في بيروت سنة 1869 و1870،كتابه (أشعر الشعر) أودعه نظم سفر أيوب ونشيد موسى في الخروج ونشيده في التثنية ثم سفر نشيد الأناشيد لسليمان وسفر الجامعة وختمه بمراثي ارميا.

وقف حياته على العمل السياسي والنشاط الاجتماعي، ولاسيما في أواسط الأربعينيات حين زار الأستانة واتصل بالحلقة الأدبية التي أنشأها الشاعر بطرس كرامة (شاعر الأمير بشير الشهابي الكبير ومديره "كاخيته"). وكان من أبرز وجوهها الحلبي فيليب حنا ، واللبناني حنا أبو صعب. وقد كان بينه وبين أدباء العصر ومشاهير رجاله في سورية ومصر والأستانة مراسلات ومساجلات.

وسرعان ما أصبح رزق الله حسون من أبرز الشخصيات في الحلقة الأدبية، من أعز المقربين للشاعر بطرس كرامة لعدة اعتبارات، من أهمها، أن الأخير كان مدينا بعرفان الجميل لحنا بك البحري الأرمني الكاثوليكي، الذي ربطته علاقة القرابة مع بني حسون. وكان كبير نظراء الشؤون المالية لمحمد علي في لبنان، فتوسط لبطرس كرامة لدى الأمير بشير الثاني فقربه وجعله كاتبه لشؤون الخارجية لاجادته التركية، ثم أقامه مديره "كاخيته" أي نائبه. نافذ الكلمة في جميع أنحاء الامارة. ومختصر القول : ان النبوغ الشعري لرزق الله حسون، ومحاولة رد الجميل ولو متأخرا لآل البحري وأقربائهم آل حسون، لم يكن سببا كافيا لاحتضان الشيخ كرامة البالغ الخامسة والسبعين من عمره، للشاب رزق الله حسون في ربيعه الخامس والعشرين، ناهيك بأنه نظم فيه واحدة من أروع قصائد المديح بمناسبة زواجه من متيلدة بنت يوسف جلبي الحجار سنة 1848، أنشدها شخصيا في العرس ومنها قوله:

فلا زلتما طول الزمان بصحبة وعيش رغيد برده الأمن والرفد
زفاف سعيد والهناء مؤرخ مواف لرزث الله بالخير ماتلد


هناك بالطبع اعتبارات أهم وأخطر.

من المعروف أن محمد علي باشا خسر الحرب المصرية التركية (1840-1841) بسبب التدخل العسكري الذي قامت به النمسة وإنكلترة. والدور المحدد الذي لعبته الانتفاضة الفلاحية في جبل لبنان. فدير بزمار للأرمن الكاثوليك، حيث أشرف رزق الله حسون على الانتهاء من دراسته – كان بشير الثاني الكبير خلال الحرب الدائرة ضد التحالف التركي – الأنكلو – نمسوي . وأكثر من ذلك فقد اغتنم الباب العالي ذريعة تعاون الأمير بشير مع المصريين ونفاه الى جزيرة مالطة أولا ثم الى الأستانة، وفي عام 1842 ألغى الإمارة اللبنانية وأعاد الحكم التركي المباشر على جبل لبنان. لم يكن مستبعدا في مثل هذه الظروف أن يعلق الشاعر بطرس كرامة آماله ويبني حساباته السياسية على أنطون حسونيان (1809-1884) بطريرك الأرمن الكاثوليك ، العم العزيز لرزق الله حسون، الذي كان من أفاضل رجال العلم والدين في الأستانة، والذي لم يتوان لحظة عن اسداء العون والمساعدة للأمير المنفي الشيخ بشير الثاني وبطانته. ومن بينهم الشاعر بطرس كرامة بالذات، لا بل أن أحلاما وردية روادت مخيلة الأمير والشاعر باستعادة حقوق الإمارة الشهابية عن طريق استصدار أمر سلطاني بمساعدة البطريرك الأرمني حسونيان، خصوصا أنه كان على علاقات وثيقة مع الباب العالي ومع الدول الأوربية الكبرى "حامية النصارى".

إن معالجتنا لموضوع العلاقة بين كرامة وحسون لم تكن من قبيل العبث، فالتأمل في جوهر هذه الرابطة يؤهلنا لاستيعاب وفهم ذلك الوسط الذي تعرب فيه تدريجيا ابن التاجر الأرمني الغني الحلبي. فالشاب كان قد تربى في أجواء الدير المسيحي الداعية الى الزهد والتقشف، والاذعان لأولي الأمر. لكنه عاش فجأة انقلابا روحيا ونزعت نفسه الى طلب العلا وأحس بنبض الحياة الاجتماعية السياسية ، فجاشت نفسه بالحقد والكراهية العادلة والمحقة ازاء ظلامات الدولة العثمانية. الى أن أصبح سياسيا حرا ومناضلا عنيدا في سبيل الحرية. فكان من كبار أحرار العرب. الى ذلك كله، عايش حسون الوسط الذي انتهى اليه الأمير بشار الثاني الكبير، حيث كان الأخير منفي وأعوانه وبطانته الوفية له يبحثون في المنفى عن طرق ووسائل تمكنهم من قلب الأوضاع والعودة الى بلادهم. وحسون الذي قاسمهم السراء والضراء امتلأ فؤاده بمشاعر الحب والتقدير للشعب العربي، ولا سيما اللبناني. ومن الحقائق التاريخية الجديرة بالتسجيل ان طائفة الأرمن الكاثوليك في اسطنبول لم تتردد لحظة واحدة عن المشاركة في تشييع جنازة الأمير بشير الكبير حاكم لبنان الذي انتقال الى دار البقاء في 30 كانون الأول (ديسمبر) 1850، فوري الثرى تحت هيكل كنيسة المخلص بالأستانة. (وفي سنة 1947 نقلت الحكومة اللبنانية رفاته الى قصر بيت الدين الذي أمر ببنائه في أيام عزه – المترجم).

وهما يكن من أمر ، فهناك حدث خطير ترك أثرا عظيما وحاسما على الانقلاب النفسي لدى رزق الله حسون، ونعني به حرب القرم (1853-1856) التي يمكن اعتبارها بدءا من خريف سنة 1854 حربا بين الجبهتين الروسية والأنكلو –فرنسية، لعدم جدوى وفعالية الجبهة التركية في الحرب الدائرة أنذاك. الأمر الذي أدركه الكثيرون ومن بينهم الأوساط الحاكمة في الامبارطورية العثمانية، التي سعت لعقد صلح منفصل مع روسية.

في ذلك الوقت بالذات أنشأ رزق الله حسون جريدة "مرآة الأحوال" الأسبوعية في الأستانة عام 1855، وهي "أول جريدة عربية غير رسمية في العالم كله". قد يخيل للقارئ أن مهمة الناشر – المحرر – تقتصر على تعريف القراء بوقائع الحرب الضروس وأسرار الدبلوماسية الدولية، وان الجريدة ذات طابع اعلامي – اخباري جاف، وأنه لا داعي للبحث في طياتها، وهي التي عمرت نيفا وسنة فقط. عن المزايا والفضائل التي جعلت حسون الصحافي والمناظر والهجاء والنقاد، والسياسي الحر يحتل مركز الصدارة في تاريخ الصحافة العربية وميدان الفكر الاجتماعي – السياسي.

وقد سار كريمسكي على هذا المنوال حين أكد عن قناعة راسخة أن حسون كان يجل ويحترم روسية ضمنيا، ويتمنى من صميم فؤاده "النصر للروس"، ولكنه لم يكن في ظروف الحرب القاهرة قادرا على "اظهار محبته للروس" . ولذا كان يلجأ الى تصوير الوقائع تصويرا مبسطا يولد لدى القارئ انطباعا عميقا بأن تركية تبغي الخروج من الحرب لعقد اتفاق هدنة منفصل مع روسية . ومن نوافل القول أن رزق الله حسون كان مضطرا لأن يحسب الف حساب للأخطار المحيقة به، ولذا سعى على قدر الامكان لاظهار براعته الصحفية وجرأته الأدبية وحنكته السياسي في الطور الأول من نشاطه الصحفي الحرب في ظروف الكبت السائدة في اسطنبول. فهو لعمري يستحق كل الثناء والتقدير. ومصداق قولنا شهادة أدلى بها المؤرخ الجليل جرجي زيدان الذي أكد أن حسون فعل الكثير والكثير، وفي وصفه "لمرآة الأحوال" قال: "كانت خطتها ضد الأتراك ولهجتها في الطعن شديدة، فقررت الحكومة القبض على صاحبها ففر الى روسية"، وهناك أطلق لسانه بالانتقاد على الحكومة التركية، أما الأديب حنا الفاخوري فقال فيه: "كان حسون يصور تصويرا مفصلا وقائع حرب القرم، كما وصف أحوال سورية ولبنان" ثم خلص الى القول: "فكان (يقصد حسون – المؤلف) سببا في ازعاد الأتراط" وأوضح فيليب الطرزي بكل سطوع "أن حسون كان حر الأفكار طويل الباع في الانشاء، مر الهجو في الشعر، كالفرزدق". ولذا تضمنت "مرآة الأحوال" فصولا لا تخلو من تقبيح الأتراك والتنديد بالأعمال الحكومية. وعندما حكم عليه الأتراك حكما غيابيا بالاعدام، نظم بعض أبيات في الفخر خاطب بها دولة الأتراك نورد منها هذين البيتين:

أنا ابن حسون رزق الله أشهر من نار على علم والكل بين علموا
كرا وبلغهم عني مغلغلة يا أمة ضحكت من جهلها الأمم

بيد أن مرآة الأحوال رغم كونها "أول جريدة عربية شعبية بكل ما في هذا الكلام من معان" لم يكن مقدرا لها بلوغ الأهداف العظيمة والغايات النبيلة التي راودت مخيلة صاحبها رزق الله حسون، ولاسباب جد وجيهة أهمها: قلة عدد النسخ المطبوعة، ومحدودية انتشارها ورواجها، فضلا عن نهايتها المبكرة، مختصر القول: كان من المستخيل على جريدة "مرآة الأحوال" أن تمارس في تلك الأيام والأحوال ومن قلب الدولة العثمانية، تأثيرا ملموسا على النشء العربي الجديد المتطلع الى النور والضياء".


انتقاله إلى لندن 1868

وانتقل رزق الله حسّون إلى لندن وأصدر هناك عام 1868 "رجوم وغساق إلى فارش الشدياق" وهي مجلّة صغيرة غايتها الردّ على أحمد فارس الشدياق. وكان بين الاثنين مناظرة انقلبت إلى مشاتمة ومهاترة. توقفت عن الصدور بعد العددين الأوّلين.

ثم أصدر "آل سام" في لندن عام 1872 وهي جريدة أسبوعيّة سياسيّة تضمّنت أيضاً التقبيح بالأتراك ومهاجمة سياستهم. وقد حفر حسّون حروفاً عربيّة مختلفة كان ينضدها في بيته في مطبعة آل سام ويطبعها على المكبس بنفسه. وأنشأ مجدّداً في لندن في 19 تشرين الأول 1876 جريدة أسبوعيّة سياسيّة أخلاقيّة باسم "مرآة الأحوال" وتولّى صاحبها رزق الله حسّون تنميق مقالاتها الأدبيّة وترجمة أهم الأخبار عن الصحف الإنكليزيّة بينما اهتمّ مساعده لويس صابونجي ثمّ عبد الله مرّاش بالمقالات السياسيّة. نالت هذه الصحيفة شهرة كبيرة حتى بلغ عدد بيعها 450 في لندن وحدها على قلّة الناطقين بالضاد ثمّ تعطّلت لأنّ دخلها لم يوازِ ربع تكاليفها.

وصدرت في لندن سنة 1879 "حلّ المسألتين الشرقيّة والمصريّة لصاحبها رزق الله حسّون وهي أول مجلّة شعريّة عربيّة كانت تصدر مرّتين في الشهر وكانت شديدة الانتقاد لرجال الحكومة العثمانيّة. تعطّلت عام 1880 بوفاة صاحبها.

كتبه

ومن مآثر رزق الله حسون، كتابان آخران طبعهما في لندن: الأول كتاب النفثات ضمنه أربعين مثلاً من أمثال أحد كتبة الروس يدعى: ايفان أندريفتش كورلف، فنقلها حسون إلى العربية ونظمها شعراً وألحقها ببعض مقاطيع شعرية من نظمه. والكتاب الآخر هو ديوان حاتم الطائي طبعه سنة 1872 على نسخة مكتبة لندن في 33 صفحة وقد طبع هذا الديوان طبعة أخرى أفضل من الطبعة السابقة وأكمل منها على يد أحد المستشرقين الألمان أسمه شولتس وله كتاب آخر نفيس لم يطبع حتى الآن سماه (حسر اللثام) رد فيه على مزاعم بعض المسلمين منه نسخة بخطه في مكتبتنا الشرقية بمجلدين.

وكان رزق الله حسون من رجال السياسة يسعى مع الأحرار في إصلاح تركيا، وذلك ما ألجأه إلى سكنى لندن في آخر حياته، وهناك طبع جريدته: مرآة الأحوال سنة 1876 فكانت أقدم الجرائد العربية، وشفعها سنة 1879 بمجلة سياسية، كان مدارها على حال المسألتين: الشرقية والمصرية. وكان رزق الله حسون صديقاً لأدباء زمانه، يكاتبهم ويساجلهم.

أما وفاته فكانت سنة 1880 بلندن.

انظر أيضاً

المصادر

  1. ^ نجاريان, يغيا (2005). النهضة القومية-الثقافية العربية. دمشق، سوريا: أكاديمية العلوم الأرمنية - الدار الوطنية الجديدة.