حديقة الأخبار

جريدة حديقة الأخبار، هي صحيفة دورية تأسست في بيروت، لبنان، في يناير 1858.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

النشأة

ظهرت ضرورة ملحة لإنشاء صحيفة دورية في بيروت مركز النهضة العربية ورابطة الوصل بين الواقعين السوري والمصري، وفي غرة كانون الثاني (يناير) 1858 برزت صحيفة أسبوعية سياسية علمية تجارية تاريخية، هي "حديقة الأخبار" على يد مؤسسها خليل الخوري اللبناني، وكان أكبر عضد في انشائها رجل الفضل والشهامة ميخائيل يوسف مدور من أعاظم نصراء الأدب في بيروت، وكلاهما من أعضاء الجمعية العلمية السورية.[1]

وسيكون من السذاجة بمكان التوقع أن "حديقة الأخبار" ستكون لسان حال البرجوازية الوليدة، المعبر عن تطلعاتها الاقتصادية – الاجتماعية أو السياسية – الادارية المتجسدة لدى شتى ضروب المجموعات الاجتماعية المكونة للبرجوازية.

أجل ان مؤسسي "حديقة الأخبار" لم يضعوا نصب أعينهم الاضطلع بهذه المهام الشاقة والعسيرة ، فقد اقتصر دور الجريدة على أن تكون منبرا يساهم في انعاش الحياة الاقتصادية – التجارية، ويساعد على تحقيق الغايات الفكرية – الثقافية التي كانت تسعى اليها البرجوازية التجارية. ويعمل جاهدا للتأليف بين شتى الطوائف والتفاهم حول هذه الأكفار، وليس أكثر من ذلك.


الأهدف والتوجهات

وقد اتصفت حديقة الفكر باعتدال مشربها وتفانيها في خدمة الدولة العثمانية، والعدد الخامس من لجريدة مثال ساطع على ما نقوله، اذ أغدق ناصيف اليازجي مدائحه للسلطانين عبد المجيد وعبد العزيز ، وأطلق عليهما أوصافا ونعوتا مبالغا فيها الى أقصى درجات المبالغة مثل "رب العلم" "خليفة رسول اللع العظيم" ... ألخ، وهي أوصاف سوغها غرف ذلك الزمان، فكانت بمثابة جزية يؤديها رجل الفكر لسلطان العصر، فتكون له ضمانة لحياته الشخصية، وتخوله حق نشر بعض المواد المحظورة كليا أو جزئيا ذات الطابع التنويري الى هذا الحد أو ذاك، أو بعض الأخبار الخطيرة التي قد تهيج خواطر الناس، كما حدث أثناء نشر خبر محاولة الاغتيال التي قام بها الثائر الايطالي الحر أورسيني ضد نابليون الثالث العدو اللدود لحركة التحرر الايطالية . ينبغي التذكير هنا، أن الجريدة التي كان لها 400 مشترك دائم في الأستانة وجميع المدن العربية الكبرى (ما عدا بيروت طبعا) وعدد مماثل من القراء غير المشتركين اضافة الى عدد لا يستهان به من المراسلين المحليين، كانت تحذو حذو الصحف التركية النادرة والعربية السياسية الوافرة في استقاء مواد الأخبار الداخلية من جريدتي "تقويم الوقائع" التركية و"الوقائع المصرية" الرسميتين. أما زاوية الحوادث الخارجية "فقد اتصفت بالتحفظ وجفاف الأسلوب"، فيما كانت الجريدة تقدم مادة غنية متنوعة عن أخبار الثقافة والأدب والتمدن الأوربي، مذكرة قراءها بأن الشرق يجب أن يتعلم الكثير والكثير عن الغرب الحضاري، وأن مصلحة الشرق بالذات تعرفض عليه التوصل الى المستوى الأوربي.

ومن الدلائل البليغة على أن الجريدة كانت تعبر عن مصالح البرجوازية، الوفرة البارزة في المواد المكرسة لاستعراض الأنشطة التجارية والمشاريع الصناعية والزراعية والاقتصادية المختلفة، نذكر من بينها مثلا:

مناقشة مشروع قناة السويس ، وتقريظ مدور لمشروع بناء طريق بيروت – دمشق من قبل شركة فرنسية مساهمة 1863، والحياة التجارية – الاقتصادية في بيروت، وأوضاع السوق الداخلية والخارجية، وتقلبات الأسعار، وحركة السفن التجارية والأخبار الدائمة عن أعمال الشركات الوطنية والأجنبية.

وتعكس افتتاحية العدد الأول للجريدة المهمات التثقيفية – التنويرية التي اضطلعت بها. وقد لخص كريمسكي الذي اطلع شخصيا على مضامين افتتاحية الجريدة المكرسة للقضايات التعليمية والتنويرية والمشاريع الثقافية التي طرحتها الجريدة، على الشكل الآتي: "ان بلادنا متأخرة بالقياس الى أوربة، وهذه حقيقة لا ينكرها أحد، ولكنها خطت خطوة كبيرة على طريق التقدم بالنسبة لما توصل اليه الجيل السابق. وهذا أمر طبيعي ومنطقي جدا، لأن الكثير من شبابنا اتقن اللغات الأجنبية ، وهي من أنجع الوسائل للتعرف واستيعاب الأفكار والقيم والأخلاق والعادات والفضائل المنتشرة في البلاد المتمدنة المتنورة. وان عظمة السلطان ناصر العلم والأدب يساهم في نهضة هذه البلاد ورقيها. ولذا فرض علينا الاذعان لمشيئته وارادته السنية بمد يد العون والمساعدة لكل الشعوب الطامحة الى الرقي والتقدم. ان بلادنا من أعظم بلدان هذه الأرض. ولذا فهي تلاقي الاعجاب والتقدير لدى الأجانب. ونحن نحب بلادنا حبا لا حدود له، فكل شيء فيها عزيز على قلوبنا، حلو المذاق ولو كان مرا كالحنظل، ولا غرو في ذلك، فهي لنا بمنزلة الحبيب والقريب. وهذا لعمري جوهر الشعور الوطني الصادق، والتباين في معتقداتنا وأدياننا نحن العرب. لا ريب أن يدفعنا الى البغضاء والشحناء والتنافر والتنابذ. وهذا ما يحدث أحيانا للأسف – وهذا لعمري من مخلفات الماضي الكربة التي عفا عليها الزمان. ومن حسن حظنا أ، بيان السلطان السامي يساوي بين كل الأديان فيدعو الى التسامح الديني، وينبذ أحقاد التعصب الأعمى من أجل الوصول الى خير ومنفعة الدولة الوطنية التي تحتضن جميع رعاياها كما تحتضن الأم الرؤوم أطفالها. يجب علينا أن نكون أمة واحدة وأن نسير قدما بخطى ثابتة راسخة. ولن تقوم للتعصب الديني الأعمى قائمة بعد اليوم بفضل نشر العلم والتنوير فير بوع بلادنا ليس فقط من مناهل العلوم النقلية الفقهية، بل ومن ينابيع العلم والمعرفة التي توصلت اليها أوربة والشعوب الغربية المتمدنة.

ان مراجعة سريعة للأدبيات ذات الطابع الموسوعي، والاطلاع من خلالها على الأمثلة المنشورة من الجرائد القديمة، ومن بينها "حديقة الأخبار" تدفعنا للتأكيد أن كريمسكي صاغ مواد الجريدة بما يتماشى وروح عصره. حقا ان كلمة "بلادنا" التي أوردها كريمسكي قريبة جدا تعبير "هذه البلاد" الذي كانت تستخدمه حديقة الأخبار للتدليل على رياض الشام ولكنها كانت تدعو مواطنيها بتعبير "أبناء الوطن" كما ان اصطلاح الوطنية أو الوطنية الرسميى لدى كريمسكي جاء تحويرا لمصطلح الجريدة "العصبة الوطنية" الذي شكل مع مفهوم "العصبة الجنسية" رديفا مضادا للعصبة الدينية.

احتلت المهام الأساسية التي طرحتها حركة النهضة في مراحلها الأولى مكانة بارزة في صفحات "حديقة الأخبار" التي كانت تعالج باستمرار قضايا مركزية ومحورية هامة : الحاجة الماسة الى زيادة عدد المدارس ، نشر التعليم بين الاناث، وتطوير الطباعة، انعاش الحياة الثقافية بنشر المكتبات العامة التي أصبحت ملتقى طبقة من محبي المطالعة، الدعوة الى ترويج العلوم والفنون والقيم والمعايير الأوربية. كما كانت الجريدة تتبع أسلوبا تربويا – تهذيبيا بنشرها أخبار وتفاصيل الحوادث والوقائع المقتبسة من الحياة الأوربية مقارنة اياها بمجريات الأمور في الحياة الشرقية، كي تقدم للقارئ صورة ساطعة عن تخلف الشرق وتأخره.

كرست "حديقة الأخبار" واحدة من افتتاحياتها لمعالجة موضوع التعليم الحقيقي وابراز مزاياه التنويرية السامية، فأكد كاتب المقالة "انه لا يجوز الخلط بين الحضارة الأصيلة وبين تقليد الأوربيين في مظهرهم الخارجي. صحيح أن تقليد الأوربيين في ملبسهم أمر ضروري، ولكن الاكتفاء بذلك دلالة على رقي المستوى الفكري، ليس سوى من باب التجني على الحقيقة". واختتم الكاتب حديقه بالدعوة لاستيعاب المعارف الأوربية، والارتقاء بمشاعر الكرامة الانسانية، واتقان الوسائل والسبل الكافية بتحقيق الخيرات للأفراد والجماعات على حد سواء.

الأثر الثقافي

لعبت "حديقة الأفكار" دورا بارزا في مضمار تطوير اللغة العربية فرغم استفادة الجريدة من مولدات ومستحدثات الألفاظ العربية التي وجدت طريقها الى النور عبر منشورات مطبعة بولاق المصرية ومطبوعات الارساليات الأجنبية في بيورت، فان "حديقة الأخبار" ادلت بدلوها في هذا المضمار، فأثارات اعجاب المهتمين بنقاوة لغة الضاد. واستنكار "علماء الدين" الذين امتنعوا عن مطالعتها. وسعيا منها لتبرير ساحتها اضطرت ادارة الجريدة لنشر مقتطفات من الخطبة التي ألقاها العلامة بطرس البستاني قبل ما ينوف عن العام والتي جاء فيها بالحرف الواحد قوله: "رغم أ، العربية غنية بالمترادفات والمتجانسات للتعبير عن المفاهيم القديمة، فقي فقيرة في مجال تعريب الألفاظ المستحدثة. واذا لم نجد مخرجا في مجال الاشتقاق اللغوي فسيقع مالا يحمد عقباه رغم أنف السادة فقهاء اللغة، الذين يؤمنون ايمانا أعمى بأن الفيروز أبادي قد أقفل باب كنوز اللغة بتأليفه "القاموس المحيط"، وأنه أخذ المفتاح معه في القرن الخامس عشر. فلغتنا، كغيرها من اللغات الحية، لا يمكنها التعبير عن المعاني الحديثة التي تثري اللغة وتكسبها متانة وأصالة. وفي وقت لاحق ركز المحرر على قضية اللغة أيضا فقال: "ومن أهدافنا التنويرية الأصيلة السعي سعيا حثيثا لمنح لغتنا العربية السامية الحرية المطلقة للحركة في خضم الأفكار الجديدة، راجين لها الوقوف في صف واحد من اللغات الحية في شتى حقول المعرفة والعلم. وكل من يجيد لغة أجنبية واحدة يدرك حق الادراك ان لغتنا – رغم عظمة ثروتها في الألفاظ المترادفهة والأضداد – الآن فقيرة لدرجة لا تسمح لنا بالتعبير عن أبسط مصطلحات العلوم الحديثة التطبيقية والانسانية والعقلية".

والتطابق في الآراء حول أمور اللغة بين البستاني و"حديقة الأخبار" ليس مصادفة اطلاقا. فالبستاني كان مهتما بادارة دفة الشؤون اللغوية والادبية في الجريدة دون الاعلان صارحة عن ذلك، ولكنه جاهر بعد زمن قصير باهدافه الرامية لتطوير اللغة العربية في واحدة من وطنياته الاحدى عشرة. تلك الوطنيات التي بلورت فكر البستاني وأهدافه الاستراتيجية التي لخلصها بالذات سنة 1862 بقوله: "تمهيد الطريق لرقي شعبي وايقاظ مشاعر الحب نحو لغتنا السامية".


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

المصادر

  1. ^ نجاريان, يغيا (2005). النهضة القومية-الثقافية العربية. دمشق، سوريا: أكاديمية العلوم الأرمنية - الدار الوطنية الجديدة.