داود باشا الأرمني

داود باشا، أوّل متصرف على جبل لبنان.

قره‌بت "هاريتون باشا داوديان" Karabid Davidian المعروف بإسم داود باشا الأرمني هو أول متصرف في جبل لبنان (1861-1868). فكان أول حاكم قام بفصل التعليم رسميا عن الكنيسة والطائفية – المذهبية في جبل لبنان والمقاطعات التابعة له تاريخيا.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

النشأة

ولد قره‌بت هاريتون داڤيديان في اسطنبول، لأسرة أرمنية كاثوليكية. وكان اختصاصيا في القانون والحقوق، وله فيهما العديد من المؤلفات القيمة. وهو من أعظم الموظفين في الإمبراطورية العثمانية ذكاء وموهبة وعلما . انتخبته الأكاديمية العلمية في برلين عضوا فخريا، ومنحته جامعة فيينا لقب دكتور في الحقوق. التحق بالسلك الدبلوماسي وتدرج فيه فأصبح قائما بالأعمال في برلين، وقنصلا في فيينا، دعي فيما بعد الى الأستانة للعمل في نظارة الخارجية فعين ناظرا عاماً للمطبوعات ثم ناظرا عاما للتلغراف. ثم غير اسمه إلى "داود باشا الأرمني"، وأنعم عليه السلطان الجديد عبد العزيز الأول بأعلى لقب اداري عثماني وهو مشير Müşür وتبوأ العديد من المناصب الهامة التي آخرها متصرفا على لبنان.


وصوله بيروت

وصل داود باشا إلى بيروت في 12 يوليو 1861. وقد استقبله كبار رجال الدين الروم الكاثوليك وكذلك رجال الدين الأرمن الارثوذكس. إلا أن الطائفة المارونية (وكذلك الحكومة الفرنسية) لم ترحب به طوال فترة خدمته. فقد كان يوسف قرمان، آخر قائم‌مقام ماروني يطمح في تولى منصب المتصرف. وقد ظلت المناطق المارونية نعقل اضطرابات طيلة فترة حكمه.[1]

وقد باشر داود باشا أعماله بكل اخلاص وتفان في المسؤولية.

لقد أجمع الباحثون في التاريخ اللبناني الحديث على المناقب الانسانية والخصال الحميدة التي امتاز بها داود باشا، كما ركزوا على الدور العظيم الذي قام به في تاريخ جبل لبنان. فها هو ذا المؤرخ كمال الصليبي يؤكد قائلا: "من العسير جدا ايجاد بديل أفضل منه". وقد وصفه فيليب حتى بأنه "شخص ذو مواهب عظيمة". ورأى فيه هنري لامنس فضائل وشمائل "الحاكم المبرز العظيم". ثم أضاف شارحا ما يرمي اليه: "اذا كانت نهضة الجبل نتاجا طبيعيا للروح الابداعية وقوة العزيمة اللتين يتمتع بهما اللبنانيون فان المتصرفين أدوا قسطا كبيرا في هذا الميدان ولاسيما الحاكم الأول الأرمني المحتد داود باشا . وأشاد به كريمسكي فقال: "لقد أظهر مواهب عظيمة في ادارة جبل لبنان .. وأبدى أسمى آيات الرعاية والعناية بالبلاد التي أوكل اليه أمر حكمها". ولم يتوان نجيب الدحداح عن اعتبار نشاطه الكبير في طليعة الحوافز المادية والعوامل الموضوعية الذاتية التي أدت الى ارساء أسس الدولة اللبنانية الراهنة بحدودها الطبيعية ,الى جعل القومية اللبنانية حقيقة واقعة".

واخلاصا منا للتاريخ نقول: "ان الشعور بالحق والعدل" و"المواهب الفطرية" هي التي مكنت داود باشا من الوصول الى أعظم الانجازات في ميدان توطيد النظام والقانون، واستباب الأمن والاستقرار، واصلاح ذات البين بين الطوائف المتناحرة – وهذه الأمور العصيبة الحل كانت في الحقيقة من رابع المستحيلات في نظر أشد الناس تفاؤلا. ولعل تكريس الطائفة رسمية في الحياة الاجتماعية – السياسية عن طريق النظام الأساسي في جبل لبنان كان من أخطر العوامل الفاعلة على الساحة. إذ تحول إلى المحرك الرئيسي في هيكلة ونشاط البنى الاجتماعية الادارية والقضائية والعسكرية في جبل لبنان المستقل. الأمر الذي يعني تفكيك أوصال وحدة اللبنانيين التي شيدوها بالعرق والدم عبر الأجيال، وذر قرن الاصطراعات الدينية – المذهبية بين مختلف الطوائف، وزرع الشكوك والمخاوف في جميع مناحي الحياة، لذلك كله كان مفتاح الحل والتسوية للخروج من هذا المأزق عن طريق التقدم الاجتماعي والاقتصادي والثقافين ولاسيما في ميدان التربية والتعليم والتنوير.

إنشاؤه المدارس العلمانية

من المعروف أن المدارس البيروتية ذات الطابع الطائفي المذهبي المتصارعة فيما بينهما بتأثير الأوضاع المأساوية القائمة، تركت ذات الآثار السلبية على المدارس الموجودة في جبل لبنان. وهنا بالذات برزت العراقيل التي اعترضت طريق داود باشا ولا سيما المقاومة العنيفة التي أبداها الكاثوليك، والتي تغلب المتصرف عليها بشق الأنفس. وبعدئذ فقط تمكن الحاكم الجديد من تأسيس العديد من المدارس الابتدائية العلمانية، ومن أشهرها "المدرسة الداودية الدرزية" في عبية التي حملت اسمه. ومن اللافت للنظر أن هذه المدارس الوطنية الرسمية كانت الأولى من نوعها في المشرق العربي، اذ اتبعت المبدأ العلماني في التدريس فكان التلاميذ من الطوائف والملل والأجناس يجلسون معا على مقعد واحد، وأكثر من ذلك، فالمدرسة الداودية كانت مخصصة للتلاميذ من أبناء الطائفة الدرزية الذين بقوا دون تعليم، فكان لها الفضل الكبير في حقل تطوير العلم والثقافة بين الدروز في الجبل.

الثورة عليه والمطالبة بحاكم وطني

بيد أن "عصر الوفاق" لم يدم طويلا، ففي عام 1868 استقال داود باشا من منصب متصرف لبنان، والمستشرقون لم يتطرقوا الى أسباب استقالته ما عدا هولد بين ، الذي لمح الى الألم الذي حز في نفس المتصرف دواد باشا نتيجة "لانفجار الانتفاضة" التي قامت بها الجماهير الشعبية ضد "داود باشا" الذي كان في خدمة الأتراك "رافضة" تقديم الضرائب الى الحاكم الأجنبي ومطالبة "بتنصيب حاكم وطني". ثمة تفسيرا متباينة لدى الكتاب الأجانب حول مسألة استقالة داود باشا تتراوح بين اتهامه "بالتقصير في مقاومة المعارضة المارونية الصامتة" و"الصدام المسلح بينه وبين الزعماء الاقطاعيين في الجبل" وبين القاء المسؤولية على "التدخل التركي المباشر في الشؤون الداخلية للبلد و"القطيعة بينه وبين الدول الأجنبية، ولا سيما مع مندوبي الدولة الفرنسية". ولعل المؤرخ والكاتب الاجتماعي نجيب الدحداح المتحدر من أسرة مارونية مترفة كان أقربهم الى الحقيقة حين أفاد أن داود باشا استقال حين تعذر عليه توسيع حدود جبل لبنان المستقل.

تهجير الأرمن ومشروع دولة مسيحيي المشرق

وقد أكد أحمد طربين أيضا – وهو من المؤرخين الذين يعتمدون على الوثائق والمستندات التاريخية – أن داود باشا تراجع عن منصب المتصرف بعد أن رفضت الحكومة التركية مطلبه بشأن توسيع أصقاع لبنان المستقل على حساب الأراضي التابع له تاريخيا. ومن الأهمية بمكان الشهادة الواردة في المصادر الأرمنية حول أن مشروع اقامة دولة لبنان لم يكن حيوياً في نظر رجل الدولة الأرمني من موقع الحرص على المصير التاريخي للبنانيين عامة، والنصارى بوجه خاص وحسب، بل وكانت له دوافع وحوافز بعيدة الآفاق. وعن هذا الموضوع كتب سيساك وارجبيديان يقول: "من السمات المميزة لذلك المشروع الجهود المبذولة باتجاه تنظيم عمليات نقل الأرمن الى لبنان. فهو البلد الوحيد في الدولة العثمانية الذي يشكل فيه النصارى غالبية السكان، وهو ما أغري بداود باشا للتفكير جديا في مسألة تدبير هجرتهم الجماعية الى ربوع لبنان، وكان الكثير من العائلات الأرمنية قد استوطنت لبنان بتشجيع من الباشا نفسه". وعليه، فان مشروع الرامي لخلق "دولة مسيحية شبه مستقلة" تشمل ساحل المشرق العربي وتمتد من جنوب لبنان وربما من الساحل الفلسطيني الى سهول كيليكيا، وتحويلها الى ملجأ للأقليات المسيحية والقومية في الامبراطورية العثمانية – مشروع جدير بالاهتمام والدراسة المنهجية الموثقة بالمادة التاريخية النفيسة المحفوظة في شتى الأرشيفات.

المصادر

  1. ^ Caesar E. Farah, (2000). The politics of interventionism in Ottoman Lebanon, 1830-1861. London: Centre for Lebanese Studies (Great Britain). p. 696-697.CS1 maint: extra punctuation (link)
  2. ^ نجاريان, يغيا (2005). النهضة القومية-الثقافية العربية. دمشق، سوريا: أكاديمية العلوم الأرمنية - الدار الوطنية الجديدة.